وجاز رد زائف يعني أن رأس المال إذا وجد فيه زائف فإنه يجوز للمسلم إليه أن يرد ذلك الزائف واحدا أو متعددا وجده بقرب أو بعد، وله أن يتمسك به وإذا رد الزائف عجل بدله وجوبا حقيقة أو حكما إذ يغتفر فيه التأخير ثلاثة أيام بشرط كأصله، ثم محل وجوب التعجيل إن قام بالبدل قبل حلول أجل السلم، فإن قام به عند حلوله أو قبله بيومين أو ثلاث جاز تأخيره ما شاء ولو بشرط، وإلا أي وإن لم يعجل البدل حقيقة ولا حكما بأن تأخر أكثر من ثلاثة أيام بشرط أو بغيره فسد ما يقابله أي ما يقابل الزائف فقط لا الجميع أي لا يفسد جميع العقدة، وإنما يفسد ما يقابل الزائف منها فقط.
قال عبد الباقي: وقوله: على الأحسن راجع لقوله: "فسد ما يقابله". انتهى. قال الرهوني فيه نظر، بل هو راجع لهما في المعنى ولا يختلف الحال، وما مشى عليه المص هو الذي ذهب إليه أبو عمران ونحوه في مختصر ابن شعبان، وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أن العقدة تفسد كلها. قاله الشارح. وقال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن المسلم إليه إذا وجد في رأس مال السَّلَمِ دراهم زيوفا فإنه يجوز ردها سواء وجد ذلك بالقرب أو بالبعد كما هو ظاهرها، وإذا ردها فإنه يجب على المسلم أن يعجل البدل للمسلم إليه بأن لا يزيد على ثلاثة أيام، فإن تأخر أكثر من ثلاثة أيام فإنه يفسد من السلم ما يقابل الدراهم الزائفة فقط كما عند أبي عمران، واستحسنه ابن محرز وإليه الإشارة بالأحسن إعطاء للتابع حكم نفسه وفسد الجميع عند أبي بكر بن عبد الرحمن والزائف المغشوش، وظاهر المدونة عند أبي عمران أن النحاس والرصاص الخالصين كالمغشوش يجوز في ذلك البدل خلافا لسحنون، وقيد ابن بشير وجوب تعجيل البدل والفساد بتأخيره بما إذا قام بالبدل قبل حلول الأجل بكثير، أما لو قام به عند حلول الأجل أو قد بقيَ منه اليومان والثلاثة فيجوز التأخير ما شاء ولو بشرط. انتهى كلام الخرشي.
وقال عبد الباقي: ثم فساد ما يقابله فقط مقيد بخمسة قيود وهي حيث قام بالبدل وبقي من الأجل أكثر من ثلاثة أيام ولم يطلع عليه إلا بعد تأخير ثلاثة ولم يدخلا عند العقد على تأخير ما يظهر زائفا تأخيرا كثيرا وكان رأس المال عينا، فإن لم يقم بالبدل بأن رضي بالزائف أو سامح من عوضه لم يفسد ما يقابله، وكذا إن قام بالبدل عند حلول الأجل أو قبله بثلاثة أيام أو أقل، فإن
стр. 5742
دخلا عند العقد على تأخير بدل ما يظهر زائفا تأخيرا كثيرا فسد السلم كله لأن فيه الكالئ بالكالئ كدخولهما على تأخير بعض رأس المال كثيرا، وكذا إن كان رأسه غير عين واطلع فيه على عيب فينقض السلم كله كما مر يعني في العيب، وإن لم يكن معينا بل وقع على موصوف وجب رد مثل ما ظهر معيبا. انتهى. يعني على مذهب من أجاز الموصوف على الحلول كما في الخرشي. واللَّه سبحانه أعلم. وأما بعد يوم أو يومين بطل تراضيهما وأجبرا على التناجز. وقوله: "وعجل" اعلم أن المعتبر في كون التأخير أكثر من ثلاثة أيام أو أقل من ذلك إنما هو من يوم رد الزائف لا من يوم طلب بدله. قاله الخرشي.
والتصديق فيه أي المسلم فيه، وأما التصديق في رأس المال فقد مر أنه غير جائز، ومعنى كلامه أنه يجوز التصديق في كيل المسلم فيه أو وزنه أو عدده إذا قبض بعد أجله. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وجاز للمسلم التصديق للمسلم إليه فيه أي في شأن المسلم فيه كيلا أو وزنا أو عددا إذا أتى به بعد أجله لا قبله لما قدمه من منعه في معجل قبل أجله. كطعام من بيع يعني أنه يجوز التصديق في طعام مبيع على النقد أي الحلول، قال في المدونة: قال مالك: إن قبضت من رجل طعاما من سلم أو بيع وصدقته في كيله جاز ذلك، ثم إن وجدت نقصا أو زيدا على ما صدقت فيه من بيع أو سلم لك يا مصدق أو عليك الزيد المعروف والنقص المعروف، قال الخرشي: والمعنى أن التصديق في كيل المسلم فيه أو وزنه أو عدده إذا قبض بعد أجله جائز، وكذلك يجوز التصديق فيما ذكر في الطعام المبيع على النقد، ثم إذا وجد المصدق بذلك نقصا أو زيادة على ما صدق فيه من سلم أو بيع يشبه كيل الناس عادة فإنه لا شيء له في النقص ولا شيء عليه في الزيادة. انتهى.
وقال المواق في المدونة: قال مالك: إن قبضت من رجل طعاما من سلم أو بيع وصدقته في كيله جاز ذلك وليس لك رجوع بما تدعي من نقص إن كذَّبك إلا أن تقوم بينة لم تفارقك من حين قبضته حتى وجدت النقص فيه، فإن كان الذي وجدت بمحضرهم نقصا أو زيادة كنقص المكيل أو زيادته فذلك لك أو عليك، وإن زاد على المتعارف رجع البائع بما زاد ورجعت عليه بما نقص إن كان عليه مضمونا، وإن كان بعينه فبحصة النقصان من الثمن. انتهى.
стр. 5743
وإلا يكن النقص معروفا بل متفاحشا فإنه لا رجوع لك يا مسلم ويا مشتري طعام النقد إلا بتصديق من المسلم إليه أو البائع على النقص، أو بينة لم تفارقك يا مصدق من حين قبضك حتى وجدت النقص، أو بينة حضرت كيل البائع أو المسلم إليه (وقال إنه) (١) على ما قال المصدق وهو المسلم أو المشتري من النقص، فيرجع المصدق بجميع النقص ولا يترك قدر المتعارف كالجائحة، وأما الزيد المتفاحش فيرد كله ولا تأخذ منه المتعارف وترك هذا لوضوحه. قاله عبد الباقي. وقال: وينبغي أن يجري إلا بتصديق أو بينة لخ في دعوى البائع أو المسلم إليه أنه زاد في الكيل غلطا زيادة غير متعارفة. انتهى. وقوله: فيرجع بجميع النقص، فإن كان الطعام مضمونا كما في السلم رجع بمثله. وإن كان معينا كما في البيع رجع بحصة النقص من الثمن، وقوله: كالجائحة أي لأنه إذا كان المجاح دون الثلث لا يوضع عن المشتري شيء وإن أجيح الثلث وضع عن المشتري بقدر جميع ما أجيح. قاله أبو الحسن.
وإذا لم يوجد تصديق ولا بينة حلف البائع أو المسلم إليه وصفة يمينه مختلفة فإن كان قد اكتاله أو قام على كيله فصفتها أن يقول: باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد أوفيت ما سميته كما قال المص: لقد أوفى ما سمَّى أو أي وإن لم يكن اكتاله ولا قام على كيله بل بعث به للمسلم إليه من دين له على شخص بكتاب أو رسول، فإنه يحلف لقد باعه على ما كُتِبَ بهِ إلَيْهِ ومحل حلف البائع أو المسلم إليه لقد باعه على ما كتب به إليه إن كان البائع أو المسلم إليه قد أعلم مشترِيَه أي المسلم أو مشتري طعام النقد بأنه كتب إليه أن قدره كذا أي أرسل إليه به.
وعلم مما قررت أن هذا جار في مسألة البيع والسلم، وأن المشتري أو المسلم لا ينازع في البيع والسلم، وإنما النزاع هل بعث له ما كتب به إليه أو بلغه من الباعث له من رسول أم لا؟ أو هل وفاه ما سمّى له أم لا؟ قاله عبد الباقي. وقال بناني: لفظ باع وقع في المدونة وتبعها المص، واعترضه أبو الحسن بأن المبتاع يوافقه على بيعه بما فيه، ولكن يقول لم توفني ذلك فالصواب إبدال هذا اللفظ بدفع ونحوه. انتهى. وإلا بأن لم يحلف لقد أوفى ما سمى في الأولى أو لم يعلم
стр. 5744
مشتريه في الثانية حلفت يا مسلم ويا مشتريَ طعام النقد ورجعت في الصورتين، فإن لم تحلف فلا شيء لك في الأولى ولا ترد اليمين على البائع أو المسلم إليه لأنه نكل أولا، والنكول بعد النكول تصديق للناكل الأول وحلف البائع أو المسلم إليه في الثانية وبرئ، فإن نكل غرم.
وتحقيق هذه المسألة أنه يجوز للمسلم تصديق المسلم إليه في المسلم فيه بعد حلوله، ويجوز لمشتري طعام على النقد التصديق فيه، ثم إن وجد المسلم أو المشتري ذلك على ما قيل له فالأمر واضح، وإن وجده ناقصا نقصا متعارفا أو زائدا زيدا متعارفا فلا شيء له في النقص ولا شيء عليه في الزيد، فإن كان النقص متفاحشا فإن أقر البائع أو المسلم إليه بذلك أو قامت به بينة رجع به، وإن لم يقر بذلك ولا قامت به بينة فإنه يحلف البائع أو المسلم إليه لقد أوفى ما سمَّى له، فإن لم يحلف حلف المسلم والمشتري على ما قال من النقص ورجع بما قال وإن نكل فلا شيء له، هذا إن اكتال البائع أو المسلم إليه متاعهما أو قاما على كيله، فإن لم يكن البائع أو المسلم إليه اكتال ذلك ولا قام على كيله بل كتب إليه بذلك أو بُلِّغَه فإنه يحلف على أنه دفع إليه ما كتب به إليه أو بلِّغَه فإن حلف برئ، فإن لم يحلف حلف المشتري والمسلم ورجعا بما ادعياه من النقص، فإن لم يحلف المسلم أو المشتري فلا شيء لهما لأن النكول بعد النكول تصديق للناكل الأول، هذا إن أعلم البائع أو المسلم إليه المسلم أو المشتري طعام النقد بأنه لم يكله ولا قام على كيله وإنما كُتِبَ إليه بذلك أو أعلم به، وأما إن لم يعلمه بذلك فإن المسلم أو المشتري يحلف على ما قال من النقص ويرجع به، فإن لم يحلف حلف البائع أو المسلم إليه على دفع ما كتب به إليه وبرئ، فإن نكل غرم. وأما الزيد المتفاحش فيرد كله ولا يأخذ منه المتعارف، وينبغي أن يجري "إلا بتصديق أو بينة" لخ والمتفاحش ما لا يشبه كيل الناس عادة، والمتعارف ما يشبه كيل الناس عادة. هذا هو تحرير المسألة. وباللَّه تعالى التوفيق.
وإن أسلمت عرضا يغاب عليه كثوب أي عقدت سلما لا أنك دفعت العرض بالفعل، لمنافاته لقوله: فهلك ذلك العرض بيدك يا مسلم فهو أي ضمانه منه أي من المسلم إليه إن أهمل ذلك العرض أي تركه المسلم إليه عند المسلم على سبيل السكت؛ أي لم يبين أنه وديعة ولا غيرها فإنه يحمل على أنه وديعة أو لم يهمل، بل أودع أي تركه المسلم إليه عند المسلم على جهة الإيداع أو
стр. 5745
تركه عنده على جهة الانتفاع على وجه خاص، وهو أن يستثني منفعته أو يستأجره وظاهره كان استثناؤها قدر أجل رأس المال أو أكثر. وفي أحمد الظاهر تقييدها بقدرها ليلا يلزم تأخيره أكثر من المدة المغتفرة خصوصا إن قلنا المستثنى مبقى وأما الاستيجار فمطلق، قاله عبد الباقي وغيره.
ومنك إن لم تقم بينة على هلاكه والحال أنه وضع عندك عارية أو للتوثق أي حبسة المسلم حتى يأتي المسلم إليه برهن أو حميل أو حتى يشهد على المسلم إليه بتسليمه إليه، وليس معنى المص أن العرض يتوثق به بأن يجعله عنده في ثمنه رهنا؛ لأن ما بيع نسيئة ليس له حبسه في ثمنه إلا برضى المسلم إليه على أنه رهن في عوضه.
ونقض السلم يعني أنه ينقض السلم فيما إذا كان الضمان من المسلم وهو قوله "ومنك إن لم تقم بينة ووضع للتوثق". وحلف الواو للحال أي ينقض السلم إذا حلف المسلم على ما ادعاه من التلف، وفي المص: الالتفات من الحضور إلى الغيبة، فلو قال: وحلفت لكان أظهر في إفادة المراد. واللَّه سبحانه أعلم. وإلا يحلف المسلم على ما ادعاه من الهلاك خير الآخر وهو المسلم إليه في نقض السلم وبقائه وأخذ القيمة أي قيمة العرض الذي ادعى المسلم تلفه.
وإن أسلمت حيوانا أو عقارا فالسلم ثابت ويتبع الجاني يعني أن الشخص إذا أسلم حيوانا أو عقارا؛ أي عقد السلم في شيء مما ذكر بأن جعله رأس مال السلم فتلف من المسلم أو أجنبي فإن السلم ثابت ويتبع المسلم إليه الجاني، وقوله: "يتبع" مبني للفاعل وضميره للمسلم إليه، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم إن كان رأس المال حيوانا فقتلها رجل بيدك قبل أن يقبضها المسلم إليه أو كان دورا أو أرضين فعدا عليها رجل فهدم البناء واحتفر الأرض فأفسدها فللمسلم إليه طلب الجاني والسلم ثابت. انتهى. وهذا صريح في رجوع قوله: "ويتبع الجاني" لقوله: "وإن أسلمت حيوانا أو عقارا" لخ، وقال بناني: هو راجع أيضا إلى المسائل الثلاث الأول، أعني قوله: إن أهمل أو أودع أو على الانتفاع، فإن السلم فيها ثابت ويتبع المسلم إليه الجاني إن كان وقول التتائي تبعا للشارح: يتبعه المضمون له من المتبايعين غير صواب.
قال المصطفى: لأن قوله: يتبع الجاني راجع لمسألة العرض وما بعدها، فما بعدها لا شك أن الضمان من المسلم إليه وكذا العرض في الأحوال الثلاثة الأول فهو المتبع للجاني، وأما الحالة
стр. 5746
الرابعة وهي وضعه للتوثق فإن علم أن التلف من أجنبي فكذلك الضمان من المسلم إليه أيضا، سواء عرف الأجنبي أو جهل ولا شيء على المسلم، وإن لم يعلم من أتلفه وحلف المسلم فسخ العقد، وكذلك إن نكل واختار المسلم إليه الفسخ وإلا بأن اختار البقاء فإنه يتبع المسلم، فقد علمت أنه لا يتصور الاتباع في الصور كلها إلا من المسلم إليه. وقال ابن عاشر: يتصور -واللَّه أعلم- كون المسلم متبعا حيث يكون رأس المال غائبا غير عقار. انتهى. فانظره. واللَّه أعلم. انتهى كلام بناني.
وقال الحطاب: قال ابن بشير: وإذا ترك رأس المال عند المسلم على جهة الوديعة وكان مما يعرف بعينه فعدا عليه أجنبي وشهد بذلك، فهل تجوز شهادته أو لا؟ للمتأخرين ثلاثة أقوال، أحدها: جواز الشهادة على الإطلاق لأنه إذا كان من أهل الشهادة فهو غير متهم، والثاني: ردها مطلقا إذ في المذهب قول بأنه يحلف المتهم وغيره ولأن الناس يقصدون براءة أنفسهم وإن لم تلزمهم اليمين، وَالثالث: أن الذي عليه السلم إن كان فقيرا لم تجز الشهادة لأنه يتهم أن يشهد له بما يعمر ذمته ليستحق طلبها وإن كان غنيا فلا تهمة فتجوز. والأصل في هذا المعنى أن يقال متى تيقنت التهمة لم تجز الشهادة ومتى لم تبين جازت. انتهى. واعلم أنه متى كان الضمان لرأس المال من المسلم إليه فالسلم ثابت وينظر، فإن علم من أتلفه تبعه المسلم إليه مسلما أو أجنبيا، وإن جهل ممن هلاكه فلا غرم على أحد، وإنما يحلف المسلم إن كان متهما. قاله الحطاب:
وأن لا يكونا طعامين هذا هو الشرط الثاني من شروط السلم وهو مركب من انتفاء ستة أشياء؛ يعني أنه يشترط في صحة عقد السلم أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعامين ربويين أم لا، متحدي الجنس أم لا، قال المواق: من المدونة: أصل قول مالك أن الطعام بالطعام إلى أجل لا يصلح كانا من صنف واحد أو من صنفين مختلفين كانا أو أحدهما مما يدخر أو لا يدخر، أو مما يكال أو يوزن أو يعد وكذلك جميع التوابل واللحمان والحيتان وجميع الإدام والأشربة غير الماء، إلا أن يقرض رجل طعاما أو إداما في مثله إلى أجل على وجه المعروف فتأخذ مثله في كيل أو وزن وجنس وصفة وجوده، ولا تبتغي بذلك نفع نفسك فيجوز ولا يجوز بمعنى التبايع وإن كان النفع
стр. 5747
فيه للآخذ. وقوله: "وأن لا يكونا طعامين" من ذلك سلم نخلة مثمرة في طعام فيمنع عند ابن القاسم خلافا لسحنون. ابن مسلمة: إن أزهى منع وإلا جاز.
ولا نقدين يعني أنه يشترط في صحة عقد السلم أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه نقدين، قال المواق: التلقين: لا يجوز ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا أحدهما بالآخر نساء لا على الوجه الذي يجوز نقدا ولا على خلافه، ومن المدونة: لا يجوز سلم الدنانير والدراهم في الفلوس. انتهى. ولا شيئا في أكثر أو أجود يعني أنه يشترط في صحة عقد السلم أن لا يكون رأس المال والسلم فيه شيئين من جنس واحد أحدهما أكثر من الآخر أو أجود، كان الأول هو الأقل أو الأدنى أو بالعكس كما قال: كالعكس لما في تقديم الأقل أو الأدنى من سلف جر نفعا، ولما في العكس من تهمة ضمان بجعل، وإنما اعتبروها هنا وألغوها في بيوع الآجال؛ لأن تعدد العقد هناك أضعفها. قاله غير واحد. وقال المواق: قال ابن عرفة: فيها مع غيرها لا يجوز سلم شيء في أكثر منه ولا أقل منه ولا أدنى في أجود ولا عكسه؛ لأنه سلف جر نفعا وضمان بجعل. انتهى. وقوله: "كالعكس" قال ابن عبد السلام: وإنما تمتنع هذه المسألة عن سد الذرائع فإن المتبايعين لم ينصا على الضمان بالجعل، ثم قال: على أن دفع كثير في قليل ليس من شأن العقلاء غالبا فلذلك تضعف التهمة عليه.
إلا أن تختلف المنفعة مستثنى من المسائل الأربع يعني أن محل المنع في سلم شيء في شيء من جنسه أجود منه أو أكثر كالعكس إنما هو إذا لم تختلف المنفعة: وأما إن اختلفت المنفعة فإنه لا يمنع شيء من ذلك. واعلم أن المسألة على أربعة أوجه؛ لأنه إما أن يختلف الجنس والمنفعة معا ولا إشكال في الجواز، وإما أن يتفقا معا ولا إشكال في المنع إلا أن يسلم الشيء في مثله فيكون قرضا، وإما أن يتحد الجنس وتختلف المنفعة وهو المراد هنا، وإما أن تتحد المنفعة ويختلف الجنس وفيه قولان، فمن منع نظر إلى أن المقصود من الأعيان منافعها، ومن أجاز نظر إلى اختلاف الجنس وهو الراجح كما يأتي في قوله: "ولو تقاربت المنفعة". واللَّه أعلم.
وإذا اختلفت المنفعة وقوِيَ اختلافها فلا يشترط اختلاف العدد، قال بناني: الذي يفيده كلام اللخمي أنه لا يشترط اختلاف العدد إلا مع ضعف اختلاف المنفعة، أما إذا قَوِيَ اختلاف المنفعة
стр. 5748
فيجوز السلم ولو اتحد العدد، ونصه: الإبل صنفان صنف يراد للحمل وصنف يراد للركوب لا للحمل وكل صنف منهما صنفان: جيد وحاش، فيجوز أن يسلم ما يراد للحمل فيما يراد للركوب والسير عليه جيد أحدهما في جيد الآخر والجيد في الردي والردي في الردي، اتفق العدد أو اختلف. وأما إذا كانت كلها تراد للحمل أو للركوب فلا يجوز أن يسلم الجيد في الردي ولا الردي في الجيد، ويجوز أن يسلم جيد في حاشيين فأكثر وحاشيان فأكثر في جيد، ولا يجوز أن يسلم واحد في واحد من ذلك تقدم الجيد أو الردي لأنه سلف جر نفعا إن تقدم الردي وضمان بجعل إن تقدم الجيد، وإن اختلف العدد وكانت الكثرة في جهة الردي كانت مبايعة فيكون فضل العدد لمكان الجودة، وكذا فعل علي وابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، وهذا الشأن أن يقل عدد الجيد ويكثر عدد الردي، فإن استوى العدد كان الفضل من صاحب الجيد خاصة فلم تدخله مبايعة ولو أسلم نصفا جيدا يعني من ثوب مثلا في كامل ردي لجاز ودخله المبايعة؛ لأن كمال هذا في مقابلة جودة الآخر مع نقصه. انتهى.
وتعبير المص بالأعرابية المفيد للتعدد تبع فيه لفظ المدونة، وليس المراد اشتراط ذلك كما توهم بدليل أن المدونة عبرت أيضا بالإفراد، فقالت: كاختلاف الحمار الفاره النجيب بالحمار الأعرابي فيجوز. انتهى. وفي المتيطية: ويجوز أن يسلم حمار يراد للحمل في آخر يراد للركوب والسرج. انتهى. وقال المواق: ابن بشير: إذا اتفق جنس المسلم والمسلم فيه واختلفت منافعهما فالأصل جواز السلم، لكن لا كانت المنافع قد تتباين جدا وقد تتقارب وقد يشكل أمرها كثر الشغب في هذا القسم. انتهى.
ومثل المص لاختلاف المنفعة بقوله: كفاره الحمر في الأعرابية يعني أنه يجوز أن يسلم الحمار الفاره وهو الحاذق بالسير في الحمر الأعرابية التي ليست بفارهة، قال الخرشي: والمعنى أنه يجوز سلم الحمار الفاره وهو جيد السير في الحمارين غير الفارهين فأكثر وبالعكس، لأن اختلاف النافع تُصَيّرُ الجنس الواحد كالجنسين وجمعه الأعرابية المنسوبة للأعراب يدل على أنه لا بد أن يسلم الواحد في المتعدد وهو كذلك، فلا يجوز سلم الواحد في الواحد حيث لم يختلف بالصغر والكبر وإلا جاز. انتهى. ونحوه لعبد الباقي إلا أنه فسر الفاره بسريع السير، قال بناني: قول
стр. 5749
عبد الباقي: فلا يسلم فاره واحد في عربي واحد قد علمت أنه خلاف المدونة وغيرها، وقوله: أي سريع السير بهذا فسر المص الفاره، واعترضه مصطفى بأن عبارة المدونة كعبارة المص ومع ذلك قال أبو عمران وعياض: مذهبها أن السير والحمل غير معتبرين لأنه جعل حمر مصر كلها صنفا وبعضها أَسْيَرُ من بعض وأحمل. انتهى. وهو يدل على أن الفراهة غير سرعة السير، ورد ابن عرفة احتجاج أبي عمران بأنه لا يلزم من لغو شدة السير مع سير دونه لغوه مع عدمه، لأن المراد بالسير سرعته لا مطلقه. انتهى. وأجاب في التكميل بأن أبا عمران إنما مراده أن إطلاق المدونة يتناول الأسْيَر والقَطوف وبينهما. انتهى. والقطوف كصبور ضَيّق السير. قاله بناني.
وقال الرهوني: قول محمد بن الحسن بناني عن مصطفى: إن السير والحمل غير معتبرين يقتضي أن مصطفى أطلق في عدم اعتبارهما وليس كذلك إذ مصطفى قيد بالحمر، وما كان من حق بناني أن يترك ذلك لأن المدونة مصرحة بأن النجابة والحمل معتبرة، ومع ذلك فالاعتراض المذكور غير متجه؛ إذ كما تأول أبو عمران المدونة على ما ذكرنا تأولها فضل على ما قال المص، وقد ذكر عياض نفسه ذلك ففي تنبيهاته ما نصه: ومذهب الكتاب أن السير والحمل في الحمر غير معتبر وأنها صنف وإن اختلفت في سيرها، وحكاه ابن حبيب عن ابن القاسم وقاله أبو عمران، قال: لأنه جعل حمر مصركلها صنفا وبعضها أَسْيَرُ من بعض وأحمل.
وتأول فضل على المدونة خلافه وأنكر تأويل ابن حبيب على ابن القاسم وأنكر أبو عمران تأويل فضل، واستدل فضل بقول المدونة: وكره مالك أن تسلم الحمير في البغال لتقارب منافعهما إلا أن تكون من الحمير الأعرابية التي يجوز أن يسلم فيها الحمار الفاره النجيب، وكذلك إذا أسلمت الحمير في البغال والبغال في الحمير فاختلفت كاختلاف الحمار الفاره النجيب بالحمار الأعرابي فجائز. انتهى. فإن قلت هذه مصادرة لأن ذلك مبني على تفسير الفراهة في المدونة بسرعة السير ومصطفى لم يسلم ذلك؟ قلت: إن لم تفسر الفراهة بما ذكر من سرعة السير وكثرة الحمل لم يبق ما تفسر به إلا جمال الصورة وهو غير معتبر قطعا على أن أهل اللغة قد فسروها بما يوافق ما فسرها به المص، ففي المصباح ما نصه: الفاره الحاذق بالشيء، ويقال للبرذون والحمار فاره بَيّن
стр. 5750
الفراهة والفراهيَة بالتخفيف وبراذين فُرُه وزان حمر وفَرُه يفرُه من باب قَرُب، وفي لغة من باب قتل وهو النشاط والخفة. انتهى.
وقد جزم المتيطى باعتبار السير في الحمير إذا أسلم بعضها في بعض وأسلمت في البغال على المشهور، ومذهبِ المدونة من أنهما صنف واحد، وفي النهاية قال مالك وابن القاسم في المدونة: هما صنف واحد فلا يسلم عندهما بغل في حمارين ولا حمار في بغلين إلا أن تختلف في السير والنجابة، وقال أصبغ وابن حبيب: هما صنفان فالتفاضل بينهما إلى أجل جائز، قال ابن حبيب: ولا آخذ بقول ابن القاسم في ذلك، ثم قال: والحمير كلها صنف واحد إلا أن تختلف في السير والجري. انتهى.
وقال المواق: ابن عات: الحمر عند ابن القاسم ثلاثة أصناف: صغارها صنف وكبارها صنفان حمر مصر التي للركوب صنف وحمر الأعراب التي للخدمة صنف، قال في المدونة: كره مالك أن تسلم الحمر في البغال لتقارب منافعها إلا أن تكون من الحمر الأعرابية التي يجوز أن يسلم فيها الحمار الفاره النجيب. انتهى. وقال عبد الباقي: ومذهب المدونة وهو المشهور أن البغال والحمير صنف واحد. انتهى.
وتحصل مما مر أنه إذا قويَ الاختلاف في المنفعة كالركوب والحمل جاز سلم الواحد في الواحد وفي المتعدد، وكذا العكس فيجوز أن يسلم واحد يراد للركوب في واحد يراد للحمل وفي أكثر وكذا العكس، وإذا ضعف الاختلاف في المنفعة فلا بد من التعدد.
وسابق الخيل يعني أن السبق في الخيل مما تختلف به المنفعة، قال عبد الباقي: فيجوز سلم واحد من سابق الخيل في أكثر منه وكذا العكس، وقال المواق من المدونة: يسلم كبار الخيل في صغارها ولا تسلم كبارها في كبارها إلا أن يكون فرسا جوادا له سبق فلا بأس أن يسلم في غيره مما ليس مثله في جودة وإن كان في سنه. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: ظاهر قوله في غيره أنه يجوز سلمه في واحد أو أكثر. واللَّه سبحانه أعلم. وقال الحطاب: قال ابن عبد السلام: اختلف المذهب هل تختلف الخيل بالصغر والكبر، فحكى
стр. 5751
غير واحد: تختلف بذلك، وقال ابن دينار: لا تختلف الصغار من الكبار في جنس من الأجناس. انتهى. والقول الأول عليه مشى المص فيما يأتي قريبا. انتهى.
لا هملاج يعني أن الهملجة في الخيل لا تختلف بها المنفعة، قال عبد الباقي: الهملاج سريع المشي في جنسه إذ لا تصيره سرعة مشيه مغايرا لأبناء جنسه حتى يجوز سلم الواحد منه في غيره مما ليس له تلك السرعة إذ لا يلزم فيها أن يكون سابقا، وتقدير عبد الباقي والتتائي لا برذون هملاج فاسد كما قاله الخرشي وبناني. وقال الحطاب: والهملجة حسن سير الدابة في سرعة ودابة هملاج الذكر والأنثى فيه سواء انتهى.
إلا كبرذون بموحدة مكسورة وذال معجمة: الفرس الذي أبواه أعجميان كما في الدميري، قال التتائي: عريض لا جري فيه ولا سبق بل يراد لما يراد له البغال من الحمل والسير. قاله عبد الباقي. ومعنى كلام المص أن البرذون تعتبر فيه الهملجة، فالهملاج من البرذون يسلم في غيره من البراذين مما ليس فيه هملجة، وقال المواق: ابن حبيب: لا يخرج الخيل بسرعة سيرها عن جنسها وإن تفاوتت به لأن القصود فيها السبق إلا البراذين التي لا جري فيها وعرفت بذلك فتكون جنسا. انتهى. والكاف زائدة أي إلا أن يكون هذا الهملاج برذونا كما في الخرشي، يعني أنها غير مدخلة شيئا.
وقال الشارح: أي وكذلك يسلم السابق من الخيل في غيره مما ليس كذلك، قال في كتاب محمد: وليس الفرس السمين الجميل العربي صنفا حتى يكون [جوادا] (١) سابقا، وقال ابن حبيب: ليس السير في الخيل يوجب الاختلاف لأن البتغى منها السبق والجودة إلا البراذين العراض التي لا جري فيها ولا سبق بل تراد لا تراد له البغال من الحمل والسير فلا بأس أن يسلم الهملاج منها في اثنين من خلافه، وجعل اللخمي الجمال مما تختلف به الخيل بشرط أن يقابله العدد. انتهى. وجمل كثير الحمل يعني أن كثرة الحمل في الإبل مما تختلف به المنفعة فيجوز سلم جمل كثير الحمل في غيره مما ليس كذلك. قاله الشارح. وقال المواق من المدونة: سلم كبار الإبل في صغارها
стр. 5752
جائز يريد صغارها التي لا حمل فيها ولا ركوب ولا يسلم كبارها في كبارها إلا ما عرف ففاق في النجابة والحمولة فلا بأس أن يسلم في حواشي الإبل وإن كانت في سنه. انتهى. وقوله: "وجمل" أطلق الجمل هنا على ما يشمل الذكر والأنثى. قاله غير واحد. وقال الخرشي: فكان ينبغي أن يقول وبعير لأنه يطلق على كل وصحح القول باختلاف المنفعة في البعير بكثرة الحمل.
وبسبقه أي الجمل بمعنى البعير ومعنى هذا أنه اختلف فيما تختلف به المنفعة في الإبل، فقيل تختلف بكثرة الحمل وبالسبق أي تختلف بكل منهما وهذا القول صححه ابن عبد السلام، وقيل لا تختلف المنفعة في الإبل بالسبق بل تختلف بكثرة الحمل. واللَّه سبحانه أعلم. وعلم من هذا أن الخلاف إنما هو في السبق لا في كثرة الحمل فلا خلاف في اعتبارها، وهذا كقوله في الحيض: "واستحسن وبغيره".
وبقوة البقرة يعني أن قوة البقرة على العمل تختلف بها المنفعة، قال الشارح: أي وكذلك يعتبر الاختلاف في البقر بالقوة أي على الحرث وغيره. انتهى. وقال المواق من المدونة: تسلم البقرة الفارهة القوية على الحرث في حواشي البقر وإن كانت مثل أسنانها. انتهى. وقال عبد الباقي: وبقوة البقرة على العمل وهو عطف على المعنى أي إلا أن تختلف المنفعة بالفراهة وبقوة. والبقرُ اسمُ جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ولو مذكرا، فليست التاء فيه للتأنيث بل للوحدة فالبقرة يطلق على الذكر والأنثى، ولهذا قال: ولو أنثى يعني أن قوة البقرة على العمل معتبرة فتختلف بها المنفعة ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، وما ذكره المص في أنثى البقر هو مذهب ابن القاسم، وذهب ابن حبيب إلى أن الإناث إنما يعتبر فيها اللبن لا القوة على العمل. قاله الشارح. وقال المواق: الباجي يعتبر القوة على الحرث في ذكر البقر اتفاقا وهو ظاهر قول ابن القاسم في الإناث، وحكى ابن حبيب أن المقصود منها كثرة اللبن، فعلى هذا يجوز سلم البقرة الكثيرة اللبن وإن كانت قوية على الحرث في ثور قوي على الحرث. انتهى.
وكثرة لبن الشاة يعني أن كثرة اللبن في الغنم تختلف بها المنفعة فيجوز سلم شاة غزيرة اللبن في غيرها مما ليس كذلك. وظاهرها عموم الضأن يعني أن ظاهر المدونة عموم اختلاف المنفعة بكثرة اللبن في الضأن والمعز، وأن ذلك لا يختص بالمعز، قال الشارح مفسرا للمص، يعني وظاهر المدونة
стр. 5753
أن الاختلاف بكثرة اللبن عام في الضأن، قال فيها: ولا يسلم صغار الغنم في كبارها ولا ضأنها في معزها لأنها كلها منفعتها اللحم لا الحمولة إلا شاة غزيرة اللبن موصوفة بالكرم فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم، فأنت ترى كيف أطلق ولم يقيد وجعلها كالجنس الواحد واعتبر غزارة اللبن في الشاة منهما وهو مقتضى كلام صاحب الجواهر، وإليه ذهب ابن الماجشون. قاله اللخمي. وحكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه وبه قال أنه لا يعتبر في الضأن غزارة اللبن. انتهى. وقال الخرشي: ويجوز سلم شاة من المعز غزيرة اللبن في شاتين من المعز وفي واحدة مما ليس كذلك.
وصحح خلافه قد علمت أن ابن حبيب حكى عن مالك وأصحابه أنه لا يعتبر في الضأن كثرة اللبن، وأنه قال بذلك وهذا القول صححه ابن الحاجب، وإلى تصحيحه أشار المص بقوله: "وصحح خلافه" قال عبد الباقي: وكثرة لبن الشاة لا كثرته من بقر أو جاموس إلا لعرف؛ وقد اقتصر في التبصرة على الاختلاف بكثرة لبن البقرة وعزاه لابن القاسم مقتصرا عليه فيفيد اعتماده، وظاهر الشارح كالتوضيح وابن عرفة خلافه، وينبغي اعتماد ما للخمي في عرف مصر ونحوها مما يراد فيه الجاموس والبقر لكثرة اللبن لا للحرث، ولذا قال ابن عبد السلام: ونحوه للقرافي في قول المدونة: وإن اختلفت المنافع في الحيوان جاز أن يسلم بعضها في بعض، اتفقت أسنانها أو اختلفت. انتهى. هذا هو الفقه الجلي الذي يعتمد عليه المفتي والقاضي. فينظر في كل بلد إلى عرفها ولا يحمل أهل بلد على ما سطر قديما بالنسبة إلى عرفهم مما هو مبني على العرف. انتهى.
وقوله: مما هو مبني على العرف، وأما العرف المخالف لنص الإمام فلا عبرة به. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عند قول المص: "وبقوة البقرة على العمل ولو أنثى" قال في التوضيح: والجواز على قول ابن القاسم إنما هو إذا كان في معنى المبايعة بأن تسلم البقرة القوية في بقرتين أو أكثر، فسلمُ بقرة قوية في بقرة ليست كذلك نص بعضهم على المنع وهو ظاهر لأنه ضمان بجعل وعكسه سلف بزيادة، ولا ينبغي أن يكون خاصا بالبقرة بل جار في جميع ما تقدم وما يأتي. فتأمله فإنه حسن جدا. واللَّه أعلم. انتهى.
وكصغيرين في كبير وعكسه يعني أنه يجوز سلم صغيرين من أي صنف في كبير من جنسهما، وكذا يجوز عكس ذلك وهو سلم الكبير في صغيرين وصغير في كبير وعكسه يعني أنه يجوز سلم
стр. 5754
الصغير من أي صنف في كبير من جنسه وكذا يجوز عكس ذلك، وقوله: "وكصغيرين" لخ وقوله: "وصغير" لخ يعني في غير الغنم والآدمي كما يأتي وصغير في كبير وعكسه هو تأويل للمدونة عليه تأولها ابن محرز وابن لبابة. وقوله: إن لم يؤد إلى المزادنة معناه أن محل الجواز في المتفق عليه أعني مسألة الاجتماع ومحل الجواز في المختلف فيه أعني مسألة الانفراد إنما هو حيث لم يؤد ذلك إلى المزابنة، وأما إن أدى ذلك إلى المزابنة بأن يطول الأجل الضروب إلى أن يصير الصغير كبيرا أو يلد الكبير صغيرا فإن ذلك لا يجوز أي لا يجوز حينئذ سلم صغيرين في كبير ولا عكسه ولا سلم صغير في كبير وعكسه.
قال عبد الباقي: إن لم يؤد إلى المزابنة، فإن أدى إليها منع بأن يطول الأجل المضروب إلى أن يصير الصغير كبيرا أو يلد الكبير صغيرا لأدائه في الأول إلى ضمان بجعل، فكأنه قال: اضمن لي هذا لأجل كذا فإن مات ففي ذمتك وإن سلم عاد إليَّ وكانت منفعته بضمانك وهو باطل، وعلة الثاني الجهالة فكأنه قال: خذ هذا في صغير يخرج منه ولا يدرى أيخرج منه أم لا؟ وهو جهالة ممنوعة. انتهى. وهذا يقتضي أنه يراعَى في سلم الصغيرين في كبير وعكسه أن لا يطول أجل السلم بحيث يصير الصغيران أو أحدهما كالكبير ويلد الكبير صغيرين. انتهى. والمراد بالمزابنة هنا اللغوية وهي المغالبة.
وتؤولت على خلافه راجع لمسألة الانفراد وهي قوله: "وصغير في كبير وعكسه" والراجح التأويل الأول يعني أنه كما تؤولت المدونة على أنه يجوز سلم الصغير في الكبير وعكسه تؤولت أيضا على خلاف ذلك؛ أي أنه لا يجوز سلم الصغير في الكبير ولا عكسه، وقد مر أن التأويل الأول لابن محرز وابن لبابة وهذا الثاني لابن أبي زيد، وأما سلم صغيرين في كبير وعكسه فإنه جائز إن لم يؤد إلى المزابنة ولم تتأول المدونة على خلافه، ومحل الخلاف في مسألة الانفراد إنما هو حيث لم يؤد إلى المزابنة.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: قول المص: "إن لم يؤد إلى المزابنة" بأن يطول الأجل المضروب إلى آخر ما مر يفهم منه أنه لو كان الكبير المقدم ذكرا فإن ذلك جائز ولو طول الأجل؛ لأن الكبير من المعلوم حينئذ أنه لا يلد صغيرا. واللَّه سبحانه أعلم.
стр. 5755
كالآدمي والغنم يعني أن الصغير من الآدمي والغنم كالكبير منهما فلا يجوز سلم صغير الآدمي في كبيره ولا العكس ولا يجوز سلم الصغير من الغنم في الكبير منها ولا العكس، قال عبد الباقي: كالآدمي والغنم فلا يسلم صغير كل في كبيره ولا عكسه لاتحاد الجنس، اتحد عدد كل أو اختلف كما يفيده النقل والدليل على استفادة المنع من كلامه عدم العاطف، إذ لو ذكره لتوهم العطف على الجائزات. قاله عبد الباقي. وذهب ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر إلى جواز ذلك في الغنم، وقد أجاز سلم الكبش في خروفين والأول هو المعروف في المذهب وما ذكره المص في الرقيق هو الأصح، وقال الباجي: القياس عندي أن يكون الصغير من الرقيق جنسا مخالفا لكبيره. قاله الشارح.
وقال المواق: الشيخ: العبيد والإماء صنف صغارها وكبارها إلا ذا النفاذ والتجارة، وسمع ابن القاسم جواز سلم العبد الكبير التاجر في الصغير. اللخمي: ويسلم الكبير من الوخش الذي لا يراد إلا للخدمة في صغير يراد للتجر إن كبر أو للصنعة. الباجي في الواضحة: صغير الرقيق وكبيره صنف واحد والقياس عندي أنهما جنسان. ابن محرز: الصغار والكبار يختلفان من سائر الحيوان إلا في الغنم لأن غالب المراد منها اللحم. عياض: لا تفترق الغنم إلا بغزارة اللبن.
وكجذع طويل غليظ في غيره قال الخرشي: يعني أنه يجوز سلم جذع طويل غليظ من الخشب في جذع أو جذوع ليس كذلك لأنه من باب اختلاف المنافع. انتهى. وظاهر المص أنه لابد من اجتماع الوصفين خلافا لابن الحاجب في اكتفائه بأحد الوصفين، فقوله: "في غيره" أي فيما ليس كذلك من الجذوع، وقال عبد الباقي: ثم عطف على كفاره قوله: "وكجذع طويل غليظ" أو غليظ فقط على المعتمد في غيره جذع أو جذوع صغار إما خلقة أو كان لا يحصل الصغار من الكبير إلا بفساد لا يقصد عادة، فإن كان يحصل بغير فساد منع لأن فيه سلم الشيء فيما يخرج منه وهو مزابنة على أن المنحوت لا يسمى جذعا وإنما يسمى جائزة، كما أن الطول وحده لا يكفي خلافا لابن الحاجب كما اعترضه المص كابن عبد السلام، ولا عبرة بتسليم الصفاقسي له والفرق تَيَسُّر قطع الطويل فالمنفعة متقاربة بخلاف الغليظ في رقيقين فإن في نشره كلفة، وظاهر المص أن الخشب كله صنف وهو صريح عطف وكالجنسين عليه، وظاهر كلام ابن أبي زمنين أنه أصناف،
стр. 5756
ودرج عليه في الشامل إذ قال: وجاز جذع نخل بجذع أو نصف جذع صنوبر على الأصح لاختلاف الجنس، وقيل الخشب كله صنف ما لم تختلف المنفعة كالألواح للأبواب والجوائز للسقف. انتهى وتعتبر المنفعة بقول أهل المعرفة. انتهى.
قوله: من الكبير إلا بفساد يعني من الطويل الغليظ الذي جعل رأس مال المسلم، فيسلم في الصغار خلقة والصغار المنحوتة بشرط أن لا تنحت منه الصغار إلا بفساد، وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: والخشب لا يسلم منها جذع في جذعين مثله حتى يتبين اختلافهما، كجذع نخل كبير طويل غلظه وطوله كذا في جذوع صغار لا تقاربه فيجوز لأن [هذان] (١) نوعان مختلفان. انتهى.
وقال الحطاب بعد جلب الخلاف في كون الجذوع صنفا واحدا أو أصنافا ما نصه: والحَاصِلُ على هذا الراجح يعني القول بأنها أصناف أنه إذا اختلف أصول الخشب جاز سلم بعضه في بعض، وإن لم يختلف فلا يجوز إلا أن تختلف المنفعة كما تقدم. انتهى.
وكسيف قاطع في سيفين دونه يعني أنه يجوز سلم سيف قاطع في سيفين دونه في القطع والجوهرية معا لتباعد ما بينهما حينئذ لا في أحدهما فقط؛ فإن استويا فيهعا منع اتفاقا، وظاهر قوله: "في سيفين" منع سلم قاطع في واحد دونه وهو كذلك كما يفيده المواق عن المدونة عند قوله: "وكصغيرين في كبير وعكسه" ونصه: عياض: ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز سلم كبير في صغير ولا جيد في ردي حتى يختلف العدد، قال بعضهم: وهو مذهب المدونة. انتهى وبه يسقط قول أحمد، وأما سلم سيف قاطع في سيف دونه في القطع فالظاهر فيه الجواز أيضا. انتهى. وقال المواق من المدونة: لا خير في أن يسلم سيف في سيفين دونه لتقارب المنافع إلا أن يبعد ما بينهما في الجوهر والقطع كتباعده في الرقيق والثياب فيجوز. انتهى.
وَلما أنهى الكلام على سلم بعض الجنس الواحد في بعض شرع في الكلام على سلم أحد الجنسين في الآخر، فقال: وكالجنسين ليس في كلام المص ما يعطف هذا عليه، فلو حذف الواو من هذا
стр. 5757
واقتصر على الكاف كان أصوب، والمعنى أن الجنسين يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر حيث تباعدت المنفعة، بل ولو تقاربت المنفعة. ومثَّل للمتقارب المنفعة من الجنسين بقوله: كرقيق ثياب القطن ورقيق ثياب الكتان فيسلم رقيق أحدهما في رقيق الآخر لاختلاف الجنس، وقال المواق: ابن بشير: إن اختلف الجنس دون المنفعة فحكى الباجي قولين. انتهى. وعلى القول بالمنع رد المص بلو، وقال الشارح: وهذه المسألة على أربعة أوجه، الأول: أن يتحد الجنس والمنفعة كالرقيق في رقيق من جنسه والغليظ في غليظ من جنسه فلا يجوز سلم بعضها في بعض اتفاقا. الثاني: أن يتعدد الجنس والمنفعة كرقيق الجنس في غليظ الجنس الآخر أو العكس فيجوز ذلك بلا خلاف. الثالث: أن يتحد الجنس وتتعدد المنفعة كرقيق الجنس الواحد في غليظه أو العكس فيجوز قولا واحدا. الرابع: أن يتعدد الجنس وتتحد المنفعة وهي المسألة التي ذكرها المص هنا فحكى ابن يونس الجواز وقاله في السلم الثالث، وروي عن مالك المنع وهو قول أشهب. انتهى.
لا جمل في جملين مثله عجل أحدهما يعني أنه لا يجوز سلم جمل في جملين مثله عجل أحدهما وأجل الآخر لما فيه من سلف جر نفعا، لأن المسلم بالمؤجل سلف والعجل محض زيادة، قال في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: هذا هو المشهور لأن المؤخر عوض عن المدفوع فيكون سلفا والمعجل زيادة، ورأى في الشاذ أي القول بالجواز أن المعجل بالمعجل والمؤجل زيادة محضة والقولان لمالك. ابن عبد السلام: وأقربُهما جريا على قواعد المذهب المشهورُ لأن في هذه المسألة تقديرا يمنع وتقديرا يجوز، والأصل في مثله تغليب المنع. انتهى. نقله بناني.
والحاصل أن القول بالمنع هو المشهور وقواه غير واحد، وقوله: "مثله" نعت لجملين لأن مثل يوصف بها المفرد مذكرا أو مؤنثا والتثنية والجمع، قال تعالى حكاية عن فرعون وملائه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ﴾، ومع ذلك يثنى ويجمع قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾، وقال عبد الرحمن بن حسان رضي اللَّه تعالى عنه:
من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها … والشر بالشر عند اللَّه مثلان
стр. 5758
ويقال: هم أمثال، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُم﴾، وقوله: "لا جمل في جملين مثله". قال التتائي: لو أدخل الكاف على جمل ليدخل غيره من الحيوان والثياب لكان أشمل. انتهى. وقوله: "لا جمل في جملين مثله عجل أحدهما" وأولى في المنع لو أجلا معا، ومفهوم مثله أنهما لو كانا معا أجود بكثرة حمل أو سبق أو أردى جاز مطلقا أجلا أو أجل أحدهما لتخالفهما، وأما لو كان أحدهما مماثلا والأخر أجود فإن عجل الأجود فقط امتنع العقد فيهما للسلف بزيادة، وإن عجل المماثل فقط جاز لأنه اشترى المماثل مع شيء آخر بجمل مثله. قاله أصبغ. فإن أجلا منع احتياطا فيما يظهر وفهم من قوله: "جملين" أنه لو كان مع أحد الجملين دراهم حيث وقع العقد على جمل في جمل أو كان مع المنفرد دراهم؛ جاز حيث عجل الجملان أو الجمال ولو تأخرت الدراهم فإن أخر الجملان أو أحدهما لم يجز لأن الدراهم إن كانت من صاحب المؤجل فهو سلف بزيادة، وإذا كانت من صاحب المعجل فهو ضمان بجعل.
وكَطَيْر عُلِمَ يعني أن الطير تختلف بالتعليم فيجوز سلم الطير العلم تعليما شرعيا كالبازي والصقر للصيد في واحد أو أكثر من جنسه بلا تعليم؛ وأما من غير جنسه فإن ذلك جائز بلا تعليم لاختلاف الجنس بناء على أن الطيور أجناس وهو نقل ابن رشد، وقال عبد الباقي: وكطير علم صنعة شرعية فيسلم واحد في واحد غير معلم فليس كمسألة سلم الفاره في غيره والبقرة في غيرها المشترط فيهما التعدد كما مر. انتهى. وقد مر الكلام على مسألة الفراهة وقوة البقرة على العمل فراجعه إن شئت.
وقال الحطاب: وقال ابن عرفة: ابن رشد: لا خلاف في المذهب أن ما يقتنى من الطير للأفراخ والبيض كالدجاج والإوز والحمام كل جنس منه صنف على حدته صغيره وكبيره ذكره وأنثاه وإن تفاضل في البيض والفراخ، فإن اختلف الجنسان جاز منه واحد باثنين إلى أجل وما كان منها لا يقتنى لبيض أو فراخ إنما يتخذ للحم فسبيلة سبيل اللحم عند ابن القاسم لا يراعَى حياتها إلا مع اللحم؛ وأشهب يراعيها في كل حال فيجوز على مذهبه سلم بعضها في بعض إذا اختلفت أجناسها. وقال المتيطى عن ابن حبيب: الدجاج والإوز صنف وما لا يقتنى من الوحش كالحجل واليمام هو كاللحم لا يباع بعضه ببعض حيا إلا تحريا يدا بيد، قال ابن عرفة: قلت وظاهر كلام
стр. 5759
ابن رشد أن الإوز والدجاج صنفان، وظاهر نقل المتيطى أنهما جنس واحد وهما معا في قطر الأندلس، ونقله الرجراجي. وقال: وأما سائر الطير الوحشي مما لا يقتنى لفراخ ولا بيض مثل الحجل واليمام وشبهها فمجراه مجرى اللحم ولا يباع بعضه ببعض وإن كان حيا إلا تحريا يدا بيد، ولا يجوز بإوز أو دجاج أو حمام لأنه من بيع اللحم بالحيوان. انتهى.
لا بالبيض يعني أن الطير لا يختلف بالبيض فلا يجوز سلم دجاجة بَيُوض في اثنتين ليستا مثلها في كثرة البيض وكذلك الإوز ونحو ذلك خلافا لأصبغ، والذكورة والأنوثة يعني أن المنفعة لا تختلف بالذكورة والأنوثة قي غير الآدمي اتفاقا كما في ابن الحاجب والتوضيح، بل ولو آدميا على الصحيح وهو لمالك فيها وأكثر المتأخرين على الاختلاف بالذكورة والأنوثة في الآدمي لاختلاف خدمة النوعين، فخدمة المذكور خارج البيت والأسفار والحرث وشبهه وخدمة الإناث داخل البيت كالعجن والخَبز والطبخ وشبهه ولاختلاف أغراض الناس. قاله عبد الباقي. وقال: وظاهر كلام المص أن الطير كله صنف واحد، وفي الحطاب عن ابن رشد أن الحمام المقتنى صنف والدجاج صنف والإوز صنف، فيجوز سلم بعضها في بعض وما عدا هذه الثلاثة من سائر الطير صنف واحد مغاير للثلاثة، ثم إنه لا يراعَى حياة هذا الصنف إلا مع اللحم فإذا بيع بصنفه منع وإن بيع بغيره جاز، وأما مع غير اللحم فلا يراعى فيها الحياة بل هي كاللحم فلا يجوز السلم فيها كان من جنسها أم لا. انتهى.
قال بناني: ليس المراد لا يجوز السلم فيها مطلقا، بل المراد لا يجوز سلم الطعام فيها كان من جنسها أم لا؛ لأن كونها لحما اقتضى أنها كالطعام لا يسلم فيه طعام مطلقا، أما سلم غير الطعام فيها فيجوز. انتهى. قوله: وظاهر كلام المص أن الطير كله صنف لخ ليس بظاهره، وإنما مفاد المص أن الطير يخرج عن جنسه بالتعليم وجنسه مبين في كلام ابن رشد وغيره والاستدلال بما في الربويات فيه نظر.
وغزل وطبخ يعني أن الجوارِيَ لا تختلف بالغزل والطبخ، والواو بمعنى أو لأن كلا من الغزل والطبخ صنعة سهلة التناول، ومحل كون الغزل والطبخ لا تختلف بهما المنفعة إنما هو إن لم يبلغ كل منهما النهاية بأن تفوق نظائرها، وليس المراد أنه يباع غزلها بزنته فضة، ومفهوم قوله: "إن
стр. 5760
لم يبلغ النهاية" أنها لو بلغت النهاية بأن فاقت النظائر في الغزل أو الطبخ لكان ذلك ناقلا لها عمن ليس كذلك، فيجوز سلم بالغة النهاية في الغزل في غيرها، ويجوز سلم بالغة النهاية في الطبخ في غيرها، ولابد أن يكون ذلك الغزل (البالغة) (١) النهاية هو المقصود منها ولمثله تراد. قال عبد الباقي: ويكون ذلك الغزل البالغ النهاية هو المقصود منها ولمثله تراد. قاله الشارح والمواق. وكلام المؤلف مسلم في الغزل. وأما الطبخ فالمعتمد أنه ناقل مطلقا لأنه صنعة معتبرة بلغ النهاية أم لا عند ابن القاسم، ثم أطبقت كلمتهم هنا على تصوير المص بسلم غزَّالة فيمن لا تغزل بالكلية، وكذا طباخة فيمن لا تطبخ، وبقي سلم غزالة بلغت النهاية في غير بالغته، وكذا طباخة بلغت النهاية في أخرى لا تحسنه.
وقوله: "إن لم يبلغ النهاية" معناه في غير بالغته فيشمل ما ذكر. انتهى. وقال المواق: اللخمي: العبيد صنف واحد وتنقلهم الصنعة فيسلم التاجر في الصانع ولا يسلم واحد منهما فيما يراد للخدمة خاصة وهو كإسلام الجيد في الردي، إلا أن يتبين بفراهة أو جمال فتدخله المبايعة، ويجوز أن يسلم التاجر والصانع في عدد تراد منهم الخدمة. قال ابن القاسم: الرقم صنعة وليس الغزل ولا عمل الطيب صنعة والنساء جميعها يغزلن يريد ما لم تبن بذلك، ويكون ذلك المقصود ولمثله تراد. انتهى.
وحساب وكتابة يعني أن الرقيق لا ينتقل بالحساب والكتابة عن جنسه ولو اجتمعا فيه عند ابن القاسم خلافا ليحيى بن سعيد، وينبغي إن لم يبلغ النهاية ولو في أحدهما، وتقدم عن ابن عبد السلام أن ما يحصل به الاختلاف (منوط) (٢) بالعرف. ابن عرفة: وفيها: لا بأس بسلم عبد تاجر في نوبيين أو غيرهما لا تجر فيهما. عياض: تأملها مع كراهة بيعهم، وذكروا أن لهم عهدا، وفي النوبة لا ينبغي شراؤهم ممن سباهم لأن لهم عهدا من عمرو بن العاص أو عبد اللَّه بن سعد، وأجاب عياض عن قولها لا بأس بسلم عبد تاجر في نوبيين بأن ذلك لعله فيما باعوه من عبيدهم. ابن عرفة: أو لعله لشرط نقضوه. اللخمي: يسلم أحدهما في الآخر إن اختلف تجْرَاهما كبزاز
стр. 5761
وعطار أو صنعتاهما كخباز وخياط، ويسلم التاجر في الصانع لا أحدهما فيما يراد للخدمة، ويسلم أحدهما في عدد يراد منه الخدمة. انتهى.
والظاهر أنه إذا كان أحدهما يبني بناء معتبرا والآخر دونه فكجنسين وكذا يقال في الخياطة. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: فلا يسلم حاسب في أكثر منه غير حاسب ولا كاتب كذلك لأنه علم لا صناعة. الباجي: الحرث والحصاد لغو في الرجال ومثل الكتابة والحساب القراءة. وقال المواق: اللخمي: اختلف في الحساب والكتابة، ابن محرز: ألغاهما بعض المذاكرين لأنهما علم فقط لا صناعة وهو منقوض بالتجر فإنه علم وهو معتبر اتفاقا. انتهى.
والشيء في مثله قرض يعني أن دفع الشيء في مثله صفة وقدرا طعاما أو نقدا أو عرضا أو حيوانا قرض؛ أي يجوز سواء وقع بلفظ البيع أو القرض أو السلم أو لم يسموا شيئا في العرض والحيوان، وأما في الطعام والنقد فمحل جوازه حيث وقع بلفظ القرض، فإن وقع بلفظ البيع أو السلم أو لم يسموا شيئا منع لأنه في الطعام بيع طعام بطعام لأجل وفي النقد بدل مستأخر فيعمم في الشيء ويخصص بَعْدُ. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: إن أسلمت جذعا في مثله صفة وجنسا فهو قرض إن ابتغيت به نفع الذي أقرضته، وإن ابتغيت به نفع نفسك رد السَّلَفُ. انتهى. وفي كلام الشارح: وإن أسلمت ثوبا فسطاطيا في ثوب فسطاطي إلى أجل فذلك قرض، إن ابتغيت به نفع الذي أقرضته جاز وإن ابتغيت به نفع نفسك بطل المسلم. بعض الأشياخ: وكذلك إن ابتغي به نفعهما معا.
وأن يؤجل بمعلوم زائد على نصف شهر هذا هو الشرط الثالث من شروط السلم السبعة؛ يعني أنه يشترط في صحة عقد السلم أن يؤجل بأمد أي زمن معلوم زائد على نصف شهر، واحترز بقوله: "أن يؤجل من السلم الحال فإنه لا يجوز لما رواه أبو داوود والترمذي والنسائي عنه ﵊ أنه ﷺ (نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان)، وفي حديث حكيم بن حزام أنه ﷺ قال له: (لا تبع ما ليس عندك على أن يكون حالًّا عليك)،
стр. 5762
واحترز بالأجل المعلوم من الأجل المجهول فإنه يفسد به السلم للغرر. قال عبد الباقي: وأشار لثالث الشروط بقوله: "وأن يؤجل المسلم فيه بمعلوم للمتعاقدين علما حقيقيا أو حكميا كمن لهم عادة بوقت القبض فلا يحتاج لضرب الأجل. قاله اللخمي. وهو ظاهر لأن العادة عندنا كالشرط، وأن يكون أقله نصف شهر لأنه مظنة اختلاف الأسواق غالبا، وعبر عن ذلك بقوله: "زائد على نصف شهر" لأنه لا يتحقق الخمسة عشر يوما إلا بزيادة عليها ولو يسيرة ولا حد لأكثره إلا ما لا يجوز البيع إليه. انتهى.
وقال الحطاب: ولا حد لأكثره إلا إذا انتهى إلى الغرر لطوله. انتهى. وقال الشارح: وقد اختلف في مقدار الأجل المشترط في ذلك على أقوال أحدها: أنه لابد من مدة تختلف فيها الأسواق عرفا وبهذا القدر اكتفى مالك رحمه اللَّه تعالى من غير أن يحد في ذلك عدة أيام معلومة وهو عين الفقه، وذكر عنه صاحب المعونة رواية أنه يُكتفى بمطلق الأجل، وروى ابن القاسم تحديدَ أقلِّ ذلك بخمسة عشر يوم لأنه مظنة اختلاف الأسواق غالبا، ولمالك في كتاب محمد قول يجوز ذلك إلى يومين، ولابن عبد الحكم قول بجواز السلم إلى يوم. أصبغ: فإن وقع إلى يومين لم يفسخ لأنه ليس بحرام بين واختاره ابن حبيب.
وقال محمد: فسخه أحب إلي وهو ظاهر المدونة عند ابن رشد، وخرج التونسي وغيره منه إجازة السلم الحال لأن اليوم واليومين لا يختلف فيها الأسواقُ. وقال غيره: لا يلزم من قال ذلك أن يجيز السلم الحالَّ، وذكر الباجي أنه اختلف في تخريج المذهب، فمن الأصحاب من حكى رواية يجوز السلم الحال، ومنهم من قال الأجل شرط رواية واحدة وإنما اختلفت الرواية عنه في مقداره. انتهى المراد منه. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: لا يجوز لرجل أن يبيع ما ليس عنده بعين ولا بعرض إلا أن يكون على وجه السلف مضمونا عليه إلى أجل معلوم تَتَغير في مثله الأسواقُ ولم يحد مالك في ذلك حدا، وأرى الخمسة عشر يوم أقل ذلك في البلد الواحد، فأما إن أسلم في بلد على أن يأخذه ببلد آخر فجائز إن كانت مسافته ثلاثة أيام. ابن حبيب: أو يومين لاختلاف سعرهما. انتهى.
стр. 5763
ولما كان التأجيل المذكور جائزا بحساب العجم إن علمه المتعاقدان قال: كالنيروز وهو أول يوم من السنة القبطية وفي سابعه ولد عيسى ﵊: وأدخلت الكاف المِهرجان بكسر الميم كما في المصباح وهو عيد الفُرس رابع عشري بونة ولادة يحيى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. انتهى. وقال المواق: ابن القاسم: إن كان النيروز والمهرجان وفصح النصارى وصومهم والميلاد يعنون به ميلاد عيسى صلى اللَّه وسلم على نبينا وعليه وقتا معروفا فالبيع إليه جائز، قال: وخروج الحاج أجل معروف إذا تبايعا إليه وفِصح النصارى بكسر الفاء، وقيل بفتحها وسكون الصاد المهملة وبالحاء: فطرهم من صومهم.
تنبيه: في الخرشي تبعا للتتائي ما نصه: ظاهره يعني قول المص زائد على نصف شهر أن نصف الشهر غير كاف مع أنه كاف، بل وقوع السلم لثلاثة عشر يوما أو اثني عشر يوما أو أحد عشر خلاف الأولى فقط. انتهى. قال الاجهوري: وفيه نظر إذ ليس في قول من الأقوال التي نقلها عن ابن عرفة والشارح ما يوافق قوله خلاف الأولى. انتهى. مصطفى: وهو واضح فإني لم أر من صرح بما ذكره لا في التوضيح ولا ابن عبد السلام ولا في المدونة ولا غير ذلك. انتهى. قاله بناني. والحصاد والدراس يعني أنه يجوز تأجيل السلم بالحَصاد والدراس بفتح أولهما وكسره؛ يعني أن الفعل الذي يفعل في الأيام المعتادة كهي، فيجوز تأجيل المسلم فيه بالحصاد والدراس، قال المواق من المدونة: لا بأس بالبيع إلى الحصاد والجذاذ.
وقدوم الحاج يعني أنه يجوز تأجيل السلم بقدوم الحاج وما تقدم من التقرير يفهم منه أن قوله: "كالنيروز" وما بعده مثال، وقال عبد الباقي عند قوله: "وقدوم الحاج" أي كما يجوز التأجيل بما ذكر فالمجموع تشبيه، وإن كان بعفه من ضرب الأجل بالأيام وليس مثالا لأن التأجيل هنا بعمل واقع في الزمن، وحينئذ فالنيروز عبارة عن اللعب الواقع في أول السنة القبطية؛ وفي باب الشهادات: "ولعب نيروز"، وكلام الجوهري يدل على ما ذكرناه. وانظر إذا كان الأجل الحصاد وما بعده هل لابد من كونه خمسة عشر يوما أم لا؟ نقل اللخمي أنه لا يشترط. قاله أحمد. والمعتمد أنه لابد من خمسة عشر يوما في هذه إلا ما يستثنيه المص، ورد شيخنا اللقاني على أحمد قوله إن التأجيل في النيروز بالعمل أي باللعب إلى آخر كلامه.
стр. 5764
واعتبر ميقات معظمه يعني أنه إذا أجل بالحصاد أو الدراس أو قدوم الحاج فإنه يعتبر الوقت الذي يغلب فيه وجود ذلك وإن لم يوجد، فالمراد بالميقات الوقت وبالمعظم الغالب، قال عبد الباقي: واعتبر ميقات معظمه أي ما ذكر من الحصاد والدراس أي الوقت الذي يغلب فيه وجود كل وإن لم يوجد بالفعل، وانظر هل أول كل أو وسطه أو آخره؟ وقد يقال: معظم الوسط وربما يدخل في لفظ المص. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: إذا حل أجل الحصاد وعظمه وإن لم يكن لهم حصاد في سنتهم فقد بلغ الأجل محله. انتهى. وقال الشارح: والمعتبر ميقات معظمه يريد سواء كان في تلك الأيام حصاد أم لا، وكل ذلك في الحقيقة يرجع إلى التوقيت بالزمان. انتهى. ويجوز التأجيل بالشتاء أو الصيف سواء عرفهما بشدة الحر أو بالبرد أو بالحساب واعتبر ميقات معظمه أيضا، قال الخرشي: ولا يخفى أن معظم كل واحد مما ذكر ليس يوما واحدا بل هو أيام متعددة، وكذا يقال في شدة الحر والبرد.
واعلم أنه لا يجوز التأجيل بالنيروز وما معه إلا إذا علما معا حساب العجم، وإن جهله أحدهما لم يجز.
فرع: قال في رسم أوله سلف في الحيوان من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال: وسئل عن الرجل يبيع كرمه على أن ينقده عشرين دينارا ثم يعطيه ثلث الثمن إذا قطف ثلثه ثم يعطيه البقية إذا قطف الثلثين؟ قال: لا خير فيه وهذا مما لا يعرف متى يقطف الثلث والثلثين، لكن إن شرط عليه إذا قطفه لم أر بذلك بأسا وكأنه جعله مثل الحصاد والجذاذ فيما رأيت، قال ابن رشد: وجه ما ذهب إليه مالك هو أنه إذا سمَّى الثلث والثلثين فقد صرح أنه أراد ثلث ذلك الكرم بعينه وثلثيه وذلك غرر؛ إذ لا يعرف متى يقطف الثلث والثلثين لأنه قد يعجل قطافه وقد يؤخره، وإذا لم يسم جزءا منه وإنما باعه على أن يعطيه ثمنه إذا قطفه كان المعنى عنده أنهم لا يقصدون إلى قطاف ذلك الكرم بعينه، وأنه إنما أراد أن يعطيه الثمن إذا قطفه حين يقطف الناس فجاز البيع عنده، كمن باع إلى الحصاد والجذاذ ولو بين أنه إنما يبيعه منه على أن يعطيه ثمنه إذا قطفه بعينه عجله أو أخره لما جاز البيع. انتهى المراد منه. قاله الحطاب.
стр. 5765
وقال بعد جلب نقل: فلم يختلف قول مالك أنه إذا باعه إلى قطافه أن ذلك جائز، ولم يختلف قوله أيضا أنه إذا باعه إلى قطاف نصفه أو ثلثه أنه لا يجوز لأنهما إن أرادا إلى قطاف نصفه أو ثلثه أن لا يتعجل قطاف الناس ولا يتأخر عنه، فالنصف أو الثلث غير مقدر ولا معروف، فربما تنازعا في ذلك وهو لا يعرف إلا بالخرص والتحري، وأجاز أشهب البيع في الوجهين جميعا فهذا تحصيل القول في هذه المسألة. وباللَّه التوفيق. ومراده بالوجهين جميعا ما إذا باعه إلى قطافه أو باعه إلى قطاف نصفه أو ثلثه. انتهى.
إلا أن يقبض ببلد كيومين مستثنى من قوله: "زائد على نصف شهر" يعني أن محل ما مر من قوله: "وأن يوجل بمعلوم زائد على نصف شهر" إنما هو إذا كان على أن يقبض بالبلد الذي وقع فيه البيع؛ وأما إن كان على أن يقبض المسلم فيه ببلد آخر أي غير بلد العقد فإنه لا يشترط نصف شهر بل يكفي أن يكون الأجل ما بين المكانين بشروط خمسة، فإن انخرم واحد منها وجب ضرب الأجل الذي هو نصف شهر. الأولُ: أن يشترط قبضه بمجرد الوصول.
الثاني: أن يكون على مسافة يومين فأكثر.
الثَّالث: أن يشترط في العقد الخروج فورا.
الرابع: أن يعزما على السفر بمجرد الخروج للبر أو للبحر.
الخامس: أن يكون السفر ببر أو بحر بغير ريح.
فأشار إلى الأول بقوله: "إلا أن يقبض" أي يشترط قبضه بمجرد الوصول، وإلى الثاني بقوله: "كيومين"، وإلى الثالث والرابع بقوله: إن خرج حينئذ أي إن خرج عاقد السلم حين العقد بنفسه أو وكيله، وقد كان شرط الخروج على الفور في صلب العقد والخروج يشعر بالعزم، وإلى الخامس بقوله: ببر أو بحر بغير ريح كالمنحدرين يحترز بذلك عما إذا سافر بالريح كالمقلعين فإنه لا يجوز لعدم الانضباط حينئذ، إذ قد يحصل في أقل من يوم فيكون من السلم الحال. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "زائد على نصف شهر" قوله: إلا أن يشترط أن يقبض المسلم فيه ببلد غير بلد العقد على مسافة كيومين أو أكثر ذهابا فقط وإن لم يلفظ بمسافتهما فلا
стр. 5766
يحتاج لنصف شهر لمظنة اختلاف سوق البلدين وإن لم يختلفا بالفعل ولا يكفي دون اليومين ولو اختلف السوق بالفعل، خلافا للجزولي. وحينئذ فلابد من تأجيله بنصف شهر، ثم جواز ما مسافته كيومين مقيد بأربعة شروط أحَدُهَا: قبض رأس المال بمجلس العقد أو قربه كما قال الباجي كما مر أول الباب. ثَانِيهَا: اشتراط الخروج ولا يفهم هذا من المص. ثَالِثُهَا: أن يخرج بالفعل كما أشار له بقوله: إن خرج العاقد المسلم إليه، وكذا المسلم إذ الشرط أن يقبض ببلد كيومين حينئذ أي حين العقد بنفسهما أو بوكيلهما أو لكل وكيل في بلد كيومين فرارا من جهالة زمن القبض. رَابعُهَا: أن تكون مسافة كيومين ببر أو بحر بغير ريح كالمنحدرين احترازا من السفر بالريح كالمقلعين فإن ذلك لا يجوز لعدم الانضباط حينئذ؛ إذ قد يحصل في أول يوم فيكون من السلم الحال.
وبما قررنا علم أن قوله: "ببر أو بغير ريح" تعلق "بيومين" لا بخرج فلو قدمه عليه كان أحسن، فإن حصل عائق عن الخروج ورجيَ انكشافه انتظره وإلا خير المسلم إليه في البقاء والفسخ. انتهى. وقال الخرشي: وُجِدَ عندي ما نصه: ولو حصل عذر ومضى الزمن يؤخذ منه في أي مكان ولا عبرة بالعقد الأول. انتهى.
والأشهُرُ بالأهلة يعني أن عقد السلم إذا وقع مؤجلا بالأشهر واحدا أو أكثر فإن ذلك يحسب بالأهلة: فإذا وقع مؤجلا بشهر فإن كان ذلك في أول ليلة منه قبل الفجر فإن الدين يحل بانقضاء ذلك الشهر كان ناقصا أو تاما، فإن وقع البيع بعد انصداع الفجر فلابد من ثلاثين ليلة بأيامها، وكذا الحكم في الشهرين يحسبان بالهلال إن وقع العقد قبل انصداع فجر أول ليلة، فإن وقع بعدد حسب الثاني بالهلال فيكتفَى به ناقصا أو كاملا وتمم الأول من الثالث ثلاثين، وإن وقع بثلاثة فإن كان ذلك في أول الشهر قبل انصداع فجر أول ليلة منه اكتفيَ به وبما بعده من الشهرين، وإن وقع ذلك في أثناء الشهر اكتفي بالثاني والثالث.
وتمم الشهر الأول المنكسر من الشهر الرابع ثلاثين يوما وإن كان تسعة وعشرين، وعلم من كلام المص أنه إذا وقع الأجل بشهرين فأكثر أنه إنما يتمم الأول المنكسر بعد مضي بقية الأشهر ولا يتمم مما يليه، قال عبد الباقي مفسرا للمص: والأشهر في أجل السلم وكذا الشهر والشهران
стр. 5767
تحسب بالأهلة إن وقع العقد في أولها، فإن وقع في أثناء شهر من ثلاثة مثلا حسب الثاني والثالث بالهلال وتمم الشهر المنكسر ثلاثين يوما وإن كان تسعة وعشرين، وإنما قال من الرابع لدفع توهم تتميم المنكسر مما يليه لأنه خلاف النقل ولأنه يؤدي لتكرار الكسر في كل ما بقي من الأشهر، وإن وقع بيع السلم بينهما مؤجلا إلى شهر ربيع مثلا حل بأوله أي بأول جزء منه، وهو أول ليلة منه لا برؤيته نهارا قبل الزوال أو بعده. انظر شرح عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن عقد السلم إذا وقع بينهما مؤجلا إلى شهر ربيع مثلا فإن ذلك جائز، ويحل بأول جزء من ذلك الشهر. انتهى المراد منه.
وفسد عقد السلم إن قال أقضيك فيه أي في ربيع على المقول أي على القول الذي اختاره المازري، قال الشارح: فإن وقع البيع على أن يقضيه في شهر ربيع أو في شهر رمضان مثلا، فقال ابن لبابة: هو أجل مجهول فيفسد البيع حتى يسمى أي وقت من الشهر يقبض فيه، وصحح المازري الفساد لتردده بين أول الشهر ووسطه وآخره، وقال عبد الباقي: وفسد السلم إن قال أقضيك فيه لإجماله على المقول ضعيف والمعتمد قول مالك وابن القاسم لا يفسد ويقضيه وسطه ومثله العام، وإذا قال أقضيك في جل ربيع، فقال ابن نافع: الجل الثلثان أي أو أكثر، وقال المواق: ابن زرقون: إن قال يوفيه في شهر كذا فقال ابن لبابة: هو أجل مجهول، وقال مالك: إنه أجل معلوم، ويكون محل الأجل في وسط الشهر وفي وسط السنة إن قال في سنة كذا. انتهى. وقال بناني عند قول عبد الباقي: والمعتمد قول مالك لخ: هذا هو الذي رجحه ابن رشد في نوازل أصبغ من كتاب النذور: ورجحه أيضا ابن زرب وابن سهل، وعزاه لمالك في المبسوط والعتبية قائلا: يكون محل الأجل في وسط الشهر إذا قال في شهر كذا أو في وسط السنة إذا قال في سنة كذا. انتهى.
لا في اليوم يعني أنه إذا قال أقضيك سلمك في اليوم الفلاني فإن ذلك جائز لخفة الأمر في اليوم ويحل عند طلوع فجره.
وأن يضبط بعادة من كيل أو وزن أو عدد هذا هو الشرط الرابع من شروط السلم السبعة؛ يعني أنه يشترط في عقد السلم أن يكون مضبوطا بعادة بلد العقد من كيل فيما يكال كالحنطة أو وزن
стр. 5768
كاللحم والسمن والرطب والبسر في بعض البلاد وفي بعضها بالكيل أو عدد كالرمان والتفاح ببعض البلاد، فقوله: "بعادة" أي عادة محل أهل العقد. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وأن يضبط المسلم فيه بعادته ببلد العقد.
وقيس بخيط نائب قيس ضمير يعود على الرمان، يعني أن الرمانة تقاس بخيط ويضعانه عند أمين. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: وقيس بخيط ولو بيع وزنا أي اغتفر قياسه بخيط عند عقد السلم لا أنه يقاس بالفعل؛ إذ هو في الذمة غير موجود حين العقد، فإن ضاع جرى على ما يأتي في الذراع حيث تعذرت معرفته كذا ينبغي.
أو البيض عطف على قوله: "كالرمان" يعني أن البيض يضبط بالعدد ولا يقاس، وفي بعض الشراح: يقاس به قائلا بحذفه من الثاني لدلالة الأول عليه. قاله عبد الباقي.
وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا يسلم في البيض إلا عددا بصفة وهو العرف فيه. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن عقد السلم إذا وقع على ما يعد في العادة كالرمان فإنه لابد أن يقاس بخيط ويضعانه عند أمين، فإن ضاع الخيط جرى على ما يأتي في الذراع حيث تعذر معرفته كذا ينبغي، والظاهر أن اعتبار القياس في الرمان لا يتقيد بأن يكون معدودا بل ولو موزونا لاختلاف الأغراض بالصغر والكبر.
أو بحمل أو جُرزة في كقصيل عطف على من كيل، والمعنى أن المسلم فيه إذا كان مثل القضب والقرط والبقول وما أشبه ذلك فلابد من ضبطه ويكون ضبطه بالأحمال، كأسْلِمُك في ملء هذا الحبل ويوضع تحت يد أمين أو بالجرزة بضم الجيم وسكون الراء بعدها زاي الحزمة من القت ونحوه كما في القاموس، قال عبد الباقي: وعطف على قوله: "من كيل" كما في الشارح قوله: "أو بحمل أو جرزة" بالضم حزمة من القت في كقصيل وبقل وقرط بضم القاف وقضب بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة.
وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا بأس بالسلم في القصيل إذا شرط جرزا أو حزما أو أحمالا معروفة، والسلم في ذلك في إبانه والقضب والقرط الأخضر وجعل بعضهم أو بحمل عطفا على بعادة، قال: لأن الحمل والقت ليس له قدر معين في العادة فهو خارج عنها.
стр. 5769
لا بفدان يعني أنه لا يصح أن يضبط شيء من ذلك بالفدان، قال في المدونة: ولا يجوز أن يشترط في ذلك فدادين معروفة بصفة طول وعرض ولا يكون السلم في هذا إلا على الأحمال والحزم. ابن يونس: لأنه لو أسلم في القضب فدادين لابد أن يحده فيؤدي ذلك إلى السلم في فدادين معينة.
البَاجِيُّ: وجوز ذلك أشهب أو بتحر يعني أنه يجوز أن يضبط السلم بالتحري، قال عبد الباقي: أو يضبط بتحر مع عدم آلة الوزن لا مع وجودها على المعتمد خلافا لأحمد، وهل معنى التحري أن يقول آخذ منك ما إذا تُحِرِّيَ كان متلبسا بقدر كذا أي آخذ منك قدر كذا تحريا لا تحقيقا، وإلا كان من الضبط بالوزن مثلا؟ أو يأتي به أي بلحم مقدر بعشرة أرطال مثلا ويقع السلم في مثله، ويقول له: أسلمك في كنحوه، فإذا حضر المسلم فيه تحرى له مماثله لا أنه يكال أو يوزن وإلا فسد؟
في ذلك تأويلان الأول لابن أبي زمنين وغير واحد، والثاني لابن زرب، قال أبو الحسن: قال عياض: ذهب ابن أبي زمنين وغير واحد إلى أن معنى التحري هنا أن يقول أسلمك في لحم يكون قدر عشرة أرطال، قال: وكذا الخبز، وقال ابن زرب: إنما معناه أن يعرض عليه قدرا مَّا ويقول آخذ منك قدر هذا كل يوم ويشهد على المثال. قاله بناني. وقوله: "كنحوه" الظاهر أن معنى النحو هنا القدار.
وفسد بمجهول يعني أنه يفسد عقد السلم إن ضبط بمجهول، قال الشارح: يعني أنه إذا وقع التعاقد بين المتبايعين على أن يقضيه المسلم فيه بمكيال مجهول فإن العقد حينئذ يفسخ لفساده، وهذا هو المشهور، وقال أشهب: يكره ذلك في الطعام ابتداء فإن نزل فلا يفسخ عنده، وخفف في المدونة شراء العلف والتبن بمكيال لا يعرفان نسبته من المكيال الجاري بين الناس للضرورة وحيث عدم المكيال، ففي كتاب محمد أن ذلك جائز في اليسير، وعن ابن (١) عمران: وفي الكثير أيضا للحاجة.
стр. 5770
وإن نسبه أي المجهول للمعلوم ألغي المجهول واعتبر المعلوم كأسلمك في ملء هذا الوعاء وهو إردب، فالمسلم فيه إردب ولا ينظر للوعاء، ومن المدونة قال ابن القاسم: من أسلم في طعام موصوف إلى أجل معلوم ونقد وشرط قبضه بمكيال عنده أو عند رجل أو بقصعة أو بقدح فالسلم فاسد، وقد قال مالك فيمن اشترى طعاما وشرط قبضه بقدح أو قصعة ليس بمكيال الناس: إن ذلك لا يجوز فكذلك المسلم فيه أو أشد. قاله المواق.
وجاز بذراع رجل معين يعني أنه يجوز أن يضبط المسلم فيه بذراع رجل معين ولابد من رؤية ذراعه لأنه لا يلزم من معرفته معرفة ذراعه، فإن لم يعين الرجل ففي سماع أصبغ: يحملان على ذراع وسط، قال أصبغ: هذا استحسان والقياس الفسخ، فإن خيف غيبة ذي الذراع أخذ قدر ذراعه وجعل بيد عدل إن اتفقا وإلا أخذ كل منهما قيسه عنده، فإن تنازعا في قيسه فكموته ولم يعلم قياس ذراعه ودفن، فإن قرب العقد تحالفا وتفاسخا وعند حلوله القول للمسلم إليه إن أشبه وإلا فالمسلم إن أشبه وإلا حملا على ذراع وسط ولا ينبش عليه، وإن قرب دفنه ليقاس ذراعه. قاله عبد الباقي.
وقال إن محل قوله: "وجاز بذراع رجل معين" حيث لم ينصب الحاكم ذراعا. انتهى. قال بناني: بهذا قيده ابن رشد في رسم البيوع من سماع أصبغ ونقله المواق عنه، وقوله: فإن قرب العقد تحالفا لخ هذا التفصيل نقله ابن عرفة عن ابن يونس. انتهى. وقال المواق في سلمها الثاني: من أسلم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه إلى أجل جاز إذا أراه الذراع وليؤخذ قياس الذراع عندهما فإذا حل الأجل أخذه بذلك. ابن رشد: هذا إن لم يكن القاضي جعل ذراعا لتبايع الناس فإن نصبه وجب الحكم به ولم يجز اشتراط أجل بعينه كما لا يجوز ترك المكيال المعروف لمكيال مجهول.
كويبة وحفنة يعني أنه يجوز السلم في ويبة وحفنة والواو بمعنى مع، وفي شرط رؤية الحفنة قولان الأول ظاهرها. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا بأس ببيع ويبة وحفنة إن أراه الحفنة لأنها تختلف فأرى الذراع بهذه المنزلة. الجوهري: الحفنة ملء الكفين، وفي المدونة: ملء يد واحدة، وفي المحكم: الويبة مكيال معروف. انتهى. وفي القاموس: الويبة اثنان أو أربعة
стр. 5771
وعشرون مدا. انتهى. وقال الرهوني: عياض: والويبة عشرون مدا. فهي خمسة آصع. وقال أبو علي ما نصه: والويبة خمسة آصع وهو خلاف ما في القاموس، ونصه: والويبة اثنان أو أربعة وعشرون مدا، فهي على الأول خمسة آصع ونصف وعلى الثاني ستة آصع. انتهى.
وفي الويبات والحفنات قولان يعني أنه لو أسلم في ويبات وحفنات بعدد الويبات أو دونها فإنه في ذلك قولان، فقيل يمنع السلم وقيل لا يمنع بل يصح ويجوز، قال عبد الباقي: محلهما حيث كانت الحفنات بعدد الويبات أو دونها، فإن زادت على عدد الويبات فيظهر الاتفاق على المنع. انتهى. وقال الخرشي: يعني أنه إذا أسلم في ويبات معلومات وشرطا لكل ويبة حفنة، هل يجوز ذلك وهو قول أبي عمران وظاهر الموازية؟ أو يمنع كما هو نقل عياض عن الأكثر وسحنون؟ قولان بناء على تعدد العقد بتعدد المعقود عليه وعدمه. ثم قال عن الأجهوري: مقتضى بناء القولين على تعدد العقد بتعدد المعقود عليه وعدمه يكون محل القولين إذا كانت الحفنات بعدد الويبات أو دونها، وأما لو كانت الحفنات تزيد على عدد الويبات فيظهر من البناء المذكور الاتفاق على المنع لا يقال قد جزم بجواز ويبة وحفنة، لأنا نقول: لما تعددت الحفنات قوي الغرر. وانظر حكم السلم في ويبتين وحفنتين هل هو من موضوع جريان القولين أو هو كويبة وحفنة؟ انتهى.
وقال المواق: ابن يونس: قال بعض شيوخنا: لو اشترى ويبات وشرط لكل ويبة حفنة واحدة لم يجز ذلك. عياض: هذا قول الأكثر وظاهر المدونة الجواز. انتهى. وقال الرهوني: سوى المص بين القولين مع أنه قال في التوضيح ما نصه: وأكثرهم على المنع، ونص سحنون عليه. انتهى.
وأن تبين صفاته التي تختلف بها القيمة في السلم عادة هذا هو الشرط الخامس من شروط السلم يعني أنه يشترط في صحة عقد السلم أن تبين أوصاف المسلم فيه التي تختلف بها قيمته عند التبايعين اختلافا لا يتغابن الناس في مثله عادة أي لا يغتفر الغبن به عند الناس لكثرته، قال عبد الباقي: صوابه الثمن كما اعترض به على ابن الحاجب في تعبيره بقيمة ثم تبعه هنا، وذلك لأن الثمن هو الذي تختلف به الأغراض والرغبات في السلم عادة ببلد السلم، وأما القيمة فتتبع الذوات. انتهى. المازري: الصفة التي تجب الإحاطة بها هي التي يختلف الثمن باختلافها. انتهى. وباختلاف الأغراض عبر ابن عرفة وغير واحد. قاله بناني. وأما الصفات التي لا يختلف
стр. 5772
بها الثمن فلا يجب تبيينها، وخص السلم لأنه يغتفر فيه من ترك بعض الأوصاف ما لا يغتفر مثله في بيع النقد ولا ينعكس لأن السلم مستثنى من بيع الغرر، بل ربما كان التعرض للصفات الخاصة في السلم مبطلا له لقوة الغرر. انتهى. نقله التتائي عن ابن عبد السلام. قاله عبد الباقي. وأشعر قوله: "وأن تبين صفاته التي تختلف بها القيمة في السلم عادة" باشتراط علمها لهما ولغيرهما وهو كذلك، وإلا فمتى اختصا بعلمها أدى للنزاع وكانت من النادر والندور يصير به بمنزلة ما لا يمكن وصفه.
ومثل للأوصاف المشترط بيانها بقوله: كالنوع يعني أنه يشترط في المسلم فيه أن يبين نوعه، وقوله: "كالنوع" يحتمل حقيقته كالإنسان والفرس ويحتمل النصف كرومي وحبشي، والجودة والرداءة وبينهما يعني أنه يشترط أن يبين نوع المسلم فيه وجودته ورداءته وتوسطه بين الجودة والرداءة. واعلم أنه لابد من بيان هذه الأمور في المسلم فيه فيبين نوعه وأنه جيد إن كان جيدا ويبين نوعه ورداءته إن كان رديا ونوعه وتوسطه بينهما إن كان متوسطا بين الجودة والرداءة. واللَّه سبحانه أعلم. فهذا يجب في كل مسلم فيه، وأما ما ذكره بعد هذا بواو العطف من الصفات فيختص بما دخلت عليه. قاله عبد الباقي.
واللون في الحيوان والثوب يعني أنه إذا كان المسلم فيه حيوانا أو ثوبا فإنه يجب أن يذكر فيه ما مر ويذكر لونه، قال عبد الباقي: مراده يعني المص أن بيان اللون خاص بهما يعني الحيوان والثوب كما عليه معظم الشراح وبعضهم جعل اللون مما يجب بيانه في كل ما يبين فيه ما قبله وهو ظاهر المص؛ إذ لو كان مراده ما عليه معظم الشراح لقال: وفي الحيوان والثوب اللون أي يزيد فيهما اللون، وشمل الحيوان الرقيقَ كشديد السواد وأحمر وأبيض. انتهى.
وقال المواق: ابن بشير: لا يجوز أن يذكر في السلم من الصفات الخاصة ما يؤدي إلى إعواز الموجود وإنما تذكر صفات يختلف بها ذلك النصف في الغرض والثمن ويعم كثيرا منه عموما، وقد اختلف في السلم على المثال مثل أن يقول له: أسلمك على مثال يريه إياه، فقيل يجوز لأن المقصود منه ذكر الصفات، وقيل يمنع لأن رؤية المثال تفيد المناسبة في الصفات الخاصة، فيؤدي إلى إعواز الوجود، وينبغي أن يكون هذا خلافا في حال إن قصد بالمثال المشابهة في الصفات العامة
стр. 5773
جاز لأنه كذكر الصفة، وإن قصد به المشابهة في كل الصفات منع فيذكر في الحيوان النوع والسن والذكورة والأنوثة. انتهى المراد منه. الباجي: لابد من وصف الطعام بجيد أو ردي أو وسط.
والعسل ومرعاه يعني أنه يذكر في العسل ما مر من الصفات، فيذكر نوعه مصريا أو مغربيا أو زنجيا والجودة والرداءة وبينهما وخاثرا أو رقيقا أو صافيا، ويبين فيه زيادة على ذلك مرعاه قرطا أو غيره كما نص عليه المازري في شرح التلقين، وقوله: "ومرعاه" على حذف مضاف أي مرعى نحله. وقوله: "ومرعاه" يصح فيه الرفع والنصب أي يزاد أو يزيد مرعاه والأولى النصب لقول المؤلف فيما يأتي: "وخصيا وراعيا".
وفي الثمر والحوت يعني أنه يبين الأوصاف الخمسة في الثمر بثاء مثلثة والحوت، فيبين الثمر من أي ضرب ويذكر رداءته وجودته وبينهما ويذكر لونه، ويبين الحوت أي نوعه وجودته ورداءته وبينهما ويذكر لونه من كونه أبيض أو غيره، واعترضه صاحب التكملة بأنه لم ير اشتراط اللون في الحوت أي ولا في الطير وإنما هو في الآدمي والخيل والإبل كما في الجواهر، ويزيد فيهما أي في الحوت والثمر. الناحية والقدر ككون الثمر مدنيا أو غيره وكون الحوت من بحر ملح أو عذب وككون الثمر صغيرا أو كبيرا أو متوسطا وكون الحوت أيضا صغيرا أو كبيرا أو متوسطا، قال الخرشي: ثم إن قوله: "وفي الثمر" بالثاء المثلثة أحسن ليعم الرطب واليابس والنخل وغيره كالخوخ والتفاح، ولو قرئ بالمثناة لم يشمل هذه الأمور مع أن الحكم فيها كذلك.
وعلم مما قررت أن المراد بالناحية المكان الذي يؤخذ منه.
وفي البر وجدته ومِلْئَه يعني أنه يبين الأوصاف الخمسة في البر فيذكر نوعه وجودته ورداءته وبينهما وكونه أبيض أو أحمر، ويزيد على ذلك كونه جديدا وكونه ممتلئا أي ويذكر كونه قديما وكونه ضامرا إن اختلف الثمن بهما عائد على الجديد ومقابله والممتلئ ومقابله فيكون مفيدا للضد، وأما إن لم يختلف الثمن بالجدة والقدم فلا يجب بيانهما، كما أنه إذا لم يختلف الثمن بالامتلاء والضمر بالضم وبضمتين لا يجب البيان لكن يستحب ذلك كما قال ابن فتوح، وهذا الذي ذكر المص من قوله: "إن اختلف الثمن بهما" هو التحقيق.
стр. 5774
وسمراءَ ومحمولةً ببلدٍ هُمَا به يعني أنه إذا كان المسلم فيه قمحا فإنه يجب عليه أن يبين كونه سمراء وهي قمح الشام وكونه محمولة أي بيضاء وهي قمح مصر، هذا إذا كان البلد به السمراء والمحمولة ينبتان فيه أو يحملان إليه كمكة والمدينة، ولهذا قال: ولو بالحمل ورد بلو على ابن ابن حبيب القائل: إن كانا يحملان إليه لم يفسد السلم بترك بيانه. الباجي: مقتضى الروايات خلافه. انتهى.
بخلاف مصر فالمحمولة والشام فالسمراء يعني أنه إذا أسلم في حنطة بمصر أو بالشام ولم يسم لا محمولة ولا سمراء، فالمشهور أن السلم صحيح فيهما، ويقضى في مصر بالمحمولة لأنها هي التي بها، ويقضى في الشام بالسمراء لأنها هي التي بها وهذا في الزمن المتقدم لا في زمننا الآن فإنهما موجودتان بكل فلا بد من البيان في البلدين. قاله الخرشي. ونحوه لعبد الباقي، وقال بناني بخلاف مصر، فالمحمولة أي لأنها الغالب بها كما أن الغالب في الشام هو السمراء، وقول عبد الباقي: وهذا في الزمن القديم وأما الآن فهما بهما يعني على السواء ولذا وجب البيان. انتهى.
وقال عبد الباقي: وذكر النوع والجودة والرداءة مغن عن ذكر السمراء والمحمولة. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن أسلم في الحجاز في حنطة حيث يجتمع السمراء والمحمولة ولم يسم جنسا فالسلم فاسد حتى يسمي سمراء أو محمولة، قال ابن يونس: وسواء بلد ينبت فيه الصنفان أو يحملان إليه لا بد في ذلك من ذكر الجنس خلافا لابن حبيب. انتهى.
ونفي الغلث يعني أنه إذا أسلم في قمح وأطلق ولم يبين هل هو نقي أو غلث فإنه يصح السلم ويقضى للمسلم بقمح نقي، فقوله: "بنفي" أي بانتفاء الغلث بفتح اللام أي يقضى له بقمح نقي. قاله الخرشي. وفي بعض النسخ: ونقي أو غلث بكسر اللام. قال عبد الباقي: وبخلاف نقيٍّ أو متوسط في النقاء أو غلث بكسر اللام فيحسن كما في المتيطي ذكر ذلك، فإن لم يذكر شيئا منه لم يفسد ويحمل على الغالب، وإلا فالوسط كما يأتي في قوله: "وحمل في الجيد والردي على الغالب وإلا فالوسط"، وفي نسخة: نقى بالقاف مصدر، وعطف غلث عليه بأو أي وبخلاف نقى أو غلث فلا يشترط بيانه، بل يحسن ذكره، فإن لم يذكر حمل على الغالب وإلا فالوسط.
стр. 5775
وفي الحيوان وسنه والذكورة والسمن وضدهما يعني أنه إذا أسلم في الحيوان ناطقا أو غيره فإنه يذكر فيه النوع والجودة والرداءة والتوسط واللون ويزيد بيان سنه، فيقول جذع أو مراهق أو بالغ مثلا أو سنه سنتان أو ثلاث مثلا وذكورته وضدها وهي أنوثته والسمن وضدها وهو الهزال، قال عبد الباقي: ويذكر في الحيوان ناطقا أو غيره ما مر ويزيد سنه في الرقيق مراهق أو بالغ أو يافع وهو ما دون المراهق وفي غيره جذع أو ثني أو غيره، وقد يستغنى عن ذكره بذكر الجودة وضدها لأن ما صغر سنه من مأكول اللحم جيد، وأما غيره فربما يرغب في كبيره ما لا يرغب في صغيره ويزيد فيه الذكورة والسمن وضديهما. انتهى.
قال المواق: لم أجد لفظ السمن، قال بناني: ذكره أبو الحسن عن جامع الطرر، ونقله المواق عن ابن يونس في اللحم، والحيوانُ مثله. انتهى. قوله: أو يافع وهو ما دون المراهق هذا وإن كان مخالفا لما في النهاية من أن اليافع هو المراهق، ولما في القاموس من أنه من راهق العشرين لكنه موافق لكلام المتيطى، قال في المتيطية: ويقال للمولود حين يولد طفل ثم رضيع ثم فطيم ثم قارح ثم جفر، والأنثى جفرة ثم يافع والأنثى يافعة وقد يقال للأنثى فيعاء وهو ابن ثمان سنين إلى عشر وقيل إلى اثنتي عشرة، ثم حَزَوَّر ابن عشرة إلى خمس عشرة وقيل ابن أربع عشرة ثم مراهق ثم محتلم ثم أمرد، فإذا بدا في وجهه نبت قيل بقل وجهه بتشديد القاف، ثم حديث السن ثم كهل ثم أشمط ثم أشيب ثم شيخ ثم هرم، وبعد الفيعاء في النساء كاعب وهي التي كعَّب ثديها بتشديد العين وتخفيفها، ثم ناهد إذا شخص ثديها ثم معصر عند دنو الحيض يقال أعصرت الجارية فهي معصر ثم حائض ثم حديثة السن ثم كهلة. قاله بناني.
وفي اللحم وخصيا وراعيا يعني أنه يذكر في اللحم ما تقدم من النوع والجودة والرداءة وبينهما واللون والسن والذكورة والسمن وضديهما، ويزيد كون المأخوذ منه خصيا وراعيا أي سائما، أو كونه معلوفا لا من كجنب يعني أنه لا يشترطأن يعين كون اللحم يؤخذ من جنب أو من رقبة أو فخذ إلا أن تختلف به الأغراض كعرف مصر، لقوله: "وأن تبين صفاته" لخ ثم إن له أن يقضيه من البطن إن جرت عادة بأن البطن كاللحم كما للخمي وابن الحاجب، وكذا على المعتمد إن لم تجر العادة بشيء لا إن جرت بأنه ليس كاللحم فلا يقضيه مما فيها، والمراد بالبطن ما احتوى
стр. 5776
عليه من كرش ومصارين إلا الفؤاد فإنه يباع على حدته وكذا الرأس والأكارع. قاله ابن عبد السلام.
وفي الرقيق والقد والبكارة والثيوبة واللون يعني أنه يذكر في الرقيق ما تقدم ويزيد القد أي القدر من طول وقصر وربعة، أو يقال طوله أربعة أشبار مثلا وذكر ابن الحاجب القد في الخيل والإبل وشبههما ويزيد أيضا البكارة والثيوبة واللون الخاص في الرقيق ككونه شديد السواد أو يميل إلى الحمرة أو الصفرة أو شديد البياض أو كونه مشربا بحمرة. قال عبد الباقي: فليس مكررا مع قوله: "واللون في الحيوان". انتهى. قال بناني: قال ابن غازي في أكثر النسخ: بإسقاط اللون هنا لتقدمه في الحيوان الذي هو أعم من الرقيق، وحينئذ فيحمل اللون المتقدم على الخاص ولا يغني عنه ذكر الجنس. وبهذا أجاب في التوضيح. وأما ذكره هنا فموجب للتكرار قطعا؛ لأنه إن حمل على العام أغنَى عنه ذكر الجنس، وإن حمل على الخاص تكرر مع اللون المتقدم، فإن حمل هذا على الخاص والمتقدم على العام كان المتقدم مستغنى عنه بذكر الجنس. واللَّه أعلم. وبه يظهر ما في كلام الزرقاني. انتهى.
وإنما كان ذكر اللون مستغنى عنه بذكر الجنس لأنه النوبة سود والروم بيض والحبشة سمر، فكل جنس له لون معروف.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: يظهر ما قاله المص من الإتيان باللون هنا فيما إذا كان المسلم فيه عبدا من العبيد التلاد. واللَّه سبحانه أعلم. وقال المواق: ابن شأس: يذكر في الإماء البكارة والثيوبة إن كان الثمن يختف بذلك. ابن عرفة: واضح لاختلاف الأغراض بذلك. انتهى.
تنبيه: قال عبد الباقي: يقال للآدمي الأبيض أحمر اللون وللأنثى حمراء وتصغر على حميراء، ومنه قول النبي ﷺ لعائشة: (يا حميراء)، ولا يوصف بلفظ البياض لأنه في الآدمي البرص، فإن خلط البياض حمرة فأزهر اللون، فإن خلص بياضه فأمهى، فإن لم يخلص فدُرِّيٌّ شبه بلون الدر ودون ذلك أسمر ودون السمرة آدم والأنثى أدماء. انتهى. ويقال في لونه أدمة. انتهى. وفي قوله: ولا يوصف بلفظ البياض لخ نظر لقول أبي طالب في وصف النبي ﷺ :
стр. 5777
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ولقول زهير:
أغر أبيض فياض يفكك عن … أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
قال وكالدعج يعني أن الإمام المازري قال: إنه يزيد في الرقيق الدعج، وأدخلت الكاف الشهولة والكحل والحور والزرقة، قال عبد الباقي: ويزيد كالدعج وهو شدة سواد المعين مع سعتها، ودخل بالكاف الشهلة وهي ميل سوادها إلى الحمرة والكحلة وهي الحور وهو شدة بياضها وشدة سوادها، والكحل بفتحتين وهو أن يعلوَ جفون العينين سواد كالكحل من غير اكتحال، ونص عليه ابن عرفة عن ابن فتحون وغيره، والزرقة وهي ميل سوادها إلى الخضرة. انتهى. وقال الخرشي: قال في مختصر المتيطى: يقال للعين كلها مقلة وهي التي تجمع البياض والسواد، ويقال للسواد الذي في وسط البياض حدقة وفيها الناظر، فإن كان كبير المعين قيل أعين، وإذا كان مع ذلك شديد بياضها شديد سوادها قيل أحور، فإذا كان الأسود خاصة شديدا قيل أدعج، فإن مال السواد إلى حمرة قيل أشهل، فإن قويت حمرته قيل أسمر، فإن كان مائلا إلى الخضرة قيل أزرق، فإن قويت خضرته قيل أملح، فإن كان البياض مائلا إلى الحمرة فهو أشكل، وإن كان العينان بارزتان قيل جاحظ وعكسه غائر العينين، وإن كثر شعر أجفانه وطال قيل أهدب والهدب شعر الأجفان. انتهى.
وتكلثم الوجه عطف على"كالدعج" فهو من مقول المازري، قال الشارح: يعني أن المازري قال إنه يزاد في ذكر صفات الرقيق كالدعج في العينين، وتكلثم الوجه ونحو ذلك مما يختلف فيه الأغراض وذلك ظاهر. انتهى. وقال المواق: امرأة مكلثمة أي ذات وجنتين والكلثمة اجتماع لحم الوجه. انتهى. وقال عبد الباقي: وتكلثم الوجه هو كثرة لحم الخدين والوجه بلا جهومة أي كلح وهو تكشر في عبوسة، ويصف الأنف بالقنا وهو انخفاض وسطه؛ والشمم وهو ارتفاعه، والفطس وهو عرض أرنبته وتطامن قصبته ولون الشعر وسبوطته وجعودته. انتهى.
стр. 5778
وفي الثوب والرقة والصفاقة وضديهما يعني أنه إذا أسلم في ثوب فإنه يذكر ما مر ويزيد الرقة وضدها وهو الغلظ والصفاقة وهي المتانة وضدها وهو الخفة، ويذكر الطول والعرض ظاهره ولا يحتاج مع ذلك إلى ذكر الوزن ونحوه في المدونة، ولو قدم المص هذه الأوصاف عند قوله: والثوب استغنى عن إعادة قوله: والثوب لخ. قاله الخرشي. وقوله: "وفي الثوب الرقة" لخ مسألة مستقلة وليس من مقول المازري. قاله عبد الباقي. وقال المواق: الباجي: يذكر في السلم في الثياب اختلاف أصولها من حرير أو قطن أو كتان ويصف صفاقته أو خفته وجنسه، وليس عليه أن يذكر وزنه انتهى.
وفي الزيت المعصر منه يعني أنه إذا أسلم في زيت فإنه يذكر الجنس الذي يعصر منه الزيت زيتونا أو قرطما أو سمسما أو حب فجل أو بزر كتان، ويذكر كونه شاميا أو مغربيا أو نحوه ولم يقل هنا والمعصر منه كما فعل فيما سبق حتى يفهم منه الاحتياج إلى بيان الأوصاف السابقة، إذ لو فعل ذلك لاقتضى أن بيان المعصر منه قدر زائد على ما سبق وليس كذلك إذ ما سبق مندرج فيه إن أريد ببيانه بيان ما تختلف به الأغراض ومساو له إن أريد ببيانه بيان نوعه وجودته ورداءته وبينهما ولونه.
وبما يعصر يعني أنه إذا أسلم في زيت فإنه يجب أن يبين بأي شيء يعصرهذا الزيت المسلم فيه، هل يعصر بالماء أو بالمعصرة؟ قال المواق: ابن حبيب: من أسلم في زيت فليصفه بزيت الماء أو زيت المعصرة. انتهى. وقال الشارح: ابن حبيب: فيذكر مع الصفة زيت الماء أو زيت المعصرة. قال: وإن كان يجمع في بلد واحد زيت بلدان ذكر في أي بلد يأخذ. انتهى. وقال عبد الباقي: الأحسن في كلمة ما أن تكون استفهامية وإثبات ألفها قليل والمراد طلب جواب هذا الاستفهام، ويحتمل أن تكون غير استفهامية وعليه فالباء زاثدة والعائد محذوف. قاله أحمد. أي والذي يعصر به من معصر أو ماء لاختلاف الثمن بذلك، واعترض ابن غازي قوله: "المعصر" بعدم ورود أعصر رباعيا في اللغة إذ الوارد إما خماسي كاعتصر فاسم مفعوله المعتصر بزيادة تاء، وإما ثلاثي كعصر فاسم مفعوله المعصور، ومن الثلاثي قوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قيل معناه يشتغلون أي بعصره، وقيل بمعنى يستخرجون ما فيه كما في القاموس وهو المناسب لما هنا، وقيل معناه ينجون
стр. 5779
من الضر الذي كان بهم من البأساء والشدة، وفي الجلالين يعصرون الأعناب وغيرها لخصبه. انتهى. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ فالمعصرات هي السحاب.
وَحُمِلَ فِي الجَيِّدِ وَالرَّدِيِّ عَلَى الغَالِبِ، يعني أنه إذا أسلم في شيء كثوب مروى جيد مثلا فإنه يعتبر في ذلك ما يغلب إطلاق الجيد عليه عند الناس، فإن غلب إطلاق الجيد على أعلى الجيد لزمه أن يقضيه بأعلى الجيد، وإن كان الغالب إطلاق الجيد على أدنى الجيد لزمه أن يقضيه بأدنى الجيد، وإن غلب إطلاق الجيد على وسط الجيد لزمه أن يقضيه بوسط الجيد، وكذا الحكم لو أسلمه في ردي فإنه يلزمه أن يقضيه بالغالبِ إطلاقُ لفظِ الرديِّ عليه، فإن غلب إطلاق لفظ الردي على أعلى الردي قضي بأعلى الردي وعلى وسطه لزم الوسط، وعلى أردى الردي قضي بأردى الردي وليس معنى الغالب ما يغلب وجوده بالبلد، بل معنى الغالب ما يغلب إطلاق اللفظ عليه من الجيد والردي فما تسمية الناس جيدا أو رديا من ذلك فهو المقضي به هذا هو الذي حققه غير واحد.
وإلا يكن غالب بل تساوت أصناف الجيد والردي في التسمية والإطلاق فالوسط أي يعطى المتوسط من الجيد والردي ولا يقضى بالوسط ابتداء، وفي النكاح يقضى به ابتداء وقد يفرق بالمشاحة في البيع دون النكاح. قاله التتائي. قاله عبد الباقي. ونحوه للخرشي. قال الخرشي: فَقَوْلُ السنهوري: وانظر هل المراد الغالب في الموجود أي الأكثر في الموجود أو الغالب في الإطلاق والتسمية. انتهى. قُصُورٌ. انتهى. وكلام المص يفيد أنه لا يشترط تعيين المراد مما يصدق عليه الْحَيّدِ ولا مما يصدق عليه الردي ولا مما يصدق عليه الوسط وهو كذلك، وقد ذكر ابن القصار أنه لابد أن يقول في غاية الجودة أي أو وسطها وإلا فسد السلم وزيَّفه الباجي بأن الغاية غير محصورة؛ وبأنه لا يلزم ذلك في سائر الأوصاف كالطول والقصر والبياض والسواد. انتهى. قاله الخرشي.
وقال المواق: ابن الحاجب: لو اشترط في الجميع الجودة أو الرداءة جاز وحمل على الغالب وإن لم يكن عرف فالوَسَطُ. الباجي: الصواب عندي أن ما دفعه المسلم إليه مما تقع عليه الصفة لزم قبضه ما لم يكن فيه عيب من غير الخلقة المعتادة.
стр. 5780
(وَكَوْنُهُ دَيْنًا) هذا هو الشرط السادس من شروط السلم؛ يعني أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون دينا في الذمة أي يشترط أن يكون المسلم فيه لا يشار إليه بعينه، بل يكون موصوفا في ذمة المسلم إليه؛ لأنه إذا كان معينا في غير ملك البائع فالغرر ظاهر، وإن كان في ملكه فبقاؤه على تلك الصفة غير معلوم، ولأنه يلزم منه الضمان بجعل لأن المسلم يزيد في الثمن ليضمن له المسلم إليه، ولأنه إن لم ينقد الثمن اختل شرط السلم وإن نقده كان دائرا بين الثمن إن لم يهلك والسلف إن هلك، فَإِنْ قِيلَ: من البياعات ما يجوز بيعه على أن يقبضه بعد شهر فلم لا أجيز هنا كذلك؟ قِيلَ: هذا إنما هو في المبيع وكلامنا في المسلم، فَإِنْ قِيلَ قد أجاز ابن القاسم كراء الدابة المعينة تقبض بعد شهرين ويلزم عليه جواز السلم في معين إلى أجل، قِيلَ الفرق أن الدابة المعينة ضمانها من المبتاع بالعقد، فإن اشترط تأخيرها كان ضمانها من البائع فيلزم ضمان بجعل، بخلاف منافع العين فإن ضمانها من ربها فلم يشترط إلا ما وجب عليه. انتهى. نقله بناني عن التوضيح. لكن قول التوضيح في الجواب الأول هذا إنما هو في البيع لخ يقال عليه إن المنع في السلم إنما هو لكونه يئول إلى بيع معين يتأخر قبضه، ففي التفريق بينهما نظر. ويُجَابُ واللَّه أعلم بأن مراده أن الضمان في البيع من المشتري فليس فيه ضمان بجعل، بخلاف السلم.
وَحَاصِلُ ما يفيده كلام التوضيح والناصر اللقاني في الفرق بين السلم وبين الصورتين أن محل المنع حيث يكون ضمان المبيع من المشتري أصالة وينقل إلى البائع، وهذا مفقود في الصورتين لكون الضمان في صورة (البيع) (١) باقيا من المشتري لم ينتقل، وفي صورة الكراء الضمان من البائع أي المكري أصالة فلم يشترط إلا ما وجب عليه. واللَّه أعلم. قاله بناني.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: إياك أيها الناظر لهذا المحل أن تأخذ منه أنه يجوز بيع معين يتأخر قبضه حيث اشترط الضمان على مشتريه فإنه سيأتي قول المص: "وبيعها واستثناء ركوبها" الثلاث لا جععة وكره المتوسط فإن الضمان من المشتري في المدة الجائزة والمكروهة، ومن