← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

على أرجح قولين، ومحلهما في الدم الخارج قبل الولادة لأجلها فإن لم يكن لأجلها فليس بنفاس. قال في التنبيهات: وما كان قبل خروج الولد فقيل إنه غير دم نفاس، وحكمه حكم غيره من الدماء التي تراها الحوامل. انتهى. والقول الآخر أنه دم نفاس، وعبارة الأمير: وقبلها حيض على أقوى القولين، فلا يبتدأ منه النفاس. انتهى. واعلم أن النفاس في اللغة: ولادة المرأة، لا نفس الدم، ولذلك يقال دم النفاس، والشيء لا يضاف إلى نفسه. والنفاس بكسر النون، والمرأة نفساء بضم النون وفتح الفاء والمد، والجمع نفاس بكسر النون وفتح الفاء، وليس في الكلام ما هو فُعَلَاء، ويجمع على فعال غير نُفَسَاء وعُشَرَات، ويجمعان على نُفَسَاوَات وعُشَرَاوات بضم أولهما وفتح ثانيهما، ويقال نفست المرأة بفتح النون وضمها، وكلاهما مع كسر الفاء في الولادة والحيض، لكن الضم في الولادة أكثر، والفتح في الحيض أكثر. حكاه عياض في شرح مسلم. قاله الخرشي ونقل عن السنهوري أنه لا يقال في الحيض إلا نفست بالضم ليس إلا. انتهى. ولو بين توأمين يعني أن الدم الذي خرج بين التوأمين نفاس، وهما الولدان في بطن واحد، وليس بينهما؛ أي بين وضعهما ستة أشهر، ويقال للأنثى توأمة. ورد المصنف "بلو" القول بأنها إذا ولدت وبقي في بطنها ولدٌ أن الخارجَ بعد وضع الأول حيض، والقولان في المدونة، وعلى القول الأول: تمكث أقصى أمد النفاس، وعلى القول الثاني المردود بلو؛ أي القول بأنه حيض: تجلس كما تجلس الحامل في آخر حملها عشرين يوما ونحوها. وأكثره ستون يوما يعني أن أكثر زمن النفاس أي الدم الخارج للولادة على ما مر إذا تمادى بالمرأة متصلا، أو ما في حكمه بأن عاودها قبل طهر تم، ستون يوما على المشهور، ولا تعول على عادتها على الراجح؛ لأنه لا تعتبر العادة هنا. ثم هي مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ ولا تستظهر على الستين، وأما أقله فهو دُفعة، وأكثر نساء افريقية يعتقدن (١) مكث أربعين يوما، ولو انقطع الدم قبلها؛ وهو جهل منهن، فيعلمن. قاله ابن ناجي. قاله الشبراخيتي. وقوله: "ولو بين توأمين"

стр. 667

هذا الخلاف جار مطلقا؛ أتي سواء كان بينهما شهران أو أقل، وعلى المشهور أنه نفاس لا حيض، فإن كان بينهما أقل من شهرين، فاختلف هل تبني على ما مضى ويصير الجميع نفاسا واحدا، وإليه ذهب أبو محمد والبرادعي، أو تستأنف للثاني نفاسا؟ وإليه ذهب أبو إسحاق. وأما إن كان بينهما شهران، فلا خلاف أنها تستأنف، وإلى ذلك أشار بقوله: فإن تخللهما فنفاسان يعني أن التوأمين إذا كان بينهما ستون يوما حمراء، فإن دم كل واحد منهما يكون نفاسا مستقلا. فتجلس للثاني ستين، كما تجلس للأول الستين التي تخللتهما. وفاعل تخلل: ضمير مستتر عائد على أكثره، وضمير المفعول البارز عائد على التوأمين: ومعنى تخللهما خرج بينهما. وقوله: "فإن تخللهما فنفاسان" مثله ما إذا تخللهما طهر تم: فيكون الثاني نفاسا مستقلا ولا يضاف للنفاس الأول، ويكون الدم الذي يأتيها بعد طهر تم وقبل وضع الثاني حيضا وإذا كان بين الولدين ستة أشهر فأكثر، فهما حملان، فتنقضي العدة بوضع الأول، وإن كان أقل من ذلك فهو حمل واحد، فلا تنقضي العدة إلا بوضع الثاني، وإن كان لكل واحد نفاس مستقل فيما إذا كان بينهما شهران فأكثر. وفائدة انقضاء العدة بوضع الأول، مع أن العقد عليها مع شغل بطنها حرام عدم لحوق الثاني بمن لحق به الأول. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر أن أكثر النفاس ستون يوما. ابن الماجشون: الستون أحب إلي من السبعين، والقول بالأربعين لا عمل عليه، والقول بالأربعين مذهب أبي حنيفة وعرف ابن عرفة النفاس بقوله: النفاسُ دمُ إلقاء حملٍ فيَدْخُل دم إلقاء الدمِ المجتمِع. الخرشي: وينبغي أن حكم الوضع قبل تمام الستين من ولادة الأول بأربعة أيام فأقل كحكم ولادتها بعد تمام الستين، فتستأنف للثاني نفاسا آخر. وتقطعه يعني أن تقطع دم النفاس كتقطع دم الحيض فإن انقطع عنها دم النفاس وعاودها قبل طهر تم، لفقت من أيام الدم ستين، وألغت أيام الطهر، وبعد الستين التي لفقت تكون مستحاضة تصلي وتصوم وتغتسل كلما انقطع عنها الدم، وتصلي وتصوم وتوطأ، وإن عاودها بعد طهر تم، فحيض كما تقدم ما يفيد ذلك. والله سبحانه أعلم. ومنعه يعني أن النفاس يمنع ما يمنعه الحيض، فيمنع صحة صلاة، وصوم، ووجوبهما، وطلاقا، وبدء عدة، ووطء فرج أو تحت إزار ولو بعد نقاء وتيمم، ورفع حدثها ولو جنابة، ودخول مسجد

стр. 668

فلا تعتكف، ولا تطوف، ومس مصحف، وتجوز لها القراءة، خلافا لقول ابن الحاجب: لا تقرأ النفساء، ورده في التوضيح بأنه مما انفرد به ابن الحاجب، وصرح في المقدمات بتساويهما في القراءة، وكأنه، أي ابن الحاجب -والله تعالى أعلم- نظر إلى أنه لما كانت العلة في قراءة الحائض خوف النسيان بسبب تكرره، فلا ينبغي أن يلحق بها النفساء لندور النفاس، وفيه نظر، فإن طوله يقوم مقام التكرار، قاله الإمام الخطاب. وقال ابن فرحون والثعالبي: قال ابن راشد: قوله لا تقرأ النفساء، هو قول مالك في المدونة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وبما قررته علم أن قوله: كالحيض خبر عن قوله: "وتقطعه ومنعه" ووجب وضوء بهاد يعني أن الوضوء يجب بسبب خروج الهادي؛ وهو ماء أبيض يخرج من الحامل قرب الولادة يجتمع في وعاء عند وضع الولد أو السقط سواء كان في أول الحمل أو وسطه أو آخره؛ لأنه كالبول. قاله الشبراخيتي. البساطي: الهادي هو الوعاء الذي يكون فيه الولد سواء كان وسط الحمل أو أوله أو آخره. والأظهر نفيه يعني أن ابن رشد استظهر القول بنفي وجوب الوضوء بسبب خروج الهادي، وقد روي عن مالك أنه قال: ليس بشيء، وأرى أن تصلي به. ابن رشد: وهو الأحسن، لكونه غير معتاد، والقولان مبنيان على أنه هل يعتبر دوام الاعتياد في الخارج، أو يعتبر الاعتياد فيه في بعض الأحيان؟ وعلى كل من القولين فهو نجس يعفى عنه إن شق. واعلم أن كل مائع يخرج من السبيلين فهو نجس. ولما أنهى الكلام على الطهارة التي هي أوكد شروط الصلاة أتبع ذلك بالكلام على بقية شروطها، وأركانها، وسننها، ومندوباتها، ومبطلاتها، وأنواعها.

стр. 669

باب: في الصلاة يذكر فيه أوقاتها وغيرها وحذف المص المترجم له، فلم يقل: باب الصلاة، أو باب في الصلاة اختصارا. وقد مر الكلام على الباب، والفصل، والكتاب. والصلاة لغة: الدعاء، وقيل: بخير. وشرعا: قربة فعلية ذات إحرام، وتسليم، أو سجود فقط، فدخل صلاة الجنازة، وسجود التلاوة على القول بأنه صلاة؛ وهو ظاهر ابن رشد، وجزم سند بأنه غير صلاة. واعلم أن مذهب المحققين من المتأخرين أن الألفاظ الشرعية كالصلاة والزكاة، مجازات لغوية حقائق شرعية. وقد مر أن الصلاة لغة الدعاء، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وقول الأعشى: تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نوما فإن لجنب المرء مضطجعا وقوله ﷺ : (ومن كان صائما فليصل (١))؛ أي فليدع. وتستعمل بمعنى البركة، ومنه قوله ﷺ حين جاء عبد الله بن أبي أوفى مع أبيه بصدقته: (اللهم صل على آل أبي أوفي (٢))، ولتضمنها معنى العطف عديت بعلى، وبمعنى القراءة قال تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: قيل: إنها مشتقة من الصلوين بفتح الصاد واللام: عرقان في الردف عن يمين الذنب وشماله، ينحنيان في الركوع والسجود. ولذا كتبت الصلاة في الصحف بالواو. وقيل: من صليت العود بالتشديد إذا قومته؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقيل: من الصلة؛ لأنها تصل بين العبد وخالقه؛ أي تدنيه من رحمته. وعليه فوزنها عَلَفَةٌ أو من الاشتقاق الكبير الذي لا يراعى فيه الترتيب.

стр. 670

وحكمة مشروعيتها: التذلل والخضوع بين يدي الله تعالى، ومناجاته بالذكر والقراءة والدعاء، وتصميم (١) القلب بذكره، واستعمال الجوارح في خدمته؛ وهي واجبة كتابا وسنة وإجماعا. وفرضت في السماء ليلة المعراج، بخلاف غيرها من الشرائع، وذلك يدل على تأكيدها وحرمتها. قاله ابن رشد. والصحيح أن المعراج وقع في ربيع الأول، قال الإمام النووي: ليلة سبع وعشرين منه، والصحيح أنه كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وفي التنبيه أنه أنزل من جنة الفردوس منضود باللؤلؤ والياقوت. والحكمة في وقوعها ليلة المعراج: أنه ﷺ لما قدس ظاهرا وباطنا حين غسل بماء زمزم وملئ بالإيمان، ناسب فرضها في تلك الحالة؛ لأن من شأنها أن يتقدمها الطهور، وليظهر شرفه ﷺ في الملإ الأعلى بمن (٢) ائتم به من الأنبياء والملائكة، وليناجي ربه، ومن ثم كان المصلي يناجي ربه. والأصح أنه لم يفرض عليه قبلها صلاة، وقيل: ركعتان بالغداة، وركعتان بالعشي ما كان بمكة تسع سنين، ثم فرضت الخمس ليلة الإسراء. والصحيح أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة. قال الإمام الحطاب: والمراد بالإسراء: الذهاب إلى بيت المقدس، وبالمعراج: العروج إلى السماء. انتهى. وفي كلام بعضهم: أن المعراج آلة العروج، وهو الذي يفيده ما مر عن التنبيه، ومذهب الجمهور أنها فرضت أربعا إلا المغرب والصبح، ثم قصرت في السفر، قالوا: ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وحديث: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (٣))، وروت عائشة أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم أكملت صلاة الحضر أربعا. قال الحسن البصري: وكان الإكمال بالمدينة، وفي الخرشي عن ابن حبيب أنه لم يكن قبل الإسراء مفروض إلا صلاة اليل من غير تحديد؛ وهي أي الصلاة من أعظم القرب، بل هي أفضل العبادات بعد الإيمان. وقد ورد في فضلها والحث على إقامتها والمحافظة عليها ومراعاة حدودها آيات وأحاديث كثيرة مشهورة.

стр. 671

والصلاة على ستة أقسام: فَرضٌ على الأعيان، وهو الصلوات الخمس والجمعة بشروطها، وفَرْضٌ على الكفاية؛ وهو صلاة الجنازة على القول الراجح من القولين المشهورين الذين ذكرهما المص. وسُنَةٌ؛ وهو الوتر، والعيدان، والكسوف للشمس، وخسوف القمر، والاستسقاء، والركوع عند الإحرام، وسجدتا السهو. وكذلك ركعتا الطواف على أحد الأقوال، وسجود التلاوة على أحد القولين المشهورين فيه وعلى القول بأنه صلاة. وفَضِيلَةٌ؛ وهو ركعتا الفجر، وركعتا الشفع، وتحية المسجد، وقيام الليل، وقيام رمضان، وهو أوكد، والتنفل قبل الظهر وبعدها، وقبل العصر وبعد المغرب، والضحى بلا حد في الجميع على المشهور -كما يأتي إن شاء الله تعالى- وإحياء ما بين العشاءين، وركعتان بعد الوضوء، وركعتا الاستخارة، وركعتان عند الخروج للسفر، وعند القدوم منه، وعند دخول المنزل: وعند الخروج منه، وركعتان لمن قرب للقتل ولو كان عند طلوع الشمس أو غروبها على أحد القولين، وركعتان عند التوبة، وركعتان عند الحاجة، وركعتان عند الدعاء، وبين الأذان والإقامة إلا في المغرب، وصلاة التسبيح على ما ذكر القاضي عياض في قواعده، وسمى ابن رشد ما بعد قيام رمضان نافلة، وجعله أحط رتبة من الفضيلة، ولم يذكر جميع ما ذكرناه. وَمَكْرُوهَةٌ؛ وهي الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وبعد صلاة العصر حتى تصلى المغرب، وبعد صلاة الجمعة في المسجد، وقبل العيدين، وبعدهما إذا صليت في الصحراء، وبين الصلاتين المجموعتين لسفر أو مطر أو بعرفة أو مزدلفة. وَمَمْنُوعَةٌ؛ وهي الصلاة عند الطلوع، وعند الغروب، ومن حين يخرج الإمام لخطبة الجمعة إلى أن يفرغ من الصلاة، وتنفل من عليه فوائت، وابتداء صلاة فريضة أو نافلة إذا كان الإمام الراتب يصلي. وافتَتَحَ المص الصلاة بذكر الوقت لتعين الاهتمام بمعرفته فقال: الوقت المختار للظهر من زوال الشمس يعني أن الوقت للصلوات الخمس المشار إليهن بقوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد (١)) على قسمين: ضروري وسيأتي، ومختار

стр. 672

ومبدؤه للظهر، من زوال الشمس؛ أي ميلان قرصها لجهة الغرب عن كبد السماء، والمختار اسم مفعول؛ أي أن المكلف يختار أي أجزائه لإيقاع الصلاة فيه إن شاء أوله، وإن شاء وسطه، وإن شاء آخره. وقوله: "الوقت" هو الزمن المقدر للعبادة شرعا مضيقا كوقت الصوم، أو موسعا كوقت الصلاة. ومعرفته فرض كفاية عند القرافي، فيجوز فيه التقليد، وفرض عين عند صاحب المدخل، ووفق بينهما بحمل كلام صاحب المدخل على أنه لا يجوز للشخص الدخول في الصلاة حتى يتحقق الوقت. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعبارة الشيخ الأمير الجزم بالوقت عن دليل كفائي، ومطلقة ولو تقليدا شرط في الصحة، وغلبة الظن كافية، كما قال صاحب الإرشاد: وهو المعتمد. انتهى. وقوله: ومطلقة الضمير يرجع إلى الجزم. والله سبحانه أعلم. وسمي الظهر ظهرا؛ لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، ولذا تسمى الأولى، أو لفعلها في وقت الظهيرة؛ أي شدة الحر. قال طرفة: إن تنله فلقد تمنعه … وتريه النجم يجري بالظهر وبدأ بها لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ صبيحة ليلة الإسراء. هذا هو قول الأكثر. ومقابله ما روي: لما فرضت الصلاة عليه ﷺ أتاه جبريل فصلى به الصبح حين طلع الفجر، وفيه ابن الجهم ضعيف. وفي حديث آخر: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر، وقد يقال لا دليل في هذين الحديثين وإن صَحَّا، لاحتمال أن المراد فيهما صبح اليوم الثاني. وقوله: "من زوال الشمس" وكيفية معرفة ذلك هو ما قال في التوضيح: أن تقيم عودا مستقيما، فإذا تناهى الظل في النقصان وشرع في الزيادة، فذلك وقت الزوال، ولا بد من زيادة بينة، وهذا الزوال يعلمه الناس. وهناك زوال لا يعلمه إلا الله. وزوال يعلمه الملائكة المقربون عليهم الصلاة والسلام. (فقد سأل النبي ﷺ جبريل: هل زالت الشمس؟ فقال لا نعم. فقال: ما معنى لا نعم؟ فقال: يا رسول الله قطعت الشمس من فلكها

стр. 673

بين قولي لا نعم مسيرة خمس مائة عام (١)). وقد يظهر لبعض الأولياء بطريق الكشف الزوال والفجر وغيره من الأوقات، فلا يعول على ذلك شرعا. وقوله: "من زوال الشمس" متعلق بمحذوف؛ أي مبدؤه. وينكر على الولي إذا سمع حركة الشمس للزوال فصلى قبل ظهوره للناس في رأي أعينهم، وتحرم صلاته حينئذ، وإذا طار الولي بعد الزوال إلى موضع لم تَزُل به، أو طار قبل الزوال إلى موضع زالت به، خوطب بزوال ما يوقع به الصلاة؛ أي فإن صلاها بالأول لم يعد. وإلا فلا يصليها حتى تزول بموضعه، وله أن يصليها فيما طار إليه في الثاني؛ لأن الشمس قد زالت. انتهى ملخصا من الخطاب. والشبراخيتي، والزرقاني: وحاشية بناني. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنه لا ينافي ما تقدم من أن الظهر أول صلاة صلاها جبريل بسيد الوجود ﷺ : لأنه لم يصل الصبح يومئذ، لتأخير البيان من نزوله من الإسراء إلى الظهر، كما في الآيات لابن قاسم الشافعي. قاله الشيخ عبد الباقي. ما قاله صاحب التنبيه أن أول ما فرض عليه ﷺ الصبح، ثم ثنى بالظهر، ثم ثلث بالعصر، ثم ربع بالمغرب، ثم خمس بالعشاء. ونصه: اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا مُحَّمَدِ الذي أولُ عروس جليت عليه من الخمس المعدودة. صلاة الفجر المشهودة. اللَّهم صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه الظهر، وهي ثانية الأولى. وقد كست صاحبها رضا وسولا، اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّد وعلى آل سيدنا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه ثالثة الثانية، وهي العصر الوسطى من تركها أثم وأخطأ. اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه المغرب رابعة ما مضى، مبشرة بالفوز والرضا. اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا مُحَمَّدٍ ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه خامسة الدرر الفاخرة، وهي صلاة العشاء الآخرة. انتهى. لأن هذا في ابتداء صلاة جبريل به وما في التنبيه في ابتداء فرضيتها. والله سبحانه أعلم.

стр. 674

لآخر القامة متعلق بمحذوف أي ينتهي؛ يعني أن وقت المختار ممتد من الزوال إلى آخر القامة الأولى، والمراد بذلك أن يصير ظل كل شيء مثله، وقامة كل إنسان سبعة أقدام بقدمه، أو أربعة أذرع بذراعه. وقيل: ستة أقدام وثلثا قدم، وقيل: ستة أقدام ونصف، قاله الشيخ إبراهيم. والأصل في تحديد أوقات الاختيار ما رواه أبو داوود والترمذي من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (أمَّنِي جبريل عند البيت مرتين فصلى بني الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الفجر حين أسفرت الأرض. ثم التفت جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين (١)). قال الترمذي: حديث حسن، وبرق الفجر بزغ، وقوله: مثل الشراك؛ أي الذي يكون على وجه النعل؛ وهو كناية عن أول ظهور الظل. وقوله: حين وجبت الشمس؛ أي سقطت بالغروب، والفيء الظل بعد الزوال. انظر الخطاب. والشبراخيتي. بغير ظل الزوال يعني أن القامة إنما تعتبر بعد ظل الزوال، أي الظل الموجود عند الزوال؛ وهو يزيد في الشتاء، وينقص في الصيف ويختلف باختلاف البلاد. فقوله: "بغير ظل الزوال"؛ أي إن كان للزوال ظل، وإلا فالمعتبر القامة خاصة؛ أي قامة كل شيء، أي شيء كان. وما ورد في صحيح مسلم من أن مدة الدجال أربعون يوما، وأن فيها يوما كسنة، ويوما كشهر، ويوما كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا. فقال الصحابة: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره (٢)). فذلك حكم مخصوص بذلك اليوم، وقياس اليوم الثاني

стр. 675

والثالث كذلك، ومثل ذلك أيام حجب الشمس عن الطلوع عند إرادة الله تعالى طلوعها من مغربها. وذكر القرافي في قطر يطلع عليه الفجر قبل غروب الشفق، أنه قال إمام الحرمين: لا تصلى العشاء حتى يغيب الشفق، وليست قضاء، ويتحرى بالصبح فجر من يليهم من البلاد. قال القرافي: ولعل مذهبنا كمذهب الشافعية. وقالت الحنفية: يسقط العشاء والوتر. قاله الشيخ إبراهيم: ونحوه للحطاب. ومعنى اقدروا له قدره؛ أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا العصر فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك اليوم. وقد وقع فيه صلوات سنة كلها فرائض، مؤداة في وقتها. قاله الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه بمنه: ولم أذكر ما ذكره غير واحد هنا أن الشمس تزول بالشهر الفلاني على كذا، وبغيره على كذا؛ لأن ذلك غير عام في جميع البلاد، بل يختص ببعضها. واعلم أن أول شهور السنة القبطية: توت بتاءين مثناتين أولاهما مضمومة بينهما واو ساكنة؛ وهو غشت بالرومية: لأن الابتداء بالسنة القبطية من غشت. ثم بابه بموحدتين وألف بينهما وآخره هاء، وهو شتنبر، وهتور كصبور بمثناة فوقية، أكتوبر، ثم كَيَهْك بتقديم التحتية المفتوحة على الهاء الساكنة: وقيل بالعكس؛ وهو نونبر، ثم طؤبة بضم الطاء، وهو دجنبر، ثم امشير بهمزة مفتوحة وميم ساكنة وشين معجمة مكسورة وياء ساكنة وراء، وهو ينير، ثم يرهمات بياء تحتية وراء وهاء، وهو فبراير، ثم برمودة بفتح الموحدة وسكون الراء وضم اليم بعدها واو ساكنة ثم دال مهملة وهاء؛ وهو مارس، ثم بشنس بفتح الموحدة وفتح شين معجمة وسكون النون ثم سين مهملة؛ وهو شهر البركة إبريل؛ لأنه ولد فيه سيد الوجود ﷺ ثم بئونة بهمزة بين الباء الموحدة والواو، وهو مايه، ثم أبيب بهمزة مفتوحة وباءين موحدتين كأمير، وهو ينيه، ثم مسرى بضم الميم وسكون السين المهملة؛ وهو يولي. قاله الشيخ محمد بن الحسن وإنما نقلتها وفسرتها، لأنها وقعت في كلام غير واحد من الشراح هنا يضبطون الظل في كل واحد منها، ويذكرون -هنا-

стр. 676

عرض البلد وخط الاستواء. ومعنى خط الاستواء: وسط الأرض، وعرض البلد عبارة عن بعده عن خط الاستواء. قاله الإمام الخطاب. وما ذكرته في الشهور المتقدمة هو للشيخ محمد بن الحسن كما علمت. ونحوه للرماصي. ومقتضى كلام غيره أن بشنس هو مايه. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أن ما قبل الزوال من الظل لا حكم له، فتعتبر القامة والقامتان بدونه. والله سبحانه أعلم. وكيفية كيل ظلك أن تقف قائما معتدلا غير منكس رأسك في أرضى مستوية، وتخلع نعليك، وتستدبر الشمس أو تستقبلها، وتعلم على طرف ظلك علامة أو تأمر من يعلم لك إن كنت مستقبلا للشمس، ثم تكيل ظلك بقدمك؛ بأن تبتدئ من رأس القدم الذي وقفت عليه ولا تحسبه بنفسه، وهذا الطريق [علم] (١) في كل زمان ومكان. فإذا أردت آخر وقت الظهر فتزيد على ما كلته مما قبل الزوال سبعة؛ وهو قدر القامة كما مر وهو الأحوط. وقد قيل: إن طول القامة ستة أقدام وثلثان وقيل ستة ونصف. واعلم أن أوقات الصلاة إنما علقت بالأوقات البينة للعامة والخاصة والعلماء والجهال، وإنما شرعت المنازل ليعلم بها قرب الصباح، فيكف الصائم ويتأهب المصلي، حتى إذا تبين الفجر الذي علق به الوقت صلى. قاله الإمام الخطاب. إلا قوله بأن تبتدئ من رأس القدم الذي وقفت عليه ولا تحسبه بنفسه، فإنه من كلام محمد بن سعيد السوسي. وقال أي الحطاب: إن الذي علق به الوجوب في الزوال هو ما يظهر للناس لا الزوال الذي لا يدرك بالحس وإنما يدرك بالحساب، غير أنه لا يشترط في الزوال الذي يظهر للناس رؤيته، فإذا تحقق بطريق من الطرق أنه قد حصل الزوال المذكور بحيث أنه لو تأمله الحس لأدركه، كفى ذلك ولو كان هناك غيم يمنع من رؤيته، وكذا القول في غروب الشمس والشفق وطلوع الفجر. انتهى. وقال الإمام الخطاب عن البرزلي: يقبل قول المؤذن العدل العارف مطلقا، أي في الغيم والصحو في الصلاة والصوم إذا

стр. 677

كان عارفا بالأوقات بالآلات، مثل الرمليات والمنقانات وغيرها. وفيه عن الطراز: يجوز تقليد المؤذن العدل العارف وقبول قوله مطلقا؛ أي في الصحو والغيم. انتهى. وقد مر قول الأمير إن غلبة الظن في الوقت تكفي، كما قال صاحب الإرشاد، وأنه هو المعتمد. وقال الإمام الخطاب بعد جلب نقول: فتحرر من هذا أنه يجوز التقليد في الأوقات لمن كان عدلا عارفا. والله أعلم. انتهى. وفي المدخل: ومذهب مالك أن صرفة الأوقات فرض في حق كل مكلف. انتهى. قال الإمام الخطاب: مقتضاه أنه لا يجوز التقليد فيها، ولكن يمكن أن يحمل على أن المراد أنه لا يجوز لأحد أن يصلي حتى يعرف أن الوقت دخل: إما بالطرق الموصلة لذلك، أو بتقليد من هو عدل عارف. والله أعلم. انتهى. وفي الطراز: إذا كانت السماء مغيمة ولم تظهر الشمس، فينبغي أن يؤخر الصلاة حتى يتيقن الوقت. انتهى. وقال الإمام المازري: إذا امتنع الاستدلال بتزايد الظل لكون الشمس محجوبة بالغيم، رجع في ذلك إلى أهل الصناعات؛ فإنهم يعلمون قدر ما مضى لهم من أعمالهم من أول نهارهم إلى زوال الشمس في يوم الصحو، فيقيسون يومهم بأمسهم، فيعرفون بذلك الوقت. انتهى. قاله الإمام الخطاب. وفي الجواهر: من اشتبه عليه الوقت فليجتهد، ويستدل بما يغلب على ظنه دخوله: وإن خفي عليه ضوء الشمس فليستدل بالأوراد وأعمال أرباب الصناعات وشبه ذلك. ويحتاط. قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك أن من سنة الصلاة في الغيم، تأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء إلا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى لا يشك في الفجر. ثم إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء. وإن وقعت قبله قضى كالاجتهاد في طلب شهر رمضان. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وفي الذخيرة: إذا حصل الغيم أخر حتى يتيقن ولا يكتفي بالظن، ولا خلاف أن أول وقت الظهر زوال الشمس، وأنها لا تجب قبله، ولا تجزئ إن فعلت قبله لا في حضر ولا في سفر، وذكر القاضي عبد الوهاب أن ابن عباس أو غيره كان يقول: تجزئ قبل الزوال. قال في الطراز: وذلك

стр. 678

باطل لحديث جبريل (١) والإجماع على خلافه. قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، قال ابن عباس: إذا فاء الفيء، ولا يصح عنه غير ذلك. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال المازري: اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، فذهب بعضهم إلى أن المراد به غروبها، ومذهبنا أن المراد به زوال الشمس وميلها عن وسط السماء مغربة. قاله الخطاب. ومن علم ظل الزوال علم دخول وقت العصر بمضي قامته، ومن لم يعلم ظل الزوال جرى فيه قول صاحب الرسالة: وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك إلى آخره. قيل: إن عدد الركعات والصلوات معقول المعنى. وعليه فاعلم أن نعم البدن خمس، فقوبلت بالصلوات الخمس شكرا، فحاسة الشم يشم بها الرائحة من الجوانب الأربع، فقوبلت بالظهر، وهي أربع ركعات. ولما فرغ من بيان وقت الظهر شرع يتكلم على وقت العصر فقال: وهو أول وقت العصر الضمير يعود على آخر القامة؛ يعني أن الوقت المختار للعصر مبدؤه من آخر القامة الأولى، وفي الحديث: (حافظوا على العصرين صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها (٢)) يريد الصبح والعصر، والعرب تسمي كل طرف من النهار عصرا، وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة (٣))، والمراد بالبردين الصبح والعصر، وتسمى صلاة العصر صلاة العشي. وقوله: البردين بفتح الوحدة وسكون الراء. وكلام المص يقتضي أن العصر داخلة على الظهر في وقتها، فإنه قال: إن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، وما ذكره المص هو المعتمد عليه عند الفقهاء في معرفة الوقت، ولذا أنكر على ابن أبي زيد قوله: وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم غير منكس رأسك ولا مطأطئ له الخ؛ لأنه لم يعلم قائله. قاله الشاذلي.

стр. 679

للاصفرار يعني أن الوقت المختار للعصر مبدؤه من آخر وقت الظهر، ويمتد إلى الاصفرار بخروج الغاية لقوله ﵊: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس (١)) رواه مسلم، وهذا مذهب المدونة. وروى ابن عبد الحكم عن الإمام مالك أن آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه، قال في المنتقى: وصفرتها إنما تعتبر في الأرض والجدر، لا في عين الشمس. حكاه ابن نافع في المبسوط عن مالك. انتهى. وقال في الجواهر: وقت الاختيار ما دامت الشمس بيضاء نقية ما لم تصفر على الجدرات والأرض. وروى ابن عبد الحكم: إلى أن يصير زيادة ظل الشخص مثليه. قال القاضي أبو بكر: والقولان مرويان عن النبي ﷺ ، قال: وهما متساويان في المعنى؛ لأن الشمس لا يزال بياضها ناصعا حتى ينتهي الظل، فإذا أخذ في التثليث نقص البياض حتى تأخذ الشمس في التطفيل فتتمكن الصفرة. انتهى. ونحوه لابن بشير. والتطفيل: ميل الشمس للغروب. قاله في الصحاح. واعلم أن الظل يكون غدوة وعشية، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبله فيء. وإنما سمي بعد الزوال فيئا؛ لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب أي رجع، والفيء الرجوع، ومعنى الظل الستر، ومنه قولهم: أنا في ظلك، ومنه ظل الجنة: وظل شجرها إنما هو سترها، وظل الليل سواده؛ لأنه يستر كل شيء قاله الخطاب. عن ابن قتيبة. ونقل عن الجوهري أنه قال: قال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس. والفيء ما نسخ الشمس. وحكي عن أبي عبيدة ما يوافق لابن قتيبة، والذي لابن قتيبة: هو الذي اختار النووي. قال الإمام الخطاب: وهو الظاهر. ولما ذكر الشيخ أن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، لزم قطعا الاشتراك بينهما، كما في الحطاب، فصرح به ليبين في أي وقت هو، فقال: واشتركتا يعني أن الظهر والعصر يشتركان في الوقت، والزمنُ الذي يشتركان فيه محدود بقدر فعل إحداهما أي أن الظهر والعصر يشتركان في الوقت المختار بقدر ما تصلى فيه إحداهما، إن كانتا سفريتين فإنهما يشتركان بقدر ما تصلى فيه ركعتان، وإن كانتا حضريتين فإنهما يشتركان

стр. 680

بقدر ما تصلى فيه ظهر حضرية أو عصر حضرية. وعلى القول المتقدم فاعلم أن حاسة السمع يسمع بها من الجوانب الأربع، فقوبلت بالعصر أربع ركعات. وهل في آخر القامة الأولى يعني أن الشيوخ اختلفوا في الوقت الحاصل فيه الاشتراك بين الظهر والعصر، فمنهم من ذهب إلى أن الاشتراك حاصل في آخر القامة الأولى، فتكون العصر داخلة على الظهر، واختاره ابن رشد وابن عطاء الله وابن راشد، أوأول الثانية يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن اشتراك الظهر والعصر حاصل في أول القامة الثانية؛ وهو المشهور عند سند، وغيره خلاف أي في ذلك خلاف، وتظهر ثمرته في الإثم وعدمه، والإجزاء وعدمه، فإذا أخر الظهر لأول القامة الثانية أثم على الأول لا على الثاني، وإذا قدم العصر في آخر القامة الأولى بطلت على الثاني لا على الأول. ومنشأ الخلاف قوله ﷺ في المرة الأولى: (فصلى بي جبريل العصر حين صار ظل كل شيء مثله (١)). ثم قال في الثانية: فصلى الظهر من الغد حين صار ظل كل شيء مثله. هل معناه شرع فيهما أو فرغ فيهما؟ ويجري هذا الخلاف في العشاءين على القول بامتداد وقت المغرب للشفق، وإذا قيل بدخول الغرب على العشاء، فبمقدار ثلاث ركعات من أول وقت العشاء، فإن قيل بدخول العشاء على المغرب فبقدر أربع. قاله غير واحد. وقال ابن حبيب: لا اشتراك بين الظهر والعصر، وعزاه اللخمي وصاحب الطراز لابن المواز وابن الماجشون، ونقله ابن فرحون وابن ناجي عن اللخمي، وقال ابن ناجي: واختاره ابن العربي قائلا: تالله ما بينهما اشتراك، ولقد زلت أقدام العلماء. قاله الإمام الحطاب. واتفق مالك وجميع أصحابه على إباحة الجمع بين المشتركتين لعذر من سفر أو مرض على اختلاف بينهم في ذلك على التفصيل، واختلفوا في إباحة الجمع بينهما لغير عذر، والمشهور أن ذلك لا يجوز. وقال أشهب: يجوز ذلك على ظاهر حديث ابن عباس (٢) وغيره. قاله الحطاب عن ابن رشد. وفي الطراز: من صلى العصر قبل القامة لا يجزئه على المشهور، وهو المعروف من قول جماعة الناس. وقال أشهب في

стр. 681

المجموعة: أرجو لمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل الشفق أن يكون قد صلى: وإن كان لغير عذر. وقد يصليها المسافر عند رحلته، والحاج برفة. وقال أشهب في الموازية فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق: إنه يعيد أبدا. ولما فرغ من بيان وقت العصر، شرع يتكلم على بيان وقت المغرب، فقال: وللمغرب غروب الشمس يعني أن الوقت المختار للمغرب أوله غروب جميع قرص الشمس، وقوبلت نعمة البصر بالمغرب؛ لأنك تبصر ما على يمينك ويسارك وأمامك، ولا تبصر ما خلفك. يقدر بفعلها بعد شروطها يعني أن المغرب يعرف قدر وقتها المختار بفعلها مع فعل شروطها، فيُحَدُّ مختارها بقدر ما يسع ثلاث ركعات بعد الغروب، مع ما تحصل فيه شروطها من: طهارة حدث صغرى وكبرى مائية أو ترابية، وخبث، وستر عورة، واستقبال قبلة، وأذان، وإقامة بالنسبة للمقيمين. وأما المسافرون فلا بأس أن يمدوا الميل ونحوه، ثم ينزلون ويصلون. وأما من لا ينزل فلا يباح له هذا، ويصلي كل صلاة في وقتها، ويراعى أيضا قدر استبراء معتاد لمن احتاجه، ومن عادته أن يطول استبراؤه. بحيث لو بال عند دخول الوقت لم يتم استبراؤه حتى يخرج الوقت؛ صلى إن أمكنه مدافعة الحدث، ويحرم عليه البول حينئذ، وإلا بال واستبرأ ولو خرج الوقت؛ لأن هذا لم يكن سلسا، وإلا توضأ وصلى به إن لازم أكثر -على ما مر- ويصليها أيضا في الشغل عن فرض، ولو خرج الوقت. وقال الناصر اللقاني: وقد سئل عمن إذا بال علم أنه لا ينقطع استبراؤه إلا بعد خروج الوقت، يؤخر الصلاة حتى ينقطع بوله ولو أدى إلى خروج الوقت: لأن البول ناقض للوضوء مناف. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. والشغل عن غير فرض يجب فعلها معه في الوقت، ولا يجوز التأخير؛ لأن الفعل في الاختياري واجب، فلا يترك لتحصيل مندوب. قاله الخطاب. وقوله: يقدر بفعلها بعد شروطها، هو المشهور، فقد صرح غير واحد بمشهوريته، وقيل: يمتد للشفق. وفي الموطإ أن النبي ﷺ قرأ فيها (بالطور (١)) (وبالمرسلات (٢))، وهذا يقوي القول بالامتداد. وقال ابن العربي والرجراجي: هو

стр. 682

الصحيح، والمشهور من مذهب مالك. قاله الحطاب. وفي الحديث: (إذا صليتم المغرب فإنَّه وقت إلى أن يسقط الشفق (١))؛ وفيه أيضًا: (إذا قُرب العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب (٢)) رواه البخاري. وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصّه: ثمَّ المقدم طعام لا يخرج الوقت كعادتهم. انتهى. وقوله: يقدر بفعلها بعد شروطها، قد مر أن لمحصل الشروط أن يؤخرها قدر ما تحصل فيه، وفي الشبراخيتي أن المحصل لشروطها لا يقدر في حقه إلا قدر فعلها، والأول هو الظاهر؛ لأنه الذي في الحطاب، وغيره. والله سبحانه أعلم. وتسمى المغرب صلاة الشاهد لحديث: (لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد (٣))، أو لعدم قصر المسافر لها كما قال الشيخ أبو محمَّد، وهو منقوض بالصبح. قاله الشاذلي. ويكره تسميتها عشاء إلا مقيدة بالأولى لخبر: (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب (٤)). ابن حجر: ولا يتناول النهي تسميتها عشاء على التغليب نحو: صليت العشاءين. وأصل الغروب البعد، ومنه غرُب بضم ثانية وفتحه: بعُد. وحجة المشهور أن المغرب وقته محدود بما تفعل به هي وشروطها والأذان والإقامة هُوَ: حديث جبريل المتقدم عند قول المص: لآخر القامة، وحجة القول الآخر الذي شهره ابن العربي والرجراجي ما في مسلم من قوله ﷺ : (وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق (٥))، وهذا القول اختاره الباجي، وأخذه ابن عبد البر وابن رشد واللخمي والمازري من قوله في الموطإ: إذا ذهبت الحمرة فقد وجبت العشاء وخرج وقت المغرب. قال الإمام المازري: وهو يعني حديث مسلم متأخر عن حديث جبريل: فيجب الرجوع إليه، وهو أصح سندا وقياسا على بقية الصلوات. قاله الشاذلي. في كفاية الطالب وفي النسائي أن النبي ﷺ قال: (إن هذه الصلاة فرضت (٦) على من كان قبلكم فضيعوها فمن حفظها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها

стр. 683

حتى يطلع الشاهد (١))، والشاهد النجم. قال التونسي: والذي جاء في الحديث أولى مما قاله مالك. انتهى. يعني ما تقدم من الخلاف في سبب تسميتها صلاة الشاهد. تنبيهات: الأوّل: وقع في كتاب الشيخ الأمير خلاف ما تقدم من اعتبار الطهارة اللازمة، فإنَّه قال: والمعتبر الغسل لا وضوء وتيمم؛ لأنَّ الوقت لا يختلف باختلاف الأشخاص. انتهى. الثاني: نقل الحطاب عن ابن العربي ما نصه: واختلف في آخر وقتها على أربعة أقوال: الأَوَّلُ وقتها مقدر بفعل الطهارة، ولبس الثياب، والأذان والإقامة، وثلاث ركعات. قاله مالك. والشافعي في أحد قوليهما. الثاني: آخر وقتها بمقدار الوقت الأوّل من سائر الصلوات، قال بعض أصحاب الشافعي: وأشار إليه في المدونة حين قال: لا بأس أن يمد الميل ونحوه. الثالث: آخر وقتها إذا غاب الشفق، قاله في الموطإ؛ وهو الصحيح. الرَّابعُ: آخر وقتها بمقدار ثلاث ركعات بعد الشفق. قاله أشهب. انتهى. قال الحطاب: وهذا القول الثاني الذي ذكره عن بعض الشافعية ذكره صاحب الطراز، فإنَّه قال: إذا قلنا بالاتحاد يعني غير ممتد، فاختلف أصحاب الشافعي على وجهين، فذكر القول باعتبار الطهارة واللبس والأذان والإقامة وثلاث ركعات، وقال بعضهم جميع وقتها بمنزلة أول الوقت من كل صلاة من غير حد. انتهى. ونقل نحوه عن الذخيرة، وفيه أن الاتحاد ظاهر بالنسبة للمقيمين دون المسافرين، قال فيها: والمغرب إذا غابت الشمس، وأما المسافر فلا بأس أن يمد الميل ونحوه. وفيه أنَّه يفهم من كلام صاحب الطراز أنَّه لا يجوز التطويل في قراءة غير المغرب من الصلوات حتى يخرج وقتها المختار، غير أن في كلامه أن ذلك لا يجوز إجماعا، وحكى الشافعي في ذلك خلافا. الثالث: قال في الرسالة: ووقت المغرب؛ وهي صلاة الشاهد؛ يعني الحاضر؛ يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة الحاضر، فوقتها غروب الشمس. قال الشاذلي: تعليله منقوض بالصبح، والتعليل بأن الشمس تغرب عند طلوع نجم يسمى الشاهد أولى، لما روى النسائي أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حفظها كان

стр. 684

له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد (١)). والشاهد النجم. انتهى. قوله: "غروب الشمس" المراد به الغروب الشرعي؛ وهو مغيب جميع قرصها كما مر. وأما الغروب الميقاتي فغير معتبر؛ وهو غروب مركزها، وبينهما نصف درجة؛ وهو قبل الشرعي فلابد من تمكين بعد ذلك حتى يتحقق الوقت بإقبال ظلمة الليل من المشرق، وإذا كان المعتبر مغيب جميع قرصها فالمراد أن ذلك بحيث لا يرى منه شيء لا من سهل ولا من جبل، فإنها قد تغيب عمن في الأرض، وترى من رؤوس الجبال. قاله الإمام الحطاب. وقال في الجواهر: والمراعى غيبوبتها (٢))، وقرصها دون أثرها، وشعاعها وقاله ابن الحاجب. ابن فرحون: ولا عبرة بمغيب قرصها عمن في الأرض حتى تغيب عمن في رؤوس الجبال، والمعتمد في ذلك إنما هو على إقبال ظلمة الليل من جهة المشرق لقوله ﵊: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم (٣)). انتهى. ولا يضر بقاء شعاعها في الجدران، خلافا للماوردي من الشافعية، فإنَّه اشترط سقوطه؛ وهو الضوء المستعلي كالمتصل بها. قال الدميري: والإجماع منعقد على خلاف دعواه. قاله الإمام الحطاب. وقوله في الحديث: أقبل الليل من هاهنا؛ يعني المشرق، وقوله: أدبر النهار من هاهنا؛ يعني المغرب. قاله الشيخ عبد الباقي. ونقل الحطاب عن ابن بشير ما نصّه: ووقت المغرب إذا غاب قرص الشمس بموضع لا جبال فيه، فأما موضع تغرب فيه خلف جبال فينظر إلى جهة المشرق، فإذا طلعت الظلمة كان دليلًا على مغيب الشمس. انتهى. الرَّابعُ: لم يقل المص: من غروب، فيأتي بمن كما فعل في الظهر؛ لأنَّ المغرب لا امتداد لها، وإنما وقتها غروب الشمس. قاله الشيخ إبراهيم. الخَامِسُ: اعلم أن في الساعة خمس عشرة درجة، وفي الدرجة ستين دقيقة، وقدر الدقيقة ما يقرأ فيه الإخلاص مرة قراءة معتدلة مع البسملة، أو مقدار ما يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله

стр. 685

إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله مرة. ولما فرغ من بيان وقت المغرب المختار، شرع يبين مختار العشاء، فقال: وللعشاء من غروب حمرة الشفق يعني أن الوقت المختار للعشاء مبدؤه من غيبوبة الشفق، والشفق هو الحمرة الباقية في ناحية غروب الشمس من بقايا شعاعها، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء. وعند أبي حنيفة: من غروب البياض، وفي حديث جبريل: (أنَّه - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلى العشاء حين غاب الشفق (١))، وهو مختص في الاستعمال بالحمرة لقول أعرابي وقد رأى ثوبا أحمر: كأنه شفق. وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]: إنه الحمرة. وجاء تسمية العشاء عتمة في قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: (لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا (٢))، مأخوذ من عتمة الليل؛ وهي ظلمته، وتنتهي إلى الثلث الأوّل. قاله ابن حجر. وقال الخليل: العتمة الثلث الأوّل من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عتم الليل يعتم كضرب يضرب، وعتمته ظلامه. انتهى. وجاء النهي عن تسميتها عتمة، وفي كونه للكراهة أو للتحريم أو خلاف الأولى، أقوال. وقال الشاذلي: وتسميتها بالعتمة مكروهة عند جماعة من العلماء منهم مالك من رواية ابن القاسم، وما ورد في الصحيح من تسميتها بذلك مأول بوجوه، منها أن ذلك بيان للجواز، ويجوز وصفها بالآخرة لقوله ﷺ : (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنى العشاء الآخرة (٣))، وألفاظ الصحابة بهذا مشهورة. ووقع لمالك وصفها بذلك في المدونة وغيرها، وروى مسلم: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها في كتاب الله العشاء وهم يعتمون بالإبل؛ وفي رواية: بحلاب الإبل (٤))؛ أي يؤخرونه إلى شدة الظلام. وسميت صلاة العشاء بالعشاء لوقوعها في وقت العشاء بكسر العين ممدودا: أول الظلام من المغرب إلى العتمة، وبالفتح: طعام ذلك الوقت، أو لاشتقاقها من العشا؛ وهو ضعف البصر لوجود ذلك حينئذ. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم

стр. 686

مما تقدم أن ما نقل عن الأصمعي أنَّه قال: من المحال قول العامة العشاء الآخرة؛ لأنّه ليس لنا إلا عشاء واحدة فلا توصف بالآخرة. انتهى. غلط. للثلث الأوّل يعني أن الوقت المختار للعشاء ممتد من غروب حمرة الشفق إلى أن يذهب ثلث الليل الأوّل، فما بعد مغيب الشفق وقت مختار للعشاء إلى أن ينقضي جميع الثلث الأوّل، ويحسب الثلث من غروب الشمس. وفي الطراز: لا تختلف الأمة أن وقتها الاختياري ممتد. واختلف في منتهاه، فمشهور المذهب أنَّه إلى ثلث الليل كما جاء في حديث عمر (١))، وهذا قول مالك وابن القاسم وأشهب. وقال ابن حبيب وابن المواز: إلى نصف الليل. وقد وردت الأحاديث (٢) بما يدلّ لكل من القولين. قاله الإمام الحطاب. وقيل: إن وقتها المختار يمتد إلى طلوع الفجر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "من غروب حمرة الشفق"، قال الشيخ إبراهيم: هو من إضافة الصفة للموصوف؛ أي الشفق الأحمر. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن إضافته بيانية؛ أي الحمرة التي هي الشفق كماء المطر. وسمع ابن القاسم كراهة النوم قبلها، قيل: فبعد الصبح، قال: ما أعلمه حراما، وسمع ابن القاسم: أكره تسميتها بالعتمة. وأستحب تعليم الأهل والولد تسميتها العشاء وأرجو سعة تكليم من لا يفهمها العشاء بالعتمة قاله الحطاب: وعلى القول المتقدم فقوبلت نعمة الذوق بالعشاء؛ لأنه يعرف بها الحلو، والحامض، والحرارة، والبرودة. والله سبحانه أعلم. ولما فرغ من مختار العشاء، شرع يبين مختار الصبح فقال: وللصبح من الفجر الصادق يعني أن الوقت المختار للصبح مبدؤه من طلوع الفجر الصادق؛ وهو المستطير بالراء أي المنتشر عرضا فيعم الأفق، ومنه قوله تعالى: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، ومفهوم قوله: "الصادق" أن الفجر الكاذب لا عبرة به وهو كذلك وهو مستمر في جميع الأزمنة، خلافا لمن قال: إنه خاص ببعض الشتاء؛ وهو القرافي قائلا: إنه المجرة. انظر الحطاب. والفجر الكاذب هو المستطيل باللام كهيئة الطيلسان، ويشبه ذنب السرحان والأسد لظلمة لونه وبياض باطن ذنبه، وتُسَمِّيه العرب محلفا كأنَّ حالفا يحلف لقد طلع الفجر، وآخر يحلف أنَّه لم يطلع. والصبح من صلاة النهار، ولا حجة للأعمش

стр. 687

القائل إنها من صلاة الليل، فيباح للصائم الطعام بعدها لطلوع الشمس في خبر: صلاة النهار عجماء لأنه لم يرد عنه ﷺ ، وإنما هو من قول الفقهاء على أن المقصود معظم النهار. ألا ترى أن صلاة الجمعة والعيدين غير عجماء وتسمى صلاةَ الفجر وصلاة الصبح؟ والصبح أول النهار وصلاة الغداة؟ والغداة أول النهار. وذكر الدميري عن الشافعي أنَّه قال: لا أحب أن تسمى الغداة [وقاله (١)] المحققون وقال الطبري والشيخ أبو إسحاق: ويكره أن تسمى الغداة. قال النوويّ. وما قاله غريب، فالصواب أنَّه لا يكره وتسمى التنوير وقرآن الفجر، وقد يسقط لفظ الصلاة فتسمى الصبح والفجر والغداة وصلاة التنوير وقرآن الفجر، وما تقدم عن الأعمش من أنها من صلاة الليل. وأن ما قبل طلوع الشمس [يحل (٢)] فيه الطعام والشراب، نقله ابن الصباغ في شامله، وهو بعيد من قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقد ظهر تحريم الأكل بطلوع الفجر عند العام والخاص في كل عصر ومصر. نقله الحطاب. وفيه إبطال القول بأنها ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الليل والنهار ولم يذكر وقتا ثالثا. وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، ولا خلاف أن المراد بأحد الطرفين الصبح، فثبت أنها من صلاة النهار، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية. قال ابن عباس: الخيط الأبيض هو الصبح المتفلق، والخيط الأسود هو سواد الليل، فدلّ على أنَّه لا واسطة بينهما. انتهى. وقال الإمام الحطاب: ولا شك أن ذلك الوقت يعني الفجر الكاذب من الليل، فلا يحرم فيه الأكل، ومن صلى الصبح فيه لم تجزه بلا خلاف. انتهى. للإسفار ويطلق لغة على البيان والكشف، ومنه الحديث: (أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر (٣))؛ أي صلوه عند استبانته وظهوره، وشرعا على قوة الحمرة والضياء قبل طلوع الشمس الذي ليس بعده إلا ظهور قرص الشمس، وعلى ما تتبين به الأشياء وتتراءى به الوجوه. قاله الشبراخيتي.

стр. 688

والأول لابن أبي زيد، والثاني لابن العربي، ونقله عبد الحق عن بعض المتأخرين. قاله الحطاب. الأعلى وهو الذي يميز الشخص فيه جليسه تمييزا واضحًا، والظاهر أنَّه يراعى في ذلك البصر المتوسط في محلّ لا سقف فيه ولا غطاء. قاله غير واحد. وإيضاح معنى قول المص: "للإسفار الأعلى" أن الوقت المختار للصبح مبدؤه من الفجر الصادق، وينتهي للإسفار الأعلى، وما مشى عليه المص رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم، ومذهب المدونة. وقال ابن عبد السلام: إنه المشهور، وقيل: لطلوع الشمس؛ وهو رواية ابن وهب في المدونة والأكثر، وعزاه عياض لكافة العلماء وأئمة الفتوى. قال: وهو مشهور قول مالك. ابن العربي: ولا يصح عن مالك غيره، ولا ضروري لها على هذا القول. وعلى القول المتقدم قوبلت نعمة اللمس بالصبح؛ لأنه يدرك به الخشن والناعم. والله سبحانه أعلم. وهي الوسطى يعني أن صلاة الصبح هي الصلاة الوسطى المذكورة في قول الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، عند مالك وعلماء المدينة وابن عباس وابن عمر وعلي؛ وهو قول الشافعي الذي نص عليه. ولكن قال أصحابه إنه قد قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقد صح في الحديث أنها العصر فصار مذهبه. قاله الشبراخيتي. وفي الحديث: (شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا (١)). قاله ﷺ يوم الخندق، رواه البخاري. وفي مسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر (٢))، والقول بأنها العصر مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة من الصحابة ﵃، وعن النخعي، والضحاك، وقتادة من الفقهاء والوسطى: تأنيث الأوسط بمعنى الأفضل، أو بمعنى المتوسط بين شيئين. وما من صلاة من الخمس إلا قيل إنها الوسطى، وقيل هي صلاة الصبح والعصر، وقيل: الجمعة في يومها والظهر في سائر الأيام. وقيل: الوتر، وقيل: الخمس كلها، وقيل أخفيت ليجتهد في الجميع، كما قيل: في ساعة الجمعة وليلة القدر، وقيل: العشاء والصبح، وقيل: الجمعة، وقيل: صلاة الجماعة في جميع الصلوات، وقيل: صلاة الخوف،

стр. 689

وقيل: صلاة عيد الأضحى، وقيل: صلاة عيد الفطر، وقيل: صلاة الضحى، وقيل: صلاة الصبح والظهر، وقيل: صلاة العصر والعشاء، وقيل: الصلاة على النبي ﷺ ؛ فهذه عشرون قولا، والمعتبر منها القولان الأولان والصحيح منهما الثاني؛ أي كونها العصر. قال الزرقاني عن ابن عبد البر: الخلاف القوي إنما هو في الصبح والعصر وغير ذلك ضعيف، والقول بأنها العصر هو الذي ذهب إليه أكثر العلماء والصحابة وجمهور التابعين وأكثر أهل الأثر؛ وهو الصحيح عند الحنفية والحنابلة. وأجاب القائلون بأن الصبح هي الوسطى عن الحديث المتقدم بأنّه يحتمل أن يريد به الوسطى من الصلوات التي شغل عنها وهي الظهر والعصر والمغرب. واعلم أن تأخيره ذلك للصلاة عن وقتها منسوخ. انتهى. وفي الحديث أنَّه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم كثير الماء يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فماذا يبقى عليه من الدرن (١)). قال السمرقندي يعني تطهره من الذنوب، ولا يبقى عليه شيء منها فيما دون الكبائر، هذا إذا صلاها على التعظيم ويتم ركوعها وسجودها، وإن كان لا يتم ركوعها ولا سجودها، فهي مردودة عليه. انتهى. وروى بسنده عن رفاعة بن رافع قال: (بينما نحن جلوس حول رسول الله ﷺ إذ دخل رجل فاستقبل القبلة فصلى فلما رجع قال له ارجع فصل فإنك لم تصل (٢)) أمره بذلك مرتين أو ثلاثا، فقال الرجل: ما ألَوْتُ جهدي فما أدري ما عبت علي من صلاتي. فقال له ﷺ : [إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثمَّ يكبر الله تعالى ويحمده، ثمَّ يقرأ من القرآن ما أذن له فيه، ثمَّ يكبر ويركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخى، ثمَّ يرفع رأسه ويقول سمع الله لمن حمده، ويستوي قائما حتى يقيم صلبه فيأخذ كل

стр. 690

عضو مأخذه، ثمَّ يكبر فيسجد فيمكن وجهه من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي، ثمَّ يكبر ويستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه (١)]. وإن مات وسط الوقت بلا أداء لم يعص يعني أن الشخص المكلف إن مات وسط الوقت المختار؛ أي أثناءه؛ والحال أنَّه لم يؤد الصلاة أي لم يكن صلى، فإنَّه لا إثم عليه بذلك التأخير؛ لأنَّ المبادرة بها غير واجبة، وإن صمم عصى من حيث التصميم لا من حيث الترك. ولو قال المص: أثناء الوقت لكان أحسن؛ لأنه لا يشعر بخصوص جزء من الوقت، بخلاف الوسط فإنَّه يشعر به. وشمل كلام المص المغرب، إلا أن يظن الموت يعني أن محلّ كونه لا يأثم بالتأخير إنما هو إذا لم يظن الموت، وأما إن ظن الموت فإنَّه يأثم، وإن لم يغلب الظن لوجوب المبادرة حينئذ، وإن لم يمت وأوقع الصلاة في الوقت المختار ويكون مؤديا عند الجمهور عملا بما في نفس الأمر لا قاضيا عملا بظنه؛ إذ لا عبرة بالظن المتبين خطؤه، فإن أخر مع ظن السلامة فمات فجأة فالتحقيق أنَّه لا يعصي. قال الشيخ عبد الباقي: وظن باقي الموانع كالحيض ليس كظن الموت كما هو ظاهر كلام أهل مذهبنا. والفرق أن غيره من الموانع قد يزول في الوقت بحيث يدرك وقت الصلاة فيجوز التأخير مع ظنه، ولا يتأتى ذلك في الموت. وقالت الشافعية: ظن غيره كظنه. انتهى. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: صحيح على ما تقدم عن اللخمي عند قوله في الحيض: وتغتسل كلما انقطع عنها من كراهة التأخير لظن الحيض. وأما على ما ذكره شراح الرسالة من حرمة التأخير فلا فرق بين الموت وغيره من الموانع، ويأثم بتأخير الحج من ظن الموت لاتفاق القولين على الفورية حينئذ، وأما على التراخي ولم يخف الفوات وأخر فمات فإنَّه لا يأثم، وبهذا تعلم ما في كلام الشيخ عبد الباقي. أشار له الشيخ محمَّد بن الحسن. ولما كان الاختياري ينقسم إلى فضيلة وتوسعة كما قال ابن عرفة: الاختياري فضيلة إن ترجح فعلها فيه عن اختياري آخر وإلا فتوسعة، أشار المص إلى ذلك بقوله. والأفضل لفذ تقديمها يعني أن الأفضل للفذ ومن في حكمه كجماعة لا تنتظر غيرها تقديم الصلاة أي المبادرة

стр. 691

بها في أول وقتها المختار بعد تحقق دخوله وتمكنه لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول الوقت، ولحديث الترمذي: (أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها (١))، ولحديثه مع الدارقطني: (الصلاة أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله (٢)) زاد إبراهيم بن عبد الملك: (وفي وسطه رحمة الله (٣))، قال النوويّ: حديثان ضعيفان، وعن أبي بكر الصديق لما سمعه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه. انتهى. ومعنى العفو هنا التوسعة لا عن ذنب للإجماع على أن المؤخر إليه غير آثم ولا مقصر في واجب الدميري: قال الشافعي: الرضوان للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين. انتهى. وهذا ما لم يعرض مرجح للتأخير، كرجاء الماء والقصة كما مر، أو موجب كذي نجاسة يرجو ما يزيلها به عن بدنه أو توبه، ومن به مانع القيام يرجو زواله. قاله الشبراخيتي. التوضيح: واعلم أن في مذهبنا قولًا بأن أول الوقت الاختياري وآخره سواء في الأفضلية مطلقا تعلقا بقوله ﷺ : (ما بين هذين وقت (٤)). مطلقا يعني أن الأفضل للفذ ومن في حكمه تقديم الصلاة مطلقا؛ أي سواء كانت صبحا أو ظهرا أو غيرهما في صيف أو شتاء تقديما نسبيا، فلا ينافي ندب تقديم النفل على العصر كما بحثه المص، وعلى الظهر كما استظهره الحطاب. وأما غير هذين فالمبادرة به أولى لكراهة النفل قبل المغرب؛ ولأن الصبح لا يصلى قبلها إلا الفجر والورد بشروطه والشفع والوتر؛ ولأن العشاء لم يرد شيء بخصوصه في التنفل قبلها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: والأفضل لجماعة لم تنتظر غيرها وفذ تقديمها مطلقا، وهل يفعلان الرواتب قبلها، وهو الظاهر وفاقا لصاحب المدخل، وأبي الحسن شارح الرسالة، والحطاب؛ لأنها مقدمات تابعة في المعنى لا تخرج عن الأولية لظواهر الأحاديث، قولان الثاني لابن العربي، وتحمل الأحاديث على منتظر جماعة، أو إذا أخر الإمام لمذهبه. وقيل: إن البدار

стр. 692

إلى الصلاة أول الوقت من فعل الخوارج. قاله الشيخ مياره. وقوله: "والأفضل لفذ تقديمها"؛ الخ أي فقول الرسالة: والأفضل الإبراد وإن كان وحده، ضعيف. وقيل: إن التأخير للإبراد يستوي فيه الفذ والجماعة، فالتأخير له أفضل في الظهر. وقال أشهب: "يوخر العصر إلى ذراع بعده". وقال ابن حبيب: تؤخر الصبح في زمن الصيف لقصر الليل إلى نصف الوقت. قاله الشيخ ميارة. والصلاة إحدى المسائل السبع التي تطلب المبادرة بها، ونظمها بعضهم بقوله: بادر بتوبة قرى والدفن … بكر صلاة وجهاد دين قاله ميارة. ورأيت لبعضهم ما نصّه: صلاة وتوبة وتجهيز ميت … وإنكاح بكر عن بلوغ تعجلا وزيد زكاة عند حول وأوبة … ودينا إذا حل اقضه لا تمطلا وعلى جماعة آخرة يعني أن الفذ إذا كان يرجو جماعة آخر المختار إن أخر، فإن الأفضل له أن يقدم الصلاة ولا ينتظر آخر الوقت المختار ليوقعها في الجماعة. فقوله: "على جماعة" معطوف على مقدر أشعر به الكلام السابق، تقديره: الأفضل لفذ تقديمها على تأخيرها منفردا، وعلى جماعة يرجوها آخره وهذا هو المنصوص. فقد روى زياد عن مالك أن الصلاة في أول وقت الصبح منفردا أفضل من الصلاة في آخره جماعة. انظر الحطاب. واختار سند أن فعلها في الجماعة في آخر الوقت أفضل من فعلها فذا في أول الوقت، وجزم به الباجي في المنتقى، وابن العربي، كذا في الحطاب. وقد أجاز التقديم ليلة المطر فأولى التأخير، وأجيب عن النقل بأنّه يعيد لسنة الجماعة. فمُحَصَّله أن التقديم مع الجماعة وإن جزم بالنية أولًا أَفْضَلُ من مجرد الجماعة، فسقط تخريج البساطي في مغنيه أن المقدم إذا صلى وحده لا يعيد بالأولى ممن صلى في جماعة ضرورة أن التقديم أفضل من الجماعة فتدبر وقيل يحمل النص على رجاء الجماعة في الصبح بعد الإسفار بناء على

стр. 693

أنها لا ضروري لها، وهو قول قوي، فالأفضل التقديم خروجا من الحرمة على المشهور. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ عبد الباقي: ثمَّ كلام المص يقيد بما إذا لم يعرض مرجح التأخير كراجي الماء أو القصة البيضاء، أو موجبه كذي نجاسة يرجو ماء يزيلها به عن بدنه أو ثوبه، ومن به مانع القيام يرجو زواله في الوقت. قاله الشيخ سالم. انتهى. وسقت هذا الكلام بعد كلام الشبراخيتي المماثل له الذي قدمته عند قول المص: "والأفضل لفذ تقديمها مطلقا"؛ لإفادة أنه قيد في كل من المسألتين. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (فضل الوقت الأوّل على الآخر كفضل الآخرة على الدنيا (١))، ومذهب أبي حنيفة أن الإسفار بالصبح أفضل لحديث رافع بن خديج: (أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر (٢))، وفي لفظ: (كلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر (٣))، والجواب أن الإسفار إسفاران، والمراد الأول منهما بحيث يتضح الفجر وضوحا تامًّا، ويبين بيانا جليا لا يتصور فيه، وقوع التباس ولا يشك فيه وليس هذا خاصا بالصبح. قاله الإمام الحطاب. وبه يندفع الاعتراض بأن الشك لا تصح الصلاة معه فلا أجر فيها حتى يقال غيره أعظم أجرا؛ لأنَّ هذا الذي قاله الإمام الحطاب هو الاتضاح للفطن وغيره، وقبله الذي فيه أجر وهو ما يظهر للفطن. والله سبحانه أعلم. قال جامعه عفا الله عنه: ومقتضى قوله آخره أنه لو كان يرجو الجماعة لا في آخر المختار بل قبله، لم يكن الأفضل له التقديم. والله سبحانه أعلم. وللجماعة تقديم غير الظهر يعني أن الأفضل للجماعة التي تطلب غيرها أن تبادر بغير الظهر من الصلوات في أول الوقت، وهذا هو المعتمد دون قوله: وفيها ندب تأخير العشاء قليلًا، وقوله: "وللجماعة" عطف على لفذ، وقوله: "تقديم" معطوف على تقديمها، وكذا قوله: وتأخيرها لربع القامة يعني أن الأفضل للجماعة التي تطلب غيرها أن تؤخر الظهر إلى أن يمضي ربع القامة بعد ظل الزوال، وأما الجماعة التي لا

стр. 694

تطلب غيرها فقد تقدم أنها كالفذ، فالأفضل لها تقديم الصلاة مطلقا ظهرا أو غيرها، شتاء أو صيفا. وقوله: "وتأخيرها لربع القامة" هذا التأخير لاجتماع الناس، وليس من معنى الإبراد في شيء؛ فهو من مراعاة المصلحة العامة لاشتغال الناس غالبا في صنائعهم وقت الظهر. قاله الباجي. قوله: "وتأخيرها"؛ يعني الظهر كما علمت، وأما الجمعة فلا يستحب تأخيرها لربع القامة، بل السنة فيها أن تصلى إثر الزوال، وكذا قالوا: يعجل عصر يوم الجمعة ويصليها في جماعة. واعلم أن أجر صلاة الجمعة يكمل بصلاة عصرها جماعة. نقله التفجروتي. ابن العربي في عارضته في باب تعجيل الظهر: لو اتفق أهل حصن على الصلاة في آخر الوقت لم يقاتلوا، ولو اتفقوا على ترك الجماعة قوتلوا. قاله الحطاب. ويزاد لشدة الحر هذا هو الإبراد المأمور به في حديث الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم -: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم (١))؛ يعني أنَّه يزاد على تأخير الظهر لربع القامة لأجل شدة الحر؛ لأنه مُذْهِبٌ للخشوع، وفيح جهنم نَفَسَها، واحترز المص بشدة الحر من مطلقة. قاله الشيخ إبراهيم. ولم يبين المص حدّ الزيادة. الباجي: نحو الذراعين. ابن حبيب: فوقهما بيسير. ابن عبد الحكم: أن لا يخرجها عن وقتها. والعلة غير متيقنة في الفذ؛ لأنه قد يصلي في بيته، وحديث الإبراد ناسخ لحديث جابر: (كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة (٢))، ولحديث خباب: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكُفِّنا فلم يُشْكِنا (٣))، أي لم يُزِلْ شكوانا. وقيل إنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد، وقوله: أبردوا بالصلاة؛ أي أوقعوها في وقت البرد. ابن العربي: ومعنى الإبراد أن تتفيأ الأفياء، وينكسر وهج الحر والفيح لهب النار. قاله الشاذلي. ويستثنى من قوله: "وتأخيرها" قوله في الحج: ثمَّ أذن وجمع بين الظهرين إثر الزوال وروى إسماعيل: صلاة الظهر عند الزوال صلاة الخوارج. قاله ابن عرفة. وقال الشاذلي على الرسالة: إن في الإبراد بالظهر

стр. 695

ثلاثة أقوال: استحباب التأخير مطلقا للفذ والجماعة، وقصر الاستحباب على المساجد للجماعة خاصة. والثالث التفرقة بين شدة الحر وغيره. فيستحب في شدة الحر للفذ والجماعة. انتهى. وفيها ندب تأخير العشاء قليلا يعني أنه وقع في المدونة: أحب إلي للقبائل تأخيرها قليلًا بعد الشفق، وكذا في الخرشي. والقبائل: الأرباض والحرس بفتح الحاء والراء، ويروى بضم الحاء والراء: المرابطون، وعطف الحرس على الأرباض للتفسير. وقوله: "ندب" اسم مضاف إلى تأخير، وقوله: "وفيها" أتى به استشكالا لما قدمه، وأجيب بأن هذا لمن ذكر وما قدمه لغيرهم، وبأن تأخيرها قليلًا بمنزلة تقديمها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الرماصي: لا يعترض إطلاق المص بتقييدها؛ لأنه تبع في الإطلاق أهل المذهب كابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، كأنهم فهموا أن تقييدها غير معتبر. انتهى. وقوله: "قليلًا"، الظاهر أنَّه يحد بقدر ما تجتمع الناس فيه غالبا بحسب العادة. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ ميارة: وأما العشاء ففيها أربعة أقوال: رواية ابن القاسم عن مالك: تقديمها عند مغيب الشفق أو بعده بقليل أفضل، ورواية العراقيين عن الإمام: تأخيرها أفضل، ثالثها تأخيرها إن تأخرت الجماعة واختاره اللخمي، ورابعها لابن حبيب تؤخر في الشتاء وفي رمضان. انتهى. وإن شك في دخول الوقت لم تجز؛ يعني أن المصلي إذا شك في دخول الوقت فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يشك قبل الدخول فيها، أو يشك في أثنائها، أو يشك بعدها. فأما إذا شك في دخول الوقت قبل الدخول فيها وصلاها شاكا، فإنها لا تجزئه مطلقا أي سواء وقعت فيه أم لا. وكذا إذا دخلها جازما بدخول الوقت وطرأ له الشك في أثنائها، فإنها لا تجزئه مطلقا سواء وقعت فيه أم لا. وإلى ذلك أشار بقوله: ولو وقعت فيه وفي الجواهر قول بالإجزاء إذا وقعت في الوقت. وفي النوادر عن أشهب: أرجو لمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل مغيب الشفق أن يكون قد صلى. قاله الش. وأما إن شك بعد الفراغ من الصلاة وقد دخلها جازما بدخول الوقت فإنها لا تجزئ ما لم تقع فيه، فإن وقعت فيه أجزأت. فتلك ثلاثة أوجه. وقد علمت أحكامها. قال الشيخ عبد الباقي: ومراد الفقهاء بالشك حيث أطلقوه مطلق التردد. قاله ابن فرحون. فيشمل الشك والوهم والظن وإن غلب. وقول الإرشاد: يعمل على غلبته، وتصح إن تبيّن وقوعها فيه أو لم

стр. 696

يتبين، فإن تبيّن وقوعها قبله أعادها فيه. اعترضه شارحه زروق؛ بأن ما ذكره من العمل على غلبة الظن لم يقف عليه. انتهى. وقال الشيخ محمَّد بن الحسن: ما في الإرشاد من العمل على غلبة الظن هو الصواب، ولا دليل في كلام ابن فرحون؛ لأنَّ أهل المذهب لم يطلقوه، بدليل كلام الإرشاد. ومثله قول ابن شاس: من اشتبه عليه الوقت فليجتهد ويعمل بما يغلب على ظنه وإن خفي عليه ضوء الشمس فليستدل بالأوراد وأعمال أرباب الصنائع وشبه ذلك ويحتاط. انتهى. ومثله في الشامل، ولا دليل له أيضًا في كلام الشيخ زروق؛ لأنه بعد أن قال: لم أقف عليه لغيره؛ زاد ما نصّه: لكن مسائلهم تدل على اعتبار الظن الذي في معنى القطع، وفي الجواهر ما يدلّ عليه. فتبين بهذا أن الحق هو اعتبار الظن والعمل عليه، وقد بين ذلك الرماصي. انتهى. وقال الشيخ الأمير: الجزم بالوقت عن دليل كفائي، ومطلقة يعني الجزم ولو تقليدا شرط في الصحة، وغلبة الظن كافية كما قال صاحب الإرشاد وهو المعتمد. انتهى. ونحوه في الحطاب، وفيه: ثمَّ مع التحقيق أو ما في معناه فإن كشف الغيب عن خلافه بطلت. انتهى. وقوله: "وإن شك في دخول الوقت" الخ، وأما إذا شك في خروج الوقت فالأصل البقاء، وينوي الأداء. وذكر في الحاشية أنَّه لو شك في خروجه طلب منه المبادرة إلى الفعل ولم ينو أداء ولا قضاء؛ لأنه غير مطلوب عندنا، فلو نوى الأداء لظنه بقاء الوقت ثمَّ تبيّن خروجه، صحت صلاته اتفاقا، كما صرح به ابن عطاء الله. والظاهر أن عكسه مثله. قاله الشيخ إبراهيم. والفرق بين مسألة المص هنا، وبين مفهوم قوله الآتي في الفجر: ولا تجزئ إن تبيّن تقدم إحرامها للفجر ولو بتحر؛ إذ مفهوم الشرط صحتها حيث لم يتبين تقدم إحرامها له، أن الفريضة يحتاط لها ما لا يحتاط لغيرها. قاله الشيخ عبد الباقي. والضروري بعد المختار يعني أن الضروري في جميع الصلوات الخمس ابتداؤه بعد المختار أي عقبه، وتلوه كما لعبد الباقي، فمتى انتهى المختار الذي تقدم بيانه، فمن هناك يبتدأ الضروري، فابتداء ضروري الظهر بعد انتهاء القامة الأولى على ما مر من انتهاء مختاره، وابتداء وقت العصر الضروري من الاصفرار، وابتداء ضروري الغرب بعد ما تفعل فيه هي وشروطها وأذانها وإقامتها، وابتداء ضروري العشاء من انتهاء الثلث الأوّل من الليل، وابتداء ضروري الصبح من الإسفار

стр. 697

الأعلى، فانظر هذه العبارة الوجيزة المشتملة على هذه المعاني الغزيرة. وقد تقدم في المختار أن المكلف مخير بين أجزائه في إيقاع الصلاة في أيها شاء، وقد تقدم في التيمم التفصيل بين الراجي للماء وغيره، ومر عند قول المص: وفيها تأخيره المغرب للشفق. عن الشيخ عبد الباقي والأمير أن الضروري يتيمم فيه من غير تفصيل بين آيس وغيره، قال الشيخ عبد الباقي: وهو ظاهر، ونص الأمير: ويتيمم أول الضروري مطلقا. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا صريح أو كالصريح في أن الضروري تطلب المبادرة بالصلاة فيه. والله سبحانه أعلم ولما تكلم على ابتداء الضروري في جميع الصلوات، أشار لبيان انتهائه على التفصيل بقوله: للطلوع في الصبح يعني أن الصبح يبتدأ ضروريها من الإسفار الأعلى إلى طلوع أول طرف من الشمس، فينتهي ضروريها بمجرد طلوع أقل جزء منها. وبدأ في الاختيار بالظهر لما تقدم عند قوله: "الوقت المختار للظهر" فراجعه إن شئت، وبدأ في الضروري بالصبح لعدم اشتراكها مع غيرها في ضروريها. وللغروب في الظهرين يعني أن ابتداء ضروري الظهر بعد انتهاء القامة الأولى، وهل من أول القامة الثانية أو من بعد مضي ما تصلى فيه، على الخلاف المتقدم، فيشترك ضروريها مع مختار العصر إلى الاصفرار، ومن الاصفرار يشتركان في الضروري، ويمتد ضروريهما إلى غروب جميع قرص الشمس، فإذا غرب جميع قرصها في المحل الذي تغيب فيه عادة فذلك هو انتهاء الوقت الضروري في الظهرين؛ أي الظهر والعصر، وأطلقه عليهما تغليبا، ولم يقع التغليب لهما بالعصرين، وإنما وقع للصبح والعصر كما في حديث: (حافظوا على العصرين صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها (١))، يريد الصبح والعصر. ومقتضى المص عدم اختصاص العصر بأربع قبل الغروب؛ وهي رواية عيسى وأصبغ عن ابن القاسم، ورواية يحيى عنه تختص: وعلى الاختصاص من صلت العصر ناسية للظهر، ثمَّ حاضت لأربع قبل الغروب، فإنها تقضي الظهر، وإن قدمت لأربع قصرت الظهر، وإن سافرت لركعتين أتمتها، وإن صلتها بثوب نجس والعصر

стр. 698

بطاهر لم تعدها، وعلى عدم الاختصاص العكس في الجميع، وهذا إن صلت العصر، وإلا اختصت به اتفاقا. قاله ابن عرفة. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ويجري ذلك في قوله: وللفجر في العشاءين يعني أن الوقت الضروري في العشاءين أي المغرب والعشاء يمتد إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر انتهى وقتهما الضروري. وقد تقدم بيان ابتداء ضروريهما وهو معلوم من قوله: "والضروري بعد المختار"، فابتداء ضروري المغرب بعد مقدار من الزمن تفعل فيه هي وشروطها، وقد مر أنه يزاد على ذلك الأذان والإقامة فيمتد من هناك لغيبوبة الشفق، فإذا غاب الشفق اشترك ضروريها ومختار العشاء للثلث الأوّل، فإذا انتهى الثلث الأوّل تم مختار العشاء واشترك ضروريهما إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر انتهى وقتهما الضروري. وعلم مما قررت أن المراد بقوله: بعدَ: عقبَ وتلوَ أي يوجد أول الضروري عند انتهاء المختار من غير اشتراك بينهما. والله سبحانه أعلم. وقوله: والضروري بعد المختار"؛ أي المختار في حق كل أحد غير معذور ومسافر يجمع جمع تقديم بعد دخول مختار الأولى لا قبله؛ إذ لم يقل به أحد. قال الشيخ عبد الباقي: وسمى الضروري ضروريا لاختصاص جواز التأخير إليه بأصحاب الضرورة. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: في تقييده بالجواز نظر؛ لأنَّ أصحاب الضرورة كالمجنون ونحوه لا يتصفون بالجواز وقد تقدم الخلاف في اختصاص الأخيرة من المشتركتين وهو الأشهر قال الشيخ الأمير: واختصت أخيرة إذا ضاق على أشهر الروايتين، وكذا يختص مختار الأولى عن الضروري المقدم لعذر بقدرها، فمن ثمَّ يقولون يؤخر ليلة المطر حتى يدخل وقت الاشتراك. وتدرك فيه الصبح بركعة يعني أن الصبح والعصر والعشاء تجب كل واحدة منهن على ذي مانع برفع ذلك المانع بقدر ركعة قبل الطلوع أو الغروب أو الفجر فالمص قصد بيان ما يكون فيه الوجوب عند زوال العذر. وأما الأداء فهو قوله والكل أداء، فقوله: "وتدرك فيه الصبح بركعة"؛ أي يعتبر قدر تلك الركعة من الزمن بحيث أن من صادفه ذلك المقدار من الزمن مستجمعا للشروط خاليا من الموانع خوطب بها، وتقرر الطلب بها في ذمته. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أنَّه لا مفهوم لقوله: "الصبح" لكن نبه على خلاف أبي حنيفة القائل: يتم المصلي العصر إن أدرك منها ركعة دون الصبح. وقوله: "بركعة"؛ أي بسجدتيها مع قراءة فاتحة على الراجح قراءة

стр. 699

معتدلة، ومع طمأنينة على القول بوجوبها بركوع ورفع منه وسجود وجلوس بين سجدتين، وعلى قول من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة، تكفيه تكبيرة الإحرام والقيام لها. كما في الحطاب. والظاهر أنَّه يجب ترك السورة على من تحقق أو غلب على ظنه أن قراءة السورة ولو في ركعة يؤدي إلى فعل بعض الصلاة خارج الوقت كما يظهر من كلام الحطاب. ويجب ترك السورة إن تحقق أو غلب على ظنه أن قراءتها تؤدي إلى عدم إدراك الركعة التي تدرك بها الصلاة، والظاهر أنَّه يقرأ السورة في الثانية قرأها في الأولى أم لا لا أقل يعني أنَّه إذا ارتفع العذر والحال أنَّه لم يبق من الضروري إلا أقل من ركعة بسجدتيها، فإنَّه لا يجب قضاء تلك الصلاة عند ابن القاسم، خلافا لقول أشهب: تدرك فيه بالركوع فقط، والخلاف مبني على فهم قوله ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (١)) هل المراد بالركعة الركعة بتمامها، أو المراد بالركعة الركوع؟ وقول ابن القاسم أولى لحمل اللفظ على الحقيقة، وصرح ابن رشد بمشهوريته. نقله الإمام الحطاب. والكل أداء يعني أن الركعة التي فعلت في الضروري والتي فعلت خارجه أداء حكمًا، وإلا فالواقعة بعد خروج الوقت قضاء فعلا. ويترتب على أن الكل أداء صحة اقتداء شخص في ثانية بعد الطلوع بمن أدرك الأولى قبله، ولكن ينوي القضاء. ذكره ابن قداح. واستشكل ذلك بأنّه كيف يصح اقتداؤه به مع أنَّه مؤد حكمًا، والمأموم قاض حقيقة، وبأن نيته مخالفة لنية إمامه. وأجيب عن الأوّل بأنّه لما كان قاضيا حقيقة في الثانية صح اقتداؤه به فيها، وعن الثاني بأن نية القضاء تنوب عن نية الأداء كالعكس على ما قال ابن قداح، فظاهره فعل ذلك عمدا متلاعبا أو سهوا، وبأنه قد عهدت مخالفة المأموم لنية إمامه مع صحة صلاته، وذلك فيمن أدرك الإمام في تشهد الجمعة، فإنَّه يدخل معه ولكن ينوي الظهر، ثمَّ يأتي به فنيته مخالفة لنية إمامه، وكذلك فعله. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال حلولو: ينبني على أن الكل أداء عدم صحة الاقتداء، وعلى أن الكل قضاء صحته، ويتردد على القول بالتبعيض. انتهى. والأقوال ثلاثة: الأوّل أن الكل أداء،

стр. 700

والثاني أن الكل قضاء، والثالث أن ما في الوقت أداء وما بعده قضاء، ثمَّ إنه على كلام ابن قداح يجوز له الدخول. ولو شك هل هو في الركعة الأولى أو الثانية، وعلى كلام حلولو: لا يجوز له الدخول في حالة الشك. وكذا إذا تحقق أنها الثانية. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال: وانظر لو تبيّن بطلان الركعة التي وقعت في الوقت ورجعت الثانية أولى، هل يقال: ما فعل خارج الوقت قضاء قطعا فيصح الاقتداء به فيها أم لا؟ انتهى. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: هذا التنظير إنما يصح على كلام حلولو لا على ما لابن قداح، فلا وجه له؛ لأنه يجوز الاقتداء على القول بأن الكل أداء فأحرى أن يجوزه في هذه الصورة. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ويترتب أيضا على أن الكل أدأء أن المرأة إذا حاضت في الركعة الثانية مثلا سقطت عنها تلك الصلاة؛ لأنها حاضت في وقتها، وكذا من أغمي عليه فيها. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا قول أصبغ، وشهره اللخمي كما في المواق. وقال ابن سحنون عن أبيه إنها تقضيها، واستظهره ابن قداح والحطاب. وقال الباجي واللخمي إنه أقيس. وإذا أدرك المسافر ركعة من صلاة المقيم لزمه الإتمام، وإذا أدرك دون ذلك لم يلزمه، وكان عليه أن يقصر الصلاة. قاله في سماع أصبغ. نقله الحطاب. والظهران يعني أن الظهرين يدركان بفضل ركعة فأكثر عن الأولى منهما؛ أي أن المعذور من حائض ومغمى عليه ونحوهما؛ إذا زال عذره قبل غروب الشمس، وقد بقي له من النهار ما يدرك فيه الصلاة الأولى من الظهرين وركعة بسجدتيها من الثانية، فإنَّه يجب عليه أن يصليهما معا. والعشاءان يعني أن المعذور إذا زال عذره قبل طلوع الفجر، والحال أنه قد بقي من الليل ما يصلي فيه الصلاة الأولى وهي المغرب، ويدرك بعدها ركعة من العشاء، فإنَّه يجب عليه أن يصلي المغرب والعشاء معًا، وهذا الذي عليه المص من أن الظهرين والعشاءين يدركان بفضل ركعة عن الأولى، هو قول مالك وابن القاسم وأصبغ؛ لأنه لما وجب تقديمها على الأخيرة فعلا، وجب التقدير بها. وبما قررت علم أن قوله: بفضل متعلق بتدرك؛ وهو مضاف إلى قوله: ركعة ويتعلق بفضل قوله: عن الأولى أي وتدرك الظهران والعشاءان بفضل ركعة عن الأولى. وقوله: "بفضل ركعة عن الأولى" راجع للمسألتين. كما علم من التقرير. والله سبحانه أعلم.

стр. 701

لا الأخيرة يعني أن الظهرين لا يدركان بفضل ركعة عن الأخيرة؛ أي لا يدركهما المعذور الذي زال عذره بذلك، وإنما يدركهما بفضل ركعة عن الأولى -كما مر-، وكذا العشاءان لا يدركان بفضل ركعة عن الأخيرة، وإنما يدركان بفضل ركعة عن الأولى. -كما مر- أيضًا. وقال ابن عبد الحكم، وابن الماجشون، وابن مسلمة، وسحنون: تدرك الصلاتان في المسألتين بفضل ركعة عن الأخيرة فقط؛ لأنه إذا ضاق الوقت فالذي يجب عليه الأخيرة اتفاقا، فيجب التقدير بها. قالوا: ولم تظهر فائدة الخلاف في النهاريتين لاتحاد ركعاتهما حضرا وسفرا. وأجيب بأنّه تظهر فيما إذا كانت الأولى جمعة. والله سبحانه أعلم. فلو تطهرت وهي مقيمة لأربع قبل الفجر، فعلى الأوّل تصليهما معا، وعلى الثاني تصلي العشاء فقط، ولثلاث يتفق القولان على سقوط المغرب، ولخمس فأكثر يتفقان على وجوبهما. كحاضر سافر وقادم تشبيه لبيان ما يدرك به القصر والإتمام. كما شرحه به المواق، واختاره ابن عاشر والشيخ ميارة ونصه: ومعنى كلام المص أنَّه كما تدرك الصلاتان معا بفضل ركعة عن إحداهما، وإلا أدركت الثانية فقط، كذلك يدرك حكم السفر والحضر بفضل ركعة عن إحداهما، وإلا أدركت الثانية فيقصرها من سافر، ويتمها من قدم من سفره. انتهى. ابن الحاجب: ولو سافر لثلاث قبل الغروب فسفريتان، ولما دونها فالعصر سفرية، ولو قدم لخمس فحضريتان، ولما دونها فالعصر حضرية. انتهى. وهذا ظاهر قول المص: "سافر". وما في الأجهوري ومن تبعه تكلف. قاله الشيخ محمَّد بن الحسن. وأثم يعني أن من أوقع الصلاة أو شيئًا منها في الضروري يأثم، وإن كان مؤديا، بناء على أن المختار إلا يدرك إلا بإيقاع جميع الصلاة فيه. كما قاله ابن راشد. وابن عبد السلام. وقال ابن هارون: يدرك بركعة، واختاره المص، وذكر صاحب التهذيب أنَّه يدرك بالإحرام، فتلك أقوال ثلاثة. ونقل اللخمي الإجماع على تأثيم المؤخر للضروري. وفي ابن عرفة: وغير ذي العذر يؤخر إليه، قال ابن محرز: ابن القاسم يكره، وأثَّمَه مؤديا، وبه فسر أشهب وابن وهب والداوودي

стр. 702

حديث: (من تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهله وماله (١))، وفسره سحنون والأصيلي والباجي بالتأخير عنه، ونقل المازري عن ابن القصار: لا يلحقه وعيد لكنه مسيء. ونقل أبو عمر عدم تأثيمه عن إسحاق والأوزاعي وغيرهما، وفي شرط جواز التأخير بالعزم على الأداء قولا القاضي مع الباقلاني، والباجي مع غيره. زروق: ورجح ابن العربي عدم الاشتراط. قاله ابن عرفة. وفي الحطاب: اتفق أصحاب مالك على أنَّه لا يجوز تأخير الصلاة عن الوقت المختار إلى ما بعده من وقت الضرورة؛ وهو القامة في الظهر والقامتان أو الاصفرار في العصر، ومغيب الشفق في المغرب على مذهب من رأى أن لها وقتين، وانقضاء نصف الليل في العشاء الأخيرة، والإسفار في الصبح على مذهب من رأى أن لها وقتَ ضرورة فمن فعل ذلك فهو مضيع لصلاته مفرط فيما أمره الله به من حفظها ورعايتها آثم لتضييعه وتفريطه وإن كان مؤديا لها غير قاض، وأما تركها حتى يخرج وقتها فهو من الكبائر. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية. وإضاعتها على ما قال أكثر أهل العلم بالتأويل تأخيرها عن مواقيتها، والغَيُّ بير في قعر جهنم يسيل فيه صديد أهل النار. وقيل: الخسران. وقيل: الشر. انتهى. فائدة: في الموطإ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله (٢)). انتهى. روي بنصب اللامين ورفعهما، والنصب هو الصحيح المشهور على أنَّه مفعول ثان نحو: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، والرفع على ما لم يسم فاعله. ومعنى وُتِرَ نقص، قال الخطابي وغيره: نقص أهله وماله وسلبهم وبقي وترا بلا أهل ولا مال، واختلف في معنى الفوات في هذا الحديث، فقال ابن وهب: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقيل: بغروب الشمس. وفي موطإ ابن وهب: قال مالك: تفسيره ذهاب الوقت؛ وهو محتمل للمختار وغيره، وقال الأوزاعي: فواتها أن تدخل الشمس صفرة، وقال المهلب ومن تبعه: إنما أراد فواتها في الجماعة، وقيل: إن هذا فيمن فاته صلاة العصر ناسيا، والعامد أحرى لحصول الإثم مع فوات الثواب. وقال الداوودي: إنما هو في العامد. وقوله: صلاة العصر، يحتمل أن الحديث خرج جوابا لسائل عمن

стр. 703

تفوته صلاة العصر، ولو سئل عن غيرها لأجاب بمثل ذلك، ويحتمل أن الله تعالى يخص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة، نقله سيدي محمَّد الزرقاني. إلا لعذر يعني أن إثم من أوقع الصلاة أو بعضها في الضروري على ما مر مقيد بأن لا يكون معذورا، وأما إن كان معذورا فلا إثم عليه، واللام في قوله: "لعذر" تعليلية، وفي الحطاب أن العذر إنما يسقط الإثم خاصة لا أن فعل العبادة في وقتها وفعلها بعده سواء في الثواب، ولا إشكال أن من نام واسترسل عليه النوم أو غلبه السهو حتى مضى وقت الصلاة بالكلية أنَّه يقضي، ولا يكون أجره كأجر من صلاها في وقتها، وهذا لا نزاع فيه. انتهى. وفيه أن الحيض عقوبة على النساء في منعهن بسببه من الصلاة بالكلية، ومن الصيام في وقته. والله تعالى أعلم. انتهى. وبين المص العذر بقوله: بكفر "الباء" للسببية، يعني أن من كان كافرا وأسلم في الضروري، فإنَّه يجب عليه أن يأتي بالصلاة ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري؛ لأنه معذور بسبب الكفر الذي كان متلبسا به نسأل الله السلامة. واعلم أن المانع له في الحقيقة من الإثم إنما هو الإِسلام؛ لأنَّ الإِسلام يجب ما قبله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. وإن بردة يعني أنَّه لا فرق في العذر بالكفر المذكور بين أن يكون الكفر أصليا، وبين أن يكون طارئا. - نعوذ بالله من ذلك - وجعل الكفر عذرا وإن كان أعظم من السكر ترغيبا له في الإِسلام الذي يجب ما قبله، فإذا ارتد وراجع الإِسلام في الضروري فإنَّه يأتي بالصلاة حيث كان يدرك من الوقت ركعة فأكثر، ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري. وصِبى بالكسر والقصر، وإذا فتح مد وهو معطوف على قوله: "بكفر"؛ يعني أن الصبي إذا بلغ في الضروري فإنَّه يأتي بالصلاة حيث كان يدرك من الوقت ركعة فأكثر، ويأتي بالمشتركتين حيث كان يدرك ركعة بعد إتيانه بإحداهما على نحو ما مر في قوله: "وتدرك فيه الصبح بركعة لا أقل والكل أداء والظهران والعشاءان بفضل ركعة عن الأولى لا الأخيرة" ولا إثم على الصبي لكونه صلى في الضروري؛ لأنه معذور بالصِّبَى. واعلم أن الصبي يجب عليه من الصلوات بالبلوغ ما أدرك وقته منها، فإذا بلغ لزمه بقدر ما بقي من الوقت ولو صلى قبل ذلك على المشهور، ولو نوى حين صلاها صبيا الفرض، خلافا للشيخ

стр. 704

عبد الكافي، فإن بلغ في أثنائها بكإنبات كملها نافلة ثمَّ صلاها فرضا إن اتسع الوقت، وإلا قطع وابتدأها. وظاهر ما في أحمد عن القرافي: القطع وإن اتسع الوقت، ولا يعيد الوضوء حيث لم ينتقض قطعا؛ لأنَّ البلوغ بكإنبات ليس من نواقض الوضوء؛ وهو ظاهر كصحة صلاة فرض من مكلف بوضوء نفل، قاله الشيخ عبد الباقي. ابن القاسم: من احتلم بعد العصر صلى الظهر والعصر وإن كان قد صلاهما. ابن رشد؛ لأنهما قبل بلوغه نفل. ابن عرفة: نَقْلُ ابنِ بشير عدم إعادتهما على المذهب لا أعرفه. انتهى. قال الحطاب: نقله ابن شاس عن السليمانية فلينظر. والله أعلم. انتهى. وإغماء عطف على قوله: "بكفر"؛ يعني أن المغمى عليه يجب عليه أن يصلي ما أفاق في وقته، فإذا أفاق في الضروري ولم يكن صلى فإنَّه يصلي ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري لعذره بالإغماء - نسأل الله العافية - ويجري فيه ما تقدم من قوله: "وتدرك فيه الصبح بركعة لا أقل والكل أداء والظهران والعشاءان بفضل ركعة عن الأولى لا الأخيرة"، ويجري ذلك كله أيضًا في قوله: وجنون يعني أن المجنون إذا أفاق في الضروري ولم يكن صلى فإنه يصلي، ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري لعذره بالجنون. نسأل الله السلامة. ونوم يعني أن النائم إذا استيقظ من نومه في الضروري فإنَّه يصلي، ولا إثم يلحقه من صلاته في الضروري لعذره بالنوم، وتحقيق ذلك أنَّه لا إثم على النائم قبل الوقت ولو خشي الاستغراق للوقت؛ لأنها لم تجب. وفي الحديث: (إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد (١))، وحمله مالك وجماعة على صلاة الليل لغلبة ذلك فيه، فإن جرى ذلك في صلاة الفرض وفي الوقت سعة لما يذهب نعاسه أو معه من يوقظه فليرقد، فإن ضاق وعلم فواته إن رقد صلى ما أمكنه واجتهد في تصحيح صلاته، ثمَّ إن تيقن أنَّه أدى فرضه برئ، وإلا قضاها. والظاهر أن حكم من اتسع وقته أو كان معه من يوقظه وصلى ناعسا، كذلك قاله غير واحد. ويطلب إيقاظ النائم للصلاة بمسجد أو غيره: (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي وعائشة راقدة فإذا أراد أن يوتر أيقظها

стр. 705

لتوتر (١))، قال في المواهب: فيه استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة ولا يختص بالمفروضة ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع ذلك لإدراك الجماعة وإدراك الوقت وغير ذلك من المندوبات. القرطبي: ولا يبعد أن يقال واجب في الواجب، ومندوب في المندوب؛ لأنه وإن لم يكن مكلفا مانعه سريع الزوال فهو كتنبيه الغافل واجب؛ أي فيما يجب عليه لو لم يكن غير غافل. ولم يجزم بالوجوب في النائم مع ضيق الوقت لرفع القلم عن النائم، فلو علم مريد الإيقاظ بنوم النائم بعد دخول الوقت وخشي استغراقه، وجب إيقاظه عند الشافعية. قال الشيخ علي الأجهوري: ينبغي الرجوع لمذهبهم في ذلك، ففي الرملي عن المنهاج: يسن إيقاظ النائمين للصلاة لا سيما عند ضيق الوقت، فإن عصى بنومه وجب على من علم بنومه إيقاظه، وكذا يستحب إيقاظه إذا رآه نائما أمام المصلين، أو في الصف الأوّل، أو محراب المسجد، أو على سطحه؛ أي خوف الوقوع، أو بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس؛ لأنَّ الأرض تعج إلى الله من نومه، أو بعد صلاة العصر، أو خاليا في بيت وحده؛ فإنَّه مكروه، أو نامت امرأة مستلقية وجهها إلى السماء، أو نام رجل مضطجع على وجهه؛ فإنها ضجعة يبغضها الله تعالى. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب: وقد اختلف قول مالك فيمن يحيى الليل كله فكرهه مرة، وقال لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول الله أسوة حسنة، كان يصلي أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه. وإذا أصابه النوم فليرقد، ثمَّ رجع فقال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة، قال مالك: إن كان يأتيه الصبح وهو ناعس فلا يفعل، وإن كان إنما يدركه فتور وكسل فلا بأس به. انتهى. ابن رشد: أما قيام جل الليل إذا لم يوجب ذلك على الشخص أن يغلبه النوم في صلاة الصبح فذلك من المستحب المندوب إليه. واختلف قول مالك في قيام جميعه، وأما إن كان لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب عليه فذلك مكروه، قام الليل كله أو جله قولًا واحدا، لقول رسول الله ﷺ : (إذا نعس أحدكم (٢)) الحديث، فيحصل بين أمرين: إما أن يصلي على هذه الحال التي قد نهي عنها، أو يرقد فتفوته صلاة الصبح في الجماعة. وقد قال عثمان؛ لأنَّ أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب
следующие страницы →