الإقرار ومخالف لفرض المسألة في كلام الأيمة. قال في المدونة: وإن أنكر المدعى عليه ثم قال للطالب أجلني اليوم فإن لم أوافك غدا فالذي تدعيه قبلي حق فهذا مخاطرة ولا شيء عليه. اهـ. أبو الحسن: لأنه قد لا يقدر أن يأتي إذ قد يتعذر ذلك عليه، يفهم من توجيه أبي الحسن أن وافى بمعنى أتى.
قلت: ويدل لذلك أن ابن يونس اختصرها بلفظ: فإن لم آتك غدا لخ وهو الذي نقله المواق، قال مصطفى: ومما يدل على ما قدمناه أن المسألة السابقة وهي قوله: إن لم آتك به لغد فأنا ضامن، عبر عنها في المدونة بإن لم أوافك كما في هذه فخالف المص بينهما تفننا وذكر مصطفى نصها، ثم قال: وبه تعلم أن تجويز الحطاب تشديد الفاء بمعنى الوفاء واستدلاله على هذا الضبط بلفظ المدونة المذكور فيه نظر؛ إذ كلامها مما يدل على خلافه كما ترى. اهـ كلام البناني.
ولما تكلم على الضمان وأركانه وشروطه ذكر ما يرجع به الضامن إذا غرم، فقال: ورجع بما أدى يعني أن الضامن إذا غرم الحق لربه فإنه يرجع على المدين بما أدى أي بمثل ما أدى عنه لرب الدين مثليا كان أو مقوما، ولهذا قال: ولو مقوما قال عبد الباقي: أي بمثل ما أدى لأنه كالمسلف يرجع بمثل ما أدى، سواء كان مثليا أو مقوما، ولا يرجع بقيمة القوم حيث كان من جنس الدين، وقيل يخير المطلوب في دفع مثل المقوم أو قيمته والخلاف ما لم يشتره، فإن اشتراه رجع بثمنه بلا خلاف ما لم يحاب وإلا لم يرجع بالزيادة، وهذا كله إن ثبت الدفع من الضامن أي ثبت أنه دفع الدين المتحمل به لمن هو له ببينة أو بإقرار صاحب الحق لسقوط الدين بذلك لا بإقرار المضمون عنه، فلا يلزم بدفعه لأنه يقول قد ينكر رب الدين الأخذ منك. وانظر في الأصل فرع الشامل. اهـ. كلام عبد الباقي.
قوله: فإن اشتراه صورة الشراء أن يعطي ثمنا في الرض الذي تحمل به ويدفع العرض لربه، وقال الشارح عند قوله: "ورجع بما أدى" وهذا ما لم يشتر العرض لذلك، فإن اشتراه له ولم يحاب فلا خلاف أنه يرجع بثمنه الذي اشتراه به، ولا يرجع بالزيادة إن حابى. اهـ. فإن اشتراه رجع بثمنه لخ، قال البناني: أي لأن الثمن هو المؤدى من عنده، فيرجع بما أدى أي بما خرج من يده. هذا كلام اللخمي وابن يونس وابن رشد وغيرهم، وقول التتائي: ومن وافقه لعل
стр. 6267
كلام ابن رشد طريقة غير صحيح، وذكر ابن يونس عن بعض القرويين أنه يرجع بالثمن الذي اشترى به إن كان الضمان بإذن المضمون عنه وإلا فيرجع بالأقل من الثمن وقيمة ما تحمل به، وقول الزرقاني: وانظر في الأصل فرع الشامل لخ، نص الشامل: ولو دفعه بحضرة الغريم دون بينة لم يرجع عليه على الأظهر إلا إذا أقر له الطالب ولا يفيد إقرار المضمون عنه. اهـ. وهذا إذا دفع الحميل المال من مال نفسه، ولو دفعها الذي عليه الحق للحميل ليدفعها إلى صاحب الدين فدفعها له ثم أنكر، فإن دفعها بحضرة الذي عليه الحق فلا ضمان على الحميل الدافع ويغرمها المطلوب ثانية بعد يمين الطالب الجاحد، فإن كان المطلوب عديما أو غاب أخذت من الحميل ثانية، ولا يرجع على المطلوب لعلمه أنه لا شيء عليه، كما لو دفعها المطلوب من ماله بحضرة الحميل فجحد الطالب فأخذه من الحميل ثانية لعدم المطلوب أو غيبته فلا يرجع بها على المطلوب لعلمه أنه أداها، وإن دفعها الحميل من مال المطلوب بغير حضرة المطلوب فهو ضامن لرب المال ويسوغ لرب المال تضمينه، وإن علم أنه حجده لأنه أتلف عليه إذ لم يشهد على دفعه. انظر الحطاب.
وقال الرهوني عند قوله: "ولو مقوما" مقابل لو قولان: الرجوع بالقيمة وتخيير المطلوب. ابن عرفة: ولو أدى من تحمل عنه مثله من عنده، ففي رجوعه بمثله ثالثها يخير المطلوب فيهما لابن رشد عن المشهور معها، وقوله في الواضحة وسماع أبي زيد: ولو قضي على الحميل بالعرض فاشتراه، فسمع يحيى ابن القاسم يرجع عليه بالثمن ما بلغ. ابن رشد: اتفاقا ومعناه ما لم يشتره بأكثر مما يتغابن بمثله في البيوع. قلت: ما عزاه للواضحة عزاه الصقلي لأصبغ عن ابن القاسم. انتهى.
فرع: وفي كتاب محمد: إذا غاب الغريم فغرم الحميل لصاحب الحق ثم قدم الغريم فذكر أنه دفع لصاحب الحق وأقام بينة على ذلك، قال ينظر: فإن كان الحميل دفع الحق قبل الغريم وبعد أن حل الأجل فله الرجعة على الغريم لأن دفعه كان لحق، ويرجع الغريم بما كان دفع على صاحب الحق وإن كان الغريم هو الدافع قبل الحميل فلا تباعة للحميل عليه، ويرجع الحميل على صاحب الحق إن دفع إليه، وإن جهل أمرهما لم يتبع الحميل إلا من دفع إليه إلا
стр. 6268
أن تكون له بينة أنه الدافع الأول أو بقضاء من السلطان بعد أن يحلف الغريم أنه كان الدافع قبل، فإن نكل حلف الحميل وأغرم الغريم، فإن نكلا جميعا لم يكن للحميل على الغريم شيء. اهـ.
ونقل اللخمي كلام محمد مختصرا، وأسقط منه التقييد بكون الحميل دفع بعد حلول الأجل وأسقط اليمين عند جهل حالهما وما كان ينبغي له ذلك، ونقل ابن عرفة كلام الموازية مختصرا وأسقط منه قيد الحلول فقط. واللَّه أعلم. اهـ. قوله: بعد أن يحلف متعلق بقوله لم يتبع. قاله مقيده، وهو صريح الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.
وجاز صلحه عنه بما جاز للغريم الضمير في "صلحه" للضامن، وفي "عنه" للدين، والمراد بالغريم من عليه الدين؛ يعني أنه يجوز للضامن أن يصالح رب الدين عن دينه بما يجوز للغريم أن يدفعه عوضا عما عليه، وقد قدم شيئا من ذلك بقوله: وبغير جنسة إن جاز بيعه قبل قبضه وبيعه بالمسلم فيه مناجزة وأن يسلم فيه رأس المال، ولابد أيضا أن لا يؤدي إلى ضع وتعجل وحط الضمان وأزيدك، ومفهوم قوله: "بما جاز للغريم" المنع فيما لا يجوز للمدين أن يدفعه عوضا عن الدين الذي عليه. وقد أشار المص إلى شيء من ذلك في باب السلم بقوله: "لا طعام ولحم بحيوان وذهب ورأس المال ورق وعكسه" ومن ذلك ما أدى إلى ضع وتعجل وحط الضمان وأزيدك والصرف المؤخر وبيع الطعام قبل قبضه.
واعلم أنه وقع في كلام أهل التحقيق أن المص هنا كلامه مفروض فيما إذا صالح بمقوم عن دين العين بدليل ورجع بالأقل منه أو قيمته، وبهذا يظهر قوله: على الأصح لقول ابن زرقون: إنه المشهور، وحكى المازري وابن رشد الاتفاق عليه وهما وإن نوزعا في الاتفاق فأقل أحواله أن يكون هو المشهور، ومقابل الأصح أن ذلك ممتنع لأنه لا يدري بم يرجع، هل هو بالأقل من الدين أو من قيمة المصالح به؟ وأما صلحه بمثلي عن عين كما في النقل فقال ابن عرفة: وفي منعه عن عين بمثلي وجوازه قولا سلمها وكفالتها، بناء على تأثير الغرر بما يرجع به الحميل لتخيير الغريم في دفع ما عليه وما أدى عنه ولغوه؛ لأنه معروف. وقال ابن الحاجب: وإذا صالح الضامن رجع بالأقل من الدين والقيمة. اهـ. قال ابن عبد السلام: تكلم هنا على ما إذا أدى عنه ما يخالف
стр. 6269
جنس الدين وكان المدفوع من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال، فذكر أن الضامن يرجع على الغريم بأقل الأمرين من الدين أو من قيمة ما دفع، وهذا يدك بالالتزام على أن هذا الصلح جائز وإن كان الضامن لا يدري بماذا يرجع، هل بمثل الدين أو بقيمة الصالح به قبل؟ وإنما جاز ذلك لأن الضمان بابه المعروف والضامن دخل على أنه يأخذ أقل الأمرين وهو معلوم عنده، فإن دفع له الزائد بعد ذلك فمعروف صنعه معه الغريم. واختلف قوله في المدونة: إذا صالح الضامن الغريم بشيء من ذوات الأمثال مخالف لجنس الدين فأجازه في كتاب الحمالة وهو أقرب؛ لأن الباب معروف ومنعه في كتاب السلم الثاني لأن الضامن لا يدري ماذا يرجع به على الغريم، والجهالة فيها أكثر من الجهالة في مسألة المؤلف لمخالفة ما وقع به الصلح لما في ذمة الغريم في الجنس فلا يتأتى فيه الرجوع بالأقل. انتهى.
ومن الشراح من عمم المص فجعله في المثلي وغيره وخص قوله: ورجع بالأقل لخ بالمقوم فعمم في أول الكلام وخصص في آخره كالشارح وعبد الباقي وما قالاه حسن. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وجاز صلحه أي الضامن لرب الدين عنه أي عن الدين بما جاز للغريم أي المدين الصلح به عما عليه لتنزله منزلته على الأصح كصلحه لربه بعد الأجل عن دنانير جيدة بأدنى منها أو عكسه، وكصلحه عن طعام قرض قبل الأجل بأكثر وبعد الأجل على أي وجه. قاله التتائي. اهـ. قوله في المثال الجائز كصلحه لربه بعد الأجل عن دنانير جيدة لخ صحيح. قال ابن عرفة: وإن كان عن عين بصنفها أدنى أو أجود، فقال الصقلي عن بعض الفقهاء: جائز لتيقن أن أحدا لا يختار إلا دفع الأخف عليه. اهـ. وقوله: كصلحه على طعام قرض قبل الأجل بأكثر لخ هذا غير صحيح؛ إذ قضاء القرض بأكثر تقدم أنه لا يجوز مطلقا لقول المص: "لا أزيد عددا أو وزنا إلا كرجحان ميزان". واللَّه أعلم قاله التتائي.
وقال عبد الباقي عند قوله: "وجاز صلحه عنه بما جاز للغريم على الأصح" ما نصه: ويستثنى من كلامه يعني على شمول المص للمصالح بمقوم أو مثلي لا على أنه خاص بالمقوم مسألتان: الأولى صلحه بدنانير عن دراهم وبالعكس، والثانية صلحه عن طعام بأجود منه أو أدنى عند حلول الأجل فإن ذلك جائز للغريم لا للضامن؛ لأنه في الأولى صرف مؤخر وصرف بخيار إن دفع
стр. 6270
المدين ما عليه من الدين، لا إن دفع ما أداه الحميل عنه لأنه يخير في دفع أحد الأمرين المذكورين، وفي الثانية بيع الطعام قبل قبضه أي باعه رب الدين للضامن قبل قبضه من المدين، ثم يخير المدين بين دفعه للضامن مثل ما أعطى رب الدين ومثل ما عليه، واختلف في مسألة ثالثة وهي جواز صلح الضامن لرب الدين بمثلي مخالف لجنس الدين بشروطه الثلاثة التي قدمها المص؛ لأن الباب معروف ومنعه لجهله بما يأخذه عوضا عما صالح به، وإنما يصالح بمقوم بخلاف المدين فيجوز له بمثلي مخالف قطعا بالشروط الثلاثة، ومفهوم قوله: "بما جاز للغريم" منع صلحه عنه بما منع للغريم كضمانه في عروض سلم فلا يجوز للضامن صلحه عنها قبل الأجل بأدنى صفة أو قدرا لدخول ضع وتعجل، ولا بأكثر لدخول حط الضمان وأزيدك وكصلحة عن ثمن طعام على مدين على طعام يأخذه منه، فإنه يمنع ذلك له أي للضامن كما يمنع للمضمون له قاله. ابن المواز. وأما من تحمل بثمن طعام وأداه فله أن يأخذ من الغريم أي المدين فيه طعاما إذا رضي، كان من صنفه أو من غير صنفه أو أكثر من كيله. اهـ. من المواق اهـ كلام عبد الباقي.
قوله: الأولى صلحه عن دراهم بدنانير أو بالعكس، قال البناني: وأما الصلح عن الذهب بالورق وعكسه ففيه قولان بالجواز والمنع ذكرهما في المدونة، قال في التوضيح: وإلى منع المصالحة بالدراهم عن الدنانير وبالعكس رجع ابن القاسم وأشهب وأصحابنا، وأما صلحه عن طعام بيع بأجود منه أو أدنى، فإن منعه للضامن دون الغريم ذكره في المدونة، وقد نقل في التوضيح بعد ذكره أن الكفيل كالغريم فيما يجوز من الصلح، ويمتنع عن المازري ما نصه: لكن لم يطرد هذا في المدونة في الطعام من السلم، فإنه منع الكفيل أن يصالح إذا حل الأجل بطعام أجود أو أدنى منه، وعلله بأنه بيع الطعام قبل قبضه لحصول الخيار للمدين. اهـ باختصار. ومثله في الحطاب قوله: بأنه بيع الطعام قبل قبضه، بحث ابن عاشر في هذه العلة بأنها واردة في صلح الغريم نفسه بذلك أيضا وأجازه. وقوله: بشروطه الثلاثة أي المذكورة في آخر السلم بقوله: "وبغير جنسه إن جاز بيعه قبل قبضه" لخ. انظر البناني. قال الرهوني: الظاهر عندي سقوط هذا البحث لأنه في الغريم إما حسن قضاء أو اقتضاء وفي الضامن بيع لتخيير الغريم في دفع مثل ما دفع فهو كالإمضاء وفي دفع مثل ما عليه فهو رد. انتهى باختصار.
стр. 6271
وقال الشارح: وأشار بقوله "على الأصح" إلى أن المسألة قد اختلف فيها وهو كذلك، فقد قيل: يجوز صلحه مطلقا لأنها مكارمة، وقد دخل في ذلك على أن الغريم إن شاء دفع ما عليه أو قيمة المقوم ومثل المثلي، وقيل يمتنع صلحه مطلقا للجهالة فيما يرجع إليه فهو مبيع بثمن مجهول، وقيل إن صالح عنه بمقوم جاز وإلا امتنع؛ لأن المقوم يرجع فيه إلى القيمة وهي من جنس الدين والحميل يعرف قيمة سلعته فقد دخل على القيمة إن كانت أقل من الدين، وإن كانت أكثر فقد دخل على أخذ الدين وهبة الزيادة، وأما المثلي فإنه من غير جنس الدين فلا يعرف فيه الأقل والأكثر لأن الأقل والأكثر لابد أن يشتركا في الجنس والصفة فكانت الجهالة فيه أقوى، وحكى في البيان رابعا بالجواز فيما يجوز فيه النسيئة في المبايعة لا فيما تمتنع فيه لأنه يؤدي دنانير عن دراهم أو قمحا عن ثمن. اهـ المراد منه.
ورجع بالأقل منه أو قيمته يعني أن الضامن إذا صالح عن الدين بمقوم فإنه يرجع على المدين بالأقل من قيمة المقوم الذي دفع لرب الدين ومن الدين الذي على المدين فالتخيير للمدين، فقوله: "أو قيمته" الضمير فيه يرجع للمصالح به، والضمير في "منه" عائد على الدين. قال عبد الباقي: ورجع الضامن الغارم على المدين بالأقل منه أي من الدين أو قيمته أي ما صالح به أي رجع بأقل الأمرين وهما الدين وقيمة الصالح به، فمن للبيان كما في أحمد لا للتبعيض. اهـ المراد منه. وقوله: "أو قيمته" يعني يوم الصلح لا يوم الرجوع، ففي رسم الأقضية من سماع يحيى من كتاب الحمالة عن ابن القاسم ما نصه: وإن كان غرم عنه عرضا مخالفا للعرض الذي كان تحمل به عنه خير المطلوب، فإن شاء غرم قيمة العرض الذي غرم عنه يوم أخرجه الحميل، وإن شاء غرم مثل العرض الذي كان وجب عليه فقط. اهـ. وقال عبد الباقي: وأما إن كان على المدين مائة دينار وصالح الضامن عنها بخمسين فإنما يرجع على المدين بالخمسين فقط قطعا، ولا يتأتى فيها قوله: "ورجع بالأقل منه أو قيمته".
قوله: وأما إن كان على المدين مائة دينار فصالح الضامن لخ، قال الرهوني: سكت عن رجوع رب الحق على المدين بالخمسين التي أسقطها عن الضامن مع أن هذا هو المتوهم، وظاهر كلامه أنه لا يرجع عليه وليس كذلك، ففي المدونة ما نصه: ومن تكفل لك بمائة حالة فأبرأته من
стр. 6272
خمسين على أن يدفع إليك خمسين فلا يرجع هو إلا بما أدى ولك أنت اتباع الغريم بخمسين؛ لأن تلك البراءة براءة من الحمالة فقط قال ابن غازي في شرحها ما نصه: لم يقل في إبراء الحميل من بعض الحق إن ذلك إبراء للغريم إلا أن يحلف كما قال في تأخير الحميل إنه تأخير للغريم إلا أن يحلف، والفرق بينهما أن التأخير يتضمن طلب الحميل عند الأجل المؤخر إليه، فكأنه قال للحميل: أطلبك عند الأجل وذلك يستلزم تأخير الغريم والإسقاط عن الحميل لا يتضمن إسقاطا عن الغريم ولا يستلزمه. اهـ. فتأمله.
تنبيه: قوله: "ورجع بالأقل منه أو قيمته" هذا في المقوم كما عرفت، وأما لو صالح بمثلي فقد مر عن الشارح أنه يرجع بالمثل أو بالدين على القول بجوازه.
وإن برئ الأصل برئ يعني أنه إذا برئ الأصل أي المدين بوجه من وجوه البراءة كهبة الدين له أو قضائه، فإن الحميل يبرأ من الكفالة لأن طلبه فرع ثبوت الدين على الأصل. قال عبد الباقي: وإن برئ الأصل أي المدين بهبة الدين أو قضائه أو موته والطالب وارثه؛ أي فكلما برئ الأصل برئ الحميل لأن طلبه فرع ثبوت الدين على الأصل، ولأنه في الصورة الأخيرة إن غرم الضامن شيئا رجع به في تركة المدين والتركة في يد الطالب فصارت مقاصة، فإن مات المدين معدما غرم الكفيل. قاله في المدونة. وكذا يبرأ الحميل إن مات رب الدين ولو معدما والمدين وارثه، قال أحمد: ظاهر قوله: "وإن برئ الأصل" ولو اشترط أخذ أيهما شاء. انظر التوضيح. اهـ. وظاهره أيضا ولو حصل فيما دفعه الأصل استحقاق لأنه طارئ بعد انحلال الضمان. وهو لابن رشد عن ابن حبيب. وأفتى به فضل وحكم بعضهم برجوع الضمان عليه وكذا إذا دفع المدين مالا يحل كطعام مؤجل بدينار حال وأبرأ رب الدين الضامن للدينار، ثم قام وقال: فسخته لي في مؤخر ممتنع وكنت أجهل ذلك وأراد الرجوع على الضامن، فليس له ذلك وخرجه ابن رشد على الخلاف المذكور. اهـ.
قوله: وخرجه ابن رشد على الخلاف المذكور أي في مسألة الاستحقاق فيه نظر؛ لأن مسألة دفع الطعام مصرح بها في العتبية في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الكفالة، سأل عنها قاضي الأسكندرية ابن القاسم فأجابه بقوله: ليس له أن يرجع على صاحبه والحميل بريء، قال
стр. 6273
القاضي ﵁: إنما بطلت عن المتحمل بالدينار الحمالة من أجل أن المتحمل له أبرأه منها بما ظن من جواز فسخ الدينار في الشعير إلى أجل فلم يعذر بالجهالة وهو أصل مختلف فيه، فيأتي على القول بأنه يعذر بها إذا كان ممن يمكن أن يجهل، مثل هذا أن يحلف ما أبرأه من حمالة الدينار إلا وهو يظن أن الدينار قد بطل عن المطلوب بالشعير الذي سلمه فيه، وهذا نحو ما حكى ابن حبيب عن أصبغ في الحميل على الغريم إذا أخذ الذي له الحق من الغريم فاستحق ما أخذ. وباللَّه التوفيق. اهـ منه بلفظه.
فقوله: هذا نحو ما حكى ابن حبيب لخ إشارة إلى ما في الرواية، ويعني أن ما في العتبية عن ابن القاسم وما في الواضحة عن أصبغ متفقان في المعنى وإن اختلف موضعهما، فلم يخرج ابن رشد أحدهما على الآخر وإنما فيه تخريج الخلاف في مسألة العتبية من الخلاف في العذر بالجهالة. فتأمله. واللَّه أعلم. انظر الرهوني. وقوله: "وإن برئ الأصل برئ" فاعل برئ الأخيرة ضمير يعود على الضامن. لا عكسه يعني أنه إذا برئ الفرع وهو الضامن لا يلزم من ذلك أن يبرأ المدين.
والحاصل أنه كلما برئ الأصل برئ الضامن، بخلاف العكس فإنه قد يبرأ الضامن ولا يبرأ المضمون وهو المدين، قال عبد الباقي: لا عكسه أي إذا برئ الضامن لا يبرأ الأصل لزوما بل بعض براءة الضامن براءة الأصل، كأخذ الحق منه فإنه براءة للأصل من رب الدين، والمطالبة حينئذ للضامن وبعض براءته غير براءة الأصل كبراءة الضامن من الضمان بانقضاء مدة ضمانه، وعدم أخذ الحق منه كما إذا وهب رب الدين دينه للضامن فإنه لا يبرأ الأصل وهو المدين، قال التتائي: والظاهر افتقاره لحوز فعلى المدين دفعه للحميل. اهـ.
وعجل بموت الضامن يعني أنه إذا مات الضامن والحال أن الدين المضمون مؤجل فإنه يحل بموته ما ضمنه من الدين المؤجل إن ترك مالا، وكذا لو فلس الضامن فإنه يحل بفلسه ما ضمنه من الدين المؤجل فيعجل الحق من تركته في الأولى ويحاص رب الدين الغرماء في الثانية، قال عبد الباقي: وعجل المؤجل المضمون بأحد أمرين: أولهما بموت الضامن أو فلسه من ماله قبل حلول أجل الدين كما يشعر به قوله: "عجل" ويؤخذ من تركته لخراب ذمته وإن كان المضمون حاضرا مليا لعدم حلوله عليه، ومعناه إن شاء الطالب لا أن التعجيل واجب. اهـ. وقوله:
стр. 6274
"وعجل بموت الضامن" سواء كان ضامنا للمال أو ضامنا للوجه، قال الخرشي: عجل بموت الضامن أي بالمال أو بالوجه، لكن في الوجه تطالب الورثة بإحضار الغريم فإن لم يحضروه أغرموا.
ورجع وارثه بعد أجله يعني أنه إذا مات الضامن وأخذ الحق من تركته لحلوله بموته، فإن ورثته يرجعون على المدين بعد حلول الأجل فيأخذون منه الحق، وقوله: "بعد أجله" قال الخرشي: هو محط الفائدة وأما رجوع الوارث فلا إشكال فيه، فكأنه قال: ولا يرجع وارثه إلا بعد أجله. اهـ. وقال عبد الباقي: ورجع وارثه أي وارث الضامن بعد حلول أجله، فإن مات الضامن عند حلوله أو بعده لم يكن للمضمون له طلب تركة الضامن عند حضور الغريم موسرا. وأشار للثاني بقوله: أو الغريم عطف على الضامن يعني أنه إذا مات الغريم أي المدين، فإنه يعجل الحق الذي كان مؤجلا عليه إن ترك مالا ويؤخذ من تركته.
وعلم مما قروت أن قوله: إن تركه راجع للمسألتين أي "وعجل بموت الضامن" إن ترك الضامن مالا وعجل بموت الغريم إن ترك الغريم مالا، فالضمير البارز في ترك عائد على المال والضمير المستتر راجع إلى الضامن أو الغريم، ومن المدونة قال مالك: إذا مات الضامن قبل الأجل فللطالب تعجيل حقه من تركته، ثم لا رجوع لورثته حتى يحل الأجل وله محاصة غرمائه أيضا، ومن المدونة قال مالك: إن مات الغريم تعجل الطالب دينه من ماله إن ترك مالا، فإن لم يدع مالا لم يتبع الكفيل حتى يحل الأجل. اهـ. نقله المواق. وقال الشارح: وفي المذهب رواية أن الحق يؤخذ من تركة الضامن ولا يدفع للطالب بل يوقف حتى يحل الأجل، فإن لم يكن الأصل مليا أخذه الطالب وإلا أخذه الورثة، وبهذا قال عبد الملك وأنكر ذلك يحيى لأنه حجر للمال من غير فائدة تحصل لوارث الحميل ولا لرب الدين وقد يتلف، وحكى اللخمي والمازري عن ابن نافع قولا بالفرق بين أن يكون تركة الحميل ما مونة متسعة فلا يؤخذ الدين منها معجلا ولا موقوفا، وإلا وقف الدين. انتهى. فقول المص. وعجل رد على رواية يحيى ومن قال بها وعلى ابن نافع.
وقال الشارح: والحاصل أن الغريم إذا مات معدما قبل الأجل فليس للطالب على الضامن شيء حتى يحل الأجل؛ لأنه لا يلزم من حلول الدين على الغريم حلوله على الضامن لبقاء ذمته، ولا
стр. 6275
خلاف في ذلك على ما نقله ابن رشد. اهـ. وقال عبد الباقي: إن تركه راجع للصورتين، فإن مات المدين ولم يترك شيئا لم يطالب الكفيل حتى يحل الأجل، وقوله: "إن تركه" كلا أو بعضا ويبقى البعض الذي لم يتركه لأجله، وشمل كلامه ضامن الوجه فإن مات لم تسقط الكفالة على المشهور، لكن إنما يطلب وارثه بإحضار غريمه إن حل دينه وإلا وقف من تركة الضامن قدر الدين حتى يحل إن لم يكن الوارث مأمونا. انظر أبا الحسن. انتهى.
ولا يطالب إن حضر الغريم موسرا "يطالب" بالبناء للمفعول ونائبه ضمير يعود على الضامن والغريم المدين "وموسرا" حال يعني أن الضامن لا يطالب رب الدين بما ضمنه حيث كان المدين حاضرا موسرا، قال عبد الباقي: ولا يطالب الضامن بالدين أي لا مطالبة لربه عليه إن حضر الغريم أي المدين المضمون موسرا تأخذه الأحكام غير ملد ولا مماطل، وإن لم يكثر وغير مقول له أيكم شئت أخذت بحقي كما يأتي ولا اشترط ضمانه في الحالات الست يسر المدين وعسره وغيبته وحضوره وموته وحياته وإلا طولب كما في وثائق الجزيري وغيره، وإنما لم يطالب مع وجود الشروط المذكورة لأنه إنما أخذ توثقا فأشبه الرهن، فكما لا سبيل إلى الرهن إلا عند عدم الراهن فكذا لا سبيل إلى الكفيل إلا عند عدم المضمون. اهـ.
وقال البناني: ابن عرفة: وفيها رجع مالك عن تخيير الطالب في طلب الحميل دون الغريم لوقفه على العجز عن طلب الغريم وأخذ به ابن القاسم ورواه ابن وهب. اهـ. ابن رشد: وقول مالك الذي اختاره ابن القاسم أظهر في أن الكفالة لا تلزم الكفيل مع ملاء الكفول عنه وحضوره واستوائهما في اللدد؛ لأنه إن قضي للمكفول له على الكفيل قضي في الحين للمكفول عنه فالقضاء للمكفول له على المكفول عنه أولى وأقل عناء. اهـ من المقدمات. وقوله: غير ملد ولا مماطل لخ، قال مصطفى: التقييد بكونه غير ملد ولا مماطل لغير ابن القاسم في المدونة، وجعله ابن شأس وابن الحاجب خلافا، وجعله ابن عبد السلام وصاحب الشامل تقييدا. اهـ باختصار.
قلت: ظاهر كلام ابن رشد المتقدم أن التقييد به هو المعتمد؛ إذ قال: واستوائهما في اللدد وهو ظاهر كلام المتيطى أيضا فيسقط تورك مصطفى على الأجهوري. واللَّه أعلم.
стр. 6276
تنبيه: بالتخيير الذي رجع عنه الإمام جرى العمل عندنا كما ذكره في شرح العمليات عن سيدي العربي الفاسي. اهـ. كلام البناني. وقال الرهوني: قول الزرقاني غير ملد ولا مماطل تبع فيه الأجهوري وهو صواب، وقول مصطفى: إن التقييد بما إذا لم يكن ملدا ذكره ابن الحاجب بقيل التي للتمريض، ونسبه ابن شأس لغير ابن القاسم، ونصه: قال غير ابن القاسم: لو كان ملدا ظالما فله اتباع الحميل، وكلام الغير هو في المدونة وهو عند ابن شأس وابن الحاجب والمولف خلاف ابن القاسم، وإن قال ابن عبد السلام: في عده خلافا نظرٌ وجعله صاحب الشامل تقييدا. انتهى. فيه نظر من وجهين: أَحَدُهُمَا جزمه بأن المص وابن شأس جعلا قول الغير خلافا، فإن كلام ابن شأس ليس صريحا ولا ظاهرا فيما عزاه له بل الظاهر منه أنه عنده تقييد، ونصه: ولو كان غائبا مليا أو حاضرا مديانا يخاف إن قام عليه المحاصة. قال غير ابن القاسم: أو ملدا ظالما فله اتباع الحميل. اهـ منه بلفظه. فانظر كيف جمع قول الغير مع ما قبله مما هو محل اتفاق؟ وأجاب عن ذلك بجواب واحد وهو قوله: فله اتباع الحميل تجده كما قلناه، وأما المص فإن عنى في مختصره فلا يخفى عليك ما فيه، وإن عنى في توضيحه فستقف على ما فيه.
ثَانِيهِمَا أنه على تسليم أن ابن شاس والمص صرحا بجعل ذلك خلافا كابن الحاجب فلا يليق بجلالته ومنصبه الرد بذلك على الأجهوري؛ لأن ما فعله هو الذي عليه جل أهل المذهب كابن أبي زمنين وابن يونس واللخمي وابن رشد والمتيطى وابن هارون وابن عبد السلام والمص في التوضيح وصاحب الشامل والبرزلي وابن ناجي وغيرهم، ويتبين لك ذلك بنقل كلامهم، أما ابن أبي زمنين فقال في منتخبه ما نصه: لأن الحميل لا يؤاخذ بالذي على المديان إذا كان المديان حاضرا مليا، وإنما له أخذه إذا كان المديان عديما أو غائبا أو يكون ملدا ظالما. اهـ. وأما ابن يونس إلى آخر كلامه.
أو لم يبعد إثباته عليه يعني أن المدين إذا غاب ولم يبعد على رب الدين إثبات ماله بل تيسر عليه إثبات أن له مالا والنظر فيه، فإنه لا يطالب الضامن بشيء، قال عبد الباقي: أو غاب الغريم ولم يبعد إثباته أي إثبات مال الغائب والنظر فيه عليه أي على الطالب، بل تيسر عليه إثباته والاستيفاء منه بلا مشقة شديدة عرفا وبلا بعد للبينة الشاهدة بمال الغائب، وإلا فله طلب
стр. 6277
الحميل. اهـ. قوله: "أو لم يبعد" كذا في نسخة عبد الباقي، وفي نسخة الخرشي: ولم يبعد. قال: والواو بمعنى أو وهو معطوف على محذوف تقديره أو غاب الغريم، ولم يبعد إثبات مال الغائب والنظر فيه على الطالب، فإن تيسر إثباته على الطالب من غير مشقة شديدة فلا مطالبة على الغريم أو كان الغريم حاضرا موسرا يتيسر الوفاء من ماله، وأما لو كان في إثباته والنظر فيه بعد ومشقة فله مطالبة الحميل، أو كان الغريم معدما. ويصح أن يقرأ إتيانه بمثناة فوقية والنون بعد الألف أي لا بعد في إتيان الطالب أي تسليطه على الغريم أو على ماله، أما لو كان في الإتيان والتسليط على الغريم بعد للدده أو ظلمه أو في التسليط على ماله بعد، لعسر الوصول إليه من ظالم أو عدم إنصاف حاكم فللطالب طلب الحميل، وسواء في هذا كان الغريم حاضرا أو غائبا؛ لأنه بعدم الإنصاف يصير الموجود معه [معدوما] (١)، وعلى نسخة إثباته بالمثلثة يكون الضمير عائدا على الدين، وعلى نسخة إتيانه يكون عائدا على رب الدين ومعناهما واحد. انتهى.
والقول له في ملائه يعني أنه إذا تنازع رب الدين والضامن في أن المدين ملي أو معدم: فادعى رب الدين أنه معدم وطالب الضامن وادعى الضامن أنه ملي كي تسقط مطالبة رب الدين له، فإن القول للضامن في أنه ملي فلا مطالبة لرب الدين عليه، قال عبد الباقي: وإن تنازع رب الدين والضامن فادعى رب الدين أن المدين معدم، وطالب الضامن فادعى أنه ملي كان القول له أي للحميل في ملائه أي المضمون؛ لأن الغالب على الناس الملاء بالتكسب فليس لرب الدين حينئذ طلب على الضامن لتصديق الضامن في ملائه، ولا على المدين لأنه أقر بعدمه إلا أن يقيم بينة بالعدم فله مطالبة الضامن، أو يتجدد للمدين مال فله مطالبته وهذا ظاهر. انظر أحمد.
قال الحطاب: والظاهر أن القول له في ملائه بلا يمين إلا أن يدعى عليه علمه بعدمه. اهـ. وكذا إذا تنازع المدين والضامن فادعى الأول عدم نفسه فالقول للضامن في ملائه، ويفيده من حيث المعنى "وحبس لثبوت عسره". اهـ. وقال البناني عند قوله: "والقول له في ملائه" ما نصه: هذا خلاف ما استظهره ابن رشد في نوازل سحنون من أن القول للطالب إلا أن يقيم الحميل بينة
стр. 6278
بملاء الغريم، وهو قول سحنون. وانظر الحطاب والمواق، وهذا الذي استظهره ابن رشد، قال المتيطى: هو الذي عليه العمل ونصه: وإذا طلب صاحب الدين الحميل بدينه والغريم حاضر، فقال له الحميل: شأنك بغريمك فهو ملي بدينك، وقال رب الدين: الغريم معدم وما أجد له مالا فالذي عليه العمل وقاله سحنون في العتبية أن الحميل يغرم إلا أن يثبت يسر الغريم وملاءه فيبرأ، فإن عجز حلف له صاحب الحق إن ادعى عليه معرفة يسره على إنكار معرفته بذلك وغرم الحميل، وله رد اليمين على الحميل فإن ردها حلف الحميل وبرئ، وقال ابن القاسم في الواضحة: ليس على الحميل سبيل حتى يبدأ بالغريم. انتهى. فقد بان به أن الراجح خلاف ما عليه المص، قال الحطاب: لكن المص في التوضيح استظهر أن القول قول الحميل. انتهى. وقد علم من عادة المص أنه لا يعتمد استظهار نفسه. واللَّه أعلم.
تنبيه قال الحطاب: من كان القول قوله هل بيمين أم لا؟ لم أر من صرح بشيء من ذلك، والظاهر أن لا يمين في ذلك إلا أن يدعي عليه خصمه العلم. انتهى.
قلت: ما استظهره هو الذي صرح به المتيطى كما تقدم عنه ولم يطلع عليه. واللَّه أعلم. اهـ. كلام البناني. قول البناني: فبان به أن الراجح خلاف ما عليه المص فيه نظر، بل الراجح هو ما عليه المص معنى ونقلا. أَمَّا معنى فلأنه الجاري على ما تقدم في الفلس من أن المشهور المعمول به حمل الغريم على الملاء حتى يثبت العدم، ولأنه لو حمل هنا على العدم وقبل قول رب الحق إنه عديم لم يكن لقول مالك المرجوع إليه كبير فائدة؛ لأن رب الحق مهمى طلب أخذ الحميل بحقه في حضور المدين توصل إلى ذلك بدعواه العدم. فتأمله. وَأَمَّا نقلا فلأن ما للمص هو قول مالك وابن القاسم واختاره اللخمي، وصرح أبو الحسن على الرسالة بأنه المشهور واقتصر عليه صاحب المفيد، ونص اللخمي واختلف إذا أطلقت الحمالة ولم تقيد بشرط تبدئة، فقال الطالب للحميل: اغرم لي لأن الغريم معسر، وقال الحميل: هو موسر، فقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: ليس على الحميل سبيل حتى يستبرأ المطلوب. وقاله مالك في كتاب محمد. ثم جلب قول سحنون: ونقل عن المفيد مثل ما نقله اللخمي عن ابن حبيب، ثم ذكر ما يفيد تقوية ما للمص. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6279
وأفاد شرط أخذ أيهما شاء يعني أن رب الدين إذا اشترط أنه ياخذ أيهما أي الضامن والمدين شاء، فإن شرطه ذلك يفيده بمعنى أنه يعمل به، فإذا قال أيكما شئت أخذته بحقي فله أن يأخذ الضامن ولو كان الغريم حاضرا موسرا. وقوله: "وأفاد شرط أخذ أيهما شاء" قال ابن رشد: هذا هو المشهور المعلوم من مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، وبه قال أصبغ ومرة قال ابن القاسم إن الشرط لا يجوز إلا في القبيح المطالبة أو ذي السلطان. اهـ. نقله البناني. وقال الشارح مفسرا للمص: يعني أن الطالب لو شرط أن يأخذ بحقه أيهما شاء فإن ذلك يفيده، قال في البيان والمقدمات، وهو المشهور عن ابن القاسم في المدونة وغيرها، وقيل لا يفيده وهو قول أشهب وابن كنانة وابن الماجشون، والقولان عن مالك وابن القاسم. اهـ. وقال عبد الباقي: وأفاد رب الدين شرط أي اشتراط أخذ أيهما المدين والحميل شاء بحقه، وفائدة هذا الاشتراط بالنسبة إلى الحميل وذلك لأنه لا يطالب بالشرط المتقدم في قوله: ولا يطالب إن حضر الغريم موسرا وهنا يطالب مطلقا، ثم إن اختار أخذ الحميل سقطت تباعته للمدين. اهـ. قوله: ثم إن اختار أخذ الحميل لخ، قال البناني: هكذا نقله الشيخ أحمد عن بعضهم وليس بظاهر. اهـ.
وتقديمه يعني أنه إذا اشترط رب الدين تقديم الحميل على المدين فإن شرطه ذلك يفيده بمعنى أنه يعمل به. قال عبد الباقي: وأفاد شرط تقديمه أي الحميل على المدين سواء اشترط براءة المدين أم لا، وإذا اختار مع عدم البراءة تقديمه فليس له مطالبة المدين إلا عند تعذر الأخذ من الحميل فيطالب المدين ويأخذ منه. اهـ. قوله: وإذا اختار مع عدم البراءة لخ انظر من قاله، وليس بظاهر لأن اشتراط تقديمه حق له. قاله الرهوني. ويرده نقل المواق ويقوي ما لعبد الباقي. وكلام المواق: ابن رشد إن اشترط المتحمل له على الحميل أن حقه عليه وأبرأ الغريم، فظاهر قول ابن القاسم أن الشرط جائز، ولا رجوع له على الغريم، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا رجوع له عليه إلا أن يموت الحميل أو يفلس، ويحتمل أن يتأول قول ابن القاسم على أنهما أبرءا الغريم جميعا من الدين فيكون إنما تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه في رواية ابن وهب. اهـ. ويلزم على ما للرهوني اتحاد هذا الفرع مع الفرع الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. وظهر أن معنى قول عبد الباقي: فإذا اختار مع عدم البراءة اختار ذلك ابتداء. واللَّه أعلم.
стр. 6280
وعلم مما قررت أن قوله: "وتقديمه" مجرور معطوف على أخذ أو إن مات يعني أن الحميل إذا اشترط على رب الدين أنه لا يطالبه إلا بعد موت الدين معسرا فإنه يفيده شرطه ذلك، فلا يطالبه رب الدين إلا بعد موت الدين معسرا، قال عبد الباقي: أو اشترط الحميل أن لا يؤخذ منه الحق إلا إن مات المضمون معدما عمل بشرطه، فلو فلس ولم يمت لم يكن له قِبَلَ الحميل طلب، وكذا إن قال إن افتقر أو قال إن جحد أو إن أمر فيعمل بشرطه. انظر أحمد. والطخيخي. ويحتمل عود ضمير "مات" للضامن أي شرط على رب الدين أن لا يطالب إلا بعد موت الحميل، فما دام حيا لا يطالب ولو أعدم المدين. اهـ. ونحوه للخرشي والضمير في تقديمه للحميل، فالشرط وقع من الطالب على الحميل، وفي "إن مات" للغريم أو الحميل. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن قال إن لم يوفك حقك حتى يموت فهو علي فلا شيء على الكفيل حتى يموت الغريم. ابن حارث: إن شرط الحميل بدين تقرر أنه إن مات فلا شيء على ورثته، وإن مات رب الدين فلا شيء على الحميل جاز اتفاقا ولو كان في عقدة بيع ففيه خلاف. اهـ.
كشرط ذي الوجه أو رب الدين التصديق في الإحضار تشبيه في إفادة الشرط يعني أن ضامن الوجه إذا شرط على رب الدين أنه مصدق في إحضار المدين له دون يمين، فإنه يعمل بشرطه وكذلك يعمل بشرط رب الدين على الضامن التصديق دون يمين في عدم إحضار المدين، فقوله: "في الإحضار" أي في شأن الإحضار فيصدق بالتصديق في عدم الإحضار حيث كان الشرط من رب الدين، وبالتصديق في أصل الإحضار حيث كان الشرط من الضامن. قاله غير واحد.
وله طلب المستحق بتخليصه عند أجله الضمير في "له" للضامن، والمستحق هو رب الدين، والضمير في "تخليصه" للضامن وهو من إضافة المصدر لمفعوله، ويحتمل أن يكون الضمير في تخليصه للحق؛ يعني أن الضامن له أن يطلب المستحق وهو رب الدين بأن يخلصه من الضمان بأن يقول له عند أجله أي عند حلول أجل الدين: إما أن تطلب حقك أو تسقط عني الضمان، وكذا للضامن طلب المضمون بدفع ما عليه عند أجله وإن لم يطالبه رب الدين، قال عبد الباقي: وله أي للضامن طلب المستحق وهو رب الدين وإلزامه بتخليصه أي الحق من المدين أو بتخليصه من الضامن عند حلول أجله أي الدين ولو بموت الدين أو فلسه حيث كان المضمون مليا، بأن
стр. 6281
يقول له إما أن تطلب حقك من المدين أو تخلصني من الضمان، وكذا للضامن طلب المضمون بدفع ما عليه عند أجله وإن لم يطالبه رب الدين، خلافا لتقييد الجواهر ذلك بطلب رب الدين له ويتصور طلب رب الدين للضامن ومن عليه الدين ملي حاضر فيما إذا كان ملدا. ومفهوم الظرف أنه ليس له ذلك قبل حلول الأجل. اهـ. قوله: خلافا لتقييد الجواهر لخ، نص الجواهر: للكفيل إجبار الأصل على تخليصه إذا طولب وليس له ذلك قبل أن يطالب. انتهى. وتعقبه الحطاب بأنه مخالف لقولها في السلم الثاني، وليس للكفيل أخذ الطعام من الغريم بعد الأجل ليوصله إلى ربه، وله طلبه حتى يوصله إلى ربه ويبرأ من حمالته. انتهى. وهذا هو الملائم لقول المص: لا بتسليم المال إليه، فلو قال المص: وله طلب المديان بتخليصه عند أجله لا بتسليم المال إليه لكان حسنا. انتهى كلام الحطاب. وهو الذي اعتمده الزرقاني وغيره. انتهى. قاله البناني.
لا بتسليم المال إليه يعني أن الضامن ليس له أن يطالب المضمون أي المدين بأن يسلم المال إليه ليدفعه لربه أي لا يجبره على ذلك؛ لأنه لو أخذه منه ثم أعدم الكفيل أو فلس لكان للذي عليه الدين أن يتبع الغريم. قاله الخرشي وغيره. والطالب في هذه والتي قبلها الضامن، والمطلوب في الأولى المستحق وهو رب الدين وفي هذه المطلوب المدين.
ولما ذكر المص أنه ليس للضامن أن يجبر المضمون على أن يسلم له المال ليدفعه لرب الدين بَيَّن ما إذا وقع ذلك فقال: وضمنه إن اقتضاه يعني أن الضامن إذا قبض الحق من المدين على وجه الاقتضاء فإنه أي الضامن يضمن ما قبض، وكذا يكون الضمان لما قبض من الضامن إذا تنازع هو والمدين في وجه القبض، فقال المدين على وجه الاقتضاء، وقال الضامن على وجه الإرسال، وكذا يكون الضمان من الضامن فيما إذا عري القبض عن القرائن ومات الكفيل والأصيل، ولم يعلم هل هو على وجه الاقتضاء أو الإرسال، فهذه الصور الثلاث يضمن الحميل فيها ما قبضه من المدين أي للمدين وضامن بالحمالة لرب الدين ومعنى الاقتضاء أن يكون هو المقتضي للدين أي الآخذ له قضاء ليبرأ من حمالته وتبرأ ذمة الذي عليه الحق، فكأنه يقول أنا أصير المطلوب دونه فهذا كأنه أبرأ ذمة الذي عليه الحق وصار هو المطلوب قاله التونسي نقله الحطاب.
стр. 6282
لا أرسل به أي بالحق يعني أنه إذا قبض الضامن الحق من المدين على وجه الإرسال بأن أرسله مع الضامن لرب الدين فتلف، فإن الضمان لا يكون من الضامن وإنما الضمان على المرسل الذي هو المدين وفي حكم الإرسال ما إذا أخذه على وجه الوكالة فتلف قبل أن ياخذه رب الدين فإنه لا ضمان على الوكيل الضامن ولا على المدين قولا واحدا، فهذه خمسة أقسام، ثلاثة منها يضمن فيها الحميل للمدين، واثنان منها لا يضمن فيها الحميل للمدين.
وقوله: "وضمنه إن اقتضاه لا أرسل به"، اعلم أن لرب الدين أن يطلب أيهما شاء كما صرح بذلك الرجراجي وغيره؛ يعني في جميع الأقسام ما عدا توكيل رب الدين للحميل، قال الحطاب: وهذه المسألة في السلم الثاني من المدونة فيمن أسلم في طعام وأخذ كفيلا، ونص كلام الرجراجي لا يخلو قبض الكفيل للطعام من الذي عليه السلم من خمسة أوجه: الأول أن يقبضه على معنى الرسالة فلا يخلو الطعام من أن يكون قائما بيده أو فائتا، فإن كان قائما فالطالب مخير إن شاء اتبع الكفيل وإن شاء اتبع الأصل ولا خلاف في ذلك، وإن فات الطعام فلا يخلو من أن يكون بتلف أو إتلاف فإن كان بتلف فهو مصدق ولا ضمان عليه ويبقى عليه الطلب بطريق الكفالة خاصة، ثم يجري على الخلاف المعهود في الحمالة هل المطالبة على التبدئة أو على التخيير، وإن كان بإتلاف من الكفيل فهو ضامن للأصل مثل ذلك الطعام فإن غرم الكفيل الطعام للطالب فلا تراجع بينه وبين الأصل، فإن غرمه الأصل لرب الدين فإنه يرجع على الكفيل بمثل طعامه أو أخذ ثمنه إن باعه ولا خلاف في هذا الوجه، وإن غرم الكفيل الطعام للطالب بعد أن باع ما أخذ من الأصل فأراد الأصل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعام ويأخذ منه الثمن فليس له ذلك.
الثاني أن يقبضه على معنى الوكالة، فإذا قبضه برئت ذمة الأصل قولا واحدا فإن الطالب يجوز له بيعه بقبض الكفيل، فإن تعدى عليه الكفيل بعد صحة قبضه فالعداء على الطالب وقع بلا إشكال.
الثالث أن يقبضه على معنى الاقتضاء إما بحكم حاكم على وجه يصح الاقتضاء بذلك، كما إذا غاب الطالب وحل الأجل وخاف الكفيل إعدام الأصل، وبهذا تأول ما وقع في المدونة من قوله: "قبضه" بحكم قاض، أو يكون قبضه برضى الذي عليه الطعام من غير حكم فالكفيل في هذا الوجه ضامن بوضع اليد على الطعام، وذمته به أو بمثله عامرة حتى يوصله إلى الطالب، وللطالب مطالبة
стр. 6283
من شاء منهما اتفاقا مع قيام الطعام بيد الكفيل أو فواته، فإن غرم الأصل كان له الرجوع على الكفيل بطعامه أو مثله إن استهلكه، أو بثمنه إن باعه إن شاء أخْذَ الثمن، ولا يجوز للطالب أن يبيعه بذلك القبض إن كان قائما ولا أخذ ثمنه إن باعه؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه، فإن أخذ منه الطالب مثل طعامه بعد أن باع ما اقتضاه كان الثمن سائغا له، فإن أراد الأصل أن يدفع له مثل ما غرم من الطعام ويأخذ منه الثمن فليس له ذلك.
الرابع إذا اختلفا في صفة القبض الكفيل يدعي أنه قبضه على معنى الرسالة، والأصل يقول بل على معنى الاقتضاء، فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من المدونة أحدهما: أن القول قول الأصل وهو قول ملك في كتاب القراض حيث قال: إذا قال القابض قبضته على معنى الوديعة، وقال رب المال: بل قرضا إن القول قول رب المال، والثاني: أن القول قول القابض وهو قول أشهب وغيره وظاهر المدونة في غير موضع.
وسبب الخلاف تعارض أصلين أحدهما أنهما قد اتفقا على أن المال المقبوض للدافع ولا شيء فيه للقابض وهو قد أقر بقبضه ثم ادعى ما يسقط الضمان عنه، فكان الأصل أن لا يقبل، والأصول موضوعة على أن وضع اليد في مال الغير بغير شبهة توجب الضمان، وبهذا قلنا القول قول الأصيل، والأصل الثاني أن الأصل في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أن يغلب حكم الحظر والكفيل هاهنا قد ادعى قبضا صحيحا والأصيل قد ادعى قبضا فاسدا، فوجب أن يكون القول قول القابض الذي هو الكفيل؛ لأنه قوله قد أشبه وقد ادعى أمرا مباحا، والأصيل قد ادعى الفساد لأن الكفيل لا يجوز له قبض الطعام من المكفول، وإنما عليه مطالبته ليدفعه إلى الطالب لكي يبرأ من الكفالة، فإذا ادعى عليه أنه قبضه على الاقتضاء فقد ادعى أمرا محظورا، فوجب أن لا يصدق.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: قوله والأصل الثاني أن الأصل في الحظر والإباحة إذا اجتمعا أن يغلب حكم الحظر، صوابه حكم الإباحة قطعا، وهذا إنما يحمل على تحريف الناسخ لا على المؤلف. واللَّه تعالى أعلم.
الخامس: إذا أبهم الأمر وعَرِي عن القرائن وقد مات الكفيل والأصيل، هل يحمل على الرسالة حتى يثبت الاقتضاء أو على الاقتضاء حتى تثبت الرسالة؟ فهذا مما يتخرج فيه قولان. اهـ. ولم
стр. 6284
يذكر في الوجه الأول إذا قبضه على معنى الرسالة وادعى التلف أنه يحلف، وقال ابن رشد في شرح أول مسألة من سماع عيسى من كتاب الكفالة: وإن قبض على معنى الرسالة من الدافع فالضمان من الدافع والمصيبة منه بعد يمين القابض على ما ادعاه من التلف، ويبقى الحق عليهما على ما كان قبل. اهـ. وقال الشيخ أبو الحسن عن ابن يونس: قال ابن المواز: والقول قول الحميل في ضياعه بغير يمين لأنه مؤتمن وإن اتهم أحلف. انتهى.
وقال ابن رشد في الوجه الثاني: إذا قبضه على معنى الوكالة فهو مصدق على ما يدعي من التلف مع يمينه إذا اتهم كالمودع، وإذا صدق فيما يدعى من التلف وكانت المصيبة من الطالب فيبرأ المطلوب وسقطت الكفالة، وهذا إذا كانت له بينة على معاينة الدفع، وأما إذا لم تكن له بينة فلا يبرأ بتصديق القابض إذا ادعى التلف، ولا اختلاف في هذا إلا أن يدخله الاختلاف بالمعنى من مسألة الولد من كتاب الوكالات من المدونة، وإنما اختلف إذا غرم الدافع هل له أن يرجع على القابض أم لا؟ فقال مطرف: يرجع لأنه فرط في دفع ذلك إلى الذي وكله حتى تلف، وقال: لا يرجع (١) حتى يتبين مند تفريط وهذا إذا قامت (٢) بينة على الوكالة أو أقر بها، وأما إذا ادعاها الوكيل فقيل القول قوله وقيل القول قول الموكل. اهـ.
وقوله في الوجه الثالث إذا قبضه على وجه الاقتضاء إن الكفيل ضامن سواء قبضه بحكم حاكم أو برضى من عليه الحق، في كلام أبي الحسن خلافه؛ لأنه قال: قوله بقضاء سلطان، قال عبد الحق: قال ابن وضاح: إن سحنون أنكر هذا اللفظ، وقال: ليس للسلطان هنا حكم، قال: ورأيت في ما أملاه بعض مشايخنا أنه قال: معناه أن يكون الذي عليه الحق غاب غيبة بعيدة فحل الأجل فقام الكفيل على الذي عليه الحق، وقال: أخشى أن يعدم إلى أن يقوم الذي عليه الحق فإذا أغْرَمُ أنا فإن السلطان ينظر، فإن كان الذي عليه الحق مليا فلا يكون للحميل عليه شيء، وإن كان يخاف عليه العدم أو كان ملدا قضى عليه السلطان بالحق وأبرأه منه وجعل على يد رجل عدل أو على يد الكفيل إن كان ثقة. ونقله ابن محرز عن فضل بن سلمة.
стр. 6285
قال الشيخ: إلا أن في هذا إحالة للمسألة عن وجهها؛ إذ لا ضمان في هذا الفرض الذي ذكر، ومسألة الكتاب فيها الضمان فتأمل ذلك. اهـ. كلام الشيخ أبي الحسن. وما قاله الشيخ أبو الحسن صرح به في الذخيرة في الحكم السادس والعشرين من الباب الثاني من كتاب الكفالة، ونصه: وإذا أراد الحميل أخذ الحق بعد محله والطالب غائب، وقال: أخاف أن يفلس وهو ممن يخاف عدمه قبل قدوم الطالب أو لا يخاف إلا أنه كثير اللدد والمطل مكن من ذلك، فإن كان الحميل أمينا أقر عندد وإلا أودع لبراءة الحميل والغريم، وضمان المال من الغائب لأنه قبض له بالحاكم وإن كان المطلوب مليا وفيا لا يوخذ منه شيء لعدم الضرورة.
وقال في المدونة في الوجه الثالث: لو قضاه الغريم متبرعا أو باقتضاء من الكفيل، قال الشيخ أبو الحسن عن ابن يونس: معنى متبرعا أنه اقتضاه بدفع ذلك إليه متبرعا ولم يكلفه أن يقضي عليه سلطان. وأما لو لم يقتضه فتبرع الغريم بدفع ذلك إليه فظاهر هذا أنه على الرسالة. عبد الحق: إن قيل إذا قبضه الكفيل بأي وجه يعلم قبضه إياه إذا وقع مجملا؟ فالجواب أنه إذا لم تكن قرينة تدل على الاقتضاء أو الرسالة، فهاهنا إن كان المطلوب قد تبرع بدفعه للكفيل حمل على الرسالة وإن كان الكفيل اقتضاه فهو على الاقتضاء فيضمنه، وإن قال: خذه على أني بريء منه أو نحو هذا من الكلام فهذه تدل على الاقتضاء فيضمنه قابضه وإن لم يسأله الكفيل به فيه. اهـ.
تنبيهات: الأول: اعلم أن البناني قرر المص بقوله: فقول المص: "إن اقتضاه" يعني أو تنازعا فقال المدين اقتضاء وقال الضامن رسالة، فالقول للمدين وكذا لو انبهم الأمر، وقوله: "لا أرسل به" أي حقيقة أو حكما بأن يقبضه على وجه الوكالة من رب الدين. اهـ. وبان من ما مر أنه لو سأل الحميل رب الدين القضاء فدفعه له أن ذلك اقتضاء، أو دفع له الحق وقال أنا بريء منه، وإن لم يسأله الحميل أن يدفع له الحق فذلك اقتضاء أيضا، وأنه إن تنازع معه في أنه قبضه على وجه الاقتضاء أو الرسالة فإن القول للمدين أنه على وجه الاقتضاء، كما لو تنازع معه في كونه على وجه الاقتضاء أو الوكالة، فإن دفعه من غير سؤال ولم يقل خذه وأنا بريء منه فهذا يحمل على الرسالة. فَتَحَصَّل من هذا أنه إن وقع التصريح بالاقتضاء أو الرسالة وثبت ذلك فالأمر ظاهر، وأنه إن اختلفا في المصرح به من ذلك فإنه يحمل على الاقتضاء، وقد علمت أن الوكالة في حكم الرسالة،
стр. 6286
فإن انبهم الأمر بأن دفعه له ولم يصرحوا بشيء فإن كان ذلك بعد سؤال الحميل للدفع فهو اقتضاء، وكذا لو قامت على الاقتضاء قرينة كما لو قال له: خذه وأنا بريء منه سأله أم لا، وأنه لو دفعه له ولم يسأله ولم يقل المدين خذه وأنا بريء منه لكان هذا من حكم الرسالة.
الثاني: قال الحطاب: قد تقدم في كلام الرجراجي أنه لا يجوز للكفيل أن يأخذ الحق على وجه الاقتضاء من الغريم فاعلمه، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض عبارة التهذيب فينبغي أن نذكرها بكمالها هنا، قال: وإذا قبض الكفيل الطعام من الغريم بعد الأجل ليؤديه إليك فتلف عنده، فإن أخذه على الاقتضاء ضمنه قامت بهلاكه بينة أو لا، كان مما يغاب عليه أو لا، قضاه ذلك الغريم متبرعا أو باقتضاء من الكفيل بقضاء سلطان أو غيره، وأما إن قبضه الكفيل بمعنى الرسالة لم يضمن. اهـ. قال أبو الحسن: إنما ضمنه إذا أخذه على الاقتضاء لأنه تعد فهو ضمان عداء فلذلك ضمنه ولو قامت البينة.
الثالث: قال الشارح: ونصها -يعني المدونة-: وإذا دفع الغريم الحق إلى الكفيل وضاع، فإن كان على الاقتضاء ضمنه الكفيل قامت بهلاكه بينة أم لا، عينا كان أو عرضا أو حيوانا لأنه متعد، وإن كان على إرساله لم يضمنه وهو من الغريم حتى يصل إلى الطالب. اهـ.
قال عبد الباقي: ولما ذكر أن للكفيل طلب المستحق بتحصيله عند الأجل إن سكت أو أخره وله أن لا يرضى بتأخيره، شرع في جلب كلام البيان حيث قال: وإذا أخر الطالب الغريم فلا يخلو إما أن يكون مليا أو معدما، فإن كان معدما فلا كلام للحميل باتفاق، وإليه أشار بقوله: ولزمه تأخير ربه المعسر يعني أن رب الدين إذا أنظر المدين المعسر أي أخره شهرا مثلا، فإن الضامن يلزمه ذلك التأخير لوجوب إنظار المعسر والتأخير رفق بالحميل، ومعنى لزوم التأخير للضامن أن الضامن إذا قال لرب الدين: تأخيرك للمدين ابراء لي فإنه لا يصدق في ذلك والكفالة لازمة له، فعند حلول الأجل المؤخر إليه يلزمه القضاء مع عسر المدين، قال عبد الباقي: ولزمه أي لزم الضامن تأخير ربه أي الدين المدين المعسر لوجوب إنظاره والتأخير رفق بالحميل. اهـ.
ومفهوم قوله: "المعسر" إذا أخره وهو موسر ففيه تفصيل ذكره ابن رشد، قال غير واحد: قال ابن رشد: وإن كان الغريم موسرا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: أن يعلم ويسكت، أو لا يعلم حتى يحل
стр. 6287
الأجل الذي أنظره إليه، أو يعلم فينكر، أشار إلى الوجه الأول بقوله: أو الموسر إن سكت يعني أن رب الدين إذا أخر المدين الموسر شهرين -مثلا- وسكت الضامن بعد علمه بذلك التأخير مقدار ما يرى عرفا أنه رضي ببقائه على الضمان، فإن الضامن يلزمه ذلك التأخير أي يلزمه بقاؤه على الضمان مع التأخير المذكور، قال عبد الباقي: أو تأخير ربه المدين الموسر يلزم الضامن بقاؤه على الضمان إن سكت الضامن بعد علمه بالتأخير مقدار ما يرى عرفا أنه رضي ببقائه على الضمان والشرط راجع للثانية، والظاهر أنه لو سكت وادعى الجهل يعذر به؛ إذ ليس هذا مما لا يعذر فيه بالجهل.
وعطف على "سكت" الوجه الثاني في كلام ابن رشد فقال: أو لم يعلم إن حلف أنه لم يؤخره مسقطا يعني أن رب الدين إذا أخر المدين الموسر مدة ولم يعلم الحميل بالتأخير حتى حل الأجل الثاني بأن انقضت المدة المذكورة والحال أن الغريم قد أعسر، فإن الضمان يلزمه بقاؤه ولا يكون تأخير رب الدين المذكور إبراء له بشرط أن يحلف رب الدين أنه لم يؤخر المدين مسقطا للضمان عن الضامن ويؤخذ الحق من الضامن عاجلا، فإن نكل سقط الضمان.
وعلم مما قررت أن الموضوع أنه أخره وهو موسر ثم حل الأجل الثاني وهو معسر، وهذا الذي قررت به المص هو الذي قرره به غير واحد كالأجهوري ومن تبعه، ورد عليه التاودي بأن محل قول ابن القاسم هذا إذا كان الغريم موسرا عند الأجلين، فلو كان موسرا يوم حل الأجل الأول ثم أعسر الآن لم يكن له على الحميل شيء؛ لأنه فرط في حقه حتى تلف مال غريمه ولم يعلم الكفيل فيعد راضيا. نقله عن الحطاب عن اللخمي. ورد ذلك الرهوني وقال: إن الصواب ما قاله الأجهوري ومن تبعه لا ما قاله اللخمي وإن سلمه الحطاب، وقال: فيه نظر من وجهين: أحدهما أنه لا تظهر ثمرة لصحة الحمالة مع يسر الغريم عند حلول الأجل الثاني إلا أن يكون غائبا إذ لا يطالب على مذهبه إن حضر الغريم موسرا، ثانيهما: أن ما قاله مخالف لظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيى، ولصريح قول مالك في رسم الأقضية من سماع القرينين من كتاب الحمالة، ثم قال بعد جلب النقل ما نصه: فكلام ابن رشد صريح في أن الغريم معسر كما قاله الأجهوري ومن تبعه. اهـ المراد منه.
стр. 6288
والحاصل أن قوله: "أو لم يعلم إن حلف أنه لم يؤخره مسقطا" حمالة الكفيل فيه باقية أعسر عند الأجل الثاني أو استمر موسرا، وقوله:. "إن حلف قال البناني: شرط في لزوم الضمان كما دل عليه كلام الزرقاني، لا في لزوم التأخير كما يقتضيه كلام المص، إذ لا يعقل عدم لزوم التأخير مع أن الأجل المؤخر إليه قد مضى. واللَّه تعالى أعلم.
وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: وإن أنكر حلف أنه لم يسقط يعني أن رب الدين إذا أخر مدينه الموسر، ثم إن الضامن علم بالتأخير المذكور وحين علم به أنكره أي لم يرض به، وقال للطالب: تأخيرك ابراء لي من الضمان، فإن رب الدين يحلف أنه لم يسقط الضمان أي يحلف أنه غير مسقط للضمان بسبب تأخيره للمدين، فإذا حلف لزم الضامن الضمان ويبقى الحق حالا، قال عبد الباقي: وإن أنكر الضامن التأخير أي لم يرض به حين علمه، وقال للطالب: تأخيرك ابراء لي من الضمان حلف رب الدين أنه لم يسقط أي أنه غير مسقط للضمان بتأخيره ولزمه الضمان، وسقط التأخير عن الضامن فيؤخذ منه الحق عاجلا ويرجع به عند حلول أجل التأخير على المدين، فإن نكل رب الدين سقط الضمان ولزمه التأخير. قاله الشارح في الكبير وهو الصواب. اهـ المراد منه. قوله: وسقط التأخير عن الضامن لخ، قال البناني: فيه نظر، والصواب أنه يسقط التأخير بالكلية كما في عبارة ابن رشد وابن عرفة وابن غازي والحطاب وغيرهم، ثم قال: إنه مخالف للنقل، ونحوه للرهوني فصريح ماله أنه إن حلف لا يلزمه التأخير أي فيكون حالا على الغريم أيضا. واللَّه تعلى أعلم. وقال ابن عرفة: قال ابن رشد في آخر سماع أشهب: إن أخره معدما فلا حجة لحميله، وإن أخره مليا فأنكر حميله ففي سقوط حمالته وبقائها: ثالثها إن أسقط الحمالة صح تأخيره وإلا حلف ما أخر إلا على بقائها وسقط تأخيره، وإن نكل لزمه وسقطت الكفالة للغير فيها وغيره، وابن القاسم فيها وإن علم وسكت لحلول الأجل ففيها مع هذا السماع وسماع يحيى ابن القاسم: الحمالة لازمة، ويدخله الخلاف المعلوم: هل السكوت كالإقرار أم لا؟ وإن لم يعلم حتى حل الأجل حلف ما أخره إسقاطا للحمالة ولزمت، فإن نكل سقطت. هذا كله في التأخير الكثير. واليسير لا حجة فيه للحميل. اهـ. قوله: فسكت حتى حل الأجل، ظاهره أنه إذا قام قبل انقضاء الأجل فإن حكمه حكم ما إذا قام بمجرد علمه، ولكن قوله: ويدخل فيه الاختلاف المعلوم لخ يفيد
стр. 6289
أنه إذا سكت مدة يعد فيها راضيا فإنه لا قيام له بعد، وعلى هذا حمل المدونة أبو الحسن، قاك أبو علي: قال العبدوسي: وهما تاويلان للمتأخرين. اهـ.
وتأخير غريمه بتأخيره يعني أن رب الدين إذا أخر الضامن فإنه يكون ذلك تأخيرا للغريم أي المدين، قوله: "وتأخير" عطف على قوله: "تأخير" فاعل لزمه، والغريم هنا المدين والضمير المضاف إليه غريمه عائد على رب الدين، قال الخرشي: والمعنى أن صاحب الدين إذا أخر الحميل بالدين بعد حلوله إلى أجل فإنه يلزم منه تأخير الغريم الذي عليه الدين.
إلا أن يحلف يعني أن محل لزوم تأخير الغريم بتأخير الضامن إنما هو حيث لم يحلف رب الدين أنه إنما أراد بالتأخير الحميل فقط، وأما إن حلف أنه إنما أراد بالتأخير الحميل فقط دون المدين فإن لرب الدين أن يطالب الغريم بالدين؛ لأنه إذا وضع الحمالة كان له طلب الغريم إن قال وضعت الحمالة دون الحق، فإن نكل رب الدين عن اليمين فإنه يلزمه تأخير الغريم، قال عبد الباقي: فإن قلت ما فائدة تأخير الضامن مع حضور المدين موسرا وعدم مطالبة الضامن حينئذ؟ قلت: إنما تظهر فيما إذا نكل رب الدين عن اليمين فإنه يلزمه إنظار المدين كما مر. اهـ. وقال غير واحد: واسْتُشْكِلَ قوله: "وتأخير" لخ بأنه لا يتأتَّى على الرواية المشهورة من أن رب الدين لا يطالب إن حضر الغريم موسرا وأجيب بأنه أخره والمدين معسر أو غائب، فإن أيسر في أثناء أجل تأخير الضامن أو قدم مليا أثناءه لم يطالب حتى يحل الأجل الذي أخر رب الدين الضامن له. انتهى.
وبطل إن فسد متحمل به يعني أن الضمان يبطل إذا فسد المتحمل به قولا واحدا إذا وقعت الحمالة بعد العقد الفاسد، وعلى المشهور إذا كانت الكفالة في أصل البيع الفاسد، قال الخرشي: المشهور أن الحمالة تسقط عن الضامن إذا كان المتحمل به فاسدا، كما إذا قال شخص لآخر: ادفع لهذا دينارا في دينارين إلى شهر أو ادفع له دراهم في دنانير إلى شهر وأنا حميل لك بذلك، وأما إذا وقعت الحمالة بذلك بعد انبرام العقد فلا خلاف في سقوطها. اهـ.
وقال الحطاب عند قوله: "وبطل إن فسد متحمل به" ما نصه: هذا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرها في التوضيح وهي في البيان، قال في البيان في رسم العرية من سماع عيسى من الكفالة بعد أن ذكر
стр. 6290
الخلاف: وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا كانت الكفالة في أصل البيع الفاسد، وأمَّا إن كانت بعد العقد الفاسد فهي ساقطة قولا واحدا. اهـ. وقال الشارح: يعني أن الضمان يبطل بفساد الدين وهو المراد بالمتحمل به، كما إذا أعطاه دينارا بدينارين إلى شهر أو دراهم بدنانير إلى شهر أو بالعكس وتحمل له رجل بذلك، وما ذكره من البطلان هو قول ابن القاسم في المدونة والعتبية، ورواه عن مالك وبه قال ابن عبد الحكم، ونحوه في كتاب محمد فإن فيه: وكل حمالة وقعت على حرام بين المتبايعين في أول أمرهما أو بعد فهي ساقطة، ولا يلزم الحميل علم المتبايعان بحرام ذلك أو جهلاه علم بذلك الحميل أو جهله.
ولابن القاسم في العتبية قولان آخران أحدهما وهو قول الغير في المدونة وقول سحنون في نوازله أن الحمالة لازمة للحميل على كل حال، علم الحميل بفساد البيع أم لا؛ لأن الحميل هو الذي أدخل صاحب الدين في دفع ماله للثقة به، فعليه الأقل من قيمة السلعة أو الثمن الذي تحمل به، والقول الآخر أن الحميل يلزمه الضمان فيما دفع الطالب إن علم بالفساد، وإن لم يعلم بالفساد فالحمالة ساقطة عنه، قال ابن القاسم في العتبية في الذي يعطي دينارا في دينارين ويتحمل له رجل بالدينارين: إن كان علم بعلتهما فعليه الدينار الذي أعطى في أصل البيع الفاسد، وأما إن لم يعلم فلا شيء عليه لأنه يقول: لو علمت لم أتحمل ولم أدخل في الحرام، وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت الحمالة في أصل البيع الفاسد، وأما إن كانت بعد العقد الفاسد فلا خلاف في سقوط الحمالة. اهـ.
وقوله: وبطل إن فسد متحمل به" قال عبد الباقي: ظاهره سواء لزم في المتحمل به القيمة لفواته أم لا، وقد مشى في الرهن على بطلان الرهن في البيع الفاسد إذا ظن فيه اللزوم، وهو موافق لهذا إذ لا فرق بين الرهن والضمان، ولكن اعتُرِضَ عليه هناك بأنه يكون رهنا في القيمة، وسُلّم كلامه هنا لكونه موافقا للمدونة، وعلى الاعتراض يحتاج للفرق بين البابين. اهـ الراد منه. الرهوني: الفرق بينهما واللَّه أعلم أن الحمالة معروف التزمه الحميل على نفسه في شيء خاص وهو ثمن البيع، والقاعدة أنه لا يلزم الإنسان من المعروف إلا ما التزمه، وبراءة المشتري من الثمن براءة للحميل منه. اهـ.
стр. 6291
أو فسدت يعني أن الضمان يبطل إذا فسدت الحمالة شرعا بأن حرمت، واستعمل المص البطلان في المعلق بمعناه الحقيقي وهو عدم الاعتداد به، واستعمل الفساد في المعلق عليه ومعناه الحرمة فلم يتحد العلق والمعلق عليه.
كبجعل من غير ربه لمدينه مثال للحمالة الفاسدة؛ يعني أن الحمالة الفاسدة هي أن يعطي للضامن جعلا على ضمانه كان من رب الدين أو المدين أو غيرهما فهذه ثلاث صور، وكذا الجعل للأجنبي كما لو قال الحميل أنا أتحمل لك على أن تعطي لفلان غير الغريم دينارا، وبقيت صورتان إحداهما جائزة وهي الجعل من رب الدين للمدين على أن يأتي له بضامن وهذه مفهوم المص، الثانية الجعل من أجنبي للمدين على أن يأتي لرب الدين بضامن، وهذه داخلة في منطوق المص، فكلامه كالصريح في أنها ممنوعة وليس الأمر كذلك بل جائزة كصورة المفهوم فهي واردة على منطوق المص. واللَّه تعالى أعلم.
فقوله: "كبجعل" معناه مثال ما إذا فسدت الحمالة إن وقعت بجعل من غير ربه أي الدين للمدين، وذلك صادق بما إذا كان الجعل للضامن مطلقا أو من أجنبي للمدين على أن يأتي بضامن، وهذه الصورة الأخيرة قد علمت جوازها وأنها واردة على منطوق المص، ومَفهُومُه صورة واحدة وهي الجعل من رب الدين للمدين على أن يأتي بضامن وهي جائزة كما عرفت، وكلام المص كالصريح في بطلان الضمان في هذه الوجوه كلها. ويأتي عن البناني تقييد ذلك عن اللخمي، وقال الحطاب: ظاهر المص أن الضمان يسقط في جميع الوجوه، ونقل ابن عرفة عن اللخمي خلافه. اهـ. وفي نسخة: "أو فسدت بكجعل من غير ربه" وهي بمعنى التي شرحت عليها.
فرع: قال الرهوني: مما يترتب على أن الحمالة معروف أنه إذا اشترى الإنسان شيئا ولم يشترط المشتري على البائع ضامن الدرك للعيب والاستحقاق ثم طلب، منه ذلك فإنه لا يلزمه، وهذه نازلة كثيرة الوقوع ويقع الخطأ فيها كثيرا فإنهم يكلفونهم بذلك فإن عجز خيروا المشتري في فسخ العقد ولا سلف لهم في ذلك وهو مخالف للمنصوص، ففي رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الحمالة ما نصه: وسئل مالك عن الرجل يشتري الجارية من الغريب فإذا كان بعد يوم أو يومين سأله المعرفة؟ قال مالك ليس ذلك له إلا أن يكون اشترط ذلك عند بيعه، ثم قال: أرأيت
стр. 6292
الإبل والغنم أيلزم أهلها معرفة؟ أرأيت أهل منى أيراد منهم معرفة؟ ليس ذلك عليهم. اهـ. وسلمه حافظ المذهب ابن رشد ولم يحك خلافه.
تنبيهات: الأول: قوله: "أو فسدت بكجعل" لخ اعلم أنه ذُكِر للمنع في ضمان بجعل علتان: أولاهما أن ذلك من بياعات الغرر؛ لأن من أخذ عشرة على أن يتحمل بمائة لم يدر هل يفلس من تحمل عنه أو يغيب فيخسر مائة ولم يأخذ إلا عشرة، أو يسلم من الغرامة فيأخذ العشرة. ثانيتهما: أنه دائر بين أمرين ممنوعين؛ لأنه إن أدى الغريم كان له الجعل باطلا، وإن أدى الحميل صار كأنه أسلف ما ودى وربح الجعل فكان سلف بزيادة. اهـ باختصار.
والبطلان مقيد بكون الجعل من رب الدين أو من غيره وعلم به رب الدين وإلا لزمت الحمالة ورد الجعل، قال ابن الناظم في شرح التحفة: اعلم أن الجعل إن كان للحميل رد الجعل قولا واحدا، ويفترق الجواب في ثبوت الحمالة وسقوطها وفي البيع وفساده على ثلاثة أوجه، فتارة تسقط الحمالة ويثبت البيع، وتارة تثبت الحمالة والبيع، والثالث يختلف فيه في الحمالة والبيع جميعا، فإن كان الجعل من البائع كانت الحمالة ساقطة لأنها بعوض ولم يصح، والبيع صحيح لأن المشتري لا مدخل له فيما فعل البائع مع الحميل، وإن كان الجعل من المشتري يعني أو من أجنبي والبائع غير عالم به فالحمالة لازمة كالبيع؛ لأن الحميل غر البائع حتى أخرج سلعته، واختلف إذا علم البائع فقال ابن القاسم في كتاب محمد: تسقط الحمالة يريد ويكون البائع بالخيار في سلعته، وقال محمد: الحمالة لازمة وإن علم البائع إذا لم يكن لصاحب الحق في ذلك سبب. اهـ باختصار. وأصله للخمي. انظر الحطاب قاله البناني. وقال الرهوني: قال ابن عرفة ما نصه: والضمان بجعل لا يجوز، قال ابن القطان عن صاحب الإنباه: أجمع العلماء على ذلك. اهـ منه بلفظه.
قلت: إنما وجدته لابن القطان عن الإشراف لا عن الإنباه، والعلماء متفقون على أن للضامن أن يرجع على المضمون بما ضمن عنه بأمره. اهـ من إقناعه بلفظه من نسخة حسنة متقنة جدا. وقول البناني: فقال ابن القاسم في كتاب محمد تسقط الحمالة لخ لم يقابل قول محمد إلا بهذا، وفي التوضيح ما نصه: ابن القاسم في الموازية والواضحة: وإن علم بذلك الطالب سقطت الحمالة وإلا رد الجعل والحمالة تأمله وقاله مطرف وابن الماجشون وابن وهب وأصبغ. اهـ منه بلفظه. وقد اقتصر
стр. 6293
ابن عرفة على كلام اللخمي كما فصل ابن الناظم فلم يزد على قوله: "ولو علم البائع بذلك" ففي سقوط الحمالة قولا ابن القاسم ومحمد، قائلا: إن لم يكن للبائع في ذلك سبب. اللخمي: وعلى الأول يخير في إمضاء البيع دون حمالة وفسخة. اهـ.
الثاني: قال الحطاب: قال في الذخيرة في النوادر: قال عبد الملك: إذا بعت مُوَلَّى وأخذت حميلا بالثمن فرد ذلك السلطان وأسقطه عن المولَّى، فإن جهلت أنت والحميل حاله لزمت الحمالة لأنه أدخلك فيما لو شئت كشفته، وإن دخلت في ذلك بعلم سقطت الحمالة علم الحميل أم لا لبطلان أصلها. اهـ. قال الرهوني: اقتصاره على ذلك يوهم أنه الذهب كله أو راجحه وليس كذلك، ففي نوازل أصبغ من كتاب الحمالة: وسئل أصبغ عن الرجل يشتري من البكر والموَلَّى عليه ويتخذ عليه حميلا بما لزمه من قبله أو من قبلها من درك، هل يَلْزَمُ الحميل حمالته إذا فسخ بيع السفيه أو البكر وأبطل الثمن عنهما لفسادهما، وأنهما لم يدخلاه في منفعة ويُعْدَى عليه المشتري بالثمن كما اشترط في حمالته، وكيف إن لم يذكر حمالته وقال: إنما أشتري منه على أنك ضامن لما أدركني من قبله؟ قال أصبغ: الحمالة لازمة ولا تسقط لأنه ليس فيها حرام تسقط به إنما ضمن ما دفع إلى السفيه فهو كدافعه إليه ويغرمه ويسقط عنه ولا يتبعه به، فأما ضمان ما أدرك منه فلا أراه شيئا إلا أن يكون السفيه هو القائم بذلك عن نفسه ولنفسه حتى فسخ له الشراء وأبطل ماله بمعاملته قام بذلك عن نفسه فقضي له أو حسنت حاله فقام به قيام صحة، فإن كان كذلك رأيت الضامن ضامنا لأنه أدركه منه وإلا فلا.
قال القاضي ﵁: ألزم أصبغ من تحمل للمشتري عن البكر أو المولى عليه بما لزمه من قبل كل واحد منهما ما التزمه، وكذلك إذا ضمن ذلك عنهما، وفي قوله في السؤال: وكيف إن لم يذكر حمالة وإنما قال إنما أشتري منه على أنك ضامن لما أدركني من قبله دليل على أن الحمالة ألزم عنده من الضمان في ذلك وإن كانا عنده جميعا لازمين فيه، والأظهر أن يكون الضمان في ذلك ألزم من الحمالة وإن لزما جميعا؛ لأن السفيه لا يرجع عليه والحمالة تقتضي الرجوع والضمان يحتمل الحمل الذي لا رجوع فيه والحمالة التي فيها الرجوع، فاللفظ الذي يحتمل الحمل فيما لا رجوع فيه، ينبغي أن يكون ألزم من اللفظ الذي لا يحتمل الحمل فيما لا رجوع فيه وظاهر قول
стр. 6294
أصبغ إلزام الحميل الحمالة وإن لم يعلم بسفه الذي تحمل عنه وهو مذهب ابن القاسم، ومعنى ذلك عندي إذا لم يعلم بذلك المتحمل له أيضا.
ثم ذكر أن الصور أربع: جهلا (١) معا هي محل الخلاف بين ابن القاسم وابن الماجشون، فابن القاسم يقول بلزوم الحمالة، وابن الماجشون يقول بسقوطها، علما (٢) جميعا لزمته الحمالة قولا واحدا، علم (٣) الحميل وجهل المتحمل له لزمته الحمالة قولا واحدا أيضا، جهل (٤) الحميل وعلم المتحمل له لم تلزم قولا واحدا. ثم ذكر عن ابن الماجشون أنه يقول بسقوط الحمالة فيما إذا علما جميعا واستبعده. واللَّه تعالى أعلم.
الثالث: قال في رسم باع شاة: وسئل عن نصراني أسلف نصرانيا خمرا أو خنزيرا وتحمل له نصراني بالخمر والخنزير، فأسلم الحميل وأعدم الذي عليه الحق، قال: فليس على الحميل الذي أسلم شيء ويتبع النصراني غريمه النصراني، قال ابن القاسم: وكل حمالة كان أصل شرائها حراما فليس على المتحمل فيها مما تحمل شيء. اهـ.
وبالغ على بطلان الضمان حيث فسدت الحمالة بقوله: وإن كان الجعل حصل للضامن بضمان مضمونه يعني أن الضامن بجعل باطل وإن كان ذلك الجعل هو نفس ضمان المضمون أي المدين، واعلم أن المصدر مضاف إلى فاعله فيصدق بصورتين: أن يضمن مضمونه دينا له أو دينا عليه، بأن يبيع زيد لعمرو سلعة ويضمن عمرا بكر أي يضمن الثمن الذي عليه لزيد بشرط أن يضمن عمرو دينا لبكر على حارثة مثلا وهذه صورة، الثانية: أن يتداين رجلان دينا من رجل أو رجلين ويضمن كل منهما صاحبه فيما عليه لرب الدين فيمنع، وهذا إن دخلا عليه كما عرفت، قال المواق: قال ابن الحاجب: لا يجوز ضمان بجعل ولذلك امتنع أن يضمن صاحبه ليضمنه الآخر ومن المدونة: إن باعا سلعتيهما في صفقة على أن أحدهما بالآخر كفيل لم يجز، وكأنه ابتاع من الملي على أن يتحمل له بالمعدم. ابن الكاتب: اتفاقا من ابن القاسم وأشهب. اهـ.
إلا في اشتراء شيء بينهما هذا مستثنى من قوله: "وإن بضمان مضمونه" قال الخرشي: واستثنى من ذلك ما مضى به عمل الماضين بقوله: "إلا في اشتراء" لخ، ومعنى كلامه أنهما إذا اشتريا قطيفة مثلا بينهما بمائة درهم على أن كل واحد منهما ضامن للخمسين التي على صاحبه فإن ذلك
стр. 6295
يجوز، قال عبد الباقي: إلا في اشتراء شيء معين بينهما شركة، ويضمن كل منهما الآخر في قدر ما ضمنه فيه فإنه جائز. اهـ. وقال الخرشي: أي إلا أن يقع ضمان كل منهما لصاحبه في اشتراء شيء معين بينهما شركة، ويضمن كل منهما صاحبه في قدر ما ضمنه فيه فإنه جائز، أما لو اشترياه على الثلث والثلثين مثلا وضمن كل منهما الآخر فيما عليه لم يجز؛ لأنه سلف جر منفعة أو ضمان بجعل اللهم إلا أن يتحمل صاحب الثلث بنصف ما على صاحب الثلثين. اهـ.
ونحوه لعبد الباقي، وقال المواق: ابن حبيب: من باع سلعة من ثلاثة على أن بعضهم حميل ببعض وإن لم يكونوا شركاء في غيرها فذلك جائز، ولم يزل هذا من بيوع الناس وما علمت من أنكره، وإنما الذي لا يجوز أن يقول: تحمل عني في شيء على أن أتحمل عنك في شيء آخر. اهـ.
أو بيعه يعني أنهما إذا باعا سلعة بينهما وضمن كل واحد من البائعين ما يلزم الآخر على تقدير ظهور عيب أو استحقاق فإن ذلك جائز، وقال المواق: ابن يونس: لو كانت سلعة بينهما نصفين فباعاها على أن أحدهما حميل بالآخر جاز؛ لأن الثمن بينهما وهذا إذا استوت شركتهما، وقد أجاز ابن القاسم السلم لرجلين على أن كل واحد منهما حميل بالآخر، بخلاف جمع السلعتين إذ قد يستحق مبيع أحدهما دون الآخر. اهـ. وقال عبد الباقي: "أو بيعه" أي بيع شيء معين بينهما كما لو أسلمهما شخص في شيء وتضامنا فيه. اهـ. قال البناني: هاتان مسألتان. انظر بسطهما في المواق، ومعنى الأولى أن يضمن كل واحد لخ.
كقرضهما يعني أن الشخصين إذا اقترضا شيئا بينهما نقدا أو عرضا أو غير ذلك أي تسلفاه على أن كل واحد منهما حميل لصاحبه فإن ذلك جائز، وإلى هذا ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار، قال ابن عبد السلام: وهو الأصح، وإلى هذا أشار بقوله: على الأصح. ومقابله لابن الفخار ورآه سلفا جر منفعة، قال عبد الباقي: وإنما جاز في الأمور الثلاثة لعمل الماضين فهي مستثناة مما امتنع، والجواز في الأولى مقيد بأن يكون ما اشترياه بينهما معينا كما قدمته، فإن كان غير معين امتنع. اهـ. وقال المواق: ابن الهندي وابن الفخار: إن كان السلف على جماعة فلا يصح أن يعقد على أن بعضهم حملاء عن بعض لأنه سلف جر منفعة، وقال ابن أبي زمنين وابن العطار: ذلك جائز في
стр. 6296
البيع والسلف إذا كان ما على كل واحد منهم من ذلك مثل ما على صاحبه، فإن اختلف ما عليهم في العدد أو الجنس لم تجز الحمالة، ابن أبي زمنين: وكذلك إن كان أحدهم موسرا والآخر معسرا. اهـ.
وإن تعدد حملاء اتبع كل بحصته يعني أنه إذا تعدد الحملاء دفعة وليس بعضهم حميلا ببعض وليسوا غرماء، فإن كل واحد منهم إنما يتبع بحصته أي بحظه فقط من الدين بقسمه على عددهم، فإن اشترى زيد من عمرو فرسا بمائتين وضمنهما أربعة فإن كل واحد منهم إنما يغرم خمسين، وجدوا في آن واحد أم لا. قال عبد الباقي: وإن تعدد حملاء في آن واحد غير غرماء اتبع كل بحصته فقط من الدين بقسمه على عددهم، وليس بعضهم حميلا عن بعض بدليل ما بعده فلا يؤخذ ملي عن معدم ولا حاضر عن غائب؛ كأن يقول واحد: ضمانه علينا ويوافقه أصحابه، أو يقال لهم: أتضمنون زيدا؟ مثلا فيقول كل واحد نعم، أو ينطق الجميع دفعة واحدة، وأما لو قال كل واحد: ضمانه علي فهو حميل مستقل بجميع الحق، وسيأتي في قوله: "كترتبهم" اهـ. وقال المواق من المدونة: قال مالك: إذا تكفل ثلاثة رجال بمال على رجل حمالة مبهمة فأعدم الغريم لم يكن للطالب على من لقى من الحملاء إلا ثلث الحق.
إلا أن يشترط حمالة بعضهم عن بعض يعني أن محل كون واحد منهم إنما يتبع بحصته فقط إنما هو حيث لم يشترط حمالة بعضهم عن بعض، وأما إن اشترط في أصل الكفالة أن بعضهم حميل عن بعض، فحينئذ إن غاب أحدهم أو أعدم أخذ من وجد منهم بجميع الحق، فإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا بقدر ما ينوبه وهو الثلث في المثال المذكور؛ إذ لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به وملائه، وهذا حيث لم يقل أيكم شئت أخذت بحقي، وأما لو قال أيكم شئت أخذت بحقي فإنه يأخذ من شاء منهم بجميع الحق، وإن كانوا حضورا أملياء سواء اشترط حمالة بعضهم عن بعض أو لا، لكن إن اشترط حمالة بعضهم عن بعض يرجع من أدى منهم الحق على غيره، وإن لم يشترط حمالة بعضهم عن بعض فلا رجوع للغارم على أصحابه وإنما يرجع على المدين. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6297
قال عبد الباقي: إلا أن يشترط رب الدين في عقد الحمالة حمالة بعضهم عن بعض فيتبع كل واحد منهم بالجميع مع حضور غيره مليا، وأولى إن غاب أو مات إن قال مع الاشتراط المذكور أيكم شئت أخذت بحقي وإلا اتبع البعض بالجميع في العدم أو الغيبة فقط، والمسألة رباعية: تعدد الحملاء ولا شرط فلا يؤخذ كل إلا بحصته، تعددوا واشترط حمالة بعضهم عن بعض وقال مع ذلك أيكم شئت أخذت بحقي فيأخذ كل واحد بجميع الحق، تعددوا واشترط حمالة بعضهم عن بعض ولم يقل أيكم شئت أخذت بحقي فيؤخذ كل واحد بجميع الحق إن غاب الباقي أو أعدم وللغارم في هاتين الصورتين الثانية والثالثة الرجوع على أصحابه، تعددوا ولم يشترط حمالة بعضهم عن بعض لكن قال أيكم شئت أخذت بحقي فله أخذ من شاء بجميع الحق وليس للغارم الرجوع على واحد من أصحابه لأنهم حملاء فقط كما هو الموضوع، فلو كانوا غرماء لم يرجع الغارم على واحد منهم إلا بما يخصه من أصل الحق. اهـ بتغيير قليل.
وقال المواق من المدونة: قال مالك: إذا تكفل ثلاثة رجال بمال على رجل حمالة مبهمة (فأبهم) (١) فأعدم الغريم لم يكن للطالب على من لقي من الحملاء إلا ثلث الحق، قال مالك إلا أن يشترط في أصل الكفالة أن بعضهم حميل عن بعض، فحينئذ إن غاب أحدهم أو أعدم أخذ من وجد منهم بجميع الحق، فإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ثلث الحق إذ لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به وملائه، ولو اشترط أيكم شئت أخذت بحقي ولم يقل بعضكم كفيل ببعض فليأخذ أحدهم بجميع الحق إن كانوا حضورا أملياء، ثم لا رجوع للغارم على أصحابه إذ لم يود بالحمالة عنهم ولكن على الغريم. ابن حبيب: وقاله جميع أصحاب مالك. اهـ.
فرع: قال الرهوني: إذا اشترط حمالة بعضهم عن بعض، وقال أيكم شئت أخذت بحقي أو اشترط حيهم بميتهم وحاضرهم بغائبهم ومليهم بمعدمهم، فأخذ من أحدهم ضامنا فأفلس هذا المحمول عنه وأراد رب الحق أخذ الحق من ضامنه، فقال الحميل: إنما تحملت بما ينوب هذا من المال فعلي ثلث، سئل عن ذلك ابن القاسم في أول مسألة من سماع حسين بن عاصم منه من كتاب
стр. 6298
الحمالة فأجاب بما نصه: أرى على الحميل ما على صاحبه، وذلك الحق كله إذا أخذه الغريم بما شرط عليه. اهـ محل الحاجة منه بلفظه. قال ابن يونس بعد أن ذكره ما نصه: يريد وقد علم الحميل بما على الحملاء من الشرط. اهـ منه.
بلفظه ومثله لابن رشد، وزاد ما نصه: ولو لم يعلم بشرطه ما لزمه إلا ثلث الحق حظ الذي تحمل به، وهو محمول على غير العلم حتى يثبت عليه العلم، فإن أنكر أن يكون علم ولم تقم عليه بذلك بينة لزمته اليمين، فإن حلف لم يلزمه إلا ثلث الحق. وباللَّه التوفيق. اهـ منه بلفظه.
كترتبهم تشبيه في قوله: "إلا أن يشترط حمالة بعضهم عن بعض" أي فللغريم أن يأخذ كل واحد بجميع الحق، كما أنهم لو ترتبوا في الزمان ولو تقاربت اللحظات يأخذ كل واحد بجميع الحق، وتوضيح هذا أن تقول: إذا ضمن كفيل بعد كفيل فلرب الدين في عدم المدين أخذ جميع حقه من أي الكفيلين شاء، ولو مع حضور الثاني وملائه علم الثاني بالأول أم لا، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من أخذ من غريمه كفيلا بعد كفيل فله في عدم الغريم أن يأخذ بجميع حقه أي الكفيلين شاء بخلاف كفيلين في صفقة لا يشترط حمالة بعضهم عن بعض. اهـ.
تنبيه: قال عبد الباقي في شرح قوله: "وإن تعدد حملاء" ما نصه: وإن تعدد حملاء في آن واحد غير غرماء ثم قال ما نصه: وقولي غير غرماء يدل عليه قوله: "إلا أن يشترط حمالة" لخ إذ الحملاء الغرماء أي المدينون يتبع كلا بالجميع، ويأخذ اللي عن المعدم والحاضر عن الغائب، ولا يتأتَّى فيه اشتراط حمالة بعضهم عن بعض تارة وعدمه أخرى؛ لأن المدينين متى كانوا حملاء لبعضهم فكأنه اشترط حمالة بعضهم؛ إذ لا معنى لتعلق الحمالة بهم إلا ذلك، ويمكن شمول المص للحملاء الغرماء أيضا بتقدير عاطف ومعطوف بعد حملاء وهو أو غرماء، وحذف أو ومعطوفها جائز حيث لا لبس كما لابن هشام، وليس من خصائص الواو والفاء، والقرينة على هذا قوله: "ورجع المودي" وما فرعه عليه في المثال المذكور وعلى التقييد المذكور فيكون استعمل الاشتراط المذكور في حقيقته في الحملاء غير الغرماء، وفي مجازه في الحملاء الغرماء لحصول غرم كل بحمالة بعضهم عن بعض وإن لم يشترط كما مر، ولا ينافي الشمول المذكور قوله الآتي: "وهل لا يرجع" لخ لأنه كلام على الحملاء فقط من حيث التراجع لا من حيث اتباع كل بحصته أو بها وبما على غيره.
стр. 6299
وأما قوله: "ورجع المؤدي بغير المودَّى لخ ففيما إذا كانوا حملاء غرماء بدليل تمثيله الآتي أو حملاء فقط واشترط حمالة بعضهم عن بعض. اهـ المراد منه. قوله: "ولا يتأتي فيه اشتراط حمالة بعضهم عن بعض" لخ، قال البناني: فيه نظر، بل الغرماء فيهم الأقسام الأربعة التي في الحملاء، وقوله: وفي مجازه في الحملاء الغرماء لخ فيه نظر، فإن الحمالة بين الغرماء إنما تؤخذ مما بعد إلا. اهـ.
ورجع المؤدي بغير المؤدى عن نفسه بكل ما على الملقي ثم ساواه، المؤدي الأول اسم فاعل والثاني اسم مفعول، وقوله: "بغير" متعلق "برجع"، وقوله: "عن نفسه" متعلق "بالمؤدى" الذي هو اسم المفعول، ونائبه ضمير يعود على الموصوف وهو المال، وقوله: "بكل ما على الملقي" بدل من "بغير" لخ، وهذا شروع منه في بيان كيفية التراجع بين الحملاء الغرماء إذا أدى بعضهم عن بعض، ومعنى كلامه أن الحملاء الغرماء إذا غرم أحدهم الحق لرب الدين، فإن المؤدي يرجع على من لقي من أصحابه بكل ما عليه أي على الملقي، ولا يأخذ منه ما أداه عن نفسه ثم يساويه في غرم ما دفع عن غيره من الحملاء، قال عبد الباقي: وأما قوله: "ورجع المؤدي" اسم فاعل بغير المؤدى اسم مفعول عن نفسه، وأبدل من بغير لخ قوله: "بكل ما على الملقي ثم ساواه" ففيما إذا كانوا حملاء غرماء بدليل تمثيله الآتي أو حملاء فقط، واشترط حمالة بعضهم عن بعض، وسواء قال في القسمين أيكم شئت أخذت بحقي أو لم يقل. اهـ.
قال الرهوني: وفي ابن يونس متصلة بمسألة الستة الحملاء ما نصه: ولو أن رب الدين لم يأخذ من الأول إلا مائة لم يرجع هو على أحد من أصحابه بشيء، ولو أخذ منه مائة درهم ودرهما لم يرجع عليهم إلا بالدرهم خاصة على نحو ما وصفنا، وإنما يرجع هذ الغارم على أصحابه في شرط صاحب الحق حمالة بعضهم عن بعض، قال مع ذلك أيكم شئت أخذت بحقي أم لا فله أخذ أحدهم بجميع الحق، وإن كان الباقون حضورا أملياء ثم ليس للغارم منهم أن يرجع على كل واحد من أصحابه إذا كانوا حضورا أملياء إلا بسدس جميع الحق وهو ما عليه من أصل الدين، وهو في ذلك بخلاف رب الدين لأن رب الدين هو الذي اشترط أيكم شئت أخذت بحقي، وسواء في هذا كانت حمالة بعضهم عن بعض وهم شركاء في السلعة أو حملاء عن غيرهم. اهـ منه بلفظه.
стр. 6300
فكلامه صريح في أن القسمين سواء ونفي الرجوع في كلامه مقيد بقوله: إذا كانوا حضورا أملياء، ومفهومه ثبوته في غيبتهم أو عدمهم فتأمله. واللَّه أعلم. اهـ كلام الرهوني رادا به على عبد الباقي في نقله عن ابن يونس. قال الرهوني: ما نسبه لابن يونس ليس فيه بل فيه خلافه، فإن الذي فيه متصلا بمسألة الستة الحملاء إلى آخر ما مر، وقوله: "ورجع المؤدي بغير المؤدى عن نفسه" لخ قال عبد الباقي عنده ما نصه: ولا يجري التراجع المذكور في ترتبهم ولا فيما إذا لم يكن بعضهم حميلا عن بعض، ولو قال مع ذلك أيكم شئت أخذت بحقي إذ في مسألة الترتيب إنما يرجع من أدى على الغريم، وكذا في مسألة ما إذا لم يكن بعضهم حميلا عن بعض، وقال مع ذلك أيكم شئت أخذت بحقي حيث كانوا حملاء فإنما يرجع من أخذ منه على المدين لا على من كان معه في الحمالة؛ إذ الفرض أنه لم يشترط حمالة بعضهم عن بعض، وأما إذا كانوا غرماء غير حملاء فإن كل واحد إنما يؤدي ما عليه فلا يرجع على غيره إلا أن يقول أيكم شئت أخذت بحقي، فإن قال ذلك وأخذ جميع حقه من أحدهم رجع المأخوذ منه على كل واحد بما أدى عنه فقط.
وقوله: "ثم ساواه" أي ساوى المؤدي الملقي، فإن كان الملقي لم يغرم شيئا في الحمالة ساواه فيما غرمه بها وإن كان غرم شيئا بها فإن كان قدر ما غرمه بها، من لاقاه ساواه بمعنى أنه لا يرجع عليه بشيء مما غرمه بها، وإن كان ما غرمه بها أحدهما أكثر مما غرمه الآخر بها فإنه يسقط الأقل مما غرمه أحدهما بها من الأكثر مما غرمه الآخر بها ويتساويان فيما بقي. اهـ.
وأوضح ذلك بمثال المدونة الذي أفرده الناس بالتصنيف بفاء التفريع على قوله: "ورجع المؤدي بغير المؤدى عن نفسه" فقال: فإن اشترى ستة أي ستة أشخاص سلعة مثلا بست مائة من الفضة من شخص على أن على كل واحد منهم مائة بالأصالة وعليه الباقي بالحمالة أي أن كل واحد حميل بالجميع فلقي بائع السلعة للستة أحدهم أي أحد الستة، أخذ البائع منه أي من الواحد الذي لقيه الجميع أي جميع الثمن وهو المئون الست ثم إن لقي المؤدي أحدَهم أي أحد الخمسة الباقين يقول له غرمت مائة عن نفسي لا رجوع لي بها على أحد وغرمت خمسمائة عنك وعن أصحابك يخصك منها مائة، فيأخذ منه مائة أصالة ثم يأخذ منه مائتين حمالة، ولهذا قال: أخذه بمائة تخصه بالأصالة وبقيت أربع مائة غرمها الأول عن الأربعة الباقية، فيتساويان فيها بأن يغرمه مائتين كما
стр. 6301
قال، ثم أخذه بمائتين حمالة لمساواته معه في حمالة المئين الأربع الباقية فكل منهما غرم عن الأربعة الباقية مائتين.
ثم إن لقي أحدهما ثالثا أخذه بخمسين أصالة لأنه غرم مائتين عن أربع: الملقي أحدهم فعليه خمسون لأن المائتين إذا قسمتا على الأربعة ناب كل واحد منهم خمسون وبقي مائة وخمسون عن الثلاثة الباقية فيساوي فيها هو الثلاثة فعلى الثالث نصفها وهي خمس وسبعون حمالة: ولهذا قال: وبخمسة وسبعين فجميع ما غرم هذا الثالث مائة وخمسة وعشرون، فإن لقي الثالث الغارم خمسة وسبعين عن ثلاثة رابعا بالنسبة للماضين أخذه بخمسة وعشرين أصالة، بيان هذا أن خمسا وسبعين ثلثها خمس وعشرون وهو قد أداها عن ثلاثة فيأخذها منه بالأصالة بقيت خمسون أداها عن اثنين فيتساويان فيها فيأخذ منه خمسا وعشرين بالحمالة، ولهذا قال: وبمثلها وهو خمس وعشرون، قوله: "فإن لقي الثالث رابعا" وكذا لو لقيه الأول قبل صاحبيه فإنه يأخذ منه خمسة وعشرين ثم يأخذه بمثلها، وكذا لو لقيه الثاني قبل الأول والثالث فإنه يأخذه بخمسة وعشرين أصالة ثم بمثلها حمالة. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن لقي هذا الرابع الغارم خمسة وعشرين عن اثنين خامسا أخذه باثني عشر ونصف؛ لأن خمسة وعشرين نصفها اثنا عشر ونصف تخص الخامس بالحمالة، وبقى اثنا عشر ونصف أداها الرابع عن السادس بالحمالة فيتساويان أي الرابع والخامس فيها فيدفع له الخامس نصف ذلك ستة وربع واحد نصف النصف، ولهذا قال: وستة وربع وكذا لو لقي الأول الخامس قبل الثاني والثالث والرابع، وكذا لو لقيه الثاني قبل الأول والثالث والرابع وكذا لو لقيه الثالث قبل الأول والثاني والرابع. واللَّه تعالى أعلم. فإن لقي أحدهم السادس أخذه بستة وربع لأنه لم يؤد عنه سواها وسكت عن هذا لوضوحه.
والحاصل أنه إذا مر الأول عليهم مترتبين قبل من غرم عنه منهم فأجره على هذا يافتى وكذا لو مر عليهم الثاني على هذا الوجه وهكذا. وها أنا أذكر كيفية تراجعهم إلى أن يصل لذي كل حق حقه، ولم يذكر المص ذلك فأقول معترفا بالتقصير معتصما باللطيف الخبير: قال في التوضيح: المازري: أفردت جماعة من الأشياخ لمسألة الستة حملا تأليفا ولم يذكر المص -يعني ابن الحاجب- إلا
стр. 6302
ابتداء العمل فرأينا أن نكملها حتى يؤديَ كل واحد مائة فإني رأيت نفوس الطلبة عند إلقائها تطلب تمام عملها وربما صعب ذلك عليهم وها أنا أذكرها على ما قال المازري فأقول: إنه إذا غرم الأول ستمائة ثم لقي أحدهم أخذ منه ثلاثمائة كما تقدم، ثم إن لقي الأول ثانيا قال له غرمت ثلاثمائة مائة عن نفسي ومائتين بالحمالة عن أربعة أنت أحدهم يلزمك في حصتك خمسون وعليك نصف ما بقي وهو خمسة وسبعون، فجميع ما يأخذ منه مائة وخمسة وعشرين، فصار جميع ما أخذ من أصحابه أربعمائة وخمسة وعشرين تبقى له خمسة وسبعون، ثم إن لقي ثالثا قال له أديت بالحمالة خمسة وسبعين عن ثلاثة أنت أحدهم فادفع إليَّ ثلثها خمسة وعشرين، ونصف ما بقي مما أديته بالحمالة فإنك معي به حميل فجميع ما أخذ منه خمسون وتبقى له خمسة وعشرون، ثم إذا لقي خامسا قال له بقي مما أديت بالحمالة خمسة وعشرون وهي عليك وعلى صاحبك السادس فأعطني نصفها اثني عشر ونصفا ونصف ما بقي وذلك ستة وربع، فجميع ما يأخذ منه ثمانية عشر وثلاثة أرباع وبقي له مما غرم ستة وربع، فإذا لقي السادس أخذها منه فهذا إكمال عمل الأول، ثم نعود إلى الذي يليه وهو الثاني الذي لقيه الأول وغرم ثلاثمائة، فإذا لقي الذي يليه وهو الثالث الذي كان غرم للأول مائة وخمسة وعشرين فيقول إني قد أديت بالحمالة من هذه الثلاث مائة التي غرمتها مائتين عن أربعة نصيبك منها خمسون فيأخذها منه وتبقى مائة وخمسون وأنت معي بها حميل، فيقول له هذا الثالث قد أديت أيضا بالحمالة للأول خمسة وسبعين ساويتك في مثلها وتبقى خمسة وسبعون فخذ نصفها سبعة وثلاثين ونصفلا فجميع ما يأخذ منه سبعة وثمانون ونصف فجميع ما أدى هذا الثالث للأول والثاني مائتان واثنا عشر ونصف، وبقي للثاني مائة واثنا عشر ونصف مما أدى بالحمالة لأنه ودى ثلاثمائة مائة منها عن نفسه ومائتان بالحمالة، ورجع إليه مما أدى بالحمالة سبعة وثمانون ونصف من مائتين فالباقي له مما أداه بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف فيقول للرابع أديت مائة واثني عشر ونصفا عن ثلاثة أنت أحدهم فيلزمك ثلثها في حصتك وهي سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه فيقول له بقيت لي خسمة وسبعون أنت معي بها حميل فأعطني نصفها، فيقول له هذا الرابع قد أديت أنا بالحمالة خمسة وعشرين للأول خمسة وعشرين ساويتك في مثلها وبقيت لك خمسون فخذ نصفها، فجميع ما يأخذ منه اثنان
стр. 6303
وستون ونصف، فجميع ما أدى الرابع للأول والثاني مائة واثنا عشر ونصف فيبقى للثاني مما أداه بالحمالة خمسون، ثم إن لقي الخامس قال له بقي مما أديت بالحمالة أيها الخامس عنك وعن السادس خمسون عليك نصفها خمسة وعشرون فيأخذها منه ويقول له بقيت لي خمسة وعشرون أنت معي بها حميل، فيقول له الخامس قد أديت أنا أيضا ستة وربعا ساويتك في مثلها وبقيت لك ثمانية عشر وثلاثة أرباع علي نصفها وذلك تسعة وثلاثة أثمان، فجميع ما أدى هذا الخامس للأول ثمانية عشر وثلاثة أرباع وللثاني أربعة وثلاثين وثلاثة أثمان، فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن وبقي هذا الثاني يطالب بخمسة عشر وخمسة أثمان، فإذا لقي السادس يأخذها منه.
ثم إن الثالث الذي غرم للأول والثاني مائتين واثني عشر ونصفا إذا لقي الرابع قال له بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف عن ثلاثة أنت أحدهم فأعطني ثلثها وهو سبعة وثلاثون ونصف فيأخذها منه ويقول له قد بقي لي مما وديت بالحمالة خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، فيقول له هذا الرابع قد أديت أنا أيضا بالحمالة للأول خمسة وعشرين وللثاني خمسة وعشرين وذلك خمسون ساويتك في مثلها وبقيت لك خمسة وعشرون فخذ نصفها اثني عشر ونصفا، فيصير جميع ما أخذ منه خمسين فجميع ما أدى هذا الرابع للأول والثاني والثالث مائة واثنان وستون ونصف، ثم إنه إذا لقي الخامس قال له بقيت لي بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك منها نصفها أحد وثلاثون وربع فيأخذها منه، ثم يقول له بقي لي واحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل فيقول له هذا الخامس قد أديت أنا أيضا للأول ستة وربعا وللثاني تسعة وربعا وثمنا وذلك خمسة عشر ونصف وثمن ساويتك فيها تبقى خمسة عشر ونصف وثمن خذ نصفها سبعة وثلاثة أرباع ونصف ثمن تبقى له ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمن يأخذها من السادس فيذهب هذا الثالث وقد تم العمل فيه.
ثم إن الرابع الذي غرم للأول والثاني والثالث مائة واثنين وستين ونصفا إن لقي الخامس يقول له بقي لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك نصفها أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه ويقول له بقي أحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل فيقول له الخامس قد أديت أنا أيضا بالحمالة للأول والثاني والثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن ساويتك في
стр. 6304
مثلها وبقيت لك سبعة وستة أثمان ونصف ثمن علي نصفها ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن، فيأخذها منه فيصير جميع ما أخذ الرابع من الخامس خمسة وثلاثين وثمنا وربع ثمن وجميع ما أدى الخامس للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرون وثلاثة أرباع ثمن وبقي الرابع يطلب سبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن فإذا لقي السادس يأخذها منه ويذهب فقد غرم مائة وتم العمل فيه.
ثم إن لقي الخامس السادس وقد كان أدى للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن عليه منها مائة يبقى يطلب سبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن فيأخذها من السادس، فيذهب وقد غرم مائة ويذهب السادس وقد غرم للأول ستة وربعا وللثاني خمسة عشر وخمسة أثمان وللثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن وللرابع سبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن وللخامس مثلها وجميع ذلك مائة. واللَّه تعالى أعلم. اهـ بتغيير قليل لتصحيف النسخة التي بيدي.
ونظم هذه المسألة على هذا المثال حبيب اللَّه بن عبد اللَّه اليعقوبي وقد أجاد في نظمه رحمه اللَّه تعالى فقال:
حمدا لمن قد حبانا فقه مسألة … أعيت حديثا وقدما قادة نبلا
إذا بست مئين ادان ستة أشـ … ـخاص وكلهم بالكل قد كفلا
فمن قضى لمنهم ذا الدين أجمعه … يرجع بما قد قضى عن خمسة الحملا
فحيثما لقي الثاني يواخذه … بمائة وبمثلها كما عقلا
من ثالث يقتضي خمسين ثم له … خمس وسبعون مما عنهم حملا
وإن أتى رابعا أعطاه خمسا وعشـ … ـرينا وخمسا وعشرينا كذا نقلا
واثنين مع عشرة ونصف واحدها … ثمت ستا وربعا خامس الكفلا
وسادس القوم إن وافاه يأخذه … بستة وبربع تم ذا بولا
стр. 6305
وإن أتى الثالث الثاني فإن له … عليه خمسين دينارا بما أصلًا
ثم الثلاثون مع سبع حمالته … والنصف من واحد بالعلم نلت علا
وناول الرابع الثاني ثلاثين مع … سبع ونصفٍ أصالةَ فلا تهلا
ثمت خمسا وعشرينا يناوله … حمالةَ وإذا للخامس انتقلا
أعطاه خمسا وعشرينا وناوله … تسعا ثلاثة أثمان وإن نقِلا
لسادس فله خمس ويتبعها … عشر وخمسة أثمانٍ عِ ما حصلا
وحيث رابعهم ياتيه ثالثهم … سبعا ثلاثين مع نصف حباه ولا
أصالة ثم باثني عشر اتبعها … نصفا وهذا إذا للخامس ارتحلا
فواحد وثلاثون يواخذه … بها وربعٍ فكن بالعلم محتفلا
سبع وستة أثمان حمالتُه … ونصف ثمن وإن لسادسٍ نقِلا
أعطى ثلاثا وعشرينا ثلاثةَ أثـ … ــمانِ ونصفا لثمن فاحفظ المثلا
وإن أتى رابع لخامس فله … ربعٌ ثلاثون معْها واحدٌ وصلا
ثلاثة سبعَ أثمان كفالتَه … وربعَ ثمن وإن للسادس احتَمَلا
سبعا وعشرين مع ثُمْنَين يتبعها … أرباعَ ثمن ثلاثًا نال منه تلا
وحظ خامسهم من عند سادسهم … كحظ رابعهم منه وقد كملا
ثم الصلاة وتسليم يقارنها … على النبي وأصحاب النبي الفضلا