← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

غازي هنا وفي تكميل التقييد وسلمه وقد راجعت كلام ابن عرفة في أصله فوجدت ما نقله عنه ابن غازي هو لفظه، قلت: من وقف على كلام ابن يونس ظهر له ببادي الرأي أن الصواب ما فهمه منه ابن عرفة، ومن تأمله ظهر له أن الصواب ما فهمه منه المواق. ويتحول حق المحال على المحال عليه يعني أنه بمجرد عقد الحوالة يتحول حق المحال على المحال عليه، فلا رجوع له بعد ذلك على المحيل، وإن كان المحال عليه أفلس حين الحوالة أي أحاله عليه والحال أنه أي المحال عليه مفلس أي فقير فلا رجوع له على المحيل، وأولى لو طرأ له الإفلاس بعد الحوالة. أو جحد يعني أنه لا رجوع للمحال بعد الحوالة على المحيل، وإن جحد المحال عليه الدين بأن قال: لا دين علي لمن أحالك، قال عبد الباقي: جحد بعد تمام الحوالة لا قبلها حيث لا بينة عليه بالدين. اهـ. وكان الأولى أن يأتي بفاء التفريع لأن هذا مفرع على قوله: "لا كشفه عن ذمة المحال عليه"، قوله: جحد بعد تمام الحوالة لا قبلها لخ، قال البناني: فيه نظر بل ظاهر المص أنه لا رجوع للمحال بجحده قبل الحوالة إذا جهل المحيل ذلك بدليل، لكن يقيد بوقوع التصديق من المحال. قال ابن عرفة عن التونسي: لو كان المحال عليه غائبا فلما حضر أنكر كان للمحال حجة. المازري: قوله في الغائب صحيح إن لم يصدق المحال المحيل في صحة دينه، فإن صدقه جرى على الخلاف فيمن دفع وديعة لمن زعم أن ربها أمره بقبضها منه وصدقه المودع وأنكر ربها فغرمها له، هل يرجع على قابضها بها لغرمه إياها أو لا لتصديقه إياه؟ اهـ. وسيأتي عند الزرقاني أن تصديق المحال بالدين يكفي في ثبوته. واللَّه أعلم. وقال ابن عرفة: سمع سحنون المغيرة: إن شرط المحال على المحيل إن فلس المحال عليه رجع على المحيل فله شرطه، ونقله الباجي كأنه المذهب، وقال ابن رشد: هذا صحيح لا أعلم فيه خلافا. ابن عرفة: وفيه نظر لأن شرطه مناقض لعقد الحوالة، وأصل المذهب في الشرط المناقض للعقد أنه يفسده. اهـ. قوله عن ابن عرفة: ونقله الباجي كأنه المذهب. الرهوني: وكذا اللخمي نقله كأنه المذهب، ونصه: فإن أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات أو غاب لم يرجع المحال إلا أن يشترط أنه يرجع إن فلس أو مات فله شرطه، وهو قول المغيرة في العتبية. اهـ. منه بلفظه. وقول ابن عرفة: فيه نظر، سلمه البناني وهو غير مسلم، فإن تسليم سحنون والعتبي قول المغيرة:

стр. 6232

وإتيان الباجي واللخمي به كأنه المذهب من غير أن يذكروا فيه خلافا ولو شاذا مع قول ابن رشد هذا صحيح لا أعرف فيه خلافا كاف، وبحث ابن عرفة جوابه أن تأثير الشرط المناقض محله المعاوضات الحقيقية لبنائها على المكايسات لا التبرعات، فإن ذلك فيها غير موثر، ولذلك عمل بشرط المحبس أن من احتاج من المحبس عليهم باع وشرط الواهب أو المتصدق على محجور أن لا يحجر عليه فيما وهبه أو تصدق به عليه على المشهور في هذه، وهو الصواب كما تقدم تحريره، والحوالة من المعروف بلا نزاع، وابن عرفة لا ينازع في ذلك. اهـ. تنبيه: قال عبد الباقي: لا يدخل الرهن أو الحميل في عقد الحوالة أو الشراء أو الهبة إلا أن يشترط دخولهما ويحضر الحميل ويقر بالحمالة، وإن لم يرض بالتحمل لمن ملك الدين للسلامة من شراء ما فيه خصومة لكن لرب الدين أن يطلب وضعه عند أمين هذا هو المطابق للنقل دون فتوى الناصر اللقاني بتحوله برهنه وضامنه. اهـ. إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه يعني أن محل عدم رجوع المحال على المحيل حيث أفلس المحال عليه إذا لم يعلم المحيل بإفلاسه وقت الحوالة، وأما إن علم وقت الحوالة أنه مفلس فللمحال الرجوع على المحيل، وقوله: فقط معناه دون المحال أي علم بإفلاس المحال عليه عند الحوالة المحيل دون المحال، وأما إن علمه المحال معه فلا رجوع له عليه، وإنما كان له الرجوع حيث علم المحيل وحده لأنه غره. قال عبد الباقي: إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه أي المحال عليه فقط دون المحال، فيرجع على المحيل لأنه غره والظن القوي كالعلم فيما يظهر، ومثل علمه بإفلاسه علمه بلدده أو بعدمه، وإن لم يكن مفلسا وكذا بأنه سيء القضاء على أحد قولين والآخر لا يضر، وأما علمه بجحده فإن كان ليس عليه بالدين بينة فلا حوالة لفقد شرطها، وإن كان معناه علمه من حاله أنه بعد تمام الحوالة يجحد إقراره الحاصل حين الحوالة، فهذا لا يوجب رجوع المحال على المحيل فيما يظهر، فإن شك المحال مع علم المحيل بكإفلاس المحال عليه فله الرجوع على المحيل. تنبيهان: الأول: قوله: "إلا أن يعلم" لخ مقيد بما إذا لم يكتب الموثق في عقد الحوالة بعد معرفة ملاء المحال عليه وموضعه، وإلا فلا رجوع بوجه. قاله ابن سلمون.

стр. 6233

الثاني: قال الحطاب: ولو دفع المحال عليه الدين للمحيل لم أر فيه نصا، والظاهر أنه إن علم المحال عليه بالحوالة لزمه غرمه للمحال، وإلا لم يلزمه كما قال في سماع عيسى من كتاب الصدقات في دفع الدين الموهوب للواهب. اهـ. وقال الخرشي عند قوله: "إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه فقط" ويثبت علم المحيل بإفلاس المحال عليه إما ببينة أو إقرار وعلم الجحود كعلم الفلس. اهـ. وقال غير واحد: ولو عبر المص بعدمه بدل إفلاسه لكان أخصر وأحسن، فيكون الإفلاس أولى بل كلامه يوهم أن العلم بالفقر ليس كالعلم بالإفلاس وليس كذلك. اهـ. ولو أدخل الكاف على إفلاسه ليشمل ما تقدم من علمه بعدمه أو لدده لكان أحسن. قاله عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق من المدونة: قال مالك: إذا أحالك غريمك، على من له عليه دين فرضيت باتباعه برئت ذمة غريمك ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه، ولو غرك غريمك من ضدم يعلمه بغريمه ففلس فلك طلب المحيل، ولو لم يغرك أو كنتما عالين بفلسه كانت حوالة لازمة لك. المازري: وأما الجحود فاختار بعض شيوخنا أنه لا يوجب الرجوع على المحيل لأن المحال فرط إذ لم يشهد على المحال عليه، فكأنه لما قبل الحوالة برئت ذمة المحيل وفرط في الإشهاد فصار كالمتلف لماله قبل القبض فمصيبة الجحود منه ولا أعرف لمالك في هذا نصا. اهـ. وحلف على نفيه إن ظن به العلم يعني أن المحيل إذا أحال على من هو مفلس ولم يقر بأنه يعلم بأنه مفلس حين الحوالة فإنه ينظر، فإن كان ممن يظن به العلم بذلك أي كان مثله يتهم بأنه يعلم بذلك ولا يخبر به المحال، فإنه يحلف على نفي بأن يقول: باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد أحلته وأنا لا أعلم بأنه مفلس، فإن لم يتهم بذلك لم يحلف. قال عبد الباقي: وحلف على نفيه أي العلم إن ظن بالبناء للمفعول به العلم أي كان مثله يتهم بذلك وإلا لم يحلف، وإن اتهمه المحال كذا يفيده النقل فقراءة ظن بالبناء للمفعول كما ذكر تفيد ما في النقل وضبطه بالبناء للفاعل جري على خلاف النقل، والظاهر جري مثل ذلك في دعوى المحيل على المحال مشاركته في العلم وأنكر المحال. اهـ. وقال الخرشي: أي إذا ادعى المحال على المحيل أنه يعلم عدم المحال عليه فإنه يحلف إن ظن به العلم؛ أي بأن كان مثله يتهم بهذا، فإن حلف برئ ولزمت الحوالة وإن نكل حلف المحال

стр. 6234

ورجع بدينه على المحيل، فإن لم يظن به العلم فلا يمين عليه، والمناسب قراءة ظن بالبناء للمفعول إذ قراءته بالبناء للفاعل تفيد أن ظن المحال به ذلك يوجب اليمين وإن كان مثله لا يتهم بذلك، وهو خلاف ما يفيده النقل. انتهى. قوله: "وإن نكل حلف المحال" لخ. قال مقيده عفا اللَّه عنه: كيف يحلف ويمينه يمين تهمة ويمين التهمة لا ترد فالظاهر ما لعبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: الباجي: لو غر المحيل من حال المحال عليه وقد علم بفلسه كان للمحال الرجوع عليه، وإن جهل أمر المحيل في ذلك فقال مالك: إن كان يتهم أحلف ومعناه إن كان يظن به أنه رضي بمثل هذا أحلف. اهـ. فلو أحال بائع على مشتر بالثمن ثم رد بعيب ثم استحق لم تنفسخ هذا مفرع على قوله: "ويتحول حق المحال" لخ قوله: "بائع" فاعل "أحال" وقوله: "على مشتر" متعلق "بأحال" وقوله: "بالثمن" متعلق "بأحال" أيضًا، والظاهر أن الباء سببية أو داخلة على محذوف أي بنظير الثمن أو بمعنى على بدل مما قبله. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. وقوله: "لم تنفسخ" أي الحوالة جواب لو، وصورة المسألة أنه باع زيد سلعة لعمرو بمائة في ذمته ولم يقبضها منه، ثم أحال بائع السلعة غريما له على المشتري ليدفع له تلك المائة التي هي في ذمته ثم إن السلعة المبيعة استحقت من يد المشتري أو ظهر بها عيبط فإن الحوالة لا تنفسخ، فيدفع المشتري للمحال المائة ويرجع على المحيل فيدفع له مائة، فإذا عرفت هذا فتوضيح المسألة أن تقول إذا باع شخص سلعة بثمن في ذمة مشتريها ولم يقبضه، ثم أحال من له عليه دين على ذلك المشتري بسبب الثمن الذي في ذمته لم يقبض، ورد ذلك المشتري السلعة على بائعها بعيب أو استحقت من يده فإن الحوالة ماضية لا تنفسخ، وحينئذ فيؤدي المشتري للمحال الثمن الذي في ذمته، فإذا أداه رجع على المحيل بائع السلعة المذكورة بنظير الثمن. واللَّه تعالى أعلم. قال الخرشي: ومثل الرد بالعيب الرد بالفساد ونحوه لعبد الباقي، وزاد كما في الشامل وظاهره ولو مع قيام المبيع. اهـ. وقال المواق: من المدونة وكتاب محمد: إن أحلت غريمك على ثمن عبد أو سلعة بعتها من رجل وهو ملي ثم استحقت السلعة أو العبد أو ردها عليك بعيب، فقال ابن القاسم: الحول ثابت عليه

стр. 6235

يوفيه للمحال عليه ويرجع به عليك، قال: وبلغني ذلك عن مالك، وقال أشهب: الحول ساقط ويرجع غريمك عليك. ابن المواز: وهو أحب إلينا وهو قول أصحاب مالك كلهم. وإلى هذا أشار بقوله: واختير خلافه وعلم من هذا أن صوابه والأصح خلافه؛ لأن القول الأول لابن القاسم في المدونة، والثاني لأشهب واختاره ابن المواز وقال إنه قول أصحاب مالك كلهم، فما ذكره المص غير جار على قاعدته من وجهين: التعبير بالاختيار وكونه بالفعل. انظر الحطاب. قاله البناني. وقال عبد الباقي عند قوله: "واختير خلافه" ما نصه: وعليه الأكثر ومحل الخلاف حيث كان البائع يظن ملكه لما باع وإلا فسخت اتفاقا، ومحله أيضًا الرد بالفساد إن لم يعلم به المشتري وإلا لم تبطل الحوالة على القولين، وهل يدفع الثمن أو القيمة قولا ابن القاسم وأشهب؟ ذكره شارح الشامل، قال التتائي: وفرض المص وغيره المسألة في البائع يفهم منه أن المشتري لو أحال البائع بالثمن فرد أي المبيع بعيب أو استحق انفسخت وانظره. انتهى. ونحوه في أحمد. اهـ. قوله، يفهم منه لخ، قال البناني: هذا هو الظاهر وما في الخرشي من الجزم بعدم الفسخ في هذا غير ظاهر، بل ينبغي الجزم [ببطلان] (١) حق المحال بالاستحقاق. قاله بعضهم. اهـ. وقال عبد الباقي: ولو تصدق البائع في مسألة المص بالثمن على شخص ثم أحاله على المبتاع ثم رد البيع بعيب أو استحق بطلت الحوالة؛ لأن الصدقة إنما كانت فيما يملك البائع ولا شيء له ولو قبض أخذه المشتري على الأصح، وإن مات أو فلس المحال عليه قبل القبض فالظاهر أن الصدقة أو الهبة لا تبطل بل تمضي، فإن لم يرد البيع صحت الحوالة بالصدقة وهذا وارد على قوله: وثبوت دين لازم كما مر. اهـ. قوله: ولو تصدق البائع لخ ما ذكره في هذه هو أحد أقوال خمسة نقلها ابن عرفة والمص في التوضيح، لكن الذي في التوضيح أنه قول أشهب، والمعروف من قول ابن القاسم هو أن الهبة تبطل إذا لم يقبضها الموهوب له، فإن قبضها لم يتبع بها إلا الواهب بمنزلة ما لو قبضها الواهب ثم تصدق بها فيظهر من كلامه أن هذا هو الراجح، فقول الزرقاني فيما ذكره إنه الأصح في عهدته. واللَّه أعلم. اهـ. قاله البناني.

стр. 6236

وقال الرهوني: قوله: ولو قبض أخذه المشتري على الأصح صواب موافق لما في الشامل، ونصه: ولو باع عبدا وتصدق بثمنه على شخص ثم أحاله على مشتريه ثم استحق أو رد بعيب بطلت الحوالة ولا شيء له، ولو قبض الثمن أخذه المشتري على الأرجح وإن فات مضى. اهـ. ونقله التتائي مسلما له معتمدا له وسلم له ذلك محشياه: ابن عاشر ومصطفى، ونقل الأجهوري كلام التتائي وسلمه وهو حقيق بالتسليم؛ لأن كلام ابن يونس واللخمي وابن رشد يفيد رجحانه، ونص ابن يونس: وقال ابن القاسم في كتاب محمد والعتبية فيمن باع عبدا بمائة دينار وتصدق بها على رجل وأحاله بها وأشهد له ثم استحق العبد أو رد بعيب، قال: إن قبض المتصدق عليه الثمن وفات بيده لم يرجع عليه المشتري بشيء ويرجع على البائع كما لو قبضها المتصدق بها ثم تصدق بها، قال: ولو لم يفت الثمن بيد المعطى كان للمشتري أخذه، وقيل إن قبض مضى فانظر كيف صدر به؟ ووجهه بأنه وهبه ما ظن أنه ملكه فكشف الغيب أنه لا يملكه وعزاه لابن القاسم، وعبر عن الآخر بقيل ولم يعزه لأحد، ثم جلب الرهوني من النقول ما فيه كفاية لتصحيحه كلام عبد الباقي ثم قال: وبذلك كله تعلم ما في اعتراض البناني على عبد الباقي، ثم قال بعد ذلك ما نصه: فظهر لك صحة ما قلناه وعلمت أن الصواب ما قاله الزرقاني لا ما قاله البناني. اهـ. والأقوال الخمسة التي مرت الإشارة إليها هي: أنه إذا لم يقبض المتصدق عليه الثمن أو قبضه ولم يفت يأخذه المشتري، وإن قبضه وفات مضى ولا يرجع المشتري حينئذ إلا على الواهب هذا أحدها. الثاني: أنها تفوت بمجرد القبض فإذا قبضه الموهوب له لم يتبع المشتري إلا الواهب، وقيلَ نفس الهبة فوت ويلزم المبتاع أن يدفعه إلى الموهوب أو المتصدق عليه ويرجع بالثمن على الواهب، الرابع أنه لا يفوت بحال ولو قبضه الموهوب له واستهلكه، الخامس أنه إن كان البائع الواهب عديما كان للمشتري أن يمسك الثمن إن كان لم يدفعه، وإن كان مليا لزمه أن يدفعه إلى الموهوب له ويتبع به الواهب. انظر التوضيح. قال عبد الباقي: ولما كان الأصل أن القول لمدعي الصحة دون مدعي عدمها وللمثبت دون النافي، أشار لذلك بقوله: والقول للمحيل إن ادعَى عليه نفي الدين للمحال عليه يعني أنه إذا أحاله على شخص ثم تنازع معه بعد ذلك، فقال: المحال أحلتني على من ليس لك عليه دين، وقال

стр. 6237

المحيل بل أحلتك على دين لي في ذمة ذلك الشخص الذي أحلتك عليه، فإن القول يكون للمحيل في ثبوت الدين فلا رجوع للمحال عليه. وقوله: "للمحال عليه" هو فيما وقفت عليه من النسخ باللام، فيحتمل أن تكون بمعنى عن متعلقة بنفي ظرف لغو، وأن تكون بمعنى على ظرف مستقر. قاله مقيده واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وإن ادعى محال على محيل نفي دين محال عليه، وأنه أحال على غير دين كان القول للمحيل بيمين إن ادعى عليه المحال نفيَ الدين للمحال عليه ومات أو فلس أو غاب غيبة انقطاع، فإن كان حاضرا وذكر ما يوافق أحدهما فهل يكون كالشاهد أم لا؟ وهل يجري في الملي والمعسر أم لا؟ فإن قيل تقدم أنه لابد في صحة الحوالة من ثبوت دين لازم فكان المناسب أن يكون الحكم في تنازع المحيل والمحال عليه في ثبوت الدين ونفيه لزوم المحيل بإثبات ذلك حتى تصح الحوالة، فَالجَوابُ أن المحال لا رضِيَ بالحوالة كان ذلك تصديقا منه بثبوت الدين وثبوته إما بالبينة أو بإقرار المحال وهو هنا بإقراره. انظر ابن يونس. قاله أحمد. اهـ. وقال المواق: ابن يونس: قال بعض الفقهاء: إذا مات المحال عليه، فقال المحال: أحلتني على غير أصل دين، وقال المحيل: بل على أصل دين، قال: هو حول ثابت حتى يتبين أنه أحاله على غير أصل دين؛ لأن أصل الحوالة براءة الذمة، وأنها على أصل دين، فمن ادعى بعد قبوله الحوالة أنها على غير أصل دين لم يصدق. انتهى. قال الرهوني: ومراده ببعض الفقهاء أبو إسحاق التونسي كما يدل عليه كلام ابن غازي في تكميله، قلت: وانظر لم عزاه ابن يونس لبعض الفقهاء مع أنه في الموازية كما نقله اللخمي، ونصه: وقال محمد: إذا قال المحال بعد موت المحال عليه أحلتني على غير مال، وقال المحيل على مال فهو حول ثابت حتى يثبت أنه على غير مال. اهـ. منه بلفظه. ونقله ابن عرفة أيضًا. ولم يتعرض لكلام ابن يونس. واللَّه أعلم. اهـ. كلام الرهوني. لا في دعواه وكالة يعني أنه إذا صدر بينهما لفظ الحوالة، وقال المحيل بعد ذلك إنما أحلتك لتقضي لي ديني، وقال المحال: بل أحلتني لأجل دين لي عليك فإن القول لا يكون للمحيل بل يكون للمحال ويصدق في أن له دينا على المحيل، قوله: "وكالة" مفعول دعواه، قال المواق: ابن

стр. 6238

الماجشون: إذا قال المحال للمحيل كانت لي دينا عليك، وقال الآخر: ما أحلتك إلا لتقبض لي فهو حوالة حتى يقوم دليل أنها وكالة، مثل أن يكون هذا ممن يتوكل في مثل ذلك. انتهى. أو سلفا عطف على "وكالة" يعني أنه إذا صدر بينهما لفظ الحوالة، ثم قال المحيل: إنما أسلفتك فاقضني ما تقاضيت، وقال القابض: إنما أحلتني بحق كان لي عليك فقد قبضت حقي وإحالتك إياي إقرار بحقي ولا بينة على الحق كالتي قبلها، فإن القول للمحال في أن له حقا عليه أحاله به ولا يكون القول للمحيل. هذا قول ابن الماجشون. واختاره ابن حبيب. وقال ابن القاسم وأشهب: القول قول المحيل ومحل الخلاف أن أتيا بما يشبه أو بما لا يشبه، وأما إن أشبه قول أحدهما فقط فالقول قوله اتفاقا، وقال البناني: وما اقتصر عليه المص تبع فيه قول ابن الحاجب إنه الأصح أي في كل من الوكالة والسلف، قال في التوضيح: أراد بالأصح قول ابن الماجشون في المبسوط في مسألة الوكالة وغير الأصح هو قول ابن القاسم في العتبية في السلف. اللخمي: والمسألتان سواء وعلى هذا فإنما في كل واحدة قول، وخرج فيه قول آخر من الأخرى. اهـ. باختصار. انتهى. وقال الرهوني بعد جلب كلام ما نصه: فتحصل أن ما ذهب عليه المص في السلف هو المنصوص لابن الماجشون وهو اختيار ابن حبيب. اهـ. المراد منه. ولما كان الضمان والحوالة متشابهين لما فيهما من حمالة الدين أتبعه بها فقال:

стр. 6239

باب في الضمان ومن يصح منه وما يصح به وما يبطله وانفراد الضامن وتعدده وأقسامه وهي ثلاثة: ضمان ذمة ووجه وطلب وما يتعلق بذلك، قال الحطاب: قال المازري في شرح التلقين: الحمالة في اللغة والكفالة والضمانة والزعامة كل ذلك بإعنى واحد، فتقول العرب: هذا كفيل وحميل وضمين وزعيم. اهـ. قال مقيده عفا اللَّه عنه: معنى ضمن كذا جعله على نفسه والتزمه. واللَّه تعالى أعلم. وعرف المؤلف الضمان بقوله: الضمان شغل ذمة أخرى بالحق يعني أن الضمان هو أن يشغل شخص ذمته بالحق الذي على غيره أي يلزمها ذلك الحق، فقد شغلت بالحق ذمتان: الذمة التي كانت مشغولة به قبل الضمان أي ملزومة به، والذمة الأخرى التي شغلت به حين ضمنت ذلك الحق، فقوله: "ذمة" جنس وأخرى كالفصل يخرج البيع، وأل في قوله: "بالحق" للعهد فيخرج البيع المتعدد كمن باع رجلا سلعة بدين ثم باع أخرى لآخر بدين إذ يصدق عليه أنه شغل ذمة أخرى لكن بغير الحق الأول، ويخرج أيضًا التولية والشركة لأن الحق الذي شغلت به ذمة المولَّى، والشرك بالفتح للمولى والمشرك بالكسر هو غير الحق الذي على المولي والشرك بالكسر لأنه حق للبائع لهما، وتعريف المصنف يشمل أنواع الضمان الثلاثة كما أنه منطبق على أركانه الأربعة: الضامن والمضمون له والمضمون والحق المضمون فيه. وعرف ابن عرفة: الضمان بقوله: الحمالة التزام دين لا يسقطه أو طلب من هو عليه لمن هو له، وقول ابن الحاجب تبعا للقاضي: شغل ذمة أخرى بالحق لا يتناولها لأن شغل ذمة إنما هو لازم لها لا نفسها لأنها مكتسبة، والشغل حكم غير مكتسب نشأ عن مكتسب كالملك مع البيع فتأمله. اهـ. وحاصله أن قولهم: "شغل" مباين للمحدود فليس بجامع ولا مانع؛ لأن الضمان سبب في الشغل فالشغل مسبب عنه لا نفسه كما أن الملك مسبب عن البيع لا نفسه، وسلمه ابن غازي والحطاب وردد ابن عاشر بأن الذي ليس فعلا للشخص إنما هو اشتغال الذمة، وأما شغلها فهو فعل الشخص لأنه متعد، فقولهم: "شغل ذمة" مصدر مضاف للمفعول بمعنى أن الشخص شغل ذمته بالحق أي ألزمها إياه، فهو فعل مكتسب مساو لقول ابن عرفة التزام دين. واللَّه تعالى أعلم. اهـ. وهذا الذي قاله هو الذي قررت به المص التابع للشيخين قبله، وقال الرهوني: ابن يونس:

стр. 6240

الأصل في جواز الحمالة قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ فهذا حمالة المال، وقال في قصة يعقوب: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، فهذا ضمان النفس بعينه. اهـ. منه بلفظه. قلت: وهذا على أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يرد ناسخ وفيه خلاف. اهـ. وقد مر تعريف ابن عرفة للضمان، بقوله: الحمالة التزام دين لا يسقطه أو طلب من هو عليه لمن هو له. اهـ. قوله: لا يسقطه فاعل يسقطه ضمير يعود على الالتزام، وأخرج به الحوالة لأنه يتحول حق المحال على المحال عليه بمجردها فلا مطالبة له على المحيل وفيه نظر؛ إذ ليس في الحوالة التزام دين والظاهر أن لفظ لا يسقطه حشو. قال الرهوني: ويحتمل عندي أن يكون احترز به عن صورة وهي أن يقول شخص لرب دين: إن أبرأت فلانًا من دينك فأنا ملتزم لك به من غير رجوع مني عليه. فتأمله. واللَّه تعالى أعلم. اهـ. قال عبد الباقي: ولما كان في الأركان تفصيل لم يكتف باستفادتها من التعريف بل أشار لكل، فأشار للضامن بقوله: وصح من أهل التبرع يعني أن الضمان يصح ويلزم من أهل التبرع، ولا يصح من صبي وسفيه ومجنون ويصح ولا يلزم من عبد غير مأذون له فيه ومريض وزوجة في زائد ثلثهما، قال المواق: ابن شأس: يشترط في الضامن أهلية التبرع. الباجي: والحميل من لا حجر عليه. اهـ. وقال عبد الباقي: وصح ولزم من أهل التبرع وهو المكلف الذي لا حجر عليه فيما ضمن فيه، فدخل ضمان زوجة ومريض بزائد ثلث فصحيح أيضًا وغير لازم، كوقوعه من عبد بغير إذن سيده وإن كان من سفيه وصبي ومجنون ففاسد يجب رده وليس للولي إجازته، وسواء كان الصبي مميزا أم لا، وخرج بأهل التبرع من يغترق دينه ما بيده وذو عقد إجارة لنفسه فيقدم كل على الضمان، كما يقدم دين على إجارة وإن وجدت قبله وعلى سفر زوج بزوجة وعليها دين. اهـ. قوله: وذو عقد إجارة لنفسه لخ، أشار به لما ذكره شارح التحفة، ونصه: قال في النوادر: قال محمد بن عبد الحكم: من تكفل بوجه رجل فغاب الرجل فأخذ به الكفيل فأقام آخر البينة على الكفيل أنه استأجره قبل ذلك أن يبني له داره أو يسافر معه إلى مكة، فالإجارة أولى ولا يحبس في الدين لأن الكفالة في الدين معروف تطوع به، ولو كانت ظئرا استوجرت على رضاع

стр. 6241

قبل الكفالة لم تحبس في الكفالة أيضًا والرضاع أولى، فإذا انقضت مدة الرضاع طولبت بالحمالة. قاله البناني. ونقله الحطاب. كمكاتب ومأذون جعلهما عبد الباقي مثالين ولا بأس بذلك؛ يعني أن المكاتب والمأذون له في التجارة يصح منهما الضمان ويلزم إذ (١) أذن سيدهما لهما في الضمان، فلا تكرار بين قوله: "مأذون" و"أذن" لا إن لم يأذن فلا يلزم، وإن صح كما مر بدليل قوله الآتي: "واتبع به ذو الرق إن عتق" وقوله: "أذن سيدهما" رد به على ابن الماجشون القائل: تجوز كفالتهما ولو لم يأذن السيد لهما في الضمان كما في التوضيح، وقول غير ابن القاسم في المكاتب أيضًا: لا يجوز أن يضمن ولو أذن له السيد لأنه داعية إلى رقه. المواق من المدونة: قال ابن القاسم: لا يجوز لعبد ولا مكاتب أو مدبر أو أم ولد عتق ولا كفالة ولا هبة ولا صدقة ولا غير ذلك مما هو معروف عند الناس إلا بإذن السيد، فإن فعلوا ذلك بغير إذنه لم يجز إن رده السيد، فإن رده لم يلزمهما ذلك وإن عتقوا وإن لم يرده حتى عتقوا لزمهم ذلك، علم به السيد قبل عتقهم أو لم يعلم. قال ابن القاسم: ولا تجوز كفالة المأذون إلا بإذن سيده. اهـ. وقال عبد الباقي عند قوله: "أذن سيدهما" ما نصه: ثم الفرق بينهما وبين صحة رهنهما بغير إذنه كما تقدم في باب الرهن إذا أصابا وجهه أن في الضمان اشتغال ذمتهما بمال على وجه التبرع والرهن إنما يكون عن معاملة كبيع وشراء، وظاهر المص أنه لابد من إذن السيد ولو ضمناه وهو كذلك، ومراده بهما غير المحجور عليهما لدين بدليل جعلهما مثالين لأهل التبرع، وبه يجاب عن اعتراض الشارح بأن كلامه يشمل المأذون الذي عليه دين يغترق جميع ماله. اهـ. وزوجة ومريض بثلث هذان أيضًا مثالان يعني أن الزوجة والمريض إذا ضمن واحد منهما قدر ثلث ماله، فإن ذلك صحيح لازم، قال عبد الباقي: وزوجة ومريض بثلث أو بأزيد منه بيسير كالدينار وما خف مما يعلم أن الزوجة لم تقصد به ضررا فيمضي الثلث مع ما زادت لا بكثير فلا يلزم، وإن ضمنت زوجها أو ضمن مريض وارثه وإن كان تبرعهما بذلك صحيحا، خلافا لدعوى بطلان

стр. 6242

ضمان المريض بزائد الثلث وحيث صح فيتوقف كل على إجازة الزوج والوارث، وللزوج رد جميعه إن تبرعت بأزيد كما مر ولو له هو وللوارث ود الزائد ولو له هو، خلافا لدعوى بعضهم أن له رد الجميع أو بطلانه معللا له بأنه كالعطية له أو بأن الضمان معروف، فإن كلامهم يخالفه. اهـ. وقال البناني: ابن عرفة: فيها كفالة ذات الزوج في ثلثها وإن تكفلت لزوجها ففيها قال مالك: عطيتها زوجها جميع مالها جائزة وكذا كفالتها عنه. الباجي: يريد بإذنه وفيها إن ادعت أنه أكرهها في كفالتها عنه فعليها البينة. اهـ. فلا فرق بين كفالتها زوجها وغيره، وما نقله ابن عرفة عن الباجي هو في نص المدونة كما في الحطاب. اهـ. وقوله: "ومريض" قال الرهوني: ظاهر المص سواء وقعت الحمالة في حلب عقد البيع أو لا، وهو ظاهر كلام غيره. قال في المدونة: ومن تكفل في مرض فذلك في ثلثه، وقال ابن غازي في تكميله: اللخمي: وإذا تكفل المريض بمال في عقد البيع بغير أمر البائع جاؤ ولا يجوز بأمره على القول بأنها تحل على الحميل بموته؛ لأنه لا يدري على أي ذلك باع (١) النقد أو إلى أجل. اهـ. قيل: يلزم على هذا أن لا يجوز شراء المريض بدين. اهـ. واتبع به ذو الرق إن عتق يعني أن الرقيق إذا ضمن ثم أعتق فإنه يتبع به أي بالضمان أي بما يؤول إليه من غرم ضمن بإذن سيده أم لا، وليس له إسقاطه عنه في الأول بخلاف الثاني فله قبل عتقه رده فلا يتبع به إن عتق خلافا لابن الحاجب لأن رده رد إبطال وإن لم يصرح بإبطال أو إسقاط ولا يباع فيه قبل العتق ولو كان بإذن سيده، قال عبد الباقي: إلا أن يضمنه فيفلس السيد أو يموت. اهـ. قال البناني: لا وجه لهذا الاستثناء لأن بيعه حينئذ لأجل دين السيد، سواء ضمنه أم لا، وليس بيعه بسبب الضمان. اهـ. وليس للسيد جبره عليه يعني أن السيد ليس له أن يجبر رقيقه على الضمان سواء كان ينتزع ماله أم لا، قال عبد الباقي: أما غير من له انتزاع ماله فظاهر، وأما من له انتزاعه فلأنه قد يعتق والضمان باق عليه فيحصل له بذلك ضرر فإن جبره عليه لم يلزم العبد شيء بعد عتقه، وقيل: له

стр. 6243

جبره وهو الجاري على النكاح وفرق بأن للسيد منفعة في النكاح وظاهر المص أنه ليس له جبره عليه ولو له إلا بقدر ما بيده من مال لأنه كانتزاعه. قاله اللخمي. اهـ. ونص كلام الحطاب: قال اللخمي: وللسيد أن يجبر عبده على الكفالة إذا كان بيده مال بقدرها، واختلف إذا كان فقيرا وليس في يده مال، فقال ابن القاسم: إنه لا يجبر، وقال محمد: يجبر. اهـ. وكأنه المذهب ونقله ابن عرفة. اهـ. كلام الحطاب. اهـ. نقله البناني. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: تجوز كفالة العبد ومن فيه بقية رق، ولا يجبره السيد على ذلك ولا يلزمه إن جبره. اهـ. وقال الخرشي: المشهور وهو مذهب المدونة أن السيد ليس له أن يجبر عبده على الضمان أما غير من له انتزاع ماله. لخ ما مر. وقال الشارح عند قوله: "وليس للسيد جبره عليه": وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، ومقابل المشهور رواية أبي زيد عن ابن القاسم أنه يجبره لأن له انتزاع ماله، وحكى ابن المواز عن عبد الملك أن للسيد الجبر إلا أن يكون على العبد دين محيط بماله. اهـ. وقول عبد الباقي: وظاهر المص أنه ليس له جبره عليه ولو له إلا بقدر ما بيده. لخ. فيه أمران: أحدهما أنه يوهم أن موضوع كلام اللخمي إذا تحمل عن نفسه وليس كذلك، ثانيهما أن قوله لأنه كانتزاعه يوهم أنه من كلام اللخمي وليس كذلك، وإنما هو من كلام الأجهوري فإنه بعد أن ذكر أن أبا الحسن وابن ناجي لم يتعرضا لكلام اللخمي، قال ما نصه: ووجه كلام اللخمي أنه يقدر كأن السيد انتزع منه ذلك المال وفيه نظر؛ إذ قد يرضى العبد بانتزاع المال ولا يرضى باتباع ذمته. اهـ. محل الحاجة منه. وما قاله ظاهر؛ لأن انتزاعه ماله لا ضرر عليه فيه وإلزامه الحمالة مع كون ما بيده من المال يفي بما تحمل به فيه عليه ضرر لاحتمال تلف ذلك المال واستحقاقه من يده، فتبقى ذمته مشغولة، ولهذا واللَّه تعالى أعلم لم يعرج في التوضيح على كلام اللخمي ولا أشار إليه بحال، وإنما قال ما نصه: وليس للسيد أن يجبر عبده على الضمان على المشهور. اهـ. وتبعه في الشامل، فقال: وليس للسيد جبرهم عليه على المشهور. اهـ. وليس في كلام ابن عرفة ما يدل دلالة ظاهرة على أن كلام اللخمي تقييد، وصرح ابن غازي في تكميله بأنه خلاف. اهـ. قاله الرهوني.

стр. 6244

وعن الميت المفلس عطف على قوله: "من أهل التبرع" قاله الشارح؛ يعني أن الضمان يصح عن الميت الفقير مفلسا أم لا وأحرى الميت الذي خلف وفاء، وإنما خص الميت المفلس للرد على أبي حنيفة القائل: إنه لا يصح الضمان عن الميت إلا إذا خلف وفاء، قال الرهوني: قال ابن يونس: قال عبد الوهاب: يجوز الضمان عن الميت خلف وفاء أو لم يخلف، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا إن خلف وفاء، ودليلنا حديث أبي قتادة في الذي مات وعليه دين فامتنع النبي ﷺ من الصلاة عليه، فلما ضمنه أبو قتادة صلى عليه. اهـ. وقال الشارح: ولا خلاف في صحة الضمان عن الحي موسرا أو معسرا، وكذلك عن الميت الموسر وإن كان الميت معسرا ووقع الضمان عنه في حياته فكذلك، واختلف هل يصح الضمان عنه بعد موته، فذهب الجمهور إلى صحته ولزومه إن وقع، وذهب أبو حنيفة والثوري إلى عدم صحته وقد انفردا بذلك كما لابن رشد، وحكى المازري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة، قالوا: صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: نعم فصلى عليها. ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول اللَّه صل عليها، قال: هل عليها دين؟ قالوا: نعم، قال: فهل ترك شيئًا؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها، قال: فهل ترك شيئًا؟ قالوا: لا، قال عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول اللَّه وعلي دينه، فصلى عليه) فدل الحديث على صحة الضمان عن الميت المفلس وتقييده ذلك بالمفلس احتراز من الملي، فإن الحق يؤخذ من تركته ولا خلاف في مذهبنا فيما ذكر. اهـ. وقوله: "المفلس" قال عبد الباقي: بسكون الفاء وكسر اللام أي المعسر عند مالك، خلافا لأبي حنيفة هذا هو الذي فيه الخلاف بينهما دون مفتوح الفاء واللام المشددة، إذ يصح الضمان عنه بلا خلاف. اهـ. وقد مر في تقرير المص الرد عليه بأن المدار على كونه لم يخلف وفاء أو خلفه فنحن نجيزه مطلقًا وأبو حنيفة يمنعه إن لم يخلف وفاء، فلا فرق بين المفلس وغيره. قال الرهوني: وكلام الأيمة كالصريح في رده أي رد ما لعبد الباقي.

стр. 6245

تنبيهان الأول: علم من هذا أن المفلس بضم اليم وسكون الفاء هو المعسر، فهو أعم من المفلس بضم الميم وفتح الفاء هذا هو الظاهر، وقد مر لعبد الباقي والخرشي عند قول المص: "إلا أن يعلم الحميل بإفلاسه" ما يقتضي ترادفهما وهو غير ظاهر. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: والظاهر أنه يتفق في هذا يعني المفلس الأخص على عدم رجوع الضامن بما أدى عنه بعد موته ولو علم له مالًا؛ لأنه كالمتبرع لذمة خربت بعد حكم الحاكم بخلع كل ماله لغرمائه، بخلاف المفلس ساكن الفاء فإنه يرجع إن علم أن له مالًا أو شك كما يفيده أبو الحسن. وفي أحمد عن ابن رشد: وإن تحمل عن ميت لا وفاء له بما تحمل عنه لم يكن له الرجوع بما أدى عنه في مال طرأ له، خلافا لأبي حنيفة. اهـ. وقال عند تقرير المص وصح الضمان بمعنى الحمل لا حقيقة الضمان أي صح الحمل ويلزم، ثم قال: وقولي ويلزم أي الضمان هو المتعد كما لأبي الحسن، خلافا لقول اللخمي وإن اقتصر عليه التتائي لو ضمن ميتا ظاهر الملاء فتبين عسره أرى عدم لزومه؛ إذ يقول إنما تحملت لأرجع ولو علمته معسرا لم أضمنه. اهـ. انتهى. قوله: والظاهر أنه يتفق في هذا لخ، قال البناني: فيه نظر، بل ظاهر المدونة أن له الرجوع إن علم له مالًا ولا فرق بين المفلس بالتشديد والتخفيف. انظر لفظها في الحطاب. وقوله: وإن تحمل عن ميت لخ محل كلام ابن رشد إذا تحمل عالما بأنه لا مال للميت فلا معارضة بينه وبين ما يفيده أبو الحسن. قاله البناني. الثاني: قال ابن الحاجب: ولو تنازعا في أنه دفع محتسبا فالقول قول الدافع إلا لقرينة، قال في التوضيح: يعني أنه إذا أدى رجل عن رجل دينا، ثم قام الدافع يطلب المال وقال المدفوع عنه إنما دفعت عني على وجه المعروف احتسابا، فالقول قول الدافع لأن الأصل عدم خروج ملكه إلا على الوجه الذي قصده إلا أن تقوم قرينة تدل على كذب الدافع، كما إذا دفع عن الميت المفلس ثم طرأ له مال لم يعلم به وطلب الرجوع. ابن عبد السلام: إلا أن لا تقوى القرينة فينبغي أن يحلف الدافع وحينئذ يأخذ ما دفع. اهـ. فيؤخذ من كلام ابن عبد السلام أنه لو لم تقم قرينة بالكلية لصدق بلا يمين وإذا قويت القرينة لا يصدق أصلا. قاله الحطاب. وفيه أن التبرع ما كان

стр. 6246

من غير سؤال والتطوع ما كان عن سؤال. اهـ. وَيَتَحَصَّل من كلامهم هنا أن من أدى عن ميت عالما أنه لا مال له ثم ظهر له مال أنه لا يرجع عليه وإلا رجع عليه. واللَّه سبحانه أعلم. والضامن يعني أنه يصح ضمان الضامن ولو تكرر، بأن يضمن الضامن ضامن واحد أو متعدد ويضمن ضامن الضامن ضامن كذلك وهكذا، وكلام عبد الباقي والحطاب كالصريح في أن قوله: "والضامن" بالجر وهو ظاهر فيكون عطفا على قوله: "الميت المفلس" وكلام عبد الباقي هو ما نصه: وصح الضمان عن الضامن وإن تكرر بأن ضمن الضامن ضامن واحد أو متعدد وضمن ضامن الضامن ضامن كذلك وهكذا، وليس المراد بالتكرار أن يحصل الضمان من أكثر من واحد للضامن الأول على أن كل واحد يضمنه في جميع ما عليه، وظاهر المص يشمل ما إذا كانت الكفالة من كل منهما بمال أو بوجه أو الأولى بمال والثانية بوجه أو بالعكس وهو كذلك من حيث الصحة ولكنها مختلفة الإحكام من حيث الرجوع. انظرها في التتائي كعلي الأجهوري نثرا ونظما. اهـ. وقال الشارح: وهذه المسألة لا تخلو إما أن يكونا حميلين بالمال أو بالوجه أو الأول بالمال والثاني بالوجه أو بالعكس فإن كانا حميلين بالمال فغاب الغريم أخذ الطالب الكفيل الأول بالذي عليه بعد حلول الأجل، فإن وجد عديما أخذه من الثاني وإن غاب الأول كلف الثاني إحضار الغريم أو الكفيل الأول فأيهما أحضره موسرا برئ وإلا غرم، فإن غاب الجميع بدئ بالقضاء من مال الغريم، فإن لم يوجد له مال فالأول، فإن لم يوجد له مال فالثاني وإن كانا معا بالوجه، فإن غاب الغريم كلف الأول إحضاره فيبرأ بذلك وإن كان معسرا، فإن عجز غرم المال وإن كان معسرا لم يغرم الثاني لأن الذي وكل به حاضر، فإن غاب الأول أيضًا كلف الثاني إحضارهما يعني إحضار واحد منهما فيبرأ بذلك، فإن غاب الجميع ووجد مال للثاني أخذ منه إلا أن يثبت فقر الغريم والكفيل الأول فلا يوخذ من مال الثاني شيء، فإن كان الأول بالمال دون الثاني فغاب الغريم غرم الأول ولا شيء على الثاني إن كان الأول فقيرا لأن الثاني حميل بالوجه، فإن غاب الأول أيضًا فإن أحضر الثاني الغريم موسرا أو الأول وإن كان معسرا وإلا غرم، فإن غاب الجميع ووجد للثاني مال أخذ منه إلا أن يتبين فقر الأول، وإن كان الأول بالوجه دون الثاني فغاب الغريم كلف الأول إحضاره وإلا غرم وإن كان الأول عديما غرم الثاني، وإن غاب الأول أيضًا

стр. 6247

فأحضر الثاني أحدهما برئ لكن بشرط كون الثاني موسرا وأما الغريم فيبرأ بإحضاره وإن كان معسرا فإن مات الغريم في هذا الوجه برئ الأول وبرئ الثاني لأن الأول إذا برئ سقطت الحمالة عن حميله. انتهى كلام الشارح. وقال الخرشي عند قوله: "والضامن" هو بالرفع عطف على الضمير المستتر في صح هو أي الضمان، وصح الضامن أي ضمان الضامن وإن تسلسل ويلزمه في لزم الضامن، وبالجر عطف على الميت. اهـ. وقال المواق من المدونة: من أخذ من الكفيل كفيلا لزمه ما لزم الكفيل. اهـ. واللَّه تعالى أعلم. والمؤجل حالا قال الخرشي: هو معطوف على الضمير المستتر في صح وبالجر ويقدر مضاف أي ضمان المؤجل حالا. انتهى. وصورة مسألة المص هذه أن من له دين قبل شخص مؤجلا فأسقط الدين حقه من التأجيل وضمنه حينئذ شخص على الحلول، فإن هذا الضمان صحيح لازم بشرط أشار إليه بقوله: إن كان الدين مما يعجل أي الذي يجوز للمدين تعجيله ويلزم رب الدين قبوله وهو العين مطلقًا والعرض والطعام من قرض فإن كان من بيع منع تعجيله فلا يجوز أن يضمنه على الحلول لما فيه من حط الضمان وأزيدك توثقا لدخوله في البيع فقط. تنبيهات: الأول: قال البناني عند قوله: "وضمان المؤجل حالًا" ما نصه: مثله في الجواز بقيده إن ضمنه لدون الأجل، فإن ضمنه للأجل نفسه فجائز ولأبعد ممتنع كما في المدونة، فالصور أربع والتقييد بكونه مما يعجل ذكره ابن يونس واعترضه ابن عبد السلام كما في التوضيح، وجلب نص التوضيح ثم قال بعد نقله عن التوضيح اعتراض ابن عبد السلام ما نصه: وتعقبه بعض الشيوخ بمخالفته للنقل. الثاني: قال الرهوني عند قوله "إن كان مما يعجل" ما نصه: مفهومه إن كان مما لا يعجل لم يجز مطلقًا وهو ظاهر كلام ابن يونس وغيره، وقال اللخمي ما نصه: ويفترق الجواب إذا أعطاه حميلا ليتعجلة قبل الأجل، فإن كان الدين عينا أو عرضا من قرض جاز، وإن كان من بيع وكان قصد الغريم بتعجيله منفعة الطالب جاز، وإن أراد إسقاط الضمان عن نفسه لم يجز. اهـ منه بلفظه. ومفهوما كلامه متعارضان فيما إذا أشكل الأمر والمتعين العمل بمفهوم أول كلامه، وهذا

стр. 6248

الذي قاله لم أره لغيره، لكن يوافقه في المعنى قول المص فيما مر في القرض: "إلا أن يقوم دليل على أن القصد نفع المقترض فقط" لخ. فتأمله. اهـ. الثالث: قوله: "والمؤجل حالًا" قد مر أن موضوعه أن الدين أسقط حقه من التأجيل. قاله عبد الباقي وغيره. قال عبد الباقي: وقولي وإن رضي مدين بإسقاط الأجل فيما إذا كان الدين مما يعجل مفهومه لو لم يرض بإسقاط حقه من الأجل لكان من أداء الدين عنه لا من الضمان. اهـ. وسيأتي أن أداء الدين عن المدين جائز في كلام المص بشرطه. الرابع: قال عبد الباقي: والرهن كالضمان في التفصيل، فإذا رهن في مؤجل على أن يكون حالا جاز إن كان الدين مما يعجل، وإلا بطل الرهن وكان المرتهن إسوة الغرماء. الخامس: قال عبد الباقي: يجوز في الضمان أن يقع مؤجلا كأن يضمنه مدة معينة ولا يجوز ذلك في الرهن، ولعل الفرق أن الرهن أشد لكونه يطلب فيه الحوز، قال التتائي: وأما ضمان المؤجل قبل أجله إلى أجله فجائز مطلقًا عينا أو عرضا أو قرضا. اهـ. قوله: كأن يضمنه مدة معينة. ابن غازي: لا مفهوم لقوله: معينة وكذا المجهولة كما لابن يونس والحطاب وغيرهما. وقوله: ولعل الفرق أن الرهن أشد لخ الظاهر في الفرق بينهما أن تحديد الرهن بمدة معينة مخل بشرطه الذي هو الحوز من غير رجوع ليد راهنه؛ لأن تحديده بمدة معينة دخول على رجوعه ليد راهنه بعد انقضانها فهو شرط مناقض. قاله الرهوني. السادس: قوله: "حالًا" قال عبد الباقي: حال مقارنة. اهـ. والحال المقارنة هي المقارنة لعاملها نحو جاء زيد راكبا فركوبه مقارن لمجيئه، والعامل هنا الضمان وهو مقارن للحلول. واللَّه تعالى أعلم. وعكسه عطف على الضمير المستتر في صح أي وصح عكس ضمان المؤجل حالا وهو ضمان الحال مؤجلا وصورة المسألة أن يقول شخص لرب الدين الحال: أخر مدينك بما عليه شهرا مثلا وأنا أضمنه لك، فيصح ذلك إن وجد أحد أمرين أشار لأولهما بقوله: إن أيسر غريمه يعني أن ضمان الحال على التأجيل يصح بشرط أن يكون المدين موسرا حين الضمان أعسر بعد ذلك أم لا، وإنما اشترط اليسر للسلامة من سلف جر نفعا، قال الخرشي: أولهما يعني الأمرين أن يكون من عليه

стр. 6249

الدين موسرا بما عليه في أول الأجل للسلامة من سلف جر نفعا؛ لأنه قادر على أخذ حقه الآن فكان ابتداء سلف بضامن أو رهن، فإذا حصل هذا الشرط جاز ضمان الحال على التأجيل، فإن لم يحصل جاز ذلك إن حصل هذا الشرط الذي أشار إليه بقوله: أو لم يوسر في الأجل يعني أن ضمان الحلول على التأجيل يصح أيضًا إذا كان من عليه الدين مع مسرا والعادة أنه لم يوسر في الأجل الذي أخره إليه لأن تأخيره حينئذ ليس سلفا بل هو واجب لوجوب إنظار المعسر. قال الخرشي: ثانيهما أن يكون من عليه الدين معسرا والعادة أنه لم يوسر في الأجل الذي ضمن الضامن إليه بل يمضي عليه جميعه وهو معسر؛ إذ تأخير المعسر واجب فليس صاحب الحق مسلفا حقيقة ولا حكما أما لو كان يوسر في أثناء الأجل الذي ضمن الضامن إليه كأن يضمنه إلى أربعة أشهر وعادته أن يوسر بعد شهرين فلا يصح عند ابن القاسم؛ لأن الزمان المتأخر عند ابتداء يساره وهو الشهران الأخيران في مثالنا يعد فيهما صاحب الحق مسلفا لقدرته على أخذ حقه عند فراغ الشهرين الأولين الذين هما زمان العسر، فهو مسلف في الشهرين الأخيرين وانتفع بالحميل الذي يأخذه في زمن العسر واليسر وهو الأشهر الأربعة، بناء على أن اليسر المترقب كالمحقق، وأجاز ذلك أشهب لأن الأصل استصحاب عسره ويسره قد لا يحصل فإنه معسر تبرع بضامن. اهـ. فقوله: إن أيسر غريمه أي في أول الأجل لا في جميعه؛ لأن العبرة بالحالة الراهنة والتتائي فهم أن قوله: "في الأجل" راجع لهما وليس كذلك لأنه خاص بالثانية، وقوله: "أو لم يوسر" عطف على "أيسر" أي أو إن لم يوسر أو العطوف محذوف أي أو أعسر ولم يوسر. انظر الخرشي. وَتَحَصَّلَ أنه يجوز ضمان الحال على التأجيل بشرط يسر المدين حين الضمان على التأجيل من غير نظر إلى ما يطرأ، وإن كان معسرا حين الضمان جاز إن كانت العادة أن لا يطرأ له يسر إلى أن ينتهي الأجل، وإن كانت العادة أن يطرأ له يسر في أثناء المدة بعطاء مثلا لم يجز. وباللَّه تعالى التوفيق. تنبيه: قال الرهوني عند قوله "وعكسه إن أيسر غريمه" ما نصه: ظاهر شرح الزرقاني أن التأخير وقع بجميع الدين، ومثله إذا أسقط عنه بعضه وأخره بالباقي على الراجح، ففي ابن يونس عن ابن المواز ما نصه: ومن حل دينه فقال له رجل ضع لغريمك كذا وكذا وأنا حميل لك بباقيه إلى

стр. 6250

أجل كذا فذلك جائز ولو شاء تعجله، فكأنه أسلفه وحطه، وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. ورووه عن مالك واختلفت رواية أشهب فيه عن مالك فكرهه وأجازه وإجازته أبين؛ لأنه إذا جاز أن يؤخره بحميل جاز أن يحط ويؤخره. اهـ منه بلفظه. وعلم مما قررت أن قوله: "في الأجل" مراده به الأجل الذي وقع الضمان والتأخير إليه وذلك يفيد أن شرط الجواز كونه معسرا من وقت ضربه إلى انقضائه، وقول عبد الباقي في المسألة الأولى: إن أيسر غريمه أي مدينه بالحال ولو في أول الأجل، صوابه إسقاط لو بأن يقول إن أيسر غريمه أي مدينه بالحال في أول الأجل. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وقوله "وعكسه" لخ مثل الحميل في ذلك الرهن. واللَّه تعالى أعلم. وبالموسر يعني أن الدين إن كان الدين الذي عليه حالا وهو موسر ببعضة ومعسر بالبعض الآخر، فإنه يجوز أن يضمن له شخص البعض الموسر به فقط على التأجيل، بشرط أن يكون موسرا بذلك البعض الذي ضمنه على التأجيل حين ضمنه كما مر في قوله: "إن أيسر غريمه" فمن له قبل شخص مائتا دينار حالتان وهو موسر بمائة منهما معسر بالأخرى وضمنه في المائة الموسر بها مؤجلة جاز ذلك، بشرط أن يكون موسرا بها حين ضمانه على التأجيل كما في مسألة إن أيسر غريمه. وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: "وبالموسر" أي بتمامه فقط أو ببعضه فقط. أو المعسر يعني أن المدين إذا كان الدين الذي عليه حالا وهو موسر ببعضه ومعسر بالبعض الآخر، فإنه يجوز أن يضمن له، شخص على التأجيل البعض المعسر به فقط بتمامه أو بعضه، بشرط أن يكون معسرا به في جميع المدة التي وقع الضمان والتأخير إليها، قال الخرشي ونحوه لعبد الباقي-: وضمانه ببعض الموسر به كضمانه بكله وكذلك ضمانه لبعض المعسر به كضمانه لكله. لا بالجميع يعني أنه لا يجوز في المسألة المذكورة أن يتكفل له أحد بجميع ذلك الدين الحال على التأجيل، والمراد بالجميع الموسر به والمعسر به معا، ومثل ضمانه بالجميع ما إذا ضمن البعض من كل منهما. وقوله: "لا بالجميع" علة المنع سلف جر نفعا فالسلف تأخير الموسر به والنفع ضمان المعسر به، وفي المدونة إن لم يحل الأجل فأخره به إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لم يجز لأنه سلف بنفع، قال غيره: ولا يلزم الحميل شيء ولا يكون الرهن به رهنا وإن قبض في

стр. 6251

فلس الغريم أو موته. اهـ منها بلفظها. ونقله ابن غازي ولم يقيده بشيء، وكذا الزرقاني فيما مر لم يقيده بشيء، لكن قال ابن يونس بعد ذكره عن المدونة ما قدمناه عنها ما نصه: محمد بن يونس: أراه إنما قال ذلك لأن الرهن لم يكن في أصل الدين ولو كان في أصل الدين لكان المرتهن أحق به من الغرماء حتى يستوفي حقه، وإن كان فاسدا. انتهى منه. وهو تقييد لابد منه وقد أغفله البناني هنا فلم يقيد إطلاق الزرقاني مع أنه قدم عند قوله في الرهن "وباشتراطه في بيع فاسد" ما يفيد أن التقييد هو المذهب وابن غازي لم ينبه على تقييد كلام المدونة، مع أنه قدم في الرهن عند النص السابق ما يفيد أنه المذهب أيضا وما كان ينبغي لهما ذلك. واللَّه الموفق. قاله الرهوني. وقوله: "وبالموسر أو المعسر لا بالجميع" قد علمت أن ذلك في ضمان الحال على التأجيل، وأما إذا لم يحصل تأجيل بل ضمان فقط أو حصل التأجيل في المعسر به فيجوز ضمانهما معا. واللَّه تعالى أعلم. انظر البناني. تنبيه اشتمل الكلام فيما مر من قوله: "والمؤجل حالا" على صور، إحداها قوله: "والمؤجل حالا" جازت إن كان الدين مما يعجل وإلا فالمنع، وهاتان صورتان ومثل ضمان المؤجل حالا ضمانه لدون الأجل وهاتان صورتان، فتلك أربع صور وضمانه لأبعد من الأجل ممتنع وهاتان صورتان: وللأجل جائز وهاتان صورتان، فتلك ثمان صور، الجائز منها أربع، والممتنع منها أربع، وهي في ضمان المؤجل على الحلول وعلى التأجيل، التاسعة ضمان الحال على التأجيل تجوز إن أيسر غريمه في أول الأجل أي حين الضمان على التأجيل، والجواز حاصل أيضا مع العسر في جميع المدة التي وقع التأجيل إليها وهاتان صورتان، والمنع ان أعسر في أولها وكانت عادته اليسر في أثنائها وهذه ثلاث صور: اثنتان منها جائزتان وواحدة ممنوعة، وهذه الثلاث تحت قوله: وعكسه إن أيسر غريمه أو لم يوسر في الأجل، وقوله: "وبالموسر" تحته صورتان جائزتان وهما ضمانه بالموسر بتمامه وببعضه، وقوله: "أو المعسر" تحته أربع وهي عسره في جميع الأجل وضمن جميع المعسر به أو بعضه، فإن أعسر في أوله وعادته اليسر في أثنائه فالمنع فهذه ستة يجوز منها أربع وتمنع اثنتان، وتحت قوله: "لا بالجميع" اثنتان ضمانه الجميع

стр. 6252

وهذه هي صريح اللفظ ويلحق بها ضمان البعض من كل منهما، وبقيت صورة جائزة وهي ضمان الجميع مع وقوع التأجيل في المعسر به فقط، فهذه عشرون صورة. واللَّه تعالى أعلم. بدين الباء بمعنى في متعلقة بصح من قوله: "وصح من أهل التبرع" يعني أن الضمان يصح في الدين، واحترز بدين من المعينات فإنه لا يصح الضمان فيها فإذا اشترى منه مبيعا معينا فلا يجوز ضمان مثله له، إذا هلك قبل القبض أو استحق، قال ابن الحاجب: فلا يصح ضمان مبيع معين مطلقا بإحضار مثله إن هلك، قال في التوضيح: قوله مطلقا أي سواء كان مقوما أو مثليا وهو مقيد بغير النقدين فيصح ضمانهما ولو عينا على مذهب المدونة؛ لأنه إنما تجوز المعاوضة عليهما عنده على شرط الخلف. وقوله: إن هلك قبل أن يقبضه المشتري، وفي معنى الهلاك الاستحقاق، ولو اشترى سلعة من رجل على أنها إن استحقت فعلى البائع خلفها وضمن البائع في ذلك غيره، ففي المدونة قال ابن القاسم: إن استحقت انفسخ البيع ولا تلزمه الحمالة، وقال غيره: تلزمه وهو أدخل المشتري في غرم ماله فعليه الأقل من قيمته يوم تستحق أو الثمن الذي وَدَّى إلا أن يكون الغريم مليا حاضرا فيبرأ، ثم قالت: ولو عقد البيع على اشتراطه لفسد البيع. اهـ. ومثله لابن يونس عنها. انظر التوضيح والرهوني. وقوله: "بدين" اعلم أنه إذا ضمن ما يترتب على المعينات كالوديعة والعارية ومال الشركة والقراض بسبب تعد أو تفريط من ضمان القيمة أو المثل فإن ذلك يصح ويلزم. لازم يعني أن الضمان إنما يصح في الدين اللازم، وأما الدين الذي ليس بلازم فلا يصح الضمان فيه كدين عبد بغير إذن سيده، ولا يصح التحمل عن السفيه إلا بما يلزمه وذلك أن ما أخذه السفيه أو اقترضه أو باع به شيئا من متاعه فلا يخلو إما أن يكون صرفه فيما لابد له منه أو فيما هو مستغنى عنه، فالأول يرجع عليه به على الراجح من القولين، ويصح ضمانه عنه ويرجع عليه الضامن في ماله إذا أدى، وأما ما لا يلزم المحجور فلا يرجع عليه به، فإن ضمنه فيه إنسان رشيد فهل يلزم الضامن غرم أم لا، لا يخلو الضامن للمحجور عليه والمضمون له المحجور من أن يعلما بأنه محجور أو لا يعلما، أو يعلم الضامن دون المضمون له، أو يعلم المضمون له دون الضامن؟ ففي الوجه الرابع لا يلزم الضامن شيء اتفاقا، وفي الثالث يلزمه ما ضمن اتفاقا ويختلف

стр. 6253

في الوجهين الأولين فعند ابن القاسم يلزمه، وعند ابن الماجشون لا يلزمه. ومن هذا الباب لو ضمن المحجور شخصا لشخص آخر ثم ضمن المحجور الضامن شخص آخر رشيد فضمان المحجور لا يصح ولا يلزمه شيء، وهل يرجع رب الحق على الرشيد الذي ضمن له المحجور أولا؟ يأتي التفصيل المتقدم. أو آئل يعني أن الضمان إنما يصح في الدين اللازم كما عرفت، وكذا يصح أيضا في الدين الذي يؤول إلى اللزوم كداين فلانا وكالجعل كما يأتي للمص قريبا لا كتابة يعني أن الحمالة بالكتابة لا تصح، قال المواق: ابن شأس: من شروط المضمون أن يكون حقا ثابتا مستقرا أو مئاله إلى ذلك فلا تصح الحمالة بالكتابة إذ ليست بدين ثابت مستقر، ولا تؤول إلى ذلك لأن العبد إذا عجز رق وانفسخت الكتابة. اهـ. وقال عبد الباقي عند قوله: "لا كتابة" ما نصه: إلا أن يعجل السيد عتقه أو يشترط تعجيل عتقه عند عجزه فيصح لأجنبي ضمان الكتابة في هاتين الصورتين للزومها فيهما، وكان للضامن الرجوع على المكاتب قال في الشامل: لا كتابة على المعروف إلا بشرط تعجيل العتق أو كانت نجما واحدا، وقال الحميل: هو علي إن عجز. اهـ. قوله: عن الشامل لا كتابة على المعروف لخ، مقابل المعروف ما نقله ابن يونس عن ابن عبد الحكم من أنه لا بأس بالحمالة بالكتابة، قال ابن يونس: ولا أعلم لي في هذا القول رواية. انظر التوضيح. وابن عرفة. وخرج اللخمي جواز الحمالة بالكتابة على قول أشهب: يجوز أن يعطي رجل لسيد العبد مالا على أن يكاتبه وهو لا يدري هل يناله العتق أم لا؟ ورده ابن عرفة بأن المقصود في مسألة أشهب محقق الحصول وهو نفس الكتابة لا المقصود منها وهو العتق، وفي الحمالة بالكتابة المقصود منها العتق وقد لا يحصل فيؤدي إلى غرم المال مجانا. اهـ. ونقله ابن غازي في تكميله وسلمه. قاله الرهوني. فرع: قال ابن ناجي في شرح المدونة ما نصه: وإذا فرعنا على قوله ووقع ذلك فإن الحمالة تسقط وتصح الكتابة، وإن كان ذلك في أصل العقد. قاله عيسى. اهـ منه بلفظه. قاله الرهوني. بل كجعل هذا مثال للدين الذي يؤول إلى اللزوم؛ يعني أنه يجوز التحمل بالجعل، فإذا قال: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير مثلا فيصح أن يضمن الجاعل شخص في تلك العشرة ولو

стр. 6254

قبل الشروع في العمل كما في ابن عرفة والشامل لأنه قبلَه -وإن لم يكن لازما- آئلٌ إلى اللزوم فلذا جعله مثالا للآئل، وتقييد ابن شأس وابن الحاجب بالشروع منتقد ودخل بالكاف قول شخص لآخر ما ثبت لك على خصمك فأنا حميل به فأثبت عليه حقا ببينة، وكذا بإقراره على أحد قولين والآخر لا يكون ضامنا به. قاله عبد الباقي. وداين فلانا يعني أنه إذا قال لفلان داين فلانا أي أعطه شيئا يأخذه منك بدين في ذمته وأنا ضامن لك ذلك الدين، فإن هذا الضمان يصح لأنه دين آئل إلى اللزوم. قال عبد الباقي: وصح الضمان ممن قال لشخص: داين أو بايع فلانا وأنا بما داينته أو بعته ضامن حتى يصير ضمانا، وإلا كان غرورا قوليا. اهـ. يعني أنه إنما يلزمه الضمان إذا قال وأنا ضامن، فإن لم يقلها بأن قال داين فلانا أو بايعه ولم يقل وأنا ضامن لم يكن على القائل شيء ولو تعسر الأخذ ممن داينه ولو زاد مع قوله: داينه وهو ثقة. وقد ذكر البرزلي فيه خلافا، ويفهم من كلامه أن المشهور عدم الضمان. قاله الحطاب. قلت: وعليه اقتصر في الطرر ففيها في ترجمة ضمان ما يداين به الرجل صاحبه ما نصه: رأيت في بعض الكتب سئل بعضهم عن رجل أتى إلى رجل، فقال: أعطني ذهبا على سلعة ما إلى أجل، فقال: لا أعرفك، فقال له رجل آخر: هو ثقة أيجوز إن أفلس أو غاب أو مات أن يأخذ ذلك القائل، فقال: لا يجوز ذلك حتى يقول في ضماني أو أنا ضامن لسلعتك. فانظر ذلك. انتهى منها بلفظها. وكذا إذا قال أنا أعرفه أو جمع بينهما فقال أنا أعرفه وهو ثقة كما نقله ابن سلمون عن ابن الحاج. تنبيه: لم يذكر في الطرر يمينا وكذا الحطاب ومن تبعه، وقال ابن سلمون عن ابن الحاج ما نصه: يحلف هذا القائل إنه ما أراد بقوله ثقة ضمانا ويبرأ بما قال إن شاء اللَّه. اهـ منه بلفظه. وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. قاله الرهوني. ولزم فيما ثبت يعني أنه إذا قال له داين فلانا أو بايعه وأنا ضامن لك ما داينته به أو بايعته به ثم داينه، فإن الضمان يلزمه فيما إذا ثبت أنه داينه ببينة، وكذا بإقرار المضمون إن كان مليا وإلا فقولان. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: ومن تحمل لفلان بمالَه قِبَلَ فلان في

стр. 6255

لزومه غرمه ما أقر به فلان بإقراره ووقفه على ثبوته ببينة نقلا اللخمي قولي ابن القاسم في الدمياطية والمدونة. وهل يقيد بما يعامل به يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة، قال مالك: من قال لرجل بايع فلانا أو داينه فما بايعته من شيء أو داينته به فأنا ضامن لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه، هل يقيد بقول غير مالك في المدونة إنما يلزمه من ذلك ما يشبه أن يداين به المحمول عنه فيكون كلام الغير تفسيرا؟ وبهذا قال ابن رشد وابن يونس واللخمي، وقال المازري: هو الأظهر، وقال بعضهم: قول الغير خلاف. انظر الشارح. وقال عبد الباقي: والمعتمد الأول منهما بل أنكر ابن عرفة معرفة الثاني، وقال الرهوني: فالتاويل الثاني صاحبه غير معروف مع إنكار ابن عرفة وجوده. اهـ. وقال عبد الباقي: وهل يقيد لزوم ما ثبت بما يشبه أنه يعامل به مثله وإلا لم يلزمه إلا المشبه فقط كما قد يفيده التتائي. اهـ. قوله: كما قد يفيده التتائي، قال الرهوني: كأنه لم يقف على نص في ذلك مع أنها منصوصة بخلاف ما قال، ففي تبصرة اللخمي ما نصه: وإن داينه أكثر من مداينة مثله وكانت مرة بعد مرة لزمه أولها وسقط ما هو فوق ما يداين به وإن عامله بأكثر وأخذ فوق ما يعامل به مثله سقط عن الكفيل المطالبة بجميع ذلك. اهـ منها بلفظها. ونقله ابن عرفة وأقره ولم يحك خلافه. وقال العبدوسي في شرح المدونة ما نصه: قال الشيخ: فإن داينه بما لا يشبه، فإما أن يكون ذلك مرة أو مرة بعد مرة، فإن داينه أكثر من مداينة مثله في صفقة واحدة سقط ذلك كله وإن داينه مرة بعد أخرى لزمه ما يشبه وسقط ما لا يشبه. هكذا نقل الشيخ عن اللخمي. وقال: قول اللخمي هذا تفسير للمذهب [لأن] (١) ساقه مساق التفسير. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وقد مر الكلام عليهما وله الرجوع قبل المعاملة يعني أنه إذا قال داين فلانا أو بايعه أو عامله وأنا ضامن فيما داينته به، فإن الضمان يترتب عليه كما عرفت هذا إن لم يرجع عن مقالته قبل المعاملة، فإن رجع عنها قبل حصول شيء منها فلا شيء عليه، وإن رجع بعد حصول شيء لزمه ما وقعت فيه المعاملة وسقط ما لم

стр. 6256

تقع فيه، فقوله: قبل المعاملة أي قبل تمامها، قال عبد الباقي: وله أي للضامن في مسألة داين فلانا الرجوع عن الضمان قبل المعاملة لأنه التزم قدرا لا غاية له. قاله اللخمي كما في أحمد. وهذا إن كان ضمان مال وكذا وجه أو طلب فيما يظهر، وظاهر المص سواء أطلق أو قيد بقدر كمائة وهو كذلك على أحد قولين متساويين فيما إذا قيد والآخر لا رجوع له. انظر أحمد عن التوضيح والتتائي. ثم قوله: "قبل المعاملة" أي قبل تمامها، فإذا عامله يوما مثلا ثم رجع الضامن لزمه في اليوم لا فيما بعده. قاله الجزيري. وهذا إنما يظهر إذا حد للمعاملة حدا أو لم يحد وقلنا يقيد بما يعامل به، وأما على القول الثاني فلا يظهر له فائدة، وانظر لو رجع ولم يعلم برجوعه حتى عامله وظاهر المص أنه لا يلزم الضامن شيء وظاهر المدونة على نقل الشارح أنه لابد من علم المضمون له بالرجوع قياسا على الزوجة تنفق مما بيدها للزوج قبل علمها بالطلاق. اهـ. قوله: لأنه التزم قدرا لا نهاية له لخ، قال الرهوني: هذه العلة للخمي كما قال، واللخمي علل بها على مذهبه من التقييد بما إذا لم يسم قدرا معلوما، والزرقاني قال بعدُ ما نصه: وظاهر المص سواء أطلق أو قيد بقدر كمائة وهو كذلك لخ: فلا يصح أن يعلل بتلك العلة لأنها قاصرة وكلام التوضيح الذي أشار إليه هو ما نصه: ذكر المازري عن بعض أشياخه أنه إنما يرجع إذا أطلق، وأما إن قيد فقال عامله بمائة دينار فلا رجوع له، وأنكر غيره هذه التفرقة، ورأى أن له الرجوع مطلقا وما عزاه للخمي هو كذلك في تبصرته ونقله ابن عرفة ولم يتعقبه، ولكن نقل من كلام عبد الحق ما يدل على خلافه. وقول عبد الباقي: وأما على القول الثاني فلا يظهر له فائدة فيه نظر بل تظهر فيه الفائدة على كل من القولين تأمل. وقوله: وظاهر المدونة على نقل الشارح لخ على ظاهرها يجب التعويل لوجود العلة وهي توريطه. انظر نصها في المواق. واللَّه تعالى أعلم. قاله الرهوني. بخلاف احلف وأنا ضامن به يعني أنه إذا قال لرجل احلف أن الذي تدعيه على فلان حق وأنا ضامن لك به ثم رجع فإن رجوعه ذلك لا ينفعه بل يكون ضامنا إن حلف المدعي، قال في المدونة: ومن قال لرجل احلف أن الذي تدعيه قِبَلَ أخي حق وأنا له ضامن ثم رجع لم ينفعه رجوعه ولزمه ذلك إن حلف الطالب، فإن مات كان ذلك في ماله. اهـ منها بلفظها. قاله

стр. 6257

الرهوني. وقال المواق: قال ابن القاسم: ولو لم يداينه حتى أتاه الحميل فقال لا تفعل فقد بدالي فذلك له، بخلاف احلف وأنا ضامن ثم رجع قبل اليمين فهذا لا ينفعه رجوعه لأنه حق وجب. اهـ. وقال عبد الباقي: بخلاف من قال لمدع على آخر بحق وهو يكذبه احلف أن ما تدعيه حق أو أن لك عليه حقا وأنا ضامن به، فلا رجوع له ولو قبل حلفه لأنه بالتزامه صار كأنه حق واجب لتنزله منزلة المدعى عليه كما أشار له ابن يونس، وإذا حلف وأخذ من الضامن ولم تقم على المضمون بينة بالحق ولا اعترف به حلفه الضامن، فإن حلف أنه ليس عليه حق للمدعي لم يرجع الضامن عليه بشيء ولا على من أدى له، وإن نكل غرم بمجرد نكوله ما غرمه عنه ولا يحلف الضامن لعدم علمه ولا رب الدين لتقدم يمينه، وسواء حضر الدين ساكتا حين أداء الضامن عنه أو كان غائبا ثم قدم. اهـ. إن أمكن استيفاؤه من ضامنه شرط في قوله: "وصح" يعني أنه يشترط في صحة الضمان أن يكون المضمون فيه مما يمكن أن يستوفى من الضامن، وأما إن لم يمكن استيفاؤه من الضامن فلا يصح الضمان فيه كالحدود والتعازير والقتل والجراح وكالمعينات وهذا الشرط يغني عن قوله: "بدين"، وقوله: "إن أمكن استيفاؤه من ضامنه" أي شرعا، قال المواق: القضاء أن كل ما يلزم الذمة فالكفالة به جانزة والحدود والآداب والتعازير لا تجوز الكفالة فيها. وقاله مالك. وقال ابن بكير: ولا يجوز في دم أو زنى أو سرقة أو شرب خمر ولا في شيء من الحدود. ابن يونس: لأن فائدة الحمالة أن يحل الضامن محل المضمون في تعذر أخذ الحق منه، وهذا المعنى يتعذر في الحدود لأن استيفاءها من الضامن لا يجوز، وقد وقع لأصبغ في الفاسق المتعسف على الناس يؤخذ فيتحمل رجل عنه بكل ما يجترم أن ذلك لازم إلا في القتل خاصة، قال فضل: انظر هل يريد فيغرم الدية. اهـ. وإن جهل يعني أن الضمان يصح وإن كان الحق المضمون مجهولا حالا ومئالا. ابن عرفة: جهل قدر المتحمل به غير مانع اتفاقا، وقوله: "وإن جهل" من هذا قوله وداين فلانا ولزم فيما ثبت، وقال في كتاب الشفعة من المدونة: ومن تكفل عن رجل ولم يذكر ما عليه جاز، فإن غاب المطلوب قيل للطالب أثبت حقك وخذه من الكفيل، فإن لم تقم بينة وادعى أن له على المطلوب

стр. 6258

ألف درهم فله أن يحلف الكفيل عليه فإن نكل حلف الطالب واستحق يريد ثم لا يرجع الكفيل على المطلوب بما غرمه من سبب نكوله إلا أن يقر له المطلوب، وله أن يحلفه فإن نكل غرم، وقال في كتاب محمد والعتبية عن مالك: من مات وعليه دين لا يُدرَى كم هو وترك مالا لا يُدرَى كم هو، فيتحمل بعض ورثته بجميع دينه نقدا أو إلى أجل على أن يخلى بينه وبين ماله، فإن كان على أنه إن كان ثم فضل بعد وفاء الدين فهو بينه وبين بقية الورثة على فرائض اللَّه، وإن كان نقص فعليه وحده فذلك جائز لأنه معروف، وأما إن كان له الفضل وعليه النقصان فلا يجوز لأنه غرر، ولو كان وارثا واحدا جاز وإن طرأ غريم لم يعلم به فعليه أن يغرم له، ولا ينفعه قوله: لم أعلم به وإنما تحملت بما علمت، مالك من مات وعليه ثلاثة آلاف دينار ولم يترك غير ألف دينار وله ولد لا يرثه غيره فسأل غرماء أبيه أن يدعوا له الألف بيده وينظروه سنين ويضمن لهم بقية دينهم فرضوا فذلك جائز، قال ابن القاسم: وبلغني عن ابن هرمز مثله، قال مالك: وإن كان معه ورثة غيره وأدخلهم في فضل إن كان فذلك جائز وان طرأ غريم لم يعلم به لزمه أن يغرم له. نقله الشارح. وقال عبد الباقي: وإن جهل قدر الحق المضمون حالا ومئالا فإن قلت الحمالة فيها الرجوع وهو مستحيل بالمجهول، قلت: نعم لكنه يرجع بما أدى وما أدى معلوم، فالضمير في جهل للدين أو للحق كما ذكرنا المشار إليه بقوله سابقا: "شغل ذمة أخرى بالحق". فَرْعٌ: من مات وعليه دين وهو وتركته مجهولان فضمنه وارثه ليتمكن من التركة جاز إن انفرد أو تعدد وكان النقص على الضامن والفاضل بينهم لا على أن يختص به، وإن طرأ غريم لم يعلم به فعليه أن يغرم له ولا ينفعه قوله لم أعلم به وإنما تحملت ما علمت لأنه معروف. انظر الشارح. والظاهر أن الأجنبي كذلك بدليل التعليل المذكور، وإذا لم يقع من الوارث نص على أن ما فضل بينهم ولا على عدمه فهل يكون بمنزلة النص عليه أم لا، وأخذ غير واحد من أشياخ الأجهوري من قوله لأنه معروف أن ما يقع في الوثائق من قوله إنه متى قام قائم وأغرمه شيئا بسبب ما ذكر كان عليه القيام به من ماله أنه يلزمه ما التزمه. اهـ.

стр. 6259

أو من له يعني أن الضمان يصح وإن كان الذي له الدين مجهولا فالضمير في له عائد على من، وهي واقعة على رب الدين. وقوله: "أو من له" عطف على الضمير في جهل من غير فاصل وهو سائغ كثير في النظم ضعيف في النثر. المواق: ولما جازت هبة المجهول جازت الحمالة به لأنها معروف. ابن شأس: الركن الثاني المضمون له ولا يشترط معرفته. انتهى. فَرْعٌ: تجوز الحمالة إلى أجل مجهول ويضرب له من الأجل بقدر ما يرى، قال ابن القاسم: ومن قال لرجل إن لم يوفك فلان حقك فهو علي وإن لم يضرب لذلك أجل تلوم له السلطان بقدر ما يرى ثم لزمه المال إلا أن يكون الغريم حاضرا مليا. قاله الحطاب. وفي المدونة: ولا بأس أن يتكفل بمال إلى خروج العطاء وإن كان مجهولا إن كان في قرض أو في ثمن بيع صحت عقدته، وإن كان في أصل بيع لم يجز إذا كان العطاء مجهولا. قاله الحطاب. وبغير إذنه يعني أنه يصح أن يضمن عن الشخص بغير إذنه، فالضمير في إذنه للشخص المضمون وهو الذي عليه الدين ويفهم منه صحة ضمان من عليه الحق وإن جهل. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: إن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قضي لفلان على فلان أو [قال] (١)، أنا كفيل لفلان بماله على فلان وهما حاضران أو غائبان أو أحدهما غائب لزمه ما أوجب على نفسه من الكفالة والضمان لأن ذلك معروف، والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه. انتهى. ابن عرفة: ونصوصها مع غيرها بصحة الحمالة دون رضى المتحمل عنه واضحة. المتيطى وابن فتوح: من العلماء من قال لا تلزم الحمالة الذي عليه الحق إلا بأمره، ولذا كتب كثير من الموثقين: تحمل عن فلان بأمره واستدل المص على صحة الضمان بغير إذن المدين ورضاه بقوله: كأدائه رفقا يعني أنه يصح ضمان المدين بغير إذنه ورضاه كما في مسألة أداء الدين عن المدين بغير إذنه، فإنها جائزة إذا كان ذلك رفقا بالمدين. وقوله: "رفقا" راجع للمسألتين أي لقوله: "وبغير إذنه"، ولقوله: "كأدائه" وفي المديان منها: من أدى عن رجل دينا بغير أمره جاز إن فعله رفقا بالمطلوب، وإن أراد الضرر بطلبه وإعناته لعداوة بينهما منع من ذلك. اهـ.

стр. 6260

وإلى ذلك أشار بقوله: لا عنتا يعني أنه إذا قصد بالضمان أو بالأداء العنت محركة أي ليتعب من عليه الدين، فإن ذلك لا يجوز ويرد إن وقع كما قال: فيرد قال عبد الباقي واستدل المص على ضمان المدين بغير إذنه بقوله: "كأدائه" من إضافة المصدر لفعوله أي كما يصح أن يؤدي شخص دينا على آخر بغير إذنه إذا أداه عنه رفقا ويلزم رب الدين قبوله، ولا كلام له ولا للمدين إذا دعا المؤدي أحدهما إلى القضاء وأجابه، فإن امتنعا معا لم يلزمهما فيما يظهر وهو راجع لما قبل الكاف أيضا كقوله: لا إن قصد بالأداء أو بالضمان عنه عنتا بفتح النون مصدر عنت وبسكونها اسم مصدر بمعنى الإعنات كالكره بمعنى الإكراه أي ضررا أي ليتعب من عليه كقصد سجنه لعداوة بينهما، فيرد الأداء أي يرد عليه فعله ويرجع على من دفع له بما أقبضه له فإن فات بيده رد له عوضه كان المؤدى عنه حاضرا أو غائبا وإن تعذر رده لغيبة رب الدين أقام الحاكم من يقبض من المدين ويدفع للمؤدي عنتا. وكذا يقال في قوله: كشرائه أي كما يمنع شراء دين على مدين عنتا فيرد، فإن فات بيده إلى آخر ما مر، ويقال: ويدفع للمشتري بدل المؤدي، قال أبو الحسن: والضرر من أفعال القلوب فإنما يعلم بإقراره قبل ذلك أو بقرائن تدل الشهود على أنه قصد ذلك. اهـ. أي فالأصل عدم العنت. اهـ. كلام عبد الباقي بتغيير قليل جدا. قوله: ويلزم رب الدين قبوله ولا كلام له ولا للمدين لخ، قال الرهوني: أصله في الحطاب لكن لم يقتصر عليه بل زاد بعده ما نصه: ثم وقفت على كلام ابن عرفة الآتي عند قوله: "وتسليمه نفسه" وهو نص في عين المسألة. اهـ. ومعناه أنه نص (١) أنه لا يلزم رب الحق قبوله، ويؤخذ منه أنه لا يلزم المدين بالأحرى وعدم لزوم ذلك لهما إن أبيا معا ضروري إذ ذاك، وكلام ابن عرفة المشار إليه يدل على أنه متفق عليه لأنه ساقه مساق الاحتجاج والاستدلال به، ومثل ما في ابن عرفة للباجي في المنتقى ونصه: زاد ابن المواز: إلا أن يأمره الحميل بذلك فيكون كدفع الحميل لأنه قد وكله على النيابة عنه فيبرأ، فإذا أشهد بذلك لزم الطالب وإن أباه قال القاضي أبو الوليد ﵀: وهذا عندي إذا لم يرد الطالب قبوله

стр. 6261

إلا بتسليم الحميل لأنه حق قد لزم الحميل، فللطالب أن لا يقبله من غيره وله أن يقبله فيبرأ الحميل، كما لو كان عليه دين فدفعه أجنبي فإن للطالب أن لا يقبله من الأجنبي إلا بتوكيل الغريم وله أن يقبله فيبرأ بذلك الغريم. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال مالك: من أدى عن رجل حقا لزمه بغير أمره فله أن يرجع عليه، قال ابن القاسم: وكذلك من تكفل عن صبي بحق قضي به عليه فوداه عنه بغير أمر وليه فله أن يرجع به في مال الصبي، وكذلك لو أدى عنه ما لزمه من متاع كسَرَه أو أفسده أو اختلسه لأن ما فعل الصبي من ذلك يلزمه وقاله مالك. ابن المواز: قال ابن القاسم: وذلك إذا كان الجاني الصغير ابن سنة فصاعدا، وأما الصغير جدا مثل ابن ستة أشهر لا ينزجر إذا زجر فلا شيء عليه، ومن المدونة: من أدى عن رجل دينا عليه بغير أمره أو دفع عنه مهر زوجته جاز ذلك إن فعله رفقا بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه أو إعناته وأراد سجنه لعدمه لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إن اشتريت دينا عليه تعنيتا له لم يجز ورد إن علم بهذا. وهل إن علم بائعه يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا قصد المشتري بشرائه إعنات من عليه الدين، فمنهم من تأول المدونة على أن محل رد الشراء المذكور إنما هو إذا علم بائع الدين بقصد المشتري له إعنات من عليه الدين، وأما إن لم يعلم بائع الدين بقصد المشتري ذلك فلا يرد الشراء المذكور بل يباع الدين على مشتريه فيرتفع الضرر بذلك عن المدين. قال المص: وهذا التأويل هو الأظهر فكلامه صريح في أن ابن رشد استظهر هذا التأويل، ومنهم من تأول المدونة على أنه إذا قصد المشتري إعنات الدين فإنه يرد الشراء المذكور علم بائع الدين بقصد المشتري للضرر أم لا، وهذا التأويل هو ظاهر المدونة، وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، قال المواق: ابن يونس: اختلف شيوخنا إن كان مشتري الدين قاصدا بشرائه الإضرار والبائع غير عالم بقصده، فقال بعضهم: يفسخ البيع مثل تواطئهما جميعا وشبهه كالمسلف يقصد بسلفه النفع والقابض للسلف لا علم عنده، وكبيع من لا تلزمه الجمعة ممن تلزمه، وقال غيره: إذا لم يعلم البائع بقصد المشتري للضرر لم تفسخ عليه صفقته ويباع الدين

стр. 6262

على المشتري فيرتفع الضرر عن الذي عليه الدين. ابن يونس: وهذا القول بين، وظاهر الكتاب يدل على الأول. انتهى. وقوله: "وهو الأظهر" قال عبد الباقي: صوابه الأرجح. اهـ. وهذا الذي قاله هو الذي يدل عليه نقل المواق كما رأيت، وقال الخرشي: ثم إن قوله وهو الأظهر ليس جاريا على اصطلاحه لأنه لم ينقله في توضيحه إلا عن ابن يونس وكذا الشارح، فكان الجاري على اصطلاحه أن يقول على الأرجح. اهـ. وقال الرهوني: يمكن أن يكون المص أشار بالأظهر إلى ما نقله غير واحد عن ابن رشد من أن جهل الثمن أو المثمن إنما يؤثر الفساد إذا كان من المتعاقدين معا لا من أحدهما فقط. فَمُحَصَّلُ ذلك أن موجب الفساد إنما يؤثر عنده إذا كان من الجهتين معا فهو وإن لم يصرح بالفساد في هذه المسألة بخصوصها فكلامه يشعر فيها بذلك، فإن سلم هذا سقط بحث ابن غازي ومن تبعه فتأمله. اهـ. قال غير واحد: وإنما جرى في الشراء خلاف واتفق على الرد في الأداء عنتا لأنه ليس فيه عقد معاوضة حتى يفصل فيه بين العلم وعدمه، وإنما نظر فيه لقصد الضرر بخلاف الشراء فإن القائل بالتفصيل فيه يراعي في العلم دخولهما على الفساد وفي عدم العلم عدم الفساد لعذره بجهله فلذا لم يرد. اهـ. لا إن ادعى على غائب فضمن ثم أنكر يعني أن من قال لي على فلان ألف درهم والحال أن فلانا غانب، فقال رجل أنا بها كفيل فعلم فلان الغائب المدعى عليه فأنكر ذلك وقال ليس له علي شيء فإنه لا شيء على الكفيل حتى يثبت الدين على الغائب ببينة أو بإقراره على أحد التأويلين كما يأتي هذا قريبا إن شاء اللَّه قال المواق من المدونة: من قال لي على فلان ألف دينار، فقال له رجل: أنا بها كفيل فأتى فلان فأنكرها لم يلزم الكفيل شيء. اهـ. أو قال: أي ولا يلزم الضمان بقول شخص لمدع على شخص منكر أي مكذب له فيما ادعاه عليه: إن لم آتك به لغد اللام للغاية أو بمعنى في قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وقوله "إن لم آتك به لغد" شرط، وجوابه قوله: فأنا ضامن للمال الذي عليه والحال أن القائل لهذا الكلام لم يأت به أي بالمنكر وهو المدعى عليه غدا فلا ضمان عليه، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من ادعى على رجل

стр. 6263

حقا فأنكره فقال له رجل أنا كفيل إلى غد فإن لم آتك به غدا فأنا ضامن للمال الذي عليه وسمى عدده، فإن لم يات به غدا فلا يلزم الحميل شيء. إن لم يثبت حقه ببينة يعني أن محل عدم لزوم الضمان في المسألتين إنما هو حيث لم يثبت الحق على المدعى عليه ببينة، وأما إن ثبت عليه ببينة فإنه يلزمه الضمان فيهما كما في المدونة. وهل بإقراره تأويلان يعني أنه إن ثبت الحق على المدعى عليه بإقراره، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك، فمنهم من تأول المدونة على أنه يلزمه الضمان لثبوت الحق بالإقرار كثبوته بالبينة وهذا التأويل لعياض، ومنهم من تأولها على أن ثبوت الحق بإقرار المدعى عليه كثبوته بالبينة فلا يلزمه الضمان. قال الحطاب: الشرط وما بعده راجع إلى المسألتين قبله. انظر المدونة في الحمالة، وكلام أبي الحسن عليها تفهم منه ذلك. اهـ. وقال بعض شيوخنا: التأويلان إنما هما في الثانية وإن كان في الأولى خلاف أيضا، لكن ليس بتأويل على المدونة. انتهى. انظر البناني. قوله: وقال بعض شيوخنا لخ، قال الرهوني: بهذا جزم أبو علي ونصه: ونحن لا ننكر الخلاف في الصورة الأولى وإنما مرادنا التأويلان في أي صورة هما، وقد تبين أنهما في صورة المنكر وهي قول المتن: "أو قال لمدع على منكر" لخ، وأما قول المتن: "لا إن ادعى على غائب فضمن" لخ فليست محلا للتأويل وإنما طرقها خلاف. انتهى. ثم قال: وقول الحطاب محيلا على المدونة وأبي الحسن: يفهم ذلك منهما، غير صحيح. تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي عند قول المص: "وهل بإقراره" ما نصه: راجع للثانية فقط فإقراره في الأولى لا يوجب على الضامن شيئا. اهـ. قوله: فإقراره في الأولى لا يوجب على الضامن شيئا، قال الرهوني: القول بأنه لا يلزمه ذلك بالإقرار عزاه ابن يونس واللخمي للموازية، وجعلاه خلاف ظاهر المدونة، وكذا أبو إسحاق فهم المدونة على أن الإقرار كالبينة ولم أر من حمل كلام الموازية في هذه على التفسير للمدونة وعلى وجوده فهو ضعيف؛ لأن ابن رشد حكى الاتفاق على لزومه بالإقرار، فقال في رسم الشجرة من سماع عيسى من كتاب الكفالة ما نصه: فإذا قال الرجل لي على فلان ألف دينار، فقال له رجل أنا لك بها كفيل، لزم الكفيل غرمها إذا أقر بها المطلوب قولا واحدا. اهـ منه بلفظه. والاتفاق منقوض بنقل ابن يونس واللخمي: وحكاية ابن رشد

стр. 6264

الاتفاق وإن كانت غير مسلمة تفيد ضعف ذلك التأويل على تقدير وجوده. ونص كلام ابن يونس: ومن قال لي على فلان ألف دينار، فقال له رجل أنا بها كفيل فأتى فلان فأنكرها لم يلزم الكفيل شيء حتى يثبت ذلك ببينة. ابن المواز: لا بإقرار المطلوب الآن ولو كان إقراره بذلك قبل الحمالة للزم الكفيل. محمد بن يونس: وظاهر اعتلاله في المدونة لو أقر لزم الحميل الغرم. اهـ. محل الحاجة منه بلفظه. ونقل نحو هذا عن اللخمي، ثم قال: واعتمد ابن ناجي كلام أبي إسحاق الذي فهم المدونة على أن الإقرار كالبينة، ثم قال: وبذلك كله تعلم ما في قول الزرقاني فإقراره في الأولى لا يوجب على الضامن شيئا قطعا، والعجب من سكوت التاودي والبناني عنه مع ما قدمناه من قول ابن رشد: يلزمه قولا واحدا. واللَّه الموفق. الثاني: قال البناني عند قوله: "أو قال لمدع على منكر" لخ ما نصه: الصواب أن يعلل سقوط الضمان في هذه بأنه التزام معلق على أمرين: أحدهما في اللفظ وهو عدم الإتيان به والآخر في المعنى وهو ثبوت الحق على هذا المنكر، فكأنه يقول إن لم آتك به وثبت الحق فأنا ضامن، فإذا لم يأت به ولم يثبت الحق فلا ضمان؛ إذ لم يقع العلق عليه بجملته، وإذا أتى به سقط عنه الضمان ولو ثبت الحق؛ لأن الإتيان به نقيض المعلق عليه، وأما التعليل بأنه وعد فغير ظاهر كيف وهو التزام. اهـ. قوله: وإذا أتى به سقط لخ أي ولو كان عديما لأنه ضمان وجه. انظر الرهوني. وقال عبد الباقي: وهل بإقرار راجع للثانية تأويلان في لزوم الضمان به، كلزومه بالبينة وعدم لزومه لأنه يتهم على أن يكون تواطأ مع المدعي على لزوم الضمان للضامن، ومحلهما إذا أقر بعد الضمان وهو معسر فإن أقر قبله أو بعده وهو موسر فإن الحمالة تلزمه إذ لا ضرر على الضامن حينئذ. اهـ. الثالث: قال الرهوني: قال في المدونة: ومن قال لرجل إن لم أوافك بغريمك غدا فأنا ضامن لما عليه فمضى الغد فادعى الحميل أنه وافاه به فالبينة عليه وإلا غرم إلا أن يوافيه به الآن قبل الحكم عليه فيبرأ من المال. انتهى منها. ومثله لابن يونس عنها. اهـ. الرابع: قال الرهوني عند قول المص: "وهل بإقراره تأويلان" ما نصه: وإذا فرعنا على المقابل فلا إشكال أنه لا يلزم الحميل إذا نكل المطلوب وحلف الطالب، وأما على المشهور فقال اللخمي

стр. 6265

متصلا بما قدمناه عنه ما نصه: وكذلك ينبغي أن يكون الجواب إذا جحد ونكل عن اليمين وحلف المطلوب إن ثبتت الكفالة. اهـ. والذي قبله هو ما نصه فإذا أقر فلان لزم. اهـ. وكلام الرهوني هذا في المسألة الأولى. الخامس: قوله: "أو ادعى على غائب فضمن ثم أنكر" قال الرهوني: إذا استمر المدعى عليه غائبا وأراد المدعي تحليف الكفيل أنه لا يعلم له حقا على المطلوب فله ذلك كما يؤخذ مما في أواخر كتاب الشفعة من المدونة، ونصها: ومن تكفل بنفس رجل ولم يذكر ما عليه جاز، فإن غاب المطلوب قيل للطالب أثبت حقك ببينة وخذه من الكفيل، فإن لم يقم بينة وادعى أن له على المطلوب ألف درهم فله أن يحلف الوكيل على علمه، فإن نكل حلف الطالب واستحق. انتهى. السادس: قوله: "لا ان ادعى على غائب" قال عبد الباقي قبله ما نصه: وأخرج من قوله: "ولزم فيما ثبت" كما للتتائي أو من قوله: "وصح من أهل التبرع". انتهى. قال عبد الباقي: وشبه في عدم اللزوم حيث لم يثبت الحق ببينة وفي لزومه حيث ثبت بها، والثبوت بالإقرار هنا معتبر اتفاقا لأنه أقر على نفسه وليس من الضمان. كقوت المدعى عليه يعني أنه إذا ادعى شخص على آخر بحق، فقال المدعى عليه للمدعي: أجلني اليوم أي اتركني في هذا اليوم ولا تطالبني فيه، فإن تركتني اليوم ولم أوافك بضم الهمزة وفتح الواو بعدها ألف بعدها فاء مكسورة بعدها كاف ضمير مخاطب أي آتك غدا، فالذي تدعيه علي حق ولم يأته غدا فإنه لا يلزمه شيء ولا يثبت عليه الحق بذلك، فإن قامت على الحق بينة أو أقر به لزمه وافاه غدا أم لا، ومثل كلام المص إن أخلفتك غدا فدعواي باطلة أو فدعواك حق أو علي كراء الدابة التي تكتريها أو حقك علي فلا يلزم شيء من ذلك من التزمه، أو قال إن لم أحضر مجلس القاضي فعلي كذا فلا شيء عليه في ذلك كله انظر شرح الشيخ عبد الباقي. قال البناني: نسخة الزرقاني: فإن لم أوفك بتشديد الفاء دون ألف من الوفاء، وعليها يتنزل سؤاله. قال مصطفى: وكذا في المنسخ التي وقفنا عليها والصواب أوافك بألف بعد الواو من وافى بمعنى أتى، والأول تصحيف ممن لم يفهم معناه إذ لا معنى لوفى الذي بمعنى أدى هنا إذ ذاك كصريح

стр. 6266

الإقرار ومخالف لفرض المسألة في كلام الأيمة. قال في المدونة: وإن أنكر المدعى عليه ثم قال للطالب أجلني اليوم فإن لم أوافك غدا فالذي تدعيه قبلي حق فهذا مخاطرة ولا شيء عليه. اهـ. أبو الحسن: لأنه قد لا يقدر أن يأتي إذ قد يتعذر ذلك عليه، يفهم من توجيه أبي الحسن أن وافى بمعنى أتى. قلت: ويدل لذلك أن ابن يونس اختصرها بلفظ: فإن لم آتك غدا لخ وهو الذي نقله المواق، قال مصطفى: ومما يدل على ما قدمناه أن المسألة السابقة وهي قوله: إن لم آتك به لغد فأنا ضامن، عبر عنها في المدونة بإن لم أوافك كما في هذه فخالف المص بينهما تفننا وذكر مصطفى نصها، ثم قال: وبه تعلم أن تجويز الحطاب تشديد الفاء بمعنى الوفاء واستدلاله على هذا الضبط بلفظ المدونة المذكور فيه نظر؛ إذ كلامها مما يدل على خلافه كما ترى. اهـ كلام البناني. ولما تكلم على الضمان وأركانه وشروطه ذكر ما يرجع به الضامن إذا غرم، فقال: ورجع بما أدى يعني أن الضامن إذا غرم الحق لربه فإنه يرجع على المدين بما أدى أي بمثل ما أدى عنه لرب الدين مثليا كان أو مقوما، ولهذا قال: ولو مقوما قال عبد الباقي: أي بمثل ما أدى لأنه كالمسلف يرجع بمثل ما أدى، سواء كان مثليا أو مقوما، ولا يرجع بقيمة القوم حيث كان من جنس الدين، وقيل يخير المطلوب في دفع مثل المقوم أو قيمته والخلاف ما لم يشتره، فإن اشتراه رجع بثمنه بلا خلاف ما لم يحاب وإلا لم يرجع بالزيادة، وهذا كله إن ثبت الدفع من الضامن أي ثبت أنه دفع الدين المتحمل به لمن هو له ببينة أو بإقرار صاحب الحق لسقوط الدين بذلك لا بإقرار المضمون عنه، فلا يلزم بدفعه لأنه يقول قد ينكر رب الدين الأخذ منك. وانظر في الأصل فرع الشامل. اهـ. كلام عبد الباقي. قوله: فإن اشتراه صورة الشراء أن يعطي ثمنا في الرض الذي تحمل به ويدفع العرض لربه، وقال الشارح عند قوله: "ورجع بما أدى" وهذا ما لم يشتر العرض لذلك، فإن اشتراه له ولم يحاب فلا خلاف أنه يرجع بثمنه الذي اشتراه به، ولا يرجع بالزيادة إن حابى. اهـ. فإن اشتراه رجع بثمنه لخ، قال البناني: أي لأن الثمن هو المؤدى من عنده، فيرجع بما أدى أي بما خرج من يده. هذا كلام اللخمي وابن يونس وابن رشد وغيرهم، وقول التتائي: ومن وافقه لعل

стр. 6267

كلام ابن رشد طريقة غير صحيح، وذكر ابن يونس عن بعض القرويين أنه يرجع بالثمن الذي اشترى به إن كان الضمان بإذن المضمون عنه وإلا فيرجع بالأقل من الثمن وقيمة ما تحمل به، وقول الزرقاني: وانظر في الأصل فرع الشامل لخ، نص الشامل: ولو دفعه بحضرة الغريم دون بينة لم يرجع عليه على الأظهر إلا إذا أقر له الطالب ولا يفيد إقرار المضمون عنه. اهـ. وهذا إذا دفع الحميل المال من مال نفسه، ولو دفعها الذي عليه الحق للحميل ليدفعها إلى صاحب الدين فدفعها له ثم أنكر، فإن دفعها بحضرة الذي عليه الحق فلا ضمان على الحميل الدافع ويغرمها المطلوب ثانية بعد يمين الطالب الجاحد، فإن كان المطلوب عديما أو غاب أخذت من الحميل ثانية، ولا يرجع على المطلوب لعلمه أنه لا شيء عليه، كما لو دفعها المطلوب من ماله بحضرة الحميل فجحد الطالب فأخذه من الحميل ثانية لعدم المطلوب أو غيبته فلا يرجع بها على المطلوب لعلمه أنه أداها، وإن دفعها الحميل من مال المطلوب بغير حضرة المطلوب فهو ضامن لرب المال ويسوغ لرب المال تضمينه، وإن علم أنه حجده لأنه أتلف عليه إذ لم يشهد على دفعه. انظر الحطاب. وقال الرهوني عند قوله: "ولو مقوما" مقابل لو قولان: الرجوع بالقيمة وتخيير المطلوب. ابن عرفة: ولو أدى من تحمل عنه مثله من عنده، ففي رجوعه بمثله ثالثها يخير المطلوب فيهما لابن رشد عن المشهور معها، وقوله في الواضحة وسماع أبي زيد: ولو قضي على الحميل بالعرض فاشتراه، فسمع يحيى ابن القاسم يرجع عليه بالثمن ما بلغ. ابن رشد: اتفاقا ومعناه ما لم يشتره بأكثر مما يتغابن بمثله في البيوع. قلت: ما عزاه للواضحة عزاه الصقلي لأصبغ عن ابن القاسم. انتهى. فرع: وفي كتاب محمد: إذا غاب الغريم فغرم الحميل لصاحب الحق ثم قدم الغريم فذكر أنه دفع لصاحب الحق وأقام بينة على ذلك، قال ينظر: فإن كان الحميل دفع الحق قبل الغريم وبعد أن حل الأجل فله الرجعة على الغريم لأن دفعه كان لحق، ويرجع الغريم بما كان دفع على صاحب الحق وإن كان الغريم هو الدافع قبل الحميل فلا تباعة للحميل عليه، ويرجع الحميل على صاحب الحق إن دفع إليه، وإن جهل أمرهما لم يتبع الحميل إلا من دفع إليه إلا

стр. 6268

أن تكون له بينة أنه الدافع الأول أو بقضاء من السلطان بعد أن يحلف الغريم أنه كان الدافع قبل، فإن نكل حلف الحميل وأغرم الغريم، فإن نكلا جميعا لم يكن للحميل على الغريم شيء. اهـ. ونقل اللخمي كلام محمد مختصرا، وأسقط منه التقييد بكون الحميل دفع بعد حلول الأجل وأسقط اليمين عند جهل حالهما وما كان ينبغي له ذلك، ونقل ابن عرفة كلام الموازية مختصرا وأسقط منه قيد الحلول فقط. واللَّه أعلم. اهـ. قوله: بعد أن يحلف متعلق بقوله لم يتبع. قاله مقيده، وهو صريح الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. وجاز صلحه عنه بما جاز للغريم الضمير في "صلحه" للضامن، وفي "عنه" للدين، والمراد بالغريم من عليه الدين؛ يعني أنه يجوز للضامن أن يصالح رب الدين عن دينه بما يجوز للغريم أن يدفعه عوضا عما عليه، وقد قدم شيئا من ذلك بقوله: وبغير جنسة إن جاز بيعه قبل قبضه وبيعه بالمسلم فيه مناجزة وأن يسلم فيه رأس المال، ولابد أيضا أن لا يؤدي إلى ضع وتعجل وحط الضمان وأزيدك، ومفهوم قوله: "بما جاز للغريم" المنع فيما لا يجوز للمدين أن يدفعه عوضا عن الدين الذي عليه. وقد أشار المص إلى شيء من ذلك في باب السلم بقوله: "لا طعام ولحم بحيوان وذهب ورأس المال ورق وعكسه" ومن ذلك ما أدى إلى ضع وتعجل وحط الضمان وأزيدك والصرف المؤخر وبيع الطعام قبل قبضه. واعلم أنه وقع في كلام أهل التحقيق أن المص هنا كلامه مفروض فيما إذا صالح بمقوم عن دين العين بدليل ورجع بالأقل منه أو قيمته، وبهذا يظهر قوله: على الأصح لقول ابن زرقون: إنه المشهور، وحكى المازري وابن رشد الاتفاق عليه وهما وإن نوزعا في الاتفاق فأقل أحواله أن يكون هو المشهور، ومقابل الأصح أن ذلك ممتنع لأنه لا يدري بم يرجع، هل هو بالأقل من الدين أو من قيمة المصالح به؟ وأما صلحه بمثلي عن عين كما في النقل فقال ابن عرفة: وفي منعه عن عين بمثلي وجوازه قولا سلمها وكفالتها، بناء على تأثير الغرر بما يرجع به الحميل لتخيير الغريم في دفع ما عليه وما أدى عنه ولغوه؛ لأنه معروف. وقال ابن الحاجب: وإذا صالح الضامن رجع بالأقل من الدين والقيمة. اهـ. قال ابن عبد السلام: تكلم هنا على ما إذا أدى عنه ما يخالف

стр. 6269

جنس الدين وكان المدفوع من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال، فذكر أن الضامن يرجع على الغريم بأقل الأمرين من الدين أو من قيمة ما دفع، وهذا يدك بالالتزام على أن هذا الصلح جائز وإن كان الضامن لا يدري بماذا يرجع، هل بمثل الدين أو بقيمة الصالح به قبل؟ وإنما جاز ذلك لأن الضمان بابه المعروف والضامن دخل على أنه يأخذ أقل الأمرين وهو معلوم عنده، فإن دفع له الزائد بعد ذلك فمعروف صنعه معه الغريم. واختلف قوله في المدونة: إذا صالح الضامن الغريم بشيء من ذوات الأمثال مخالف لجنس الدين فأجازه في كتاب الحمالة وهو أقرب؛ لأن الباب معروف ومنعه في كتاب السلم الثاني لأن الضامن لا يدري ماذا يرجع به على الغريم، والجهالة فيها أكثر من الجهالة في مسألة المؤلف لمخالفة ما وقع به الصلح لما في ذمة الغريم في الجنس فلا يتأتى فيه الرجوع بالأقل. انتهى. ومن الشراح من عمم المص فجعله في المثلي وغيره وخص قوله: ورجع بالأقل لخ بالمقوم فعمم في أول الكلام وخصص في آخره كالشارح وعبد الباقي وما قالاه حسن. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وجاز صلحه أي الضامن لرب الدين عنه أي عن الدين بما جاز للغريم أي المدين الصلح به عما عليه لتنزله منزلته على الأصح كصلحه لربه بعد الأجل عن دنانير جيدة بأدنى منها أو عكسه، وكصلحه عن طعام قرض قبل الأجل بأكثر وبعد الأجل على أي وجه. قاله التتائي. اهـ. قوله في المثال الجائز كصلحه لربه بعد الأجل عن دنانير جيدة لخ صحيح. قال ابن عرفة: وإن كان عن عين بصنفها أدنى أو أجود، فقال الصقلي عن بعض الفقهاء: جائز لتيقن أن أحدا لا يختار إلا دفع الأخف عليه. اهـ. وقوله: كصلحه على طعام قرض قبل الأجل بأكثر لخ هذا غير صحيح؛ إذ قضاء القرض بأكثر تقدم أنه لا يجوز مطلقا لقول المص: "لا أزيد عددا أو وزنا إلا كرجحان ميزان". واللَّه أعلم قاله التتائي. وقال عبد الباقي عند قوله: "وجاز صلحه عنه بما جاز للغريم على الأصح" ما نصه: ويستثنى من كلامه يعني على شمول المص للمصالح بمقوم أو مثلي لا على أنه خاص بالمقوم مسألتان: الأولى صلحه بدنانير عن دراهم وبالعكس، والثانية صلحه عن طعام بأجود منه أو أدنى عند حلول الأجل فإن ذلك جائز للغريم لا للضامن؛ لأنه في الأولى صرف مؤخر وصرف بخيار إن دفع

стр. 6270

المدين ما عليه من الدين، لا إن دفع ما أداه الحميل عنه لأنه يخير في دفع أحد الأمرين المذكورين، وفي الثانية بيع الطعام قبل قبضه أي باعه رب الدين للضامن قبل قبضه من المدين، ثم يخير المدين بين دفعه للضامن مثل ما أعطى رب الدين ومثل ما عليه، واختلف في مسألة ثالثة وهي جواز صلح الضامن لرب الدين بمثلي مخالف لجنس الدين بشروطه الثلاثة التي قدمها المص؛ لأن الباب معروف ومنعه لجهله بما يأخذه عوضا عما صالح به، وإنما يصالح بمقوم بخلاف المدين فيجوز له بمثلي مخالف قطعا بالشروط الثلاثة، ومفهوم قوله: "بما جاز للغريم" منع صلحه عنه بما منع للغريم كضمانه في عروض سلم فلا يجوز للضامن صلحه عنها قبل الأجل بأدنى صفة أو قدرا لدخول ضع وتعجل، ولا بأكثر لدخول حط الضمان وأزيدك وكصلحة عن ثمن طعام على مدين على طعام يأخذه منه، فإنه يمنع ذلك له أي للضامن كما يمنع للمضمون له قاله. ابن المواز. وأما من تحمل بثمن طعام وأداه فله أن يأخذ من الغريم أي المدين فيه طعاما إذا رضي، كان من صنفه أو من غير صنفه أو أكثر من كيله. اهـ. من المواق اهـ كلام عبد الباقي. قوله: الأولى صلحه عن دراهم بدنانير أو بالعكس، قال البناني: وأما الصلح عن الذهب بالورق وعكسه ففيه قولان بالجواز والمنع ذكرهما في المدونة، قال في التوضيح: وإلى منع المصالحة بالدراهم عن الدنانير وبالعكس رجع ابن القاسم وأشهب وأصحابنا، وأما صلحه عن طعام بيع بأجود منه أو أدنى، فإن منعه للضامن دون الغريم ذكره في المدونة، وقد نقل في التوضيح بعد ذكره أن الكفيل كالغريم فيما يجوز من الصلح، ويمتنع عن المازري ما نصه: لكن لم يطرد هذا في المدونة في الطعام من السلم، فإنه منع الكفيل أن يصالح إذا حل الأجل بطعام أجود أو أدنى منه، وعلله بأنه بيع الطعام قبل قبضه لحصول الخيار للمدين. اهـ باختصار. ومثله في الحطاب قوله: بأنه بيع الطعام قبل قبضه، بحث ابن عاشر في هذه العلة بأنها واردة في صلح الغريم نفسه بذلك أيضا وأجازه. وقوله: بشروطه الثلاثة أي المذكورة في آخر السلم بقوله: "وبغير جنسه إن جاز بيعه قبل قبضه" لخ. انظر البناني. قال الرهوني: الظاهر عندي سقوط هذا البحث لأنه في الغريم إما حسن قضاء أو اقتضاء وفي الضامن بيع لتخيير الغريم في دفع مثل ما دفع فهو كالإمضاء وفي دفع مثل ما عليه فهو رد. انتهى باختصار.
следующие страницы →