← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إلا لخوف عطش يعني أن محل تقديم الميت في مائة حيث لم يخف على الحي عطش، وأما إن خيف عطش حي آدمي أو حيوان محترم، فيقدم من خيف عليه العطش؛ لأن حفظ النفوس مقدم فييمم الميت حفظا للنفوس، والاستثناء منقطع؛ لأن ما قبله في طهارة جنب ونحوه. ككونه لهما التشبيه في تقديم الحي؛ يعني أنه إذا مات شخص ومعه ذو مانع وعندهما من الماء ما يكفي واحدا منهما، فإنه يقدم الحي ذو المانع، ولو لم يخش عطشا، لترجيح جانب الحي بالشركة. وضمن قيمته يعني أن الحي يضمن للميت قيمة مائة في المسألتين: في مسألة خوف العطش المستثناة، وفي مسألة كون الماء مشتركا بين الميت والحي المشبهة بمسألة الاستثناء، فيضمن قيمة جميع الماء لورثته في الأولى، وقيمة حظه في الثانية وجدت القيمة أم لا في ذلك المكان وتلك الحالة. وإنما ضمن القيمة وهو مثلي؛ لأنه لو كان المثل لكان إما بموضعه وهو في غاية الحرج؛ إذ الاحتياج إلى الماء إنما يكون في موضع يتعذر له الوصول غالبا، وإما بموضع التحاكم، وقد لما يكون له قيمة، أو له قيمة قليلة، فيكون ذلك غبنا للوارث. والمذهب أنه إن طلب في محل الأخذ ولم تتغير الحال غرم المثل، وإلا غرم القيمة. وينبغي أن يكون محل هذا إن كانت له قيمة، وإلا غرم المثل. وقوله: وجدت أم لما فرق بينه وبين ما يأتي في الذبائح من قوله: وله الثمن إن وجد؛ بأن ما هنا رب الماء ميت وما يأتي حي، وبأن ما هنا في السفر وما يأتي في الحضر، وبأن ما هنا في خوف العطش حيث لم يضطر، وما يأتي في المضطر ولو تعدد طالب الماء من جنب، وحائض؛ ونفساء. ومحدث أصغر ولم يكن فيهم ميت وهو ملك لجميعهم، فإن كان في نصيب كل ما يكفيه، فالأمر ظاهر، ولا تأتي منازعة، وكذا إن كان الماء يكفي أحدهم فقط بعينه لوجوب بذل جميعه له مع ضمان قيمة ما لشريكه، وكذا لما تأتي منازعة إذا كان نصيب أحدهم فقط يكفيه دون الآخر لوجوب استعماله، وتيمم الآخر فإن كان جميع الماء يكفي أحدهم فقط لما بعينه، فإن استووا في المانع تقاووه، فمن بذل أكثر من صاحبه وجب على الآخر أن يسلم، أو يزيد. كما قاله العلامة بناني.

стр. 632

وهكذا فإن استووا في الزيادة فالظاهر القرعة، وإن اختلفوا في المانع قدمت الحائض والنفساء الواجب عليهما الغسل حالا على المحدث الأصغر وعلى الجنب على القول المختار، وقدم جنب على محدث أصغر، ونفساء على حائض فيما يظهر. وما تقدم من التقاوي عند استواء المانع، محله إن كانا موسرين، فإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا توضأ به الموسر، وأدى للآخر قيمة نصيبه إلا أن يحتاج إليه فيقسم بينهما، وإن أعدما اقتسماه أو باعاه واقتسما ثمنه، وتيمما لصلاتهما، ولم ينتقض تيممهما إلا أن يحبا أن يستهما عليه، فمن صار له بالسهم توضأ به وانتقض تيممه وكان عليه قيمة حظ صاحبه دينا، فيكون ذلك لهما. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد يعني أن من عدم الماء والصعيد تسقط عنه الصلاة؛ أي لا يطلب بأدائها في وقتها، ويسقط عنه قضاؤها أي لا يطلب بأن يصليها بعد أن خرج وقتها، هذا قول إمامنا مالك، وهو المذهب. كراكب سفينة لا يصل للماء، أو مصلوب على غير شجرة أو عليها ولا يصل للتيمم عليها، وكذا كل من عجز عن الطهارة بوجه من الوجوه؛ لأن طهارة الحدث عنده شرط في الوجوب والصحة، أي يشترط في وجوب الصلاة وصحتها وجود ما يتطهر به. وقال ابن القاسم: يصلي ويقضي. وقال أصبغ: يقضي. وقال أشهب: يؤدي. ونظم هذه الأقوال بعضهم فقال: ومن لم يجد ماء ولا متيمما … فأربعة الأقوال يحكين مذهبا يصلي ويقضي عكس ما قال مالك … وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا

стр. 633

ولابن غازي مذيلا: أرى الطهر شرطا في الوجوب لمسقط … وشرط أداء عند من بعد أو جبا ويحتاط باقيهم ومن قال إنه … لأشهب شرط دون عجز قد اغربا وبقي قول خامس نظمه التتائي بقوله: وللقابسي ذو الربط يومى لأرضه … بوجه وأيد للتيمم مطلبا وإذا قلنا إنه يؤدي فإن صلاته لا تبطل بسبق حدث أو غلبته، بخلاف تعمده فرفض مبطل، وقول ابن غازي: قد أغربا، فيه نظر، بل لا إغراب فيه اللهم إلا أن يكون مراده بقوله: دون عجز: أنه شرط مطلقا من غير تقييد بالقدرة، فالإغراب حينئذ صحيح. وقوله: ويحتاط باقيهم؛ أي أنه أدى؛ لأن الطهر شرط مع القدرة لا مع العجز: وإنما قضى لمراعاة أنها شرط صحة في القادر والعاجز كما يقول القائل بالقضاء. وعلم مما مر أن هذه الأقوال فيمن عجز عن الطهارة المائية والترابية لمرض، أو سبع، أو عذر حتى لا يمكنه تطهير بماء أو تراب، كمن انكسر به المركب ولم يقدر على التطهر.

стр. 634

فصل في المسح على الجبيرة: والظاهر في وجه تأخير هذا الفصل أن مسح الجبائر رخصة في الطهارة المائية والترابية، فناسب تأخيره عنهما، والجبيرة جمعها جبائر؛ وهي أعواد ونحوها تربط على الكسر أو الجرح، وهي فعيلة بمعنى فاعلة من الجبر، سميت بذلك تفاؤلا كالقوافل. واعلم أن التفريق الحاصل في البدن إن كان في الرأس قيل له شجة، وفي الجلد خدش وجحش كما في حديث (سقط رسول الله ﷺ فجحش ساقه) (١))، أو فيه وفي اللحم قيل له جرح، والقريب العهد الذي لم يقح يقال خراج كغراب، وما قيح قرح، وفي العظم كسر، وفي العصب عرضا قيل له بقر، أو طولا قيل له شق، وإن كان عدده كثيرا سمي شدخا، وفي الأوردة والشاربين قيل له انفجار، وهذه الفائدة يحتاج إليها في قول الجلاب والتهذيب: من كانت به شجاج أو جراح أو قروح فيعلم الفرق بينها في اللغة. قاله في الذخيرة. وفي التوضيح أن الجرح يعم ما في الرأس والجسد. قاله الإمام الخطاب. إلا قوله: وجحش كما في حديث سقط رسول الله ﷺ فجحش ساقه فإنه للشبراخيتي، وقد مر أنه تكره إمامة الماسح على الجبيرة لغيره. إن خيف غسل جرح يعني أن من كان به جرح في أعضاء وضوئه وهو محدث أصغر، أو في بدنه جرح وهو محدث أكبر إن قدر على غسل الجرح من غير ضرر، أو مسحه حيث كان في الرأس من غير ضرر أيضا، فإنه يجب عليه غسله في الغسل والوضوء، أو مسحه مباشرة حيث كان في الرأس وهو محدث أصغر، فإن خاف بغسل المغسول خوفا كالخوف المبيح للتيمم يعني بذلك قوله: إن خافوا باستعماله مرضا أو زيادته أو تأخر برء، فإنه يجب عليه مسح ذلك الجرح بالماء مباشرة إن خاف بغسله هلاكا أو شديد أذى، وندبا إن خاف أذى غير شديد، ويمسح مرة واحدة، ولو كان بمحل يغسل ثلاثا، ولابد أن يعم وإلا لم يجزه، ولا مفهوم لقوله: "جرح" بدليل قوله: كعمامة؛ لأنه لا جرح تحتها، وكذا الرمد. قاله الشبراخيتي. وبما قررت علم أن قوله: مسح جواب قوله: "إن خيف" ثم جبيرته يعني أنه إذا خاف من وصول البلل إلى الجرح في

стр. 635

المسح عليه مباشرة أصليا، أم لا ضررا -كما تقدم- فإنه يجعل عليه جبيرة ثم يمسح على الجبيرة: وإن لم يكن إلا مجرد احتياجه للمسح عليها بأن كان الجرح ونحوه لا يحتاج لها لكن لا يتأتى له المسح عليه إلا بها كأرمد يقدر على كشف عينيه: فيجب عليه سترهما ليمسح، والحال أنه لا يقدر على مسهما بيده مباشرة. ثم عصابته بكسر العين ما عصب به الجرح كما في القاموس. أي ربط به؛ يعني أنه إذا خاف من المسح على الجبيرة ضررا كالتيمم، فإنه يجعل على الجبيرة عصابة ويمسح عليها، وكذا يمسح على العصابة إذا كان يفسد الدواء من حلها، ويخشى منه ضرر. واعلم أن المسح على الجبيرة ثم على العصابة ليس خاصا بالمتطهر بالماء، بل يجري في من تيمم أيضا، كما يؤخذ من السماع وابن رشد: وقول المص: وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها، إذ يفهم منه أنه إذا لم يتعذر مسها لا تترك. بل يمسح في جميع الصور السابقة مع أن في بعضها من فرضه التيمم، ومن فرضه الغسل، ولم يفرقوا بين كون الجرح في أعضاء التيمم أو لا. فما للسيوري فيمن لدغته عقرب وهو في كرب منها لا يستطيع إخراج يده من تحت الثوب أن التيمم من فوق الثوب لا يجوز، وحكم هذا كعادم الماء والصعيد، وتخريج البرزلي جواز تيممه على ما نقل عن القابسي من الإيماء؛ أي إيماء المربوط بوجهه ويديه إلى الأرض للتيمم، وقياسه على العضو المألوم في الوضوء غفلة عن السماع. وما لابن رشد قاله بعض الشراح؛ وهو حسن. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: نص السماع. سحنون: لو تيمم ومسح الجبائر فلما صلى ركعة أو ركعتين سقطت الجبائر، قال: يعيدها ويمسح عليها، ثم يبتدئ الصلاة. قال ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المسح على الجبيرة ناب عن غسل ذلك الموضع، والمسح عليه في الوضوء أو التيمم، فإذا سقط في الصلاة انتقضت طهارة ذلك الوضع فلم يصح له التمادي على صلاته، إذ لا تصح الصلاة إلا بطهارة كاملة، ولا يبني بعد رد الجبيرة والمسح عليها؛ إذ لا يجوز البناء في الحدث بخلاف الرعاف، وهذا ما لا أعلم فيه في المذهب خلافا. انتهى بزيادة من الخطاب. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفي السماع المذكور اعتراض على الخطاب في تسليمه فتوى السيوي المذكورة. انتهى. ويجب استيعاب الجبيرة بالمسح، قال التلمساني في شرح

стр. 636

الجلاب: إن مسح جميع الجبيرة واجب، فإن ترك شيئا منها لم يجزه كما لو ترك من العضو شيئا. قاله الإمام الخطاب. وقال ابن عرفة: قال عبد الحق من كثرت عصائبه وأمكنه مسح أسفلها لم يجزه المسح على ما فوقه، وتخريج الطراز على خف فوق خف يرد بأن شرط الجبيرة الضرورة بخلاف الخف. انتهى. نقله الخطاب. قال: وما قاله ظاهر، ويعني به أن الجبيرة لا يجوز لبسها إلا عند الضرورة، فإذا لبسها صارت بمنزلة الأصل لا يزيد عليها جبيرة أخرى إلا لضرورة، والخف يجوز لبسه لغير ضرورة، فإذا لبسه صار حكمه حكم الرجل، فيجوز لبس خف آخر عليه. والله أعلم. انتهى. كفصد تشبيه؛ يعني أن محل الفصد أي الشرطة كمحل الجرح، فإذا خيف من غسله مباشرة مسح عليه، ثم جبيرته، ثم عصابته، فيمسح على العصائب وعلى الرباط، ويحتمل أنه تمثيل كما في الشبراخيتي وغيره. ومقتضى كلام المص أن المشقة لا تكفي، وعبر ابن عرفة في هذا الباب كله بالمشقة، ولعل مراده بها المضرة، فلا يخالف كلام المص. قاله الشيخ الخرشي. واعلم أن المراد بالجبيرة ما يطب به الجرح، كان ذرورا أوأعوادا وغير ذلك ومرارة يعني أن المرارة التي تلصق على الظفر لضرر يمسح عليها إذا خيف من غسل الظفر ضرر كالتيمم، كانت من مباح كمحرم إن تعذر قلعها، وعبارة الشيخ الأمير: طاهرة أو اضطر لها، وإنما نص على المرارة وإن كانت داخلة تحت الجبيرة؛ لأنه ربما يتوهم أنه لا يمسح عليها؛ لأن بعض الأيمة يرى أنها من المباح نجسة، قاله الشبراخيتي. وقرطاس صدغ يعني أن الصدغ إذا جعل عليه قرطاس لضرر كصداع، فإنه يمسح على ذلك القرطاس حيث خيف من غسل الصدغ، ومسحه ضرر كالتيمم. وعمامة يعني أن من لبس العمامة يمسح عليها حيث خيف بنزعها أي العمامة أي قلعها عن رأسه. ضرر كالتيمم إن لم يقدر على مسح ما هي عليه ملفوفة، وإلا مسح عليه إن لم يشق نقضها وعودها، وإلا مسح عليها، ولو أمكنه مسح بعض رأسه فعل وكمل على العمامة؛ (لأنه صلى الله

стр. 637

عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة) (١)). قال الأمير: ووجب تكميل على العمامة إن تيسر مسح بعض الرأس: كما أفاده القرطبي، وهو الصواب كما في عبد الباقي وغيره. وإن يغسل مبالغة في المسح في جميع الوجود المتقدمة؛ يعني أن المسح على الوجه المذكور فيما تقدم لا يختص بالطهارة الصغرى، بل يكون فيها وفي الكبرى، وسواء كانت الكبرى حلالا أو حراما، فمن برأسه علة لا يستطيع غسله بسببها، يمسح عليه. قال ابن عبد السلام: وبه أفتى أكثر من لقيناه. وفتوى ابن رشد بتيمم من خشي على نفسه بغسل رأسه تعقبت. وللجزولي: من به نزلة إن مسح على رأسه لم يحصل له ضرر، فإنه يمسحه ويغسل ما عداه، سمعته من شيوخ عدة، حتى لو احتجت إليه لفعلته، ولم أره منصوصا. انتهى قاله الشيخ عبد الباقي. أو بلا طهر يعني أن المسح على ما مر من الجبائر وغيرها ليس كالمسح على الخفين، فلا يتقيد بكونها ملبوسة على طهارة، بل يمسح عليها، وإن لبسها على غير طهارة. والفرق أن الجبيرة مضطر لشدها على غير طهارة، ولو تأخر لحصل الضرر. والله سبحانه أعلم. أو انتشرت؛ يعني أنه يمسح على العصابة ولو انتشرت بأن جاوزت محل الألم؛ لأن ذلك من ضروريات الشد حيث كان يحصل له بفكها ضرر. إن صح جل جسده شرط في قوله أول الباب: "مسح" فهو شرط في المسح من حيث هو؛ يعني أن المسح على العضو المألوم، وعلى الجبائر ونحوها مشروط بأن يكون جل الجسد صحيحا؛ أي جميعه في الغسل، وجل أعضاء الوضوء حيث كان فرضه الوضوء. قال الشيخ عبد الباقي: وتعتبر أعضاء الفرض دون السنة كالأذنين فيما يظهر، ونحوه للشيخ إبراهيم. أو أقله يعني أن الحكم كذلك فيما إذا لم يصح جل الجسد، بل صح أقله وهو أكثر من يد أو رجل، بدليل قوله: كإن قل جدا كيد، فإنه يغسل الصحيح، ويمسح غيره في المسألتين ومحل مسح المريض من الأعضاء، وغسل الصحيح منها في المسألتين حيث لم يضر غسله أي الصحيح بالجريح. ولما ذكر المص الجل والأقل، علم بالضرورة أن النصف مثلهما. قاله الشيخ محمد بن

стр. 638

الحسن. ولو قال المص إن صح بعض جسده ولم يضر غسله لكان أوضح وأخصر وإلا أي أنه إذا كان غسل الصحيح يضر بالجريح في المسألتين، أو عمت الجراح الجسد، وضر غسلها ففرضه حينئذ التيمم دفعا للضرر والمشقة. وبما قررت علم أن قوله: "وإلا" تحته ثلاث صور، وما ذكره المص حيث كان غسل كل جزء من الأجزاء الصحيحة يضر بالجريح، فإن كان غسل بعضها يضر به وغسل الباقي لا يضر مسح على ما غسله يضر بالجريح؛ لأنه في حكمه، وغَسَل ما لا يضر غسله كَإن قل جدا يعني أنه إذا قل الصحيح من الأعضاء جدا. كيد فقط أو رجل فقط، فإن فرضه التيمم، ضر غسله الجريح أم لا؛ لأن غسل هذا كالعدم. والمراد باليد في الوضوء ما يجب غسله، وأما في الغسل، فانظر هل هو من طرف الأصابع إلى الإبط أو إلى المرفق فقط؟ وإن غسل أجزأ يعني أنه إذا تكلف الغسل في المسائل الخمس، ولم يمسح المألوم أجزأه ذلك والمسائل الخمس هي: ما إذا صح جل جسده، أو أقله ولم يضر غسله، فإن غسل في هاتين جميع الأعضاء أجزأ، والثانية والرابعة أن يغسل في الصورتين المذكورتين من فرضه التيمم جميع الأعضاء فيجزئ فيهما، والخامسة كإن قل جدا كيد، فإن غسل جميع الأعضاء أجزأ، ولو غسل الصحيح فقط، ومسح الجريح وهو فرضه التيمم. فإن قل جدا لم يجزه كما صرح به ابن الحاجب وغيره. وقال ابن محرز: يجزئه وأما لو كان فرضه التيمم لكونه يضر غسل الصحيح بالجريح، فقال الشيخ عبد الباقي: لا يجزئه. ونحوه للشيخ الأمير. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ لأنه -وإن كان عدم الإجزاء- هو الظاهر من قول المص. ففرضه التيمم كما في أحمد، لكن نقل الخطاب عن ابن ناجي الإجزاء قائلا: نص عليه المازري، وصاحب الذخيرة. انتهى. وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها وتوضأ يعني أن الجراح التي بأعضاء التيمم إذا تعذر مسها أو شق بالماء في الطهارة المائية أو بالتراب في الطهارة الترابية، فإنه يترك مسها، ويتوضأ وضوءا ناقصا، ولا يتيمم تيمما ناقصا؛ لأن الطهارة المائية الناقصة مقدمة على الترابية الناقصة. البساطي: لا أدري لم قال توضأ، ولم يقل كابن الحاجب: ويغسل فيعم الغسل كالوضوء. انتهى. وقال السنهوري: عدل عن قول ابن الحاجب ليعم المسح كالرأس، فإذا تعذر مسها تركها وغسل ما يغسل كالرجل، ومسح ما يمسح كالرأس. وأما مسألة الغسل فتعلم بالمقايسة، ومن قوله: "وإن

стр. 639

بغسل" ومفهوم قوله: تعذر مسها أنه إن أمكن مسها بالتراب تيمم عليها، ولو من فوق حائل، وقوله: وإن تعذر مسها يشمل ما إذا كانت عليها جبيرة، وما إذا لم تكن عليها كما إذا لم يجعل عليها شيء، وكذا لو كانت تزول إذا مسها بالماء أو بالتراب فيتركها بلا غسل وبلا مسح وإلا أي وإلا تكن الجراح المتعذر مسها بأعضاء تيممه، بل كانت في غيرها من أعضاء وضوئه وقد اختلف أهل المذهب في حكمها على أربعة أقوال، أولها يتيمم مطلقا؛ وهو لعبد الحق، وثانيها يغسل ما صح ويسقط الجريح؛ وهو لابن عبد الحكم والنوادر. ووجه القول الأول أنه يقدم الطهارة الترابية لكمالها، ووجه الثاني أنه لا ينتقل عن المائية إلا مع عدم الماء أو عدم القدرة عليه وثالثها أي الأقوال يفصل بين كثرة الجراح وقلتها، فيتيمم إن كثر الجريح؛ أي كان أكثر من الصحيح، وأما إن قل الجريح بأن كان أقل من الصحيح فإنه يغسل الصحيح ويسقط الجريح، وكذا إن تساويا على مقتضى ما شرح به المص، ولكن مقتضى ابن عرفة أن حكمه كما إذا كان الجريح أكثر. قاله الشيخ عبد الباقي. وهذا القول الثالث لابن بشير. ورابعها أي الأقوال يجمعهما أي الوضوء والتيمم، فيتوضأ وضوءا ناقصا، فيغسل الصحيح ويتيمم تيمما كاملا لأجل الجريح الذي تعذر مسه فوقع وضوؤه ناقصا، ويقدم المائية على الترابية ليلا يلزم الفصل بين الترابية وبين ما يفعل بها، ولو خشي هذا الذي تعذر مس جراحه، وهي بغير أعضاء تيممه المرض بسبب وضوئه، فلا إشكال في أنه يتيمم. وتنظير الشيخ عبد الباقي في ذلك لا معنى له؛ وهو غفلة، قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. والظاهر على هذا القول أنه يجمعهما للصلاة الأولى فقط، فإذا أراد أن يصلي أخرى تيمم فقط حيث كان الوضوء باقيا. وقوله: "بأعضاء تيممه" الظاهر أن المراد بذلك الوجه، واليدان إلى المرفقين. قاله الإمام الخطاب. ولم يذكر المص أربعة أقوال في المختصر إلا في هذا الموضع، وفي باب القضاء. قاله الخرشي. وإن نزعها لدواء يعني أنه إذا نزع الأمور الحائلة من جبيرة وعصابة، ومرارة، وقرطاس صدغ، وعمامة بعد المسح عليها في غسل أو وضوء أو تيمم لأجل الدواء، أو نزعها اختيارا فلا فرق بين ذلك، فإنه لا يخلو إما أن يكون بصلاة أو لا، فإن لم يكن بصلاة فإنه يرد الجبيرة فورا، ويمسح عليها فورا على ما مر في الموالاة، فيبني بنية إن نسي مطلقا، وإن عجز ما لم يطل بجفاف أعضاء

стр. 640

أو سقطت يعني أن حكم ما إذا سقطت الجبيرة كحكم ما إذا نزعها لدواء، فإن كان بغير صلاة ردها فورا، ومسح فورا على ما سبق في الموالاة، وهذا الذي قدرت جواب إن الأولى دل عليه ما بعده من قوله: ردها ومسح، وجواب إن الثانية أعني قوله وإن كان بصلاة ونزعها لدواء، أو اختيارا، أو سقطت. قوله: قطع الصلاة، وردها أي الجبيرة فورا ومسحها فورا على ما تقدم في الموالاة، فيبني بنية إن نسي مطلقا، وإن عجز ما لم يطل بجفاف أعضاء. وقد تقدم ذلك في باب الوضوء مستوفى، فراجعه إن شئت. وقوله: "قطع" يقتضي أن الصلاة لا تبطل بمجرد السقوط، وليس كذلك، فلو قال بطلت لكان أولى. قاله الشيخ إبراهيم. قال: وإنما عبر بالقطع تبعا للرواية. انتهى. قال عبد الباقي: ولو دارت الجبيرة بأن زالت عن محل الجرح مع بقاء عصابتها عليه ليس حكمها كذلك، والحكم أنه باق على طهارته ولا يطلب بالمسح عليها، ويطلب بردها لأجل الدواء لبطلان وضوئه، فإن زالت عصابتها عن محل الجرح، بطل حكم المسح عليها إن لم يردها سريعا انتهى. وقوله: فإن زالت عصابتها عن محل الجرح الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: الصواب في هذا أنه لا بد من تجديد المسح، ولا يكفي ردها سريعا كما زعمه. انتهى. واعلم أنه يعفى عن وقت معالجة الطبيب العضو ولو طال، وبعد الفراغ ردها ومسح، فإن أخر جرى على الموالاة في الوضوء. انظر الخرشي. وإن صح غسل يعني أنه إذا برئ الجريح وهو على طهارته، فإنه يغسل موضع الجراح سواء كان تحت جبيرة أو عصابة أو لا، وهذا إن كان مغسولا كرأس أو أذن في الجنابة. ومسح متوض رأسه يعني أنه إذا برئ الجريح وهو ممسوح والشخص باق على طهارته فإنه يمسحه كالرأس في الوضوء، والأذنين فيه، والصماخين في الوضوء أو في الجنابة. قال الشيخ إبراهيم: ولو قال: وإن صح فعل الأصل لكان أخصر. انتهى. ولو صح ونسي الغسل وكان عن جنابة، ففي المدونة: إن كانت في موضع لا يصيبه الوضوء؛ أي غسل الوضوء أعاد كل ما صلى، وإن كان في مغسول الوضوء أجزأه. قاله الشيخ إبراهيم. ابن عرفة: يجب فعل الأصل حين البرء، وتأخيره ترك للموالاة. انتهى. قاله الإمام الخطاب. ومن اغتسل من الجنابة، وفي رأسه جرح مسح عليه إن قدر، وإلا مسح على حائل، فإذا زال الحائل مسح في الحين على رأسه، وإلا أعاد الغسل. قاله الإمام الخطاب. ومن تطهر فمسح على

стр. 641

شجة أو كسر مستور، ثم برئ فنسي غسله حتى صلى ولم يكن في موضع يأخذه غسل الوضوء بعد ذلك، فليغسله فقط ويعيد ما صلى، ولو تركه جهلا أو تهاونا ابتدأ الغسل. قاله الإمام الخطاب. قال جامعه عفا الله عنه: واتضح من هذه النقول صريحا أن قوله: "وإن صح غسل ومسح متوض رأسه" يجري على حكم الموالاة في العمد والجهل والنسيان والعجز. والله سبحانه أعلم. ولما أنهى الكلام على الطهارة الصغرى والكبرى ونائبهما كلا أو بعضا. وتقدم له أن الحيض والنفاس من موجبات الكبرى دون الاستحاضة. شرع في الكلام على حقيقتهما ومقدارهما وموانعهما وما يتعلق بذلك، وبدأ بالحيض لكثرة تكرره دون الأخيرين فقال:

стр. 642

فصل في الحيض والنفاس: والحيض لغة: السيلان من قولهم حاض الوادي إذا سال، وحاضت السمرة إذا سال منها ماء أحمر كالدم، وقيل: الاجتماع لاجتماع الدم، ومنه الحوض لاجتماع الماء فيه. وَرُدَّ بأن الحوض واوي وهذا يأتي، وأول من امتحن به حواء لإعانتها آدم على أكل الشجرة عقوبة لها، وقيل: أول من امتحن به نساء بني إسرائيل. أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور في مسنده عن ابن مسعود قال: كان نساء بني إسرائيل يصلين مع الرجال في الصف فاتخذن قوالب يتطاولن فيها تنظر إحداهن إلى صديقها، فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وفي لفظ فألقي عليهن الحيض فأخرن. قال ابن مسعود: فأخروهن من حيث أخرهن الله. وأخرج عبد الرزاق عن عائشة: كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرحلا من خشب ليتشوفن الرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة. وعرفا: أشار له المص بقوله: الحيض دم يعني أن الحيض دم خرج بنفسه إلى آخر ما يأتي للمص من تمام تعريفه، والحيض أعم من الحيضة؛ لأنها إنما تطلق على ما إذا تقدمها طهر فاصل، وتأخر عنها طهر فاصل. كصفرة يعني أن الصفرة من أنواع الحيض؛ فهي كالدم الخالص، والصفرة شيء كالصديد تعلوه صفرة وليس على شيء من ألوان الدم القوية والضعيفة. أو كدرة بضم الكاف: شيء كدر ليس على ألوان الدم؛ يعني أن الكدرة من أنواع الحيض فهي كالدم الخالص. وحاصل كلامه أن الحيض إما دم وإماصفرة وإما كدرة. ولم يعطفهما على الدم بل شبههما به إشارة إلى انحطاط رتبتهما عن الدم الخالص المتفق على كونه حيضا لأجل الاختلاف فيهما، وكون الصفرة والكدرة من أنواع الحيض هو المشهور؛ وهو مذهب المدونة كانتا في أيام الحيض أم لا. وقيل: إن كانتا في أيام الحيض فحيض، وإلا فلا. وهذا القول لابن الماجشون، وجعله المازري والباجي المذهب. وقيل: ليستا بحيض مطلقا، واستدل ابن الماجشون بقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا (١)). قال الإمام الخطاب: وقد اقتصر ابن يونس على قول ابن الماجشون فأوهم أنه المذهب، ونصه: قال ابن حبيب، قال ابن الماجشون: إذا اغتسلت لحيض أو

стр. 643

نفاس ثم رأت قطرة من دم أو غسالة دم لم تعد الغسل ولتتوضأ، وهذا يسمى الترية. انتهى. ويمكن حمل الحديث على أنها لا تعد طهرا، ثم قال بعد جلب نقول: فعلم أن قول ابن الماجشون: خلاف الراجح، وإن اقتصر عليه الباجي وابن يونس والمازري. والترية بتشديد الياء التحتية وبالتاء الفوقية وكسر الراء: شبه غسالة اللحم. وفي الطراز: إذا جاءها بعد الغسل صفرة أو كدرة أو دم. اختلف في ذلك فقال ابن الماجشون: لا تغتسل لذلك لحديث أم عطية (١)). انتهى. ابن حبيب: أوله دم، ثم صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم يصير كالقصة، ثم ينقطع فتصير جافة. وللحيض خمسة عشر اسما نظمها بعضهم فقال: للحيض عشرة أسماء وخمستها .. حيض محيض محاض طمث اكبار طمس عراك فراك مع أذى ضحك … درس دراس نفاس قرء اعصار وتحيض من الإناث: المرأة، والناقة، والأرنب، والضبع، والوزغ، والخفاش، والحية، والفرس. خرج بنفسه يعني أنه لا بد في كون كل من الدم والصفرة والكدرة حيضا أن يخرج بنفسه لا بعلاج، كدواء خرج به قبل وقته المعتاد فليس بحيض، والظاهر أنه لا تحل به المعتدة. قاله المنوفي. قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر على بحثه فعلها للصلاة والصوم لاحتمال كونه غير حيض فلا يفوت الأداء، ثم تقضي بعده الصوم فقط، وإن تأخر الدم عن وقته بدواء أو ارتفع به حكم للمرأة بأنها طاهر فيهما؛ لأن الحيض هو الدم والصفرة والكدرة الخارجات من قبل من تحمل عادة ويكره للمرأة فعل ما ذكر مخافة أن تدخل على نفسها ضررا في جسمها، واحترز بقوله: "خرج بنفسه" أيضا عما خرج للولادة، وهو دم النفاس، وعن دم العُذْرَة لأنه بسبب الاقتضاض، وعن دم الاستحاضة لأنه يخرج بسبب علة وفساد في البدن. وما تقدم من كونه إذا أتى بعلاج لا يكون حيضا محله إذا استعجل بالدواء قبل أوانه، وأما إذا تأخر عن وقته ولم يكن بالمرأة ريبة حمل فجعل له رواء ليأتي، فالظاهر أنه حيض؛ لأن تأخر الحيض إذا لم يكن

стр. 644

حمل، إنما يكون لمرض، فإذا جعل الدواء لرفع المرض لم يخرجه عن كونه حيضا. قال الإمام الخطاب. قال المص: وإنما قال؛ أي المنوفي: والظاهر أنه لا تحل به المعتدة لاحتمال أن استعجاله لا يخرجه عن كونه حيضا كإسهال البطن. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: إن سماع ابن القاسم وابن كنانة يدلان على أن وجوده بدواء يحكم له بحكم الحيض، ورفعه بدواء يحكم له بحكم الطهر. انتهى. وناقشه الشيخ محمد بن الحسن قائلا: إن السماع المذكور، وكلام ابن كنانة إنما يدلان على تأخر الدم عن وقته بدواء، أو رفعه بعد حصوله بدواء، وفي كل منهما تكون المرأة طاهرا خلافا لابن فرحون، وليس فيهما تعرض لمسألة وجوده بدواء كما زعمه، انتهى ونص السماع: سئل عن المرأة تريد العمرة وتخاف تعجيل الحيض، فيوصف لها شراب تشربه لتأخير الحيض قال: ليس ذلك بصواب، وكرهه. وقال ابن رشد: إنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها ضررا بذلك في جسمها. انتهى. وفي الخطاب أيضا: قال ابن كنانة: يكوه ما بلغني أن يصنعنه فيتعجلن يه الطهر من الحيض من شرب الشجر والتعالج بغيره. ابن رشد كرهه مخافة أن يضر بها. قال الإمام الخطاب: فعلم من كلام ابن رشد أنه ليس في ذلك إلا الكراهة خوفا من ضرر جسمها، ولو كان ذلك لا يحصل به الطهر لبينه ابن رشد، خلافا لابن فرحون. قال الشيخ محمد بن الحسن. وكلام ابن فرحون الذي أشار إليه، هو قوله في الكلام على طواف الإفاضة، وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر إن علمت أنه يقطع الدم اليوم ونحوه، فلا يجوز لها ذلك إجماعا، وحكمها حكم الحائض، وإن استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام أو عشرة فقد صح طوافها إذا طافت في ذلك الطهر، وإن عاودها في اليومين والثلاثة إلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم لها بحكم الحيض، فكأنها طافت مع وجود الدم، ولم أر نصا في جواز الإقدام على ذلك إذا كانت جاهلة بتأثيره في الدم. انتهى. والباء في قوله: "خرج بنفسه" للاستعانة لا الباء الزائدة الداخلة على نفسٍ المؤكدة، والمراد بالنفس الذات؛ أي خرج مستعينا على خروجه بنفسه؛ أي بذاته بخلاف دم الاستحاضة؛ فإنما يستعين بفساد المزاج، ففي الحد ما يخرجه. قال الشبراخيتي، وعبارة الأمير: الحيض دم أو صفرة أو كدرة خرج بنفسه وإن بغير زمنه المعتاد له كعلاج في زمنه

стр. 645

أو بعده وقبله به لا نص والمنفي نص قديم، المنوفي: لا تحل به المعتدة، واحتمال أن تعجيله لا يضر كتعجيل الحدث بالإسهال، رده الناصر. التوضيح: قياسه لا تترك العبادة، وبحث فيه الخطاب بأنه يشدد في العدة ما لا يشدد في العبادة: ألا ترى مسألة الدفعة؟ واستظهر الأجهوري تركها لاحتمال أنه حيض، وتقضِيها لاحتمال أنه غير حيض. من قبل يعني أن الدم والصفرة والكدرة إنما يكون كل منها حيضا إذا خرج بنفسه من القبل، وأما ما خرج من غير القبل كالدبر أو ثقبة ولو تحت المعدة وانسد الفرج فلا يكون حيضا. وقوله: "من قبل" بضم القاف وضم الباء وحذف التنوين؛ لأنه مضاف إلى من "وهي نكرة موصوفة أو موصولة بما بعدها؛ أي أنثى، أو الأنثى التي تحمل أي يحمل مثلها عادة فاحترز بالأنثى من الذكر، وبمن تحمل عادة من الصغيرة والمحقق يأسها؛ وهي بنت سبعين فأكثر فدمها ليس بحيض، بخلاف بالغة الخمسين، ونحوها إلى السبعين فدمها حيض إن قال النساء إنه حيض أو شككن فيه: فإن قطعن أنه ليس بحيض فلا، والتي تحمل عادة هي اليافعة أي المراهقة، وهي المقاربة للبلوغ. وأولى ما وجد عند علامات البلوغ كنتن إبط، ونُتُوِّ ثدي فمن قطع النساء أنها تحيض أو شككن فما يأتيها حيض وإلا فلا. قال التتائي: ومنتهى الصغر تسع، وهل أولها، أو وسطها، أو آخرها؟ أقوال. ومقتضاه أن ما تراه بعد تسع حيض وهو يقيد بما لم يقطع النساء بخلافه. قال الإمام الشافعي: أعجل النساء حيضا نساء تهامة فإنهن يحضن لتسع سنين، هكذا سمعت، ورأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة. وقيد العادة يخرج الإمكان العقلي فليس بمعتبر شرعا، وإذا انقطع دم اليائسة فالمشهور لا غسل عليها. وروى ابن المواز عن مالك أنها تترك الصلاة والصوم، وعليه فيجب عليها الغسل عند انقطاعه، وبذلك صرح ابن حبيب. ابن عرفة: وفي كون دمها حيضا في العبادات قول الصقلي عن أشهب مع الشيخ عن رواية محمد، وقول ابن حبيب معها، وعليه في وجوب الغسل لانقطاعه قولا ابن حبيب وابن القاسم. ولما عرف المص الدم الشامل للعدة والعبادة، بالغ على الحكم الخاص بالعبادة لبيان أنه لأحد لأقله بخلاف العدة، فقال: وإن دفعة بضم الدال أي قطرة، وبفتحها أي مرة؛ يعني أنه لا فرق في كون الثلاثة حيضا

стр. 646

بين أن تكون كثيرة وأن تكون قليلة، فالكل حيض. وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام. وللشافعي: يوم وليلة. وقد علمت أن كلام المص هنا في العبادات، وأما العدة فسيتكلم عليها. وأكثره لمبتدأة نصف شهر يعني أن النساء مستويات في أقل الحيض مفترقات في أكثره، فمنهن مبتدأة، ومعتادة، وحامل. فالمبتدأة؛ وهي التي لم يأتها الحيض، إذا أتاها واسترسل عليها أكثره لها نصف شهر؛ أي خمسة عشر فإن لم يسترسل عليها بأن انقطع عنها، ورأت علامة الطهر طهرت مكانها، وقيل: إذا تمادى بها لا يكون أكثره لها نصف شهر، بل تكون طاهرا لعادة لداتها. والمراد بالاسترسال أن يسترسل؛ أي يدوم عليها حقيقة أو حكما كأن يعاودها قبل تمام نصف شهر. قال عبد الباقي: ثم ليس المراد بتمام نصف شهر استغراقه النهار والليل؛ إذ لو رأت في يوم أو ليلة قطرة دم حسبت ذلك اليوم أو صبيحة تلك الليلة يوم دم. انتهى. واللدة بكسر اللام وتخفيف الدال المهملة: من ولدت معها في عام واحد، والترب بكسر المثناة الفوقية: من خرج مع غيره في وقت واحد إلى التراب أي الدنيا، فهو أخص من اللدة. قاله الشيخ عبد الباقي تبعا للقرافي. وفي التتائي ونحوه في الجواهر: لدة الرجل تربه، ونحوه في القاموس. وقال عياض: لداتها أقرانها وأترابها. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما للقرافي من كون الترب أخص لا يعادل هذا المقتضي للترادف. كأقل الطهر يعني أن أكثر الطهر لا حد له، وأما أقله فهو خمسة عشر يوما. ولا فرق في ذلك بين المبتدأة، والمعتادة، والحامل، وهذا هو المشهور. وقيل: خمسة أيام وهو لابن الماجشون. وقيل: ثمانية وهو لسحنون. وقيل: عشرة وهو لابن حبيب: ونظمها بعضهم فقال: الحيض منتهاه نصف شهر … ثم الخلاف في أقل الطهر فلابن ماجشون خمسة تعد … وابن حبيب عشرة فيما ورد سحنون قدما عدها ثمانية … ما زادها في السر والعلانيه مشهورها بنصف شهر حدا … فاسمع بذا وكن به معتدا

стр. 647

وفائدة التحديد بأقل الطهر إلغاء الدم المعاود قبل تمامه، وعدم إلغائه بعد تمامه. ولمعتادة ثلاثة قد تقدم حكم المبتدأة التي ليست بحامل، وأشار بهذا إلى المعتادة التي ليست بحامل، ومعنى كلامه أن أكثر الحيض للمعتادة ثلاثة أيام. استظهارا أي تستظهر بها أمرها تزيدها على أكثر عادتها والاستظهار من الظهور، وهو البرهان فكأن أيام الاستظهار برهان على تمام الحيض. قاله الشيخ ميارة. والعادة تثبت بالمرة، وحينئذ فمعنى أكثر عادتها: أكثر عدد الأيام التي تمادى بها الدم فيها، فإذا أتاها الدم وتمادى بها خمسة مثلا وتكررت تلك الحالة عليها تكررا كثيرا، وأتاها مرة وتمادى بها تسعة أيام مثلا، ثم إنه أتاها وتمادى بها، فإنها تمكث تسعة أيام، وتستظهر حقيقة أمرها؛ أي تطلب ظهور حقيقة أمرها بثلاثة أيام تزيد على تلك التسعة، فتمكث اثني عشر يوما لتعلم حقيقة أمرها من كون بقية هذا الذي تمادى بها حيضا أو استحاضة. فقوله: "لمعتادة" معطوف على قوله: "لمبتدأة" وقوله: "ثلاثة" معطوف على نصف شهر، وقوله: "استظهارا" حال من ثلاثة؛ أي حال كون الثلاثة مستظهرا بها. وحاصل ما أشرت إليه أنه إذا اتفقت أيام العادة بأن كانت ستة مثلا، ثم أتاها وتمادى بها، استظهرت بثلاثة أيام زيادة على الستة، وترك المص هذا لوضوحه، وإن اختلفت بأن أتاها مرة ثلاثة ومرة أربعة ومرة خمسة مثلا، ثم أتاها وتمادى بها، استظهرت بثلاثة أيام زيادة على الخمسة: لأن عددها أكثر من الأربع والثلاث. وقس على هذا، وسواء تقدم مجيء الأكثر على الأقل أم لا. ما لم تجاوزه يعني أنه إذا تمادى بها، وقلنا إنها تزيد ثلاثة أيام على أكثر عادتها، فإنه إذا انقطع عنها وأتاها وتمادى بها تجعل الثلاثة التي استظهرت بها من جملة عادتها، وتزيد على ذلك ثلاثة أيام استظهارا. ثم إذا انقطع عنها وأتاها الحيض بعد ذلك وتمادى بها، فإنها تجعل الأيام الستة من جملة عادتها، وتزيد على ذلك ثلاثة أيام استظهارا، وهكذا وكل هذا ما لم تجاوز نصف شهر، أي خمسة عشر يوما. وأما إن بلغت خمسة عشر يوما فلا تزيد عليها أبدا، بل تكون طاهرا تصلي وتصوم وتوطأ، كما أنها تكون طاهرا فيما بعد الاستظهار. وقبل تمام خمسة عشر فتصلي وتصوم وتوطأ، وإلى كونها طاهرا فيما بعد الاستظهار قبل تمام نصف شهر، وكونها طاهرا أيضا حيث جاوزته. أشار بقوله: ثم بعد الاستظهار، هي طاهر وكذا هي طاهر بعد مجاوزة

стр. 648

نصف شهر، أي خمسة عشر يوما. فقوله: "ثم هي طاهر" راجع لما بعد الاستظهار، ولا بعد مجاوزة نصف شهر، وإذا بلغت نصف شهر فهي طاهر سواء بلغت نصف شهر في الاستظهار الأول، أو في غيره. والله سبحانه أعلم. فعلم أنها قد تستظهر بيوم فقط إذا كانت تمكث أربعة عشر يوما، وبيومين إذا كانت تمكث ثلاثة عشر يوما. وقوله: "طاهر"؛ أي حقيقة: وهو مذهب المدونة تطوف وتصوم فيما بينهما، أي مدة الحيض المستظهر فيها وما بعد نصف شهر، وتصلي، وتوطأ، ولا يجبر مطلقها على رجعتها، وتبتدئ العدة من الآن، ولا يجب عليها غسل فيما بعد الخمسة عشر، ولا قضاء الصوم، بل يستحبان. وقياسه أن يستحب لزوجها عدم إتيانها، وقيل: طاهر فيما بينهما حكما واحتياطا، فيمنع وطؤها وطلاقها، ويجبر مطلقها على الرجعة، وتصوم وتصلي، وتغتسل بعد الخمسة عشر، وتقضي الصوم وجوبا، وتبتدئ العدة، ولا تقضي الصلاة وجوبا ولا ندبا؛ لأنها إن كانت طاهرا فقد صلتها، أو حائضا لم تخاطب بها. قاله الشبراخيتي، وغيره. وقال ابن هارون: واتفق على أن أيام الاستظهار حيض عند من قال به انتهى. وأما عند من لم يقل به فتغتسل عند انقضاء عادتها، وهل تكون طاهرا حقيقة أو احتياطا إلى تمام خمسة عشر؟ قولان، وقد مر أن العادة عندنا تثبت بالمرة، وكذا عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تحصل إلا بمرتين. وقوله: "ما لم تجاوزه ثم هي طاهر" هذا هو المشهور. وعلى قول ابن نافع: تستظهر معتادة خمسة عشر بثلاثة أيام، ثمانية عشر، وعلى رواية محمد بيومين، سبعة عشر. وقوله: "ولمعتادة ثلاثة استظهارا" الخ هذا هو المرجوع إليه. ففي ابن عرفة: وإن دام بالمعتادة ففيها تمكث خمسة عشر ثم رجع لعادتها، والاستظهار بالثلاثة ما لم تزد على خمسة عشر. وقوله: "على أكثر عادتها" هذا هو المشهور. وقال ابن حبيب: تستظهر مختلفة العادة على أقل عادتها، وقوله: "ولمعتادة ثلاثة" الخ، ظاهره أنه لا بد من الاستظهار ولو علمت عقب حيضها أنه دم استحاضة بأن ميزت وهو كذلك. وفي حديث المستحاضة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها

стр. 649

فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي (١)) انتهى. قوله: لتصلي بإثبات الياء على حد قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ في قراءة قنبل، وقوله: لتستثفر بثوب؛ أي تشد على فرجها خرقة عريضة. انظر شرح الموطإ لمحمد بن عبد الباقي. ولما كانت الحامل عندنا تحيض خلافا للحنفية، بين مذهبنا بقوله: ولحامل بعد ثلاثة أشهر يعني أن أكثر الحيض للحامل بعد دخول أول جزء من الشهر الثالث. النصف أي نصف شهر، ونحوه أي ما قاربه. والمراد بمجموع ذلك عشرون يوما، فإذا أتاها الدم وتمادى بها تركت الصلاة والصوم، وما تتركه الحائض عشرين يوما، ثم بعد ذلك تكون مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ. وقوله: "النصف ونحوه" أشار به إلى قول ابن القاسم في المدونة: تمكث بعد ثلاثة أشهر ونحوها خمسة عشر يوما ونحوها. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "بعد ثلاثة" بعد الدخول في ثلاثة. وليس المراد بعد تمام ثلاثة أشهر؛ لأنه خلاف مذهب المدونة، ويدل على أن هذا مراد المص قوله: وهل ما قبل الثلاثة، وإلا لقال: وهل الثلاثة فما قبلها. ابن الحاجب: الحامل تحيض فإن تمادى بها الدم، ففيها قال مالك: تمكث قدر ما يجتهد لها، وليس في ذلك حد. وليس أول الحمل كآخره. وروى أشهب كالحائل. انتهى. وكون ما تراه من الدم حيضا هو المشهور. وقال ابن لبابة: ليس حيضا. وقال الداوودي: لو أخذ فيه بالاحتياط لكان حسنا. هكذا نقل الباجي. وغيره. وخرج بعضهم عنه أنها تحتاط، وقوله: فإن تمادى: أي جاوز عادتها. وقول أشهب: طاهر عملا بالاستصحاب. ومعنى كالحائل؛ أي تجلس أيام عادتها وتستظهر. وقوله: "ولحامل" معطوف على قوله: "لمبتدأة" وقوله: "النصف": معطوف على قوله: "نصف شهر" والعاطف الواو فيهما، وعطفت الواو شيئين وذلك جائز إذا كان العطف على معمولي عامل واحد كما هنا. قال العلامة الخرشي: أجمع النحاة على جواز العطف على معمولي عامل واحد نحو: إن زيدا ذاهب وعمرا جالس، وعلى معمولات عامل واحد نحو: أعلم زيد عمرا بكرا جالسا وأبو بكر خالدا سعيدا منطلقا،

стр. 650

وعلى منع العطف على معمولات أكثر من عاملين نحو: إن زيدا ضارب أبوه لِعمرو وأخاك غلامُه بكرٍ، وأما معمولا عاملين فإن لم يكن أحدهما جارا، فقال الناظم: هو ممتنع إجماعا نحو: كان آكلا طعامك زيد وتمرك عمرو، وليس كذلك، بل نقل الفارسي الإجماع على الجواز مطلقا عن جماعة قيل منهم الأخفش، وإن كان أحدهما جارا، فإن كان مؤخرا نحو: زيد في الدار والحجرة عمرو أو وعمرٌو الحجرةِ، فنقل المهدوي أنه ممتنع إجماعا وليس كذلك، بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدما نحو في الدار زيد والحجرة عمرو أو وعمرو الحجرة فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال الكسائي والفراء والزجاج، وفصل قوم منهم الأعلم فقالوا: إن ولي المخفوض العاطف جاز، وإلا امتنع. والله تعالى أعلم. انتهى. وفي ستة فأكثر عشرون يوما ونحوها يعني أن الحامل بعد الدخول في الشهر الثالث تمكث عشرين يوما كما مر، ولا تزال كذلك إلى أن تدخل في الشهر السادس، فإذا دخلت فيه فإنها تمكث عشرين يوما، وما قاربها؛ أي تمكث شهرا، وبعد مضي شهر تكون مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ. قال الإمام الحطاب: وإنما قال المص: وفي ستة، مع أن لفظ المدونة: وإن رأته بعد ستة أشهر تركت الصلاة عشرين يوما ونحوها؛ لأنه اعتمد على ما اختاره جماعة الشيوخ، فمن اعترض عليه بأن كلامه مخالف للمدونة فغير مصيب. قال في التوضيح: واختلف في الستة هل حكمها حكم الثلاثة؛ وهو قول ابن شبلون، أو حكم ما بعدها؛ وهو قول جماعة شيوخ إفريقية، وهو أظهر، ونقل أن ابن شبلون رجع إلى هذا. انتهى. والحاصل أنها بعد الدخول في الشهر السابع تمكث شهرا وهي حائض، ثم بعد شهر تكون مستحاضة، وبعد الدخول في الشهر السادس كذلك عند جماعة الشيوخ، وخالف في ذلك ابن شبلون، ونقل أنه رجع إلى قول الجماعة. والله سبحانه أعلم. وما تقدم من أنها تمكث ثلاثين هو للجلاب نقله عنه صاحب الطراز، وقال ابن فرحون: خمسة وعشرين. وهل ما قبل الثلاثة كما بعدها أو كالمعتادة يعني أن الشيوخ اختلفوا في الدم الذي خرج من قبل الحامل فيما قبل الدخول في الشهر الثالث بأن خرج في الشهر الأول أو في الشهر الثاني، فمنهم

стр. 651

من ذهب إلى أنها تمكث عشرين يوما كما تمكثها بعد الدخول في الشهر الثالث؛ وهو قول الأبياني: ومنهم من ذهب إلى أنها كالمعتادة، فيجري فيها قوله: "ولمعتادة ثلاثة استظهارا على أكثر عادتها ما لم تجاوزه ثم هي طاهر". وقد مر الكلام عليه فراجعه إن شئت. قاله الشيخ إبراهيم: والشيخ عبد الباقي. ولا تستظهر؛ لأن الحامل لا استظهار عليها على المعتمد. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وهو غير صواب، فإن الذي نقله التوضيح والحطاب عن ابن يونس أنها تستظهر، فالتشبيه تام. انتهى. ونحوه للشيخ الأمير فإنه قال: وتستظهر على التحقيق، كما في الرماصي. انتهى. ولا دليل لهما في قول المدونة: ما علمت مالكا قال في الحامل تستظهر بثلاثة لا حديثا ولا قديما؛ لأن كلامها في ظاهرة الحمل وهذه لا. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ولو قال المص: أو كالحائل: لشمل المبتدأة التي حملت من غير تقدم حيض، فتمكث نصف شهر، وبعد ذلك تكون مستحاضة. وهذا قول ابن يونس. ومقتضى كلام ابن عرفة أنه المشهور. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه المعتمد، كما يفيده ابن عرفة. قولان أي في ذلك قولان. وقد علمت أن الأول للأبياني، وأن الثاني لابن يونس. وقوله: "قولان" قال التتائي: بغير ترجيح، قال الشبراخيتي: وهو غير ظاهر لما علمت. انتهى. وتحصل مما مر أن للحامل ثلاث حالات: أن تدخل في الشهر الثالث فمدة حيضتها عشرون يوما، وما بعدها فهي مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ ولا تزال كذلك إلى أن تدخل في الشهر السادس، فإذا دخلت فيه فمدة حيضها شهر، وبعده هي مستحاضة ولا تزال كذلك إلى أن تضع. فتانك حالتان. والثالثة ما قبل الدخول في الشهر الثالث، بأن خرج منها الدم في الشهر الأول أو في الثاني، فهل هي حينئذ كمن دخلت في الشهر الثالث؟ فتمكث عشرين يوما. قال بعض الشيوخ: وينبغي ترجيحه، أو هي كالحائل فيفصل فيها بين المبتدأة والمعتادة على ما مر. ومفاد ابن عرفة أنه المعتمد، وإنما اختلف حال الحامل؛ لأنها بعظم حملها يكثر الدم. تنبيه: اعلم أنه ذهب ابن المسيب، وابن شهاب، ومالك في المشهور عنه إلى أن الحامل تحيض، وكذا الشافعي في الجديد، وإليه ذهب غيرهم، واحتجوا بقول عائشة ﵂ في المرأة الحامل ترى الدم: إنها تدع الصلاة من غير نكير فكان إجماعا سكوتيا وذهب أبو حنيفة،

стр. 652

وأصحابه، وأحمد، والثوري إلى أنها لا تحيض، وأقوى حججهم اعتبار استبراء الأمة بالحيض، وأجيب بأن دلالة الحيض على براءة الرحم على سبيل الغالب، وحيض الحامل قليل والنادر لا يناقض فيه بالغالب. قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي. وإذا اشتغل الرحم بالولد انقسم الحيض ثلاثة أقسام: أصفاه وأعدله يتولد منه لحم الجنين، والقسم الثاني الذي يليه في الاعتدال يتولد منه لبن الجنين يجده يعد الوضع في الثدي، والثالث الأردى الذي يخرج بعد الوضع، فدم النفاس في الحقيقة دم حيض اجتمع، والعصب يتخلق من المَنيَّيْن. نقله الشبراخيتي، وغيره. ونقل هو وغيره أيضا ما يخالفه عن بعض العلماء، وهو أن ماء الرجل يتخلق منه العظم والعصب والعروق وهذه لا تزول في عمره، وماء الأم خلق منه الحسن والجمال والسمن والهزال وهذه الأشياء تزول، وَلِمِا ذُكِر نُسِبَ الولدُ للأب. انتهى. فإن قيل الحمل لا يظهر إلا بعد ثلاثة أشهر، فكيف يتأتى القول بأن ما قبل الثلاثة كما بعدها؟ فالجواب أن فائدته تظهر فيما إذا صامت بعد نصف شهر حيث كانت مبتدأة، أو قبله حيث مكثت عادتها واستظهرت، فإذا ظهر الحمل تقضي الصوم لوقوعه في أيام الحيض فهو كالعدم، وتظهر أيضا فيمن تعرف الحمل بالوحم. كما للخرشي. وقوله: "وهل ما قبل الثلاثة" لو قاله: ما قبل الثالث لكان حسنا؛ لأن الثلاثة ليس قبلها شيء. قاله الشبراخيتي. وقال ابن عرفة: وفي كون دم الحامل كحائل، ولغوه ثالثها تحتاط للمشهور، وابن لبابة، وقول الداوودي: لو أخذ فيها بالأحوط، تصلي وتصوم وتقضية ولا توطأ لكان أحوط. ولا كان الحيض لا حد لأقله -كما مر- ولأقل الطهر حَدٌّ، حَسُنَ إضافة التقطع إليه دون الدم كما وُجِّهَ به عبارةُ ابن الحاجب المساوية لقول المص: وإن تقطع طهر لفقت أيام الدم يعني أن المرأة إذا أتاها الحيض وانقطع عنها، ثم عاودها قبل طهر تام؛ وهو خمسة عشر يوما، فإنها تلفق أيام الدم، وتلغي أيام الطهر؛ وهو معنى قوله: فقط أي إنما تلفق أيام الدم دون أيام الطهر، فلا تضيفها لها، وإذا لفقت أيام الدم فإنها تجريها على ما تقدم من تفصيلها فتلفق المبتدأة الحائل من أيام الدم خمسة عشر يوما، فإذا عاودها الدم بعدها قبل طهر تام، فإنها تكون مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ، وتلفق المعتادة الحائل عادتها على ما تقدم واستظهارها، ثم هي مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ: ثم كذلك ما لم

стр. 653

تجاوز خمسة عشر يوما على ما مر. وتلفق الحامل بعد الدخول في الشهر الثالث عشرين يوما: ثم هي مستحاضة وذلك حكمها إلى أن تدخل في الشهر السادس، فإذا دخلت فيه لفقت ثلاثين أو خمسة وعشرين كما مر، ثم هي مستحاضة وذلك حكمها إلى أن تلد، وهل الشهر الأول والثاني كما إذا دخلت في الشهر الثالث؟ فتلفق عشرين، ثم هي مستحاضة أو كالحائل فيفصل فيها التفصيل المتقدم في قوله: "وأكثره لمبتدأة نصف شهر ولمعتادة ثلاثة استظهارا على أكثر عادتها ما لم تجاوزه ثم هي طاهر". ونسب المص التقطع للطهر؛ لأن لأقله حدا دون الحيض، وهي نكتة حسنة كما مر: ولا ينافي ذلك نسبة التقطع للحيض في قوله: وتقطعه ومنعه كالحيض؛ لأنه إخبار بحسب الواقع. وعلم مما مر أن الليلة أو اليوم الذي لم تر فيه من الدم إلا قطرة. من أيام الحيض. والله سبحانه أعلم. ثم هي مستحاضة يعني أن الملفقة إذا لفقت أيام الدم على تفصيلها. فإنها بعد ذلك تكون مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ، وقد مر هذا قريبا فراجعه. وتغتسل كلما انقطع عنها يعني أن الملفقة المذكورة يجب عليها أن تغتسل كلما انقطع عنها الدم، وصرح الجزولي والشيخ يوسف بن عمر، والزهري في شرح الرسالة بأنه يحرم تأخير الصلاة لرجاء الحيض. واختلفوا هل تسقط عنها؟ وهو الذي للجزولي وابن عمر: أو يلزمها القضاء؟ وهو الذي عليه الزهري، وذهب اللخمي إلى أن التأخير لرجاء الحيض مكروه ما لم يود التأخير إلى خروج الوقت المختار، وإلا حرم: وحينئذ فيتعين إبقاء المص على إطلاقه. أما على حرمة التأخير فظاهر، وأما على الكراهة فيكون قوله: "وتغتسل" أي ندبا عند رجاء الحيض، ووجوبا في غير ذلك، وإذا علِمْتَ أنها مأمورة بالغسل والصلاة، ولو عَلِمَتْ أن الحيض يأتيها في الوقت، ظهر لك أن قول الزرقاني فهل تعتد بهذه الصلاة؟ الخ تردده كله غير صحيح، والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ولا ينافي وجوب الغسل عليها كلما انقطع عنها الدم قولهم: إن اليوم الذي يأتي فيه قطرة من دم، يوم حيض كما هو ظاهر؛ لأن المراد أنها تحسبه يوما من أيام الحيض. وتصوم يعني أنه إذا قلنا إنها تغتسل كلما انقطع عنها، فإنها تصوم إذا انقطع عنها لَيْلًا، وتصوم ثاني يوم طهرها نهارا وتصلي أي وكذلك يلزمها أن تصلي كلما انقطع عنها حيث

стр. 654

أدركتها الصلاة. وتوطأ أي وإذا قلنا إنها تغتسل كلما انقطع عنها فإنها يحل وطؤها إذا اغتسلت. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وكلام المص يفيد أن قولهم: إن اليوم الذي يأتي فيه قطرة من دم يوم حيض، يريدون به ما يشمل الليل والنهار، وفي ألغاز ابن فرحون: النساء الحيض غير المستحاضة ثلاثة: حائض تصلي وتصوم؛ وهي التي ترى دفعة ثم ينقطع عنها، وحائض لا تصلي ولا تصوم؛ وهي التي يتمادى بها الدم، وحائض تصلي ولا تصوم؛ وهي التي ترى دفعة بالنهار ثم ينقطع. انتهى واعلم أن كلا من المبتدأة والمعتادة والحامل إذا مكثت ما يجب عليها، ثم انقطع عنها الدم، ثم عاودها قبل طهر تم، فإنها تكون مستحاضة. وفي كلام الشيخ عبد الباقي نظر ولا وجه لتردده، والاستظهار متعين في المعتادة، وقوله: وتوطأ: رد به قول صاحب الإرشاد: لا توطأ، وهو غير معروف في المذهب. قاله الإمام الخطاب. والمميز بعد طهر تم حيض يعني أن المستحاضة إذا مضى لها من يوم حكم لها بالاستحاضة خمسة عشر يوما، وميزت بعده أن الدم الذي بها صار حيضا لأجل علامة من علامات الحيض التي يميز بها، فإن ذلك الدم الذي ميزته للحيض يكون حيضا في العبادة اتفاقا، وفي العدة على المشهور. ومفهوم قوله: "بعد طهر تم" أنه إذا لم يتم فاستحاضة، ولا عبرة بتمييزها وهو كذلك. قاله أبو الحسن. قاله العلامة بناني. وإن لم تميز فهي على حكم الطاهر ولو بقيت طول عمرها، ولا بد من التمييز أيضا إذا كان يلفق بين أيام الطهر والاستحاضة نصف شهر، والحال أن أيام الطهر تقدمت. وأما إن تأخرت أيام الطهر كما إذا تمادى بها دم الاستحاضة سبعة أيام -مثلا-، وطهرت ثمانية -مثلا-، ثم جاء الدم، فإن الشيوخ اختلفوا هل يكون حيضا مطلقا؟ وهو ظاهر كلام أهل المذهب، أو لا بد من التمييز؟ وهو الذي يدل عليه كلام ابن عرفة، وابن رشد، وابن فرحون، وابن جماعة. واعلم أنَّ المرأة تميز الحيض بخمس علامات: الرقة، والثخن، والرائحة، واللون، وتألمها. ولا تميز بالصفرة والكدرة، وظاهره: ولو ميزت أنهما حيض، ولا بالقلة والكثرة: ولا بالحرارة والبرودة. وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن المرأة إذا تقطع طهرها أيام الاستحاضة مرارا، ولفقت من أيام الطهر نصف شهر، فالآتي بعدها حيض من غير اعتبار تمييز. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا ظاهره، وهو غير ظاهر، بل يحتاج إلى نص. انتهى.

стр. 655

ولا تستظهر يعني أنه إذا قلنا: إن الدم المميز بعد طهر تم حيض، فإنه إذا استمر بالمرأة تمكث أيام عادتها فقط، ولا تستظهر عليها بزيادة ملفقة أم لا؟ على الأصح وهذا القول المصحح مروي عن مالك في العتبية وغيرها. وقاله ابن القاسم. في المجموعة: وبه قال أصبغ، ومقابله لعبد الملك أنها تستظهر. قاله الش كالتي لم تتقدم لها استحاضة. وقيل: تمكث خمسة عشر يوما. وقوله: "ولا تستظهر" محله إن دام ما ميزته لا بصفة حيض ميزته: بل تغير إلى دم استحاضة، فإن دام بصفة حيض ميزته بعد طهر تم فإنها تستظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. ولما تكلم على ابتداء الحيض شرع يتكلم على انتهائه، فقال: والطهر بجفوف يعني أن الطهر الذي لا يصحبه دم استحاضة يكون بالجفوف؛ وهو أن تُدْخِلَ خرقة فتخرجها جافة؛ أي ليس عليها شيء من الدم ولا من الصفرة ولا من الكدرة. وليس المراد أنها جافة من الرطوبة بالكلية؛ لأن فروج النساء لا تخلو عن الرطوبة غالبا. أو قصة يعني أن الطهر من الحيض يكون بأحد شيئين: الجفوف وقد تقدم، والقصة بفتح القاف وشد الصاد بيضاء تأتي آخر الحيض، كماء القصة بفتح القاف وشد الصاد أيضا؛ وهي الجير المخلوط بالرماد أو النؤرة. يقال: قصص داره أي جصصها، وفي الحديث: (نهى عن تقصيص القبور (١))؛ أي تجصيصها، ولا إشكال في نجاسة القصة؛ لأن كل ما يخرج من السبيلين فهو نجس وهي من أنواع الحيض، فأوله دم وآخره قصة، وقيل إن القصة تشبه ماء العجين، وقيل: شيء كالخيط الأبيض: وروى ابن القاسم: شبه البول وروى علي: شبه المني، ابن هارون: يحتمل أن يختلف باعتبار النساء وباعتبار أسنانهن، وباختلاف الفصول والبلدان. وقال في الطراز: يجوز أن يكون ذلك يختلف، إلا أن الذي يذكره بعض النساء أنه شبه المني. قاله الإمام الخطاب. وهي أبلغ لمعتادتها يعنى أن المرأة التى عادتها أن تطهر بالقصة فإن ذلك يكون أبلغ في طهرها من الجفوف؛ أي أقطع للشك وأقوى في حصول اليقين بالطهر؛ لأنها لا يوجد بعدها دم،

стр. 656

والجفوف قد يكون بعده دم. وقوله: "لمعتادتها" أي فقط أو مع الجفوف، وكذا معتادة الجفوف فقط على المعتمد خلافا لظاهر المص، ويجاب عنه بأن ذلك ليس للاحتراز. وإنما قيد به لقوله: "فتنتظرها" الخ، إذ معتادة الجفوف فقط لا تنتظر القصة إذا رأت الجفوف. قاله الرماصي. وقوله: "وهي أبلغ لمعتادتها" هو مذهب ابن القاسم، وقال ابن عبد الحكم: الجفوف أبلغ فتنتظره معتادته إذا رأت القصة لآخر المختار، وقيل: ما لم يخرج الضروري، وقيل: هما سواء. قاله الداوودى، وعبد الوهاب. فأي العلامتين وجدت اغتسلت، ولا تنتظر الأخرى فبسبب كون القصة أبلغ لمعتادتها تنتظرها ندبا معتادتها فقط، أو معتادتهما لآخر المختار بإخراج الغاية، فلا تستغرق المختار بالانتظار، بل توقع الصلاة في بقية منه بحيث يطابق فراغها منها آخره. والحاصل أن الأقسام خمسة: معتادة الجفوف فقط إن رأته أولا لا تنتظرها، وإن رأت القصة أولا لا تنتظر الجفوف. وهذان قسمان. فمعنى أبلغية القصة لمعتادة الجفوف فقط أنها تطهر برؤيتها قبله، ولا تنتظره لا أنها تنتظر القصة إذا رأته، ومعتادة القصة فقط إن رأتها أولا لا تنتظر الجفوف، وإن رأت الجفوف أولا، ندب انتظار عادتها. وهذان قسمان أيضا. فتلك أربعة. والقسم الخامس معتادتهما معا، وحكمها كمعتادة القصة فقط فتنتظرها إن أتاها الجفوف قبلها. قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. وقد علمت أن قول المص: "وهي أبلغ لمعتادتها" هو قول ابن القاسم، وأن ابن عبد الحكم يخالفه ويقول: إن الجفوف أبلغ، ويستحب للحائض والنفساء والمستحاضة أن يطيبن فروجهن إذا طهرن. قاله الخطاب. وفي المبتدأة تردد يعني أنه اختلف في العلامة التي تطهر بها المبتدأة، فقيل: إنها لا تطهر إلا بالجفوف فقط فتنتظره ولو خرج الوقت، وقيل: تطهر بأيهما سبق، وهو الراجح، فالتردد في علامة الطهر لا في الأبلغية؛ وهو في النقل عن المتقدمين، فنقل الباجي عن ابن القاسم أنها لا تطهر إلا بالجفوف، فإذا جاءتها القصة فإنها لا تطهر بها، بل تنتظر الجفوف ولو خرج الوقت. ونقل عنه المازري أنها تطهر بأي العلامتين رأت؛ وهو الذي به الفتيا كما قال ابن مرزوق. قاله الشبراخيتي. فلو قال المص: والطهر بجفوف أو قصة ولو لمبتدأة، لمشى على المعتمد.

стр. 657

تنبيه وجدت بطرة ما نصه: إذا اغتسلت حائض لرؤية الجفوف، ثم رأت القصة، فهل هي لغو، أو توجب الغسل. أو الوضوء، أو يفصل بين معتادتها وغيرها؟ قاله سيدي عبد الواحد بن عاشر. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: نقل الشيخ محمد بن الحسن عن ابن حبيب أنها من الحيض. ونصه: لا إشكال في نجاسة القصة وهي من أنواع الحيض، وقد قال ابن حبيب: أوله دم، وآخره قصة. انتهى. فانظره، فإنه يدل على أنها يجب عليها الغسل؛ لأنها اغتسلت وأتاها ما هو من الحيض؛ إذ القصة هي آخر أجزاء الحيض. والله سبحانه أعلم. كمذا مقتضاه. ولكن صرح ابن غازي بأن التي ترى القصة لا تنتظر زوالها، ولكن تغتسل إذا رأتها: لأنه علامة الطهر. والله سبحانه أعلم، وسيأتي عن الإمام الخطاب أنها من توابع الحيض. وليس عليهم نظر طهرها قبل الفجر يعني أنه لا يجب على الحائض أن تختبر نفسها قبل الفجر: هل طهرت أم لا؟ لاحتمال أن تدرك العشاءين والصوم، ولا يندب لها ذلك بل يكره؛ لأنه ليس من عمل الناس. بل يجب عليها نظر طهرها عند إرادة النوم لتعلم حكم صلاة الليل، والأصل استمرار ما كانت عليه عند النوم: يجب عليها أيضا نظر طهرها عند صلاة الصبح يريد وعند غيره من الصلوات، ويجب ذلك في أوائلها وجوبا موسعا في الجميع إلى أن يبقى من الوقت قدر ما تغتسل وتصلي، فيجب وجوبا غير موسع. كما قاله في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم. وقال الأمير: فإن ضاق وجب عليها وجوبا مضيقا، فإن لم تفعل أثمت، والأصل بقاء ما كان. انتهى. وقوله: "وليس عليها نظر طهرها قبل الفجر"، رد به قول الداوودي: ففي الخطاب عن ابن عرفة: واختلف في وجوبه قبل الفجر لاحتمال إدراك العشاءين والصوم، فقيل بالوجوب. قاله الداوودي. وقيل: لا يجب، رواه ابن القاسم، إذ ليس من عمل الناس، وكلاهما حكاه الباجي. وقال ابن رشد: يجب في وقت كل صلاة وجوبا موسعا، ويتعين آخره بحيث تؤديها، فلو شكت في طهرها قبل الفجر لم تقض صلاة ليلتها، وصامت إن كانت في رمضان وقضته. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قول المص: ومع القضاء إن شكت أن الحائض لا تؤمر بقضاء ما شكت في وقته من الصلاة، هل كان الطهر فيه أم لا؟ كشكها هل طهرت قبل الفجر أو بعده؟

стр. 658

بحيث لم يبق من وقت الصبح ما تدرك فيه ركعة بعد الطهر، فلا تجب عليها صلاتها. انتهى. وفي الخطاب عن الطراز: إذا أخرجت الخرقة بالدم قبل طلوع الشمس، واستثفرت بغيرها ثم حلتها في آخر النهار فوجدتها جافة، علمت أن الحيض انقطع قبل الاستثفار، بخلاف ما إذا رأت في الخرقة القصة فإن الطهر مستند إلى خروجها؛ لأنها من توابع الحيض. ثم إن عليها اعتبار وقت خروجها، فإن تيقنته عملت عليه، وإن لم تتيقنه بنت على الأحوط. انتهى. قوله: "فوجدتها جافة". قال جامعه عفا الله عنه: يعني الخرقة الأخيرة التي استثفرت بها، وقوله: بخلاف ما إذا رأت في الخرقة القصة؛ يعني الخرقة التي استثفرت بها أيضا. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى ممنوعات الحيض بقوله: ومنع صحة صلاة يعني أن المرأة إذا ترتبت في ذمتها صلاة، وأوقعتها في حال حيضها، فإن تلك الصلاة التي أوقعت في حال حيضها لا تصح، وكذا لا تصح صلاة لم تترتب في ذمتها إن أوقعتها في حال حيضها فرضا أو نفلا، بل تأثم؛ لأن الحيض يمنع صحة الصلاة اتفاقا، ويمنع الإقدام عليها. وصوم يعني أن الحيض يمنع صحة الصوم فرضا أو نفلا، أداء أو قضاء اتفاقا. ووجوبهما يعني أن الحائض لا تجب عليها الصلاة والصوم، بل يحرمان عليها ما دامت حائضا، فإذا طهرت وجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة، وقضت الصوم لندوره، ولم تقض الصلاة للمشقة بتكررها. واعلم أنه استشكل وجوب قضاء الصوم؛ لأنه لم يجب عليها. وأجيب بأن قضاء الصوم بأمر جديد وهو الصواب الذي عليه الأكثر، وقولي بأمر جديد قاله غير واحد، ومعناه أنه إذا قلنا بعدم وجوب الصوم على الحائض حال الحيض، فقضاؤها بأمر جديد وهو أمر الشارع بالقضاء؛ لأن الوجوب الأول المكلف به سقط بالحيض، وإن قلنا الوجوب مستمر عليها لم يسقط إلا أنه لم يصح منها الفعل، فالقضاء به لأنه لم يزل متوجها عليها انظر الرماصي. وقد علمت أن الذي عليه الأكثر أن قضاءها بأمر جديد من الشارع. الشعبي: روي في الأخبار (أن آدم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه لما أهبط في الدنيا مع حواء لم تر نجاسة قبل ذلك، فحاضت وهي في الصلاة، فسألت آدم ﵇ عنه فلم يعلم الجواب حتى نزل جبريل ﵇: فسأله

стр. 659

آدم عنه، فلم يعلم حتى رجع، ثم جاء وأمره أن يأمرها بترك الصلاة أيام حيضها ولم يأتها الأمر بالقضاء، ثم حاضت بعد ذلك وهي صائمة، فسألت آدم عنه: فقال لها: أفطري، فجاء جبريل وأمره أن يأمرها بالإعادة، فقال آدم: يا رب كل منهما عبادة فكيف أمرت بالقضاء في إحداهما ولم تأمر بالقضاء في الثانية؟ فأوحى الله تعالى إليه لأنك رجعت إلينا في المرة الأولى فحكمنا ما حكمنا: وفي الثانية عملت برأيك فعاقبناها بالقضاء لتعلم أن المرجع في الأمور إلى الله تعالى)). انتهى. قاله الشبراخيتي. وطلاقا عطف على قوله: "صحة"؛ يعني أن الحيض يمنع الطلاق، أي أن الله سبحانه حرم الطلاق في الحيض؛ أي طلاق المدخول بها غير حامل، ويلزم إن وقع، ويجبر على الرجعة لا إن كانت غير مدخول بها، ولا من كانت مدخولا بها؛ وهي حامل، فلا يحرم طلاقهما حال الحيض. وظاهر كلام المص ولو أوقعه على من تقطع طهرها يوم طهرها وهو كذلك؛ لأنها لا يحكم عليها بالاستحاضة إلا بعد أيام التلفيق، ولا ينافي ذلك وجوب غسلها كلما انقطع عنها؛ لأن يوم الدم يوم حيض، ولو كان يجب عليها الغسل فيه عند انقطاعه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، أما الحرمة فلا سبيل إليها، وأما الجبر على الرجعة فنفاه ابن يونس. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: وحذاق أصحابه إنه يجبر عليها لتطويل العدة، وسيأتي في محله. انتهى. ومقتضى كلام الشيخ الأمير تقوية ما للتتائي والشيخ عبد الباقي من المنع لاقتصاره عليه، ورده ما للشيخ محمد بن الحسن بواو النكاية، أي الإغاظة والمخالفة ونصه: وطلاقا وإن بأيام انقطاعه الملفقة. وبدء عدة يعني أن الحيض يمنع بدء؛ أي ابتداء العدة، أي عدة الطلاق فيمن تعتد بالأقراء: وذلك لأن عدة من كانت تحيض ولم تكن حاملا بالأقراء، والأقراء هي الأطهار، وأما المتوفى عنها فعدتها محسوبة من يوم الوفاة؛ لأن عدتها أربعة أشهر وعشر إن كانت حرة، وشهران وخمس ليال إن كانت أمة، وأما الحامل فتعتد بالوضع. وقال بعض الشيوخ لا فائدة في التنصيص على هذا أصلا؛ لأنه لا يمكن فرضه إلا في المطلقة في الحيض، وهي إنما تعتد بالأقراء، وهي الأطهار، والحيض ليس منها فلا يتوهم بدؤها منه حتى ينص على نفيه. وإنما نهي عن الطلاق في الحيض؛ لأنه يطول العدة ويضر بالمرأة؛ لأن ما بقي من تلك الحيضة لا

стр. 660

يعتد به فتكون المرأة في تلك المدة كالمعلقة، لا معتدة، ولا ذات زوج، ولا فارغة من زوج. ولا خلاف أن الحيض يمنع الطلاق وبدء العدة. قاله الإمام الخطاب. ووطء فرج يعني أن الحائض يمنع وطء فرجها ما دامت متلبسة بالحيض، وهذا من الأمور المجمع عليها لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. واختلف في علة المنع فقيل: تعبدا، وقيل: خيفة ما يصيب الواطئ من الأذى، وقيل: خيفة أن يحصل ولد من ذلك الوطء فيخاف عليه الجذام لما أخرجه أبو العباس السراج في مسنده: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى امرأته وهي حائض فجاء ولد أجذم فلا يلومن إلا نفسه (١))، وتجب التوبة من وطء فرج الحائض، وسواء كانت الحائض مسلمة أو كتابية، حرة أو أمة، مجنونة أو عاقلة فالمنع حاصل في جميعهن، ويجبرهن الزوج على الغسل لحلية الوطء. تنبيه: قال الشيخ الأمير: ولمن علم أن زوجته لا تغتسل وطؤها على الأظهر، ثم يأمرها جهده؛ لأن القتل بترك الصلاة إنما هو للحاكم. انتهى. قال جامعة عفا الله عنه: وهذا ظاهر في غسل الجنابة، وأما غسل الحيض فيأتي ما ينافيه والله سبحانه أعلم. أو تحت إزار يعني أنه يمنع وطء ما تحت الإزار من الحائض ما دامت حائضا؛ أي لا يجوز بل يحرم. ومعنى ما تحت الإزار ما اشتمل عليه الإزار، وهو ما بين السرة والركبة والغايتان خارجتان، فيباح له الاستمناء بسرتها فما فوقها كصدرها ويدها، وما فوق السرة من العكن وغير ذلك، وكذا يباح له الاستمناء بركبتيها فما تحتهما، وما قررت به المص من أن معناه أو وطء ما تحت الإزار، هو الذي قرره به أحمد الزرقاني؛ وهو ظاهر لأنه إذا عبر في الفرج بالوطء فأولى ما هو أخف من الفرج، وبذلك قرره الشارح أيضا فظاهر المص كغيره جواز التمتع بما تحت الإزار

стр. 661

بغير الوطء. والحاصل أن التمتع بما تحت الإزار بغير وطء منعه الأجهوري ومن تبعه، كالشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الباقي. قال الشيخ عبد الباقي: يمنع التمتع وطئا، أو غيره فيما بين السرة والركبة، ولو على حائل. فهذه أربع صور، اثنتان في الوطء، واثنتان في غيره. ويباح التمتع بما عدا ذلك وطئا أو غيره، بحائل أو غيره. وهذه أربع أيضا. فتلك ثمانية. وقد علم أن السرة والركبة مما يباح التمتع به بحائل أو غير. وطئا أو غيره انتهى بإيضاح. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي لابن عاشر ما نصه. ظاهر عباراتهم جواز ما دون الوطء تحت الإزار من لمس ومباشرة حتى بالفرج بعد زوال الإزار المطلوب في فور الحيضة، أو في فورها إن لم تلبس إزارا. فتطلب نص ذلك انتهى. قال أبو علي: وقد صدق في ذلك، فإن نصوص الأئمة إنما تدل على أن الذي يمنع تحت الإزار هو الوطء فقط لا التمتع بغيره، خلافا للأجهوري ومن تبعه. قال أبو الحسن ما نصه: قول المدونة ولا يطؤها بين الفخذين، قال ابن يونس: للذريعة أن يقع في الفرج، وقال ابن الجلاب: ولا يجوز وطء الحائض في فرجها ولا فيما دون فرجها. انتهى. ومثل ذلك في عبارة ابن رشد، وعبد الوهاب، وابن عطية، وابن عرفة وغيرهم. وأعظم من هذا كله قوله تبعا للأجهوري: ولو على حائل. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يحرم نظره لما تحت إزارها فيما يظهر. انتهى. وتبع الأمير الشيخ الأجهوري فقال عاطفا على المنوع: وتمتعا بين السرة والركبة ولو بحائل إلا النظر. انتهى. وقوله: "أو تحت إزار" هو مذهب جمهور العلماء وذهب قوم من العلماء إلى جواز الوطء فيما تحت الإزار، منهم الإمام أبو حنيفة وابن حبيب وأصبغ من المالكية، واستدل الجمهور بالحديث: (الحائض تشد إزارها وشأنه بأعلاها (١))، أي يجامعها في أعكانها وبطنها أو ما شاء مما هو أعلاها: واستدل الآخرون بالحديث: (اصنعوا كل شيء غير الوطء)، وحملوا الحديث الأول على الندب جمعا بين الدليلين. ابن بشير: ولا خلاف في جواز الوطء فيما فوق الإزار. قاله الإمام الخطاب. وقال محمد بن عبد الباقي: استدل به،

стр. 662

يعني الحديث المذكور الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة على تحريم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها بوطء وغيره، وذهب كثير من السلف، والثوري وإسحاق إلى أن الممتنع من الحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن، ورجحه الطحاوي، واختاره أصبغ وابن المنذر لحديث مسلم والترمذي وأبي داوود، عن أنس أنه ﷺ قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح (١)). وحملوا الحديث المتقدم على الندب جمعا بين الأدلة. قال النووي: وهذا القول أرجح دليلا، قال الحافظ: ويدل على الجواز ما رواه أبو داوود بإسناد قوي، عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ : (أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا (٢)). انتهى. ولو بعد نقاء المبالغة راجعة لوطء الفرج وما تحت الإزار؛ يعني أن الحائض إذا طهرت بأن رأت الجفوف أو القصة، فإنه يمنع وطء فرجها وما تحت الإزار منها، ولا يحل ذلك بسبب نقائها؛ وهذا هو المشهور. وقيل: يجوز ذلك وهو في المبسوطة عن ابن نافع، ونقل عياض أن بعض البغداديين تأول قول الإمام مالك عليه، وقيل: يكره ذلك وهو لابن بكير، فتلك أقوال ثلاثة: المنع وهو المشهور، والجواز، والكراهة. وتيمم يعني أن الحائض إذا طهرت وتيممت تيمما مباحا فإن ذلك لا يبيح وطء فرجها ولا ما تحت الإزار منها هذا مذهب المدونة وهو المشهور. وقال ابن شعبان: يجوز وطؤها بعد النقاء والتيمم؛ يعني مع وجود أسباب التيمم، واختاره ابن عبد السلام. قاله الإمام الخطاب. وقال اللخمي: وإن كان في سفره ولم يجد ماء وطال السفر، جاز له أن يصيبها، واستحب لها أن تتيمم قبل ذلك وتنوي به الطهر من الحيض، وهو ظاهر. والله أعلم. قاله الإمام الخطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: بعد قوله "ولو بعد نقاء وتيمم": تحل به الصلاة؛ لأنه -وإن حلت به الصلاة- لا يرتفع به الحدث، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾؛ أي يرين الطهر ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ أي بالماء، وهذا إلا لطول يحصل به ضرر، فله وطؤها بعد أن تتيمم استحبابا، وهذا يوافق قوله: "ومنع مع عدم ماء تقبيل متوض وجماع مغتسل إلا لطول"، قال أحمد:

стр. 663

والمبالغة راجعة لوطء الفرج وما تحت الإزار، وهو مقتضى قولهم: غير الفرج تبع له لقوله ﵊: (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. تنبيهات: الأول: تقدم أن المشهور أن الحائض لا يباح وطؤها بالنقاء ولا بالتيمم المعتبر شرعا، بل حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ أي بالماء، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وسواء في ذلك كانت مسلمة أو كتابية. قال في المدونة: ويجبر الرجل امرأته النصرانية على الطهر من الحيضة، إذ ليس له وطؤها كذلك حتى تَطهَّر، ولا يجبرها في الجنابة لجواز وطئها كذلك. انتهى. وحكم النفاس، حكم الحيض، ويجبرها أيضا على غسل النجاسة من بدنها، فإذا أسلمت بقي زوجها على استباحة وطئها بذلك، ولا تستبيح به غيره. فإن قيل الغسل لا يصح إلا بنية، وهي لا تصح منها، فالجواب أن الغسل من الحيض فيه لله تعالى خطابان: خطاب وضع من جهة أنه شرط في إباحة الوطء، وخطاب تكليف من حيث أنه عبادة، وعدم النية يقدح في الثاني دون الأول. قاله القرافي. وهو ظاهر وقال ابن رشد: إنما تشترط النية في صحة الغسل للصلاة لا للوطء؛ لأن الزوج متعبد بذلك فيها، وما كان كذلك يفعله المتعبد في غيره لم يفتقر إلى نية كغسل الميت. انتهى. قاله الخطاب. الثاني: قال ابن رشد في البيان: لو كانت لرجل زوجة مسلمة فأبت الغسل من الحيض لكان له أن يطأها إذا أكرهها على الاغتسال، وإن لم تكن لها فيه نية، ويلزمها أن تغتسل للصلاة غسلا آخر بنية؛ إذ لا يجزئها الغسل الذي أكرهت عليه إذا لم يكن لها فيه نية. انتهى. وهو يشهد لما تقدم عن القرافي أن الغسل فيه خطابان الخ. قاله الإمام الخطاب. الثالث: قال ابن ناجي: يقوم من هذه المسألة أن المجنونة لا يطؤها زوجها حتى تغتسل. انتهى. يعني من الحيض وهو ظاهر مما تقدم. والله أعلم. قاله الخطاب. وقد تقدم عن الخرشي ما يفيد ذلك. الرابع: قال ابن عرفة: لو كفاها قدر مائة لزمه دفعه لغسلها من حيضها ما لم يكن جنبا، قلت: أو على غير وضوء. انتهى. كلام ابن عرفة. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قول المصنف: وجماع مغتسل إلا لطول وإذا أبيح له الوطء مع الطول، فلها أن تمكن حينئذ من نفسها، وله إكراهها؛ وهي أحق بما

стр. 664

تغتسل به في سفر حيث لا ماء يكفي إلا أحدهما لما أدخل عليها وهي كارهة؛ ولأنه يفرض عليه الماء لغسلها. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه بمنه: يتحصل من هذا أن الرجل إذا لم يكن محدثا أكبر ولا أصغر، وكان عنده من الماء ما يكفي امرأته لغسلها من حيضها، يدفعه لها، وأنه يقدم نفسه عليها إذا كان محدثا أصغر أو أكبر، وأنه يقدمها على نفسه في الجنابة حيث وطئها وهي كارهة، حيث لا ماء يكفي إلا أحدهما في السفر، وأنه يقدم نفسه عليها حيث لم تكن كارهة. والظاهر أنه لا خصوصية للسفر بذلك، كما يرشد له التعليل: وإنما قيد به -والله أعلم-؛ لأنه هو الذي يعدم فيه الماء غالبا انتهى ما حصله جامعه عفا الله عنه. الخامس: قال ابن عرفة: وفيها منعه؛ أي الوطء، ولو كان معه قدر مائة حتى يكون معها ما يغتسلان به. سحنون: وما تغتسل به قبل وطئها. ورفع حدثها يعني أن الحيض يمنع رفع الحدث، أما الحدث الأصغر فباتفاق، فإذا توضأت بنية رفع الحدث الأصغر وهي حائض، فإن الحدث الأصغر لا يرتفع عنها، وكذا حدث الجنابة لا يرتفع عنها على المشهور، وإلى ذلك أشار بقوله: ولو جنابة فإذا اغتسلت بنية الجنابة؛ وهي حائض، ثم طهرت، فاغتسلت بنية رفع حدث الحيض، وأخرجت الجنابة من غسل حيضها فإن ذلك يضر على المشهور. وقيل: لا، وقيل: إن طرأت الجنابة لم يجز، وإن طرأ الحيض جاز. وقال ابن رشد: يأتي في المرأة تجنب ثم تحيض ثلاثة أقوال: أحدها أن لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل؛ لأن حكم الجنابة مرتفع مع الحيض؛ وهو الصواب. والثاني: أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن اغتسلت للجنابة. والثالث ليس لها أن تقرأ ظاهرا إلا أن تغتسل للجنابة. ودخول مسجد يعني أن الحيض يمنع دخول المسجد إلا لعذر، فليجوز لها حينئذ دخوله والإقامة فيه. فإن دخلت الحائض المسجد لعذر -وأولى لغيره- فإنهما لا تعتكف لأن الاعتكاف يشترط فيهه الصوم، والحيض يمنعه والعذر الذي يبيح لها دخول المسجد والإقامة فيه، كخوف سبع أو لص وعدم مكان ممكن.

стр. 665

ولا تطوف أي وكذلك لا تطوف؛ أي يحرم عليها ذلك إن دخلت المسجد؛ لأن الطواف يشترط فيه الطهارة من الحدث والخبث كالصلاة، والحيض ينافي ذلك. اللخمي: اختلف في دخول الحائض والجنب للمسجد فمنعه مالك، وأجازه زيد بن أسلم إذا كان عابر سبيل، وأجازه محمد بن مسلمة، وقال: لا ينبغي للحائض أن تدخل المسجد؛ لأنها لا تأمن أن يخرج من الحيض ما ينزه عنه المسجد: ويدخله الجنب؛ لأنه يأمن ذلك. قال: وهما في أنهما طاهران سواء. وعلى هذا يجوز كونها فيه إذا استثفرت. انتهى. قاله الإمام الخطاب. ومس مصحف يعني أنه لا يجوز للحائض أن تمس المصحف، وعده ابن رشد في المتفق عليه، فقال: الخامِسُ مسُّ المصحف، وفي ذلك اختلاف شاذ في غير المذهب. انتهى. وتبعه في التوضيح فعده في المتفق عليه، وقال ابن عرفة: وروى ابن العربي جوازه كقراءتها، قاله الإمام الخطاب. لا قراءة يعني أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن ما دامت حائضا، قال ابن عرفة: عياض: وقراءتها في المصحف دون مسها إياه كقراءة حفظها. اللخمي: ولا يمنع الحيض السعي والوقوف، ولا يمنع ذكر الله كالتسبيح والاستغفار، وإن كثر. وهذا ظاهر. واعلم أن المعتمد أن الحائض إن طهرت لا تقرأ حتى تغتسل، جنبا كانت أم لا، كما أن المعتمد في الحائض حال حيضها أنها تقرأ جنبا كانت أو لا. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي التوضيح: والخلاف في قراءة الحائض إنما هو قبل أن تطهر، وإلا فهي بعد النقاء من الدم كالجنب، وعليه اقتصر ابن فرحون، وغير واحد، وهو الظاهر، والله أعلم. قاله الإمام الخطاب. الباجي: قال أصحابنا: تقرأ ولو بعد طهرها قبل غسلها. وقال عبد الحق: لا تقرأ ولا تنام حتى تتوضأ كالجنب. انتهى. وعلم مما تقدم أن المعتمد ما ذكره في التوضيح، خلاف تضعيف عبد الحق له. وقال الشيخ الأمير: لا قراءة. واختلف بعد انقطاعه، رجح الخطاب المنع، والأجهوري الجواز وأقرهما الرماصي إلا لجنب، فلا خلاف في منع قراءتها إذا انقطع، وحاله تجوز على الصواب. انتهى ولما أنهى الكلام على الحيض أتبعه بالكلام على النفاس لاشتراكهما في أكثر الأحكام، فقال: والنفاس دم خرج للولادة بفتح الواو وكسرها. قاله التتائي؛ يعني أن النفاس في عرف الفقهاء هو: الدم الخارج لأجل الولادة معها أو بعدها، لا ما خرج قبلها، فليس بنفاس

стр. 666

على أرجح قولين، ومحلهما في الدم الخارج قبل الولادة لأجلها فإن لم يكن لأجلها فليس بنفاس. قال في التنبيهات: وما كان قبل خروج الولد فقيل إنه غير دم نفاس، وحكمه حكم غيره من الدماء التي تراها الحوامل. انتهى. والقول الآخر أنه دم نفاس، وعبارة الأمير: وقبلها حيض على أقوى القولين، فلا يبتدأ منه النفاس. انتهى. واعلم أن النفاس في اللغة: ولادة المرأة، لا نفس الدم، ولذلك يقال دم النفاس، والشيء لا يضاف إلى نفسه. والنفاس بكسر النون، والمرأة نفساء بضم النون وفتح الفاء والمد، والجمع نفاس بكسر النون وفتح الفاء، وليس في الكلام ما هو فُعَلَاء، ويجمع على فعال غير نُفَسَاء وعُشَرَات، ويجمعان على نُفَسَاوَات وعُشَرَاوات بضم أولهما وفتح ثانيهما، ويقال نفست المرأة بفتح النون وضمها، وكلاهما مع كسر الفاء في الولادة والحيض، لكن الضم في الولادة أكثر، والفتح في الحيض أكثر. حكاه عياض في شرح مسلم. قاله الخرشي ونقل عن السنهوري أنه لا يقال في الحيض إلا نفست بالضم ليس إلا. انتهى. ولو بين توأمين يعني أن الدم الذي خرج بين التوأمين نفاس، وهما الولدان في بطن واحد، وليس بينهما؛ أي بين وضعهما ستة أشهر، ويقال للأنثى توأمة. ورد المصنف "بلو" القول بأنها إذا ولدت وبقي في بطنها ولدٌ أن الخارجَ بعد وضع الأول حيض، والقولان في المدونة، وعلى القول الأول: تمكث أقصى أمد النفاس، وعلى القول الثاني المردود بلو؛ أي القول بأنه حيض: تجلس كما تجلس الحامل في آخر حملها عشرين يوما ونحوها. وأكثره ستون يوما يعني أن أكثر زمن النفاس أي الدم الخارج للولادة على ما مر إذا تمادى بالمرأة متصلا، أو ما في حكمه بأن عاودها قبل طهر تم، ستون يوما على المشهور، ولا تعول على عادتها على الراجح؛ لأنه لا تعتبر العادة هنا. ثم هي مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ ولا تستظهر على الستين، وأما أقله فهو دُفعة، وأكثر نساء افريقية يعتقدن (١) مكث أربعين يوما، ولو انقطع الدم قبلها؛ وهو جهل منهن، فيعلمن. قاله ابن ناجي. قاله الشبراخيتي. وقوله: "ولو بين توأمين"

стр. 667

هذا الخلاف جار مطلقا؛ أتي سواء كان بينهما شهران أو أقل، وعلى المشهور أنه نفاس لا حيض، فإن كان بينهما أقل من شهرين، فاختلف هل تبني على ما مضى ويصير الجميع نفاسا واحدا، وإليه ذهب أبو محمد والبرادعي، أو تستأنف للثاني نفاسا؟ وإليه ذهب أبو إسحاق. وأما إن كان بينهما شهران، فلا خلاف أنها تستأنف، وإلى ذلك أشار بقوله: فإن تخللهما فنفاسان يعني أن التوأمين إذا كان بينهما ستون يوما حمراء، فإن دم كل واحد منهما يكون نفاسا مستقلا. فتجلس للثاني ستين، كما تجلس للأول الستين التي تخللتهما. وفاعل تخلل: ضمير مستتر عائد على أكثره، وضمير المفعول البارز عائد على التوأمين: ومعنى تخللهما خرج بينهما. وقوله: "فإن تخللهما فنفاسان" مثله ما إذا تخللهما طهر تم: فيكون الثاني نفاسا مستقلا ولا يضاف للنفاس الأول، ويكون الدم الذي يأتيها بعد طهر تم وقبل وضع الثاني حيضا وإذا كان بين الولدين ستة أشهر فأكثر، فهما حملان، فتنقضي العدة بوضع الأول، وإن كان أقل من ذلك فهو حمل واحد، فلا تنقضي العدة إلا بوضع الثاني، وإن كان لكل واحد نفاس مستقل فيما إذا كان بينهما شهران فأكثر. وفائدة انقضاء العدة بوضع الأول، مع أن العقد عليها مع شغل بطنها حرام عدم لحوق الثاني بمن لحق به الأول. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر أن أكثر النفاس ستون يوما. ابن الماجشون: الستون أحب إلي من السبعين، والقول بالأربعين لا عمل عليه، والقول بالأربعين مذهب أبي حنيفة وعرف ابن عرفة النفاس بقوله: النفاسُ دمُ إلقاء حملٍ فيَدْخُل دم إلقاء الدمِ المجتمِع. الخرشي: وينبغي أن حكم الوضع قبل تمام الستين من ولادة الأول بأربعة أيام فأقل كحكم ولادتها بعد تمام الستين، فتستأنف للثاني نفاسا آخر. وتقطعه يعني أن تقطع دم النفاس كتقطع دم الحيض فإن انقطع عنها دم النفاس وعاودها قبل طهر تم، لفقت من أيام الدم ستين، وألغت أيام الطهر، وبعد الستين التي لفقت تكون مستحاضة تصلي وتصوم وتغتسل كلما انقطع عنها الدم، وتصلي وتصوم وتوطأ، وإن عاودها بعد طهر تم، فحيض كما تقدم ما يفيد ذلك. والله سبحانه أعلم. ومنعه يعني أن النفاس يمنع ما يمنعه الحيض، فيمنع صحة صلاة، وصوم، ووجوبهما، وطلاقا، وبدء عدة، ووطء فرج أو تحت إزار ولو بعد نقاء وتيمم، ورفع حدثها ولو جنابة، ودخول مسجد

стр. 668

فلا تعتكف، ولا تطوف، ومس مصحف، وتجوز لها القراءة، خلافا لقول ابن الحاجب: لا تقرأ النفساء، ورده في التوضيح بأنه مما انفرد به ابن الحاجب، وصرح في المقدمات بتساويهما في القراءة، وكأنه، أي ابن الحاجب -والله تعالى أعلم- نظر إلى أنه لما كانت العلة في قراءة الحائض خوف النسيان بسبب تكرره، فلا ينبغي أن يلحق بها النفساء لندور النفاس، وفيه نظر، فإن طوله يقوم مقام التكرار، قاله الإمام الخطاب. وقال ابن فرحون والثعالبي: قال ابن راشد: قوله لا تقرأ النفساء، هو قول مالك في المدونة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وبما قررته علم أن قوله: كالحيض خبر عن قوله: "وتقطعه ومنعه" ووجب وضوء بهاد يعني أن الوضوء يجب بسبب خروج الهادي؛ وهو ماء أبيض يخرج من الحامل قرب الولادة يجتمع في وعاء عند وضع الولد أو السقط سواء كان في أول الحمل أو وسطه أو آخره؛ لأنه كالبول. قاله الشبراخيتي. البساطي: الهادي هو الوعاء الذي يكون فيه الولد سواء كان وسط الحمل أو أوله أو آخره. والأظهر نفيه يعني أن ابن رشد استظهر القول بنفي وجوب الوضوء بسبب خروج الهادي، وقد روي عن مالك أنه قال: ليس بشيء، وأرى أن تصلي به. ابن رشد: وهو الأحسن، لكونه غير معتاد، والقولان مبنيان على أنه هل يعتبر دوام الاعتياد في الخارج، أو يعتبر الاعتياد فيه في بعض الأحيان؟ وعلى كل من القولين فهو نجس يعفى عنه إن شق. واعلم أن كل مائع يخرج من السبيلين فهو نجس. ولما أنهى الكلام على الطهارة التي هي أوكد شروط الصلاة أتبع ذلك بالكلام على بقية شروطها، وأركانها، وسننها، ومندوباتها، ومبطلاتها، وأنواعها.

стр. 669

باب: في الصلاة يذكر فيه أوقاتها وغيرها وحذف المص المترجم له، فلم يقل: باب الصلاة، أو باب في الصلاة اختصارا. وقد مر الكلام على الباب، والفصل، والكتاب. والصلاة لغة: الدعاء، وقيل: بخير. وشرعا: قربة فعلية ذات إحرام، وتسليم، أو سجود فقط، فدخل صلاة الجنازة، وسجود التلاوة على القول بأنه صلاة؛ وهو ظاهر ابن رشد، وجزم سند بأنه غير صلاة. واعلم أن مذهب المحققين من المتأخرين أن الألفاظ الشرعية كالصلاة والزكاة، مجازات لغوية حقائق شرعية. وقد مر أن الصلاة لغة الدعاء، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وقول الأعشى: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نوما فإن لجنب المرء مضطجعا وقوله ﷺ : (ومن كان صائما فليصل (١))؛ أي فليدع. وتستعمل بمعنى البركة، ومنه قوله ﷺ حين جاء عبد الله بن أبي أوفى مع أبيه بصدقته: (اللهم صل على آل أبي أوفي (٢))، ولتضمنها معنى العطف عديت بعلى، وبمعنى القراءة قال تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: قيل: إنها مشتقة من الصلوين بفتح الصاد واللام: عرقان في الردف عن يمين الذنب وشماله، ينحنيان في الركوع والسجود. ولذا كتبت الصلاة في الصحف بالواو. وقيل: من صليت العود بالتشديد إذا قومته؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقيل: من الصلة؛ لأنها تصل بين العبد وخالقه؛ أي تدنيه من رحمته. وعليه فوزنها عَلَفَةٌ أو من الاشتقاق الكبير الذي لا يراعى فيه الترتيب.

стр. 670

وحكمة مشروعيتها: التذلل والخضوع بين يدي الله تعالى، ومناجاته بالذكر والقراءة والدعاء، وتصميم (١) القلب بذكره، واستعمال الجوارح في خدمته؛ وهي واجبة كتابا وسنة وإجماعا. وفرضت في السماء ليلة المعراج، بخلاف غيرها من الشرائع، وذلك يدل على تأكيدها وحرمتها. قاله ابن رشد. والصحيح أن المعراج وقع في ربيع الأول، قال الإمام النووي: ليلة سبع وعشرين منه، والصحيح أنه كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وفي التنبيه أنه أنزل من جنة الفردوس منضود باللؤلؤ والياقوت. والحكمة في وقوعها ليلة المعراج: أنه ﷺ لما قدس ظاهرا وباطنا حين غسل بماء زمزم وملئ بالإيمان، ناسب فرضها في تلك الحالة؛ لأن من شأنها أن يتقدمها الطهور، وليظهر شرفه ﷺ في الملإ الأعلى بمن (٢) ائتم به من الأنبياء والملائكة، وليناجي ربه، ومن ثم كان المصلي يناجي ربه. والأصح أنه لم يفرض عليه قبلها صلاة، وقيل: ركعتان بالغداة، وركعتان بالعشي ما كان بمكة تسع سنين، ثم فرضت الخمس ليلة الإسراء. والصحيح أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة. قال الإمام الحطاب: والمراد بالإسراء: الذهاب إلى بيت المقدس، وبالمعراج: العروج إلى السماء. انتهى. وفي كلام بعضهم: أن المعراج آلة العروج، وهو الذي يفيده ما مر عن التنبيه، ومذهب الجمهور أنها فرضت أربعا إلا المغرب والصبح، ثم قصرت في السفر، قالوا: ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وحديث: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (٣))، وروت عائشة أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم أكملت صلاة الحضر أربعا. قال الحسن البصري: وكان الإكمال بالمدينة، وفي الخرشي عن ابن حبيب أنه لم يكن قبل الإسراء مفروض إلا صلاة اليل من غير تحديد؛ وهي أي الصلاة من أعظم القرب، بل هي أفضل العبادات بعد الإيمان. وقد ورد في فضلها والحث على إقامتها والمحافظة عليها ومراعاة حدودها آيات وأحاديث كثيرة مشهورة.
следующие страницы →