قال البناني: هذا هو الذي في كتاب ابن المواز عن مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وروى ابن القاسم عن مالك أنه رجع فكرهه، قال المواق: ومقتضاه أن مالكا صدقه لخ.
وقول عبد الباقي: وله التبرع، قال عبد الباقي: بشيء من الربح والعمل لخ، قال الرهوني: يظهر منه أنه إذا تبرع أحدهما بأن عمل أكثر مما يجب أنه لا أجر له إذا قام يطلبه بعد، وهذا هو ظاهر المدونة، ونقله المواق هنا ومثله لابن يونس عنها، ثم قال الرهوني بعد جلب أنقال: فتحصل أنه إن صرح بأنه متبرع بالعمل فلا رجوع له بلا خلاف، وإلا ففي حمله على ذلك فلا أجرة له أيضا وهو ظاهر المدونة في موضع وصريحها في موضع آخر، وقول مالك وابن القاسم وابن المواز وسلمه ابن يونس وغيره وبه أفتى ابن الفخار، وسلمه صاحب العيار، أو له أجرة مثله وهو قول سحنون، أو له الأقل من أجرة المثل ومما ينوبه من الربح وهو للخمي من عند نفسه، أقوال أرجحها الأول. واللَّه أعلم. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: "بعد العقد": ظاهر كلام ابن عرفة وابن غازي أنه لا يجوز بعد العقد، وقد صرح بجواز ذلك بعد العقد في كتاب الشركة من المدونة. انتهى المراد منه.
والقول لمدعي التلف والخسر يعني أنه إذا ادعى أحد الشريكين فيما بيده من مال الشركة أنه وقع فيه التلف أو الخسر، فإن القول يكون لمدعي التلف وهو ما نشأ لا عن تحريك أو لمدعي الخسر وهو ما نشأ عن تحريك، قال عبد الباقي: وإن ادعى أحد الشريكين فيما بيده من بعض مال الشركة تلفه أو خسره كان القول لمدعي التلف وهو ما نشأ لا عن تحريك، والخسر وهو ما نشأ عن تحريك لأنه أمين في مال الشركة، وفي التوضيح عن الجواهر: تقييده بما إذا لم يظهر كذبه، فإن اتهم استحلفه. قاله التتائي في صغيره. أي فإن ظهر كذبه ضمن، وقال المص في الوديعة: وحلف المتهم وكذا القراض، وفرق بين العبارتين لأن المتهم معناه المتصف بهذا الوصف وإن لم يتهمه شريكه، وإن حمل قول الجواهر اتهم على أن معناه كان متهما عند الناس لا اتهمه شريكه فقط ساوت العبارة الأخرى، ومثال اتهامه لقرينة دعواه التلف وهو في رفقة لا يخفى عليهم ذلك ولم يعلم به أحد منهم، وكدعواه الخسارة في سلعة لم يعلم ذلك في نحوها لشهرة سعرها ونحو ذلك فيضمن. انتهى. قوله: ومثال اتهامه لخ، قال البناني: هذا هو ظهور الكذب، ولذا قال: فيضمن: وعبر عنه بالاتهام لقرينة عدم القطع في ذلك، وهكذا عبر عنه ابن عرفة بالتهمة القوية وغير القوية توجب
стр. 6372
الحلف. انتهى. وقال الشارح عند قول المص: "والقول لمدعي التلف والخسر" ما نصه: وفي الجواهر القول قوله ما لم يظهر كذبه، فإن اتهم استحلف، وإن قال ابتعت سلعة وهلكت صدق. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن ادعى أحد الشريكين أنه ابتاع سلعة وضاعت منه صدق لأنه أمين. ابن عرفة: ما لم تقم عليه تهمة كدعواه التلف وهو في رفقة لا يخفى ذلك فيها. انتهى.
ولأخذ لائق به يعني أن أحد الشريكين إذا اشترى بشيء من مال الشركة ما يليق به من كسوة وطعام، وادعى أنه أخذ ذلك لنفسه وأراد شريكه أن يدخل معه فيه فإن ذلك يكون للمشتري خاصة، ولا يدخل معه فيه الشريك وحسبه أن يأخذ من المال مثل ما أخذ صاحبه، قوله: "ولأخذ" عطف على "لمدعي" بحذف مضاف أي والقول لمدعي أخذ لائق به. قاله الخرشي. وقال مفسرا للمص وكذا يقبل قول أحد الشريكين إذا اشترى شيئا يناسبه من المأكل والشرب والملبس، أي بلا يمين أنه اشتراه لنفسه، وأما إذا اشترى عروضا أو عقارا أو حيوانات وقال اشتريته لنفسي فإنه لا يكون له خاصة بل لصاحبه الدخول معه فيه. انتهى بزيادة وتبديل.
وقال عبد الباقي مفسرا للمص: أي القول بلا يمين لمدعي شراء لائق به وبعماله من طعام ولباس فقط، ولم يصدقه شريكه على ذلك لا شراء عروض أو عقار أو حيوان غير عاقل أو عاقل ولو لإبقائه لاستغنائه عنه بأجير فلا يصدق أنه اشتراه لنفسه فلشريكه المدخول معه في شراء ما ذكر من غير الطعام واللباس اللائق. انتهى. وقال المواق: قال أبو عمر: ما اشتراه أحدهما من طعام لمنزله وكسوة فهو له خاصة، وإن طلب صاحبه نصفه له لم يحكم له به، وحسبه أن يأخذ من المال مثل ما أخذه صاحبه. انتهى.
وقال الشارح مفسرا للمص: أي وكذلك يكون القول لمن ادعى أنه أخذ شيئا لنفسه أي اشتراه لنفسه لا للشركة، سواء كان مأكولا أو ملبوسا إذا كان ذلك مما يشبه أن يكون أكله أو لباسه وهو مراده يقوله: لائق به وهذا إنما هو في الأكل والكسوة، وأما إذا اشترى شيئا من الرقيق أو العروض فإن للشريك الدخول معه في ذلك. قاله ابن القاسم. ابن شأس: وإن قال هذا المال من الشركة وخلص لي بالقسمة فالقول لشريكه لأن الأصل عدم القسمة. انتهى.
стр. 6373
ولمدعي النصف يعني أنه إذا مات أحد الشريكين فأرادت الورثة المفاصلة من شريكه، وقالوا لموروثنا الثلثان وقال الشريك بل المال بيني وبين موروثكم على التنصيف فالقول في ذلك قول مدعي النصف، وحملت كلام المص على هذا كما فعل الخرشي ليلا يتكرر مع قوله: وحمل عليه في تنازعهما يعني أنه إذا ادعى أحد الشريكين أن المال بينهما على التنصيف، وادعى الآخر أنه على التفاوت كالثلثين مثلا وكانا حيين فإن القول قول مدعي النصف، ويحملان عليه عند التنازع، قال الخرشي: وعلى حمل الأول على ما إذا مات أحدهما والثاني على ما إذا كانا حيين ينتفي التكرار. انتهى.
وهذا التقدير هو المتبادر من قوله: "تنازعهما" قوله: "ولمدعي النصف وحمل عليه في تنازعهما" ظاهر المص أنه لا يمين على واحد منهما، والذي لأشهب أن المال يقسم بينهما نصفين بعد أيمانهما، والذي لابن القاسم أن لمدعي الثلثين النصف ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين فالمص لم يستكمل قول أشهب لإسقاط اليمين، ولا مشى على قول ابن القاسم انظر المواق، واعلم أن هنا ثلاثة أقوال: الذي مشى عليه المص هنا وهو لأشهب إلا أن أشهب يقول باليمين ولم يذكرها المص، والثاني: قول ابن القاسم: من سُلِّم له شيء أخذه ويقسم التنازع فيه بينهما نصفين وهو الذي مر عليه المص في الصداق حيث قال: "لا إن طلق إحدى زوجتيه وجهلت ودخل بإحداهما ولم تنقض العدة فللمدخول بها الصداق وثلاثة أرباع الميراث ولغيرها ربعه وثلاثة أرباع الصداق"، والثالث: قول غير ابن القاسم وأشهب: يقسم على الدعوى إن لم يكن بيد أحدهما كالعول وقد مشى عليه في الشهادات، ويتضح الفرق بينها بما إذا ادعى أحدهم النصف والآخر الثلثين، فعلى قول غير ابن القاسم وأشهب يضرب مخرج النصف في مخرج الثلثين، وتأخذ من الحاصل نصفه وثلثه فيكون لمدعي النصف ثلاثة أسباع ولمدعي الثلثين أربعة أسباع. قاله عبد الباقي.
يعني أنك تضرب الاثنين مخرج النصف في ثلاثة مخرج الثلثين بستة، فتأخذ نصف الستة وهو ثلاثة وتضمها إلى أربعة هي ثلثا ستة، فالمجموع سبعة: ثلاثة منها لصاحب النصف وأربعة منها لصاحب الثلثين، وعلى قول ابن القاسم: لمدعي النصف الثلث اثنان ونصف سدس وهو نصف
стр. 6374
واحد في هذا المثال، ولمدعي الثلثين النصف وهو ثلاثة ونصف سدس وهو واحد، وعلى قول أشهب يقسم المال بينهما نصفين.
وللاشتراك فيما بيد أحدهما يعني أن الشركة إذا انعقدت بين الشريكين على المفاوضة، ثم ادعى أحدهما على الآخر في مال بيده أنه من مال المفاوضة وادعى الذي بيده أنه من ماله الخاص به، فإن القول لمن قال إنه من مال الشركة دون من يدعيه لنفسه، إلا لبينة بكإرثة يعني أن محل كون القول لمدعي الاشتراك إنما هو حيث لم تشهد البينة على أنه من مال الذي هو بيده الخاص به، وأما إن شهدت أنه من ماله الخاص به ككونه ورثه أو وهب له أو تصدق به عليه أو نحو ذلك فإنه يختص به، ولا يكون من مال المفاوضة قوله "وللاشتراك" أي والقول لمدعي الاشتراك.
وإن قالت لا نعلم تقدمه لها الضمير في تقدمه للإرث والضمير في لها لشركة المفاوضة.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهو مبالغة فيما بعد الاستثناء يعني أنه إذا شهدت البينة على أنه ورثه أو نحو ذلك فإنه يختص به المشهود له، ولا يكون من مال الشركة حيث قالت البينة نعلم تأخره أي الإرث عن الشركة، بل وإن قالت لا نعلم تقدمه أي الإرث لها أي للشركة ولا تأخره عنها، وهاتان صورتان في المنطوق، واحترز بذلك عما إذا قالت البينة نعلم تقدم الإرث عن المفاوضة فإنه لا يختص به، بل يكون من مال الشركة فالصور ثلاث: اثنتان في المنطوق كما عرفت والثالثة في المفهوم، وعلم مما قررت أن هنا حذف عاطف ومعطوف أي وإن قالت لا نعلم تقدمه لها ولا تأخره عنها، وأن ما قبل المبالغة هو حيث قالت نعلم تأخره، وجعل عبد الباقي وغيره الواو في قوله: "وإن قالت لا نعلم" للحال.
إن شهد بالمفاوضة هذا شرط فيما قبل: "إلا" يعني أن محل كون القول لمدعي الاشتراك فيما بيد أحدهما إنما هو حيث شهدت البينة بالمفاوضة أي بأنهما يتصرفان تصرف المتفاوضين، وأولى إن شهدت بصدور الشركة بينهما على وجه المفاوضة، قال عبد الباقي: وحمل على الأول لأنه الذي يأتي فيه قوله: ولو لم يشهد بالإقرار بها يعني أنه إذا شهدت البينة بأنهما يتصرفان تصرف المتفاوضين يكون القول لمدعي الاشتراك فيما بيد صاحبه، سواء شهد مع ذلك أنهما أقرا بالمفاوضة أو لم يشهد بذلك وهذا هو الأصح، كما قال: على الأصح وإليه ذهب ابن سهل وقيل لا يكتفى
стр. 6375
بالشهادة بالمفاوضة حتى يقول الشهود: أقرا عندنا بالمفاوضة أو أشهدانا بها، وإليه ذهب ابن القطان. ابن دحون وابن الشقاق: وهذا القول هو مقابل الأصح، وعليه رد المص بلو المقرونة بواو النكاية أي الإغاظة بالمخالفة لصاحب هذا القول.
تنبيه: مر قول عبد الباقي: إن شهد بالمفاوضة أي بتصرفهما تصرف المتفاوضين، وأولى إن شهد بوقوع الشركة بينهما على وجه المفاوضة وحمل على الأول لأنه الذي يأتي فيه قوله: "ولو لم يشهد بالإقرار بها على الأصح"؛ لأن التي يشهد فيها بوقوعها مفاوضة إقرار قطعا فلا تتأتَّى فيه المبالغة. انتهى. قال الرهوني: قوله لأن التي شهد فيها بوقوعها مفاوضة لخ غير صحيح قطعا فتأمله. انتهى. والظاهر أنه لا تعقب على عبد الباقي لأنه إن لم يكن إقرارا فهو كالأمر. قاله مقيده عفا اللَّه عنه.
وقوله: "إن شهد بالمفاوضة" اعلم أن المسائل ثلاث كما قال الرهوني، فإنه قال بعد جلب النقول: فتحصل أن المسائل ثلاث، الأولى أن يشهدا بالمفاوضة فيعم ذلك ما بأيديهما وإن لم يأتيا بما فيه عموم إلا ما قامت بينة بموجب الاختصاص به، الثانية أن يشهدا بأنهما شريكان مع ذكر ما فيه عموم، مثل أن يشهدا بأنهما شريكان فيما بأيديهما وهي كالأولى على ما جزم به أبو اسحاق وقبله ابن يونس ونسبه لسحنون ونقله اللخمي عن كتاب ابن سحنون، وليست محلا لخلاف اللخمي خلافا لابن ناجي، الثالثة أن يشهدا بأنهما شريكان ويطلقان، وجزم اللخمي بأنها لا تعم ولم أر نصا صريحا يخالفه إلا ظاهر ما نقله ابن هارون عن بعض الموثقين وسحنون، وما عزاه ابن عرفة للصقلي والتونسي والظاهر خلافه لما رأيته من كلام ابن يونس واللَّه الموفق انتهى.
فرع: لو قال الشريك المفوض أو غير المفوض جعلت في هذا المال الذي أعمل فيه أنا وأنت مالا من عندي، وأبى شريكه أن يصدقه فإنه لا شيء له من ذلك، والصحيح أن الشريك المنكر يحلف على العلم لا على البت انظر الرهوني.
ولمقيم بينة بأخذ مائة أنها باقية يعني أنه إذا مات أحد الشريكين فأقام الحي منهما بينة بأن مائة من الشركة كانت عند الميت فلم توجد ولا علم مسقطها، فإن القول لمقيم البينة بأن المائة باقية عند الميت فتؤخذ من تركته، وهذا إن أشهد الآخذ الميت بها أي بالمائة عند الأخذ لها على نفسه، أو
стр. 6376
أشهد بها شريكه بينة مقصودة للتوثق، وإذا حصل هذا الإشهاد المذكور فإن المائة تؤخذ من تركة الميت قصرت المدة من يوم أخذها إلى يوم موته أو طالت، أو أخذها بغير بينة التوثق لكن قصرت المدة من يوم أخذها إلى يوم موته بأن كانت أقل من عام فلا يسقط الضمان فيهما، فتؤخذ من تركته فإن طالت كعام حمل على أنه ردها، وأما إن كان حيا مقرا فيقبل دعواه الرد ولو قصرت المدة، وهذا الذي قررت به المص من أن كلامه في الميت قرره به غير واحد وكذا في المدونة، وقال البناني: رأيت في كلام ابن الحاجب ذكر التفصيل في الحي المقر أيضا، فإنه بعد ذكره مسألة الميت قال ما نصه: ولو أقر الشريك أن بيده من المال مائة ففرق ابن القاسم بين طول المدة وقصرها، ولو أشهد أنه أخذها لم يبرأ إلا بإشهاد أنه ردها. انتهى.
وعلى هذا فينبغي أن يحمل كلام المص على ما يشعل الميت والحي والمقر. انتهى. وقال عبد الباقي: والقول لمقيم بينة على شريكه الميت كما في المدونة بأخذ مائة مثلا؛ أي بأن الميت أخذها قبل موته أنها باقية معمول لقول القدر بالعطف والمدلول عليه أيضا بلام مقيم، ويصح كسر إن على أنها مقول القول وفتحها على تقدير في قبل أنها، وأما الحي المنكر للأخذ إذا أقيمت عليه بينة به فلا تقبل دعواه الرد لمال الشركة ولو طالت المدة لتكذيبه نفسه بإنكاره الأخذ، بل ولا بينته إن أشهد الآخذ لها على نفسه بالأخذ أو أشهد بها شريكه الدافع، ويعتبر فيها قصد التوثق في الدفع أو قبضها بغير بينة لكن قصرت المدة كدون عام فلا يقبل دعوى الرد فيهما، فإن طالت كعام حمل على أنه ردها. انتهى.
واعلم أن لدعوى أحد المتفاوضين أن شريكه أخذ مائة مثلا من مال المفاوضة ثلاث حالات إحداها: أن يكون المدعى عليه ميتا وهذه قوله: "ولمقيم"، الثانية: أن يكون حيا وينكر وفي هذه لا يقبل دعواه الرد ولو طالت المدة ولا بينة، الثالثة: أن يكون حيا ويقر بالأخذ فتقبل دعواه الرد وإن قصرت المدة لأنه ادعى رد ما لم يضمن حيث قبض بغير إشهاد على الوجه المذكور سابقا وكان يصل للمال وإلا لم يقبل قوله: "ولو طالت كعشر سنين" على ما يفهم من الحطاب، فليس كالوديعة لاشتغال ذمته بخلاف الوديعة. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن أحد الشريكين إذا أخذ من مال الشركة مائة وكان صاحبه أشهد بها عند أخذها بينة مقصودة للتوثق ولم توجد عنده بعد
стр. 6377
موته وادعى أنها باقية عند شريكه الميت وقالت ورثة الأخذ ردها، فالأصل بقاؤها عند من أخذها، والقول لمن أقام البينة سواء طالت المدة أو قصرت وكذلك الأصل بقاؤها عند من أخذها إن لم يشهد بها عند الأخذ لكن قصرت المدة من يوم أخذها إلى يوم موته بأن نقصت عن سنة، قال بعض: ومضي السنة إنما يبرئه إذا كان يتصرف في المال وإن علم أنه لم يصل إلى المال لم يبرأ ولو طال الزمان، ولا فرق بين بعض المال أو كله. انتهى.
ولما كان قوله: "ولمقيم بينة" شاملا لأن يكون أشهد بها عند الأخذ أو لا احتاج إلى قوله إن أشهد بها عند الأخذ رباعيا ليفيد كون البينة مقصودة للتوثق وهي التي أشهدها خوف دعوى الرد والعدول المنتصبون للشهادة كشهود القاضي محمولون على التوثق حتى يثبت خلافه. واللَّه تعالى أعلم.
كدفع صداق عنه في أنه من المفاوضة يعني أن أحد الشريكين إذا دفع صداقا عن صاحبه وادعى الزوج أنه من ماله الخاص به وادعى الدافع أنه من المفاوضة، فإنه يصدق الشريك في أنه من المفاوضة، فعلى الزوج غرم نصفه إذا كانت الشركة مناصفة.
والحاصل من هذا التقرير أنه إن كان الشريك الدافع هو المدعي أنه من مال المفاوضة والزوج يدعي أنه من ماله الخاص به، فإن القول قول الدافع أو وارثه إلا في موضعين، فيكون القول قول الزوج فيهما أنه من ماله الخاص به أحدهما: ما إذا طال ما بين الدفع ومطالبة الشريك له كسنة فإن القول للزوج حينئذ؛ لأن عدم مطالبة شريكه له في هذه المدة يدل على صدقه كما قال المص: إلا أن يطول ما بين الدفع والمطالبة كسنة، ثانيهما: أن تقوم بينة على أنه من مال الزوج الخاص به كإرثه، وإن قالت لا نعلم لخ، قال عبد الباقي: وأما إن كان المدعي أنه من المفاوضة الزوج وادعى شريكه الدافع أنه من ماله الخاص به فإن الزوج يصدق أيضا كما عرفت، فإن ادعى أنه رده إلى المفاوضة صدق طالت المدة أو قصرت حيث لم يكن أشهد بينة بالأخذ مقصودة للتوثق، وإلا فلا يقبل دعواه الرد قصرت المدة أو طالت. انتهى.
وقصرت المص على أن الزوج يدعي أنه من ماله الخاص به والدافع يدعي أنه من المفاوضة، لقول البناني: الأسهل والأظهر في كلام المص أن يحمل على الوجه الأخير بأن يكون الدافع أو وارثه هو
стр. 6378
المدعي، لكون المدفوع من المفاوضة والزوج يدعي أنه من ماله الخاص به، فالقول للدافع أو وارثه إلا في موضعين يكون القول فيهما للزوج، أحدهما: قوله إلا أن يطول كسنة أي فيصدق الزوج في أنه من ماله؛ لأن عدم مطالبة شريكه له في هذه المدة يدل على صدقه، والثاني: قوله إلا لبينة على كإرثه أي شهدت البينة بأن ذلك المدفوع في الصداق كعبد ونحوه ورثه الزوج أو وهب له فيصدق في أنه ماله. انتهى كلام البناني. وإذا شهدت البينة بأنه من مال الدافع الخاص به بأن ورثه أو وهب له أو نحوه رجع بجميع ما دفع على الزوج طالت المدة أو قصرت.
وإن قالت لا نعلم يعني أنه يكون لمن شهدت له البينة به كان الزوج أو غيره حيث قالت البينة نعلم تأخر الإرث عن المفاوضة، بل وإن قالت لا نعلم تقدمه عنها ولا تأخره واحترز بذلك عما إذا قالت نعلم تقدم كالإرث عن المفاوضة فإنه يكون من مال المفاوضة، وفي المواق: سأل شجرة سحنونا عن رجل دفع عن أخيه وهو مفاوضه صداق امرأته ولم يذكر من ماله ولا من مال أخيه ثم مات الدافع، فقال الورثة: هذا من مال ولينا، فأجابه إن كانا متفاوضين وأقاما سنين كثيرة في تفويضهما لا يطلب أخاه بشيء من ذلك فهذا ضعيف، وإن كان بحضرة ذلك فذلك بينهما شطرين ويحاسبه إلا أن يكون للباقي حجة. انتهى. نقله البناني.
وقال: فقول الورثة هذا من مال ولينا إن فهمناه على أنه من مال المفاوضة الذي له فيه نصيب يبقى أن الزوج يدعي أنه من ماله، وإن فهمناه على ظاهره بمعنى أنه من مال الدافع الخاص به احتجنا إلى تكلف تقدير مثل ما فعل في المص على ذلك الحمل وهو خلاف الظاهر، وقوله في النص: وإن كان بحضرة ذلك لخ يدل على أن تعدد السنين في قوله: "وأقاما سنين كثيرة" ليس بمعتبر، فلهذا قال المص: إلا أن يطول كسنة، وقول المص: "إلا لبينة" لخ هو مراد النص في قوله إلا أن يكون للباقي حجة. انظر ابن غازي. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الرهوني عند قوله: "إلا أن يطول كسنة": الظاهر أنه اعتمد في التحديد بالسنة على كلام المدونة في التي قبلها؛ لأنهما من نمط واحد وهذا أولى من قول ابن غازي: إنه اعتمد على مفهوم قول سحنون: وإن كان بحضرة ذلك فذلك بينهما، ورأى أن ما عارض هذا المفهوم من قوله في
стр. 6379
مقابله (١) سنين كثيرة غير مقصود. انتهى. لأن فيه ترجيح أحد المفهومين بلا مرجح، مع أن الجزم بأن السنة مفهوم بالحضرة ولفظها لا يدل عليه لا يخفى ما فيه، فلا يتم ما ذكره إلا بضميمة ما قلناه. فتأمله. انتهى.
ولما قدم أن لأحد الشريكين حال الاشتراك الإقرار بدين من لا يتهم عليه من غير احتياج ليمين المقر له، ذكر حكم إقراره بعد انفصال الشركة فقال: وإن أقر واحد بعد تفرق أو موت فهو شاهد في غير نصيبه يعني أنه إذا أقر واحد من الشريكين بدين عليهما بعد تفرق أي انفصالهما عن الشركة أو موت فهو -أي الشريك المقر- شاهد في غير نصيبه حيث كان لمن لا يتهم عليه كعمه وابن عمه وكأخيه وملاطفه إن كان المقر مبرزا في العدالة، فيحلف معه المقر له ويستحق، وأما في نصيبه فهو مقر فيؤاخذ بإقراره بعد تفرق أو موت ولو لمن يتهم عليه. قاله عبد الباقي. ثم قال: وقولي بدين شامل لما إذا كان برهن، ففي المدونة كما في المواق: إن مات أحد المتفاوضين وأقر الحي منهما أنهما رهنا متاعا من الشركة عند فلان، وقال ورثة الميت بل أودعته أنت إياه بعد موت ولينا فللمرتهن أن يحلف مع شاهده الحي ويستحق الجميع رهنا، وإن أبى فله حصة المقر رهنا؛ لأن مالكا قال في أحد الورثة يقر بدين على الميت، فإن صاحب الدين يحلف معه ويستحق جميع حقه من مال الميت فإن نكل أخذ من المقر ما ينوبه من الدين، ولا يأخذ من حصته دينه كله. انتهى.
وقوله: لأن مالكا لخ فرع حسن لا يعارض قول المص آخر العتق: "وإن شهد أحد الورثة أو أقر أن أباه أعتق عبدا لم يجز لأنه فيما لا يثبت بشاهد ويمين وما هنا مال" انتهى، قول عبد الباقي: وقولي بدين شامل لا إذا كان برهن، ففي المدونة لخ تعقب كلام المدونة هذا الذي استدل به الوانوغي، ونصه: قلت تقرير إشكال هنا أن يقال: قد قرر أهل المذهب أن وجود الرهن بيد المرتهن ومقارته مع الراهن لا يكون موجبا لاختصاص المرتهن به في فلس الراهن وموته، وجعل قول الراهن هنا كافيا يجب مثله في غير الشريك، وحينئذ يظهر عدم صحة الاستدلال لخلو مسألة الدليل من هذا المعنى. فتأمله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. انتهى منه بلفظه.
стр. 6380
ونقله ابن غازي في تكميله وقال عقبه ما نصه: [وكان] (١) أعجب بنقده على ابن القاسم ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾، قلت: بحث الوانوغي هذا ساقط؛ لأنه إن كان بحثه باعتبار حصة الحي المقر فلا معارضة بين ما هنا وما قرره أهل المذهب أن وجود الرهن بيد المرتهن ومقارته مع الراهن لا يكون موجبا لاختصاص المرتهن؛ إذ لا موت ولا فلس هنا ولا غرماء للمقر يريد المقر له الاختصاص عنهم، وإنما الكلام بين المقر والمقر له فيؤاخذ بإقراره ولا يزول الرهن من يد المقر له إلا بأداء الدين، وهذا هو الحكم في غير الشركة أيضا باتفاق أهل المذهب، وإن كان بحثه باعتبار حصة الميت فلا إقرار فلا بحث لأنه شاهد فقط، وثبوت الرهن بالشاهد واليمين في غير صورة الشركة هذه مسلم، فكلام ابن القاسم جلي لا إشكال فيه على كل حال. واللَّه أعلم. قاله الرهوني.
مسألة: قال في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الشركة ما نصه وسئل عن رجل كان شريكا لرجل فمرض أحدهما فأوصى أن فلانا عالم بمالي فما دفع إليكم من شيء فهو مصدق ولا يمين عليه في ذلك، فرفع أمره إلى السلطان وأتى بما قبله من المال فقسمه بينه وبين ورثة شريكه ثم قام يقتضي ويقسم، أقام بذلك عشر سنين وكتب له السلطان براءة من ذلك وبقيَ بينهما دين وبلغ الورثة، فقالوا: نريد أن نستحلفك فيما اقتضيت أفترى ذلك لهم؟ وهذا الأمر منذ عشر سنين كتب لهم السلطان براءة من ذلك، قال مالك: أرى أن ينظر السلطان في ذلك ويكشف أمره، فإن رأى أمرا صحيحا لم أر أن يستحلفه، وإن استنكر شيئا رأيت أن يحلفه، فقال له الرجل: يا أبا عبد اللَّه بعد عشر سنين؟ قال: نعم أرى ذلك إن رأى أمرا يستنكره، قال القاضي ﵁: هذه اليمين في أصلها يمين تهمة وقد اختلف في لحوقها وتوصية الميت بإسقاط اليمين عنه لا يلزم الورثة؛ لأن الحق قد صار إليهم في المال بموته، فإن اتهموه استحلفوه على القول بلحوق يمين التهمة، فلذلك قال: إن السلطان ينظر في ذلك فإن رأى أمرا صحيحا لا يوجب لهم عليه يمينا وإن رأى أمرا يستنكره أوجب لهم اليمين عليه. وباللَّه التوفيق. انتهى منه بلفظه. انتهى.
وألغيت نفقتهما وكسوتهما يعني أن الشريكين إذا كانت الشركة بينهما على المناصفة كما للبناني عن ابن عبد السلام، أو مطلقا كما لعبد الباقي فإنه تلغى نفقتهما وكسوتهما بمعنى أنه لا يحتسب
стр. 6381
بهما، بل يكون لكل منهما النصف ولا يرجع عليه صاحبه بالزائد لو كان قال البناني: ابن عبد السلام كل ما ذكر في هذا الفصل من إلغاء النفقة إنما هو إذا كانت الشركة على النصف، فإن كانت الشركة بينهما أثلاثا فتحسب نفقة كل واحد منهما. انتهى. وذكر اللخمي هذا الشرط في تساوي العيال، فقال: وإن اشتركا على الثلث والثلثين وتساويا في العيال لم ينفق صاحب الثلث إلا بقدر جزئه، ولا يجوز أن ينفق بقدر عياله ليحاسب في ذلك في المستقبل. ابن عرفة: هذا إن عقدا الشركة على ذلك ولو كان تطوعا بعد عقد الشركة كان كالسلف. انتهى. وقوله: "وألغيت نفقتهما وكسوتهما" حيث كانا ببلد واحد أو ببلدين متفقي السعر، بل وإن كانا ببلدين مختلفي السعر وهو ما تقوم عليه السوق، وقوله: "مختلفي السعر" ظاهره ولو كان اختلافهما بينا. المواق: من المدونة قال مالك: لا بأس أن يشتركا بمال كثير يتفاوضان فيه وهما في بلدين على أن يجهز كل واحد منهما على صاحبه ويلغيان نفقتهما، وإن اختلف سعر البلدين إذ كل واحد منهما إنما قعد للتجر مع قلة مؤنة كل واحد فاستسهل اختلاف السعرين وإن لم تتقارب نفقة كل وكسوته، خلافا لدعوى البساطي رجوع الشرط الآتي لما قبل الكاف أيضا.
كعيالهما يعني أنه كما تلغى نفقة كل من الشريكين وكسوته، تلغى أيضا نفقة عيالهما وكسوته لكن بشرط أشار إليه بقوله: إن تقاربا يعني أنه إنما تلغى نفقة العيال وكسوته إذا تقارب الشريكان في العيال سنا وعددا، بقول أهل المعرفة ببلد أو بلدين. المواق: وينبغي أن لو كان لكل واحد عيال واختلفت أسعار البلدين اختلافا بينا أن تحسب النفقة إذ نفقة العيال ليست من التجارة. انتهى. قاله ابن يونس. وفي كتاب محمد خلافه، وهو أنه تلغى نفقة العيال إذا تقاربا فيه، كانا ببلد أو بلدين، اختلفت الأسعار أو اتفقت، وإلا يتقاربا بل اختلفا عددا أو سنا اختلافا غير متقارب حسبا أي حسب نفقتهما وكسوتهما على عيال كل، ليلا يأخذ كل واحد من مال الشركة أكثر من حقه، ومحل قوله: "حسبا" ما لم تستو نفقتهما حين الاختلاف.
تنبيه: جعل عبد الباقي قوله: "وألغيت نفقتهما وكسوتهما" فيما إذا اختلفت الأنصباء وفيما إذا اتفقت، ورد عليه البناني بأن ذلك فيما إذا اتفقت الأنصباء، وأما إذا اختلفت فلا تلغى نفقتهما ولا كسوتهما بل تحسبان، وجلب على ذلك كلام ابن عبد السلام، وأما مسألة العيال فلابد فيها من
стр. 6382
اتفاق الأنصباء وإلا حسبا. الرهوني: وقد بحثت غاية البحث عن نص في المسألة يوافق ما لابن عبد السلام أو يخالفه، فلم أجده في الكتب التي وصلت لأيدينا وسميناها غير مرة. انتهى.
كانفراد أحدهما يعني أنه إذا انفرد أحد الشريكين بالعيال فإنه يحسب ما أنفقه على العيال وما أنفقه على نفسه، وقال عبد الباقي: لا يحسب ما أنفقه على نفسه كما إذا أنفق أحدهما منه على نفسه دون الآخر فلا يحسب؛ لأن من لم ينفق تبرع لصاحبه بما يستحقه. انتهى. قال الرهوني: قول عبد الباقي: كما إذا أنفق أحدهما منه على نفسه دون الآخر فلا يحسب لأن من لم ينفق تبرع لخ: سلمه التاودي والبناني بسكوتهما عنه وهو ظاهر، ولكن في ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب: فإن كان لأحدهما عيال دون الآخر حسب كل واحد نفقته ما نصه: ومقتضى هذا أنه لو كان أحد الشريكين ممن عادته أن يكتفيَ بالنفقة اليسيرة والكسوة التي لا كبير ثمن لها كمن يأكل الشعير ويلبس الصوف وهذا شأنه وعادته والآخر على مقابلة ذلك ولا عيال لهما أن يحسبا معا نفقتهما ولا يلغيا. انتهى.
ونحوه في التوضيح بلفظ ينبغي، وقوى الرهوني ما لعبد الباقي من إلغاء نفقتهما حيث لا عيال لهما وإن لم يتقاربا في النفقة بأنه هو ظاهر كلامهم، وقول عبد الباقي: ولا يحسب ما أنفقه على نفسه فيه نظر والنقل بخلافه، فيحسب الذي لا عيال له ما أنفق على نفسه، كما أن الآخر يحسب الجميع. قاله البناني. وجلب النقل على ذلك، قال عبد الباقي: والفرق بين نفقة أحدهما فقط على نفسه ونفقة العيال لأحدهما أن شأن الأولى اليسارة، ولأنها من التجارة بخلاف نفقة العيال في الوجهين.
وعلم مما قدمنا أن نفقة كل على عياله يشترط في إلغائها التقارب والتناصف في الشركة، بخلاف نفقة كل أو أحدهما على نفسه فلا يشترط شيء منهما فيها، واعلم أن ما يلغى يجوز ابتداء وما لا يلغى لا يجوز ابتداء، ومثل المتفاوضين في جميع ما مر ما يقع بين الإخوة -كما في ابن وهبان- يموت أبوهم ويبقى المال بيدهم يأكلون منه، وربما تزوج بعضهم منه فيرجع عليه بما تزوج به. انتهى. قوله: ومثل المتفاوضين في جميع ما مر لخ، قال الرهوني: مثله لابن ناجي في شرح المدونة
стр. 6383
عند قولها: (١) وتلغى نفقتهما كانا ببلد واحد لخ، ونصه: وهذه المسألة كثيرا ما تقع في الإخوة يموت أحدهم ويبقى المال بأيديهم يأكلون، وربما تزوج بعضهم فمن تزوج يرجع عليه بما تزوج به وهو في النفقة على ما تقدم. انتهى منه بلفظه.
وقد ذكر التاودي هنا فروعا محتاجا إليها لكثرة وقوعها:
حاصل الأول منها أن أحد الإخوة إذا مات وترك أولاده مع أخيه فإنه لا يختص بشيء عنهم إن ادعى اختصاصه به إلا بموجبه من إرث ونحوه، وإن كان مع والده أو أخيه أو أخته أو أولاد أخيه على مائدة واحدة فإن ذلك يوجب لهم حكم المفاوضة، ولا يختص أحدهم بشيء إلا بموجبه مما ذكرنا.
وحاصل الثاني أن الولد إذا أقام مع والده سنين بعد بلوغه إلى أن زوجه وكان يتولى الحرث والحصاد وخدمة الأملاك بنفسه ثم افترق عنه، فلا شيء له فيما بيد أبيه ولا يقاسمه إلا أن يتفقا على ذلك أو يجري به عرف بالبلد متقررا به حتى يصير كالمدخول عليه على ما وقعت به الفتوى من المتأخرين، قال: وقوله لا شيء له يعني في نفس الأملاك والغلل، وأما أجرة عمله فتكون له ويحاسب بنفقته وكسوته. واللَّه أعلم. انتهى. قلت: ويحاسبه أيضا بما زوجه به كما تقدم في النكاح.
وحاصل الثالث أن الابن إذا كان يقوم بأمور أبيه ثم مات فاستظهر برسوم أملاك باسم نفسه إن أثبت أنه كان له مال وأن أباه كان سلم له فيها فهي له إن حلف وإن لم يثبت واحدا منهما فالجميع ميراث. قاله سيدي يحيى السراج وسيدي راشد. انتهى واللَّه أعلم. انتهى. وظاهر كلامه التعارض بين ما ذكره في الولد في الفرع الأول والثاني، ويجاب عن ذلك بأن ما ذكره في الفرع الأول محله إذا لم يكن للأب مال حتى بلغ الولد القدرة على الخدمة فنشأ المال عن خدمتهما معا بخلاف ما في الفرع الثاني. فتأمله. انتهى.
وإن اشترى جارية لنفسه فللآخر ردها يعني أن أحد الشريكين إذا اشترى من مال الشركة جارية فشراؤه لها على ثلاثة أوجه: أحدها، أن يشهد أو يذكر أنه اشتراها لنفسه لخدمة أو وطء ولم يطأ
стр. 6384
وهذا الشراء بغير إذن شريكه، فإن الشريك الذي لم يشتر يخير بين ردها للشركة وإمضائها للشريك الذي اشتراها بالثمن الذي اشتريت به، فيكون الثمن من مال الشركة ويختص بها من اشتراها، والشق الأول من التخيير تكون الجارية من مال الشركة، فعلم مما قررت أن معنى ردها ردها للشركة لا رد بيعها.
ثانيها أشار إليه بقوله: إلا للوطء بإذنه يعني أن محل التخيير المذكور إنما هو إذا اشتراها لنفسه لوطء أو خدمة بغير إذن شريكه ولم يطأ كما عرفت، وأما إن اشتراها بإذن شريكه للوطء فلا تخيير للآخر، وإنما يلزم المشتري القيمة وطئ أم لا، ولا مفهوم للوطء فالحاصل أنه إذا اشتراها بإذن شريكه فإنما لشريكه الثمن وفى أم لا، اشتراها للوطء أم لا، فيختص بها وليس للآذن إبقاؤها للشركة، وكذا يخير الشريك في إبقائها للشركة وإمضائها للشريك بالقيمة إذا اشتراها بغير إذنه ووطئ، وعلم من هذا أربع صور: أن يشتريها لنفسه بغير إذن شريكه ولم يطأ خير في ردها للشركة وإمضائها للشريك بالثمن، فإن وطئ خير بين إبقائها للشركة إن لم تحمل وإمضائها للشريك بالقيمة، فإن اشتراها بإذنه فلا خيار بل تلزمه القيمة وطئ أم لا، وكذا لو حملت اشتراها بإذنه أم لا وتعتبر القيمة يوم الوطء إن لم تحمل، فإن حملت ففيها أربعة أقوال ستأتي إن شاء اللَّه تعالى.
وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: وإن وطئ جارية للشركة بإذنه يعني أن أحد الشريكين إذا وطئ الأمة المشتركة بإذن شريكه فإنها تقوم ويغرم قيمتها للشريك الآذن حملت أم لا؛ لأنها كأمة محللة أيسر أم لا ولا حد عليه للشبهة، وإذا لم تحمل وأعسر الواطئ بيعت فيما وجب لشريكه من قيمتها وليس له إبقاؤها للشركة، فإن حملت كانت أم ولد ولم تبع أيسر أو أعسر وإنما يتبعه بقيمة حظه منها، ولا شيء له من قيمة الولد في هذه الحالة لحريته أي لأنه وطئها بإذنه.
أو بغير إذنه وحملت يعني أنه إذا وطئ جارية للشركة بغير إذن شريكه وحملت فإنه يلزم الواطئ قيمتها، ولا يخير الشريك في إبقائها للشركة فتقوم وجوبا إن أيسر وجوازا إن أعسر ولشريكه في عسره إبقاؤها للشركة كما في المدونة، وإذا اختار تقويمها مع عسر الواطئ فله أن يتبعه بما وجب له من قيمتها، وأن يلزمه بيع نصيبه منها لا بيعها كله خلافا لظاهر المص في باب أم الولد -بعد وضعها لما في حملها، ولا يباع الولد لحريته ويأخذ ثمن ما بيع منها، فإن لم يوف بما وجب
стр. 6385
له من القيمة اتبعه بالباقي كما يتبعه بحصة الولد في قسمي التخيير لما في يسره، وقومت عليه ولا في وطئه لها بإذنه، وحملت أيسر أو أعسر فلا قيمة للولد كما مر، وعلم مما ذكر أن عدهم أمة الشريكين من المسائل التي تباع فيها أم الولد محمول على ما إذا وطئها معسر بغير إذن الآخر، وأنه إنما يباع منها في هذه الحالة نصيب شريكها لا كلها، وإن أريد بالبيع ما يشمل التقويم فكذلك إذ لا يقوم عليه إلا نصيب شريكه فقط، وكلام ابن ناجي كغيره فيما يأتي يوهم أنها تباع كلها، وكذا ما ذكر في نظم المسائل التي تباع فيها أم الولد فليتنبه لذلك.
وعلم مما قررت أن قوله: قومت جواب الشرط فهو راجع للمسألتين، وأن قوله: "وحملت" قيد في الثانية فقط، وإلا بأن وطئ بغير إذن شريكه ولم تحمل فللآخر ابقاؤها للشركة، أو مقاواتها بأن يتزايدا فيها حتى تقف على أحدهما، فيأخذها صاحب العطاء به وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وقال علي الأجهوري: صوابه أو تقويمها ليوافق ما تجب به الفتوى من أن له إن لم يبقها للشركة تقويمها على الواطئ، وأخذ قيمة نصيبه منها يوم الوطء إن أيسر واتباعه به إن أعسر أو بيعه منها بقدر نصيبه، ولو زاد وقت البيع على نصفها بل لو لم يف بقيمة نصيبه يوم التقويم إلا بيع كلها فإنها تباع ويأخذ الآخر ثمنها كله في حصته يوم التقويم، وقد مر أن في القيمة إن حملت أربعة أقوال: قال البناني: قال ابن عرفة في باب أم الولد: وفيها إن حملت قومت على واطئها يوم الوطء إن كان مليا ويلحق به الولد وهي له أم ولد ولا تماسك لشريكه. اللخمي: وقال مالك أيضا: القيمة يوم حملت، وذكرهما محمد، وقال: وقيل يوم الحكم، وعن مالك: إن شاء يوم الوطء وإن شاء يوم الحكم، وبه أخذ محمد، ثم قال: وإن كان الواطئ معسرا، فقال مالك: مرة هي أم ولد للواطئ ويتبع بالقيمة دينا ثم رجع إلى تخيير الشريك في تماسكه مع اتباعه بنصف قيمة الولد وفي تقويمه نصفها ونصف قيمة الولد ويباع له نصفها فقط فيما لزمه. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي عند قوله: "وإن وطئ جارية للشركة" فالوجهان الأولان اشتراها من مال الشركة لا للشركة وهذا الوجه اشتراها من مال الشركة لكن لها ثم يطأ، وله ثلاث حالات: يعني أن يطأ بإذنه حملت أم لا كما قال: بإذنه، أو يطأ بغير إذنه وحملت أو يطأ بغير إذنه ولم تحمل.
стр. 6386
الثاني: قال الإمام الحطاب: قال في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الشركة: فإن قال له اشتر سلعة كذا للشركة ففعل ثم جحده أن يكون أمره بذلك وزعم أنه إنما اشتراه لنفسه خالصا من ماله فأقام عليه البينة أنه أمره به، قال: أراه بينهما على ما أمره، قال ابن رشد: قوله في هذه المسألة ثم جحده دليل هو كالنص أنه لو أقر أنه أمره بذلك، وقال: لم أرد أن اشتري لك شيئا فاشتريته لنفسي لم يكن ذلك له وكان معه شريكا شاء أو أبى، فإن قال: أشركت فيه فلانا وفلانا عند الاشتراء لا يعلم ذلك إلا بقوله، قال: أراه بينهما على ما أمره ولا يصدق في قوله إنه أشرك فيه فلانا وفلانا، قال ابن القاسم: ويدخل اللذان زعم أنه أشركهما بذلك على الذي أقر لهما، إن كان أقر لهما بالنصف كان لهما نصف ما في يده، وإن كان الثلث فلهما ثلث ما في يده أو أقل من ذلك أو أكثر فعلى هذا يحسب ولا يؤخذ ما في يده كله لأنه أقر لهما بهذا الذي في يده والذي صار لصاحبه.
الثالث: قال الحطاب: قال في البيان: وإذا تمسك الشريك بنصيبه ولم يقومها على شريكه منع الشريك من الغيبة عليها ليلا يقود إلى وطئها، ويعاقب على ما فعل من ذلك وإن كان جاهلا لم يعذر بجهله لكن عقوبته أخف من عقوبة العالم. قاله ابن حبيب. انتهى. قلت: هو خلاف قولها في كتاب القذف، وإذا وطئ أحد الشريكين أمة بينهما وهو عالم بالتحريم لم يحد لشبهة الملك وعليه الأدب إن لم يعذر بجهل. انتهى. وفي كتاب أمهات الأولاد من التوضيح: ويؤدب إلا أن يعذر بجهالة على المشهور. انتهى.
وإن شرطا نفي الاستبداد فعنان يعني إذا شرط كل واحد من الشريكين على صاحبه أن لا يستبد بفعل شيء من الشركة دونه أي لا يتصرف إلا بإذنه، فإن تلك الشركة عنان بكسر العين وتخفيف النون أي تسمى شركة عنان وهو في الأصل اسم لما يقاد به الدابة ثم استعير لما هنا، وأما العنان بالفتح فاسم للمطر أو للسحاب الأسفل للأسفل والأعلى للأعلى، كالجنازة والجنازة، فإنها بالفتح اسم الميت المحمول، وبالكسر اسم لما يحمل عليه الميت بشرط كون الميت عليه عند ابن الأعرابي وعند غيره وإن لم يكن عليه، وهذه الشركة جائزة بإجماع لجميع الناس إذا اتفقوا عليها ورضوا بها. ابن الحاجب: إن اشترطا نفي الاستبداد لزم وتسمى شركة عنان. ابن عرفة: ظاهره ولو كانت
стр. 6387
مقصورة على نوع معين من الأموال وهي خلاف ما تقدم. انتهى من المواق. يعني أن شركة العنان هي خلاف شركة المفاوضة: إذ في المفاوضة أطلقا التصرف وفي العنان قيداه باجتماعهما عليه، فقوله: "وإن شرطا نفي الاستبداد" مفهوم قوله قبل: ثم إن أطلقا التصرف، قال عبد الباقي: وانظر إذا شرط على أحدهما نفي الاستبداد وأطلق للآخر التصرف، هل تكون مفاوضة فيمين أطلق له التصرف عنان في الآخر أو تكون فاسدة وهو الظاهر لأن الشركة رخصة يقتصر على موردها. انتهى. وجاز لذي طير وذي طيرة أن يتفقا على الشركة في الفراخ يعني أنه يجوز لمالك طير ذكر ولمالك طيرة أنثى أن يتفقا على الشركة في ما حصل بينهما من الفراخ أي الأولاد لما في البيض مناصفة كما يفيده الشارح وأحمد لا غيرها. ابن عاشر: القاموس: الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد وجمعه طيور وأطيار. انتهى. فإلحاق خليل التاء به يتوقف على نص لغوي. انتهى. ابن الانباري: الطير جماعة، ولا يقال للواحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة. انظر الرهوني. وقال عبد الباقي: وجاز لذي طير وذي طيرة مما يشترك في الحضن كحمام أن يتفقا على الشركة مناصفة كما يفيده الشارح والتتائي لا غيرها في الفراخ الحاصلة بينهما لما في البيض، ونفقة كل طير على ربه لأنه على ملكه كما هو ظاهر قول المص على الشركة في الفراخ، وقوله: "وجاز لذي طير وذي طيرة" لخ ظاهره الجواز ابتداء وهو صريح ابن سلمون، وظاهر ما في النوادر وابن يونس عن العتبية والموازية، ونص ابن يونس: ومن العتبية والموازية، قال ابن القاسم عن مالك: وإذا جاء رجل بحمام ذكر وآخر بأنثى على أن ما أفرخا بينهما فلا بأس به وأرجو أن يكون خفيفا، والفراخ بينهما لأنهما يتعاونان في الحضانة. قاله الرهوني.
وقول عبد الباقي: لأنه على ملكه كما هو ظاهر قول المص، قال البناني: ما ذكره من بقاء كل منهما على ملك صاحبه هو الذي يفيده النقل الذي في ابن غازي وغيره، وهو محل التفصيل بين الحمام وغيره، وأما بيع كل واحد منهما نصف ما يملكه للآخر فالظاهر جوازه مطلقا؛ إذ لا وجه لمنعه. واللَّه أعلم. قاله البناني. وقوله: "وجاز لذي طير وذي طيرة" لخ قد علمت أن هذا في الذكر الذي يحضن لا ما يختص بالأم، قال عبد الباقي: فإن انفرد أحدهما بالحضن كإوز ودجاج لم تجز الشركة، وذكر الإوز لا يحضن وإنما يحوم حول الأنثى وهي حاضنة كما أخبر به بعض أهل
стр. 6388
الخبرة، خلافا لقول التتائي إن ذكر الإوز يحضن أيضا، قال أحمد: فإن قيل لم لم يحذف ذي الثانية وتكون الأولى مسلطة على طيرة؟ فالجواب أنه لو فعل ذلك لربما فهم منه مسألة غير مرادة، وهي أن يكون لأحدهما طير وطيرة وللآخر كذلك وكل طير مؤتلف على طيرته ويشتركان فيما يحصل من الفراخ. انتهى.
وأما لو كان لأحدهما طير وطيرة وللآخر كذلك وكل طير مؤتلف على طيرة الآخر أو لأحدهما ذكر أي من الحمام وللآخر أنثيان منه فتجوز الشركة، وأشعر قوله: "ذي طير وذي طيرة" بمنع ذلك في عاقل كتزويج ذي عبد أمة غيره على أن الولد بينهما فيفسخ عقد الشركة المذكورة، وكذا يفسخ النكاح قبل وبعد لشبهه بحرية ولد الأمة بجعل واحد منهم لسيد العبد. انتهى. الرهوني: وجه الشبه بينهما أن في كل منهما شرطا منافيا؛ لأن الأصل أن الولد يتبع أمه في الحرية والرق لمالك الأمة، فشرط جعل الولد بينهما خروج عن الأصل كشرط حريته، قال شيخنا الجنوي: وإن شئت قلت لأن فيه بيع الأجنة لأنه دفع بعض الثمن صداقا وبعضه في مقابلة الولد فتأمله. انتهى من خطه. انتهى. وقول عبد الباقي: بجعل واحد منهما لسيد العبد.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: الظاهر أن الباء في قوله بجعل للسببية. واللَّه تعالى أعلم. ثم إنه إن وقع النكاح على حرية الأولاد فهم أحرار بالشرط وولاؤهم لسيد أمهم، وفي مسألة شرط الولد بينهما يفسخ النكاح كما علمت والولد لمالك الأم، وقيل إن الأولاد بينهما وهو ضعيف كما قال في الشامل: لا بينهما على الأصح. المواق: ابن القاسم عن مالك: إن اشتركا في الحمام فجعل أحدهما الذكر والآخر الأنثى كانت الفراخ بينهما لأنهما يتعاونان على التربية، وليس ذلك كالبيض يعطيها للحاضنة، قال: ومن قال لرجل احضن هذا البيض تحت دجاجتك والفراخ بيننا هي لرب الدجاجة ولرب البيض مثله. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "في الفراخ" ما نصه: وهذا ظاهر إذا كانت مؤنتهما عليهما وإلا فلا إلا أن يتطوع بذلك بعد العقد فلا بأس. انتهى.
واشتر لي ولك فوكالة يعني أنه إذا قال شخص لآخر: اشتر السلعة الفلانية لي ولك فإن ذلك وكالة منه في شراء نصف السلعة فتكون السلعة بينهما، وهذه الوكالة قاصرة لا تتعدى لغير الشراء فليس لهذا الوكيل أن يبيع نصف شريكه إلا بإذنه في ذلك، ودل قوله: "لي ولك" على أنها بعد
стр. 6389
الشراء شركة بينهما، وسكت عنها لعلمها وإنما يخفى جانب الوكالة فلذا نص عليها، ودل ما يأتي من قوله: "وجاز وانقد" لخ على أن كل واحد هنا نقد حصته، وسياق هذه المسألة بعد شركة العنان يفيد أنها منها وهو صحيح، بدليل ما مر أنه لا يجوز للمشتري أن يتصرف فيها بغير إذن الآمر، وبهذا يعلم رد دعوى أن كلام المص يحتاج للتقييد بما إذا نقد كل منهما حصته، وفائدة قوله: "فوكالة" أنه يطالب المشتري بالثمن. قاله عبد الباقي والخرشي.
وجاز وانقد عني إن لم يقل وأبيعها لك يعني أنه يجوز أن يقول شخص لآخر اشتر السلعة الفلانية لي ولك وانقد عني حصتي من الثمن لأن هذا معروف صنعه أحدهما مع صاحبه من غير عوض وهو سلف الثمن مع تولي البيع، ومحل الجواز إن لم يقل الآمر المنقود عنه: وأنا أتولى بيع حصتك أي أكون سمسارا في نصيبك، فإن قال ذلك منع لوجود السلف بزيادة فالسلف نقده عنه والزيادة انتفاع الناقد بالبيع عنه، ومثل قوله: "وأبيعها لك" أي عنك أواجرها لك. قاله غير واحد. وقوله: "وأبيعها لك" خبر مبتدأ محذوف؛ أي وأنا أبيعها لك واللام بمعنى عن كما عرفت؛ أي أتولى بيعها عنك أي أكون سمسارا في بيع نصيبك، وقوله: "وجاز وانقد عني إن لم يقل وأبيعها لك" قد علمت أنه إذا قال: اشترها لي ولك، وانقد عني ما يخصني من الثمن وأنا أتولى بيع حصتك أن ذلك لا يجوز ومع ذلك لا يفسد البيع، وإن لم يحذف الشرط لعدم تأثيره في ذات البيع، فإن عثر على الممنوع قبل النقد أمر كل واحد بنقد حصته ويتولى بيعها، وإن عثر على ذلك بعد النقد أمر المنقود عنه بدفع ما نقد عنه معجلا ولو شرط تأجيله، ولا يلزمه بيع حظ المسلف إلا أن يستأجره عليه بعد ذلك استيجارا صحيحا، فإن كان قد باع. فله جعل مثله. قاله غير واحد.
وقال المواق: قال مالك في موطئه: من قال لرجل اشتر هذه السلعة بيني وبينك وانقد عني وأنا أبيعها لك لا يصلح لأنه سلف على أن يبيعها له، ولو هلكت السلعة فلمن نقد الثمن أن يأخذ من شريكه ما نقد عنه، الباجي، فإن نزل ذلك فالسلعة بينهما وليس عليه بيع حظ المسلف. انتهى.
وليس له حبسها يعني أنه إذا قال شخص لآخر اشتر هذه السلعة بيني وبينك وانقد عني ما يخصني من ثمنها ففعل بأن اشتراها ونقد ما ينوب الآمر من الثمن، فإنه ليس للمشتري وهو المأمور أن يحبس السلعة عن الآمر حتى يقبض ما نقده عنه، وهذا مستفاد من قوله: "فوكالة" لكنه ذكره
стр. 6390
ليرتب عليه قوله: إلا أن يقول واحبسها يعني أن محل كون المأمور ليس له حبس السلعة عن الآمر الذي نقد (١) إنما هو إذا لم يقل له اشترها بيني وبينك وانقد عني حصتي من الثمن واحبسها عندك حتى أوفيك ما نقدت عني، وأما إن قال ذلك فللمأمور حبسها عن الآمر حتى يعطيه ما نقد عنه، وإذا حبسها المأمور فتكون السلعة كالرهن يفرق فيه بين ما يغاب عليه فيضمنه إلا أن يقيم بينة على ما ادعاه من تلف أو ضياع، وبين ما لا يغاب عليه فالقول قوله بيمين -أي فلا ضمان عليه- إلا أن يظهر كذبه، قال عبد الباقي: وله حبسها إذا كان الآمر ممن يخشى لدده، وكذا إذا وقع الشراء على أن ينقد الآمر وتطوع المأمور بالنقد. انتهى رد التاودي الأول ورد الرهوني الثاني بما يعلم بالوقوف عليه. واللَّه تعالى أعلم.
ولما ذكر ما إذا كان المشتري مسلفا ذكر ما إذا كان المسلف غيره، فقال: وإن أسلم غير المشتري جاز يعني أنه إذا قال اشتر هذه السلعة لي ولك وأنا أنقد عنك حصتك من الثمن أو ينقدها عنك فلان الأجنبي فإن ذلك جائز، فالناقد هنا غير المأمور وهو المشتري إذ الناقد في الوجه الأول الآمر وفي الوجه الثاني أجنبي؛ أي ليس هو الآمر ولا المأمور، إلا لكبصيرة المشتري يعني إذا أسلف غير المشتري من آمر أو أجنبي جاز ذلك كما عرفت، ومحل الجواز حيث لم يكن الشريك المشتري ذا بصيرة أي خبرة بالبيع والشراء أو وجاهة، وأما إن كان المشتري ذا بصيغ أو وجاهة فلا يجوز سلف الآمر ولا الأجنبي أي نقدهما عن المأمور المشتري لما في ذلك من السلف بزيادة فالسلف النقد وينتفع الآمر المسلف بتولي المأمور للشراء البصير بالبيع والشراء أو الوجيه، قال عبد الباقي: وإن أسلف غير المشتري من آمر أو أجنبي جاز إلا لكبصيرة المشتري المتسلف ووجاهته، فيمنع أن يشتري لهما شيئا يشتركان فيه للنفع في سلف الآمر، وكذا الأجنبي عند قصد نفع الآمر فقط أو نفعه مع المأمور، فيفسد لأنه سلف جر نفعا، ومعنى عدم الجواز إذا كان السلف من غير الآمر مع أن النفع ليس للمسلف أنه محمول على ما إذا كان الشريك صديقا للمسلف حتى يكون النفع للشريك نفعا له. انتهى.
стр. 6391
قوله: ومعنى عدم الجواز أنه محمول لخ لا حاجة لهذا الحمل، إذ قد مر في باب القرض أن القرض يفسد متى جر نفعا لغير المتسلف ولو لأجنبي. قاله البناني. وقال الشارح: يعني فإن لم يكن السلف من جانب من تولى الشراء وإنما كان من غيره فإن ذلك جائز. ابن عبد البر: اختلف قول مالك في الذي يسلف رجلا ليشاركه وذلك على وجه المعروف والرفق به، فأجازه مالك مرة وكرهه مرة واختار ابن القاسم جوازه إلا إن كان أسلفه لنفاذه وبصره بالتجارة فلا يجوز؛ لأنه سلف جر نفعا، قال في البيان: ولا خلاف في الجواز إذا صحت النية في ذلك ولما في عدمه إذا قصد منفعة نفسه، وإنما الخلاف إذا لم يقصد.
وأشار إلى شركة الجبر بقوله: وأجبر عليها إن اشترى شيئا بسوقه يعني أنه إذا اشترى شخص سلعة من سوقها طعاما أو غيره فإنه يجبره على الشركة في تلك السلعة غيره ممن يتجر في تلك السلعة بالشروط الآتية، سواء كان المشتري من (١) التجارة أو من غيرهم فقوله: "وأجبر" بالبناء للمفعول ونائبه ضمير يعود على المشتري والضمير في عليها للشركة، وقوله: "إن اشترى شيئا بسوقه" شرط في الجبر، وقوله: "بسوقه" الضمير فيه عائد على "شيئا"، وقوله: "شيئا" ظاهره كان طعاما أو غيره وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: إنما ذلك في الطعام خاصة، وقوله: "بسوقه" أي بسوق ذلك الشيء المشترى، واحترز بذلك عما إذا اشترى ببيته أو في الزقاق كما يذكره قريبا إن شاء اللَّه تعالى، ومحل جبر المشتري على الشركة إن اشترى ذلك في سوقه ليتجر به في البلد، لا إن اشتراه لكسفر أي اشتراه لأجل أن يسافر به ولو ليتجر به، فإنه لا يجبر على الشركة حينئذ ودخل بالكاف بلدة قريبة لا يسمى السفر إليها سفرا عرفا فلا يجبر المشتري على الشركة أيضا، وكذا لا يجبر المشتري على الشركة أيضا إن اشترى ذلك الشيء بسوقه لأجل قنية، ودخل بالكاف المقدرة في المعطوف قرى ضيف وعرس وصدق بيمين في دعواه ذلك إلا أن يظهر كذبه لكثرة ما اشتراه لكقنية بدعواه أو بترك سفر بغير عذر ظاهر.
ثم أشار إلى بقية شروط الجبر بقوله: وغيره حاضر يعني أنه لا يجبر المشتري على الشركة غيره إلا بشرط أن يكون ذلك الغير حاضرا لشراء تلك السلعة من سوقها، فلو غاب لم يجبره على الاشتراك
стр. 6392
فيها لم يتكلم يعني أنه لا يجبره الغير على الشركة إلا إن كان ذلك الغير حاضرا لم يتكلم من تجاره يعني أنه لا يجبر المشتري غيره على الشركة إلا إذا كان حاضرا لشرائها من سوقها لم يتكلم، واحترز بذلك عما لو اشتراها في غيبته أو زايد فيها حتى انتهت على ثمن فإنه لا يجبر الغير المشتري على الشركة حينئذ والغير من تجار ذلك الشيء، واحترز بذلك عما لو لم يكن ممن يتجر في ذلك الشيء فإنه لا يجبر المشتري على الشركة.
وعلم مما قررت أن هنا ستة شروط ثلاثة في المشتري وثلاثة في غيره، فمتى اختل واحد منها فلا جبر وإن استكملت فللغير أن يجبر المشتري على الشركة، أولها أن يشتري ذلك بسوقه، ثانيها: أن يشتريه لأجل أن يتجر به. ثالثها: أن يكون ذلك الاتجار في البلد لا إن اشتراه لقنية أو لكسفر. فهذه شروط ثلاثة في المشتري. رابعها: أن يكون ذلك الغير الذي يريد جبر المشتري على الشركة حاضرا لشراء ذلك الشيء من سوقه، خامسها: أن لا يتكلم فلو غاب حين الشراء فلا جبر وهذا مفهوم حاضر وكذا لو زايد فيها بائعها من في السوق حتى انتهت على ثمن فلا جبر أيضا، ويأتي مفهوم قوله: لم يتكلم، سادسها أن يكون ذلك الغير من تجار ذلك الشيء فلو لم يكن من تجاره فلا كلام له، خلافا لابن الماجشون. واللَّه تعالى أعلم.
البناني: محل الجبر ما لم يبين ويقل لهم أنا لا أشارك أحدا منكم ومن شاء أن يزيد زاد. قاله ابن الحاجب. ابن عرفة: وحيث تجب لهم لا تجب عليهم إن أبوا. انتهى. وعلم مما قررت أن المشتري لا يشترط فيه كونه من أهل التجارة فضلا عن كونه من أهل السوق، وإنما يشترط ذلك فيمن يريد مشاركته. قاله البناني أيضا. وقوله: محل الجبر ما لم يبين ويقل لهم أنا لا أشارك لخ، قال الرهوني عنده: ومحله أيضا ما لم تكن العادة عدم دخول بعضهم مع بعض كما في المعيار فانظره. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: من وقف على من يشتري سلعة لم يتكلم فلما تم البيع قال أنا شريكك فهو شريكه، فإن أبى ألقي في السجن حتى يفعل إن اشتراه ليبيعه ولو اشتراه بمنزله أو ليخرج به لبلد آخر لم يكن عليه فيه شرك. ابن رشد: مذهب مالك القضاء لأهل السوق بالشركة فيما ابتاعه بعضهم بحضرتهم للتجر على غير المزايدة رفقا بهم، قال ابن حبيب: وإنما يرى مالك ذلك لتجار أهل تلك السلعة وأهل أسواقها، كان مشتريها من أهل التجارة أو من
стр. 6393
غيرهم إذا اشتراها للتجارة، وإنما يختلف ذلك في المشترك، فإن كان من أهل تلك التجارة وجبت له الشركة وإن لم يكن من أهلها لم تجب له إلا برضى المشتري. انتهى.
وهل وفي الزُّقاق هذا وما بعده مفهوم قوله: "بسوقه" يعني أن المشتري إذا اشترى في الزقاق شيئا ليتجر به في البلد فإنه اختلف في ذلك، قيل إنه يجبر على الشركة كما إذا اشتراه بسوقه وليس هو كمن اشتراه ببيته، وقد مر أنه إذا اشتراه بمنزله فلا كلام للغير، ولهذا قال: لا كبيته أي المشتري لذلك الشيء في الزقاق كغراب ليس كالمشتري له بمنزله بل هو كمن اشتراه بسوقه ليتجر به في البلد، فيشترك معه من شاء من أهل السوق على ما مر من اعتبار الشروط، وعلى هذا القول يجبر المشتري سواء اشتراه بزقاق قريب من السوق أو بزقاق بعيد من السوق، والزقاق كغراب السكة ويؤنث والجمع زقق وأزقة كذلل وأزمّة وقيل إن المشتري في الزقاق كالمشتري في بيته وهذا القول هو الأرجح، وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك قولان: الأول لابن حبيب والثاني أنه يختص به كبيته لأصبغ وغيره وهو الأرجح كما علمت، قال الشارح: قال في البيان: وأما ما ابتاعه الرجل في داره أو حانوته فلا شرك لأحد معه ممن حضر الشراء باتفاق، قلت: ولهذا أخرجه الشيخ من (١) محل الخلاف، بقوله: "لا كبيته" ونبه بالكاف على أن الحانوت ونحوه كذلك. انتهى كلام الشارح.
وقال عبد الباقي: وإذا وجدت شروط الجبر فالظاهر من إطلاقهم ولو طال الأمر حيث كان ما اشترى باقيا أو يفصل فيه كالشفعة، فلا جبر بعد سنة، ثم عهدة الداخل على البائع الأصلي لا على المجبور. قاله ابن يونس. وانظر ما الفرق بينه وبين الشفيع فإنه يكتب عهدته على المشتري، مع أن كلا منهما يؤخذ منه ما اشتراه جبرا. قاله علي الأجهوري. البناني: والظاهر في الفرق أن التجار لما دخلوا هنا مع المشتري جبرا فقد دخلوا معه في جميع أحكام الشراء التي من جملتها كون العهدة على البائع بخلاف الشفعة. واللَّه أعلم. انتهى.
قوله: الظاهر في الفرق أن التجار لخ، الرهوني: في هذا الجواب نظر لأن العلة عنده في دخولهم معه جبرا هي الجبر كما يفيده كلامه، والجبر موجود أيضا في الشفعة فالجواب هو عين السؤال،
стр. 6394
والظاهر في الجواب أن المشتري هنا منزل شرعا منزلة الوكيل عمن أدخله الشرع معه، ولا شك أن الوكيل على الشراء لا عهدة لموكله عليه فيما اشتراه له، وإنما هي على البائع كما في نص المدونة وغيرها. فتأمله بإنصاف. انتهى. وقال عبد الباقي: ومفهوم قوله لم يتكلم أنهم إن تكلموا فقالوا حين السوم أو الشراء أشركنا أو أشركنا واشتر علينا لم يجبرهم هو ولا هم إن أجابهم بلا فإن أجابهم بنعم جبر الآبي منه أو منهم للطالب، وإن سكت فكذلك إن سألوه بلفظ أشركنا كإن زادوا واشتر علينا وسألوه حين الشراء كحين السوم إن اشترى بحضرتهم وإلا فله إدخالهم ومنعهم إن حلف ما اشترى لهم ولا أشركهم إن بقي المتاع بيده، وإلا فله منعه دون يمين والتلف بينهم في حالة الجبر وصدق فيه لأنه كوكيل عنهم ولذا كان هو الطالب بالثمن فيما يظهر وليس له حبسها عنهم لأجله. انتهى.
قوله: إن سألوه بلفظ أشركنا كأن زادوا واشتر علينا لخ مقتضاه أن قولهم: أشركنا فقط يوجب لهم المدخول معه إن سكت واشترى بعد ذهابهم، وقد صرح بذلك الأجهوري قائلا ما نصه: أنه محصل كلام ابن عرفة والشامل، وسلم التاودي والبناني ما قاله الزرقاني تبعا لعلي الأجهوري، وكتب عليه شيخنا الجنوي ما نصه: ظاهره الفرق بين أشركنا فقط وبين أشركنا واشتر علينا، وكأنه أراد أن يستنبط ذلك من كلام ابن رشد الذي عند المواق وهو غير تام؛ لأن عدم الشركة في كلام ابن رشد لانقلابهم لا لزيادة اشتر علينا، فالظاهر أنه لا فرق بين العبارتين. واللَّه أعلم. انتهى من خطه طيب اللَّه ثراه ورضي منه وأرضاه.
قلت: ولا يتوقف منصف في أن العبارتين سواء أو الثانية أقوى؛ لأن فيها ما في الأول وزيادة، وما نسبه علي الأجهوري لابن عرفة والشامل ليس فيهما، بل كلام الشامل صريح في خلاف ما عزاه له، ونصه ولو قالوا له حين البيع أشركنا، فقال نعم أو سكت جبر من أبى لمن طلب وحين السوم فسكت وذهبوا ثم اشتراه بعد مضيهم لم يجبر وحلف ما ابتاع إلا له خاصة وجبروا له إن شاء سؤالهم. انتهى. وأصله لابن يونس عن ابن حبيب، وساقه فقها مسلما مقتصرا عليه كأنه المذهب، ثم ساق نصه فلما تم نقله له قال ما نصه: وهو كاف في رد ما قاله علي الأجهوري.
стр. 6395
تنبيه: انظر إذا اتفق تجار شيء على أن كل من اشترى منهم شيئا مما يتجرون فيه فهو بينهم، وإن لم يحضروا حين شرائه هل يلزمهم ذلك ويدخل الغائب منهم حين الشراء أو لا، ولم أقف على نص بعد البحث عنه، وقد وقعت هذه النازلة وادعى المشتري أنه إنما اشترى لنفسه فسئلت عنها فأفتيت (١) بأنه لا شيء لمن لم يحضر لفقد شرط الجبر، ولأن ما التزموه ليس بلازم لهم لأنه التزام لشيء غير معين ولا محدود، ولأنه في الحقيقة إجارة فاسدة لاشتمالها على جهالة وغرر كما لا يخفى، أما الإجارة فإن كل واحد منهم واجر غيره ليشتري له بشرائه هو له، وأما الجهالة فظاهرة لأن المواجر عليه لا يدرى أقليل هو أم كثير، وأما الغرر فلأنه إذا اشترى أحدهم شيئا أولا فقد لا يجد غيره ذلك الشيء مرة أخرى، وإن وجده فقد لا يكون مساويا لما اشتراه الأول، وعلى تقدير وجوده فقد لا يتأتى له شراؤه لمرض أو غيبة أو سجن ونحو ذلك حتى يموت فيذهب عمل الآخر باطلا، وقد اشتهر الخلاف في مسألة من وكل على شراء سلعة معينة فاشتراها لنفسه وفرضهم الخلاف في سلعة معينة يدل على أن مسألتنا محل اتفاق على أنها لمن اشتراها ولا حق فيها للغائب.
والخلاف الذي أشار إليه في مسألة سلعة معينة ذكره ابن رشد، فإنه قال في شرح المسألة الخامسة من رسم الرطب باليابس من سماع ابن القاسم من كتاب الشركة: وقد اختلف فيمن أمر رجلا أن يشتري له سلعة بعينها فاشتراها لنفسه على أربعة أقوال، أحدها: أن القول قول المأمور وإن دفع إليه الثمن بعد أن يحلف أنه إنما اشتراها لنفسه إن اتهم في ذلك وهي رواية محمد بن يحيى والسباءي عن مالك، والثاني أن السلعة للآمر وإن لم يدفع إليه الثمن وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في المدنية، وقول أصبغ وروايته عن ابن القاسم في الثمانية، قال: وسواء أشهد المأمور أنه إنما يشتريها لنفسه أو لم يشهد لا ينتفع المأمور بإشهاده بذلك على نفسه في مغيب الآمر حتى يرجع إليه فيبرأ من وعده بالشراء له، والقول الثالث أن السلعة للآمر إلا أن يكون المأمور قد أشهد قبل الشراء أنه إنما يشتريها لنفسه، والقول الرابع الفرق بين أن يكون قد دفع إليه الثمن أو لم يدفعه إليه، وإنما أمره أن يشتريها له بماله فوعده بذلك. انتهى.
стр. 6396
وبقى خامس إن كان الآمر بالبلد فهي له وإلا فللمأمور لطرف، وسادس وهو أن السلعة للمأمور لعيسى عن ابن القاسم. واللَّه تعالى أعلم. والسباءي هو بالسين المهملة والباء الموحدة وبعد الألف همزة ثم ياء نسب، وقوله: والمدنية بالدال المهملة والنون والياء المثناة من أسفل، وقوله: في الثمانية هو بثاء مثلثة أحد ألفاظ العدد هذا هو الصواب، وما وقع بخلافه فتصحيف ثم ذكر شركة العمل وتسمى شركة الأبدان بقوله: وجازت بالعمل يعني أن الشركة تجوز فيما يؤخذ من الأجرة في عمل الأبدان بشروط أحدها: أشار إليه بقوله: إن اتحد يعني أن الشركة بالعمل إنما تجوز إن اتحد العمل كخياط وخياط لا إن اختلفا كخياط وحداد للغرر، إذ قد تنقص صنعة هذا دون صنعة الآخر، وفي معنى الاتحاد ما إذا تلازم العمل كما قال: أو تلازم أي عملهما بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر كواحد ينسج والآخر يحول ويدور وينير، فالمراد بالتلازم التوقف بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر كما في المثال المذكور، فالشرط أحد الأمرين، المواق من المدونة: قال مالك: لا تجوز الشركة إلا بالأموال أو عمل الأبدان إذا كانت صنعة واحدة.
البرزلي: سئل ابن عرفة عن حمالين اشتركا في أجرة ما يحملانه فحلف أحدهما لا حمل لفلان شيئا فحمل له صاحبه وحمل هو لغيره واقتسما الأجرة، فقال: الشركة فاسدة ولا حنث عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي لزومها -يعني شركة العمل بالعقد أو الشروع- قولان، ويظهر من قوله: ككثير الآلة ترجيح الثاني. انتهى. وناقشه الرهوني وقال: بل الذي يستفاد منه العكس، وأشار إلى ثاني الشروط بقوله: وتساويا فيه يعني أنه يشترط في الشركة في العمل أن يتساويا أي الشريكان في العمل بأن يأخذ كل قدر عمله في المتحد وقدر قيمته في غيره، فإذا عمل أحدهما الثلث والآخر الثلثين فيأخذ كل من الغلة بقدر ما عمل، وليس المراد أن يكون عمل كل كعمل الآخر فقط أو يقال: مفهومه إن أخذ كل بقدر عمله جاز، وإن أخذ كل النصف فسدت ولا يعترض بمفهوم فيه تفصيل. قاله عبد الباقي.
يشير إلى ما شرح به المواق كلام المص، فإنه قال عند قول المص: "وتساويا". ما نصه: اللخمي: من شروط شركة الأبدان أن يكونا في الإبطاء والسرعة والجودة واحدا أو متقاربا، وهذا المعنى هو الذي شرح به الرهوني، وقال: إنه التحقيق في شرح المص وعندي أن ما شرحه به عبد الباقي هو
стр. 6397
المتعين، وفي معنى التساوي ما إذا تقاربا كما قال: أو تقاربا يعني أنه إذا تقاربا في العمل وتساويا فيما يؤخذ من الأجرة بأن أخذ أحدهما نصفها والآخر نصفها فإن ذلك لا يضر وهو جائز، فإذا تقارب عملهما عرفا بأن كان عمل أحدهما يقرب من الثلث وعمل الآخر يزيد على الثلثين جاز أن يأخذ أحدهما قدر الثلث والآخر الثلثين، ويرجع في التقارب لأهل المعرفة كما أشرت إليه. والحاصل أنه يشترط في شركة الأبدان التساوي، والتقارب كالتساوي. قال عبد الباقي. أو تقاربا عرفا كعمل أحدهما ما ينقص أو يزيد عن الثلث يسيرا والآخر الثلثين كذلك، فإن احتاجا مع الصنعة لمال أخذ كل بقدر عمله لا أزيد حيث كان القصد الصنعة لا المال وإلا فالنظر له.
وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: وحصل التعاون يعني أنه يشترط في شركة الأبدان أن يحصل التعاون بين المشتركين في العمل فإن لم يتعاونا لم تجز وعمل كل يختص به دون رفيقه، وقوله: "وحصل التعاون" ولذا أجيزت الشركة في اللؤلؤ يتكلف أحدهما الغوص عليه والآخر يقذف أو يمسك عليه، فإذا كانت الأجرة سواء جازت الشركة على التساوي أي المناصفة، فإن كانت أجرة من يخرجه أكثر لم تجز إلا على قدر أجرة كل واحد، ولا يشترط كون العاملين بمكان واحد بل تجوز الشركة في العمل، وإن كانا بمكانين بأن يكون كل واحد بموضع على حدة هذا في حانوت وهذا في حانوت مثلا آخر. وقوله: "وإن بمكانين" اعلم أنه لابد أن يكون نفاقهما واحدا وأن تكون أيديهما تجول بالعمل في الحانوتين، وإلا فلابد من اتحاد المكان، فقوله: "وإن بمكانين" كذا في العتبية، وفي المدونة: لابد من اتحاد المكان ووفق بينهما بما مر. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن بمكانين إذا اتحدت الصنعة كما في العتبية، وشرط في المدونة اتحاد صنعتهما ومكانهما وعليه درج ابن الحاجب، ابن ناجي: وهو المشهور. انتهى. وجمع بينهما بثلاثة أشياء بأن ما اقتصر عليه المص كما في العتبية محمول على ما إذا كان المكانان بسوق واحد أو بسوقين نفاقهما واحد وتجول أيديهما بالعمل في المكانين جميعا أو يجتمعا بمكان واحد، ثم محل اعتبار اتحاد المكان أو تعدده مع مراعاة ما مر حيث كانا مشتركين في صنعة أيديهما من غير احتياج لإخراج مال أو احتاجا له وصنعتهما هي المقصودة دونه، فإن كانت صنعة أيديهما لا قدر لها والمقصود التجر به جاز كونهما بمكانين من غير اعتبار اتحاد نفاقهما، وقوله: "وإن بمكانين" ويأخذ كل واحد منهما
стр. 6398
طائفة من العمل يذهب بها لحانوته يعمل فيها لرفقه به لسعته أو قربه من منزله أو نحو ذلك. انتهى من عبد الباقي بتقديم وتأخير.
قوله: أو بسوقين نفاقهما واحد وتجول أيديهما بالعمل لخ ظاهره أن هذا تأويل واحد، وقال عياض: تأول شيوخنا ما في العتبية على تعاونهما في الموضعين أو أن نفاق السلعتين في الموضعين سواء فيكون وفاقا للمدونة؛ لأن المقصود من وحدة المكان تقارب أسواقه ومنافعه. انتهى. فقوله: أو أن نفاق لخ هكذا رأيته في نسخة عتيقة من التنبيهات، وكذا رأيته في نسختين من ابن عرفة وظاهره أنهما تأويلان لا تأويل واحد. قاله البناني. وقال الرهوني: ورأيته في نسخة من القلشاني وأخرى من ابن ناجي كلاهما على الرسالة بالواو، وكذا فيما وقفنا عليه من نسخ مصطفى. وكذا رأيته في التوضيح بالواو كما قال الزرقاني، وكلام ابن عبد السلام يفيد أن الواو هي الصواب. انتهى.
ولما كان ما قدمه المص إنما هو في صنعة لا آلة فيها أو فيها ولا قدر لها كالخياط، ذكر ما إذا كانت تحتاج لآلة كالصياغة والصيد، فقال: وفي جواز إخراج كل آلة يعني أنه اختلف إذا أخرج هذا آلة وهذا آلة تساويها ليعملا بذلك على التعاون وسكتا عن الكراء، هل يجوز ذلك وهو مذهب سحنون وتأول بعضهم المدونة عليه؟ أو لابد أن يشتركا فيهما إما بملك واحد كشراء وميراث أو استيجار من غيرهما ليصير ضمانهما منهما معا وهو قول ابن القاسم؟ وتأولها عليه بعض آخر فعلم أن في هذه المسألة قولين لابن القاسم وسحنون، تأول بعض الشيوخ المدونة على قول سحنون، وتأولها بعضهم على قول ابن القاسم.
واستيجاره من الآخر صورتها أن يخرج هذا آلة وهذا آلة مساوية لها، ويستأجر كل منهما نصف آلته بنصف آلة الآخر فإنه اختلف في ذلك هل يجوز أو لا يجوز؟ وعليه فلابد أن يشتركا فيهما إما بملك واحد كشراء وميراث أو استيجار من غيرهما كما قال: بملك أو كراء ذلك تأويلان، وظاهر المص أو صريحه أن فيها تأويلين وليس كذلك، وإنما فيها قولان: الجواز لظاهر الكتاب والمنع لابن القاسم وغيره، وقد علمت أنه على المنع في المسألتين إن اشتركا فيهما بملك واحد أو كراء بأن استأجراهما من غيرهما جاز ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6399
واعلم أن الراجح في المسألتين هو الجواز، وعلم مما مر أنهما إذا اشتركا في ملك أو كراء من أجنبي يتفق على الجواز، وأن محل الخلاف فيما إذا أخرج كل آلة من عند نفسه من دون إجارة أو آجر كل منهما نصف آلته بنصف آلة الآخر. واللَّه تعالى أعلم.
ومثل شركة العمل بقوله: كطبيبين اتحد طبهما نحو كحالين أو جراحين أو تلازم وإلا لم يجز، والقيد المذكور يشعر به المص حيث جعل ذلك مثالا لمستوفي الشروط اشتركا في الدواء، قال عبد الباقي: أي على التفصيل السابق وفاقا وخلافا، ولا يقال حيث اشتركا في الدواء فهي شركة مال لا أبدان؛ لأنا نقول: الدواء تابع غير مقصود والمقصود التطبب. انتهى.
وصائدين في البازين مثلا أو باز وكلب، وهل محل الجواز إن اتفق مصيدهما ومكانهما واشتركا في ملك ذاتهما؟ ولا يكفي اشتراكهما في ملك منفعتهما وإن اجتمعا في هذه الثلاث اتفق على الجواز أو الجواز ثابت، وإن افترقا بأن اختلف مصيدهما اشتركا في ملك ذاتهما أم لا واتحد طلبهما في ذلك قولان، رويت نقلت المدونة عليهما أي على هذين القولين، وعلم مما قررت أن الصور ثلاث: واحدة متفق على جوازها وهي أن يتفق مصيدهما ويشتركا في ملك ذاتيهما، واثنتان مختلف فيهما بين الجواز والمنع وهما أن يختلف مصيدهما وهما مجتمعان في ملكهما، أو يتفق مصيدهما ويختلفان في الملك ولو قال المص: وهل إن اتفقا في الملك والطلب أو أحدهما كاف لطابق النقل. وبقيت صورة ممنوعة اتفاقا وهي ما إذا لم يشتركا في ملك الذات ولم يتحد الطلب بأن كان مصيد أحدهما الطير والآخر الوحش كالغزال لأنه يشترط في شركة العمل الاتحاد أو التلازم كما قدمه قبل. المواق من المدونة: من استأجر نصف دابة رجل ثم اشتركا في العمل عليها جاز وإن اشتركا ليحتطبا أو يجمعا ثمار البرِّيّة ونقلها على رقابهما أو دوابهما، فأما من موضع واحد فجائز ولا يجوز إن افترقا، ولا بأس أن يشتركا في صيد السمك والطير والوحش بنصف الشرك والشباك إذا عملا جميعا لا يفترقان في التعاون بالنصف، ولا يجوز أن يشتركا على أن يصيدا ببازيهما أو كلبيهما إلا أن يملكا رقابهما أو يكون الكلبان والبازان طلبهما واحدا لا يفترقان فجائز، وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه لا يجوز حتى يكون البازان والكلبان بينهما. انتهى نقل ابن يونس.
стр. 6400
وقال ابن عات: شرط في المدونة في هذه الشركة شرطا واحدا، إما أن يشتركا في الجوارح وإما أن يكون الطلب واحدا وغيره شرط الشرطين. انتهى. وقال البناني: لفظ المدونة: ولا يجوز أن يشتركا على أن يصيدا ببازيهما وكلبيهما إلا أن يملكا رقابهما أو يكون الكلبان والبازان طلبهما واحدا لا يفترقان فجائز. انتهى. عياض: رويت المدونة بالواو وأو، وعزا الرواية بأو لأكثر الشيوخ ولروايته عن شيوخه، وقال المواق: على معنى: أو حملها ابن يونس وابن عتاب واللخمي. انتهى. فكان الظاهر أن لو قال: وهل إن اتفقا في الملك والطلب أو أحدهما كاف لخ وحافرين بكركاز ومعدن هذا أيضا من أمثلة الشركة في العمل يعني أنه يجوز أن يشتركا في حفر القبور والمعادن والآبار والعيون قال في المدونة ولا بأس أن يشتركا في حفر القبور والمعادن والآبار والعيون والبنيان وعمل الطين وضرب اللبن وطبخ القرامد وقطع الحجارة من الجبال إذا لم يفترقا في ذلك، ولا يجوز في موضعين أو هذا في غار وهذا في غار من المعدن، وإن عملا في المعدن معا فأدركا نيلا كان بينهما، ومن مات منهما بعد إدراكه النيل لم يورث حظه من المعدن والسلطان يقطعه لمن رأى وينظر في ذلك لجماعة المسلمين. انتهى. ولم يستحق وارثه بقيته يعني أنه إذا مات أحد الحافرين في المعدن، بعد العمل فإن وارثه لا يستحق بقية عمل موروثه في المعدن وللإمام أن يقطعه لمن شاء كما قال: وأقطعه الإمام أي وإذا لم يستحق الوارث بقية العمل فإن للإمام أن يقطع حظه من المعدن لمن شاء من ورثته أو غيرهم، وقيد بما لم يبد، وقولي: بقية العمل لا ينافيه قول الحطاب ما نصه: قوله بقيته أي بقية المعدن، وقوله: "وقيد بما لم يبد" أي وقيد ذلك بأن هذا فيما لم يبد من النيل، وأما إن بدا فلورثته والمقيد لذلك القابسي، ولفظ المدونة على اختصار ابن يونس: ومن مات منهما بعد إدراكه النيل لم يورث حظه من المعدن وللسلطان أن يقطعه لمن رأى وينظر في ذلك للمسلمين. انتهى.
قال في النكت: ذكر بعض القرويين عن الشيخ ابن القابسي أنه قال: معنى قول ابن القاسم أدركا (١) نيلا أنهما أخرجاه واقتسماه، فليس لورثة الميت التمادي على العمل في المعدن على سبيل المعدن إلا بقطيعة من الإمام يقطعه لهم أو لغيرهم، ولم يتكلم ابن القاسم على أنهما لم يخرجا شيئا. انتهى.
стр. 6401
فمعنى كلام المصنف أن قوله في المدونة: "لم يستحق وارثه بقيته" يريد الأنيال التي لم تبد، وأما النيل الذي بدا أو عمل فيه وقارب البدو فلورثته. فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب.
وتبعه على ذلك غير واحد من المحققين، منهم مصطفى، ونسب الشارح التقييد لغير القابسي، وفي الرهوني بعد كلام طويل ما نصه: وحاصله أن الشيخين أبا محمد والقابسي اتفقا على أن معنى قولها: فأدركا نيلا كان بينهما أنهما أدركاه بإخراجه ونقله، واختلفا في معنى قولها: فمن مات منهما بعد إدراكه النيل لخ، ففهمه أبو محمد على أن معنى قوله: لا يورث هو جواب عما أدركه بما ذكر وزاد ولو اقتسماه، ولكنه جعل قول ابن القاسم مشكلا وتبعه التونسي، وفهمه أبو الحسن القابسي على أن معناه أنه لا يورث التمادي على العمل في المعدن، ولم يجب بنفي الإرث عما أدركاه بإخراجه ونقله فلا إشكال إذا عنده في جواب ابن القاسم، وأجاب الوانوغي بما لا نطيل به وقد رده الرهوني ردا واضحا بينا، فقال: إن قوله ما استخرجه منه وحازه وحصله لا يملكه بذلك فلا يباع ولا يورث غير مسلم بل يملكه ويجوز له بيعه بعد التصفية وينتفع به بشرائه به ما يحتاج إليه من مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب وغير ذلك، ويستبيح به الفروج المحرمة فيصدقه لامرأة يتزوجها ويشتري به جارية يتسراها وغير ذلك، وهذا كله من ثمرة الملك ومما يدل على أنه يتملكه وجوب الزكاة عليه فيه ولا خلاف في ذلك ولما في أنه لا يشترط فيه مرور الحول، وقد قال المص في الزكاة "وفي تعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته تردد" ولو كان الأمر كما قال الوانوغي لم يكن في إقطاع المعدن انتفاع بل مشقة وتعب؛ لأنه إذا كان هو ممنوعا من بيعه لم يتأت له انتفاع به إلا بجعله حليا لنسائه. انتهى.
تنبيه: قول المص: "ومعدن" ظاهر كلام غير واحد أن معناه أنهما جعل لهما الإمام الإمتاع بالمعدن، فإذا أخرجا نيلا استحق وارث من مات منهما ذلك النيل ولا يستحق التمادي على العمل في المعدن بعد ذلك النيل، وكلامهم كالصريح في ذلك ويدل عليه قوله: "وأقطعه الإمام"، وفي الخرشي ما نصه وإن مات بعد أن أخرج بعضه فهل يستحق الوارث بقية العمل إلى أن يفرغ النيل وإن أخرج الموروث منه ما يقابل عمله أو يزيد عليه وهو الظاهر أو لا يستحق الوارث بقية العمل، وإن كان ما أخذه منه موروثه يقابل عمله لم يستحق الوارث بقية العمل، وإلا استحق قدر ما
стр. 6402
يحصل به مع ما أدرك الموروث ما يقابل عمله. انتهى. وهذا كالصريح في أنهما استؤجرا على ذلك: وهذا لا مانع منه من جهة الشركة في العمل لكنه ليس هو معنى المص كما يفيد ذلك غير واحد. واللَّه تعالى أعلم. ونحو ما للخرشي لعبد الباقي.
ولزمه ما يقبله صاحبه يعني أن أحد شريكي العمل إذا قبل شيئا ليعملا فيه لزم شريكه الآخر؛ أي لزمه أن يعمل فيه معه ولا يشترط أن يعقدا معا، وضمانه يعني أن أحد الشريكين في العمل إذا قبل شيئا ليعملا فيه لزم شريكه الآخر أن يعمل معه فيه كما عرفت، ويلزم أحدهما الضمان فيما أخذه صاحبه بغير إذنه حيث لم يتفاصلا بل، وإن تفاصلا قال الحطاب: يعني أن أحد شريكي العمل إذا قبل شيئا ليعملا فيه لزم شريكه الآخر أن يعمل معه فيه، ولا يشترط أن يعقدا معا ويلزم أحدهما الضمان فيما أخذه صاحبه، وإن افترقا كما لو أخذ أحدهما شيئا ليعملا فيه فتلف ثم تفرقا فجاء صاحبه يطلب به الذي دفعه له فالضمان عليهما، قال في المدونة: وما يقبل أحد الشريكين للصنعة لزم الآخر [عمله] (١) وضمانه يؤخذ بذلك وإن افترقا. انتهى.
وقال الخرشي: قوله: "وإن تفاصلا" راجع لقوله: "وضمانه" وهذا حيث لم يقبله صاحبه بعد أن طالت غيبته أو طال مرضه، فإن قبله بعد طول غيبته أو مرضه فإنه لا يلزم صاحبه العمل معه فيه ولا ضمان عليه فيه. قاله اللخمي. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وزاد ما نصه: وقال أيضا وإن عقد الشريكان الإجارة على عمل شيء ثم مرض أحدهما أو مات كان على الآخر أن يوفي بجميع ذلك العمل، سواء كانت الشركة على أن العمل مضمون في الذمة أو على أعيانهما لأنهما على ذلك اشتركا، انظر أبا الحسن. قاله أحمد. انتهى.
الحطاب: فينبغي أن يقال إن عمل بعد موته يوما أو يومين ألغي ذلك، وإن كثر لم يلغ. انتهى. وتبعه على ذلك أحمد بابا جازما به، ونصه موت أحدهما كمرضه فإذا عمل بعد موته يوما أو يومين ألغي، وان كثر لم يلغ كما يفهم من كلام اللخمي. انتهى. وقد بحث أبو علي فيما قاله الحطاب قائلا: عندي أن فيه نظرا (٢) إذ الشركة تنقطع بالموت كما صرح به في المدونة في شركة
стр. 6403
المفاوضة، وأيضا فربما كان إلغاء القليل في المرض والغيبة لأن صاحبه ربما يقع به هو ذلك، فجرت العادة بهذا ولا كذلك الموت. انتهى بتغيير. قال الرهوني: قلت: وما قاله ظاهر إن كانت الإجارة متعلقة بعينه لأنها تنفسخ بموته، بخلاف ما إذا كانت مضمونة في ذمته، فإذا حمل كلام الحطاب على المضمونة كان ما قاله ظاهرا فتأمله. انتهى.
وقوله: "وإن تفاصلا" قال البناني: قال الشيخ أحمد بابا: إن كان المراد أنه تلف قبل المفاصلة فالمبالغة ضائعة، وإن كان المراد أنه تلف بعد المفاصلة فهو مشكل لأن ضمانه ممن هلك بيده، ويجاب بأن المراد التلف بعد المفاصلة والضمان منهما كالوصيين إذا اقتسما المال وضاع ما عند أحدهما فإن الآخر يضمنه أيضا لرفع يده عنه. انتهى. والأول هو الذي عند الحطاب أي تلف قبل المفاصلة ولم يقم صاحبه حتى تفاصلا فإن الضمان عليهما، قال في المدونة: ما تقبل أحد الشريكين للصنعة لزم الآخر عمله وضمانه، ويؤخذ بذلك وإن افترقا. انتهى. فالمص تبع في المبالغة المدونة. واللَّه أعلم. انتهى.
وألغي مرض كيومين وغيبتهما يعني أن شريكي العمل إذا مرض أحدهما يوما أو يومين أو غاب يوما أو يومين وعمل صاحبه في اليومين المذكورين فالعمل بينهما، ويلغى مرض اليومين وغيبتهما. قاله الحطاب. فالضمير في غيبتهما لليومين، وقال عبد الباقي: الكاف استقصاءية، وفائدة الإلغاء أن ما يعمله الحاضر الصحيح يشاركه في عوضه الغائب والمريض. انتهى. قوله: الكاف استقصاءية، قال البناني: الذي عند الحطاب خلاف ذلك، وأن ما قارب اليومين له حكمهما، قال: وكأن المص اعتمد على مفهوم قول المدونة إلا ما تفاحش من ذلك وطال ولم يبينه، وكأنه أحال على العرف ثم ذكر أنه يفهم من أبي الحسن في مثل هذا أن القريب اليومان والثلاثة والبعيد العشرة، وما بينهما من الوسائط يردما قارب القرب إلى القرب وما قارب البعد إلى البعد. انتهى.
لا إن كثر يعني أنه إذا كثر زمن المرض والغيبة عن كيومين فإنه لا يلغى ذلك المرض والغيبة، وهل يختص العامل حينئذ بما عمل وهذا هو ظاهر المص كالمدونة، ويأتي للرهوني ترجيحه وإن كان مقابله قد رجح أو لا، وعليه فللشريك الذي عمل أجر عمله على الشريك الذي لم يعمل فيكون الربح بينهما على حسب ما لكل، ويترك للشريك الذي عمل من الربح قدر أجر عمله، قال عبد
стр. 6404
الباقي: لا إن كثر أي زاد زمن المرض أو الغيبة على يومين فلا يلغى فله أجر عمله فيما يخص الشريك من الربح الذي اشترطاه على رب ثوب يخيطانه له، فيقسم بينهما ويخرج من حصة من لم يعمل أجرة من عمل كما في نقل أحمد، مثاله لو عاقدا شخصا على خياطة ثوب مثلا بعشرة دراهم وغاب أحدهما أو مرض كثيرا فخاطه الآخر فإن العشرة دراهم بينهما، ويقال ما أجرة هذا العامل في خياطته لهذا الثوب؟ فإن قيل أربعة دراهم مثلا رجع على صاحبه بدرهمين، وقول الشارح: اختص به أي بقيمة عمله لا بالفرض الأصلي كما توهمه عبارته. قاله بعض. وقوله: رجع أي الذي خيطه على صاحبه بدرهمين أي مضافين لدراهمه الأصلية، فيتم له قيمة عمله أربعة ثم تقسم الستة بينهما على ما تعاقدا تأمل. انتهى كلام عبد الباقي. وهذا الذي لعبد الباقي جزم به اللخمي وابن رشد.
وفي الرهوني بعد جلب نقول ما نصه: فتحصل من هذا أن في اعتراض الحطاب على الشارح نظرا، وكذا في تأويل الزرقاني له، بل الشارح ذهب على أحد القولين، وقد تقدم في نقل المفيد عن ابن لبابة أنهما قولان لمالك ولكل منهما مربم، فيترجح ما للشارح بأنه ظاهر المدونة وعلى ظاهرها حملها ابن يونس، واستدل بكلام ابن حبيب والمواق واستدل بقول مالك وأبي الحسن على ما نقله أبو علي وابن ناجي والشيخ ميارة وأبو حفص الفاسي؛ لاستدلالهما بكلامها (١) على ما في التحفة وهو الذي اعتمده المتيطى وابن هارون في اختصاره، وصاحب المفيد وابن سلمون وصاحب المقصد المحمود وابن عاصم وولده.
ويترجح الثاني بأنه الذي قاله بعض القرويين، وجزم به اللخمي وابن رشد، ونقله عن ابن القاسم ورد ما في المدونة إليه وبه جزم القرافي في ذخيرته والرجراجي، فكل منهما قوي والأول أقوى. واللَّه أعلم انتهى. وقول الرهوني: فتحصل من هذا أن في اعتراض الحطاب على الشارح لخ؛ يعني أن الحطاب حمل المص على ظاهره واعترضه بأنه خلاف ما قاله اللخمي من أنه بينهما، وعلى من لم يعمل الأجرة لخ، وقول عبد الباقي: فيقسم بينهما لخ، قال البناني: محله فيما قبلاه ثم طال مرض أحدهما أو غيبته، ومثله: إذا قبله أحدهما مع وجود الآخر أو في مرضه أو في غيبته القريبين
стр. 6405
الذين يلغيان، أما ما قبله أحدهما بعد طول غيبة الآخر أو مرضه فهو له كما يفيده ابن يونس واللخمي. انتهى قول البناني: أما ما قبله أحدهما بعد طول غيبة الآخر أو مرضه فهو له لخ، قال الرهوني: بهذا جزم أبو علي ومصطفى معترضا على الحطاب في إطلاقه قائلا ما نصه: وأما نقله عن الرجراجي أن الربح بينهما ويطالبه بأجرة عمله من غير تفصيل فلا يعول عليه لأنه خلاف كلام المدونة وخلاف تفصيل بعض القرويين واللخمي. انتهى. وحمل التاودي كلام التحفة على القول الثاني، ثم قال: ولا يخفى ما فيه من البعد. انتهى. وفيه نظر إذ لا موجب لارتكاب ذلك مع الاعتراف ببعده، ولو فرضنا أن القولين متساويان فكيف مع ما كون ما درج عليه المص هو الأقوى؟ واللَّه أعلم. انتهى.
قوله: كلام التحفة يشير به إلى قول ابن عاصم:
وحاضر يأخذ فائدا عرض … في غيبة فوق ثلاث أو مرض
قال ولده في شرحه: إذا حضر أحد الشريكين وغاب الآخر فوق ثلاث أو مرض كذلك فإن الحاضر يأخذ الفائد الحاصل في غيبة الثاني، وما دون الثلاث فمستخف فلا يستبد فيه الحاضر بالفائد العارض له، ثم استدل بكلام المقصد المحمود وكذا شرحه الشيخ ميارة واستدل بكلام المدونة. واللَّه أعلم.
وفسدت باشتراطه قال الحطاب: يعني أن الشركة تفسد إذا شرطا فيها أن مرض أحدهما الكثير وغيبته مغتفران للغرر، قال في المدونة أثر قوله السابق في القولة التي قبل هذه: إن لم يعقد في أصل الشركة أن من مرض منهما أو غاب غيبة بعيدة فما عمل الآخر بينهما، وإن عقدا على هذا لم تجز الشركة، فإن نزل ذلك كان ما اجتمعا فيه من العمل بينهما على قدر عملهما وما انفرد به أحدهما له خاصة. انتهى. زاد القرافي بعد قوله: لم تجز الشركة: للغرر، قال ابن يونس. إثر كلام المدونة المذكور: يريد قل أو كثر. انتهى. وقال عبد الباقي: وفسدت باشتراطه أي اشتراط إلغاء كثير المرض أو الغيبة، ويكون ما اجتمعا فيه بينهما وما انفرد به أحدهما يكون له على انفراده، فقوله:
стр. 6406
"باشتراطه" أي الكثير المفهوم من [كثر] (١)، وهو على حذف مضاف أي باشتراط إلغائه، وفهم من قوله: "باشتراطه" أنهما لو لم يشترطاه وأحب أحدهما أن يعطي صاحبه نصيبه من عمله جاز. انتهى. ونحوه للخرشي. وقال الشارح: أي فإن وقع العقد بينهما على أن من مرض منهما مرضا كثيرا أو غاب غيبة بعيدة يكون ما عمل الآخر بينهما فسدت الشركة. انتهى.
ككثير الآلة يعني أنه إذا اشترط إلغاء كثير الآلة فإن الشركة تفسد، واعلم أن ما وقع في صلب عقد الشركة له حكم المشترط وإن لم يشترط، واحترز بالكثير من اليسير فإنه إذا تفضل به أحدهما لا تفسد الشركة. قاله الحطاب. وفي شرح عبد الباقي ما نصه: ككثير الآلة تفسد بإلغائه عند العقد لا بعده، فيجوز كما استظهره الحطاب خلافا لما في أحمد من المنع، ثم ظاهر المدونة أن الفساد في كثير الآلة وإن لم يحصل شرط كما في الشارح والحطاب، وعليه فالتشبيه في مطلق الفساد لا بقيد الاشتراط، وقال البساطي: إنما تفسد باشتراطه. انتهى المراد منه.
قوله: خلافا لما في أحمد من المنع لخ، قال البناني: ما ذكره أحمد من منع التطوع بعد العقد هو الذي حمل عليه ابن رشد المدونة، وأقره أبو الحسن مقتصرا عليه، قال ابن رشد: هذا على القول بأن شركة الأبدان لا تلزم بالعقد وإنما تلزم بالشروع، وأما على القول بأنها تلزم بالعقد فيجوز. انتهى. وفهم الحطاب المدونة على أن المراد منع التطوع في العقد ولو بلا شرط، وقرر به كلام المص ورد على البساطي في تقييده بالشرط، ثم قال: وانظر إذا تطوع بها أحدهما بعد العقد والظاهر الجواز. انتهى. وفي المدونة: وإن تطاول أحد القصارين على صاحبه بشيء تافه من الماعون ولا قدر له في الكراء كالقصرية والمدقة جاز، وإن تطاول أحدهما على صاحبه بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها لم يجز حتى يشتركا في ملكها أو يكري من الآخر نصفها.
قال ابن ناجي: عياض: المدقة هي الإرزبة بكسر الهمزة التي تكمد بها الثياب وتطاول معناه تفضل، ومعنى ما ذكره إذا وقع في العقد، ولذلك فصل بين التافه وغيره ولو كان بعد العقد جاز ولو كثر، وقيل إنه لا يجوز في غير التافه لأنه من أكل المال بالباطل. انتهى. قال الرهوني: وبه تعلم أن الصواب مع الحطاب لا مع مصطفى وأبي علي. انتهى المراد منه.
стр. 6407
وهل يلغى اليومان كالصحيحة تردد صواب قوله "كالصحيحة" في الصحيحة يعني بدل الكاف، والمعنى على ذلك أن الشركة الصحيحة إذا مرض فيها أحدهما أو غاب ما لا يلغى فإنه وقع التردد، هل يلغى من تلك المدة يومان كما لو غاب أو مرض يومين فقط، أو لا يلغى منها شيء؟ قال البناني: التردد إنما هو في الصحيحة إذا مرض أحدهما أو غاب ما لا يلغى لكثرته كما في الحطاب والمواق وغيرهما، ولعل أصل كلام المص: وهل يلغى اليومان في الصحيحة؟ تردد فصحف بالكاف، وأشار بالتردد لقول ابن يونس عن بعض القرويين: يلغى اليسير، وقول اللخمي: يرجع بالجميع، قال أبو الحسن: والخلاف مبني على أن الجزء من الجملة هل يستقل بنفسه أولا؟ كمن سجد على أنفه بدلا عن الإيماء. انتهى.
وظاهر كلام المص أن التردد في الفاسدة وليس كذلك لأنها إذا فسدت لا يلغى منها شيء، سواء كان فسادها بإلغاء كثير الغيبة أو المرض أو لغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: ثم كلام المص في شريك عمل كصبغ وخياطة ودباغة، وأما الأجراء فليس الصانعان منهم كذلك، فإذا استؤجرا معا على عمل كحفر بير فمرض أحدهما فعمل الآخر جميع العمل فللمريض نصيبه، وليس للعامل شيء عليه لأنه متطوع عنه بالعمل. قاله في المدونة. وهو في غير المستاجرين كما يدل عليه ما مثل به وتعليل المدونة، وأما المياومة فلا يشارك مريض أو غائب مطلقا غيره، وقول المدونة: لأنه متطوع أي بخلاف شريكي العمل فإن كل واحد منهما حميل عن صاحبه ضامن عنه ما يقبل إذا كان المتاع مما يضمن، فلهذا لم يكن الصحيح متطوعا، وإذا عمل أحد شريكي المال فله نصف أجر عمله على صاحبه. انتهى.
وأشار إلى شركة الوجوه بقوله: وباشراكهما بالذمم يعني أن شركة الذمم فاسدة، وفسرها المص بقوله: أن يشتريا بلا مال يعني أن الشركة بالذمم هي أن يتعاقدا على شراء شيء غير معين أي شيء بدين في ذمتهما، وأن كلا حميل عن الآخر ثم يبيعان ذلك الشيء وهي فاسدة كما قال المص، وأما لو كان اشتراكهما في شيء معين فإن ذلك جائز كما مر في قول المص: إلا في اشتراء شيء بينهما، قال الخرشي: والمعنى أنهما إذا اتفقا على أن يشتريا شيئا بينهما في ذمتهما بلا مال يخرجانه من عندهما ثم يبيعان ذلك، فإن الشركة تكون فاسدة وسواء اشتريا ذلك الشيء معا أو
стр. 6408
اشتراه أحدهما دون صاحبه، وهذا قول ابن القاسم وهو المشهور، وإنما فسدت لأنها من باب: تحمل عني وأتحمل عنك وأسلفني وأسلفك، فهو من باب ضمان بجعل وسلف جر منفعة وهذا في غير المعين، أما لو اشتريا شيئا معينا بثمن معلوم في ذمتهما لجاز. انتهى.
وقال عبد الباقي: وفسدت الشركة باشتراكهما بالذمم وهي أن يشتريا شيئا غير معين بلا مال يخرجانه نقدا؛ أي تعاقدا على شراء شيء أيّ شيء كان بدين في ذمتهما، وأن كلا حميل عن الآخر ثم يبيعانه، فترك شرطين، تعاقدهما على شراء شيء غير معين وتحمل كل عن الآخر بمثله أو أكثر منه، فإن دخلا على شراء شيء معين وتساويا في التحمل جاز، كما تقدم في قوله: إلا في اشتراء شيء بينهما لخ، وإنما فسدت هذه الشركة لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك وأسلفني وأسلفك، فهو من باب ضمان بجعل وسلف جر نفعا. انتهى.
وقال الحطاب: أي وفسدت الشركة بسبب اشتراك المتشاركين بالذمم، وتسمى شركة الوجوه ثم فسرها بأن يشتريا بلا مال يعني أن يدخلا على أن يشتريا ويبيعا على ذمتهما، فما اشتراه أحدهما كان في ذمتهما معا، وهذا إذا لم يكن اشتراكهما في شيء معين، وأما إن اشتركا في شيء معين فهو جائز. انتهى. فالباء في باشتراكهما للسببية كما صرح به الحطاب، والباء في قوله بالذمم يظهر من صنيع الحطاب أنها بمعنى على؛ أي يدخلا على أن يشتريا ويبيعا على ذمتهما، فما اشتراه أحدهما كان في ذمتهما معا، ونحوه للمواق عن أبي محمد، ونصه: هو أن يشتركا على الذمم دون مال ولا صنعة على ما اشترياه يكون في ذمتهما وربحه بينهما.
قال مقيده عفا اللَّه عنه ويحتمل أنها باء الآلة، وتوضيح المص على سبيل الاختصار أن تقول: وفسدت الشركة باشتراكهما أي بسبب اشتراكهما بالذمم أي بأن يتحمل كل واحد منهما في ذمته ما على الآخر، وذلك بأن يتعاقدا على الشركة فيما يشتريانه بدين في ذمتهما وكل منهما حميل عن صاحبه، وذلك الشيء غير معين فإن كان معينا جاز. واللَّه تعالى أعلم.
وهو بينهما يعني أنه إذا وقعت هذه الشركة الفاسدة فإن حكمها بعد الوقوع أن يكون ما اشتراه كل واحد منهما بينهما على ما دخلا عليه، قال الحطاب: وقول المص: "وهو بينهما" بيان للحكم بعد الوقوع كما قال ابن غازي، ثم قال: قال أصبغ: وإذا وقعت الذمم فما اشترياه بينهما على ما عقدا
стр. 6409
وتفسخ الشركة من الآن. انتهى. فمعنى قول المص: "وهو بينهما" أي وما اشترياه فهو بينهما على ما دخلا عليه على المشهور، وقال سحنون: من اشترى شيئا فهو له. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب. ابن عرفة: اللخمي: إن اشتريا سلعة صفقة واحدة فهي بينهما على الجزء الذي اشتركا فيه، وما انفرد أحدهما بشرائه (١) في كونه كذلك واختصاصه بمشتريه قولان لابن القاسم وسحنون، والأول أحسن، ولأصبغ في سماعه كقول ابن القاسم. انتهى. انظر الرهوني.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي وغيره عند قوله: "وهو بينهما" وإذا وقع الشراء منهما أو من أحدهما، فإن لم يعلم البائع لهما باشتراكهما طالب متولي الشراء، ولا يأخذ مليا عن معدم ولا حاضرا عن غائب وإن علم باشتراكهما، فإن جهل فسادها فحكم ما وقع منهما من الضمان كحكم الضمان الصحيح في غير هذه، فإن حضرا موسرين لم يأخذ أحدهما عن صاحبه ويأخذ الملي عن العدم والحاضر عن الغائب، وإن علم فسادها لم يأخذ أحدهما عن الآخر بحال، وإنما يأخذ ممن اشترى فعلمه بفسادها مع علمه باشتراكهما كجهله باشتراكهما. انتهى.
ابن عرفة: وللبائع أخذ كل منهما بنصف الثمن إن حضرا موسرين، وإلا فإن علم شركتهما وجهل فسادها فله أخذ الموسر الحاضر بكل الثمن وإن لم يباشر بالشراء، وإن علم فسادها لم يأخذ أحدهما بجزء الآخر وإن جهل شركتهما فله أخذ متولي الشراء بكل الثمن وغيره بنصيبه؛ لأنه ملك نصف سلعته. انتهى. وبتأمله يظهر لك ما في كلام عبد الباقي. انظر الرهوني.
الثاني: قال الحطاب: قال في سماع عيسى من كتاب الشركة في الرجل يقول لصاحبه اقعد في هذا الحانوت تبيع فيه وأنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علي وعليك، قال: الربح بينهما على ما تعاملا عليه، ويأخذ أحدهما من صاحبه أجرة ما يفضله به في العمل. ابن رشد: وهذا كما قال لأن الربح تابع للضمان إذا عملا بما تداينا به كما هو تابع للمال إذا عملا بما أخرجه كل واحد منهما من المال. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: قال في المدونة: وإن أقعدت صانعا في حانوت على أن تنقل عنه المتاع ويعمل فما رزق اللَّه بينكما نصفين لم يجز. انتهى. وقال في سماع عيسى من كتاب الشركة قبل
стр. 6410
الكلام المتقدم في رجل قال لرجل: اقعد في حانوت وأنا آخذ لك متاعا تبيعه ولك نصف ما ربحت أو ثلثه: لم يصلح ذلك، فإن عملا عليه كان للذي في الحانوت أجرة مثله، ويكون الربح كلا للذي أجلسه في الحانوت. ابن رشد: وهذا كما قال لأنه إجارة فاسدة من أجل أن الربح تابع للضمان، فإذا كان ضمان السلع من الذي أجلسه وجب أن يكون له جميع الربح وللعامل أجرة مثله. انتهى. الرابع: قال عبد الباقي ما نصه والأولى جعل قوله وهو بينهما بيانا لحكم المسألة بعد الوقوع لا من تمام التصوير فهو من المسمى في البديع بالكلام الوجه. انتهى قال البناني: كذا قال ابن غازي وفيه نظر؛ لأن التوجيه إيراد الكلام محتملا لعنيين متضادين، ولا يكفي مجرد احتمال معنيين متغايرين. قاله السعد. وما هنا من الثاني، ومثال التوجيه قول بعضهم:
خاط لي عمرو قباء … ليت عينيه سواء
وكان عمرو أعور. انتهى. إذ لم يعلم هل تمنى له العمى أو تمام البصر.
واعلم أن شركة الوجوه فسرت بمعنيين: أحدهما شركة الذمم، والآخر أشار إليه بقوله: وكبيع وجيه مال خامل بجزء من ربحه يعني أن هذه الشركة فاسدة، وهي أن يتعاقدا على أن وجيها يرغب الناس في الشراء منه يبيع مال خامل بجزء من ربحه، كربع أو ثلث مثلا لجهل الأجر، قوله: "وكبيع" الظاهر أنه عطف على قوله: "ككثير الآلة".
تنبيه: قال الحطاب عند قوله: "وكبيع وجيه مال خامل بجزء من ربحه" ما نصه: هذا تفسير ثان لشركة الذمم. انتهى. وهذا غير صحيح، بل التفسيران لشركة الوجوه كما في المواق وغيره، وأما شركة الذمم فليس لها إلا التفسير الأول، ولفظ ابن الحاجب ولا تصح شركة الوجوه وفسرت بأن يبيع الوجيه مال الخامل ببعض ربحه، وقيل هي شركة الذمم يشتريان ويبيعان والربح بينهما من غير مال وكلتاهما فاسدة وتفسخ، وما اشترياه بينهما على الأشهر. انتهى. ونحوه لابن شاس، ونسب الأول لبعض أهل العلم، والثاني لعبد الوهاب. انتهى. انظر البناني. وقوله: "وكبيع وجيه" لخ قال عبد الباقي: قال الوالد: فإن نزل ذلك فينبغي أن يكون للوجيه جعل مثله بالغا ما بلغ،