قال، ثم أخذه بمائتين حمالة لمساواته معه في حمالة المئين الأربع الباقية فكل منهما غرم عن الأربعة الباقية مائتين.
ثم إن لقي أحدهما ثالثا أخذه بخمسين أصالة لأنه غرم مائتين عن أربع: الملقي أحدهم فعليه خمسون لأن المائتين إذا قسمتا على الأربعة ناب كل واحد منهم خمسون وبقي مائة وخمسون عن الثلاثة الباقية فيساوي فيها هو الثلاثة فعلى الثالث نصفها وهي خمس وسبعون حمالة: ولهذا قال: وبخمسة وسبعين فجميع ما غرم هذا الثالث مائة وخمسة وعشرون، فإن لقي الثالث الغارم خمسة وسبعين عن ثلاثة رابعا بالنسبة للماضين أخذه بخمسة وعشرين أصالة، بيان هذا أن خمسا وسبعين ثلثها خمس وعشرون وهو قد أداها عن ثلاثة فيأخذها منه بالأصالة بقيت خمسون أداها عن اثنين فيتساويان فيها فيأخذ منه خمسا وعشرين بالحمالة، ولهذا قال: وبمثلها وهو خمس وعشرون، قوله: "فإن لقي الثالث رابعا" وكذا لو لقيه الأول قبل صاحبيه فإنه يأخذ منه خمسة وعشرين ثم يأخذه بمثلها، وكذا لو لقيه الثاني قبل الأول والثالث فإنه يأخذه بخمسة وعشرين أصالة ثم بمثلها حمالة. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن لقي هذا الرابع الغارم خمسة وعشرين عن اثنين خامسا أخذه باثني عشر ونصف؛ لأن خمسة وعشرين نصفها اثنا عشر ونصف تخص الخامس بالحمالة، وبقى اثنا عشر ونصف أداها الرابع عن السادس بالحمالة فيتساويان أي الرابع والخامس فيها فيدفع له الخامس نصف ذلك ستة وربع واحد نصف النصف، ولهذا قال: وستة وربع وكذا لو لقي الأول الخامس قبل الثاني والثالث والرابع، وكذا لو لقيه الثاني قبل الأول والثالث والرابع وكذا لو لقيه الثالث قبل الأول والثاني والرابع. واللَّه تعالى أعلم. فإن لقي أحدهم السادس أخذه بستة وربع لأنه لم يؤد عنه سواها وسكت عن هذا لوضوحه.
والحاصل أنه إذا مر الأول عليهم مترتبين قبل من غرم عنه منهم فأجره على هذا يافتى وكذا لو مر عليهم الثاني على هذا الوجه وهكذا. وها أنا أذكر كيفية تراجعهم إلى أن يصل لذي كل حق حقه، ولم يذكر المص ذلك فأقول معترفا بالتقصير معتصما باللطيف الخبير: قال في التوضيح: المازري: أفردت جماعة من الأشياخ لمسألة الستة حملا تأليفا ولم يذكر المص -يعني ابن الحاجب- إلا
стр. 6302
ابتداء العمل فرأينا أن نكملها حتى يؤديَ كل واحد مائة فإني رأيت نفوس الطلبة عند إلقائها تطلب تمام عملها وربما صعب ذلك عليهم وها أنا أذكرها على ما قال المازري فأقول: إنه إذا غرم الأول ستمائة ثم لقي أحدهم أخذ منه ثلاثمائة كما تقدم، ثم إن لقي الأول ثانيا قال له غرمت ثلاثمائة مائة عن نفسي ومائتين بالحمالة عن أربعة أنت أحدهم يلزمك في حصتك خمسون وعليك نصف ما بقي وهو خمسة وسبعون، فجميع ما يأخذ منه مائة وخمسة وعشرين، فصار جميع ما أخذ من أصحابه أربعمائة وخمسة وعشرين تبقى له خمسة وسبعون، ثم إن لقي ثالثا قال له أديت بالحمالة خمسة وسبعين عن ثلاثة أنت أحدهم فادفع إليَّ ثلثها خمسة وعشرين، ونصف ما بقي مما أديته بالحمالة فإنك معي به حميل فجميع ما أخذ منه خمسون وتبقى له خمسة وعشرون، ثم إذا لقي خامسا قال له بقي مما أديت بالحمالة خمسة وعشرون وهي عليك وعلى صاحبك السادس فأعطني نصفها اثني عشر ونصفا ونصف ما بقي وذلك ستة وربع، فجميع ما يأخذ منه ثمانية عشر وثلاثة أرباع وبقي له مما غرم ستة وربع، فإذا لقي السادس أخذها منه فهذا إكمال عمل الأول، ثم نعود إلى الذي يليه وهو الثاني الذي لقيه الأول وغرم ثلاثمائة، فإذا لقي الذي يليه وهو الثالث الذي كان غرم للأول مائة وخمسة وعشرين فيقول إني قد أديت بالحمالة من هذه الثلاث مائة التي غرمتها مائتين عن أربعة نصيبك منها خمسون فيأخذها منه وتبقى مائة وخمسون وأنت معي بها حميل، فيقول له هذا الثالث قد أديت أيضا بالحمالة للأول خمسة وسبعين ساويتك في مثلها وتبقى خمسة وسبعون فخذ نصفها سبعة وثلاثين ونصفلا فجميع ما يأخذ منه سبعة وثمانون ونصف فجميع ما أدى هذا الثالث للأول والثاني مائتان واثنا عشر ونصف، وبقي للثاني مائة واثنا عشر ونصف مما أدى بالحمالة لأنه ودى ثلاثمائة مائة منها عن نفسه ومائتان بالحمالة، ورجع إليه مما أدى بالحمالة سبعة وثمانون ونصف من مائتين فالباقي له مما أداه بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف فيقول للرابع أديت مائة واثني عشر ونصفا عن ثلاثة أنت أحدهم فيلزمك ثلثها في حصتك وهي سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه فيقول له بقيت لي خسمة وسبعون أنت معي بها حميل فأعطني نصفها، فيقول له هذا الرابع قد أديت أنا بالحمالة خمسة وعشرين للأول خمسة وعشرين ساويتك في مثلها وبقيت لك خمسون فخذ نصفها، فجميع ما يأخذ منه اثنان
стр. 6303
وستون ونصف، فجميع ما أدى الرابع للأول والثاني مائة واثنا عشر ونصف فيبقى للثاني مما أداه بالحمالة خمسون، ثم إن لقي الخامس قال له بقي مما أديت بالحمالة أيها الخامس عنك وعن السادس خمسون عليك نصفها خمسة وعشرون فيأخذها منه ويقول له بقيت لي خمسة وعشرون أنت معي بها حميل، فيقول له الخامس قد أديت أنا أيضا ستة وربعا ساويتك في مثلها وبقيت لك ثمانية عشر وثلاثة أرباع علي نصفها وذلك تسعة وثلاثة أثمان، فجميع ما أدى هذا الخامس للأول ثمانية عشر وثلاثة أرباع وللثاني أربعة وثلاثين وثلاثة أثمان، فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن وبقي هذا الثاني يطالب بخمسة عشر وخمسة أثمان، فإذا لقي السادس يأخذها منه.
ثم إن الثالث الذي غرم للأول والثاني مائتين واثني عشر ونصفا إذا لقي الرابع قال له بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف عن ثلاثة أنت أحدهم فأعطني ثلثها وهو سبعة وثلاثون ونصف فيأخذها منه ويقول له قد بقي لي مما وديت بالحمالة خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، فيقول له هذا الرابع قد أديت أنا أيضا بالحمالة للأول خمسة وعشرين وللثاني خمسة وعشرين وذلك خمسون ساويتك في مثلها وبقيت لك خمسة وعشرون فخذ نصفها اثني عشر ونصفا، فيصير جميع ما أخذ منه خمسين فجميع ما أدى هذا الرابع للأول والثاني والثالث مائة واثنان وستون ونصف، ثم إنه إذا لقي الخامس قال له بقيت لي بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك منها نصفها أحد وثلاثون وربع فيأخذها منه، ثم يقول له بقي لي واحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل فيقول له هذا الخامس قد أديت أنا أيضا للأول ستة وربعا وللثاني تسعة وربعا وثمنا وذلك خمسة عشر ونصف وثمن ساويتك فيها تبقى خمسة عشر ونصف وثمن خذ نصفها سبعة وثلاثة أرباع ونصف ثمن تبقى له ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمن يأخذها من السادس فيذهب هذا الثالث وقد تم العمل فيه.
ثم إن الرابع الذي غرم للأول والثاني والثالث مائة واثنين وستين ونصفا إن لقي الخامس يقول له بقي لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك نصفها أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه ويقول له بقي أحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل فيقول له الخامس قد أديت أنا أيضا بالحمالة للأول والثاني والثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن ساويتك في
стр. 6304
مثلها وبقيت لك سبعة وستة أثمان ونصف ثمن علي نصفها ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن، فيأخذها منه فيصير جميع ما أخذ الرابع من الخامس خمسة وثلاثين وثمنا وربع ثمن وجميع ما أدى الخامس للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرون وثلاثة أرباع ثمن وبقي الرابع يطلب سبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن فإذا لقي السادس يأخذها منه ويذهب فقد غرم مائة وتم العمل فيه.
ثم إن لقي الخامس السادس وقد كان أدى للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن عليه منها مائة يبقى يطلب سبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن فيأخذها من السادس، فيذهب وقد غرم مائة ويذهب السادس وقد غرم للأول ستة وربعا وللثاني خمسة عشر وخمسة أثمان وللثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن وللرابع سبعة وعشرين وربعا وثلاثة أرباع ثمن وللخامس مثلها وجميع ذلك مائة. واللَّه تعالى أعلم. اهـ بتغيير قليل لتصحيف النسخة التي بيدي.
ونظم هذه المسألة على هذا المثال حبيب اللَّه بن عبد اللَّه اليعقوبي وقد أجاد في نظمه رحمه اللَّه تعالى فقال:
حمدا لمن قد حبانا فقه مسألة … أعيت حديثا وقدما قادة نبلا
إذا بست مئين ادان ستة أشـ … ـخاص وكلهم بالكل قد كفلا
فمن قضى لمنهم ذا الدين أجمعه … يرجع بما قد قضى عن خمسة الحملا
فحيثما لقي الثاني يواخذه … بمائة وبمثلها كما عقلا
من ثالث يقتضي خمسين ثم له … خمس وسبعون مما عنهم حملا
وإن أتى رابعا أعطاه خمسا وعشـ … ـرينا وخمسا وعشرينا كذا نقلا
واثنين مع عشرة ونصف واحدها … ثمت ستا وربعا خامس الكفلا
وسادس القوم إن وافاه يأخذه … بستة وبربع تم ذا بولا
стр. 6305
وإن أتى الثالث الثاني فإن له … عليه خمسين دينارا بما أصلًا
ثم الثلاثون مع سبع حمالته … والنصف من واحد بالعلم نلت علا
وناول الرابع الثاني ثلاثين مع … سبع ونصفٍ أصالةَ فلا تهلا
ثمت خمسا وعشرينا يناوله … حمالةَ وإذا للخامس انتقلا
أعطاه خمسا وعشرينا وناوله … تسعا ثلاثة أثمان وإن نقِلا
لسادس فله خمس ويتبعها … عشر وخمسة أثمانٍ عِ ما حصلا
وحيث رابعهم ياتيه ثالثهم … سبعا ثلاثين مع نصف حباه ولا
أصالة ثم باثني عشر اتبعها … نصفا وهذا إذا للخامس ارتحلا
فواحد وثلاثون يواخذه … بها وربعٍ فكن بالعلم محتفلا
سبع وستة أثمان حمالتُه … ونصف ثمن وإن لسادسٍ نقِلا
أعطى ثلاثا وعشرينا ثلاثةَ أثـ … ــمانِ ونصفا لثمن فاحفظ المثلا
وإن أتى رابع لخامس فله … ربعٌ ثلاثون معْها واحدٌ وصلا
ثلاثة سبعَ أثمان كفالتَه … وربعَ ثمن وإن للسادس احتَمَلا
سبعا وعشرين مع ثُمْنَين يتبعها … أرباعَ ثمن ثلاثًا نال منه تلا
وحظ خامسهم من عند سادسهم … كحظ رابعهم منه وقد كملا
ثم الصلاة وتسليم يقارنها … على النبي وأصحاب النبي الفضلا
стр. 6306
ولما ذكر تراجع الحملاء الغرماء ذكر تراجع الحملاء فقط فقال: وهل لا يرجع الحميل بما يخصه أيضا أي كعدم رجوعه بما يخمه فيما سبق في الحملاء الغرماء إذا كان الحق على غيرهم أوَّلًا بتشديد الواو مع التنوين أي ابتداء وعليهم بطريق الحمالة، وعليه الأكثر من العلماء، قال الشارح: وإليه ذهب كثير من الأندلسيين ونحوه في الموازية، وفي سماع أبي زيد في المستخرجة: فجعلوا ما ينوب كل واحد من المال وهو مائة في المثال الآتي كما لو كان عليه من أصل الدين أو يرجع بما يخصه، وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما، قالوا: لأنهم سواء في الحمالة وليس يخص أحدهم ما لا يخص غيره.
وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان. واعلم أن الشيخ مصطفى رحمه اللَّه تعالى، قال: إن الصواب في تقرير كلام المص وبه تظهر مسألة الخلاف إذا أخذ رب الدين من الأول ما يخصه فقط وهو مائة، فهل لا يرجع به كما إذا كان الحق عليهم أو يرجع به؟ قال: والمسألة مفروضة هكذا في كلام ابن رشد في مقدماته، وذكر نصه على نقل أبي الحسن والمواق، ثم قال مصطفى: وأما فرض المسألة فيما إذا أخذ جميع الحق من أحدهم فلا يظهر للخلاف فيه معنى لمن تأمل وأنصف، وإن كان جمع من المحققين فرضوه في ذلك كعياض وابن عبد السلام وابن عرفة، بل جميع من وقفت عليه غير ابن رشد مع أنهم لم ينقلوا إلا كلام ابن رشد ولعلهم حرفوه وإن كان يبعد تواطؤ هؤلاء الأيمة الأجلاء على التحريف، فإنه لا يصح فرضهم والحق أحق أن يتبع. اهـ.
وصوب الرهوني تقرير الشيخ مصطفى واعتراضه على الأيمة إلا أنه قال: قولُ مصطفى: إنما تظهر ثمرة الخلاف إذا دفع قدر ما ينوبه فقط فِيهِ نَظرٌ، وصوابه أن يقول بدله إذا لم يدفع الحق كله فيصدق بثلاث صور: دفعه مقدار حقه فقط أو أقل أو أكثر ولم يوف الحق كله. اهـ المراد منه. فإذا كانوا ثلاثة تحملوا بثلاثمائة وكلهم كفيل عن صاحبه، فإذا لقي رب الدين أحدهم فأخذ منه مائة فلقي هذا المأخوذ منه واحدًا من صاحبيه (١) فعلى التأويل الأول وهو التأويل المذكور لا يرجع عليه
стр. 6307
بشيء لأن المائة تخصه في الحمالة فلا يرجع بها، وعلى التأويل الثاني المطوي يرجع عليه بنصف المائة فيساويه فيها.
وقال البناني عند قوله: "وهل لا يرجع بما يخصه أيضا إذا كان الحق على غيرهم" ما نصه: كيفية التراجع في ذلك على هذا التأويل الأول أنه إذا تحمل ثلاثة مثلا عن واحد بثلاثمائة وغرم أحدهم جميعها ثم لقى آخر فإنه يطالبه بمائة وخمسين نصف ما أعطى مائة عن نفسه وخمسون بالحمالة عن الثالث؛ لأنه حميل معه عنه ومن لقي منهم الثالث أخذ خمسين، وكيفيته على هذا التأويل المطوي أن الغريم الأول يطالب الثاني إذا لقيه بمائة وخمسين أيضا كالأول، فإذا لقي أحدهما الثالث طالبه بالمساواة معه فيما أدى وهو مائة وخمسون فيأخذ منه خمسة وسبعين، وإذا لقيه الآخر أيضا طالبه أيضا بذلك فيقول له قد أديت لصاحبنا الملقي قبلك خمسة وسبعين ساويتك فيها فيبقى لك زائدا عليها مثلها، أخذ نصفه وهو سبعة وثلاثون ونصف ثم من لقي منهما الآخر الذي لم يدفع إلا خمسة وسبعين أخذ منه، اثني عشر ونصفا، فيستوي الجميع في أن كل واحد دفع مائة فظهر تغاير التأويلين في كيفية التراجع في المثال المذكور، خلافا لمن قال: لا تظهر ثمرة التأويلين فيه وإنما تظهر فيما إذا أخذ رب الدين من الأول مائة فقط، فعلى التأويل الأول لا يرجع على الملقي الثاني بشيء، وعلى الثاني يرجع عليه، وكلام من وقفنا عليه من الشراح في هذا المحل غير ظاهر ولا واف بالمقصود.
وعلى هذا فلو قال المص: وهل كذا إن كان الحق على غيرهم لكان أولى لاختصاره وإفادته جريان هذه المسألة على الأولى في جميع ما ذكره فيها من قوله: "ورجع المؤدي بغير المؤدى عن نفسه" إلى قوله: "ثم ساواه" قاله المسناوي ﵀. فقول الزرقاني: فلو تحمل ثلاثة عن شخص أي بشرط حمالة بعضهم عن بعض: وقول الزرقاني: فعلى الأول يقاسمه في مائتين على كل مائة لخ أي فلا يرجع على من لقيه إلا بمائة مما غرمه وهو غير صحيح، بل يرجع بمائة وخمسين كما تقدم نصف ما أعطى مائة عن نفسه وخمسون بالحمالة عن الثالث، ونص المدونة في الثلاثة الحملاء فقط: إن أخذ من أحدهم جميع المال رجع الغارم على صاحبيه بالثلثين إذا لقيهما، وإن لقي أحدهما رجع
стр. 6308
عليه بالنصف. اهـ. وهو صريح في الرجوع بالنصف، ولذا اتفق فيه التأويلان وإنما اختلفا فيما إذا لقي الأول أو الثاني الثالث كما تقدم بيانه وقد اندفع بما تقدم ما هوَّل به مصطفى. اهـ المراد منه. الرهوني: الحق ما قاله مصطفى واعتراضه صحيح، وقولهم: إنما تظهر ثمرة الخلاف في رجوع أحدهما على الثالث هو حجة لمصطفى لا عليه؛ إذ يقول بلسان حاله إنما تظهر ثمرة الخلاف في رجوع أحدهما على الثالث لرجوع المسألة إذ ذاك لموضوع الخلاف، ومحله وهو عدم دفع الأول الحق كله. وإيضاح ذلك أن غارم الحق كله لما لقي الأول وأخذ منه نصف ما دفع صار كل واحد منهما دافعا لبعض الحق لا لكله، فمن لقي منهما الثالث صار معه كدافع بعض الحق أولا نعم، قول مصطفى: إنما تظهر ثمرة الخلاف إذا دفع قدر ما ينوبه فقط فيه نظر، وصوابه أن يقول بدله: إذا لم يدفع الحق كله فيصدق بثلاث صور إلى آخر ما مر، ثم قال: وكلام مصطفى آخرا قد يرشد إلى ما قلناه، وهو قوله: وأما فرض المسألة فيما إذا دفع جميع الحق لخ، فيفهم منه أن فرضها فيما دونه صحيح وإن كان أكثر من حقه أو أقل فيقيد آخر كلامه أوله، وقد ذكر المسألة في العتبية وفرضها فيما إذا دفع نحف الحق وهم أربعة، وذكر ابن رشد في شرحها الخلاف الذي ذكره في المقدمات فيما إذا دفع مثل ما عليه بعينه.
فاستفيد من مجموع كلامه في المقدمات والبيان أن المدار على دفع بعض الحق فقط، وكلام العتبية هو في سادس مسألة من سماع أبي زيد من كتاب الحمالة، ونصها: قال ابن القاسم في أربعة نفر تحملوا لرجل بأربع مائة دينار بعضهم حملاء عن بعض فحل الأجل وثلاثة منهم غيب والرابع حاضر فأغرمه صاحب الحق مائتين ثم جاء أحد الثلاثة المغيب، فقال: يغرم للذي أدى المئتين ستة وستين دينارا وثلثي دينار، قيل له: فإن قدم أحد الغائبين الآخرين كيف يرجع عليه؟ قال: يغرم أربعة وأربعين دينارا وأربعة أتساع الدينار، فيكون بين الذي أغرم أولا وبين الثاني نصفين سواء اثنين وعشرين دينارا وتسعا دينار لكل واحد.
قال القاضي ﵁: هذه مسألة صحيحة على قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في مسألة الستة كفلاء، وعلى ما في كتاب محمد بن المواز أن الحمالة في صفقة واحدة على أن بعضهم حميل عن بعض إذا أخذ من أحدهم ما ينوبه من جملة ما تحملوا به فأقل لم يكن له به رجوع
стр. 6309
على أصحابه، وإنما يرجع على من وجد منهم بما يجب عليه مما أخذ منه زائدا على ما ينوبه من جملة ما تحملوا به، وبيان ذلك في هذه المسألة بعينها أن الغريم الذي تحمل له الأربعة كفلاء بأربعمائة وكل واحد منهم حميل عن صاحبه لما وجد أحدهم فأخذ منه مائتي دينار كانت المائة الواحدة منها هي التي تنوبه من جملة ما تحملوا به فلا رجوع له بها على أحد والمائة الثانية أداها عن أصحابه الكفلاء ثلاثة وثلاثين وثلثا ثلاثة وثلاثين وثلثا ثلاثة وثلاثين وثلثا عن كل واحد منهم، فإن قدم أحدهم قام عليه الذي أدى المائتين فقال له: قد أديت إلى الغريم مائتين المائة الواحدة واجبة علي لا رجوع لي بها إلا على التحمل عنه، والمائة الثانية أديتها بالحمالة عنك وعن صاحبيك الغائبين ثلاثة وثلاثين وثلثا ثلاثة وثلاثين وثلثا ثلاثة وثلاثين وثلثا عن كل واحد منهما، فادفع إلى الثلاثة والثلاثين التي أديتها عنك في خاصتك بالحمالة، ونصف ما أديت عن صاحبيك الغائبين بالحمالة؛ لأنك حميل بها معي وذلك ثلاثة وثلاثون دينارا وثلثا دينار لأني أديت عنهما جميعا ستة وستين وثلثين كما قال وذلك بين حسبما بيناه، فإن قدم بعد ذلك الثاني من الغائبين فقام عليه الأول الذي أدى مائتين والثاني الذي رجع عليه الأول بستة وستين وثلثين رجع عليه بأربعة وأربعين وأربعة أتساع فاقتسماها بينهما بالسواء، وتفسير ذلك أنهما يقولان له: أدينا عنك في خاصتك ثلاثة وثلاثين وثلثا فادفعها إلينا، وأدينا عن الغائب الثاني بالحمالة ثلاثة وثلاثين وثلثا فعليك ثلثها لأنك حميل معنا به وذلك أحد عشر وتسع فيأخذان ذلك منه تتمة أربعة وأربعين وأربعة أتساع بينهما كما قال اثنين وعشرين وتسعين لكل واحد منهما. فهذا تفسير ما ذكره من التراجع في هذه المسألة.
فإن قدم بعد ذلك الغائب الثالث فقام عليه الثلاثة الأول الذي أدى المائتين ورجع على القادم الأول بستة وستين وثلثين، وعلى القادم الثاني باثنين وعشرين وتسعين حسب ما وصفناه والثالث الذي رجع عليه الأول والثاني بأربعة وأربعين وأربعة أتساع فيما بينهما حسب ما وصفناه، فإنهم يرجعون عليه بثلاثة وثلاثين وثلث فيما بينهم أحد عشر وتسع لكل واحد منهم يستوفي الأول بها جميع المائة التي أدى بالحمالة؛ لأنه رجع على الغريم الذي قدم ثالثا بأحد عشر وتسع، فتمت بذلك المائة ويكون كل واحد من الثلاثة المغيب قد أدى ثلاثة وثلاثين وثلثا كما وجب عليه من
стр. 6310
المائة التي أداها عنهم الأول، وذلك أن الأول من القادمين كان رجع عليه الأول بستة وستين وثلثين، فرجع منها على القادم الثاني باثنين وعشرين وتسعين وعلى هذا الثالث بأحد عشر وتسع تتمة ثلاثة وثلاثين وثلثا نصف ما كان أدى والثاني من القادمين كان رجع عليه الأول والثاني بأربعة وأربعين وأربعة أتساع على ما بيناه، فلما رجع منها على الثاني بأحد عشر وتسع كان الذي غرم ثلاثة وثلاثين وثلثا فاستووا ثلاثتهم في الغرم، وبقي لصاحب الدين من دينه مائتا دينار يرجع بها عليهم ثلاثتهم فيأخذ من كل واحد منهم ستة وستين دينارا وثلثي دينار، فيكون كل واحد منهم أدى مائة كما أدى الأول إذ قد رجع بالمائة الثانية فيرجع كل واحد منهم بالمائة التي أدى إلى المتحمل له على المتحمل عنه فهذا بيان هذه المسألة وتمامها على هذا القول.
وأما على القول بأن الحمالة في صفقة واحدة وكل واحد منهم حميل بما على صاحبه يرجع من أدى منهم شيئا على أصحابه بما يجب عليهم من جميع ما أداه حتى يستوي معهم في الغرم ((١) وكان الذي ينوبه) مما تحملوا به أو أكثر أو أقل فلا يحتاج في التراجع إلى هذا التشغيب؛ (٢) لأنه كلما وجد واحدا من أصحابه رجع عليه حتى يتساويا فيما غرم بيان ذلك في مسألتنا هذه أن الأول الذي غرم مائتين يرجع على القادم أولا من المغيب الثلاثة بمائة، ثم إن قدم الثاني رجعا عليه بستة وستين وثلثين فاستووا ثلاثتهم في الغرم: ثم إن قدم الثالث رجعوا عليه بخمسين (ربع المائتين) (٣) فاقتسموها بينهم ثلاثتهم يجب لكل واحد منهم ستة عشر وثلثان، فيكون الذي أدى كل واحد منهم خمسين. وهذا كله بين وباللَّه التوفيق. اهـ.
فعلم من كلام العتبية هذا الذي هو صريح في أنه دفع بعض الحق ولكنه أكثر مما ينوبه، ومن قول ابن رشد في شرحه: إنه مثل ما في الموازية فيما إذا أخذ من أحدهم مثل ما ينوبه فأقل صحة ما قلناه من أن موضوع الخلاف هو دفع بعض الحق مطلقا، وأن كلام ابن رشد في المقدمات والبيان صريح في أن الخلاف المذكور فيمن لقيه أولا وفي غيره، وأن ثمرته ظاهرة في الجميع، فتحصل من
стр. 6311
ذلك كله أن اعتراض مصطفى حق لا شك فيه، وأن ما أجابوا به عنه لا يدفعه بل يعززه ويقويه، وأما دفع الحق كله أو لا فلا تظهر ثمرة الخلاف فيه إذا لقي الأول، وقد صرح في المدونة بأنه إذا لقيه يرجع عليه بنصف ما دفع، وتظهر الثمرة فيما إذا لقي أحدهما ثالثا فيجري فيه الخلاف المذكور لكن تخريجا لا نصا. هذا تحقيق القول في هذه المسألة فشد يدك على هذا التحرير فإنه من فتح العليم الخبير، ولا تغتر بما قاله العالم النحرير واعتمده (خير (١) ما جد) شهير، فإن الفضل بيد اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه الموفق اهـ بتغيير قليل.
ولما أنهى الكلام على ما هو المعظم بالقصد وهو ضمان المال شرع يتكلم على ما يشبهه وهو ضمان الوجه عاطفا له على قوله: "وصح من أهل التبرع"، فقال: وصح بالوجه يعني أن الكفالة بالوجه تصح، ومعناها أن يتكفل له أن يحضر وجه المدين أي ذاته، بأن يقول له أنا ضامن لك أن آتيك بزيد، قال عبد الباقي: وصح الضمان بالوجه أي بإحضار الوجه ففيه حذف مضاف والباء للملابسة أي متلبسا بالوجه، وأراد به الذات مجازا من إطلاق اسم البعض على الكل، ومثل الوجه غيره من الأعضاء، ففي الشامل: وجاز بوجه والعضو المعين كالجميع. اهـ.
وضمان الوجه، قال في توضيحه عبارة عن الإتيان بالدين وقت الحاجة، ولا يدخل فيه ضمان الطلب كما فهم أحمد من أنه غير مانع لذلك؛ لأن ضمان الطلب طلبه بما يقوى عليه فليس الإتيان جزئيا له ولا لازما له، ثم إنه إنما يصح ضمان الوجه حيث كان على المضمون دين لا في قصاص، ولذا حذفه هنا وزاده في ضمان الطلب، والفرق أيلولة الوجه للمال في بعض أحواله والطلب طلب إحضاره. انتهى. وتأمل هذا فسيأتي للمص: "وغرم إن فرط أو هربه" وقال الخرشي: والمعنى أن الضمان يصح بالوجه وإذا لم يأت بالضمون فإنه يغرم ما عليه وهو عبارة عن الإتيان بالغريم الذي عليه الدين وقت الحاجة ولا اختلاف في صحته عندنا، ثم قال: والمراد بالوجه الذات. اهـ. وقال الشارح: ولا خلاف فيه أي في ضمان الوجه عندنا. ابن عبد السلام: ويحكي غير واحد الإجماع أن ضمان الوجه صحيح. انتهى.
стр. 6312
وللزوج رده من زوجته يعني أن الزوج له أن يمنع زوجته من الكفالة بالوجه، ظاهره ولو كان المال الذي على المضمون دون ثلثها، وهو ظاهر ما ذكره في التوضيح والشامل وابن عرفة عن ابن عبد الحكم وقبلوه، وزاد: ولو شرط عدم الغرم، قال في التوضيح: ولو تكفلت ذات زوج على أن لا مال عليها فلزوجها رد ذلك؛ لأنه يقول: قد تحبس وأمنع منها وتخرج للخصومة وليس ذلك علي اهـ. وعلى هذا أيضا فيمتنع تحملها بالطلب. فتأمله واللَّه أعلم. اهـ. قاله الحطاب.
ونحوه لعبد الباقي فإنه قال: وللزوج رده من زوجته ولو كان دين من ضمنت وجهه لا يبلغ ثلثها؛ لأنه يقول: قد تحبس فأمتنع منها أو تخرج للخصومة وذلك معرة علي، والتعليل المذكور ظاهر في ضمانها لغيره، ومثل ضمانها للوجه ضمان الطلب فللزوج رده، وأما ضمان المال فقد مر. اهـ. قوله: لأنه يقول قد تحبس لخ، نحوه في المواق لكنه يأتي في ضمان المال أيضا، فلو عللوا بأنه مظنة أن تخرج في طلبه كان ظاهرا. قاله البناني.
وبرئ بتسليمه له يعني أن ضامن الوجه إذا سلم المضمون عند الأجل لرب الدين فإنه يبرأ فلا يطالب بعد ذلك بإحضاره ولا يغرم إن لم يحضره، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن تكفل برجل أو بوجهه أو بنفسه أو بعينه إلى أجل ولم يذكر مالا، فإنه إذا أتى بالرجل عند الأجل مليا أو معدما برئ المتيطى، وإذا أخذ بالحميل حميلا فغاب الغريم والحميل الأول كلف الحميل الآخر أن يحضر أحدهما الحميل الغريم أو الحميل، فأيهما أحضر برئ إن كان الذي أحضر موسرا وإلا غرم. اهـ. وقال عبد الباقي: وبرئ بتسليمه له في مكان يقدر على خلاص، والضمير في تسليمه للمدين وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعل التسليم الضامن، والضمير في له لرب الدين، وقال الخرشي: إنه مضاف إلى فاعله والمفعول محذوف أي بتسليم الضامن المضمون. انتهى.
وإن بسجن يعني أن الضامن إذا سلم المضمون لرب الدين وهو في السجن فإنه يبرأ، ومعنى التسليم للمدين المسجون أن يقول الضامن لرب الدين: صاحبك في السجن فشأنك به وهذا إذا أمكنه خلاص حقه منه وهو في السجن، وإلا فلا يبرأ بتسليمه، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل للطالب وهو في السجن برئ الحميل؛ لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن فيحبس له بعد تمام ما سجن فيه، وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن ضامن الوجه
стр. 6313
يبرأ بتسليم الغريم للطالب، يريد في مكان تأخذه فيه الأحكام، قال في المدونة: ويبرأ إن دفعه إليه بمكان فيه حاكم، وإن أسلمه إليه في مكان لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو مفازة أو في مكان يقدر الغريم على امتناع منه لم يبرإ الغريم حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه وبه سلطان فيبرأ.
وقوله: "وإن بسِجْنٍ" يعني أن الغريم إذا سجن في حق لغير الطالب فسلمه الحميل له فيه فيبرأ ولا يضر ذلك في تسليمه إليه، قال في المدونة: وإذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ: لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن ويحبس له في حقه بعد تمام ما حبس فيه. اللخمي. والمازري: وسواء سجن بحق أو بالباطل لإمكان أن يحاكمه عند القاضي الذي حبسه، فإن منع هذا الطالب منه ومن الوصول إليه فيجري ذلك مجرى موته، وموته يسقط الكفالة. اهـ.
وقال الحطاب: قال ابن المواز في أثناء كلامه: لو سلم الكفيل الغريم وهو محبوس في سجن القاضي، فإن هذا التسليم يسقط الكفالة لكون المتكفل له يتمكن من طلبه وهو في الحبس ومحاكمته عند القاضي الذي حبسه حتى يمكنه من حقه ويقضي بذلك على المحبوس، وإن وجب حبسه زاد في مقدار أمد الحبس لأجل هذا الطلب الثاني بحبس ما يقتضيه الاجتهاد. اهـ. وقال ابن عرفة: الباجي: ولو كان حبسه في دم أو دين أو غيره، ويكفي قوله: برئت إليك منه وهو في السجن فشأنك به، كان سجنه في حق أو تعديا، قال ابن عرفة: قلت في التعدي نظر لأنه مظنة لإخراجه برفع التعدي عنه، وقال عبد الباقي: وإن سلمه في سجن في حق آخر وكذا ظلما بالأولى وكلاهما مقيد بما إذا أمكن خلاص حقه منه وهو به. انتهى.
قوله: وكلاهما مقيد لخ، قال البناني: لم أر من ذكر هذا القيد وهو غير ظاهر، ففي التوضيح ما نصه: اللخمي والمازري: وسواء سجن بحق أو باطل لإمكان أن يحاكمه عند القاضي الذي حبسه، فإن منع هذا الطالب منه ومن الوصول إليه فيجري ذلك مجرى موته، وموته يسقط كفالته. اهـ. ونقله ابن عرفة أيضا، وقال: قلت في التعدي نظر لأنه مظنة إخراجه برفع التعدي عنه فلا يتمكن منه فيه اهـ وفيه نظر لإمكان أن يحاكمه في الحين، فإن منع منه جرى مجرى موته كما تقدم عن اللخمي والمازري. اهـ.
стр. 6314
وقوله: وكذا ظلما بالأولى، قال الرهوني: في الأولوية نظر لأن السجن بحق متفق عليه وبظلم مختلف فيه. تأمله. وقول البناني: لم أر من ذكر هذا القيد لخ ذكره البرزلي وبه كان يفتي ويدرسه (١)، وسلمه تلميذه ابن ناجي واستشهد له بظاهر كلام المدونة، ففيها ما نصه: وإذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ الحميل؛ لأن الطالب يقدر على أخذ حقه في السجن ويحبس له في حقه بعد تمام ما سجن فيه، وكذلك إن دفعه له بموضع فيه حاكم أو سلطان يبرأ، وإن دفعه له بموضع لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو في مفازة أو بمكان يقوى الغريم على الامتناع منه لم يبرأ منه الحميل حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه منه وبه سلطان فيغرم. اهـ.
قال ابن ناجي ما نصه: ظاهره ولو سجن في ظلم وهو كذلك نص عليه اللخمي، قال بعض شيوخنا: فيه نظر؛ لأنه مظنة لإخراجه بدفع التعدي عنه، وظاهر قولها لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن أنه لو كان لا يقدر كما هو اليوم إذا كان في سجن السلطان أو كان في يد خدامه فإنهم يمنعون طالبه من أخذه حتى يتخلصوا منه فلا يبرأ الحميل بإحضاره هكذا، وبه كان شيخنا حفظه اللَّه يفتي ويدرس. اهـ منه بلفظه. قلت: ويؤخذ ذلك أيضا من قولها لم يبرأ منه حتى يدفع إليه بموضع يصل إليه ربه لخ وهو ظاهر، فقول البناني: وهو غير ظاهر فيه نظر لأن قياسه على ما ذكره في المدونة وغيرها من دفعه في زمن الفتنة، وما ذكر معه أولى من قياسه على موته لخراب ذمته بالموت وبقائها فيما عداه، والذمة في محل النزاع باقية وقد تعذر الأخذ منها فيؤخذ الحق من الضامن. انتهى.
تنبيهان: الأول: قد علمت أنه يكفي من التسليم إذا كان في السجن أن يقول له: صاحبك في السجن فشأنك به كما في الخرشي وغيره، قال البناني: مما يشبه ذلك ما إذا أحضر مضمونه في زاوية ولم يمكن إخراجه منها، فالذي وقع منه الحكم وبه العمل أن ذلك إحضار يبرأ به، قال في نظم العمل:
стр. 6315
وضامن مضمونه قد أحضرا … بموضع إخراجه تعذرا
يكفيه ما لم يضمن الإحضار له … بمجلس الشرع بتلك المنزله
الثاني: قال الشارح: لو شرط الحميل بالوجه أنك إن لقيت غريمك سقطت الكفالة عني اعتبر هذا الشرط إن لقيه في مكان تناله فيه الأحكام لا إن لم تنله. قاله في العتبية من التوضيح. اهـ.
أو بتسليمه نفسه مفعول المصدر قبله وهو معطوف على بتسليمه له؛ يعني أن الضامن يبرأ بتسليم المضمون نفسه لرب الحق، بشرط أشار إليه بقوله: إن أمره؛ أي إنما يبرأ المضمون بتسليمه نفسه لرب الدين إذا أمر المضمون الضامن بذلك التسليم، فالضمير المستتر في أمره عائد على الضامن، والبارز عائد على المضمون أي المدين والمجرور عائد على التسليم، قال الشارح: أي وهكذا يبرأ الحميل إن سلم الغريم نفسه للطالب بشرط أن يكون الحميل قد أمره أن يسلم نفسه له؛ لأنه يصير كوكيله. وقاله ابن المواز. والظاهر أنه تقييد للمدونة، ومذهب المدونة وهو المشهور أن الغريم لو سلم نفسه للطالب وأشهد أنه رفع نفسه إليه وقال له أسقط الكفالة عن من تحمل بوجهي أن الكفالة لا تسقط، قال في المدونة: ولو كان بموضع تنفذ فيه الأحكام إلا أن يسلمه الحميل بنفسه أو وكيله إلى الطالب.
ابن المواز: أو يقول الحميل للغريم اذهب فسلم نفسك إلى من له الحق عليك فإن ذلك يسقط الكفالة، وهو مراد الشيخ بقوله: إن أمره به ويكون الغريم كوكيل له. انتهى. وقال عبد الباقي: "أو بتسليمه" (١) المضمون نفسه للمضمون له إن أمره أي الضامن به أي بالتسليم؛ لأنه كوكيله وأمكن الخلاص منه في جميع ذلك، فإن سلم نفسه أو سلمه أجنبي بغير أمر الضامن لم يبرأ إلا أن يقبله الطالب، ولو أنكر الطالب أمره به برئ إن شهد له ولو واحدا ولو لم يحلف معه، ومحل هذا الشرط في المص إن لم يشترط حميل الوجه أنك إن لقيت غريمك سقطت الحمالة عني، فإن شرطه برئ إن لقيه بموضع تناله الأحكام فيه ولا يفتقر لتسليمه. قاله في العتبية. انتهى.
стр. 6316
قوله: ولو لم يحلف معه لخ، قال البناني: غير ظاهر، ولم أر من قال به. اهـ. قال الرهوني: وجه عدم ظهوره مخالفته للقواعد، وجوابه أن مخالفته للقواعد إذا لم نقل بما قاله الزرقاني حاصلة أيضا؛ إذ يؤدي الأمر إلى أمر ممنوع بالسنة والإجماع؛ لأنا إذا قلنا لا يبرأ من الدين بذلك لزم أن نقول إنه يتوجه عليه الغرم بنكوله دون يمين الطالب لرد ما شهد به الشاهد، وفي ذلك مخالفة للقواعد وإن كلفناه بالحق كلفناه بالغموس؛ إذ من أين له أنه لم يأمره بذلك، ودعواه أنه كان مصاحبا له من وقت الضمان إلى وقت النزاع ليلا ونهارا وأن بينة أخبرته بذلك لم تفارقه ليلا ونهارا متعسرة إن لم تكن متعذرة فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى.
وقوله: إن حل الحق شرط في المسألتين، بخلاف قوله: "إن أمره به" فإنه شرط في الثانية فقط فليس الشرطان متواردين على محل واحد، ولذا أسقط العاطف، ولو عطف الثاني بالواو لأوهم قصره على الثانية، ومعنى كلام المص أن الضامن إنما يبرأ من الضمان بالتسليم في المسألتين إن حل الحق على المضمون، وأما إن لم يحل الحق على المضمون فإن الضامن لا يبرأ بالتسليم المذكور في المسألتين، قال عبد الباقي: إن حل الحق على المضمون بمضي أجل الدين، وقولي: إن حل الحق على المضمون لخ هو الصواب كما في الشارح، سواء حل على الضامن أيضا أم لا، كما إذا أخر رب الدين الضامن وحلف أنه لم يقصد بذلك تأخير الدين قياسا على ما مر في ضامن المال، ولا يحل على الضامن بموته قبل حلول أجل الدين على المعتمد بل يوقف من تركته قدر الدين إلى حلوله إن لم يكن وارثه أمينا كما مر عن أبي الحسن، خلافا لقول ابن المواز: يحل بموته وإذا أحضره وارثه حينئذ لرب الدين قبل حلول أجل الدين برئ فإنه ضعيف. اهـ بإصلاح.
قوله: ولا يحل على الضامن بموته لخ يشير بذلك إلى ما قدمه عند قوله: "وعجل بموت الضامن" لخ، ونصه: وشمل كلاهه ضامن الوجه فإن مات لم تسقط الكفالة على المشهور، لكن إنما يطلب وارثه بإحضار غريمه إن حل دينه وإلا وقف من تركة الضامن قدر الدين حتى يحل إن لم يكن الوارث مأمونا. انظر أبا الحسن. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: "إن أمره به" ما نصه: مفهومه أنه إن لم يأمره به لا يبرأ وهو كذلك، قال ابن عرفة عن ابن المواز: هذا إن لم يرد الطالب قبوله
стр. 6317
إلا (١) حتى يسلمه له الحميل، ولو قبله برئ كمن دفع دينا عن أجنبي للطالب أن لا يقبله إلا بتوكيل الغريم وله قبوله فيبرأ. انتهى.
وبغير مجلس الحاكم إن لم يشترط، قال الخرشي: يعني أن ضامن الوجه يبرأ إذا أسلم المضمون لرب الحق في غير مجلس الحكم، إلا أن يشترط صاحب الحق على الضامن أن لا يبرأ إلا بتسليمه الغريم له في مجلس الحكم، فإن الشرط يعمل به ولا يبرأ إلا بتسليمه فيه بشرط أن يكون باقيا على حاله تجري فيه الأحكام، فإن خرب فسلمه له فيه فهل يبرأ بذلك أم لا؟ قولان ذكرهما ابن عبد الحكم. قاله في التوضيح عن صاحب الكافي. ومبنى القولين هل المُراعى اللفظ أو القصد؟ انتهى.
وبغير بلده إن كان به حاكم يعني أنه إذا لم يشترط إحضار الضامن للمضمون في بلد معين فأحضره لرب الحق في بلد غير البلد الذي وقع فيه الضمان، فإن الضامن يبرأ بذلك بشرط أن يكون بذلك البلد حاكم. هكذا في المدونة. وعلى هذا حمل المص عبد الباقي وبغير بلده أي الضمان إن كان به أي بذلك الغير حاكم، وأما إحضاره بغير بلد الاشتراط أي بغير البلد الذي اشترط عليه أن يحضره له فيها ففي براءته به وعدمها قولان مرجحان، فلا يحمل المص عليه للاعتراض عليه حينئذ بأنه اقتصار على أحد قولين لم يرجح أحدهما، لكن في التتائي عن بعض أشياخه أنه شهر القول بالبراءة. انتهى.
قوله: فلا يحمل المص عليه لخ رد به على الحطاب حيث قال: يصح أن يعود الضمير على الاشتراط؛ ثم قال: والمعنى أنه إذا اشترط الطالب على الحميل أن يحضر له المديان ببلد فأحضره في غيره فإنه يبرأ إن كان الموضع الذي أحفره فيه تأخذه فيه الأحكام، وإذا حمل كلام المص على هذا كانت مسألة المدونة مفهومة منه بالأحروية، وهي ما إذا لم يشترط إحضاره بموضع معين فأحضره الحميل في غير البلد الذي وقع فيه الضمان. اهـ.
ومسألة المدونة هي التي قررت بها كلام المص تبعا لعبد الباقي كما رأيت، قال البناني عن الحطاب: لعل المص رجح هذا القول؛ يعني القول بأنه يبرأ إذا أحضره له بغير البلد المشترط:
стр. 6318
لقول المازري: إنه يلاحظ فيه مسألة الشروط التي لا تفيد، وكونها قد تفيد في بعض الصور لا يمنع ذلك لأن الصور النادرة لا تراعى. اهـ. وبه يسقط اعتراض الزرقاني، لكن حمله على مسألة المدونة أقرب. واللَّه أعلم. انتهى.
ولو عديما مبالغة في قوله: وبرئ إلى هنا، يعني أن حميل الوجه يبرأ بما ذكر من الإحضار على الوجوه المذكورة، ولو كان المضمون المحضر عديما فليس كضامن المال، فإنه يطالب إذا حضر المدين معسرا وهذا هو المشهور، خلافا لابن الجهم، وبه قال ابن اللباد: قال إنما يبرأ الضامن بإحضار المضمون إذا كان موسرا، قال الرهوني: ابن الجهم روى ذلك عن مالك كما للخمي وعياض والتوضيح وابن عرفة وغيرهم، ونص اللخمي: وقد قال ابن الجهم عن مالك: لا يبرأ إلا بوصول الحق إلى صاحبه، قال: لأنه تحمل به في وقت يساره فيأتي به في وقت إعساره. فقد أتلف عليه المال. انتهى. وقوله: "ولو عديما" هو نص المدونة، قال ابن القاسم: إن تكفل برجل أو بوجهه أو بنفسه أو بعينه إلى أجل ولم يذكر مالا، فإنه إذا أتى بالرجل عند الأجل مليا أو معدما برئ. انتهى.
وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية، راجع لقوله: وبرئ بإحضاره إلى هنا؛ أي وإن لم تحصل براءة حميل الوجه بوجه مما سبق أغرم حميل الوجه ما على المضمون، فقوله: "أغرم" بضم الهمزة وسكون الغين العجمة وكسر الراء وفتح اليم فهو مبني للمفعول، ونائبه ضمير يعود على الضامن، ومفعوله الثاني محذوف أي الدين إذا لم تحصل براءة لضامن الوجه فإنه يؤخذ منه الحق الذي على المضمون؛ لأنه ضمن وجه الغريم ولم يأت به، لكن إنما يؤخذ منه الحق حيث لم يأت بالحميل بعد خفيف تلوم أي يتلوم له تلوما قليلا بقدر اجتهاد الحاكم، لعله يأتي بالمضمون.
ومحل هذا التلوم القليل إنما هو إن قربت غيبة غريمه أي المضمون، فالمراد بالغريم هنا المدين، ومثل لقريب الغيبة بقوله: كاليوم أي إنما يتلوم للضامن إذا كان المضمون على مسافة قريبة كاليوم ونحوه، وأما إن بعدت فإنه يغرم بلا تلوم، قال عبد الباقي: ومقتضى كلام المؤلف أن الغريم إذا كان حاضرا فإن الضامن يغرم من غير تلوم، والذي في المدونة أنه يتلوم له في هذه الحالة أيضا، فلو
стр. 6319
قال: إن حضر أو قربت غيبته لوفى بما في المدونة. اهـ. لكن الظاهر أن أمد التلوم للغائب أكثر من أمده للحاضر. انظر البناني.
ومن المدونة: إن لم يأت حميل الوجه بالغريم عند الأجل والغريم حاضر تلوم له، وإن كان غائبا قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه تلوم له كما يتلوم للحاضر، قال في العتبية: بقدر ما لا يضر فيه بالطالب وما يجتهد به للحميل، فإن أتى به بعد التلوم فلا شيء عليه وإلا أغرم المتيطى: يلزم بضمان الوجه غرم المال الذي ثبت قبل المضمون عنه إذا لم يحضر الوجه ولما كان له مال حاضر. اهـ. نقله المواق.
وقال الشارح: أي وإن لم تحصل براءة الحميل بوجه من الوجوه المذكورة غرم ما على الغريم وهو المشهور، والشاذ لابن عبد الحكم لا غرامة عليه؛ لأنه لم يلزم إلا إحضار الغريم وهو لا يقتضي التزام المال، وإذا قلنا بالشهور فلابد من تلوم خفيف كما ذكر وهو مذهب المدونة والموازية والعتبية، وقال ابن وهب: إذا غاب الغريم غرم الحميل بغير تلوم، وقوله: "إن قربت غيبة غريمه" يعني أن التلوم مشروط بأن يكون غيبة الغريم قريبة، فإن بعدت فلا يتلوم له، قال في المدونة: فإن بعدت غيبة الكفول به غرم الحميل مكانه، وقوله: "كاليوم" قال في المدونة: مثل اليوم وشبهه، وفي الموازية: مثل اليوم واليومين، وفي العتبية: والثلاثة.
المازري: وقيل هي يومان وثلاثة وظاهره أن هذين القولين خلاف، واختار بعض الأشياخ اليوم لأنه بقدر ما يتلوم في الحضر وذلك ثلاثة أيام؛ لأن الحميل يسافر ليأتي بالغريم مسافة يوم ويتأخر يوما في طلبه ويأتي به في اليوم الثالث، وإذا قيل يومان اقتضى ذلك خمسة أيام: يومان في الذهاب ويومان في الرجوع ويوم في الإقامة، والقول بالثلاثة أبعد لأنه يقتضي سبعة أيام، قال: والأصح عندي في هذا مراعاة الضرر فينفى عن الضامن قدر الاستعجال المضر، وعن الطالب ضرر التأخير. اهـ كلام الشارح.
ولا يسقط بإحضاره إن حكم به يعني أن الضامن إذا حكم عليه بالغرم قبل أن يحضر الدين الذي ضمن وجهه وبعد أن حكم عليه به أحضر المدين، فإن ذلك الغرم قد لزمه وترتب عليه فلا يسقط عنه بذلك الإحضار، قال عبد الباقي: ولا يسقط الغرم عن ضامن الوجه بإحضاره أي المضمون إن
стр. 6320
حكم عليه به أي بالغرم قبل إحضاره؛ لأنه حكم مضى ويخير رب الدين حينئذ في تقديم أيهما شاء، وهذا مقيد بما إذا كان المضمون موسرا عند حلول الأجل، فإن كان معسرا رد حكمه ورجع الضامن بما دفع للطالب لقوله:
لا إن أثبت عدمه يعني أن الحميل إذا أثبت عند حلول الأجل أن المدين عديم والمدين غائب فإنه يبرأ من الكفالة فلا غرامة عليه، قال عبد الباقي: لا إن أثبت عند حلول الأجل عدمه، معناه أثبت ولو بعد الحكم عليه بالغرم أنه كان عديما حال الحكم، ثم ما ذكره المص هنا طريقة اللخمي، قال التتائي في صغيره: ويترجح ما هنا لذكره في بابه. اهـ. واقتصر في الفلس على ما لابن رشد من غرمه ولو أثبت عدمه، وقد تقرر عندهم تقديم ما لابن رشد على ما للخمي، وفي بعض التقارير والشراح أن المشهور ما هنا ونحوه للتتائي كما مر، ولكن لا يوافق قاعدة تقديم ما لابن رشد على ما للخمي؛ فلعل القاعدة أغلبية. انتهى. قوله: وقد تقرر عندهم تقديم ما لابن رشد على ما للخمي لخ: قال الرهوني: قد علمت أن محل ذلك هو قولاهما لا نقلاهما، وكلام اللخمي هنا صريح في أنه ناقل لما قاله، وإنما (١) قاله فيه هو الاختيار ونصه وإذا كانت الحمالة بالوجه ثم عجز الحميل عن إحضار المتحمل به غرم المال إلا أن يثبت فقره بأمرين، وأما يمينه لو كان حاضرا أنه لا يغيب شيئا فعلى الاستحسان فتسقط الكفالة وهذا هو الصواب من القول. اهـ.
أو موته يعني أن الحميل إذا ثبت موت المدين قبل أن يحكم عليه بالغرم فإنه يبرأ من الحمالة فلا غرم كليه، فإن أثبت أنه مات بعد الحكم فهو حكم مضى فيلزمه الغرم.
والحاصل أن الحكم إن سبق الموت لزم الغرم، وإن سبقه الموت لم يلزم لتبين خطإ الحكم. اهـ. وكذا العدم إن وقع الحكم بالغرم، فإن ثبت أن العدم كان عند الأجل نقض الحكم وبرئ الضامن، وإن أعدم بعد الحكم لم يبرأ.
وقوله: في غيبته راجع لقوله: "لا إن أثبت عدمه" فقط، واحترز به عما لو أثبت عدمه في حضوره أي مع عدم إحضاره لرب الدين فإنه لا يسقط عنه الغرم؛ لأنه لابد في إثبات العدم من حلف من
стр. 6321
شهدت البينة بعدمه حيث حضر، فإذا لم يحلف انتفى ثبوت العدم بخلاف الغائب، فإن عدمه يثبت بالبينة فقط: فإن شهدت بعدم المضمون الحاضر وأبى أن يحلف وتعذر تسليمه للطالب غرم الضامن. قاله عبد الباقي. وقوله: "لا إن أثبت عدمه" في بعض النسخ بلا النافية وفي بعضها بإلا الاستثنائية مستثنى من قوله: "ولا يسقط بإحضاره إن حكم به" ونسخة الاستثناء هي التي شرح عليها الخرشي. واللَّه تعالى أعلم.
ولو بغير بلده راجع لقوله: "أو موته" يعني أن الكفالة تسقط بموت الغريم أي المدين قبل الحكم عليه بالغرم، سواء مات ببلده أو بغير بلده، قال الخرشي: وأشار بلو لرد تفصيل ابن القاسم في سماع عيسى. اهـ. وقال المواق: وأما موت الغريم ولو بغير بلده، فقال ابن القاسم: وإذا مات الغريم بالبلد فلا شيء على الحميل، وإن مات في غيبته لزم الغرم إلا أن يكون موت الغريم قبل الأجل بأيام لو كلف الحميل المجيء به لرجع قبل حلول الأجل، فحينئذ تسقط عنه الحمالة، وقال أشهب: لا أبالي إذا هو مات تسقط بموته في غيبته أو بالبلد.
ابن يونس: قول أشهب هو نحو ما في المدونة، قال بعض الفقهاء: وهو أشبه لأن الغيب كشف أنه لا قدرة على الإتيان به. اهـ. وقال الرهوني: مقابل لو لابن القاسم في الموازية والعتبية والواضحة، ففي سماع سحنون من كتاب الحمالة ما نصه: قال سحنون: سألت ابن القاسم عن الرجل يتحمل بوجه رجل فيموت المتحمل عنه قبل الأجل أو بعده، قال: إن كان حاضرا أو مات في الحضر فلا شي، على الحميل، وإن كان غائبا نظر فإن كان بموضع لو كلفه أتى به في الأجل أو بعده بشيء لم يكن على الحميل غرم، وإن كان بموضع لو كلفه لم يأت به إلا بعد الأجل بكثير فأراه ضامنا. اهـ منه بلفظه.
ونحوه في رسم أسلف دينارا من سماع عيسى من كتاب الحمالة إلا أنه لم يذكر التفصيل بين الكثير والقليل، وزاد فيه ما نصه: وكل ما قلت لك من خلاف هذا فدعه وخذ بهذا، قال القاضي ﵁: رواية سحنون عن ابن القاسم تحمل على التفسير لرواية عيسى عن ابن القاسم هذه، ولما حكى ابن حبيب عنه في الواضحة من رواية أصبغ ومثل هذا في كتاب ابن المواز وكل هذا خلاف لما
стр. 6322
في المدونة فنقل كلامها، ثم قال: فعلى ما في المدونة إذا مات لا يبالي حيث مات تسقط الحمالة بحإته في غيبته أو في البلد وهو قول أشهب. اهـ منه بلفظه.
وقال في قوله في رواية سحنون أو شيء ما نصه: يريد بمقدار ما كان يتلوم له فيه لو طلبه منه لم يكن عليه غرم، وقد صرح ابن يونس بأن ما لأشهب موافق لما في المدونة وما لابن القاسم في الموازية خلاف. اهـ المراد منه.
تنبيه: قال الحطاب: وانظر إذا غرم ثم أثبت أنه كان عديما قبل القضاء هل يرجع أم لا؟ واللَّه أعلم. اهـ. واعترضه أبو علي، فقال: كأنه لم يقف على كلام اللخمي، ثم قال عن أبي علي: وعلى هذا فقول المتن: "إن أثبت عدمه" أي ولو بعد الحكم عليه بالغرم ودفع المال، ثم قال: ونحوه له في حاشية التحفة. قلت: في ما قاله نظر لاختلاف الموضوع، إذ تنظير الحطاب فيما إذا ثبت عدمُه بعد الحكم عليه وهو غائب، وكلام اللخمي إنما هو فيما إذا قدم بعد الحكم عليه، ثم قال عن اللخمي: والمسألة على ثلاثة أوجه: فإن قدم معسرا وكان عند حلول الأجل موسرا كان الحكم ماضيا، وإن كان معسرا عند حلول الأجل رد الحكم، وإن غرم الحميل المال استرجعه لأن غيبة الغريم لم تضر الطالب بشيء، ولو كان حاضرا لم يأخذ منه شيئا وإن كان موسرا يوم حل الأجل ويوم قدم كان الحكم قد وقع موقعه وكان الآن بمنزلة الحميل.
واختلف هل يبتدأ بالحميل أم لا؟ اهـ منه بلفظه. فإن عنى أبو علي أن كلام اللخمي هذا نص في عين ما توقف فيه الحطاب فقد علمت ما فيه وهذا هو المستفاد من كلامه، وإن عنى أن ذلك يؤخذ من كلام اللخمي بالقياس ففيه نظر، إذ لا يلزم من جزم اللخمي بسقوط الحكم بثبوت العدم وحضور الغريم سقوطه عنده لثبوت العدم بعد الحكم من غير حضور الغريم. فتأمله بإنصاف. اهـ.
ورجع به يعني أن الضامن الذي حكم عليه بالغرم وغرم يرجع به أي بما دفعه على رب الدين إذا أثبت أن الغريم قد مات في غيبته قبل الحكم أو أعدم حين حل الحق، فهو راجع لمسألتي العدم والموت كما في الطخيخي، وجعل أحمد والحطاب له في مسألة الموت (١) قصور، وأما إذا غرم في غيبة
стр. 6323
الغريم أو موته من غير قضاء ثم أثبت موته أو عدمه قبل الغرم فإنه لا يرجع على رب الدين؛ لأنه متبرع كما في الطخيخي. قاله عبد الباقي. وتقدم في التنبيه قبل هذا مناقشة الرهوني لعبد الباقي في نسبة الحطاب للقصور وكذا البناني؛ فقوله: "ورجع" بالبناء للفاعل وفاعله ضمير يعود على الضامن: وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: لو غاب الغريم فقضي على حميل الوجه بالمال فودَّاه ثم أثبت ببينة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء رجع الحميل بما أدى على رب الدين؛ لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ به الحميل لم يكن عليه شيء، وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كان حيا. اهـ.
وبالطلب عطف على قوله: "بالوجه" يعني أن الكفالة بالطلب تصح؛ كأن يقول أنا حميل بأني أطلبه فإن لم أجده برئت من المال، وضمان الطلب عبارة عن التفتيش عن الغريم من غير إتيان به، قال المواق: قال مالك: لو شرط حميل الوجه أني أطلبه فإن لم أجده برئت من المال ولكن علي طلبه حتى آتي به لم يلزمه إلا ما شرط. ابن المواز: أو يقول لا أضمن إلا وجهه، فهذا لا يضمن إلا الوجه غاب أو حضر أو مات أو فلس، ولا يحبس إن لم يحضره إلا أن يعلم بمكانه فيحبس بقدر ما يرى السلطان مما يرجو به إحضاره، وفي المدونة قال غيره: لا يلزمه من المال شيء جاء بالرجل أو لم يأت به، إلا أن يمكنه بقدر الأجل إحضاره ففرط فيه حتى أعوزه فهذا قد غره. اهـ.
وإن في قصاص يعني أن ضمان الطلب يصح فيما ترتب على المضمون من مال أو غيره كقصاص، قال الشارح: أي وكذلك يصح الضمان بالطلب وإن كان على المطلوب قصاص وضمنه بسببه؛ لأنه لا يلزمه فيه غرم. عياض: ويصح ضمان الطلب في كل شيء حتى في القصاص. اهـ. وأشار إلى صيغة ضمان الطلب وأنها إما بصريح لفظه وإما بصيغة ضمان الوجه مع اشتراط نفي المال بقوله: كأنا حميل بطلبه يعني أن من أمثلة صيغ ضمان الطلب أن يقول: أنا حميل بطلبه أو عليَّ أن أطلبه أو لا أضمن إلا طلبه أو أنا مطالب بطلبه.
أو اشترط نفي المال يعني أنه إذا اشترط الحميل نفي المال فإن ذلك ضمان طلب؛ فإن لم يأت بالمضمون فلا غرم عليه كقوله: أضمن وجهه وليس علي من المال شيء، قال المواق: قال ابن رشد: الحميل بالوجه يلزمه غرم المال إذا لم يحضر المعين، فإن أحضره برئ من المال وإن كان عديما إلا
стр. 6324
أن يشترط أن لا شيء عليه من المال فينفعه الشرط، ولا يجب عليه غرم المال وإن لم يحضره إلا أن يكون قادرا على الإتيان به فيفرط في ذلك أو يتركه أو يغيبه حتى يذهب فيكون ضامنا للمال بإهلاكه إياه، وما لم يفعل شيئا من ذلك فلا ضمان عليه في المال وإنما يلزمه الطلب خاصة على ما اشترط، وفيما يلزمه من الطلب اختلاف. اهـ. وقال عبد الباقي: أو اشترط نفي المال بالتصريح كأضمن وجهه وليس علي من المال شيء، أو ما يقوم مقام التصريح.
كما أشار إليه بقوله: أو قال لا أضمن إلا وجهه قوله: "لا أضمن إلا وجهه" أصله في الموازية لابن المواز نفسه، ونقله الباجي وابن يونس وسلماه، واعترضه ابن رشد في المقدمات والبيان قائلا: عندي فيه نظر؛ إذ لا فرق بين قوله: "أضمن وجهه"، وبين قوله: "لا أضمن إلا وجهه"، كما أنه لا فرق بين قول القائل أسلفني فلان دينارا وقوله ما أسلفني إلا دينارا، إلا أن يكون هناك بساط، كما إذا قيل تضمن وجه فلان فإن لم تأت به غرمت ما عليه، فقال: لا أضمن إلا وجهه. اهـ ملخصا. ونقل ابن عبد السلام وابن عرفة اعتراض ابن رشد وسلماه، وكأن المص لم يرتضه فاعتمد ما لابن المواز. واللَّه أعلم. قاله الرهوني.
وطلبه بما يقوف عليه، "طلبه" بصيغة الماضي فيفيد وجوب الطلب؛ يعني أن حميل الطلب يلزمه أن يطلب الدين طلبا يقوى عليه، فقوله: "بما" أي بالأمر الذي يقوى عليه من المسير إليه، ونحوه قوله: "وطلبه بما يقوى عليه"، قال البناني: يتعين قصر كلام المص على معلوم الموضع؛ لأن المجهول إنما يطلبه في البلد وما قرب منه كما في التوضيح. اهـ. وقال الشارح: قال اللخمي: إن لم يعلم موضعه وحيث توجه كان عليه أن يطلبه في البلد وفيما قرب منه، واختلف إذا عرف مكانه فقال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليوم واليومين وحيث لا مضرة فيه، وقال ابن الماجشون: يخرج أو يؤدي عنه. ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس، وقال ابن القاسم في العتبية: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلفه وما لا يقوى عليه فلا يكلفه، وإلى مذهب ابن القاسم أشار بقوله: "وطلبه بما يقوى عليه"، قال في البيان: وحكى الفضل عن ابن عبد الحكم أن السلطان يتلوم له، فإن جاء به وإلا حبسه حتى يأتي. اهـ.
стр. 6325
وحلف ما قصر يعني أن حميل الطلب إذا لم يأت بالمدين فإنه يحلف أنه ما قصر في طلبه، قال الشارح عند قوله: "وحلف ما قصر" ما نصه: هكذا قال ابن الهندي أن على حميل الطلب أن يحلف أنه ما قصر في طلب الغريم ولا دلس فيه، وأنه لا يعلم له مستقرا، وظاهر قول ابن القاسم في العتبية أنه مصدق من غير يمين، ونصه: وإذا خرج لطلبه ثم قدم وقال لم أجده، وقال الطالب من يعلم أنك بلغت الموضع، القول قول الحميل إن مضت مدة يذهب فيها ويرجع اهـ المراد منه.
وغرم إن فرط أو هربه يعني أن حميل الطلب إذا تمكن من إحضار المدين ففرط فيه حتى هرب أو أنذره فهرب وهو معنى قوله: "أو هربه" فإنه يغرم ما عليه، وعوقب يعني أن محل تضمين حميل الطلب ما على المضمون إنما هو حيث تمكن من الإتيان بالضمون ولم يأت به؛ كإن لقيه فتركه أو أنذره فهرب، وأما إن لم يتمكن من إتيانه بأن لم يلقه ولا هربه بل قصر في طلبه كما إذا ذكر له ببلد فخرج لغيره أو خرج وأقام بغير بيته فإنه يعاقب ولا غرم عليه، ولا تجتمع العقوبة والغرم فهذه ثلاثة أقسام، وقال الخرشي: وغرم إن فرط أي بالفعل أو هربه أي بالفعل.
وقوله: "وعوقب" أي (١) اتهم على أنه فرط. اهـ. وقال المواق عند قوله "أو عوقب" ما نصه: ابن القاسم: إن قال الطالب هو بموضع كذا فخرج فأثبت الطالب أنه خرج وأقام بقرية ولم يتماد فليعاقبه السلطان بالسجن بقدر ما يرى، وأما أن يضمنه المال فلا إلا أن يثبت أنه غيبه أو لقيه فتركه. اهـ. ونحوه في التوضيح، وقال عبد الباقي: ثم إذا كان المضمون فيه قصاص فالظاهر أنه حيث وجب عليه الغرم بتفريطه يضمن دية عمد، ولكن مفاد ابن عرفة أنه لا غرم عليه وينبغي أن يعاقب. قاله علي الأجهوري. اهـ. قوله: فالظاهر أنه حيث وجب عليه الغرم لخ، قال البناني: هذا قصور، فإن ابن رشد في المقدمات إنما قال في ضمان الطلب في القصاص: إن الضامن يلزمه طلب المكفول، قال: وقال عثمان البتي: إذا تكفل بنفس في قصاص أو جراح فإنه إن لم يجيء به لزمته الدية وأرش الجراحات وكانت له في مال الجاني؛ إذ لا قصاص على الكفيل. اهـ. فأنت تراه إنما عزا لزوم الدية لعثمان البتي وهو خارج المذهب.
стр. 6326
وقال عياض في التنبيهات في ذلك: ولا شيء عليه إن لم يأت به إلا عند عثمان البتي فإنه يلزم الحميل بالنفس في القتل والجراح إن لم يأت به دية القتل وأرش الجراحات، ولأصبغ في الواضحة في الفاسق المتعسف على الناس بالقتل وأخذ المال: فيؤخذ ويعطي حميلا بما عليه من قتل وأخذ مال أنهم يؤخذون بالمال خاصة أو به وبالدية في القتل. عياض: وهو على هذا التأويل موافق لعثمان البتي يلزم الحميل في القتل والجراح إن لم يأت به دية القتل وأرش الجراح. اهـ. ونقله في التوضيح. وهو يفيد أن ما قاله البتي يأتي على أحد التأويلين في كلام أصبغ في المذهب، لكن لا يخفى ضعفه، والبتي بالموحدة والمثناة الفوقية هكذا رأيته في المقدمات والتنبيهات والتوضيح. وهو واللَّه تعالى أعلم نسبة إلى بيع البت.
وأشار المص إلى صيغ الضمان بقوله: وحمل في مطلق أنا حميل يعني أن الضامن إذا قال أنا حميل وأطلق في ذلك أي لم يقيده بمال ولا بوجه لا لفظا ولا نية، فإن ذلك يحمل على أنه كفيل بالمال وزعيم يعني أن الضامن إذا قال أنا زعيم بكذا فإنه يحمل على أنه ضامن للمال حيث أطلق في قوله ذلك أي لم يقيد بمال ولا بوجه لا لفظا ولا نية، وأذين يعني أن الضامن إذا قال أنا أذين وأطلق أي لم يقيد بمال ولا بوجه لا لفظا ولا نية فإنه يحمل على أنه ضامن للمال، وقبيل يعني أن الكفيل إذا قال أنا قبيل بكذا فإنه يحمل على أنه ضامن للمال حيث أطلق في ذلك.
وعندي يعني أن الحميل إذا قال عندي ما على فلان وأطلق في قوله فإنه يحمل على أنه كفيل بالمال، وإلي يعني أن الكفيل إذا قال إلي ما على فلان وأطلق فإنه يحمل على أنه ضامن للمال، وشبهه يعني أن الضامن إذا قال ما يشبه واحداهن هذه الألفاظ وأطلق كعلي وكوين وصبير وكفيل وضامن وغرير بغين معجمة فمهملتين بينهما مثناة تحتية، فإن ذلك يحمل على المال، وما فسرت به المطلق هو الذي فسره به أحمد. نقله عنه عبد الباقي. ونصه: وقال أحمد: المراد بالمطلق العاري عن التقييد باللفظ والنية. اهـ. وفسر عبد الباقي المطلق بقوله: والمراد بالمطلق ما عري عن التقييد بالمال ولا بالوجه بلفظ ولا قرينة. اهـ.
وما فسره به أحمد فسره به الخرشي فإنه قال: المراد بالمطلق الذي لم يقيد بمال ولا بوجه لا بلفظ ولا نية؛ إذ لو نوى شيئا اعتبر كما في المدونة. اهـ. وقال الشارح: قال في المدونة: ومن قال أنا
стр. 6327
حميل أو زعيم أو ضامن أو قبيل أو هو لك عندي أو علي أو إلي فذلك كله حمالة لازمة، إن أراد الوجه لزمه وإن أراد المال لزمه، فإن لم يدع أنه أراد شيئا فاختلف الأشياخ هل يحمل على المال أو على الوجه؟
وعلم مما قررت أن قوله على المال راجع لقوله وحمل إلى هنا واختار ابن يونس وابن رشد أنه بالمال، ولهذا قال: على الأرجح والأظهر، فالأرجح إشارة إلى ابن يونس، والأظهر إشارة إلى ابن رشد. ونص ابن يونس: واختلف فقهاؤنا المتأخرون إذا قال أنا حميل به أو زعيم أو كفيل ولم يزد على هذا، هل يحمل على أنه بالمال أو بالوجه إذا عريَ الكلام عن دليل؟ قال: والصواب من ذلك أنه على المال لقوله ﵊: (الزعيم غارم). اهـ. وعبارة ابن رشد في المقدمات: واختلف إذا قال أنا حميل أو كفيل وعري الكلام عن دليل، فقيل: هو محمول على حمالة الوجه حتى ينص (١) المال، وقيل هو محمول على حمالة المال حتى ينص (٢) الوجه وهو الأصح، لقول رسول اللَّه ﷺ : (الحميل غارم والزعيم غارم). انتهى. وقال ابن عرفة: وفي حمل لفظها المبهم العاري عن بيان لفظ أو قرينة على المال والوجه نقلا عياض عن الشيوخ. اهـ. نقله البناني. قوله: "وأذين" كأمير هو الزعيم كما في القاموس، وقال الحطاب: الأذين بالذال العجمة قال في المقدمات: والأذين مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وقال الشاعر:
فقلت قدي وغضي اللوم إنى … أذين بالترحل والوفود
وقال امرؤ القيس:
وإني أذين إن رجعت مملكا … بسير ترى منه الفرانق أزورا
стр. 6328
وإنما كان الأذين بمعنى الحميل؛ لأن الأذين والأذان والإذن وما تصرف من ذلك إنما هو بمعنى الإعلام، فلما كان بمعنى الإعلام الذي لا يكون إلا بمعلوم متيقن لا يصح أن يوجد بخلافه، إذ هو مأخوذ من العلم الذي معرفة (١) العلوم على ما هو به، فكان قول الرجل أنا أذين بما لفلان إيجابا منه على نفسه أداء المال إليه، إذ لا يستعمل ذلك اللفظ إلا في الواجب المتعين. اهـ كلام الحطاب. والفرانق كعلابط الذي يدل البريد على الطريق، والقبيل الزعيم من القبلة بالضم وهي الكفالة، والغريم الكفيل وكذلك الكوين والصبير. واعلم أنه يعتمد هنا على الألفاظ التي يستعملها أهل العرف في الضمان لا على غيرها. انظر الرهوني وهو ظاهر صحيح.
لا إن اختلفا ما مر في لفظ مبهم عري عن النية والقرينة، وما هنا اختلفا فيما عقدا عليه الحمالة، فقال الضامن: ضمنت الوجه، وقال الطالب: ضمنت المال، فالقول للضامن وينبغي بيمين كما يدل عليه ما في كتاب محمد في الضامن إذا جاء للطالب برجل فقال: إنما ضمنت لي غير هذا، فإن القول للضامن بيمين، ويدخل في كلام المص ما إذا اختلفا في جنس المضمون وقدره، وما إذا اختلفا في الضمان وعدمه، ولا يدخل في كلامه ما إذا اختلفا في حلول المضمون فيه وفي تأجيله، فإن القول قول مدعي الحلول ولو كان هو الطالب اتفاقا. قاله عبد الباقي.
قوله: ويدخل في كلام المص ما إذا اختلفا في جنس المضمون وقدره. قال الرهوني: صحيح لكنه لم يبين كيفية العمل في ذلك، والمسألتان معا مذكورتان في أول رسم من سماع عيسى من كتاب الحمالة، ونصه: وقال في رجل تحمل عن رجل بحمالة، فقال التحمل تحملت لك بألف درهم، وقال صاحب الحق بل بخمسمائة دينار وصدقه الغريم الذي عليه الحق، قال ابن القاسم: يحلف الحميل أنه ما تحمل له إلا بالألف درهم، فإذا حلف أخذ من الحميل الألف درهم التي أقر بها فتباع بدنانير، فإن بيعت بثلاثمائة دينارا تبع صاحب الحق الذي عليه الحق بمائتين بقية الخمسين مائة دينار، ويرجع الحميل على الغريم بثلاثمائة دينار ثمن دراهمه التي بيعت فيشترى له بها دراهم، فإن بلغت ألف درهم فذلك وإن زادت فالزيادة للغريم الذي عليه الحق، فإن نقصت
стр. 6329
حلف الذي عليه الحق للحميل أنه ما تحمل عنه إلا بخمس مائة دينار، فإن نكل حلف هذا الحميل وأخذ.
قال القاضي رضي اللَّه تعالى عنه: هذه مسألة فيها نظر، والذي يوجبه القياس فيها والنظر أن يحلفا جميعا، يحلف الحميل ما تحمل إلا بألف درهم، ويحلف صاحب الحق أنه تحمل عنه بخمس مائة دينار، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن اليمين كان الجواب على ما ذكر، إلا فيما قال في آخر المسألة أن المذهب التي ابتيعت بالدراهم إن نقصت عن ألف درهم فنكل الذي عليه الحق عن اليمين أنه ما تحمل عنه إلا بخمس مائة دينار يحلف الحميل ويأخذ لا يحتاج إليه إذا حلفا جميعا لأنه قد حلف مرة، فلا يلزمه أن يحلف مرة ثانية، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما إن صدقه الذي عليه الحق، وأما إن كذبه فيحلف على ما أقر به ويشترى به للحميل ما أدى، فإن كان في ذلك زيادة رجعت إليه الزيادة، وإن كان فيه نقصان لم يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن الدراهم إذا أخذت من الحميل إنما تباع على ملكه ومصيبتها منه إن تلفت، والأجر إن احتيج في تصريفها الى أجر عليه فلا يصح أن يفعل، هذا كله إذا حلف أنه لم يتحمل عنه إلا بألف حتى يحلف صاحب الحق أنه إنما تحمل عنه بخمس مائة دينار. وباللَّه التوفيق.
مسألة: وقال في رجل تحمل له رجل بحمالة، وقال: تحملت لك بألف إردب قمحا، وقال صاحب الحق: لا بل بخمس مائة دينار، وقال الغريم الذي عليه الحق: إنما تحمل عني بألف درهم، قال ابن القاسم: يأخذ من الغريم ألف درهم فيجعلها قضاء عن الحميل، فينظر كم ثمنها قمحا وكم يبلغ ثمن القمح؟ فإن بلغت مائة إردب أخذ من الحميل تسع مائة إردب تمام الألف إردب التي أقر بها ثم يباع ذلك كله بدنانير فيوفى صاحب الحق الخمسمائة، قال: فإن نقصت عن خمسمائة دينار لم يكن له على الحميل أكثر منها، وإن زادت على خمس مائة ردت إلى الحميل قال القاضي رضي اللَّه تعالى عنه: قوله وإن نقصت عن خمس مائة لم يكن له على الحميل أكثر منها، يريد ولم يكن له ولا للحميل رجوع على الغريم المطلوب بشيء؛ لأنه إنما أقر بألف درهم وقد غرمها، وهي مصيبة دخلت عليه وسكت في هذه المسألة عن ذكر الأيمان، ولابد منها لأن
стр. 6330
من نقص منهم من حقه شيء فله أن يحلف من يدعي عليه، فوجه الحكم فيها أن يحلفوا كلهم وحيننذ يكون ما قال يحلف الغريم المطلوب الذي عليه الحق أنه ليس عليه إلا ألف درهم، ويحلف الحميل أنه لم يتحمل إلا بألف إردب قمحا، ويحلف الطالب صاحب الحق أنه تحمل له بخمس مائة دينار، فإذا حلفوا أو نكلوا كان الحكم في ذلك على ما قاله في الرواية، وإن نكل الذي عليه الحق وحلف الطالب والحميل لزمه ما حلف عليه الطالب وكان الحكم بين الطالب والحميل على ما ذكر في الرواية وإن نكل الطالب لم يكن على المطلوب الغرم إلا ما حلف عليه، وإن نكل الحميل لزمه ما حلف عليه الطالب ولم يكن له أن يرجع على الذي عليه الحق إلا بما حلف عليه. وباللَّه التوفيق. اهـ. وبه يتضح ما أجمله الزرقاني. واللَّه تعالى أعلم.
وقول عبد الباقي: ولا يدخل في كلامه إذا اختلفا في حلول المضمون فيه وفي تأجيله فإن القول قول مدعي الحلول، يريد أن أحدهما ادعى أنه وقع على الحلول والآخر على التأجيل، وأما لو اتفقا على أنه وقع على التأجيل واختلفا في حلوله بانقضاء أجله فالقول قول من ادعى عدم الحلول، عملا بقول المص فيما مر في اختلاف التبايعين، وإن اختلفا في انتهاء الأجل فالقول لمنكر التقضي. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قال اللخمي في تبصرته في كتاب الشركة: والحميل يشهد على من تحمل عنه إذا أنكر فاختلف في جوازها وأن تجوز أصوب لأنه غير متهم. اهـ.
ولم يجب وكيل للخصومة يعني أن من ادعى على شخص حقا وأنكره المدعى عليه وادعى الطالب أن له بينة غائبة وطلب المدعى عليه أن يوكل من يخاصم عنه لأنه يخاف أن لا يجده عند إتيانه ببينة، فإنه لا يجب على المدعى عليه أن يوكل له وكيلا لأجل أن يخاصم عنه المدعي في المستقبل؛ لأن للقاضي سماع بينته في غيبة المطلوب كما في الشارح وغيره، ولو أقام المدعي شاهدا ولم يحلف معه وهو ظاهر. قاله عبد الباقي.
ولا كفيل بالوجه بالدعوى يعني أنه لا يجب على المدعى عليه بمجرد الدعوى أن يأتي للمدعي بكفيل بوجهه؛ أي إذا سأل المدعي أن يأتي له المدعى عليه بكفيل بوجهه لأنه يخاف إذا ذهب ليأتي ببينة تشهد له بالحق على المدعى عليه أن لا يجده، فإنه لا يلزم المدعى عليه أن يأتيه
стр. 6331
بكفيل بوجهه حيث لم يكن إلا مجرد الدعوى وأحرى بالمال، وقوله: "بالدعوى" راجع للمسألتين وهو في الثانية خلاف ما صدر به في باب الشهادات، قال البناني: وذكر الشيخ أبو علي في شرحه أن العمل جرى بإلزام المطلوب حميل الوجه بالدعوى، سواء ادعى الطالب قرب بينته أو بعدها. انظره. اهـ.
قوله: ذكر الشيخ أبو علي في شرحه لخ، قال الرهوني: هذا قول أشهب، وقد صرح في التحفة بالعمل به، وقوله عن أبي علي: سواء ادعى قرب بينته أو بعدها، الذي في شرح أبي علي هو ما نصه: وقد تبين أن قول المتن: ولم يجب المعمول به خلافه، ولكن في الغيبة القريبة. اهـ منه بلفظه. وقال قبل ذلك ما نصه: وقد تبين من هذا أن البينة والقريبة يلزم فيها المطلوب الحميل بالوجه، فإن عجز حلف الطالب أن له بينة وسجن، وأن البعيدة يحلف فيها المطلوب ويسرح ولا يطلب بغير ذلك، ولا تسقط بينة الطالب البعيدة بحلف المطلوب، ويأتي أن الذي به العمل في البعيدة حلف الطالب وسجن المطلوب. اهـ منه بلفظه. ونحوه له في حاشية التحفة، فإنه بعد أن ذكر نحو ما مر في القريبة قال ما نصه: والذي به العمل في البعيدة تحليف الطالب أن له بينة ويسجن المطلوب، فظاهره أنه يسجن ولا يكتفى منه بالكفيل، وعليه فهو مخالف لما نسبه له البناني، ولكنه مشكل غاية بل لا يسجن إذا أتى بحميل في البعيدة بالأحرى. اهـ المراد من كلام الرهوني.
إلا بشاهد يعني أنه لا يجب على المطلوب كفيل بالوجه بمجرد الدعوى كما عرفت، وأما إن أقام على ما أدعى شاهدا فإنه يجب على المدعى عليه أن يأتيه بكفيل بالوجه هذا ظاهر المص وهو خلاف ما يأتي له في باب الشهادات من لزوم كفيل بالمال، ونحوه في المدونة والاستثناء منقطع لأن ما قبله حيث تجردت الدعوى وهو فيما إذا لم تتجرد. البناني: مذهب سحنون أنه لا يجب مع الشاهد إلا حميل الوجه، وقال ابن القاسم: يجب حميل المال، ذكر هذا الخلاف ابن هشام في المفيد، وقال: مذهب سحنون هو الذي به العمل. نقله أبو علي في حاشية التحفة. اهـ.
وان ادعى بينة بكالسوق وقفه القاضي عنده يعني أن المدعى عليه إذا أنكر الحق وقال المدعي لي بينة حاضرة بالسوق أو من بعض القبائل، فإن القاضي يوقف المدعى عليه عنده، فإن جاء المدعي
стр. 6332
ببينة عمل بمقتضاها، وإن لم يأت بها خلى سبيل المدعى عليه، وظاهره أنه يوقفه القاضي وإن لم تثبت الخلطة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن ادعى الطالب أن له بينة حاضرة بكالسوق أو من بعض القبائل وقفه أي المطلوب المنكر لدعوى المدعي القاضي عنده وإن لم تثبت الخلطة، ووكل به من يلازمه ولا يسجنه فإن جاء ببينة لخ ما مر عن الخرشي، وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن سأله وكيلا بالخصومة حتى يقيم البينة عند القاضي لم يلزم المطلوب ذلك إلا أن يشاء، وإن سأله كفيلا بالحق حتى يقيم البينة لم يكن له ذلك إلا أن يقيم شاهدا، فله أخذ كفيل وإلا فلا إلا أن يدعى بينة يحضرها من السوق أو من بعض القبائل فليوقف القاضي المطلوب عنده لمجيء البينة، فإن جاء بها وإلا خلى سبيله. اهـ.
ولما أنهى الكلام على الضمان شرع في الكلام على الشركة لأنها تستلزم الضمان في غالب أقسامها، فقال:
стр. 6333
باب: في الشركة
بوزن نعمة أفصح من وزن رحمة ونبقة، وهي لغة الاختلاط والامتزاج، وهي عرفا أعمية وأخصية، قال ابن عرفة: الشركة الأعمية تقرر متمول بين مالكين فأكثر ملكا فقط، والأخصية بيع مالك كل بعضه ببعض كل الآخر موجب صحة تصرفهما في الجميع، فيدخل في الأولى شركة الإرث والغنيمة لا شركة التجر وهما في الثانية على العكس، وشركة الأبدان والحرث باعتبار العمل تدخل في الثانية وفي عوضه في الأولى. اهـ.
وخرج بقوله: متمول، ما ليس كذلك كثبوت النسب بين أخوين، وقوله: ملكا، أخرج به الانتفاع كما إذا كانا ينتفعان من حبس المدارس فإنه يصدق عليه تقرر متمول بين اثنين لكن ليس بملك، وقوله: فقط، بمعنى انتهى فهو نفي للزيادة على ما ذكر، واحترز به من الشركة الأخصية فإن فيها زيادة التصرف، وهذه لا تصرف فيها للشريكين، وفي قوله: ملكا فقط نظر؛ لأن من شأن الأعم أن يكون فيه ما في الأخص وزيادة، فالأخص داخل في الأعم، وإلا لما كان فيه عموم فلو حذف قوله ملكا فقط كان أولى. انظر الرصاع.
وقوله في تعريف الأخصية: موجب صفة لبيع، وقوله: صحة مفعول موجب وذلك خاص بشركة التجر، وأخرج به شركة غير التجارة كما إذا خلطا طعاما في الأكل للرفقة، فإن ذلك لا يوجب التصرف وضمير تصرفهما عائد على المالكين، وذلك يدل على أن كل واحد وكيل لصاحبه في تصرفه في ملكه، فشركة الإرث تدخل في الحد الأول كما ذكر وكذلك الغنيمة، وأما شركة التجر فتدخل في الثاني لصدقه عليها، وشركة الإرث والغنيمة لا تدخلان في الحد الثاني، وهذا معنى قوله: على العكس، وقوله: وشركة الأبدان لخ أي لأن شركة الأبدان وما شابهها يصدق عليها بيع مالك كل بعضه لخ؛ لأن كل واحد قد باع بعض منافعه ببعض منافع غيره مع كمال التصرف، وأما عوض ذلك فيدخل تحت أعمها وليس فيه تصرف.
وعرفها المؤلف تبعا لابن الحاجب بقوله: الشركة إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، "الشركة" مبتدأ، وقوله: "إذن" خبر، وقوله: "في التصرف" متعلق "بإذن" وقوله: "لهما" متعلق "بالتصرف"، ومتعلق "إذن" محذوف؛ أي للآخر، وقوله: "مع" إما ظرف مستقر فهو حال من التصرف، أو من إذن، وقوله: "مع أنفسهما" أي مع بقاء تصرف أنفسهما، وتحقيق معنى المص أن
стр. 6334
تقول: الشركة هي أن يأذن كل من الشريكين لصاحبه في التصرف في متاعه لنفسه ولصاحبه الإذن مع بقاء تصرف الآذنين أنفسهما، فقوله: "إذن في التصرف" كالجنس يشمل الوكالة والقراض، وقوله: "لهما" كالفصل مخرج للوكالة من الجانبين أي أن يوكل شخص شخصا يتصرف في متاعه ويوكل ذلك الوكيل أيضا الموكل ليتصرف له في متاعه هو لأنه لم يقع فيها إذن كل واحد لصاحبه في التصرف له ولصاحبه، بل أذن كل واحد لصاحبه في التصرف للموكل فقط وبالقيد الثاني وهو مع أنفسهما أي الآذنين يخرج القراض من الجانبين، مثل أن يدفع شخص لآخر قراضا ويدفع ذلك الآخر قراضا غير الأول للدافع، فإن كل واحد منهما أذن للآخر أن يتصرف لنفسه وللآذن لكن لا مع بقاء تصرف الآذن.
وشمل تعريفه شركة المفاوضة والعنان، إلا أن الأولى إذن من أول الأمر، والثانية إذن في ثاني حال؛ لأنهما إذا شرطا نفي الاستبداد استبد كل واحد بعد الإذن؛ إذ معناها أن لا يتصرف كل إلا بإذن خاص، وقوله: "لهما" قال عبد الباقي: أي للمأذونين، وقوله: "أنفسهما" أي الآذنين. اهـ. وقال البناني: ثم إن المظاهر في ضمير لهما أنه يعود على الآذن والمأذون لا للمأذونين كما ذكره الزرقاني أولا ولا للآذنين كما ذكره آخرا، وما ذكرناه هو الذي يناسب ما ذكره في قوله: "مع أنفسهما" من أن المراد مع بقاء تصرف أنفسهما؛ إذ لو كان للمأذونين لاقتضى أن كلا لا يتصرف إلا لنفسه، ولو كان للآذنين لاقتضى تصرف كل لشريكه فقط، وتدخل فيه الوكالة من الجانبين، نعم إن حملنا المعية على الشركة في الربح صح عوده على المأذونين والآذنين، وبالجملة فحمل المعية على معية التصرف كما شرح به يوجب عود ضمير لهما على الآذن والمأذون، وحملها على معية الربح يصح به عودها على الآذنين والمأذونين. واللَّه تعالى أعلم. اهـ.
تنبيهان: الأول: قال البناني: تعريف المص للشركة نحوه لابن الحاجب، قال ابن عرفة: وقد قبلوه ويبطل طرده بقول من ملك شيئا لغيره أذنت لك في التصرف فيه معي، وقول الآخر مثل ذلك وليس بشركة؛ لأنه لو هلك ملك أحدهما لم يضمنه الآخر وهو لازم الشركة، ونفي اللازم ينفي الملزوم ويبطل عكسه بخروج شركة الجبر كالورثة وشركة المتبايعين شيئا بينهم، وقد ذكرهما يعني ابن الحاجب؛ إذ لا إذن في التصرف لهما، ولذا اختلف في كون تصرف أحدهما كغاصب أم لا.
стр. 6335
قلت: قد تقدم الجواب عن الأول بأنه مبني على تعلق لهما بإذن، والصواب خلافه يعني فهو متعلق بالتصرف، ويجاب عن الثاني بأنه اقتصر على شركة التجر دون غيرها؛ لأن شركة التجر هي المقصودة وغيرها تبع لها. قاله الحطاب. اهـ. قوله: ويجاب عن الثاني لخ يؤيده قول ابن هارون في اختصار المتيطية: الشركة على ضربين؛ اضطرارية كشركة الورثة واختيارية وهي المقصودة هنا. اهـ محل الحاجة منه بلفظه. قاله الرهوني.
الثاني: قال الرهوني: قال في المفيد قال عبد الحق ﵀: الشركة على ضربين؛ شركة الأموال وشركة الأبدان، فشركة الأموال الأصل فيها قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، وأما شركة الأبدان فالأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، والأربعة أخماس بين القائمين على الشركة، وإنما كان ذلك بعمل أبدانهم. اهـ. ومثله لابن يونس، وقال اللخمي: الأصل في الشركة قول اللَّه تعالى في ولي اليتيم: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. الآية. قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: هي اليتيمة تشارك (١) الحديث، وقال النبي ﷺ : (الشفعة في كل ما لم يقسم) (٢) أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم.
وقال ﵊: (من أعتق شركا له في عبد) (٣) الحديث. اهـ منه بلفظه. وقال ابن عرفة: ودليلها الإجماع في بعض صورها، وحديث أبي داوود بسنده إلى أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن اللَّه يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهم) (٤). ذكره عبد الحق وصححه بسكوته عنه والحاكم في المستدرك، وفيه خرجت من بينهما. اهـ. ونقله الحطاب عند قوله فيما يأتي: "ولزمت بما يدل عرفا" لكن في نقله شيء يدرك بتأمله مع ما نقلناه هنا. اهـ.
стр. 6336
وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل يعني أن الشركة إنما تصح من أهل التوكيل والتوكل، قال المواق: ابن يونس: أركانها العاقدان ولا يشترط فيهما إلا أهلية التوكيل والتوكل، فإن كل واحد منهما يتصرف لنفسه ولصاحبه بإذنه. اهـ. فالمتأهل للتوكيل هو الحر البالغ العاقل الرشيد، واحترز بذلك من العبد والصبي والسفيه فلا تصح شركة بين عبدين ولا بين صبيين ولا بين سفيهين، ولا بين صبي وسفيه ولا بين صبي وعبد ولا بين عبد وسفيه، والمتأهل للتوكل هو الحر المسلم العاقل: واحترز بذلك من الشركة بين المسلم والكافر بغير حضرة المسلم فلا تصح، وأما المحجور كالسفيه والصبي والعبد ففي توكله طريقان مرجحان: إحداهما الصحة، والأخرى المنع وعدم الصحة.
ابن عرفة: وعليه عمل بلدنا، قال عبد الباقي: وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل أي التأهل لهما وهو الحر البالغ العاقل الرشيد غير عدو ولا كافر، فخرج بالقيد الأول في كلامه الصبي والسفيه وكل محجور فلا تصح شركتهما لعدم أهليتهما للتوكيل، وإن جاز وصح لهما التوكل على إحدى طريقتين مرجحتين والأخرى المنع وعدم صحته. ابن عرفة: وعليه عمل بلدنا، ويستثنى من المحجور الزوجة فلها أن توكل في لوازم عصمتها، وخرج بالقيد الثاني شركة العدو فإنه من أهل التوكيل دون التوكل على عدوه، ولكن ظاهر المدونة جواز شركته له وصحتها وهو المعتمد، وخرج به شركة مسلم لكافر يتجر بغير حضور المسلم فإنها غير صحيحة على ما لبعضهم كظاهر المص، ولكن ظاهر المدونة المنع ابتداء وصحتها بعد الوقوع، وعليه فكان على المص الاقتصار على القيد الأول، ولذا لم يعبر ابن الحاجب وابن شاس بالصحة وإنما عبرا بالجواز، فقالا: من جاز له تصرف لنفسه جاز توكيله وتوكله إلا لمانع. اهـ.
وقبله ابن عرفة قائلا: مسائل المذهب واضحة به. اهـ. وأما شركة مسلم لكافر يتجر بحضور المسلم فجائزة وصحيحة قطعا كما في المدونة، ثم إذا نض مال الشركة في القسم الأول أي عدم حضور المسلم أخذ المسلم ما يخصه من رأس مال وربح إن علم سلامة الكافر من عمل الربا وتجر خمر، فإن شك في عمله في ربا ندب للمسلم صدقة بربحه فقط، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، وإن شك في عمله به في خمر ندب له التصدق بربحه ورأس المال جميعا لوجوب إراقة الخمر على
стр. 6337
المسلم، ولو اشتراه بمال حلال وإن تحقق عمله بالربا وجب التصدق بالربح فقط، وإن تحقق تجره بخمر وجب على المسلم تصدقه برأس ماله وربحه معا. كذا يفيده اللخمي.
وقد علم مما مر أن بين من يصح توكيله وتوكله عموما وخصوصا من وجه يجتمعان في حر بالغ عاقل رشيد غير عدو ولا كافر، وينفرد التوكيل في عدو وكافر فإنهما أهله دون التوكل وينفرد التوكل، في محجور فإنه من أهل التوكل على إحدى طريقتين دون التوكيل، قال الوالد: فلو اشترك حر وعبد غير مأذون ثم خسر المال أو تلف رجع سيد العبد على الحر إن استبد بالعمل لا إن عملا معا، فإن عمل العبد وحده فلا ضمان عليه للحر إلا أن يقر بالحرية فتكون جناية في رقبته، وكذا ينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا اشترك مع بالغ صبي أو سفيه. اهـ. لكن لا يجري فيهما قوله: فتكون جناية في رقبته كما هو ظاهر. اهـ كلام عبد الباقي.
قوله: قال الوالد فلو اشترك حر وعبد لخ، قال البناني: ما نقله عن والده نقله ابن عرفة عن اللخمي، ونصه: وفيها تجوز شركة العبيد إذا أذن لهم في التجارة. اللخمي: إن لم يكن مأذونا له وولي البيع والشراء لم يضمن الحر وضيعة المال ولا تلفه، وكذا إن وليا معا البيع والشراء ووزن كل واحد منهما منابه وأغلقا عليهما ولم ينفرد الحر بهما، وإن انفرد الحر فتولى ذلك ضمن رأس المال إن هلك أو خسر. اهـ. قال الحطاب: فإن كانا عبدين فلا ضمان على من تولى ذلك منهما وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم.
وكذا في المسألة الأولى لا ضمان على العبد في ضياع مال الحر، وانظر لو غره والظاهر أنه جناية في رقبته. واللَّه تعالى أعلم. اهـ. وقول عبد الباقي: وخرج بالقيد الثاني شركة العدو لخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: فيه نظر؛ لأن شركة العدو لا تخرج من الحد لأنه ليس وكيلا على عدوه، وإنما هو شريك عدو فالعدو من أهل التوكل لعدوه وليس من أهل التوكل عليه، والذي هنا الأول لا الثاني. اهـ من خطه طيب اللَّه ثراه. وهو بين لا إشكال فيه.
وقول الزرقاني: وخرج به شركة مسلم لكافر يتجر بغير حضور المسلم لخ، مفهومه أنه إذا كان لا يتجر إلا بحضوره جاز، وظاهره ولو اشترط ذلك في صلب العقد وهو الذي يفيده كلام ابن عرفة، ولكن صرح ابن هارون بمنع ذلك في اختصار المتيطية، فإنه قال بعد أن ذكر شركة الذمي ما نصه:
стр. 6338
فإن قيل لو شرط عدم الغيبة في شركة المسلم لامتنع فما الفرق؟ فالجواب أن اشتراط ذلك مانع أيضا في شركة الذمي، ولكن إذا وقعت الشركة بغير شرط كان له منع الذمي من ذلك كي لا يعمل بالربا. اهـ منه بلفظه. وهو المظاهر.
وأما قول المدونة: ولا يصلح لمسلم أن يشارك ذميا إلا أن لا يغيب عليه على بيع ولا شراء ولا قضاء ولا اقتضاء إلا بحضرة مسلم، فمعناه أنه اشترط ذلك مع بقاء المال تحت أيديهما وفي حوزهما معا، قال ابن ناجي عند نصها السابق ما نصه: قوله ولا يصلح لمسلم أن يشارك ذميا لخ، أبو عمران: انظر هذا مناقض لما تقدم في قوله: "وإن استويا في المال والربح" على أن يمسك أحدهما رأس المال عنده، فإن كان يتولى التجارة دون الآخر لم يجز وإن توليا جميعا جاز، والفرق أنه فيما تقدم خرج عن حكم الأمانة وهنا ما خرج عن حكمها، وإنما شرط أن لا يغيب الذمي على بيع ولا شراء ليلا يعمل بالربا. اهـ.
وقول الزرقاني: كذا يفيده اللخمي، يقتضي أن اللخمي تكلم على مسألة تحقق عمله بالخمر، وفيه نظر إذ لم يتكلم على صورة التحقق في النسخة التي بيدي من تبصرته ولا فيما نقله عن ابن عرفة والحطاب، وإنما تكلم على صورة الشك، والحطاب هو الذي ذكر تحقق عمله بذلك فانظره، وقول البناني: ما نقله عن والده نقله اللخمي لخ، كأنه قصد بهذا نسبة الزرقاني للقصور، وصرح بذلك التاودي ونصه: فيه نظر كيف يعزو هذا للوالد كأنه لم يقل ذلك أحد قبله مع أنه منصوص عليه للخمي وغيره؟ اهـ محل الحاجة منه بلفظه.
قلت: إنما نسب الزرقاني ذلك لوالده واللَّه تعالى أعلم باعتبار قوله: وكذا ينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا اشترك مع بالغ صبي أو سفيه، إذ لم يتكلم على ذلك اللخمي ولا ابن عرفة ولا الحطاب فنأمله فلا نظر في كلامه ولا قصور، وظاهر ما نقله التاودي والبناني عن ابن عرفة والحطاب أنه يجوز للمأذون له مشاركة غيره مفاوضة وغيرها، ولا إشكال في غير المفاوضة، وأما المفاوضة ففي المدونة ما نصه: ويجوز للمأذون مفاوضة الحر، فظاهره وإن لم يأذن له في نفس المفاوضة، وتأولها أبو عمران على أنه أذن له في المفاوضة، وعلله بأن المفاوضة تستلزم الحمالة لأن كل واحد منهما حميل عن الآخر وهو لا يتحمل إلا بإذن سيده كما قال في كتاب الحمالة، وعلى هذا فهو موافق لا
стр. 6339
في الحمالة، قال ابن ناجي: وقبله أبو إبراهيم وحملها الغربي على عمومها وإن لم يأذن السيد؛ لأنه كما يتحمل بالحر كذلك الحر يتحمل به فهو حمالة بحمالة. اهـ.
وفي المدونة: وتجوز الشركة بين النساء وبينهن وبين الرجال، اللخمي: يريد إن كانت متجالة أو شابة بواسطة مأمونة.
تنبيه: قال الحطاب: سمع ابن القاسم: ليس لأحد مالكي عبد ضربه بغير إذن شريكه إن فعل ضمنه إلا في ضرب لا يعيب مثله أو ضرب أدب، وقال سحنون: يضمنه مطلقا ولو بضربة واحدة كأجنبي. ابن رشد: رأى مالك شركته شبهة تسقط الضمان في ضرب الأدب وهو أظهر من قول سحنون؛ لأن ترك ضربه أدبا يفسده. اهـ.
ولزمت بما يدل عوفا يعني أن الشركة تلزم بمجرد القول الدال عليها عرفا على المشهور، قال عبد الباقي: وأشار للصيغة بقوله: "ولزمت بما يدل" عليها من قول بمجرده عرفا. اهـ. وقال البناني: ما ذكره من لزومها بالقول هو الذي لابن يونس وعياض، ونصه في التنبيهات: الشركة عقد يلزم بالقول كسائر العقود والمفاوضات، وهو رخصة في بابه الذي يختص به، هذا مذهب ابن القاسم في الكتاب، ومذهب غيره أنها لا تلزم إلا بالخلط. اهـ.
وقال صاحب المعين أبو إسحاق ابن عبد الرفيع في لزومها بالقول إنه المشهور عن مالك وأصحابه. اهـ. وقال ابن عبد السلام: المذهب لزوم شركة الأموال بالعقد دون الشروع، واختلف في شركة الحرث هل هي كشركة الأموال وهو قول سحنون أم لا تلزم إلا بالعمل وهو قول ابن القاسم؟ اهـ. وهذا خلاف قول ابن رشد في المقدمات: هي من العقود الجائزة لكل منهما أن ينفصل عنها متى شاء إلا الشركة في الزرع ففي لزومها خلاف، ونحو ذلك للخمي. واعلم أن المتعين أن كلام ابن يونس وعياض وصاحب المعين وابن عبد السلام مخالف لكلام ابن رشد واللخمي. انظر الرهوني. والحطاب.
كاشتركنا مثال للقول الدال على الشركة؛ يعني أن الشركة تلزم بقول المتعاقدين اشتركنا بأن يقولها كل واحد منهما أو يقولها أحدهما ويسكت الآخر راضيا به من غير احتياج لزيادة على القول على المشهور، قال عبد الباقي: فلو أراد أحدهما المفاوضة وامتنع الآخر عمل بامتناعه حصل خلط المال
стр. 6340
أم لا، فإن أراد نضوضه بعد العمل فينبغي أن ينظر الحاكم كالقراض. اهـ. وقوله: "كاشتركنا" يعني إذا فهم منه المقصود عرفا كما قاله ابن شاس ونقله غير واحد، وقال الخرشي: بما يدل عرفا من قول كاشتركنا أو فعل كخلط المالين والتجر فيهما.
بذهبين متعلق بقوله: "تصح" وهذا بيان لمحل الشركة، وهو المال المعقود عليه أو العمل؛ يعني أنه تجوز الشركة وتصح بذهبين بأن يخرج أحدهما ذهبا، والآخر ذهبا أو ورقين أي وتجوز الشركة وتصح إذا أخرج أحدهما ورقا والآخر ورقا، قال عبد الباقي: وعلق بتصح قوله: "بذهبين أو ورقين" لبيان محلها وهو المعقود عليه من المال والعمل وهو رابع الأركان الثلاثة المتقدمة. العاقدان والصيغة، وأراد بذهب من واحد وذهب من الآخر، وكذا يقال في ورقين.
اتفق صرفهما يعني أنه لابد من اتفاق العينين في الصرف، فإذا أخرج أحدهما ذهبا والآخر ذهبا فلابد أن يتفق الذهبان في الصرف بأن يكون الذهبان متساويين في القيمة؛ بأن يباع كل منها بقدر ما يباع به الآخر من الدراهم، وكذا يقال فيما إذا أخرج أحدهما ورقا، والآخر ورقا قال عبد الباقي: اتفق صرفهما ووزنهما وجودتهما أو رداءتهما، ومن لازم ذلك اتفاق قيمتهما وسواء اتحدت سكتهما أم لا، كهاشمية ودمشقية ومحمدية ويزيدية مع اتفاقهما فيما ذكر، وإنما اعتبر في شركة النقد هذه الأمور الأربعة لتركبها من البيع والوكالة، فإن اختلفا في واحد من الأربعة فسدت الشركة. وعلته في اختلاف صرفهما شرط التفاوت إن دخلا على إلغاء الزائد ويأتي أنها تفسد بشرط التفاوت، وعلته في اختلافهما وزنا بيع نقد بمثله متفاضلا، وعلته عند اختلافهما جودة ورداءة دخولهما على التفاوت في الشركة حيث عملا على الوزن؛ لأن قيمة الجيد أكثر من قيمة الردي فدخلا على ترك أفضلية قيمة الجيد: وإن دخلا على القيمة فقد صرفا النقدين للقيمة وذلك يؤدي إلى بيع النقد بغير معياره الشرعي وهو الوزن في بيعه بجنسه.
واعلم أن المراد باتفاق وزنهما وقيمتهما وصرفهما أن يكون ما أخرجه أحدهما متفقا فيما ذكر مع ما أخرجه الآخر، أو مع ما يقابله مما أخرجه الآخر لا لأول فقط، لاقتضائه أنه إذا أخرج أحدهما مثقالين والآخر عشرة وأخذ كل قدر نصيبه فقط فلا يجوز مع أنها جائزة، ولا يضر الاختلاف اليسير الذي لا بال له ولا يقصد في الصرف أو القيمة لا الوزن، سواء جعلاها على وزن رأس المالين