← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الستة. وقوله: بتيمم فرض أي ولو من حاضر صحيح عادم للماء في جميع الأمور الستة وقوله: "أو نفل"، أي من غير حاضر صحيح. إن تأخرت هو شرط في قوله: "جاز" بالنسبة لتيمم الفرض؛ يعني أن هذه الأمور المذكورة من قوله: "جنازة" وما بعدها إنما تجوز بتيمم الفرض إن تأخرت هي عن فعل الفرض، وأما لو تقدمت هي على الفرض فإن ذلك لا يجوز، لكنها تصح ويبطل الفرض إن أتى به عقب واحد منها بغير تيمم. فالفرض إنما يصح إذا لم يفصل بينه وبين تيممه له شيء من هذه الأمور، فإن فصل بينهما بشيءٍ منها صح وبطل الفرض، فيعيد التيمم له، فَإذا تيمم لِلصبح وقدم عليه ركعتي الفجر، فإنه يعيده للصبح، وبطلان الفرض بفصله من تيممه، ولو كان الفاصل مس مصحف أو قراءة جنب ولو كآية. ويشترط في صحة النفل اتصاله بالفرض وبعضة ببعض، ويغتفر يسير الفصل، ومنه: آية الكرسي، والمعقبات لا إن فَصلَهُ بطول أو بخروج من مسجد فيعيد التيمم. وفي السمع: أرأيت إن تيمم للنافلة فصلى، ثم لم يزل في المسجد في حديث، ثم أراد أن يقوم يتنفل بذلك التيمم. قال: إن تطاول ذلك فليتيمم يمما آخر، وإن كان شيئا خفيفا فأرجو أن تجزئه. نقله الإمام الحطاب. وقوله: "إن تأخرت"، قال الشيخ الأمير: ينبغي قصر المفهوم على النفل، وهو تعبير كثير، ولو الفجر فيعيده للصبح لا مس مصحيف، وقراءة لا تخل بالموالاة وبما قررت علم أنه لا يجوز الإقدام على فعل شيء من هذه الأشياء قبل الفرض بتيمم الفرض، كما قاله الحطاب. ونصة قول المص: إن تأخرت شرط في جواز إيقاع النفل بالتيمم الذي يريد أن يصلي به الفرض، وهذا مراد المص. اهـ المراد منه. وقد مر أنه يجوز النقل عقب الفرض، بتيممه، ولا يشترط في صحته أي النفل نيته ابتداء؛ أي حين يتيمم للفرض كما للحطاب، خلافا لابن غازي والتوضيح وابن فرحون والش أنه شرط لصحته، وأنه في كلام ابن رشد. قال الإمام الحطاب: لم أقف عليه في كلام ابن رشد لا في البيان، ولا في مقدماته، ولا في أجوبته، ولا التقييد والتقسيم له. وقد بحثت عن اشتراط نية النافلة عند تيمم الفريضة فكشفت عن ذلك أكثر من ثلاثين مصنفا في المذهب، فلم أر من ذكرها إلا التوضيح، ومن تبعه بل نصوصهم مطبقة على عدم الاشتراط، بل منها ما هو صريح في ذلك. انتهى. وقوله: لا في البيان ولا في مقدماته، جوابه في الخرشي أن ابن

стр. 597

رشد ذكره في المسح على الخفين فصح ما نقلوه عنه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الأمير: سمعت من شيخنا التاودي بن سودة: فجيئ عبد الباقي في حال قراءته الموطأ لنا عام حجه بالأزهر، قال: فتشت في المسح على الخفين أيضا فلم أره، قلت: وقد تصفحت مسائل المسح على الخفين ومسائل التيمم من البيان والتحصيل فلم أر ذلك فيه. انتهى. المراد منه. ويجوز النفل بالتيمم ولو كثر النفل جدا، خلافا للتونسي. وقال الشيخ الأمير: ونفل لم يكثر جدا بالعرف، وحده الشافعية بدخول وقت الثانية. ومن تيمم لواحد مما ذكر غير الفرض، ولو لمس مصحف، فله فعل باقيها قبله أو بعده؛ وليس كالتيمم للفرض فإنه لا يفعله إذا قدم عليه شيئا منها. قال الشيخ سالم: وانظر إذا تيمم لواحد منها وأخرج غيره، هل يجري فيه؟ أو أخرج بعض المستباح أم لا؟ انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر لا لضعف التيمم. والله سبحانه أعلم. ولا فرق في جواز فعل شيء من هذه الأشياء بتيمم بعضها بين أن يكون التيمم محدثا حدثا أصغر أو أكبر. قاله الشيخ الخرشي. لا فرض آخر يعني أنه لا يفعل فرض بتيمم لفرض غيره، ومن الفرض: طواف واجب؛ ونفل نذر؛ وجنازة تعينت. قال الشيخ عبد الباقي: ولذا حملنا كلامه السابق: "وجنازة" على غير المتعينة، والطواف على غير الفرض. وإذا لم يجز الفرض بتيمم لفرض آخر فأحرى أن لا يجوز بتيمم لغير فرض كما مر التنبيه عليه. وإنما أتى بقوله: "آخر" ليرتب عليه قوله: ولو قصدا يعني أنه لا يجوز للشخص فعل فرضين بتيمم واحد، ولو قصدهما معا بذلك التيمم، فإن فعل بأن قصد الفرضين معا بالتيمم صح الفرض الأول وبطل الفرض الثاني فيعيده أبدا، ووجه صحة الأول أنه أتى بالنية المشترطة ونيه أخرى، فهو كمن توضأ بنية الحدث ونية الجنابة. قاله سند. قاله الحطاب. وما ذكر من بطلان الفرض الثاني هو ظاهر قول ابن القاسم في سماع أبي زيد وهو قول مطرف وابن الماجشون وعلى هذا اقتصر ابن عرفة في عزوه، ونسبه في النوادر لابن القاسم من رواية ابن المواز مطلقا سواء كانتا مشتركتي الوقت أم لا؛ ولهذا قال: ولو مشتركة بكسر الراء، ورد بلو قول أصبغ، إن كانتا مشتركتين أعاد الثانية في الوقت، وإلا أعادها أبدا. وعليه فقيل: المعتبر الضروري أو الاختياري. حكاهما ابن رشد في سماع أبي زيد. قاله ابن غازي.

стр. 598

وقوله: "لا فرض آخر" هذا هو المشهور كما قال ابن عرفة، والشهور منع فرضين بتيمم واحد. وروى أبو الفرج: تقضى المنسيات بتيمم واحد، وقيل لمن لا يطيق مس الماء لضرر: جعع صلاتين بتيمم واحد، ثم قال: وعلى المشهور في إعادة الثانية في الوقت أوأبدا، ثالثها إن اشتركتا؛ ورابعها ما لم يطل كاليومين. انتهى. وقوله: "وبطل الثاني"؛ أي فعلا، فيشمل تنكيسهما حيث الترتيب غير شرط. وإنما بطل ثاني الفرضين على المذهب، وصحت صلاة النفل ونحوها بتيمم فرض أو نفل؛ لأن الأصل وجوب التيمم لكل قربة تتوقف على طهارة فخرج ما عدا الفرض عن ذلك بدليل وبقي الفرض. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الخرشي بدليل وفاق أهل الآفاق: ولا فرق في الفرض الآخر بين أن يكون من جنس الأول أو من غير جنسه. انتهى. وقوله: "ولو مشتركة" المناسب له: وبطلت الثانية، ويجاب بأنه ذكر الثاني نظرا للفرض، وأنث مشتركة نظرا إلى أن الفرض الثاني بمعنى الصلاة، ولو تيمم بقصد صلاة فتذكر أن عليه ما قبلها، فإنه يعيد التيمم لها. قال في المقدمات: ولا تصح صلاة بتيمم نواه لغيرها. انتهى. أي؛ لأن الفرض إنما يكون بعد دخول الوقت ووقتها عند تذكرها، ولعل هذا يفهم من قول المؤلف: "وفعله في الوقت"، وكذلك لو كان يتهجد بالليل فدخل وقت الفجر، لا يصليه، فلو تيمم للوتر فيصلي به الفجر حيث كان تيممه للوتر بعد دخول الفجر. قاله الشيخ الخرشي. لا بتيمم لمستحب معطوف على تيمم فرض أو نفل، واللام مقحمة أي زائدة، يعني أنه لا يفعل شيء مما تقدم بتيمم مستحب كالتيمم من محدث أصغر للقراءة، وكتيمم الجنب للنوم على القول به، ويمكن جعل اللام أصلية. ويراد بالمستحب ما لا تتوقف صحته على طهارة، وبالنفل السابق في قوله: "تيمم فرض أو نفل" ما تتوقف صحته على طهارة، فلا منافاة. أشار له الشيخ عبد الباقي. ولزم موالاته عبر بهذا دون واجبه كما في الغسل، وفرائضه كما في الوضوء لإدخاله هنا ما ليس بداخل في ماهيته كأخذه بثمن اعتيد؛ يعني أن التيمم تجب موالاته بين أجزائه، وبينه وبين ما فعل له. ومعنى الموالاة أن يأتي به متصلا بعضه ببعض، ومتصلا بما فعل له من صلاة؛ ومس مصحف وغير ذلك، فإن فرق بين أجزائه أو بينه وبين ما فعل له ولو ناسيا وطال، بطل على

стр. 599

المعتمد فلذا لم يشبهه المص بالوضوء كما فعل ابن الحاجب وابن شاس في أن حد الموالاة فيه أن لا يمضي قدر جفاف أعضاء في زمن ومكان اعتدل كل بتقدير الوضوء. وقيل بالعرف. ذكره أبو الحسن. أي؛ لأن الطول هنا مع النسيان مبطل له، بخلاف الوضوء والغسل؛ وإن اتفق التيمم معهما في تحديد الطول بجفاف على القول الأول. وقوله: "ولزم موالاته" فلا يجزئه أن يتيمم أول وقت الفريضة، ويؤخر (١) فعلها إلى آخره خلافا للشافعي، إذ من شرط التيمم أن يكون متصلا بالصلاة. وخالف ابن شعبان، فأجازه قبل الوقت وبعده وإن تراخى عن الصلاة. ومن تيمم لنافلة ثم خرج من المسجد لحاجة ثم عاد لا يتنفل به ولا يمس مصحفا. وقد مر عند قوله: "إن تأخرت" أن الخروج من المسجد بمنزلة الطول، فيعيد التيمم. قاله الشيخ إبراهيم. وقبول هبة ماء يعني أن الفاقد للماء إذا وهب له يلزمه أن يقبل ما وهب له ليتطهر به إن لم يتحقق منة، وإلا لم يلزمه القبول وإن لم يمن به، وهذا في منة يظهر لها أثر. وأما التافه فيلزمه قبوله؛ وكذا يلزمه الاستيهاب أيضا عند عدم المنة؛ وهو طلب هبة الماء. كما يأتي له في قوله: "كرفقة قليلة أو حوله من كثيرة". انظر شرح الشيخ عبد الباقي. لا ثمن عطف على ماء فهو مجرور؛ يعني أن الفاقد للماء لا يلزمه قبول هبة ثمن يشتري به الماء إذا وهب له، بل له أن يتيمم لوجود المنة فيه أو قرضه هو مرفوع معطوف على قبول، أو مجرور عطف على هبة، فهو عطف على المثبت، والضمير للماء أو للثمن. يعني أن فاقد الماء إذا أقرض الماء يلزمه قبوله، وكذا لو أقرض الثمن ليشتري به الماء فإنه يلزمه قبول قرضه، ويلزمه أيضا اقتراضه إن كان مليا ببلده، وإلا لم يلزمه ذلك، وهذا القيد إنما هو فيما إذا رجع الضمير للثمن، وأما إن رجع للماء فيلزمه قرضه وقبول قرضه من غير اعتبار القيد المذكور. كما في الشبراخيتي. ويصح في قوله: "أو قرضه" أن يكون مجرورا عطفا على ثمن؛ أي لا يلزمه قبول هبة ثمن ولا قرضه أي الثمن، وكذا لا يلزمه اقتراضه وهذا إن كان معدما ببلده، وإلا لزمه اقتراضه وقبول قرضه. وتحصل من هذا أنه يلزمه قبول هبة الماء إلا لتحقق منة أي منة يظهر لها أثر، وكذا استيهابه فيلزم عند عدم المنة، وأن

стр. 600

الثمن لا يلزم قبول هبته لوجود المنة فيه، وأن من أقرض الماء لزمه قبوله من غير اعتبار قيد الملاء ببلده فليس له أن يتيمم، وأما من أقرض الثمن فإن كان معدما ببلده لم يلزمه قبوله، وإن كان مليا ببلده لزمه قرضه وقبول قرضه إلا لمنة ظهرت هذا تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. هذا ما يتحصل من كلام الحطاب، وعبد الباقي، والشبراخيتي، وابن غازي، ومحمد بن الحسن، والأمير، وعبارته: واستيهاب ماء وقرضه كقرض ثمنه إن كان مليا ببلده لا قبول هبة الثمن إلا لمنة ظهرت. انتهى. قال: والاستثناء راجع لما قبل النفي. انتهى. وهو صريح أو كالصريح في أن قرض الثمن لا يلزم قبوله عند تحقق المنة. والله سبحانه أعلم. وأخذه بثمن اعتيد يعني أن فاقد الماء إذا وجده يباع، فإنه يلزمه أن يشتريه بالثمن الذي يعتاد بيعه به بذلك المحل وما قاربه، وغير المعتاد ما زاد زيادة متفاحشة عرفا. وحاصل ما للخمي وأشهب -وينبغي التعويل عليه- أنه يراعى عدم الزيادة على [مثلي (١)]، ثمن الماء، وعدم بلوغه عشرة دراهم، ولا يشتريه بزيادة على قيمته أكثر من مثليه وإن لم تبلغ عشرة دراهم، ولا يشتريه بما يبلغ عشرة، وإن كانت الزيادة فيه دون ثلثي القيمة، ويلزمه أيضا تسخينه عند خوف استعماله باردا، مرضا أو زيادته بما يلزمه بذله فيه. لم يحتج له يعني أنه إنما يلزمه أخذ الماء بالثمن المعتاد حيث لم يكن محتاجا للثمن لنفقة أو غيرها، وأما لو كان محتاجا له فلا يلزمه شراؤه، بل له أن يصلي بالتيمم. وإن بذمته مبالغة في قوله بثمن اعتيد؛ يعني أنه يلزم فاقد الماء إذا وجده يباع أن يشتريه بثمن معتاد، وإن كان هذا الثمن المعتاد الذي يأخذ الماء به دينا في ذمته إن كان عنده ما يوفي به. وقد تقدم حاصل ما للخمي وأشهب، وينبغي التعويل عليه أنه لا يشتريه الخ. ومفهوم قوله: "اعتيد" أنه لو بيع بغير المعتاد لم يلزمه ولو كثرت دراهمه، قاله الخرشي. وانظره مع ما مر. وطلبه لكل صلاة يعني أنه يلزم التيمم؛ أي مريد التيمم أن يطلب الماء لكل صلاة بعد دخول وقتها؛ أي أن المكلف إذا طلب الماء للصلاة ولم يجده، وتيمم وصلى، ثم دخل وقت صلاة

стр. 601

أخرى، فإنه يطلب الماء للصلاة الثانية؛ لأن الصلاة الثانية في حكم الأولى في توجه الخطاب بالطلب، وهذا إذا كان في غير الموضع الذي كان فيه في وقت الصلاة الأولى، أو فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء وأما إذا كان بموضعه الأول ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء فلا يلزمه الطلب حينئذ؛ لأنه لا فائدة فيه لتحقق عدم الماء. ابن رشد: يريد بالتحقق غلبة الظن؛ لأن الظن في الشرعيات معمول به، وأما القطع بالعدم فقد لا يتصور. وقوله: وطلبه لكل صلاة؛ أي بعد دخول وقتها بنفسه أو بمن يستأجره بأجرة تساوي ما يلزمه بذله فيه؛ وكذا يلزمه طلب القدرة على استعمال الماء: فهو شرط في صحة التيمم كما في الحطاب. وفهم من قولهم: يلزم طلب الماء بعد دخول الوقت؛ أنه إذا مر بالماء في الوقت وهو ذاهب إلى موضع لا ماء فيه، أنه يجب عليه أن يستعمل أو يستصحب الماء، ولا يجري فيه الخلاف الجاري في وجوب استصحاب الماء على من ذهب قبل الوقت إلى موضع لا ماء فيه، وندبه -والله سبحانه أعلم- قاله جامعه عفا الله عنه. وإن توهمه يعني أنه يلزمه طلب الماء لكل صلاة في أربع صور؛ وهي ما إذا تحقق وجود الماء، أو ظنه، أو شكه، أو توهمه. ولا يلزمه الطلب في صورة واحدة؛ وهي ما إذا تحقق عدمه أي تحقق عدم وجود الماء؛ إذ لا فائدة في الطلب. وقوله: "وإن توهمه" وفاقا لابن شاس وابن عطاء الله وابن عبد السلام؛ وخلافا لقول ابن رشد: لا يطلب حالة التوهم، إذ هو ظان عدمه. والظن في الشرعيات معمول به، وصوب كلامه ابن مرزوق، ولكن لا يعادل من تبعهم المص. وقد مر تفسيره؛ يعني ابن رشد لتحقق عدم وجود الماء بغلبة الظن. طلبا لا يشق به يعني أنه إذا لم يتحقق عدم الماء، وقلنا إنه يلزمه طلبه لكل صلاة، فإنه يطلبه طلبا لا يشق به بالفعل؛ وهو على أقل من ميلين راكبا أو راجلا، فإن شق بالفعل؛ وهو على أقل من ميلين، فلا يلزمه الطلب راكبا أو راجلا. كما إذا كان على ميلين شق أم لا راكبا أو راجلا؛ لأنهما مظنة المشقة، فالصور ثمانية. وقبل خبر واحد أرسله قوم أنه لم يجد ماء، وجاز لهم التيمم؛ وينبغي تقييده بعدل رواية. وليس الجلد كغيره، أي في أقل من الميلين، والميلان مظنة المشقة -كما مر- فلا يلزم الطلب منهما لا في السفر ولا في الحضر، وليس عليه أن يجهد نفسه

стр. 602

في الجري لإدراك الماء، ولا أن يخرج عن مشيه المعتاد. كرفقة مثال للطلب الذي لا يشق؛ يعني أن المسافر يلزمه أن يطلب الماء من رفقته إذا كانت الرفقة -بضم الراء وكسرها، ولا تجمع على رفقاء- قليلة كما أشار إلى ذلك بقوله. قليلة كالأربعة والخمسة، كانت حوله أم لا. أو حوله من كثيرة يعني أن المسافر إذا كانت رفقته كثيرة فإنه يلزمه أن يطلب الماء ممن قرب منه حوله من تلك الرفقة الكثيرة. والكثيرة كالأربعين، قال مالك في سماع أشهب: يسأل من يليه ومن يظن أنه يعطيه، وليس عليه أن يتتبع أربعين رجلا في الرفقة فيسألهم، ولكن يسأل أول من يليه ويرجو ذلك منه. وقوله: "أو حوله من كثيرة"، قال الشبراخيتي: بحيث يكون من حوله منها كالقليلة. كذا في بعض التقارير. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وانظر ما بين العددين المذكورين هل يلحق بالقليلة أو بالكثيرة؟ قال الشيخ الأجهوري: ولو قيل بإلحاق الخمسة عشر بالأربعة، وما زاد عليها بالأربعين ما بعد، والجامع عدم المشقة؛ وهي في الثاني. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والذي يظهر أن هذا التنظير لا محل له؛ لأن المعتبر المشقة وعدمها. انتهى. ومحل لزوم الطلب في القسمين. إن جهل بخلهم به يعني أن محل لزوم الطلب في القسمين إنما هو حيث جهك بخل القوم بالماء؛ بأن علم الإعطاء، أو ظنه، أو شكه، أو توهمه. وأما إن علم عدم الإعطاء فلا يلزمه الطلب، وإذا ترك الطلب حيث تحقق الإعطاء أو ظنه فإنه يعيد أبدا، وسواء في ذلك ترك طلبه من رفقة قليلة أو حوله من كثيرة، وإن شك في الإعطاء وترك الطلب أعاد في الوقت، وإن توهم لم يعد. كما قاله الشيخ الأمير. وهذا إن تبين وجوده أو لم يتبين شيء، فإن تبين عدمه لم يعد في الأقسام المذكورة، فإن علم بخلهم تيمم، كما لو علم إعطاءهم حياء لحرمة طلبه حينئذ. وهل يسوغ له الاستعمال حينئذ أم لا؟ لأنه بمنزلة المغصوب. ولو طلبه ممن يليه فقالوا: ليس عندنا، ثم وجده عندهم بعد أن تيمم وصلى، فإن كانوا ممن يظن أنهم لو علموا بالماء لم يمنعوه أعاد في الوقت على الصحيح. وقيل: يعيد أبدا، والأول لمالك، والثاني لأصبغ، وان ظن أنهم يمنعونه لم يعد. وقال أصبغ: إن لم يسأل في الرفقة الكثيرة لم يعد، وفي الصغيرة يعيد في الوقت؛ وإن كانوا رجلين أو ثلاثة أعاد أبدا وضعف اللخمي والمازري قول أصبغ. وحاصل قول أصبغ هذا

стр. 603

أنه إذا ترك الطلب من الكثيرة لا إعادة عليه؛ وفصل في الصغيرة؛ فقال: من ترك طلبهم يعيد في الوقت إلا إذا كانوا رجلين أو ثلاثة فيعيد أبدا. واعلم أنه لا يلزم أصحاب الماء دفعه لمن طلبه؛ ولو أدى لترك طالبه للصلاة. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير: نظروا إذا شح العبد بمائه هل يجب نزعه؛ واستظهروا جواز التيمم، ولعل الأظهر الانتزاع حيث لا ضرر. انتهى. وما تقدم من أنه يعيد أبدا فيما إذا ظن إعطاء الرفقة القليلة ومن حوله من الكثيرة، يخالف قوله الآتي، ويعيد القصر في الوقت، وقد يقال لا يخالفه. قاله الشيخ إبراهيم. وسيأتي ما للشيخ عبد الباقي عند قوله: "ويعيد المقصر في الوقت". ونية استباحة الصلاة يعني أن النية في التيمم واجبة، فينوي أنه يستبيح الصلاة بتيممه وإن لم يعينها، فمن نوى بتيممه استباحة صلاة الفرض من غير تعرض لكونها ظهرا أو عصرا مثلا، صلى به ما عليه من ظهر أو عصر أو غيرهما، ويندب تعيينها فرضا أو نفلا أو هما. والصور تنلاث: نوى استباحة الصلاة من غير تعرض لفرض ولا نفل، قصدهما معا، صح في الصورتين. نوى مطلق الصلاة إما فرضا وإما نفلا، أي ملاحظا دورانها كما للشيخ الأمير؛ ويفيده الخرشي أيضا لم يصل به الفرض، وتجري الثلاث في نية استباحة ما منعه الحدث، وتكفي أيضا نية فرض التيمم، وله بهذه النية بأقسامها صلاة ما عليه من ظهر مثلا فقط، حاضر لا فائت قبل تذكره؛ لأن وقت الفائتة ذكرها، والتيمم لها قبل ذكرها تيمم لها قبل وقتها فلا يجزئ، ولا يصلي صلاة فرض بتيمم نواه لغيرها، كما لو تيمم للعصر مثلا فذكر أن عليه الظهر، فيعيد له التيمم. كما قاله الشيخ عبد الباقي. كذا لو تيمم للظهر، ثم تذكر أنه صلاه، فإنه يجدده للعصر مثلا، فإن لم يكن محدثا أكبر فالأفضل له أن ينوي استباحة الصلاة من الأصغر، فإن لم يتعرض له أو نسيه لم يضره. ولو نوى بتيممه استباحة الصلاة من نجاسة مسها بيده لم يجزه. كمافي الحطاب. وهو ظاهر. ونية أكبر إن كان يعني أن المتيمم يلزمه أن ينوي الاستباحة من الحدث الأكبر جنابة أو حيضا أو نفاسا حيث كان محدثا حدثا أكبر، فإن تركها عمدا لم يجزه، وكذا ناسيا كما في المدونة؛ وهو ظاهر المص، كابن عبد السلام، وشهره ابن الحاجب. وقال البساطي وتبعه الشيخ داوود:

стр. 604

المشهور أن الناسي يعيد في الوقت، فإن لم يكن محدثا أكبر ونوى الأكبر معتقدا أنه عليه، صحت لا عمدا. وقوله: "ونية أكبر" يجري في نية استباحة الصلاة، وفي نية استباحة ما منعه الحدث، بخلاف فرض التيمم، فيجزئ وإن لم يتعرض لنية أكبر عليه. ومحل النية عند مسح الوجه بلا خلاف. قاله الشيخ زروق. ولا يلزم على ذا فعل بعض التيمم بغير نية؛ لأن الضربة كأخذ الماء للعضو. وقال الشيخ الأمير: ظاهر كلام صاحب اللمع، وصرح به غيره أنه عند الضربة الأولى. وقال الشيخ زروق: عند الوجه. واستظهره البدر القرافي قياسا على الوضوء، والأوجه الأول؛ إذ لا يبعد أن يضع الإنسان يده على حجر مثلا من غير نية تيمم، بل يقصد الاتكاء أو مجرد اللمس مثلا ثم يرفعها فيبدو له بعد الرفع أن يمسح بهما وجهه ويديه بنية التيمم. وفرق بينه وبين الوضوء، إذ الواجب كما قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. ولا مدخل لنقل الماء في الغسل. وقال في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ فأوجب قصد الصعيد قبل السح، وقد عدوا الضربة الأولى من الفرائض فلا يصح تقدمها على النية. وقد قالوا: لا يجزئ هنا التقدم بيسير لضعف التيمم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: نية التيمم عند الضربة الأولى كما في الشيخ سالم؛ لأنها من فرائضه. انتهى. ولا تجزئ نية رفع الحدث ولو نوى رفع الحدث رفعا مقيدا بالفراغ من الصلاة كما في الخرشي وفيه: ولا يصح تقدم النية في التيمم بيسير لضعفه عن الوضوء والغسل الجائز ذلك فيهما. كما قاله شارح اللمع ومن اغتسل للجنابة، وترك لمعة، ثم سافر وتيمم لسفره لموجب التيمم وصلى، ثم ذكرها بقرب الماء غسلها، وأعاد ما صلى قبل غسلها، وإن بعد الماء أعاد مع ذلك غسله. قاله البرزلي؛ لأن التيمم إنما كان للوضوء لا للغسل. انتهى. ولو تكررت يعني أنه لابد للمحدث الأكبر من نية الاستباحة من الأكبر، ولو تكررت الصلاة فينوي ذلك عند كل صلاة، ويصح عود الضمير على الطهارة أو النية، أي كلما تكررت الطهارة نوى الأكبر فمن كانت عليه فوائت وأراد قضاءها تيمم لكل صلاة منها، وينوي عند تيمم كل صلاة أنه يستبيحها به من الأكبر إن كان عليه. قال الشيخ الخرشي: وأشار المؤلف بلو لرد قول ابن العربي: لو بال بعد تيممه لجنابة جاز أن يقرأ؛ لأن الحدث الأصغر إنما يبطل التيمم في

стр. 605

أحكامه كما لا يبطل الطهارة الكبرى. انتهى. ابن عرفة: هذا مخالف لنقل اللخمي عن المذهب. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: محل الخلاف المفاد بلو يعني في قوله: "ولو تكررت" إذا أحدث بعد أن تيمم، وأما إن لم يحدث فلا خلاف أنه ينوي الجنابة بالتيمم ولو تكررت. انتهى. وأنكر الرهوني هذا التقييد وأبطله. ولا يرفع الحدث يعني أن المتيمم لا يرفع الحدث، هذا مذهب ملك، وجميع أصحابه، وجمهور أهل العلم. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يرفع الحدثين جميعا. وقال ابن المسيب وابن شهاب: يرفع الأصغر دون الأكبر؛ وهو وإن لم يرفع الحدث الذي هو الوصف الحكمي؛ فإنه يرفع المنع. فالخلاف حقيقي لا لفظي كما زعم القرافي، ولا يصح أن ينوي بالتيمم رفع الحدث، فلو نوى به رفع الحدث لم يجزه كما في الشاذلي وغيره. وظاهر كلامهم: ولو رفعا مقيدا؛ أي بالفراغ من الصلاة مثلا: وينبني على كونه لا يرفع الحدث، ومقابله وطء الحائض به، ولبس الخفين، وعدم وجوب الوضوء إذا وجد الماء بعد، وإمامة المتيمم للمتوضئ من غير كراهة، ووقوعه قبل الوقت، وجمع فريضتين. والدليل على أنه لا يرفعه ما روى ابن وهب أن عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة وقد أمَّره النبي ﷺ على جيش فخاف إن اغتسل بالماء البارد هلك فتيمم وصلى بأصحابه ثم ذكر ذلك لرسول الله ﷺ حين رجع فقال له النبي ﷺ : (صليت بالناس وأنت جنب (١))، وفي المدونة: يؤم المتيمم المتوضئين وإمامة المتوضئ لهم أحب إلي. وفي الموطإ أنه يؤم المتوضئين وليس المتوضئ بأطهر منه. قاله الخرشي. والظاهر أنه لا يتعين على الماسح نية استباحة الصلاة لأن المسوح تبع للمغسول. قاله الخرشي. وقد مر عن الشيخ إبراهيم أنه تكره إمامة المتيمم للمتوضئ وإمامة الماسح على الجبيرة لغيره، وأن إمامة الماسح على الخف لغيره خلاف الأولى. وتعميم وجهه يعني أنه يلزم المتيمم أن يعم وجهه بالمسح طولا وعرضا مع اللحية ولو طالت، فيراعي الوترة والعنفقة ما لم يكن عليها شعر، وما غار من العين، ويمر بيديه على شعر لحيته

стр. 606

ولو طالت؛ ويبلغ بهما حيث يبلغ بهما في غسل الوجه، وما لا يجزئه في الوضوء لا يجزئه في المتيمم، ولا يتبع غضونه قاله غير واحد. وفي الأمير: ولا يتعمق في نحو أسارير الجبهة، ولا يخلل لحيته؛ لأن المسح مبني على التخفيف. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وتحصل من هذا أنه لا يخلل الشعر. وكفيه لكوعيه يعني أنه يلزم المتيمم أن يعمم كفيه لكوعيه بالمسح، والكوعان داخلان في المسح كالمرفقين في الوضوء، فإن ترك شيئا من ذلك ولو يسيرا لم يجزه. ولابد من تخليل أصابعه على الذهب إلا الأقطع، أو مربوطا يداه فيمرغ وجهه ويديه في التراب عند عدم من يستنيبه. قاله ابن فرحون في ألغازه. وحيث حصل التعميم كفى، ولو بإصبع. قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. وفي الخرشي: ويستوعب دور الوجه طولا وعرضا مع اللحية وإن طالت، ولو مسح وجهه بإصبع واحدة أجزأه كقول ابن القاسم في مسح الرأس. ابن عطية: وهو المشهور فإن تعلق بيديه شيء نفضهما نفضا خفيفا، وظاهره ترابا كان أو غيره خيفة التشويه أو يكون بهما ما يسوده، ولا يمسح بهما مسحا قويا، فإن فعل لم يجزه المسح. كما قاله الأقفهسي. قال التتائي: ولم أره لغيره. ابن الحاجب: ولو مسح يديه على شيء قبل المتيمم فللمتأخرين قولان بخلاف النفض الخفيف فإنه مشروع. واستظهر ابن عبد السلام من القولين الجواز. خليل: إنما شرع النفض الخفيف خشية أن يضره شيء في عينيه. انتهى. كلام الخرشي. وفي الحطاب: لم يقيد المصنف تعميم وجهه بمسح يديه، فلو مسحه بيد واحدة أجزأه، بل قال سند: لو مسحه بإصبع واحدة أجزأه. وفي أجوبة ابن ناصر: ولا يشترط أن يسع الحجر الكف. ولو مسح على حجر قدر إصبع يده شيئا بعد شيء حتى يستوعب جميعه أجزأه. انتهى. ولما قبله وبعده من النقل الصحيح نقلته، وما ذكره المص من لزوم تعميم الوجه والكفين هو المشهور في المذهب. قال في التوضيح: الاستيعاب مطلوب ابتداء، ولو ترك شيئا من الوجه واليدين إلى الكوعين لم يجزه على المشهور. وقال ابن مسلمة: إذا كان يسيرا أجزأه. سند: لو مسح وجهه بإصبع واحدة أجزأه كقول ابن القاسم في مسح الرأس: ويجزئ من ربطت يداه ولم يجد من ييممه أن يمرغ وجهه وذراعيه في التراب، وإن لم يستوعب محل الفرض فتجزئه الصلاة بذلك المتيمم، وأما إذا وجد من ييممه فلا يسقط عنه وجوب التعميم. ونص في العتيبة على أن

стр. 607

أقطع اليد يستنيب من ييممه كما يستنيب من يوضئه، فيمسح له وجهه ويديه إلى المرفقين على قول مالك؛ وعلى قول من يرى المتيمم للكوعين يسقط عنه مسح يديه إلى المرفقين. والله تعالى أعلم. قاله الإمام الحطاب. ابن عرفة: وفي وجوبه، يعني المتيمم إلى المرفقين أو إلى الكوعين ولهما مستحب. ثالثها الجُنُب للكوعين وغيره للإبطين، ورابعها للمنكبين. والكوع هو طرف الزند الذي يلي الإبهام، ويقال فيه أيضا الكاع. وفي الذخيرة: الكوع آخر الساعد وأول الكف، وجمعه أكواع. قاله في المحكم. قال الإمام الحطاب: ويقابل الكوع على التفسير الأول الكرسوع بضم الكاف؛ وهو طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ بضم الراء وسكون السين وقد تضم وآخره غين معجمة، هو مفصل ما بين الكف والساعد. والزند بفتح الزاي هو موصل طرف الذراع بالكف؛ وهما زندان الكوع والكرسوع، ولبعضهم: الكوع ما عليه إبهام اليد … والبوع في الرجل ككوع في اليد وما عليه خنصر كرسوع … والرسغ للمفصل قل موضوع والباع بالأذرع أربعا يعد … وباعتدال صاحب الباع يحد قاله الحطاب؛ ولبعضهم: فعظم يلي الإبهام كوع وما يلي … لخنصر الكرسوع والرسغ ما وسط وعظم يلي إبهام رجل ملقب … ببوع فخذ بالعلم واحذر من الغلط ونزع خاتمه يعني أنه يلزم المتيمم نزع الخاتم، بمعنى إزالته عن موضعه ليمسحه ولو مأذونا في لبسه ولو متسعا، فإن لم ينزعه لم يجزه المتيمم. ابن الحاجب: قالوا ويخلل أصابعه. التوضيح: تضعيفه التخليل بقوله قالوا لأحد وجهين لعدم مناسبته للمسح لبنائه على التخفيف، أو لأنه لا كان المذهب أنه لا يشترط نقل التراب إلى الوجه لجواز المتيمم على حجر، ناسب أن لا يلزم التخليل. وقوله: قالوا يوهم تواطؤ جماعة، ولم ينقل إلا عن ابن القرطي. قال الشيخ أبو محمد: ولم أره لغيره، لكن ما قاله ابن القرطي قبله اللخمي وابن بشير. وابن القرطي بالطاء دون باء، هو

стр. 608

ابن شعبان صاحب الزاهي، وعلى القول به يكون ببطن إصبع أو أكثر لا بجنيه؛ لأنه لم يمسه صعيد، وفي كلام الشيخ عبد الباقي نظر لأنه قال يكفي لهما أي لليدين تخليل واحد، وذلك إنما يتأتى مع التشبيك، وهو مناف لما ذكر من أنه يكون ببطن إصبع أو أكثر لا بجنبه؛ لأنه لم يمسه صعيد. وقال الشيخ الأمير: ويخلل أصابعه كما حققه الرماصي، ويجاب عن قول ابن الحاجب، قالوا بما تقدم من قبول اللخمي وابن بشير، لقول ابن شعبان: إنه يخلل. وفي التوضيح: لا خلاف أنه مطلوب بنزع الخاتم ابتداء؛ لأن التراب لا يدخل تحته، فإن لم ينزعه فالمذهب أنه لا يجزئه، واستقرأ اللخمي من قول ابن مسلمة الإجزاء. انتهى. وصعيد يعني أنه يشترط في صحة المتيمم أن يكون بصعيد، فقوله: "وصعيد" عطف على قوله: "موالاته". والصعيد هو كل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، فيشمل من حفر حفرة وتيمم بباطنها؛ لأنه صار صاعدا على وجهها. قاله غير واحد. ومن أجزائها الطفل؛ لأنه حجر لم يشتد تصلبه. وقيل: لا يتيمم عليه؛ لأنه طعام تأكله النساء، وجاز تيمم ببلاط مسجد لا ترابه إن حفره فيما يظهر، وإلا جاز. وجاز بأرض غير كصلاة بها، ولا يجوز له منعه إن لم يتضرر بذلك؛ لأنه لا يجوز أن يمنع غيره من الانتفاع بما لا يضر به كالاستصباح بمصباحه، والتظلل بجداره. طهر يعني أنه يشترط في الصعيد الذي يتيمم به أن يكون طاهرا؛ وهو تفسير لطيبا من قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. كتراب مثال للصعيد، والتراب هو المنبت من الأرض، ودخل بكاف التمثيل كل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها. قال في الجواهر: ولا يختص بذلك التراب على المشهور، بل يجزئ المتيمم على الحجر الصلب والرمل والسباخ والنؤرة والزرنيخ، وجميع أجزاء الأرض ما دامت على جهتها لم يغيرها صنعة آدمي بطبخ ونحوه، وسواء فعل ذلك مع وجود التراب أو عدمه. وقيل: لا يجزئ بغير التراب مطلقا. وخص ابن حبيب الإجزاء بعدم التراب. واختلف في المتيمم على صلب الأرض مع وجود التراب على ثلاثة أقوال: الأول يتيمم به وهو المشهور، الثاني لا يتيمم به وهو قول ابن شعبان، الثالث يتيمم ويعيد في الوقت وهو قول ابن حبيب. النووي: التراب اسم جنس لا يثنى ولا يجمع على الصحيح، وقال الجوهري: جمعه أتربة وتربان وتوارب، ومن أسمائه الرغام بفتح الراء والغين المعجمة، ومنه أرغم الله أنفه،

стр. 609

ويدخل في التراب البطحاء، وهو التراب اللين في مسيل الماء، وهي بفتح الباء والد، ويقال فيه الأبطح. واعلم أنه إذا خالط أنواع الصعيد غيره مما لا يصح التيمم عليه بحيث يمسح شيئا من الوجه أو غيره بما لم يلاق إلا ذلك الغير، لا يصح تيممه. قال الشيخ أبو سعيد بن سليمان في مرشد المبتدئين عند قول الرسالة: أو رمل، ما نصه: يريد إلا رمل البحر؛ لأنه فيه عظام دواب البحر: وليست من الصعيد. انتهى. وهو الأفضل يعني أن التراب أفضل في التيمم من غيره من أجزاء الأرض، وهذا لا خلاف فيه. والله سبحانه أعلم. اللخمي: ولا يختلف المذهب أن البداءة بالتراب أولى وهو ظاهر المدونة، ولا يختلف أيضا أنه يجوز المتيمم بما لا تراب عليه عند عدم التراب. وقوله: "وهو الأفضل"؛ أي التراب هو الأفضل والمبالغة في قوله ولو نقل إنما هي في الإجزاء؛ يعني أن التراب هو الأفضل، وإجزاؤه حاصل؛ ولو نقل فالمبالغة راجعة لقوله: "كتراب"، وهي راجعة للتراب، ولجميع ما أدخلته الكاف من أجزاء الأرض، فالتراب مع النقل يكون غيره من أجزاء الأرض الذي لم ينقل أفضل منه. وما ذكره المص من جواز التيمم على التراب المنقول هو المشهور. ابن الحاجب: ولو نقل التراب فالمشهور الجواز، ومقابل المشهور لابن بكير. قال: لا يجوز المتيمم به حينئذ، وعليه رد المص بلو، وما قدمته من أن المبالغة راجعة للتراب ولجميع ما أدخلته الكاف هو للشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي في قوله: إنها راجعة للتراب، ولا ترجع لما أدخلته الكاف. وما قاله الشيخ محمد بن الحسن هو الظاهر، وسيأتي لعبد الباقي عند قول المص: "كشب وملح" ما نصه: وأما تفسير النقل بأن يحول بينه وبين الأرض حائل فإنه لا يمتنع المتيمم به. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو الصواب. انتهى. وقوله: "ولو نقل" قال ابن عبد السلام: هذا إذا جعل في وعاء، وأما لو جعل على وجه الأرض فاسم الصعيد باق عليه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: ومعنى كلامهما أن النقل الذي يصير التراب مختلفا فيه، معناه أنه جعل بينه وبين الأرض حائل ليس من جنس الأرض. فلو كان الحائل من جنس الأرض فهذا مما لا خلاف فيه. والله سبحانه أعلم. وشمل قوله: "كتراب" أرض ثمود؛ وهو الذي صححه القرطبي في تفسير سورة الحجر، واستثناها ابن العربي من قوله ﷺ : (جعلت لي

стр. 610

الأرض مسجدا وطهورا (١))، وتبعه ابن فرحون في ألغازه. وفي التمهيد: أجمع العلماء على جواز التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبا طاهرا نظيفا. وثلج يعني أنه يجوز التيمم بالثلج ولو وجد غيره، والثلج ماء منعقد، وما ذكره المص في الثلج هو قول مالك في المدونة، ومنعه في مدونة أشهب وإن لم يجد ترابا؛ وهو عنده كالعدم. وقال ابن حبيب: من تيمم به وصلى وهو قادر على الصعيد أعاد وإن ذهب الوقت، وإن كان غير قادر أعاد ما لم يذهب الوقت. ويختلف في الماء الجامد والجليد قياسا على الثلج. قاله اللخمي. وفي ابن عرفة: اللخمي: جامد الماء والجليد مثل الثلج. وخضخاض يعني أنه يجوز التيمم بطين خضخاض أي مختلط بماء ذهب فيه إن لم يجد غيره من تراب أو جبل مثلا. ابن الحاجب: وعلى الخضخاض إذا لم يجد غيره. وقيل: وإن وجد. قال في التوضيح: قال ابن راشد والقول بأنه يتيمم به وإن وجد غيره لم أره. وفي الشامل: إن لم يجد غيره، ونحوه لابن يونس والبرادعي. وقال الشيخ الأمير: وثلج عجز عن تسخينه كخضخاض لم يجد غيره. وبهذا تعلم أن قول المص: "وخضخاض" مقيد بما إذا لم يجد غيره من أجزاء الأرض وفيها خفف يديه يعني أنه وقع في المدونة إثر كلامها على الخضخاض أن المتيمم بالخضخاض يخفف وضع يديه عليه، وهذا على رواية الخاء. وأما على رواية الجيم فمعناه أنه إذا وضع يديه على الخضخاض ورفعهما عنه فإنه يجففهما، والظاهر أن التجفيف مستحب، وعلى رواية الخاء لابد من التجفيف، وكأن الفصل بمدته لا يبطل الموالاة للضرورة الداعية له كذا في الشرح. وفي الحاشية أي تجفيفا لم يطل، وإلا ورد عليه ولزم موالاته. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه للأمير؛ فإنه قال: "وجفف يديه" بحيث لا يخل بالموالاة، وذلك مندوب. والخضخاض طين. انتهى. وفي الخرشي: والفصل مدة التجفيف لا يبطل الموالاة للضرورة الداعية له. انتهى. وإنما جفف لتظهر الترابية.

стр. 611

رويت بجيم وخاء يعني أن هذا اللفظ الذي في المدونة روي بالجيم وبالخاء، وقد مر معنى ذلك ولا تنافي بينهما، ولذا جمع بينهما في المختصر الكبير. فقال: يخفف وضع يديه ويجففهما قليلا. ابن حبيب: ويحك يديه بعضهما ببعض يسيرا إن كان فيهما شيء يؤذيه، ثم يمسح، زاد ابن يونس: ثم يمسح بهما وجهه ويصنع كذلك بيديه. انتهى. والله أعلم. وجص بكسر الجيم وفتحها؛ يعني أنه يجوز التيمم بالجص؛ والجص هو الحجر الذي إذا شوي صار جيرا، وإنما يتيمم بالجص إن لم يطبخ فإن طبخ أي حرق؛ وهو معنى طبخه لم يجز التيمم عليه؛ وظاهره ولو لم يجد غيره وضاق الوقت لخروجه بالصنعة عن كونه صعيدا، وذكر اللخمي أنه إذا ضاق الوقت ولم يجد غير تيمم عليه؛ فإنه قال: ولا يتيمم على المصنوع من الأرض كالآجر والجص والجير والجبس بعد حرقه، فإن فعل مع القدرة على غير مصنوع أعاد أبدا، وإن لم يجد غيره أُجِيزَ؛ لأنه كان له أن يصلي على أحد الأقوال بغير تيمم. وفي المنتقى: ولا يجوز التيمم بالجير. ويجيء على قول ابن حبيب أنه يتيمم به، والأول أصح؛ لأنه تغير بالطبخ عن جنس أصله. وقول ابن حبيب هو أنه إذا كان الحائط آجرا أو حجرا، واضطر المريض إليه: تيمم به ولم تكن عليه إعادة؛ لأنه مضطر. التونسي: انظر قوله: آجرا، والآجر طين قد طبخ، فكيف يتيمم عليه وهو كالرماد؟ قاله الإمام الحطاب. وعلى ما للخمي من أنه يتيمم على الجص الذي طبخ إذا ضاق الوقت ولم يجد غيره، فانظر هل ذلك ولو جصص به حائطه مثلا أم لا؟ وهو ظاهر ما في أحمد عن ابن القاسم من عدم تيممه على جدار كسي جيرا. السنهوري: وإنما أفرد الجص بالذكر عن غيره من أنواع الحجارة؛ لأنه الذي يخرجه الطبخ عن ماهية الصعيد: وليس مثل الحرق دخول صنعة بحجر كنقرة، فيباح التيمم على الرحى وإن لم تكسر خلافا للشبيبي القائل لا يصح إلا إذا كسرت. قاله الشيخ عبد الباقي. قال مؤلفه عفا الله عنه: وظاهر كلام ابن الحاجب أن ذلك، أي عدم الطبخ شرط في جميع أجزاء الأرض، ونصه: ويتيمم بالصعيد الطاهر؛ وهو وجه الأرض التراب والحجر والرمل والصفا والسبخة والشب والنؤرة والزرنيخ وغيره ما لم يطبخ. انتهى. وقال في الجواهر: ويجزئ التيمم على الحجر الصلد والرمل والسباخ والنؤرة

стр. 612

والزرنيخ وجميع أجزاء الأرض ما دامت على جهتها لم تغيرها صنعة آدمي بطبخ ونحوه، وسواء فعل ذلك مع وجود التراب أو عدمه. ومعدن بإسقاط الباء عطف على تراب كما في الشبراخيتي، وهذه النسخة هي الصواب، يعني أنه يجوز التيمم بالمعدن من نحاس وحديد ورصاص ونحو ذلك. غير نقد يعني أن المعدن يجوز التيمم به مع وجود التراب إلا إذا لم يقع فيه التواضع لله ، وذلك كمعدن نقد وجوهر عطف على نقد؛ أي يتيمم بالمعدن بشرط أن لا يكون معدن نقد؛ وبشرط أن لا يكون معدن جوهر؛ لأنه لا يقع بهما التواضع لله . ومنقول عطف على نقد، وحاصل ما أشار إليه المص أنه يتيمم على المعدن بثلاثة شروط؛ فإن اختل واحد منها لم يصح التيمم عليه: كونه غير نقد، وكونه غير جوهر، وكونه غير منقول. والمراد بالنقل أن تبان عن موضعها وتصير في أيدي الناس كالعقاقير، وهذا إنما يكون في بعض أجزاء الأرض كشب وملح يملح به لا في كتراب. والظاهر أن الطفل المنقول كالشب، وأما تفسير النقل بأن يجعل بينه وبين الأرض حائل فإن ذلك لا يمنع التيمم به لكن غيره أفضل منه، وهذا يجري في سائر أجزاء الأرض، وفي حاشية الأمير أن الصيرورة عقاقير إنما تكون فيما يدخر لقوت أو دواء مثلا كالملح والكبريت، لا مجرد البيع والشراء في أحجار البناء مثلا. وقال اللخمي: التيمم به من الأرض على ثلاثة أقسام: جائز، وهو التيمم بالتراب الطاهر وهو إذا كان على وجه الأرض لم ينقل عنها كانت تلك الأرض من الجنس المعهود، أو على غير ذلك كالكبريت والزرنيخ، ومعدن الحديد والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك. وممنوع؛ وهو التيمم بالتراب النجس؛ وبما لا يقع به التواضع لله تعالى كالزبرجد والياقوت وتبر الذهب ونقار الفضة وما أشبهه، وهذا وإن كان آحاد أبعاض الأرض لا يصح التيمم به، ولو أدركته الصلاة وهو في معدنه ولم يجد سواه جاز أن يتيمم على تلك الأرض، وفي الطراز: وأما الحديد والنحاس والذهب والفضة فلا يتيمم به قولا واحدا إلا أن يدرك الصلاة في معدنه ولم يجد غيره فيتيمم به بترابه لا بما صفا منه. انتهى. فما ذكره المص من جواز التيمم بالمعادن إلا معدن الذهب والفضة مخالف لكلام صاحب الطراز. وقد علمت أن اللخمي قال في معدن الذهب، ومعدن الفضة، ومعدن

стр. 613

الياقوت إنه إذا ضاق الوقت ولم يجد غير ذلك تيمم عليه. وقال ابن فرحون: حكى ابن يونس عن مالك أنه لا يجوز التيمم على الرخام؛ وهو بمنزلة الياقوت والزبرجد. وقال اللخمي: لا يجوز التيمم بما لا يقع به التواضع لله تعالى كالياقوت، والزبرجد، ونقد الذهب والفضة إلا أن يكون في معادنه ولم يجد سواه؛ فيتيمم به. فعلى هذا يكون مراده بالرخام أنه يمنع التيمم به بعد نشره من معدنه وخدمته وصقله: ويجوز التيمم به إذا كان في معدنه. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال الشبراخيتي: وأما الرخام فقيل يجوز التيمم عليه مطلقا. وقال ابن يونس: يمنع مطلقا كما قاله مالك؛ وهو الصواب. وفصل اللخمي بين ما دخلته صنعة كالنشر والصقل فيمنع وما لا فيجوز. وينبغي رجحانه لاتفاق قولين على المنع في المصنوع، واتفاق قولين على الجواز في غير المصنوع. وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما يجوز التيمم عليه: ورخام لم يطبخ، ولا يضر مجرد النشر، وحجر لم ينشر ولو الرحى. انتهى. وأفتى بعضهم بأنه لا يتيمم على الرحى إلا أن تنكسر، واختار البرزلي جواز التيمم مطلقا. انظر الإعلام. وظاهر كلام المص أنه لا يتيمم على معدن النقد والجوهر ولو ضاق الوقت ولم يجد سواهما: وهو ما يفيده كلام ابن يونس والمازري. وذكر اللخمي وسند أنه يتيمم عليهما بمعدنهما إذا ضاق الوقت ولم يجد غيرهما. وقال ابن عرفة إنه يتيمم على النقد والجوهر حيث لم يجد غيرهما وضاق الوقت، ولم يقيد ذلك بكونه بمعدنه؛ وهو خلاف ما اتفق عليه اللخمي وسند من التقييد بكونه بموضعه، وقيده سند بكونه بترابه لا بما صفا منه؛ وقد تقدم اختلاف سند واللخمي في معدن الحديد والنحاس، فاللخمي يجيزه كالمص، وسند يمنعه كالذهب والفضة. وقال الشيخ عبد الباقي: إن الحطاب يفيد أن القائل بالجواز يخصه بترابه أي معدن النقد والجوهر، وأن عينه يمتنع التيمم عليها بلا نزاع. انتهى. وقال الإمام الحطاب: ما ذكره المص من جواز التيمم بالمعادن إلا معدن الذهب والفضة، موافق للخمي مخالف لكلام صاحب الطراز، ثم يقيد كلامه بما إذا وجد غير ذلك. انتهى. كشب وملح مثالٌ لمعدن منقول وغير منقول. قاله الشيخ إبراهيم والشيخ الخرشي. يعني أن الشب والزئبق والزرنيخ والكبريت والمغرة والكحل والنؤرة والحديد والنحاس والرصاص والملح يتيمم عليها بموضعها ولو مع وجود غيرها. وأما ما نقل منها من موضعه فلا يتيمم عليه. والمراد بالنقل

стр. 614

أن تبان عن الأرض وتصير في أيدي الناس كالعقاقير لا ما نقل من موضع لآخر، ولا ما جعل بينه وبين الأرض حائل من غير جنس الأرض فلا يمتنع التيمم عليهما لأجل ذلك. وقد تقدم أن التراب المنقول أفضل منه غيره من أجزاء الأرض التي لم تنقل، وكذا هذه إذا نقلت لا يمتنع التيمم بها، وإن كان غيرها من أجزاء الأرض التي لم تنقل أفضل منها. وقد علمت معنى هذا النقل الذي لا يمنع التيمم، وهو أن ينقل من موضع لآخر. ويجعل بينه وبين الأرض حائل ليس من جنس الأرض. وأما النقل المانع من التيمم فهو أن يبان شيء مما ذكر عن الأرض ويصير في أيدي الناس كالعقاقير؛ وهو إنما يكون فيما هو كالملح والشب والكحل، لا فيما كالتراب كما مر. والله سبحانه أعلم. هذا هو تحرير المسألة، وشمل قوله: ملح المعدني، والمصنوع من تراب، وما كان أصله ماء وجمد. قاله الشيخ عبد الباقي. ولمريض حائط لبن يعني أنه يجوز للمريض أن يتيمم على حائط لبن، أي طوب لم يحرق ولم يخلط بنجس أو طاهر كحشيش أو تبن، وإلا لم يتيمم عليه. كما لا يتيمم على رماد، ومثل المريض الصحيح، وإنما خص المريض؛ لأن الغالب عليه الضرورة. قاله ابن مرزوق. وقال الشيخ ميارة: خصوا المريض لأنه يجوز له جوازا مستوى الطرفين، وأما الصحيح فيكره له ذلك خروجا من الخلاف. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وحائط لبن لم يحرق ولم يخلط بغالب كتبن ورماد ولا كثير نجس كالثلث. أو حجر يعني أنه يجوز للمريض وكذا الصحيح أن يتيمم على حائط حجر لم يحرق، وإنما خص المريض لما مر في حائط اللبن بكسر الوحدة. لا بحصير يعني أنه لا يجوز التيمم على الحصير واللبد والبساط والثياب، إلا أن يكثر ما على ذلك من التراب فيتناوله اسم الصعيد، وقوله: "لا بحصير" عام في المريض والصحيح. وخشب يعني أنه لا يجوز التيمم على الخشب ولو كانت ثابتة بالأرض، وكذا الألواح والحلفاء والزرع والحشيش إلا إذا لم يجد غيره ولم يمكن قلعه وضاق الوقت على ما للخمي. قال الشيخ عبد الباقي: والمشهور خلافه. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن نقل الحطاب يقتضي أن الراجح ما للخمي، وأصله للأبهري وابن القصار، والوقار

стр. 615

في الخشب. وقاله سند والقرافي واللخمي وعبد الحق وابن رشد في المقدمات. وقال الفاكهاني والشبيبي: هو الأرجح والأظهر. انتهى. وقال الحطاب بعد جلب نقول: فيتحصل أنه لا يجوز التيمم بالحشيش والحلفاء والخشب إلا إذا لم يجد غيره، ولم يمكن قلعه فيتيمم به حينئذ، وليس ثم قول بجواز التيمم على ذلك مع وجود غيره إلا ما يفهم من حكاية اللخمي قول ابن القصار من غير تقييد، وتبعه على ذلك غيره. وقد علمت أنه مقيد بأن لا يمكنه غيره كما تقدم في كلام صاحب الطراز. والله أعلم. وقال الأبهري: ويتيمم على الحشيش والثلج لعدم الأرض. ابن حبيب: ومن تيمم بذلك فإن وجد الصعيد في الوقت أعادت ولا يعيد بعد الوقت، ولو فعله واجدا لصعيد أعاد أبدا. وفي المقدمات: ويجوز التيمم بالحشيش النابت على وجه الأرض إذا عم الأرض وحال بينك وبينها، وقد قال يحيى بن سعيد: ما حال بينك وبين الأرض فهو منها. انتهى. قاله الحطاب. وذكر بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع خلافا، وقال الشبيبي في شرح الرسالة لما ذكر الأنواع المختلف في جواز التيمم عليها: الخامس ما حال بينك وبين الأرض وليس من جنسها كالخشب والحشيش والزرع؛ واختار اللخمي القول بالمنع والإعادة أبدا إن تيمم به مع وجود غيره؛ وإن لم يجد سواه تيمم به. قال غيره: وهو الأرجح الأظهر. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وفيه: وأما ما ينبت في الأرض وليس من شكلها فإنه يتيمم عليه إن لم يقدر على قلعه. وفعله في الوقت يعني أنه يلزم فعل التيمم في الوقت، فيشترط في صحة الصلاة أن يتيمم لها بعد دخول وقتها؛ ووقت الحاضرة معلوم، ووقت الفائتة تذكرها لا قبله، ووقت صلاة الجنازة الفراغ من غسل الميت، أو تيممه. قال الشيخ عبد الباقي والشبراخيتي: هذا في الفرائض، وأما النوافل فيجوز أن يصليها ولو تيمم قبل وقتها. قال الشبراخيتي: فيصلي الفجر ولو تيمم له قبك وقته، والوتر إذا جمع العشاءين ليلة المطر بتيممه قبل مغيب الشفق. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وأما تيمم النافلة فقال الأجهوري: لا يشترط أن يكون بعد وقتها: لأنه يصلي الفجر بتيمم الوتر. انتهى. وفيه: عن الشيخ سالم أن هذا إذا تيمم للوتر بعد الفجر، قال: فانظره. انتهى. وفي الخرشي: وكذا لو كان يتهجد بالليل، فدخل وقت الفجر لا يصليه، فلو تيمم للوتر فيصلي به

стр. 616

الفجر حيث كان تيممه للوتر بعد دخول الفجر، قاله عند قول المص: ولو مشتركة. وقال الشيخ إبراهيم: فإن قيل هذا يغني عنه قوله ولزم موالاته؛ لأنهم فسروه بموالاته في نفسه وبالصلاة؛ فالجواب أن ما تقدم يصدق بما إذا كان التيمم قبل الوقت متصلا بأول الوقت، ومن تيمم ودخل في الصلاة ثم حصل له شك في الإحرام فقطع فلا يعيد التيمم إذا لم يطل، فإن طال بطل تيممه، ولا يدخله الخلاف في مسألة الإقامة إذا ذكر النجاسة في الصلاة؛ لأن هذا لم يزل في عمل الصلاة، والآخر قطعها لغسل النجاسة. ولا مسألة من أقيمت عليه الصلاة لغيبة الإمام، ثم قدم الإمام قبل إحرام الأول، هل تعاد له الإقامة أولا لاختلاف الإمام فيها. فالآيس أول المختار يعني أن الآيس من لحوق الماء في الوقت أو وجوده فيه يندب له التيمم؛ والصلاة أول الوقت المختار. قال الشيخ عبد الباقي: وحيث صلى أوله فلا إعادة عليه إن وجد غير ما أيس منه، فإن وجد ما أيس منه ندبت له الإعادة. وقول الباجي: وجبت، معناه ثبتت. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: في تفصيلة نظر، بل مقتضى النقل الذي في الحطاب والمواق أنه لا يعيد في الوقت مطلقا، وجد ما أيس منه أو غيره. ففي المدونة: لا يتيمم أول الوقت إلا مسافر أيس؛ ولا يعيد إن وجده في الوقت. انتهى. ولما نقل ابن عرفة هذا قال بعده بكثير ما نصه: الصقلي قيل إن وجد المسافر ما أيس منه أعاد، ولا يخالف هذا ما يأتي عند قوله: كواجده بقربه من سماع أبي زيد؛ لأنه في الجاهل، وما هنا في الآيس. وقد جعل ابن عرفة الجاهل كالمتردد، ونصه: والمسافر يجهل الماء، والخائف عدم بلوغه، والمريض. وشمل قوله: "فالآيس" قسمين: الذي يعلم أنه لا يقدر على الماء في الوقت، والذي يغلب على ظنه. فيستحب لهما التيمم والصلاة أول الوقت المختار ليحوزا فضيلة أول الوقت إذ فاتتهما فضيلة الماء، وهذا أيضا حكم الذي لا يقدر على مس الماء. قاله الإمام الحطاب. عن ابن رشد. والمتردد في لحوقه يعني أن المتردد في لحوق الماء؛ أي الشاك في إدراكه في الوقت مع تحقق وجوده يتيمم ويصلي وسط الوقت. أو وجوده يعني أن المتردد في وجود الماء وعدمه كالجاهل بموضعه، يتيمم ويصلي وسط الوقت. وعبارة الخرشي: أو وجوده للجهل به. وبما قررت علم أن قوله: وسطه راجع للأمرين قبله، وهو معمول ليتيمم مقدر، أي أن المتردد في لحوق الماء والمتردد

стр. 617

في وجوده يتيممان وسطه أي وسط الوقت المختار، ومعنى ذلك أنهما يتيممان من الوقت في آخر ما يقع عليه اسم أول الوقت؛ لأنه يؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ما لم يخف فوات فضيلة الوقت: فإذا خاف فواتها تيمم وصلى ليلا تفوته الفضيلتان، فوسط الوقت نصف القامة في الظهر. كما قاله ابن أبي زمنين. ويلحق بالمتردد بقسميه الخائف من لصوص أو سباع، والمريض الذي لا يجد من يناوله. كما في الطراز. وكذلك المسجون. ففي هذا القسم خمسة أنواع. [(١)] وقوله في لحوقه المناسب، هنا التعبير باللحاق. قال في الصحاح: لحقه. ولحق به لحاقا بالفتح أدركه؛ ثم قال بعده بيسير: ولحق لحوقا أي ضمر. قال السنهوري: ولا شك أن الذي يليق بهذا المقام هو الأول لا الثاني. قاله الشيخ إبراهيم. والراجي آخره يعني أن الراجي للماء؛ وهو من علم أو غلب على ظنه أنه قادر على الماء قبل خروج الوقت، ففي هذا القسم نوعان: يتيمم بحيث يوقع الصلاة في آخر الوقت المختار؛ لأن فضيلة الوقت مختلف فيها. وفضيلة الماء متفق عليها، وفضيلة أول الوقت يجوز تركها لغير ضرورة؛ وفضيلة الماء لا يجوز تركها إلا لضرورة. وقوله: "آخره" يشمل المغرب. وآخرها يعرف بتقديرها بفعلها بعد شروطها، فيؤخرها له. وفيها أي في المدونة ما يخالف ذلك؛ وهو تأخيره أي الراجي للماء المغرب لغيبوبة الشفق وهو الحمرة الباقية في المغرب من بقايا شعاع الشمس، وهذا على القول بأن وقتها الاختياري يمتد للشفق؛ وهو مقابل ما يأتي للمص، لكن له قوة في باب التيمم، وكذا في الجمع الصوري. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: والأول أرجح. انتهى. يعني بالأول القول الذي قدمته أنه يؤخر المغرب لآخر وقتها، على أنها تقدر بفعلها بعد شروطها، ونحوه للشيخ إبراهيم فإنه قال:

стр. 618

وقوله: "وفيها" ضعيف مع أنه قال وهو وإن كان خلاف المشهور إلا أن له قوة في باب التيمم؛ وكذا في الجمع الصوري. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قول الزرقاني على القول بأن وقتها يمتد للشفق. هكذا في التوضيح. وفي الحطاب: ويمكن أن يقال أمره بالتأخير مراعاة للخلاف لقوة القول بالامتداد، فلا يلزم أن تكون مفرعة على ما قابل المشهور، بل نقول بأنها مفرعة على المشهور، وتكون هذه الصورة كالمستثناة من قوله: والراجي يؤخر إلى آخر المختار، فيقال إلا في المغرب. وهذا ظاهر المدونة لمن تأملها. انتهى. وقوله: "والراجي آخره" الحاضر والمسافر سواء في ذلك. واعلم أن الصور عشرون؛ لأن الآيس يشمل نوعين وهما: المتيقن، والغالب على ظنه، والمتيقن يتيقن عدم وجود الماء أو عدم لحوقه، والغالب على ظنه غلب على ظنه عدم لحوق الماء أو عدم رجوده. فتلك أربعة. وكل من المتيقن والغالب على ظنه إما مسافر أو حاضر. فتلك ثمانية والراجي يشمل نوعين أيضا كما علمت فتجري فيه الصور الثمانية، والمتردد في لحوقه إما مسافر أو حاضر، والمتردد في وجوده كذلك فهذه أربع. فتلك عشرون. وقال ابن مرزوق: إن الراجي يشمل راجي القدرة على استعمال الماء، وراجي وجود المناول. قال: وكذا قوله: فالآيس والمتردد شاملان لذلك. قال الشيخ محمد بن الحسن: فإن راعينا ما أدخله ابن مرزوق في كلام المص صارت أربعين. انتهى. وقوله: "آخره" فيؤخر في الظهر إلى أن يخاف دخول وقت العصر، فإن صلى قبله أعاد في الوقت إن وجد ماء كما يأتي عند ابن القاسم، ولم يجب التأخير مع الرجاء، بل ندب؛ لأنه حين حلت الصلاة وقام إليها غيرُ واجد للماء فدخل في قوله تعلى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وأمر بالإعادة في الوقت ندبا؛ لأنه غير تام العدم لوصوله للماء والوقت قائم، وأعاد وإن كان التأخير مندوبا مراعاة للقول بالوجوب. وما ذكره المص من التفصيل في الوقت المختار يدل على أنه في الوقت الضروري يتيمم من غير تفصيل بين آيس وغيره، وهو ظاهر. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ الخرشي. ونحوه للشيخ الأمير فإنه قال: ويتيمم أول الضروري مطلقا. انتهى.

стр. 619

قال جامعه عفا الله عنه: وهذا يدل على أن الصلاة تطلب المبادرة بها في الضروري من غير تراخ. والله سبحانه أعلم. ولما فرع من واجبات التيمم شرع في سننه، وذكر منها ثلاثة فقال: وسن ترتيبه يعني أن التيمم يسن ترتيبه بأن يأتي بكل فعل منه في مرتبته؛ أي محله المشروع فيه بأن يبدأ بمسح الوجه: ثم يمسح اليدين: فإن نكس أعاد المنكس وحده مع القرب إن لم يكن صلى به، فإن صلى به أجزأه، وأعاده بتمامه لما يستقبل. قاله في الأم. واستشكل قوله: وأعاده الخ؛ لأن الحكم إعادة التيمم لكل صلاة ولو لم ينكس، وأجيب بأن إعادته لما يستقبل من النوافل، ولا يتصور هنا بعد لأنه مبطل. والبعد بتقدير الجفاف أن لو كان بماء كما مر في قوله: ولزم موالاته. وإلى المرفقين يعني أن مسح اليدين إلى المرفقين أي الباقي منهما بعد الفرض المتقدم سنة؛ أي يسن مسحهما من منتهى الكوعين إلى المرفقين. وقد تقدم أن الكوعين داخلان في الفرض. وفي ابن عرفة: أن مطلق مسح اليدين كغسلهما، فيفيد أن المرفقين داخلان في المسح. والله سبحانه أعلم وفيه: وفي وجوبه للمرفقين أو الكوعين ولهما مستحب: ثالثها الجنب للكوعين وغيره للإبطين. ورابعها للمنكبين مطلقا. انتهى. وقد تقدم هذا. وتجديد ضربة ليديه يعني أن الضربة الثانية لمسح اليدين سنة: وسنية التجديد لما تنافي كون ما يفعل بها فرضا؛ لأن فعل اليدين إنما هو بالضربة الأولى، بدليل أنه لو ترك الثانية أجزأ. قيل: ونظيره نقل الماء للعضو غير الرأس فإنه مستحب، وما يفعل به واجب. والمراد بالضرب وضع اليدين على الأرض، ففي إطلاق الضرب عليه تسامح، والظاهر أنه لو لم يضع يديه بالأرض، وألقى الريح فيهما ترابا سترهما فتيمم لم يجزه؛ لأن الرخصة وضع اليدين على الصعيد، وترك المص سنة رابعة وهي نقل الغبار؛ أي ترك مسح ما تعلق بهما من غبار كما في التوضيح. ويندب نفضهما نفضا خفيفا خشية أن يضره شيء في عينيه فإن مسح بهما على شيء قبل أن يمسح بهما وجهه ويديه صح تيممه على الأظهر، ولم يأت بالسنة ما لم يكن المسح قويا، وإلا بطل تيممهُ. قاله الشيخ عبد الباقي. وصفة النفض المذكور أن يضرب الإبهام بالإبهام كما في مرشد المبتدئين. وفي الخرشي: ولا يشترط النقل في التيمم فلو عفر وجهه بالأرض أو لاقاه بتراب واقع ومسح عليه

стр. 620

يديه صح. انتهى. وقد تقدم أنه يسن ترك مسح ما تعلق باليدين من الغبار، فلو تيمم على حجر ونحوه فانظر هل يكره له مسح يديه بشيء قبل مسح وجهه أم لا؟ وهو ظاهر قوله: من غبار. قاله الشيخ عبد الباقي. ورد المص بقوله: "وتجديد ضربة ليديه" القول بأنه يمسح بكل ضربة وجهه ويديه. قال الإمام الحطاب: لا كلام في سنية الترتيب، قال: وقد صرح في المقدمات بترجيح القول بسنيتهما؛ أي كونه إلى المرفقين، وتجديد الضربة الثانية ليديه، واقتصر عليه القاضي عياض في قواعده وغيره، فسقط اعتراض البساطي على المص. ولما أنهى الكلام على واجبات التيمم وسننه، أتبعه بالكلام على مندوبه فقال: وندب تسمية يعني أنه تندب التسمية عند ابتداء التيمم كالوضوء، وتقدمت غير مبينة الكلم فلذا أعادها هنا، ويجري فيها الخلاف المتقدم من كونه يقتصر على بسم الله، أو يزيد الرحمن الرحيم، ولا يندب كونه بموضع طاهر؛ لأنه لا تطاير هنا، وكذا يندب في التيمم السواك، والصمت؛ وذكر الله تعالى، والاستقبال للقبلة، ولا يأتي هنا ما تقدم في الوضوء من أنه يرفع المتوضئ رأسه للسماء بعد الفراغ من الوضوء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. وقد تقدم أن من قالها فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وإنما لم يأت ذلك هنا لوجوب الموالاة في التيمم. قاله الخرشي. وفي الأمير: أنه لا يندب ذكر بعده لاتصاله بما فعل له، ونقل الشيخ عبد الباقي عن النووي ما نصه: وأما التشهد بعده وباقي الذكر المتقدم في الوضوء والدعاء على الوجه والكفين فلم أر فيه شيئا لأصحابنا ولا لغيرهم والظاهر أن حكمه على ما ذكرنا في الوضوء فإن التيمم طهارة كالوضوء. انتهى. وبدء بظاهر يمناه بيسراه يعني أن الفرض والسنة في التيمم يحصلان بتعميم المسح على اليدين إلى المرفقين، ففي الرسالة: ولو مسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى كيف شاء، وأوعب المسح أجزأه. وأما الصفة المندوبة فهي أن يبدأ بمسح مقدم ظاهر إليد اليمنى بباطن كف يده اليسرى جاعلا لها فوق اليمنى، وينتهي مسح اليمنى. إلى المرفق يدخله في المسح كما مر عن ابن عرفة ما يفيده. وبما قررت علم أن قوله: "إلى المرفق" متعلق بمقدر؛ أي وينتهي المسح إلى المرفق، والباء الأولى أعني الداخلة على قوله: "بظاهر" للتعدية متعلقة ببدء، والثانية أعني الداخلة على قوله:

стр. 621

"بيسراه" متعلقة بمقدر؛ أي يمسحها بيسراه، وليست الأولى بمعنى من التي لابتداء الغاية؛ لأن الباء لا تكون بمعن من إلا في التبعيض؛ كما في المغني وغيره. ومنه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. وفي الكلام حذف مضاف؛ أي وندب بدء بمقدم ظاهر يمناه. ثم مسح الباطن لآخر الأصابع يعني أنه بعد أن يفرغ من مسح ظاهر اليمنى باليسرى إلى المرفق؛ يمسح باطنها أي اليمنى من طي المرفق حتى يبلغ آخر الأصابع؛ أي رؤوسها، وبهذا تمت صفة مسح اليد اليمنى المندوبة. وقد تقدم أن المسح بإصبع واحدة يجزئ. ثم يسراه كذلك يعني أنه بعد أن يفرغ من مسح اليمنى باليسرى، يفعل باليسرى ما فعل باليمنى؛ فيبدأ بمسح ظاهرها بباطن الكف والأصابع من اليمنى جاعلا لها فوقها أي اليسرى حتى ينتهي إلى المرفق يدخله في المسح؛ ثم يمسح الباطن من طي مرفقها حتى ينتهي لآخر الأصابع؛ وقد تمت الهينة المندوبة. وكون المندوب الهيئة الاجتماعية لما يقدح فيه كون الأفراد بعضها فرض وبعضها سنة، وما ذكره المص من أنه يمكن مسح اليمنى قبل الشروع في اليسرى هو قول ابن القاسم. وقال ابن حبيب: يؤخر مسح الكف اليمنى حتى يفرغ من اليسرى، وهو في الرسالة، وهما روايتان عن مالك قاله في مرشد المبتدئين، ويندب البدء بأعلى الوجه وأطراف الأصابع. وبطل بمبطل الوضوء يعني أن التيمم يبطل بحصول ما يبطل به الوضوء كان للأصغر أو للأكبر، ويعود جنبا كما في المدونة. والبطل للوضوء هو ما تقدم في قوله: "نقض الوضوء بحدث" إلى آخر ما مر، فإذا تيمم الجنب بنية الأكبر، ثم ارتد بطل تيممه، ولا محل لتنظير الأجهوري ومن تبعه كما هو ظاهر: فإن جميع نواقض الوضوء تبطل التيمم، ولا تبطل الغسل. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن بناني. ويجري هنا قوله: ولو شك في صلاته الخ. وبوجود الماء قبل الصلاة يعني أن التيمم يبطل بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة إذا كان الوقت متسعا؛ وإن ضاق بحيث لو توضأ فيه لم يدرك الصلاة لم يجب استعماله على الصحيح من المذهب. قاله اللخمي. نقله الإمام الحطاب عن التوضيح. قال: ونقله الشارح وصرح به القاضي عبد الوهاب. انتهى. وعبارة الشيخ إبراهيم: وبوجود الماء قبل الصلاة واتسع الوقت المختار على

стр. 622

ما صرح به القاضي عبد الوهاب واللخمي، ونقله صاحب الطراز لإدراك ركعة بعد استعماله على ما تدل عليه الآثار من خفة وضوئه ﷺ ، لما على ما يكون من تراخ ووسوسة، ولا يجري هنا؛ وهل إن خاف فواته الخ؛ لأن هذا تيمم بوجه جائز. وقوله: "وبوجود الماء"، وكذا أيضا يبطل بحصول القدرة عليه قبل الصلاة؛ ومثل وجود الماء وجود من يجب سؤاله، ولو رأى ماء فقصده فحال دونه مانع أعاد تيممه، وقدمت عن الشبراخيتي أن محل البطلان بوجود الماء قبل الصلاة حيث اتسع الوقت المختار لإدراك ركعة بعد استعماله. قال الشيخ محمد بن الحسن: المتعين أن المراد بالوقت الوقت الذي هو فيه؛ لأن الوقت وقع به (١) كلام الأيمة غير مقيد كعبارة عبد الوهاب واللخمي والمازري وسند وابن شأس والتوضيح وابن عرفة، وما وقع للشيخ عبد الباقي من أنه لما يبطل تيممه في الضروري بوجود الماء قبل الصلاة لا قائل به سواه. ومثل وجود الماء قبل الصلاة وجود الآلة والمناول، ولو رأى المانع قبل وجود الماء لم يبطل تيممه، ولو رأى جماعة ماء فبادر إليه أحدهم بطل تيممه فقط دون غيره، وكذا لو سلموه له اختيارا على الأصح. قاله ابن الحاجب. ولو وهبه لأحدهم ولم يسمه فسلموه لأحدهم لم يبطل تيمم من سلمه إن كثروا جدا كجماعة جيش، وإن قلوا كالثلاثة والأربعة فأسلموه لواحد منهم انتقض تيمم من أسلمه، وإن قال هذا الماء لكم فسواء كانوا قليلا كاثنين أو كثيرا كعشرة آلاف لم ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه وحده. قاله سحنون. قال: وليس قوله لأحدكم مثل قوله هو لكم؛ لأن هذا قد أوجب لكل واحد نصيبا بلا شك، وليس في نصيبه ما يكفيه لوضوئه، فإذا أعطى هو نصيبه لم ينتقض تيممه. قال المص في توضيحه: وكأنه إنما فرق في قوله هو لأحدكم بين الجماعة اليسيرة والكثيرة لأجل عموم الحرج في حق الكثير قاله الشيخ إبراهيم. وسمع سحنون في رجلين بينهما ماء قدر ما يتوضأ به واحد منهما: يتقاومانه. ابن رشد: صحيح؛ لأنه لما وجب على الرجل شراء الماء بأكثر من ثمنه ما لم يرفع عليه، وجب عليه مقاواة صاحبه؛ لأن التقاوم شراء، وإن أسلمه أحدهما بغير مقاومة أو قبل بلوغه فيها القدر الذي لما يلزمه الشراء به، وتيمم وصلى أعاد أبدا؛ إذ ليس من أهل

стр. 623

التيمم. قال: بعضهم وفيه نظر. وقد قالوا فيمن تركت الصلاة عمدا حتى بقي خمس ركعات من النهار فحاضت، سقطت الصلاة عنها، ومن معه من الماء قدر ما يكفيه فأراقه أو أنجسه عصى وصار من أهل التيمم. وهذا مقتضى الفقه في كل من فرط أو ضيع الحزم حتى اضطر للتيمم، ولا إعادة عليه أبدا. انتهى. ابن رشد: ولو كانا معدمين اقتسماه أو باعاه، واقتسما ثمنه ويتيممان؛ وإن كانا متيممين لم يبطل تيممهما إلا إن أحبا الاستهام عليه، فمن صار له بالسهم توضأ به وانتقض تيممه وكان عليه حظ قيمة صاحبه دينا فلهما ذلك، ولو كان أحدهما موسرا دون الآخر كان أحق به وأدى نصيب شريكه إلا أن يحتاج إلى حظه فهو أحق به ويقسم بينهما. قاله الشيخ الخرشي. والشيخ إبراهيم. وسيأتي لهذا الكلام مزيد بيان عند قول المص: "وقدم ذو ماء مات ومعه جنب إلا لخوف عطش ككونه لهما وضمن قيمته". وقد مر أنه يبطل التيمم بوجود من يجب سؤاله قبل الدخول في الصلاة، فلو تيمم وطلع عليه ركب قبل شروعه في الصلاة ظن معهم الماء سألهم، فإن لم يجده معهم أعاد تيممه؛ لأن الطلب لما وجب كان شرطا في صحة التيمم وفي شرح الشيخ عبد الباقي أنه لابد من اتصال التيمم بالصلاة، وأنه إنما تغتفر الإقامة. وانظره مع ما مر أنه محدود بما دون جفاف أعضاء بزمن اعتدلا لا فيها يعني أن وجود الماء بعد التيمم، والدخول في الصلاة بأن أحرم لما يبطل التيمم ولو اتسع الوقت، ويحرم عليه القطع. قال سند: وهذا إذا شرع آيسا من الماء، فإن تيمم وهو يرجوه فلا يبعد أن يقال يقطع. انتهى. وكذا لو وجد في الصلاة من يجب سؤاله فلا يبطل التيمم، ويحرم القطع عليه. قاله الشيخ عبد الباقي؛ وغيره. إلا ناسيه يعني أن من كان عنده ماء فنسيه وتيمم، وشرع في الصلاة، فتذكر في الصلاة أن الماء عنده، فإن صلاته تبطل لتفريطه، فإنه تيمم والماء عنده كمن شرع في صوم الظهار، ثم ذكر أنه قادر على الرقبة، وهذا هو المشهور. وقيل: يتمادى في صلاته، ومحل بطلان الصلاة في قوله: "إلا ناسيه" إن اتسع الوقت، وإلا فلا. قاله غير واحد. وناسيه غير منصوب؛ لأن الاستثناء مفرغ لعدم ذكر المستثنى منه. والأصل لا واجد فيها إلا ناسيه. قاله غير واحد. ولما فرغ من الكلام على واجد الماء قبل الصلاة وفيها، شرع في الكلام على واجده بعدها فقال:

стр. 624

ويعيد المقصر في الوقت يعني أن كل من لزمه طلب الماء وقصر في طلبه يعيد في الوقت، ومفهوم قوله: "المقصر" أنه إن فرط بأن لم يطلب الماء أصلا، ولم يعتقد عدمه، فإنه يعيد أبدا. قاله الأمير. فإن لم يعد المقصر في الوقت فصلاته صحيحة كما أشار إلى ذلك بقوله: وصحت إن لم يعد وظاهر المص سواء ترك الإعادة عامدا أو ناسيا، والمسألة في ابن الحاجب، والمقدمات مفروضة في الناسي، والظاهر أن العامد كذلك ذكره في التوضيح. قاله الإمام الحطاب. وفوله: "ويعيد القصر في الوقت" قال غير واحد: ندبا وصرح المص بقوله: وصحت إن لم يعد، مع أن الإعادة في الوقت تدل على صحة الصلاة، ردا لقول ابن حبيب: لو نسي من يؤمر بالإعادة في الوقت أن يعيد فيه ثم ذكر بعده، أعاد أبدا. قال ابن الحاجب: وكل من أمر أن يعيد في الوقت فنسي بعد أن ذكره لم يعد بعده. وقال ابن حبيب: يعيد. كواجده بقربه مثال للمقصر؛ يعني أن من طلب الماء فلم يجده، فتيمم وصلى، ثم وجد الماء بقربه، فإنه يعيد لتقصيره في الطلب. والمراد بقربه أن يجده بالمحل الذي يلزمه الطلب فيه قال الشبراخيتي: والإعادة مقيدة بقيود ثلاثة: أن يطلب الماء، وأن يجد الماء الذي كان طلبه أولا، وأن يجده بقربه. انتهى. أي فإن وجد غيره لم يعد، كما صرح به عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي في النص أنه يعيد مطلقا، وإن وجد غيره ففي الحطاب ما نصه: قال في سماع أبي زيد فيمن نزلوا بصحراء ولا ماء لهم، ثم وجدوا ماء قريبا جهلوه يعيدون في الوقت. قال ابن رشد: استحبابا، وأجاب بعضهم بأن المراد بقوله: "فلو وجد غيره"؛ أي وجد ماء لم يكن موجودا حين الطلب بأن طرأ بسبب نزول مطر أو مجيء رفقة، فهذا لما إعادة عليه. وقد علمت أن هذا في الجاهل، وأما الآيس فقد تقدم أنه لما إعادة عليه في الوقت وجد ما أيس منه أو غيره. وقيل: إن وجد ما أيس منه أعاد، وإلا فلا. راجع ما تقدم عند قوله: "فالآيس أول المختار" أو رحله يعني أن من طلب الماء في رحله فلم يجده لتقصيره في الطلب، ثم وجد الماء فيه فإنه يعيد في الوقت، وكذا لو وضعه غلامه أو زوجته في رحله على العادة وهو لما يشعر فإنه يعيد في الوقت، فإن لم يكن عادتهما ذلك فلا يعيد. قوله: "أو رحله" قال الشيخ عبد الباقي: ليس فيها ولا في التي قبلها نسيان، كما يشعر به قوله: واجده، كأن يضعه غيره في رحله بغير شعور

стр. 625

به؛ أي فلا يتكرر مع قوله: وناس ذكر بعدها، فإن لم يطلب بقربه أو رحله أعاد أبدا، وإن وجد في رحل غيره لم يعد بوقت ولا بغيره، ففي كل من المسألتين ثلاث صور. وهي: إن لم يطلب المأمور بالطلب وتيمم وصلى أعاد أبدا، وإن طلبه فلم يجده ثم وجده أعاد في الوقت، فإن وجد غيره فلا إعادة عليه. انتهى. وقد مر ما للشيخ محمد بن الحسن. قال الشيخ عبد الباقي: وما هنا من الإعادة في الوقت لا يخالف ما تقدم من الإعادة أبدا؛ لأن ما تقدم تعلق ظنه أو غيره بماء عندهم، وترك الطلب الواجب فكأنه موجود عنده، وما هنا لم يتعلق ظنه ولا غيره بماء عند جيرانه، بل اتفق أنه وجده بقربه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا حسن وبه يرتفع الإشكال، ويكون ما تقدم من كلام الشيخ عبد الباقي: فإن وجد غيره لم يعد؛ معناه ماء طرأ بنزول مطر أو مجيء رفقة مثلا. كما نقله الشيخ محمد بن الحسن. عن بعضهم. والله سبحانه أعلم. لا إن ذهب رحله يعني أن من طلب رحله ليتطهر بالماء الذي فيه فضل عنه ولم يجدد، فتيمم وصلى، ثم وجده، فإنه لا يعيد لعدم تقصيره. وظاهر كلامهم أن من ضل رحله كعادم الماء فيفصل فيه بين الآيس وغيره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. رادا على الشيخ عبد الباقي حيث قال: لا إن ذهب رحله، وطلبه حتى خاف فوات الوقت. لخ. وخائف لص معطوف على مجرور، والتتائي يقرأ هذه الأمور بالرفع. وقد تقدم أن من الأسباب المبيحة للتيمم الخوف على النفس أو المال من اللصوص: يعني أن من منعه من الماء خوف اللصوص على نفسه أو ماله؛ ثم وجد الماء بعد أن تيمم وصلى: يعيد في الوقت. أو سبع يعني أن من منعه من الماء خوف سبع، أو خوف أخذ تمساح له، فإنه يباح له التيمم، وإذا وجد الماء فإنه يعيد ما دام الوقت باقيا. وتقيد إعادة خائف اللص أو السبع بأربعة قيود: تيقن وجود الماء أو لحوقه لولا خوفه، وتبين عدم ما خافه ووجود الماء بعينه، وكون خوفه جزما أو غلبة ظن فإن لم يتيقن وجوده أو لحوقه أو تبين ما خافه أو لم يتبين شيء أو وجد غيره لم يعد، وإن شك هل كان تيممه لخوف لص أو سبع أو لغيره ككسل أعاد أبدا، وإنما أعاد الخائف من لص أو سبع مع أنه لما يجوز له التغرير؛ لأنه لما تبين عدم ما خافه كان خوفه كلا خوف

стр. 626

فعنده تقصير في عدم تثبته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: وتبين عدم ما خافه لخ. قال الرماصي: هذا القيد ذكره البساطي، واعتمده الأجهوري ومن تبعه، ولم يذكره الشارح ولا المص في التوضيح، ولا ابن عبد السلام، ولذا خالف بعضهم فيه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وعبارة الأمير: فإن شك في المانع أعاد أبدا. انتهى. وقد تقدَّم أن من عرسوا دون الماء خوفا على مالهم وتيمموا وصلوا، ففي إعادتهم ثلاثة أقوال: أحدها لما إعادة عليهم وهو الأظهر؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من النزول، ودليله حديث العقد (١)، وما ذكره في المدونة من عدم شراء الماء إذا رفعوا عليه في ثمنه، وقال أصبغ: يعيدون في الوقت؛ وقال ابن القاسم: يعيدون أبدا. والله سبحانه أعلم. ومريض عدم مناولا يعني أن المريض الذي عدم من يناوله الماء كالمقعد مثلا إذا تيمم وصلى، فإنه يعيد في الوقت حيث كان لما يتكرر عليه الداخلون لتقصيره في تحصيل الماء، والموضوع أنه يقدر على استعمال الماء، فإن كان يتكرر عليه الداخلون ولكن لم يدخل عليه أحد وقت الصلاة لم يعد. ابن ناجي: والأقرب أنه لا إعادة عليه مطلقا؛ لأنه إذا لم يجد من يناوله إياه إنما ترك الاستعداد للماء قبل دخول الوقت، وهو مندوب إليه على ظاهر الذهب، وذلك لما يضر فلا إعادة عليه مطلقا. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وراج قدم يعني أن الراجي للماء، وهو من تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء أو لحوقه في الوقت، يتيمم آخر الوقت ويصلي بحيث يدرك الصلاة آخر الوقت المختار، فإذا تيمم وصلى قبل آخر الوقت الذي أمر بالتأخير إليه، فإنه يعيد في الوقت إن وجد الماء الذي رجا مراعاة للقول بوجوب تأخيره، ولأنه عهد الإعادة لترك مندوب كستر عورة الصغيرة كما في حاشية الأمير، فإن وجد غيره لم يعد لعدم تقصيره، ومثله المتردد في وجوده وعدمه، وهو الجاهل بموضعه، فإنه يعيد في الوقت إذا قدم عن وقته المشروع له فيه إقامة الصلاة وهو وسط الوقت، فإن صلى في وقته المطلوب

стр. 627

لم يعد بخلاف المتردد في لحوقه فإنه يعيد ولو لم يقدم على وقته المشروع؛ كما أشار إلى ذلك بقوله: ومتردد في لحوقه يعني أن المتردد في لحوق الماء مع تحقق وجوده إذا تيمم وصلى، فإنه يعيد في الوقت إذا وجد الماء، ولو لم يقدم عن الوقت المطلوب وهو وسط الوقت. والفرق بين حقيقة المتردد في وجود الماء والمتردد في لحوقه، أن المتردد في وجود الماء هو الذي لما علم عنده بالماء، فهو متردد في وجوده وعدمه كالجاهل بموضعه، والمتردد في لحوقه هو الذي لما يدري هل يلحق الماء في الوقت أم لا؟ مع أنه تيقن وجوده؛ والفرق بينهما في الإعادة حيث طلب المتردد في لحوقه بالإعادة؛ ولو صلى في وسط الوقت. بخلاف المتردد في وجوده فإنما يعيد إذا قدم عن وسط الوقت لا إن تيمم وصلى في وسط الوقت فلا إعادة عليه، أن المتردد في لحوقه عنده نوع تقصير فلذا طلب؛ ولو صلى في الوقت المطلوب بالتأخير إليه بخلاف المتردد في الوجود، فإنه استند إلى الأصل وهو العدم. وناس ذكر بعدها يعني أن من كان عنده ماء فنسيه: وتيمم وصلى، فلما فرغ من الصلاة تذكر أنه عنده ماء. فإنه يتطهر، ويعيد في الوقت. ومثله جاهل كونه في ملكه، كوضعه من زوجته أو رقيقه في رحله حيث اعتيد وضعهما فيه -كما تقدم- لا إن لم يكن معتادا، ولو سأل رفقته الماء فنسوه؛ فلما تيمم وصلى وجدوه؛ قال ابن القاسم في العتيبة: إن ظن أنهم إن علموا به منعوه فلا إعادة عليه؛ وإن ظن أنهم لو وجدوه لم يمنعوه فليعد في الوقت. قاله الإمام الحطاب. كمقتصر على كوعيه يعني أن من أوعب وجهه في المسح في التيمم؛ ولكنه اقتصر في مسح اليدين على الكوعين بأن مسح الكفين والكوعين، فإنه يعيد في الوقت. وإنما أعاد لقوة القول بوجوبه إلى المرفقين. لا على ضربة يعني أن من أوعب وجهه بالمسح في التيمم ويديه إلى المرفقين، لكنه اقتصر في مسح اليدين على الضربة الأولى فلم يضرب لهما ثانية، فإنه لما يعيد في الوقت لضعف القول بوجوب الضربة الثانية. واعلم أن كل من صلى بتيمم صلاة صحيحة؛ وقلنا يعيد في الوقت، فإنما يعيد بالماء إلا المقتصر على كوعيه، والمتيمم على مصاب بول، ومن وجد بثوبه أو بدنه أو مكانه نجاسة، ومن يعيد لتذكر إحدى الحاضرتين بعدما صلى الثانية، والمعيد لفضل الجماعة؛ ومن

стр. 628

يقدم الحاضرة على يسير الفوائت، ومن تيمم على حشيش ونحوه لم يمكن قلعه وضاق الوقت ولم يجد غيره، والكل بالمختار إلا المتيمم على مصاب بول، والمتيمم لإعادة الحاضرة المقدمة على يسير الفوائت، والمقدم لإحدى الحاضرتين ناسيا، والمعيد لنجاسة. ونظمها بعضهم فقال: وكل من أعاد وقتا فبما … سوى الذي على أذى تيمما وواجد بثوبه ومقتصر … لكوعه ومن يسيرا ادكر كذا الذي فضل جماعة قصد … تيمم على حشيش انفرد والكل بالمختار غير الأولين … ورابع فبالضروري دون مين وأدرج مسألة تذكر إحدى الحاضرتين في مسألة تذكر يسير الفوائت، فهي أربع. والله سبحانه أعلم. وكمتيمم على مصاب بول يعني أن من تيمم على تراب أصابه بول، فإنه يعيد في الوقت الضروري ولو بالتيمم. قاله الإمام مالك. وقوله: "مصاب" اسم مكان؛ أي صعيد مصاب بول، ولما استشكل ما ذكر بأنه كمن توضأ بماء نجس فيعيد أبدا، أجيب عن ذلك بأجوبة ذكر المص منها جوابين: أحدهما أشار إليه بقوله: وأول بالمشكوك يعني أن من الشيوخ من أجاب عن كلام الإمام بأن معناه أن هذا المتيمم تيمم على صعيد مشكوك في إصابة نجس له، أي شك هل أصاب هذا الصعيد بول نجس -مثلا- أو لم يصبه؟ ولو تحققت إصابة البول النجس لذلك المكان الذي تيمم به لأعاد أبدا، فمحل الإعادة في الوقت في الشاك، وصريح المص أن هذا تأويل للمدونة، وحقق الرماصي أن هذا مذهب لأصبغ وابن حبيب، وليس بتأويل للمدونة. وأول بالمحقق يعني أن عياضا تأول كلام الإمام في المدونة على أن المكان الذي وقع به التيمم محقق النجاسة، وإنما فرق الإمام بين التيمم والوضوء، فاقتصر في التيمم على الإعادة في الوقت دون الأبدية مراعاة لقول القائل من الأئمة، وهو الحسن، ومحمد بن الحنفية، وابن كأس وغيرهم. بطهارة الأرض أي بأن الأرض تطهر بالجفاف وقوله: "بالمحقق" لما فرق بين أن يعلم بذلك قبل التيمم أو بعده على التحقيق وعبارة الأمير: وفيها إن تيمم على متنجس أعاد في الوقت، فأولت بأن الريح سترته بتراب طاهر، أو مراعاة لطهارته بالجفاف، وعبارة ابن عرفة

стр. 629

فيها المتيمم على موضع نجس، فيشمل جميع أجزاء الأرض. وقوله: "وكمتيمم على مصاب بول"؛ قال عبد الباقي. محله إن وجد طاهرا غيره واتسع الوقت، فإن لم يجد غيره وضاق الوقت؛ وجب تيممه؛ ولا إعادة عليه إلا إذا حصل الشك بعد الصلاة، ووجد غيره، والوقت باق. انتهى. قال الرماصي: لم أر من قيد بهذا سوى على الأجهوري، ولا مستند له فيه، وظاهر أقوال المذهب وإطلاقاتهم الإطلاق، وأن من لم يجد إلا صعيدا نجسا لا يتيمم عليه، بل يصير حكمه حكم فاقد الماء والصعيد. وقوله: "القائل بطهارة" لخ كمذهب الحسن ومحمد بن الحنفية؛ وأما الحنفية فمشهور مذهبهم الطهارة بالجفاف بالنسبة للصلاة عليها، لا التيمم. قاله الأمير. ومنع مع عدم ماء تقبيل متوض يعني أن من كان متوضئا: وهو عادم للماء أو للقدرة على استعماله. لا يجوز له أن يفعل ما ينقض وضوءه من قبلة وغيرها، فلو أدخل الكاف على "تقبيل" لشمل جميع النواقض. وفي الحطاب: لا يجوز للإنسان أن يبول ولا ماء معه، إذا كانت به حقنة خفيفة لا تفسد الصلاة بها؛ لأنه مستغن عن الصلاة بالتيمم؛ ولا خلاف أنه إن فعل ذلك يتيمم. وقوله: "متوض" يشمل الذكر والأنثى. وقد تقدم أن الفقه فيمن فرط أو ضيع الحزم حتى اضطر للتيمم، كما لو أهراق ماءه أو نجسه -مثلا- يتيمم، مع أنه عاص. وجماع مغتسل يعني أنه يمنع مع عدم الماء أو عدم القدرة عليه لمن كان مغتسلا أن يجامع زوجته؛ وكذا يمنع جماعها إن كانت هي مغتسلة. فقوله: "تقبيل" "وجماع" يصح أن يكونا مضافين للفاعل، وأن يكونا مضافين للمفعول. وقوله: "مغتسل" مثله من هو بحال المغتسل، كمن بلغ ولم يلزمه غسل. إلا لطول يعني أن محل منع الجماع للمغتسل إنما هو حيث لم يحصل له طول يتضرر بترك الجماع فيه في بدنه أو يخشى معه العنت لا مجرد الشهوة، فالاستثناء راجع لقوله: "وجماع مغتسل"؛ لا لما قبله؛ لأنه لما يتضرر بترك التقبيل، ولو عبر المص "بتضرر" بدل "طول" لكان أولى. قاله الشبراخيتي. وقوله: "إلا لطول"؛ أي فيجوز له الوطء، وإن لم يحصل طول حيث علم أنه لما يجد الماء إلا بعد طول، كذي الشجة الذي يمسح عليها، ولا يغسلها إلا بعد طول فيباح له الوطء لطول أمره، فلا فرق بين هذا وبين صاحب الشجة. خلافا للشيخ عبد الباقي قائلا: إن

стр. 630

صاحب الشجة إنما ينتقل للمسح لا للتيمم فهو أخف، والمرأة أحق بما تغتسل به في سفر حيث لا ماء يكفي إلا أحدهما لما أدخل عليها وهي كارهة، ولأنه يفرض عليه الماء لغسلها. ولو علم من زوجته أو أمته أنهما لا يغتسلان من جنابة، فالواجب زجرهما، فإن تعذر، إما أن يمسك بلا وطء؛ أو يطلق، فإن لم يقدر وجب الطلاق، فإن تبعتها نفسه لم يجز له وطؤها إلا عند خوف العنت. المشدالي: ظاهر قول ابن القاسم فيمن قالت لا أغتسل من جنابة أنه لما يجبر على فراقها، فقد جوز له البقاء مع جواز الوطء، وعلمه بأنها لما تغتسل. وقوله: "ومنع" الخ، المنع على الكراهة، أو خلاف الأولى. وقيل: على التحريم. وقوله: "وجماع مغتسل" متيمما أو متوضئا، ولا يعترض على هذا بما تقدم من جواز السفر في طريق يتيقن فيه عدم الماء طلبا للمال، أو لرعي البهائم؛ لأن الطهارة هنا حاصلة، وفيما تقدم غير حاصلة. وإذا أبيح له الوطء لأجل طول؛ فلها أن تمكنه حينئذ من نفسها، وله إكراهها. وتحصل مما مر أنه لما يجوز جماع المغتسل مع عدم الماء أو عدم القدرة عليه إلا لمرض، أو خشي عنتٍ، لا بمجرد الشهوة. وإن نسي إحدى الخمس تيمم خمسا يعني أن من نسي إحدى الصلوات الخمس المشار إليهن بقوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد (١))، وجهل عينها يصلي الصلوات الخمس كلها لتبرأ ذمته، ويتيمم لكل صلاة منها، وذكر هذا وإن علم من قوله: لا فرض آخر؛ لأنه يتوهم في هذا أنه يكفي تيمم واحد، لكونه صلاة واحدة، وتعددت لبراءة الذمة، ولرد ما في الرسالة من أنه يكتفى في ذلك بتيمم واحد. وقدم ذو ماء مات ومعه جنب يعني أنه إذا مات شخص وعنده ماء يملكه، ومعه جنب أو حائض أو نفساء أو محدث أصغر أو الجميع، اتحد عدد كل أو تعدد، ولا نصيب لواحد منهم في الماء، فإنه يقدم الميت في تغسيله بمائه الذي يملكه بحقية ملكه، ولو قال المص: ومعه ذو مانع لكان أشمل. قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 631

إلا لخوف عطش يعني أن محل تقديم الميت في مائة حيث لم يخف على الحي عطش، وأما إن خيف عطش حي آدمي أو حيوان محترم، فيقدم من خيف عليه العطش؛ لأن حفظ النفوس مقدم فييمم الميت حفظا للنفوس، والاستثناء منقطع؛ لأن ما قبله في طهارة جنب ونحوه. ككونه لهما التشبيه في تقديم الحي؛ يعني أنه إذا مات شخص ومعه ذو مانع وعندهما من الماء ما يكفي واحدا منهما، فإنه يقدم الحي ذو المانع، ولو لم يخش عطشا، لترجيح جانب الحي بالشركة. وضمن قيمته يعني أن الحي يضمن للميت قيمة مائة في المسألتين: في مسألة خوف العطش المستثناة، وفي مسألة كون الماء مشتركا بين الميت والحي المشبهة بمسألة الاستثناء، فيضمن قيمة جميع الماء لورثته في الأولى، وقيمة حظه في الثانية وجدت القيمة أم لا في ذلك المكان وتلك الحالة. وإنما ضمن القيمة وهو مثلي؛ لأنه لو كان المثل لكان إما بموضعه وهو في غاية الحرج؛ إذ الاحتياج إلى الماء إنما يكون في موضع يتعذر له الوصول غالبا، وإما بموضع التحاكم، وقد لما يكون له قيمة، أو له قيمة قليلة، فيكون ذلك غبنا للوارث. والمذهب أنه إن طلب في محل الأخذ ولم تتغير الحال غرم المثل، وإلا غرم القيمة. وينبغي أن يكون محل هذا إن كانت له قيمة، وإلا غرم المثل. وقوله: وجدت أم لما فرق بينه وبين ما يأتي في الذبائح من قوله: وله الثمن إن وجد؛ بأن ما هنا رب الماء ميت وما يأتي حي، وبأن ما هنا في السفر وما يأتي في الحضر، وبأن ما هنا في خوف العطش حيث لم يضطر، وما يأتي في المضطر ولو تعدد طالب الماء من جنب، وحائض؛ ونفساء. ومحدث أصغر ولم يكن فيهم ميت وهو ملك لجميعهم، فإن كان في نصيب كل ما يكفيه، فالأمر ظاهر، ولا تأتي منازعة، وكذا إن كان الماء يكفي أحدهم فقط بعينه لوجوب بذل جميعه له مع ضمان قيمة ما لشريكه، وكذا لما تأتي منازعة إذا كان نصيب أحدهم فقط يكفيه دون الآخر لوجوب استعماله، وتيمم الآخر فإن كان جميع الماء يكفي أحدهم فقط لما بعينه، فإن استووا في المانع تقاووه، فمن بذل أكثر من صاحبه وجب على الآخر أن يسلم، أو يزيد. كما قاله العلامة بناني.

стр. 632

وهكذا فإن استووا في الزيادة فالظاهر القرعة، وإن اختلفوا في المانع قدمت الحائض والنفساء الواجب عليهما الغسل حالا على المحدث الأصغر وعلى الجنب على القول المختار، وقدم جنب على محدث أصغر، ونفساء على حائض فيما يظهر. وما تقدم من التقاوي عند استواء المانع، محله إن كانا موسرين، فإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا توضأ به الموسر، وأدى للآخر قيمة نصيبه إلا أن يحتاج إليه فيقسم بينهما، وإن أعدما اقتسماه أو باعاه واقتسما ثمنه، وتيمما لصلاتهما، ولم ينتقض تيممهما إلا أن يحبا أن يستهما عليه، فمن صار له بالسهم توضأ به وانتقض تيممه وكان عليه قيمة حظ صاحبه دينا، فيكون ذلك لهما. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد يعني أن من عدم الماء والصعيد تسقط عنه الصلاة؛ أي لا يطلب بأدائها في وقتها، ويسقط عنه قضاؤها أي لا يطلب بأن يصليها بعد أن خرج وقتها، هذا قول إمامنا مالك، وهو المذهب. كراكب سفينة لا يصل للماء، أو مصلوب على غير شجرة أو عليها ولا يصل للتيمم عليها، وكذا كل من عجز عن الطهارة بوجه من الوجوه؛ لأن طهارة الحدث عنده شرط في الوجوب والصحة، أي يشترط في وجوب الصلاة وصحتها وجود ما يتطهر به. وقال ابن القاسم: يصلي ويقضي. وقال أصبغ: يقضي. وقال أشهب: يؤدي. ونظم هذه الأقوال بعضهم فقال: ومن لم يجد ماء ولا متيمما … فأربعة الأقوال يحكين مذهبا يصلي ويقضي عكس ما قال مالك … وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا

стр. 633

ولابن غازي مذيلا: أرى الطهر شرطا في الوجوب لمسقط … وشرط أداء عند من بعد أو جبا ويحتاط باقيهم ومن قال إنه … لأشهب شرط دون عجز قد اغربا وبقي قول خامس نظمه التتائي بقوله: وللقابسي ذو الربط يومى لأرضه … بوجه وأيد للتيمم مطلبا وإذا قلنا إنه يؤدي فإن صلاته لا تبطل بسبق حدث أو غلبته، بخلاف تعمده فرفض مبطل، وقول ابن غازي: قد أغربا، فيه نظر، بل لا إغراب فيه اللهم إلا أن يكون مراده بقوله: دون عجز: أنه شرط مطلقا من غير تقييد بالقدرة، فالإغراب حينئذ صحيح. وقوله: ويحتاط باقيهم؛ أي أنه أدى؛ لأن الطهر شرط مع القدرة لا مع العجز: وإنما قضى لمراعاة أنها شرط صحة في القادر والعاجز كما يقول القائل بالقضاء. وعلم مما مر أن هذه الأقوال فيمن عجز عن الطهارة المائية والترابية لمرض، أو سبع، أو عذر حتى لا يمكنه تطهير بماء أو تراب، كمن انكسر به المركب ولم يقدر على التطهر.

стр. 634

فصل في المسح على الجبيرة: والظاهر في وجه تأخير هذا الفصل أن مسح الجبائر رخصة في الطهارة المائية والترابية، فناسب تأخيره عنهما، والجبيرة جمعها جبائر؛ وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر أو الجرح، وهي فعيلة بمعنى فاعلة من الجبر، سميت بذلك تفاؤلا كالقوافل. واعلم أن التفريق الحاصل في البدن إن كان في الرأس قيل له شجة، وفي الجلد خدش وجحش كما في حديث (سقط رسول الله ﷺ فجحش ساقه) (١))، أو فيه وفي اللحم قيل له جرح، والقريب العهد الذي لم يقح يقال خراج كغراب، وما قيح قرح، وفي العظم كسر، وفي العصب عرضا قيل له بقر، أو طولا قيل له شق، وإن كان عدده كثيرا سمي شدخا، وفي الأوردة والشاربين قيل له انفجار، وهذه الفائدة يحتاج إليها في قول الجلاب والتهذيب: من كانت به شجاج أو جراح أو قروح فيعلم الفرق بينها في اللغة. قاله في الذخيرة. وفي التوضيح أن الجرح يعم ما في الرأس والجسد. قاله الإمام الخطاب. إلا قوله: وجحش كما في حديث سقط رسول الله ﷺ فجحش ساقه فإنه للشبراخيتي، وقد مر أنه تكره إمامة الماسح على الجبيرة لغيره. إن خيف غسل جرح يعني أن من كان به جرح في أعضاء وضوئه وهو محدث أصغر، أو في بدنه جرح وهو محدث أكبر إن قدر على غسل الجرح من غير ضرر، أو مسحه حيث كان في الرأس من غير ضرر أيضا، فإنه يجب عليه غسله في الغسل والوضوء، أو مسحه مباشرة حيث كان في الرأس وهو محدث أصغر، فإن خاف بغسل المغسول خوفا كالخوف المبيح للتيمم يعني بذلك قوله: إن خافوا باستعماله مرضا أو زيادته أو تأخر برء، فإنه يجب عليه مسح ذلك الجرح بالماء مباشرة إن خاف بغسله هلاكا أو شديد أذى، وندبا إن خاف أذى غير شديد، ويمسح مرة واحدة، ولو كان بمحل يغسل ثلاثا، ولابد أن يعم وإلا لم يجزه، ولا مفهوم لقوله: "جرح" بدليل قوله: كعمامة؛ لأنه لا جرح تحتها، وكذا الرمد. قاله الشبراخيتي. وبما قررت علم أن قوله: مسح جواب قوله: "إن خيف" ثم جبيرته يعني أنه إذا خاف من وصول البلل إلى الجرح في

стр. 635

المسح عليه مباشرة أصليا، أم لا ضررا -كما تقدم- فإنه يجعل عليه جبيرة ثم يمسح على الجبيرة: وإن لم يكن إلا مجرد احتياجه للمسح عليها بأن كان الجرح ونحوه لا يحتاج لها لكن لا يتأتى له المسح عليه إلا بها كأرمد يقدر على كشف عينيه: فيجب عليه سترهما ليمسح، والحال أنه لا يقدر على مسهما بيده مباشرة. ثم عصابته بكسر العين ما عصب به الجرح كما في القاموس. أي ربط به؛ يعني أنه إذا خاف من المسح على الجبيرة ضررا كالتيمم، فإنه يجعل على الجبيرة عصابة ويمسح عليها، وكذا يمسح على العصابة إذا كان يفسد الدواء من حلها، ويخشى منه ضرر. واعلم أن المسح على الجبيرة ثم على العصابة ليس خاصا بالمتطهر بالماء، بل يجري في من تيمم أيضا، كما يؤخذ من السماع وابن رشد: وقول المص: وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها، إذ يفهم منه أنه إذا لم يتعذر مسها لا تترك. بل يمسح في جميع الصور السابقة مع أن في بعضها من فرضه التيمم، ومن فرضه الغسل، ولم يفرقوا بين كون الجرح في أعضاء التيمم أو لا. فما للسيوري فيمن لدغته عقرب وهو في كرب منها لا يستطيع إخراج يده من تحت الثوب أن التيمم من فوق الثوب لا يجوز، وحكم هذا كعادم الماء والصعيد، وتخريج البرزلي جواز تيممه على ما نقل عن القابسي من الإيماء؛ أي إيماء المربوط بوجهه ويديه إلى الأرض للتيمم، وقياسه على العضو المألوم في الوضوء غفلة عن السماع. وما لابن رشد قاله بعض الشراح؛ وهو حسن. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: نص السماع. سحنون: لو تيمم ومسح الجبائر فلما صلى ركعة أو ركعتين سقطت الجبائر، قال: يعيدها ويمسح عليها، ثم يبتدئ الصلاة. قال ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المسح على الجبيرة ناب عن غسل ذلك الموضع، والمسح عليه في الوضوء أو التيمم، فإذا سقط في الصلاة انتقضت طهارة ذلك الوضع فلم يصح له التمادي على صلاته، إذ لا تصح الصلاة إلا بطهارة كاملة، ولا يبني بعد رد الجبيرة والمسح عليها؛ إذ لا يجوز البناء في الحدث بخلاف الرعاف، وهذا ما لا أعلم فيه في المذهب خلافا. انتهى بزيادة من الخطاب. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفي السماع المذكور اعتراض على الخطاب في تسليمه فتوى السيوي المذكورة. انتهى. ويجب استيعاب الجبيرة بالمسح، قال التلمساني في شرح
следующие страницы →