"باشتراطه" أي الكثير المفهوم من [كثر] (١)، وهو على حذف مضاف أي باشتراط إلغائه، وفهم من قوله: "باشتراطه" أنهما لو لم يشترطاه وأحب أحدهما أن يعطي صاحبه نصيبه من عمله جاز. انتهى. ونحوه للخرشي. وقال الشارح: أي فإن وقع العقد بينهما على أن من مرض منهما مرضا كثيرا أو غاب غيبة بعيدة يكون ما عمل الآخر بينهما فسدت الشركة. انتهى.
ككثير الآلة يعني أنه إذا اشترط إلغاء كثير الآلة فإن الشركة تفسد، واعلم أن ما وقع في صلب عقد الشركة له حكم المشترط وإن لم يشترط، واحترز بالكثير من اليسير فإنه إذا تفضل به أحدهما لا تفسد الشركة. قاله الحطاب. وفي شرح عبد الباقي ما نصه: ككثير الآلة تفسد بإلغائه عند العقد لا بعده، فيجوز كما استظهره الحطاب خلافا لما في أحمد من المنع، ثم ظاهر المدونة أن الفساد في كثير الآلة وإن لم يحصل شرط كما في الشارح والحطاب، وعليه فالتشبيه في مطلق الفساد لا بقيد الاشتراط، وقال البساطي: إنما تفسد باشتراطه. انتهى المراد منه.
قوله: خلافا لما في أحمد من المنع لخ، قال البناني: ما ذكره أحمد من منع التطوع بعد العقد هو الذي حمل عليه ابن رشد المدونة، وأقره أبو الحسن مقتصرا عليه، قال ابن رشد: هذا على القول بأن شركة الأبدان لا تلزم بالعقد وإنما تلزم بالشروع، وأما على القول بأنها تلزم بالعقد فيجوز. انتهى. وفهم الحطاب المدونة على أن المراد منع التطوع في العقد ولو بلا شرط، وقرر به كلام المص ورد على البساطي في تقييده بالشرط، ثم قال: وانظر إذا تطوع بها أحدهما بعد العقد والظاهر الجواز. انتهى. وفي المدونة: وإن تطاول أحد القصارين على صاحبه بشيء تافه من الماعون ولا قدر له في الكراء كالقصرية والمدقة جاز، وإن تطاول أحدهما على صاحبه بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها لم يجز حتى يشتركا في ملكها أو يكري من الآخر نصفها.
قال ابن ناجي: عياض: المدقة هي الإرزبة بكسر الهمزة التي تكمد بها الثياب وتطاول معناه تفضل، ومعنى ما ذكره إذا وقع في العقد، ولذلك فصل بين التافه وغيره ولو كان بعد العقد جاز ولو كثر، وقيل إنه لا يجوز في غير التافه لأنه من أكل المال بالباطل. انتهى. قال الرهوني: وبه تعلم أن الصواب مع الحطاب لا مع مصطفى وأبي علي. انتهى المراد منه.
стр. 6407
وهل يلغى اليومان كالصحيحة تردد صواب قوله "كالصحيحة" في الصحيحة يعني بدل الكاف، والمعنى على ذلك أن الشركة الصحيحة إذا مرض فيها أحدهما أو غاب ما لا يلغى فإنه وقع التردد، هل يلغى من تلك المدة يومان كما لو غاب أو مرض يومين فقط، أو لا يلغى منها شيء؟ قال البناني: التردد إنما هو في الصحيحة إذا مرض أحدهما أو غاب ما لا يلغى لكثرته كما في الحطاب والمواق وغيرهما، ولعل أصل كلام المص: وهل يلغى اليومان في الصحيحة؟ تردد فصحف بالكاف، وأشار بالتردد لقول ابن يونس عن بعض القرويين: يلغى اليسير، وقول اللخمي: يرجع بالجميع، قال أبو الحسن: والخلاف مبني على أن الجزء من الجملة هل يستقل بنفسه أولا؟ كمن سجد على أنفه بدلا عن الإيماء. انتهى.
وظاهر كلام المص أن التردد في الفاسدة وليس كذلك لأنها إذا فسدت لا يلغى منها شيء، سواء كان فسادها بإلغاء كثير الغيبة أو المرض أو لغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: ثم كلام المص في شريك عمل كصبغ وخياطة ودباغة، وأما الأجراء فليس الصانعان منهم كذلك، فإذا استؤجرا معا على عمل كحفر بير فمرض أحدهما فعمل الآخر جميع العمل فللمريض نصيبه، وليس للعامل شيء عليه لأنه متطوع عنه بالعمل. قاله في المدونة. وهو في غير المستاجرين كما يدل عليه ما مثل به وتعليل المدونة، وأما المياومة فلا يشارك مريض أو غائب مطلقا غيره، وقول المدونة: لأنه متطوع أي بخلاف شريكي العمل فإن كل واحد منهما حميل عن صاحبه ضامن عنه ما يقبل إذا كان المتاع مما يضمن، فلهذا لم يكن الصحيح متطوعا، وإذا عمل أحد شريكي المال فله نصف أجر عمله على صاحبه. انتهى.
وأشار إلى شركة الوجوه بقوله: وباشراكهما بالذمم يعني أن شركة الذمم فاسدة، وفسرها المص بقوله: أن يشتريا بلا مال يعني أن الشركة بالذمم هي أن يتعاقدا على شراء شيء غير معين أي شيء بدين في ذمتهما، وأن كلا حميل عن الآخر ثم يبيعان ذلك الشيء وهي فاسدة كما قال المص، وأما لو كان اشتراكهما في شيء معين فإن ذلك جائز كما مر في قول المص: إلا في اشتراء شيء بينهما، قال الخرشي: والمعنى أنهما إذا اتفقا على أن يشتريا شيئا بينهما في ذمتهما بلا مال يخرجانه من عندهما ثم يبيعان ذلك، فإن الشركة تكون فاسدة وسواء اشتريا ذلك الشيء معا أو
стр. 6408
اشتراه أحدهما دون صاحبه، وهذا قول ابن القاسم وهو المشهور، وإنما فسدت لأنها من باب: تحمل عني وأتحمل عنك وأسلفني وأسلفك، فهو من باب ضمان بجعل وسلف جر منفعة وهذا في غير المعين، أما لو اشتريا شيئا معينا بثمن معلوم في ذمتهما لجاز. انتهى.
وقال عبد الباقي: وفسدت الشركة باشتراكهما بالذمم وهي أن يشتريا شيئا غير معين بلا مال يخرجانه نقدا؛ أي تعاقدا على شراء شيء أيّ شيء كان بدين في ذمتهما، وأن كلا حميل عن الآخر ثم يبيعانه، فترك شرطين، تعاقدهما على شراء شيء غير معين وتحمل كل عن الآخر بمثله أو أكثر منه، فإن دخلا على شراء شيء معين وتساويا في التحمل جاز، كما تقدم في قوله: إلا في اشتراء شيء بينهما لخ، وإنما فسدت هذه الشركة لأنها من باب تحمل عني وأتحمل عنك وأسلفني وأسلفك، فهو من باب ضمان بجعل وسلف جر نفعا. انتهى.
وقال الحطاب: أي وفسدت الشركة بسبب اشتراك المتشاركين بالذمم، وتسمى شركة الوجوه ثم فسرها بأن يشتريا بلا مال يعني أن يدخلا على أن يشتريا ويبيعا على ذمتهما، فما اشتراه أحدهما كان في ذمتهما معا، وهذا إذا لم يكن اشتراكهما في شيء معين، وأما إن اشتركا في شيء معين فهو جائز. انتهى. فالباء في باشتراكهما للسببية كما صرح به الحطاب، والباء في قوله بالذمم يظهر من صنيع الحطاب أنها بمعنى على؛ أي يدخلا على أن يشتريا ويبيعا على ذمتهما، فما اشتراه أحدهما كان في ذمتهما معا، ونحوه للمواق عن أبي محمد، ونصه: هو أن يشتركا على الذمم دون مال ولا صنعة على ما اشترياه يكون في ذمتهما وربحه بينهما.
قال مقيده عفا اللَّه عنه ويحتمل أنها باء الآلة، وتوضيح المص على سبيل الاختصار أن تقول: وفسدت الشركة باشتراكهما أي بسبب اشتراكهما بالذمم أي بأن يتحمل كل واحد منهما في ذمته ما على الآخر، وذلك بأن يتعاقدا على الشركة فيما يشتريانه بدين في ذمتهما وكل منهما حميل عن صاحبه، وذلك الشيء غير معين فإن كان معينا جاز. واللَّه تعالى أعلم.
وهو بينهما يعني أنه إذا وقعت هذه الشركة الفاسدة فإن حكمها بعد الوقوع أن يكون ما اشتراه كل واحد منهما بينهما على ما دخلا عليه، قال الحطاب: وقول المص: "وهو بينهما" بيان للحكم بعد الوقوع كما قال ابن غازي، ثم قال: قال أصبغ: وإذا وقعت الذمم فما اشترياه بينهما على ما عقدا
стр. 6409
وتفسخ الشركة من الآن. انتهى. فمعنى قول المص: "وهو بينهما" أي وما اشترياه فهو بينهما على ما دخلا عليه على المشهور، وقال سحنون: من اشترى شيئا فهو له. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب. ابن عرفة: اللخمي: إن اشتريا سلعة صفقة واحدة فهي بينهما على الجزء الذي اشتركا فيه، وما انفرد أحدهما بشرائه (١) في كونه كذلك واختصاصه بمشتريه قولان لابن القاسم وسحنون، والأول أحسن، ولأصبغ في سماعه كقول ابن القاسم. انتهى. انظر الرهوني.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي وغيره عند قوله: "وهو بينهما" وإذا وقع الشراء منهما أو من أحدهما، فإن لم يعلم البائع لهما باشتراكهما طالب متولي الشراء، ولا يأخذ مليا عن معدم ولا حاضرا عن غائب وإن علم باشتراكهما، فإن جهل فسادها فحكم ما وقع منهما من الضمان كحكم الضمان الصحيح في غير هذه، فإن حضرا موسرين لم يأخذ أحدهما عن صاحبه ويأخذ الملي عن العدم والحاضر عن الغائب، وإن علم فسادها لم يأخذ أحدهما عن الآخر بحال، وإنما يأخذ ممن اشترى فعلمه بفسادها مع علمه باشتراكهما كجهله باشتراكهما. انتهى.
ابن عرفة: وللبائع أخذ كل منهما بنصف الثمن إن حضرا موسرين، وإلا فإن علم شركتهما وجهل فسادها فله أخذ الموسر الحاضر بكل الثمن وإن لم يباشر بالشراء، وإن علم فسادها لم يأخذ أحدهما بجزء الآخر وإن جهل شركتهما فله أخذ متولي الشراء بكل الثمن وغيره بنصيبه؛ لأنه ملك نصف سلعته. انتهى. وبتأمله يظهر لك ما في كلام عبد الباقي. انظر الرهوني.
الثاني: قال الحطاب: قال في سماع عيسى من كتاب الشركة في الرجل يقول لصاحبه اقعد في هذا الحانوت تبيع فيه وأنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علي وعليك، قال: الربح بينهما على ما تعاملا عليه، ويأخذ أحدهما من صاحبه أجرة ما يفضله به في العمل. ابن رشد: وهذا كما قال لأن الربح تابع للضمان إذا عملا بما تداينا به كما هو تابع للمال إذا عملا بما أخرجه كل واحد منهما من المال. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: قال في المدونة: وإن أقعدت صانعا في حانوت على أن تنقل عنه المتاع ويعمل فما رزق اللَّه بينكما نصفين لم يجز. انتهى. وقال في سماع عيسى من كتاب الشركة قبل
стр. 6410
الكلام المتقدم في رجل قال لرجل: اقعد في حانوت وأنا آخذ لك متاعا تبيعه ولك نصف ما ربحت أو ثلثه: لم يصلح ذلك، فإن عملا عليه كان للذي في الحانوت أجرة مثله، ويكون الربح كلا للذي أجلسه في الحانوت. ابن رشد: وهذا كما قال لأنه إجارة فاسدة من أجل أن الربح تابع للضمان، فإذا كان ضمان السلع من الذي أجلسه وجب أن يكون له جميع الربح وللعامل أجرة مثله. انتهى. الرابع: قال عبد الباقي ما نصه والأولى جعل قوله وهو بينهما بيانا لحكم المسألة بعد الوقوع لا من تمام التصوير فهو من المسمى في البديع بالكلام الوجه. انتهى قال البناني: كذا قال ابن غازي وفيه نظر؛ لأن التوجيه إيراد الكلام محتملا لعنيين متضادين، ولا يكفي مجرد احتمال معنيين متغايرين. قاله السعد. وما هنا من الثاني، ومثال التوجيه قول بعضهم:
خاط لي عمرو قباء … ليت عينيه سواء
وكان عمرو أعور. انتهى. إذ لم يعلم هل تمنى له العمى أو تمام البصر.
واعلم أن شركة الوجوه فسرت بمعنيين: أحدهما شركة الذمم، والآخر أشار إليه بقوله: وكبيع وجيه مال خامل بجزء من ربحه يعني أن هذه الشركة فاسدة، وهي أن يتعاقدا على أن وجيها يرغب الناس في الشراء منه يبيع مال خامل بجزء من ربحه، كربع أو ثلث مثلا لجهل الأجر، قوله: "وكبيع" الظاهر أنه عطف على قوله: "ككثير الآلة".
تنبيه: قال الحطاب عند قوله: "وكبيع وجيه مال خامل بجزء من ربحه" ما نصه: هذا تفسير ثان لشركة الذمم. انتهى. وهذا غير صحيح، بل التفسيران لشركة الوجوه كما في المواق وغيره، وأما شركة الذمم فليس لها إلا التفسير الأول، ولفظ ابن الحاجب ولا تصح شركة الوجوه وفسرت بأن يبيع الوجيه مال الخامل ببعض ربحه، وقيل هي شركة الذمم يشتريان ويبيعان والربح بينهما من غير مال وكلتاهما فاسدة وتفسخ، وما اشترياه بينهما على الأشهر. انتهى. ونحوه لابن شاس، ونسب الأول لبعض أهل العلم، والثاني لعبد الوهاب. انتهى. انظر البناني. وقوله: "وكبيع وجيه" لخ قال عبد الباقي: قال الوالد: فإن نزل ذلك فينبغي أن يكون للوجيه جعل مثله بالغا ما بلغ،
стр. 6411
وأما من اشترى من الوجيه فينبغي أنه إن كانت السلعة قائمة خير على مقتضى الغش، وإن فاتت ففيها الأقل من الثمن أو القيمة. انتهى. انتهى.
وكذي رحى وذي بيت وذي دابة ليعملوا إن لم يتساو الكراء وتساووا في الغلة قوله: "وكذي رحى" قال الرهوني: الظاهر أنه معطوف على قوله: "ككثير الآلة" بتقدير مضاف أي وكشركة ذي رحى لخ، والمعنى كفساد شركة اشترط فيها إلغاء كثير الآلة وشركة ذي رحى لخ. انتهى. ومعنى كلام المص أنه إذا اشترك ثلاثة في العمل فأتى أحدهما برحى، وأتى الثاني ببيت توضع فيه تلك الرحى، وأتى الثالث بدابة تدور في ذلك البيت بالرحا، فإن الشركة تكون فاسدة إذا لم يتساووا في كراء تلك الثلاثة، وعملوا بأيديهم على أن ما حصل من الغلة أي ما نالوا من الأجرة في مقابلة الطحن يقسم بينهم أثلاثا، ومفهوم الشرط أعني قوله: إن لم يتساو الكراء أنه إذا تساوى الكراء وما حصل يقسم بينهم أثلاثا جازت الشركة وهو كذلك، ومفهوم قوله: "وتساووا في الغلة" أنهم لو دخلوا على أن كل واحد يأخذ من الغلة على قدر ماله لجازت الشركة وهو كذلك.
وعلم مما قررت أن قوله: "وتساووا في الغلة" من جملة ما دخلا عليه فهو بيان لفرض المسألة والحكم بعد الوقوع كذلك أيضا، فإذا وقعت الشركة على الوجه المذكور فسدت والحكم فيها أنهم يتساوون في الغلة فيقسم ما حصل بينهم أثلاثا، فإذا عرفت هذا عرفت أن قوله: "وتساووا في الغلة" يحتمل أنه بيان لموضوع المسألة وهو المظاهر، ويحتمل أنه بيان للحكم بعد الوقوع وكلا المعنيين صحيح، والأولى أن يكون شاملا للمعنيين إن كان ذلك يصح في العربية. واللَّه تعالى أعلم.
والأول فسر به غير واحد، والثاني فسر به الشارح فإنه جعل قوله: "وتساووا في الغلة" تقريرا لحكم المسألة بعد الوقوع كما بعده من قوله: وترادوا الأكرية يعني أنه إذا وقعت الشركة على هذا الوجه الفاسد فإنهم يترادون الأكرية، ومعنى ذلك أنه يرجع من له فضل عمل على صاحبه، فإن حضروا كلهم وهم أملياء وكان كراء البيت ثلاثة وكراء الدابة درهمين وكراء الرحى درهما، دفع صاحب الرحى لصاحب البيت درهما لأن جميع الكراء ستة فصاحب الدابة كراؤه درهمان فلا شيء له ولا عليه، وقد علمت أنهم يتساوون فيما أخذ في مقابلة الطحن بأن يقسم بينهم أثلاثا ورجوع بعضهم على بعض إنما هو بالنسبة لما تكرى به أمتعتهم. هذا توضيح هذه المسألة.
стр. 6412
قال المواق: ونص المدونة قال ابن القاسم: إذا اشترك ثلاثة نفر أتى أحدهم برحى والآخر بدابة والثالث بالبيت، على (١) أن يعملوا بأيديهم والكسب بينهم أثلاثا فعملوا على ذلك وجهلوا أنه لا يجوز، فإن ما أصابوا يقسم بينهم أثلاثا إن كان كراء الدابة والبيت والرحى معتدلا، وتصح الشركة لأن كل واحد منهم أكرى متاعه بمتاع صاحبه، ألا ترى أن الرحى والدابة والبيت لو كان ذلك لأحدهم فأكرى ثلثي ذلك من صاحبيه وعملوا جازت الشركة؟ قال: وإن كان كراء ما أخرجوه مختلفا قسم المال بينهم أثلاثا لأن رءوس أموالهم عمل أيديهم وقد تكافئوا فيه، ويرجع من له فضل كراء على أصحابه فيترادون ذلك فيما بينهم وإن لم يصيبوا شيئا؛ لأن ما أخرجوه مما يكرى وقد اكتري كراء فاسدا ولم يتراجعوا في عمل أيديهم لتساويهم فيه فجعلت ذلك رءوس أموالهم. انتهى.
ابن يونس: فلو كان كراء البيت ثلاثة والدابة درهمين والرحى درهما وهم حضور أملياء لدفع صاحب الرحى لصاحب البيت درهما؛ لأن جميع الكراء ستة فصاحب الدابة كراء دابته درهمان فلا شيء له ولا عليه.
وإن اشترط عمل رب الدابة فالغلة له وعليه كراؤهما يعني أنه إذا اشترط صاحب الرحى وصاحب البيت في عقد الشركة أن العمل على رب الدابة بمفرده وعمل فإن الغلة كلها تكون له، وكان عمله رأس المال وكان على صاحب الدابة كراء المثل لصاحب الرحا ولصاحب البيت، يريد وإن لم يحصل له ربح ولا مفهوم لقوله: "وإن اشترط عمل رب الدابة" أي وإن اشترط عمل أحدهم بصوصه، وإنما خص المؤلف الدابة تبعا للرواية. قاله غير واحد. قوله: "وعليه كراؤهما" أي وإن لم يصب شيئا كما في المدونة؛ لأن من اكترى شيئا كراء فاسدا عليه كراء مثله وإن لم يصب غلة.
تنبيهات: الأول: قد مر عند قوله: "وترادوا الأكرية" كلام ابن يونس فيما إذا كانوا حضورا أملياء وكان كراء البيت ثلاثة والدابة درهمين والرحى درهما وهو سهل، وقال عبد الباقي: فإذا كان كراء متاع أحدهم درهما والآخر درهمين والآخر ثلاثة فإن أكثرهم كراء يطالب كلا من صاحبيه بما يجيء عليهما من فضل كرائه بالنسبة لأقلهما، فيطالب من كراء متاعه ثلاثة كل واحد من صاحبيه بثلثي درهم، ويطالب من كراء متاعه درهمان كل واحد من صاحبيه بثلث درهم فكل واحد من
стр. 6413
هذين له غريمان، فيأخذ الأول ممن كراء متاعه درهم ثلثي درهم، ويأخذ ممن كراء متاعه درهمان ثلث درهم ويأخذ الثاني ممن كراء متاعه درهم ثلث درهم، وقد أخذ منه الأول ثلثي درهم فتساويا بهذا في الكراء، وهذا الثلث هو الذي أخذه الأول من الثاني بعد ما تقاصا في ثلثه، هذا ما أشار إليه ابن أبي زيد كما ذكره الشارح، وقال عقبه: وأسهل منه ما ذكره ابن يونس أن لمن كراء متاعه أكثر الرجوع على صاحب الأقل بدرهم، فلكل من صاحب الأكثر والوسط غريمان على القول الأول، وأما على الثاني فليس لصاحب الوسط غريم وإنما لصاحب الأكثر غريم واحد وهو من كراء متاعه درهم. انتهى.
واعلم أن ابن يونس إنما خالف أبا محمد في حضورهم وملائهم لا مطلقا، ففي كلام عبد الباقي وغيره نظر، وقول عبد الباقي: فإن أكثرهم كراء يطالب كلا لخ؛ يعني أنهم لما تساووا في الغلة كان من حق صاحب الثلاثة أن يقول أنا لا يلزمني من الكراء إلا ما لزم صاحب الأقل، وهو إنما لزمه درهم فيفضل درهمان يقسطان على الشركاء، فينوب كلا منهم ثلثان فيرجع على كل من صاحبيه بثلثي درهم، وكذا الأوسط يقول: أنا لا يلزمني من الكراء إلا مثل ما لزم صاحب الأقل وهو إنما لزمه درهم، فيكون الفضل وهو الدرهم مقسطا على الثلاثة فيرجع على كل من صاحبيه بثلث درهم، فتقع المقاصة بينه وبين صاحب الثلاثة بثلث درهم ويعطيه ثلثا. قاله البناني.
الثاني: قال المواق: إذا عقد شركاء الأبدان الشركة بينهما على أن يعمل هذا يوما وهذا يوما في هذا خلاف والمشهور أن ذلك لا يجوز، فإن تراضيا بعد الشركة أن يرعى هذا شهرا وهذا شهرا جاز، وكذا معلمو الصبيان. ابن عرفة: اختلف في كون تصرف أحد الشريكين كغاصب أم لا، سمع ابن القاسم: ليس لأحد مالكي عبد ضربه بغير إذن شريكه إن فعل ضمنه إلا في ضرب أدب، وقال سحنون: يضمنه مطلقا. ابن رشد: رأى مالك شركته شبهة تسقط الضمان في ضرب الأدب وهو أظهر من قول سحنون؛ لأن ترك أدبه يفسده، وزرع أحد الشريكين وبناؤه في أرض بينهما بغير إذن شريكه في كونه كغاصب يقلع زرعه وبناؤه أم لا لشبهة الشركة.
الثالث: قال المواق: ومن نوازل البرزلي قال أبو حفص: إذا زرع أحد الورثة قدر حظه من الأرض لا كراء عليه لأنه إنما زرع حصته بخلاف مركب بينهم لأن راكبه سافر به، وليس على شريكه أن
стр. 6414
يسافر به بغير كراء والأرض هي على حالها. البرزلي: وكذا يلزم في الدار أنها على حالها بخلاف الركب، ويظهر من البرزلي أنه رجح هذا على فتيا السيوري في امرأة لها شقص في دار بقيت بتلك الدار تسكنه وحدها، فقام عليها من له البقية بكراء حظه، فقالت إنما سكنت قدر حظي، فقال السيوري: عليها الكراء. ومن هذا المعنى مسألة البير تكون بيد الشريكين فتنهار أو العين فتنقطع، فيعمل فيها أحدهما ويأبى شريكه أن يعمل، فإن جميع الماء يكون للذي عمل وإن كان فيه فضل، ولا شيء لشريكه حتى يعطيه شريكه نصف ما أنفق. انتهى.
وقضي على شريك فيما لا ينقسم أن يعمر أو يبيع؛ يعني أنه إذا كان المشترك فيه عقارا لا ينقسم كحمام وفرن وحانوت ونحوها، فاحتيج إلى الإصلاح وأبى أحدهما فإنه يقضى على الآبي بأن يعمر أي يصلح مع صاحبه أو يبيع ممن يعمر أي يبيع جميع حظه لتقليل الشركاء، لا قدر ما يعمر به فقط وإن اقتصر عليه ابن الحاجب، قال عبد الباقي: ووجه يعني قول ابن الحاجب بأن البيع إنما أبيح للضرر وهو يرتفع بقدر الحاجة؛ لأنه خلاف ظاهر إطلاقاتهم كما قاله ابن عبد السلام، والمعنى أمره القاضي بالعمارة من غير حكم: فإن أبى منه حكم عليه بالبيع، فالقضاء إنما يقع بشيء معين وهو البيع، واستعمل القضاء بمعنى الأمر في الأول وبمعنى الحكم في الثاني وأو للتنويع، ولا يتولى القاضي البيع انظر ابن عرفة في التتائي وغيره. وظاهره الحكم عليه بالبيع وإن كان له ما يعمر به، بدليل أن ابن عرفة جعل القول بأنه يبيع من حظه بقدر ما يعمر به مقابلا، وفي الفاكهاني: في كذي سفل ما يفيد أنه إذا كان له مال ظاهر يجبر على العمارة منه دون بيع، ونقل التتائي نحوه عن سحنون، ويستثنى من كلامه البير خلافا لإدخال التتائي لها في المص والعين، فلا يقضى على شريك أن يعمر أو يبيع ويخير الآخر فيها فإن عمر اختص بما حصل منها من كل الماء أو ما زادته عمارته إلا أن يدفع الآبي ما ينوبه من العمارة، ثم عدم القضاء على الممتنع شامل لما إذا كان على البير زرع أو شجر فيه ثمر مؤبر أم لا كما قال ابن القاسم، وقال ابن نافع والمخزومي: يجبر الشريك إذا كان عليه زرع أو شجر غير مؤبر. قاله الأجهوري.
ويظهر أن مرادهم باختصاصه بما حصل من العمارة أنه يستوفي منها ما أنفق فقط قياسا على المسألة الآتية لا دائما، ثم ما هنا في الشجر لا يعارض ما مر في النفقات من وجوب قيام ذي شجر به
стр. 6415
للنهي عن إضاعة المال لتخصيصه بمن ليس له فيه شريك، وشمل قوله: "ما لا ينقسم" الوقف لشريك ملك فإنه كالملك فيقضى على ناظره الممتنع بالعمارة أو البيع كما في الذخيرة، ويخص قوله في الوقف: "لا عقار وإن خرب" بما جميعه وقف لكن يتفق هنا على البيع منه بقدر الإصلاح لا جميعه حيث لم يحتج له، وعلى أن محله (١) لم يكن فيه ريع يعمر منه وإلا بدئ به على بيعه قطعا، ومفهوم لا ينقسم أن ما يمكن قسمه لا يقضى على آبي الإصلاح ببيع ولا عمارة بل بالقسم لزوال ضرر مريد الإصلاح به. انتهى كلام عبد الباقي.
وما مر عليه المص من قوله: "وقضي على شريك" لخ أحد أقوال ثلاثة، ومقتضى كلام ابن عرفة ترجيح القول الذي مر عليه المص. ابن عرفة: وإذا دعا أحد شريكي ما لا ينقسم لإصلاحه أمر به، فإن أبى ففي جبره على بيعه ممن يصلحه أو بيع القاضي عليه من حظه بقدر ما يلزمه من العمل فيما بقى من حقه بعد ما بيع عليه منه ثالثها: إن كان مليا جبره على الإصلاح وإلا فالأول لابن رشد عن ابن القاسم ومالك وسحنون، وقول عبد الباقي بدليل أن ابن عرفة لخ قصور؛ لأن ابن عرفة ذكر القول بجبر الملي على الإصلاح قولا ثالثا، وعزاه لسحنون كما تقدم، وقوله: وقال ابن نافع والمخزومي يجبر الشريك لخ، قد صرح ابن رشد بضعف ما قالاه مرجحا ما لابن القاسم، وقوله: ويظهر أن مرادهم باختصاصه لخ فيه نظر، بل النقل بخلافه ولفظ المواق قبل قوله: "وقضي على شريك" لخ هو ما نصه: فإن جميع الماء يكون للذي عمل وإن كان فيه فضل ولا شيء منه لشريكه حتى يعطيه شريكه نصف ما أنفق. انتهى. وهو الذي في حريم البير من المدونة. انظر الحطاب. وقوله: لتخصيصه بمن ليس له فيه شريك، تقدم في النفقات أن الوجوب في الشجر من غير قضاء قاله البناني.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب عند قوله: "وقضي على شريك" لخ، ويستثنى من ذلك المعين والبير تكون مشتركة، وقد قسمت [أراضيهما] (٢) ولم يكن عليها زرع ولا شجر مثمر يخاف عليه، فإنه لا خلاف أن الآبي من العمل لا يُلزَم ويقال لصاحبه اعمل ولك الماء كله، أو ما زاد بعملك إلى
стр. 6416
أن يأتيك صاحبك الآبي بما يصيبه من النفقة. قاله ابن رشد. وقال ابن يونس: ظاهر كلام سحنون أنه يجبر على أن يعمل أو يبيع ممن يعمل وإن كان مقسوما. انتهى بالمعنى. وهو مخالف لما حكاه ابن رشد من الاتفاق، ثم قال ابن رشد: وأما إن كان عليها زرع أو شجر، فقال ابن القاسم: ذلك كما إذا لم يكن عليها شيء، وقال ابن نافع والمخزومي: إن الشريك في العين أو البير يجبر على أن يعمر معه أو يبيع نصيبه ممن يعمر، كالعلو يكون لرجل والسفل يكون لآخر فينهدم وهذا تنظير غير صحيح، إذ لا يقدر صاحب العلو أن يبنى علوه حتى يبني صاحب السفل سفله، ويقدر الذي يريد السقي بماء البير المشتركة بينهما إذا انهدمت أن يصل إلى ما يريد من السقي بأن يصلح البير فيكون أحق بجميع الماء إلى أن يأتيه صاحبه بما ينوبه من النفقة، فقول ابن القاسم أصح من قول ابن نافع والمخزومي. واللَّه أعلم. انتهى.
وقد نص في حريم البير من المدونة على أن من عمر أحق بالماء، ونصها وإذا كانت بين رجلين بير فانهارت أو عين فانقطعت فعملها أحدهما وأبى الآخر أن يعمل لم يكن للذي لم يعمل من الماء قليل ولا كثير، وإن كان فيها فضل إلا أن يعطي شريكه نصف ما أنفق، وإذا احتاجت قناة أو بير بين شركاء لسقي أرضهم إلى الكنس لقلة مائها فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون وفي ترك الكنس ضرر على الماء وانتقاص والماء يكفيهم أو يكفي الذين شاءوا الكنس خاصة، فللذين شاءوا الكنس أن يكنسوا ثم يكونوا أولى بالذي زاد في الماء كنسهم، دون من لم يكنس حتى يودوا حصتهم من النفقة فيرجعوا إلى أخذ حصتهم من جميع الماء، وكذلك بير الماشية إذا قل ماؤها فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون فهي كبير الزرع، فإن كنسه بعضهم كان جميعهم فيما كان من الماء قبل الكنس على قدر حقوقهم، ثم يكون الذين كنسوا أحق بما زاد الماء بكنسهم فإذا رووا كان الناس وأباة الكنس في الفضل سواء حتى يودوا حصصهم من النفقة، فإذا أدوه كان جميع الماء بينهم على قدر ما كان لهم ثم الناس في الفضل شرع أي سواء انتهى.
الثاني: إذا كان أحد الشريكين غانبا فإن القاضي يحكم على الغائب بالبيع إن لم يجد له من ماله ما يعمر به نصيبه. نقله البرزلي.
стр. 6417
الثالث: إذا كان المشترك لا يقبل القسمة كالفرن ثم إنه خرب حتى صار أرضا يقبل القسمة فإنه يقسم، وقال ابن فرحون: والأشياء التي لا تنقسم أو في قسمتها ضرر يجبر على البيع من أباه إذا طلب البيع أحدهما وإنما جبر على البيع من أباه دفعا للضرر اللاحق للطالب؛ لأنه إذا باع نصيبه مفردا نقص ثمنه، وإذا قلنا: يجبر من أبى البيع فإنه إذا وقف البيع على ثمن وأراد الطالب للبيع أخذه بما وقف عليه لم يكن له ذلك؛ لأن الناس قد [يتحيلون] (١) بطلب البيع إلى إخراج الناس عن أملاكهم، وأما إن طلب الشراء من أبى البيع فله ذلك. انتهى.
الرابع: قد علمت أن مفهوم قوله: "فيما لا ينقسم" هو المنقسم، قال الشارح: فإن أحدهما إذا طلب العمارة وأبى الآخر فإن الضرر يرتفع بالقسمة، فيقسم عليهما ذلك ويفعل كل واحد منهما في نصيبه ما يشاء ولا خلاف في ذلك. انتهى.
الخامس: قوله: "وقضي على شريك فيما لا ينقسم أن يعمر أو يبيع"، وإذا وقع البيع فأبى الثاني أن يعمر فإنه يقضى عليه بمثل ما قضي به على الأول. قاله الخرشي.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهذا يشمله كلام المصنف. واللَّه تعالى أعلم.
كذي سفل إن وهى شبه ما ليس فيه شركة بمسألة الشركة، ومعنى كلامه أنه إذا كان منزل بين شخصين لأحدهما العلو وللآخر السفل فوهى السفل أي ضعف فإنه يقضى على صاحب السفل بالعمارة أو البيع لمن يعمر؛ لأن لصاحب الأعلى الانتفاع بالأسفل، قال عبد الباقي: وشبه بمسألة الشركة ما ليس فيه شركة، فقال: كذي سفل لشخص يقضى عليه بالعمارة إن وهى وخيف سقوط العلو عليه الكائن لشخص آخر، وإن امتنع باع الحاكم عليه ممن يعمر، وإذا سقط الأعلى على الأسفل فهدمه جبر رب الأسفل على أن يبنيه أو يبيع ممن يبنيه حيث بنى رب العلو علوه، والمراد بالسفل ما نزل عن العلو لا اللاصق للأرض؛ لأنه قد يكون طباقا متعددة، فالمراد بالسفل السفل النسبي، وشمل كلام المص الوقف كالحانوت يوقف وعلوه بيت آخر فيقضى على ناظر الحانوت بعمارته إذا وهى وخيف على العلو منه، وليس على ذي العلو شيء من العمارة، كذا أفتى به علي الأجهوري. وهو يخصص فتوى شيخ شيخنا السنهوري في الخلو، بأن العمارة على
стр. 6418
ربه وعلى الوقف بقدر انتفاع كل؛ أي أن محل ذلك إذا اتحد محل الوقف والخلو لا إن كان أعلى والوقف أسفل فالعمارة على ناظره دون ذي الخلو. انتهى.
قوله: حيث بنى رب العلو علوه، قال الرهوني: موابه حتى يبني كما في الخرشي.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وعندي أنه صحيح، ومعناه حيث أراد رب العلو أن يبنيَ علوه. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: قال في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من الأقضية في المنزل بين الرجلين لأحدهما العلو وللآخر السفل فينكسر سقف البيت الأسفل: إن عليه إصلاحه، وكذلك لو انهدم جداره الأسفل كان عليه أن يبنيه حتى يسقفه. ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة وغيرها ولا اختلاف أعلمه فيها، والدليل على صحتها قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، فلما أضاف السقف إلى البيت وجب أن يحكم بالسقف لصاحب البيت إذا اختلف فيه مع صاحب الأعلى فادعاه كل منهما لنفسه وأن يحكم عليه أنه له، فيلزم بناؤه إذا نفاه كل واحد منهما عن نفسه وادعى أنه لصاحبه ليوجب عليه بنيانه. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إذا كانت دار بين قوم وفيها بيوت وساحة ولها غرف وسطوح بين يديها فقسموا البناء على القيمة وأبقوا الساحة فالسطح يقوم مع البناء تقوم الغرفة بما بين يديها من المرفق، ولصاحب العلو أن يرتفق بساحة السفل كارتفاق صاحب السفل ولا مرفق لصاحب الأسفل في سطح الأعلى؛ إذ ليس من الأفنية ويضيف القاسم قيمة خشب السطح والغرف مع قيمة البيت الذي (١) تحت ذلك، وما رث من خشب العلو الذي هو من أرض الغرف والسطح فإصلاحه على رب الأسفل وله ملكه كما عليه إصلاح ما وهى ورث من جدران الأسفل، وإذا سقط العلو على السفل فهدمه جبر رب الأسفل على أن يبنيه أو يبيع ممن يبنيه حتى يبني رب العلو علوه، فإن باعه ممن يبنيه فامتنع من بنائه جبر المبتاع أيضا على أن يبنيه أو يبيع ممن يبنيه. ابن يونس: قيل إن كان له مال جبر على بنائه (٢) لأنه حق لصاحب العلو، وفي تربصه للبيع ضرر عليه. انتهى.
стр. 6419
فرع: قال الإمام الحطاب إذا كان سبب الانهدام وهاء العلو، فإن كان صاحب السفل حاضرا عالما ولم يتكلم لم يضمن صاحب العلو واختلف إذا كان صاحب السفل غائبا، فإن كان وهاء العلو مما لا يخفى سقوطه هل يضمن أو لا يضمن لأنه لم يتقدم إليه. اللخمي: والأول أحسن وإن تقدم إليه ولم يفعل ضمن اتفاقا، وكذلك إن كان سبب الانهدام وهاء السفل وصاحب العلو حاضر ولم يتكلم ولم يتقدم إليه أو كان غائبا. انتهى.
وعليه التعليق يعني أن السفل إذا وهى وخيف من ذلك سقوط الأعلى فإن عليه أي على صاحب السفل التعليق أي تعليق الأعلى إلى أن يصلح السفل، ويقضى على صاحب السفل بذلك التعليق، ومعنى تعليق الأعلى حمله على خشب ونحوها، قال الحطاب: قال الشيخ سيدي زروق في شرح قول الرسالة: وتعليق الغرف عليه: المراد بالتعليق حمله على خشب ونحوها، ومعنى وهى: ضعف شديدا. انتهى. وقال عبد الباقي: وعليه أي على صاحب السفل إذا وهى وخيف سقوط الأعلى التعليق للأعلى؛ لأن التعليق بمنزلة البناء والبناء على ذي السفل انتهى.
والسقف يعني أنه يقضى على صاحب السفل أن يسقف بيته ليتمكن صاحب الأعلى من البناء، قال الخرشي: وكذلك يقضى على صاحب الأسفل بالسقف لبنيانه لأنه أرض للأعلى، وإنما كان يقضى على صاحب الأسفل به لأنه له عند التنازع كما يأتي. انتهى.
وكنس مرحاض يعني أنه يقضى على صاحب الأسفل بكنس بير المرحاض الذي يلقي فيه صاحب الأعلى سقطاته لأنه يقضى له بذلك، وله أن يرتفق به فهو كسقف السفل. قاله ابن القاسم وأشهب، وقال أصبغ وابن وهب: إنما ذلك على جماجمهم واستظهر. قاله الخرشي وغيره. قال عبد الباقي: وانظر هل معنى كلام ابن القاسم وأشهب أن صاحب العلو ينزل يرمي سقطاته بمرحاض الأسفل وليس له في علوه رقبة؟ أو ولو كان له في علوه رقبة، وعلى الأول فإذا كان له في علوه رقبة يكون كنسه بينهما على قدر الجماجم كبير بينهما، أو لكل رقبة كما بمصر من جعل رقبة مرحاض وبير بأعلى أيضا فتنقيتهما عليهما يجوز ذلك. انتهى.
قوله: أو ولو كان في علوه رقبة لخ، قال البناني: في هذا فرض الخلافَ ابنُ جزي في القوانين، وهو ظاهر كلام ابن رشد إذ قال بعد ذكر القولين ما نصه: وعليهما الخلاف في كنس كنيف الدار المكراة، روى عن ابن القاسم أنه على ربها، وروي عنه أيضا أنه على المكتري، وفي المدونة دليل
стр. 6420
القولين. اهـ. نقله المواق. فإن هذا خلاف في نفس المرحاض، وذكر ابن عرفة بعد ما تقدم ما نصه: زاد الشيخ، وقال لنا أبو بكر بن محمد: إن كانت رقبة البير لرب السفل فالكنس عليه، وإن كان لرب العلو في رقبة البير ملك فالكنس عليهما على قدر الجماجم. اهـ.
تنبيه: لما ذكر المواق القولين في الدار الكراة قال ما نصه: انظر هذا مع قولهم إذا وقعت في بير الدار المكتراة فارة وماتت به أو هر أو غيره إن تنقية البير على رب الدار لأن البير من منافع الدار فعليه إصلاحها؟ انتهى. وأجيب عنه بأن سقوط الفارة ونحوها ليدر بفعل المكتري ولا سببه غالبا ومع ذلك فهو نادر، ثم قال المواق أيضا: وانظر أيضا قد ذكروا الخلاف في الدابة تدخل دار رجل فتموت والمشهور أن إخراجها على رب الدار. انتهى. واعترضه بعض الشيوخ قائلا لم أر من شهر هذا، وكأن المواق أخذ ذلك من تقديم صاحب الطرر له، والظاهر أن الراجح هو مقابله وهو أن إخراجها على ربها لا على رب الدار، ونص الطرر: ومن المجالس من دخلت له دابة في دار رجل فماتت فعلى رب الدار إخراجها لأنه إنما كان يملكها حياتها، فإذا ماتت لم يملك منها شيئا فلزمه إخراجها، وقد قيل إن عليه إخراجها لا على رب الدار؛ لأنه ينتفع بها إن أحب لكلابه وغير ذلك صح من الاستغناء. انتهى.
قال البرزلي في نوازله: ونزلت بتونس فأفتيت فيها بالثاني وكان ابن عرفة يأخذه من المدونة. انتهى. وقال ابن ناجي في شرح المدونة في باب الرهن: وقعت بالقيروان وكتب قاضيها إلى الشيخ أبي القاسم الغبريني فأجابه بذكر القولين إشارة منه إلى أنهما على حد السواء، والصواب عندي الثاني لأن لربها أخذ جلدها ومنع غيره منها، وما وقع في سماع عيسى عن ابن القاسم من الصلاة ضعيف في قوله إن الميتة لا ملك لأحد فيها فإنه يقتضي أنه لو استخرج أجنبي جنينها أو نزع جلدها أنه لا مقال لربها معه لخ، وقال الوانوغي في باب الرهن أيضا: أخذ من تكفين العبد لو ماتت دابة في السوق أو في دار رجل أن على صاحبها إخراجها لأنه أحق بجلدها وجنينها لأن موتها لا ينقل ملك ربها عنها، ثم قال: ولا أعلم أحدا ذكر هذه المسألة غير صاحب الطرر ثم قال: نزلت بالقيروان فأفتى فيها الغبريني بالقول الثاني؛ لأنه ينتفع بها لكلابه ويأخذ جلدها، وكان ابن عرفة يأخذ هذا القول من كتاب الرهون من المدونة؛ يعني هذه المسألة. انتهى. وبذلك كله تعلم ما في تشهير المواق للقول الأول. واللَّه أعلم. انتهى كلام البناني.
стр. 6421
لا سُلَّمٌ بالرفع عطف على التعليق؛ يعني أن المسلم الذي يصعد عليه صاحب الأعلى إلى علوه ليس على صاحب الأسفل فلا يقضى به عليه، وإنما هو على صاحب الأعلى هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم في مختصر ابن عبد الحكم، وحكى ابن أبي زيد عن بعض القرويين أن السلم على صاحب السفل كالسقف والسلم هو الأدراج التي يصعد بها صاحب العلو إلى علوه. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: لا على صاحب السفل سلم للأعلى، وكذلك ليس على الأسفل بلاط بيت الأعلى، وشمل كلامه علوين على سفل فليس على الأسفل شيء كما ليس على الوسط سلم للأعلى، وإنما عليه سلم من الأسفل إلى محله الوسط كما يفيده التوضيح لتوقف انتفاعه بالوسط عليه وإن انتفع به الأعلى أيضا، وعلى الأعلى تعليق سلم من الوسط إلى محله. انتهى.
وبعدم زيادة العلو عطف على قوله: "على شريك" لا على أن يعمر باعتبار الباء المقدرة؛ يعني أنه يقضى على شريك أو غيره صاحب علو مدخول عليه بعدم زيادة العلو، قال الخرشي: يعني أن صاحب العلو إذا أراد أن يزيد في البناء على علوه الذي دخل عليه فإنه يمنع من ذلك، ويقضى عليه بأن لا يزيد لأنه يضر ببناء الأسفل. انتهى. قوله: الذي دخل عليه، فإن لم يدخل عليه منع منه بالكلية إلا أن ياذن. قاله مقيده قال الشارح. وإنما منع من ذلك لأنه يضر بالأسفل، وقد قال ﵇: (لا ضرر ولا ضرار) (١).
إلا الخفيف يعني أنه إنما يمنع من زيادة العلو إن لم يكن المزيد خفيفا، وأما إن كان خفيفا فإنه لا يمنع منه، والخفيف هو ما لا يضر حالا ولا مئالا بالأسفل. المواق: أشهب: ليس لرب العلو أن يبنيَ على علوه شيئا لم يكن إلا ما خف مما لا يضر برب السفل، فإن بنى مضرا قلع ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لم يكن له إدخال خشبة أثقل منها. انتهى.
وبالسقف للأسفل يعني أنه يقضى بالسقف لصاحب الأسفل إذا تنازعه هو وصاحب الأعلى كما مر وهذا مجمع عليه، وبالدابة للراكب يعني أنه يقضى بالدابة للراكب إذا تنازع معه غيره فيها كالقائد والسائق، ولهذا قال: لا يقضى بها لمتعلق بلجمام إلا لعرف أو قرينة وأولى بينة، فإن كان عليها راكبان فهي للمقدم، فإن ركباها كل بجنب فلهما وإن ركبها ثلاثة اثنان كل بناحية والثالث
стр. 6422
على الظهر فهي له إلا لعرف أو قرينة، فإن كان أحدهما سائقا والآخر قائد فبينهما لأنه مال تنازعه اثنان، وليس يد أحدهما أولى به من يد الآخر. قاله عبد الباقي.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وفهم من تعليله أنهما لو كانا سائقين لها أو قائدين لها فإنها بينهما، وفهم منه أيضا أنه لو قامت قرينة أو عرف أو بينة على أنها لأحدهما بعينه لكانت له. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: ابن شاس: إذا تنازعا جدارا حاصلا بين ملكيهما فصاحب اليد منهما من كان إليه وجه الجدار أو الطاقة ومعاقيد القمط، أو كان له عليه جذوع دون صاحبه، فإن لم يكن إلى أحدهما شيء من ذلك أو كان إليهما جميعا فهو بينهما لأنه في أيديهما، وكذا راكب الدابة مع التعلق بلجامها الراكب مختص باليد. انتهى. وإن أقام أحدهم رحى إن أبيا فالغلة لهم يعني أنه إذا كان ثلاثة مثلا شركاء في عرصة معدة للغلة فتهدمت رحاها وأقامها أحدهم قبل القضاء بالعمارة أو البيع لمن يعمر بعد أن امتنع شريكاه من إقامتها معه ومن إذنهما له في العمارة بعد عرضه عليهما كما يشر به أبيا، فإن الغلة أي ما يؤخذ في مقابلة الطحن بالرحى لهم أي للشركاء الثلاثة على الراجح، سواء أبيا من أول العمارة إلى آخرها أو سكتا حين الاستيذان ثم أبيا حين العمارة أو عكسه. قاله عبد الباقي.
ويستوفي منها ما أنفق يعني أن الغلة إنما تكون لهم بعد أن يستوفي المقيم للرحى ما أنفق في إقامتها، وإنما رجع في الغلة لأنها حصلت بسببه، قال عبد الباقي: وإنما لم يرجع في الذمة لأنه لم يؤذن له في العمارة، ومفهوم أبيا أنهما إذا أذنا له أو سكتا مع استيذانه لهما أو لا عالمين بعمارته يرجع في ذمتهما، قال أحمد: حصلت غلة أم لا. انتهى. وكذا إن لم يستأذنهما ولم يعلما بها إلا بعد فراغها لقيامه عنهما بما لابد لهما (١) منه كما يأتي قريبا، خلافا لقول بعض: يعطى قيمة بنائه منقوضا ثم المعتبر إذنهما، وإن تقدمه أو تأخره منع كما مر، قال الناصر اللقاني: واستشكل قوله: "ويستوفي منها ما أنفق" بأن عليه ضررا إذ دفع جملة ويأخذ مفرقا، وأجيب بأنه هو الذي أدخل نفسه في ذلك؛ إذ لو شاء لرفعهما للحاكم فجبرهما على الإصلاح أو البيع ممن يصلح. قاله ابن عبد السلام.
стр. 6423
وبقولي قبل القضاء بالعمارة لخ علم أن هذه المسألة من أفراد وقضي على شريك لخ، لكن ما مر بيان للحكم ابتداء، وما هنا في عمارته إن أبيا قبل رفعهما للحاكم فلا منافاة لانفكاك الجهة، وإنما استوفى منها ما أنفق قبل جعل الغلة بينهم لقيامه عنهما بواجب بغرم كما مر، وقد قال ابن الحاجب: وكل من أوصل نفعا من عمل أو مال بأمر المنتفع أو بغير أمره مما لابد له منه بغرم فعليه أجرة العمل، ومثل المال بخلاف عمل يليه بنفسه أو بعبيده أو مال سقط مثله عنه، وقوله: أوصل نفعا مثله لو وصل له منه نفع من غير قصد إيصاله له، كمن حرث أرض غيره يظنها أرضه، وقوله: بغرم شرط في المنتفع كما يدل عليه الضمائر في كلامه؛ أي فإن كان يفعل ما لابد منه بنفسه أو بعبده وأوصله غيره له بأجر لم يرجع به عليه وليس شرطا في موصل النفع. انتهى.
وقوله: "وإن أقام أحدهم رحى إن أبيا" لخ هو لابن القاسم وابن الماجشون، ابن عبد السلام: وهو أقوى الأقاويل عندي، وعن ابن القاسم: الغلة كلها لمقيمها وعليه أجرة نصيبهما خرابا، وعنه أيضا أنه يكون شريكا في الغلة بما زادت له عمارته، فإن كانت قيمتها عشرة وبعد العمارة خمسة عشر فله ثلث الغلة بعمارته والباقي يقسم بينهم أثلاثا، ثم من أراد أن يدخل معه دفع ما ينوبه من قيمة ذلك يوم يدفعه. قاله الشارح. فهذه ثلاثة أقوال.
تتمة: قال عبد الباقي: إن عمر أحد شريكي مركب نخر مع إباية الآخر فله دفع نصف العمارة، وعند ابن يونس: دفع الأقل من نصفها ومما زادته عمارته واشتركا سوية في الغلة، فإن أبى دفع العمر قيمة حصة الآبي خرابا، فإن أبى اشتركا فيها على التفاوت فالذي أصلح بقدر ما زادته نفقته مع حصته الأولى مثل أن تكون قيمته خرابا مائة ومصلحا مائتين، فللمعمر ثلاثة أرباعه لأن حصته الأولى خمسون حيث كان المركب بينهما نصفين، وزادت عمارته ثلاثة أرباع المائتين ولمن لم يعمر ربع. انتهى.
واعلم أن قول ابن الحاجب: وكل من أوصل نفعا من عمل أو مال لخ هو أحد قولين ذكرهما في المفيد، ونصه: انظر فيمن خاط ثوب رجل بغير إذنه أو حرث أرضه أو بنى داره فلا شيء له في ذلك لأنه متطوع، وهذا المعنى في المدونة إذا انهدم من دار الكراء ما لا ضرر فيه على الساكن فبناه الساكن فلا شيء له في ذلك لأنه متطوع، وانظر آخر كتاب الدور من المدونة ومن الواضحة والعتبية من قول أصبغ أنه ينظر، فإن كان صاحب الدار لابد له من أن يستأجر على ذلك الشيء من يعمله
стр. 6424
فللباني أجرته، وإن كان ممن يعمله بنفسه وغلمانه ولا يستأجر عليه فلا شيء له. انتهى المراد منه. انظر الرهوني.
وبالإذن في دخول جاره لإصلاح جدار ونحوه يعني أنه يقضى على الجار بأن يأذن لجاره في الدخول لداره لأجل إصلاح جدار أو غرز خشبة أو نحو ذلك، ويكون هذا من باب ارتكاب أخف الضررين، وإذا سقط لك ثوب في دار جارك فإنه يقضى لك بالدخول لأخذه إلا أن يخرجه لك، فقوله: "ونحوه" أي نحو الجدار كخشبة أو نحو الإصلاح كثوب أو دابة وهذا أحسن. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقضي على جار بالإذن في دخول جاره وأجراء وبناءين لإصلاح جدار من جهته ونحوه أي نحو الجدار، كغرز خشبة أو نحو الإصلاح كثوب رماه الهواء بدار جاره، ودابة دخلت فيقضى عليه بدخول جاره لأخذ ثوبه ودابته لأنه حق له إن لم يخرجهما له، وله منع جاره من إدخال جص وطين من بابه ويفتح في حائطه كوة لأخذ ذلك، وأشر قوله: "لإصلاح" أنه إذا أراد طر حائطه من جهة جاره فله منعه (١) حيث لا يترتب عليه إصلاح جداره. انتهى. قوله وله منع جاره لخ ظاهره للإصلاح أو للطر، ولا يعارضه قوله قبل: "وبالإذن في دخول جاره" لآجُرٍّ وبَنَّاءِين لأنه يفتح في حائطه كوة لأخذ ذلك كما قال فيدخله دار الجار لكن لا من باب الجار.
واعلم أن الراجح أنه يدخل الطين من باب الجار وأن له طر حائطه من جهة جاره. انظر الرهوني. وفيه عن أبي علي: ووقف (٢) على الخلاف في إرفاق الجار، وما ذكر الناس من الخلاف جزم بما قاله المتيطى أنه يدخل الطين ونحوه من باب الجار، فإن نقب الجدار صعب وهذه الأمور إنما يرتكب فيها أخف الضررين، وفي الحطاب ما نصه: وقال في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: قال بعض أصحابنا: وليس لصاحب الجدار أن يطينه من دار جاره لأن ذلك يزيد في غلظ الجدار، زاد ابن عبد السلام: وليس له أن يعيده أغلظ معا كان من جهة الجدار. انتهى. وظاهر قول المؤلف: "لإصلاح" أنه لا يدخل إلا إذا كان هناك ما يحتاج إلى الإصلاح، ولا يدخل لتفقد جداره وهو ظاهر كلام ابن فتوح، وقال المشاور: له ذلك. انتهى.
стр. 6425
وبقسمته إن طلبت يعني أن الجدار المشترك إذا طلب أحد الشريكين قسمته بالقرعة وأبى الآخر من ذلك فإنه يقضى لمن طلب القسمة إذا كان يمكن قسمه بلا إضرار، فإن لم يمكن قسمه بأن كان لأحدهما جذوع عليه من ناحية وللآخر عليه جذوع من الناحية الأخرى فإنهما يتقاويانه كالذي لا ينقسم من العروض والحيوان، فمن صار له اختص به. قاله الخرشي وغيره.
وصفة القسمة عند ابن القاسم أن يقسم طولا، فإذا كان طوله من المشرق إلى المغرب عشرين ذراعا في عرض شبرين مثلا أخذ كل واحد عشرة أذرع بالقرعة، فالمراد بطوله امتداده جاريا من المشرق إلى المغرب لا بطوله عرضا.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن الباء في "بطوله" بمعنى على، وأنه ظرف مستقر في موضع الحال، وأن قوله: "عرضا" منصوب بنزع الخافض أي في عرضه، والمراد بالعرض سطح ظهره وبالطول امتداده من الجوف إلى مقابله مثلا، ومعنى كلامه أنه إذا أريد قسمه بالقرعة فإنما يقسم طولا ولا يقسم في عرضه مع بقاء الطول في حظ كل منهما، قال الإمام الحطاب: ما ذكره ابن غازي في شرح هذه المسألة كاف في بيانها، وملخص النقول التي ذكرها أنه إن أريد قسمة (١) التراضي قسم على ما تراضوا عليه من الطول أو العرض، وإن أريد قسمه بالقرعة فالذي مشى عليه المص يقسم طولا، وطوله هو امتداده بينهما وعرضه هو سمك ظهره، فإذا كان الجدار مثلا طوله جاريا بينهما من المشرق إلى المغرب، وعرضه جهة الشمال إلى أحدهما وجهة الجنوب إلى الآخر قسم طوله نصفين، نصف يلى المشرق ونصف يلي المغرب ولا يقسم عرضا بأن يأخذ كل واحد منهما نصف عرض الجدار، كما إذا كان عرضه مثلا شبرين فلا يأخذ أحدهما شبرا مع طول الجدار، ويأخذ الآخر شبرا مع طوله أيضا لأنه قد يقع لأحدهما الجهة التي تلي الآخر، فيفوت المراد من القسمة، قال أبو الحسن: إلا أن يقتسماه على أن من صار ذلك له يكون للآخر عليه الحمل. انتهى. انتهى.
وقال المواق: اللخمي: اختلف في قسمة الجدار، فقال ابن القاسم: يقسم، وصفة قسمه إذا كان جاريا من المشرق إلى المغرب أن يأخذ أحدهما طائفة تلي المشرق والآخر طائفة تلي المغرب، وليست القسمة أن يأخذ أحدهما القبلة والآخر ما يلي الجوف؛ لأن ذلك ليس بقسمة؛ لأن ما يضعه
стр. 6426
أحدهما عليه من خشب فثقله ومضرته على جميع الحائط، وليس يختص الثقل والضرر بما يليه إلا أن يريد أن يقتسما أعلاه، مثل أن تكون أرضه شبرين فيبني كل واحد منهما على أعلاه شبرا مما يليه لنفسه ويكون ذلك قسمة للأعلى وجملة الحائط على الشركة الأولى أو يكونا أرادا قسمته بعد انهدامه فيقسمان أرضه ويأخذ كل واحد منهما نصفه مما يليه، وانظر مسألة إذا خيف سقوط جدار هو بينهما وأبى أحدهما من إصلاحه، قال ابن عرفة: ظاهر ما لابن رشد أن المذهب أنه يجبر أن يصلح أو يبيع ممن يصلح، وعن ابن كنانة: لا يجبر أحدهما على بنائه ومن شاء منهما ستر على نفسه. انتهى.
قوله: لأن ما يضعه أحدهما عليه لخ، قال عبد الباقي: وهو ظاهر في جدار عرضه شبران كما في التتائي، فإن اتسع عرضه بحيث لا يصل ما يغرز فيه من خشب لما خص جاره جاز، ومحل جوازه أي قسم الجدار طولا بالقرعة إن لم يكن عليه جذوع للشريكين وإلا لم يقسم جبرا لا طولا ولا بطوله عرضا بل يتقاويان، فمن صار له اختص به وله قلع جذوع شريكه، وينبغي أن يقيد عدم قسمه حينئذ بما إذا لم يدخلا على أن من جاءت جذوعه من ناحية الآخر أبقاها بحالها وإلا جاز. انتهى. الحطاب: إذا كان حائط مشتركا بين اثنين فليس لأحدهما أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه، وكذلك كل مال مشترك، وقال ابن عسكر في العمدة: ولو تنازع اثنان حائطا بين دارين ولا بينة حكم به لمن إليه وجوه الآجر واللبن والطاقات ومعاقد القمط، فإن لم تدل أمارة على الاختصاص فهو مشترك وليس لأحد الشريكين أن يتصرف بهدم أو بناء أو فتح باب أو كوة ونحو ذلك إلا بإذن الشريك.
وبإعادة الساتر لغيره إن هدمه ضررا يعني أن الشخص إذا كان له جدار خاص به ساتر على غيره فهدمه مالكه ضررا فإنه يقضى عليه بإعادته على ما كان عليه لأجل أن يستر على جاره، لا الإصلاح يعني أنه إذا كان هدم الجدار المذكور لا للضرر بل للإصلاح أي لوجه مصلحة، نحو خوف سقوط أو لشيء له تحته أو هدم أي انهدام بنفسه من غير أن يهدمه أحد كما قال: أو هدم، فإنه لا يقضى على صاحبه أن يعيده في الحالتين، ويقال للجار: استر على نفسك إن شئت، وقوله: "لا لإصلاح" لخ عطف على "صررا" وهو مفهوم قوله: "صررا" وقولي: جدار خاص به احتراز عما إذا كان مشتركا بينهما لأنه من أفراد قوله: "وقضي على شريك فيما لا ينقسم أن يعمر أو يبيع"، وقال
стр. 6427
عبد الباقي: إن قوله: "الساتر" شامل للمختص والمشترك، وقوله: "أو هدم" فعل ماض مبني للمفعول عطف على "لإصلاح".
تنبيه: قال المواق: ذكروا أن ما نبت بالتخم فهو بينهما، بخلاف نهر يشق في أرض رجل فنبت به قصب هي لرب الأرض إذ ما لصاحب الماء إلا مجاز الماء خاصة. انتهى. قال الرهوني: وهذه المادة بالتاء المثناة من فوق وبالخاء المعجمة والميم، وهي فيما وقفنا عليه من نسخ المواق بدون واو بين الخاء والميم فيحتمل أن تكون في كلامه بوزن فلس فتكون مفردة أو بوزن عنق فتكون جمعا، ففي المصباح ما نصه: التخم حد الأرض والجمع تخوم مثل فلس وفلوس، وقال ابن الأعرابي وابن السكيت: الواحد تخوم والجمع تخم مثل رسول ورسل. انتهى. ونحوه في الصحاح، وفي القاموس: التخوم بالضم الفصل بين الأرضين من المعالم والحدود مؤنثة الجمع تخوم أيضا وتخم كعنق أو الواحد تخم بالضم وتخمة وتخوم وتخومة بفتحهما. انتهى وفي المقصد المحمود وإذا اختلف الرجلان في التخوم وكل واحد يدعيها لنفسه فهي كمسألة الجدار، ولا يعتبر بارتفاع التخم في حد أرض أحدهما على أرض صاحبه وإن شهد به أهل البصر لأحدهما قضي له به مع يمينه، وقيل في التخم المرتفع إنه للأرض العليا لأنه رفادة لها ليلا تنهار وهو قول حسن، والاحتياط للدين أن لا تغير التخم لقوله ﷺ (ملعون من غير تخوم الأرض ومن ترك شيئا للَّه لم يوجده اللَّه فقده) (١). انتهى.
وبهد بناء بطريق يعني أن من بنى بطريق المسلمين يقضى عليه بهد أي هدم بنائه ذلك، ولا خلاف في ذلك حيث كان البناء يضر بالناس، وكذلك لو لم يضر بالناس على المشهور لكون الطريق واسعا، وقال أصبغ: لا يقضى إلا بهدم ما يضر بالناس، وعليه رد المص بلو في قوله: ولو لم يضر، قال الرهوني: ما رجحه المص هو مذهب الأكثر، وجزم المتيطى وغيره بأنه المشهور والمعمول به وهو الذي اختاره ابن سهل كما في كلامه الذي نقله الحطاب، وقال فيه ابن سلمون: إنه الأصح، وقال فيه ابن أبي الدنيا: إنه الصواب والمردود بلو هو مختار ابن رشد في بيانه ونوازله. واللَّه أعلم.
ومحصل ما في الحطاب أن الخلاف إنما هو في الهدم بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا خلاف أنه ممنوع من ذلك وإن لم يضر وهو متعقب، قال ابن عرفة في إحياء الموات ما نصه: وإن لم يضر ففي جوازه
стр. 6428
ثالثها يمنع ويهدم لقول مالك، وظاهر قول أصبغ مع ابن القاسم وسحنون عن الأخوين. انتهى. وقال عبد الباقي: وبهد بناء بطريق ولو لم يضر لأنها وقعت لمصلحة المسلمين فليس لأحد أن يبني بها، فإن كانت ملكا لشخص بأن يكون أصلها دارا له مثلا وانهدمت حتى صارت طريقا لم يزل ملكه عنها بذلك. قاله بعض شيوخنا. انظر أحمد. وظاهره ولو طال وعلم إعراضه عنها وقيده بعض الشيوخ بما لم يطل. انتهى.
فرع: إذا أخذ أحد من الطريق شيئا ببناء أو غرس واستغله فحكم عليه بهدم بنائه وإزالة غرسه هل يجب عليه رد الغلة أم لا؟ سئل عن ذلك ابن أبي الدنيا فأجاب: ما أضر بالمارين فلا خلاف في هدمه وزواله حتى لا يبقى له رسم وغلته مردودة لا تحل للمغتل وتصرف للفقراء ولا تنفع الحيازة على العامة، وما ليس له مالك معلوم وما لا يضر والطريق واسع فاختلف هل يمنع أو يباح؟ وقد هدم عمر كيرا لحداد، وقال: [تضيقون] (١) على الناس الطريق، وقال مطرف: يمنع ولو كان مثل البيداء وهو الصواب، وإنما يكون الفناء للقاعد للبيع والحاجة. انتهى.
وسأل أبو الفضل عياض ابن رشد عن رجل أدخل طريقا من طرق المسلمين في جنته وحازها وغرسها وقطع المرور فيها واغتلها مرة ثم بعد ذلك قامت فيها البينة وحيزت ولزم إخراجها للمسلمين، ماذا يلزمه في ذلك وماذا ترى فيما اغتل مما غرسه فيها وفي شهادته؟ وأين من قطع الطريق بالكلية ممن أخذ بعضها؟ وفي علمك ما ورد في هذا أفتنا بما عندك في هذا وعن ترك الشهود القيام به إلى الآن وما رأيك في ذلك، واختيارك من الأقوال لاسيما إن كان فاعل ذلك ممن لا يعلم أن القيام يلزمهم، جاوبني عليه مأجورا إن شاء اللَّه.
فأجاب: تصفحت -أعزك اللَّه بطاعته وتولاك بكرامته- سؤالك هذا ووقفت عليه، ويلزم الذي قطع المحجة وأدخلها في جنانه وقطع منافع المسلمين في المرور عليها وهو عالم بذلك غير جاهل به مستخف بارتكاب المحظور فيه الأدب على ذلك مع طرح الشهادة ولا يجب عليه فيما اغتله مما غرسه شيء يحكم به عليه؛ إذ ليس الطريق لمعين فيحكم له بحقه فيما اغتل منه على ما في علمك من الاختلاف في ذلك، وإنما هو حق لجماعة المسلمين في المرور عليها هو أحدهم، وقد قيل على علمك في الحبس الموضوع للغلة إذا انفرد باستغلاله بعض المحبس عليهم دون سائرهم إنه إنما
стр. 6429
يقضى لهم بحقوقهم فيما يستقبل لا فيما مضى، فكيف بالطريق التي ليست موضوعة للغلة وقد باء في ذلك بالإثم، فإن ندم على فعله واستغفر اللَّه منه وتاب إليه من ذلك بقيت عليه التباعة لمن منعه المرور على الطريق التي اقتطعها وأدخلها في جنانه، يقضى له بها يوم القيامة من حسناته فيستحب له أن يتصدق بفعل الخير رجاء أن يكون كفارة له، ولا تبطل شهادة الشاهد في الطريق بترك القيام بشهادته فيه مدة هذا الذي أختاره مما قيل في ذلك؛ إذ قد يكون له في ترك القيام بشهادته إذا لم يدع إليها عذر أو تأويل يعذر به. وباللَّه تعالى التوفيق. ونقله في المعيار أيضا بعد جواب ابن أبي الدنيا فتحصل أنهما قولان. قاله الرهوني. وقال: ظاهر جواب ابن أبي الدنيا أو صريحه أن الثمرة نفسها هي التي تصرف للفقراء ولا وجه له، إذ لا يكون هذا الغارس أشد ممن غصب أرضا من معين فبنى فيها أو غرس التي أشار لها المص فيما يأتي في الغصب، بقوله: "وكراء أرض بنيت". فتأمله واللَّه أعلم. انتهى.
وبجلوس باعة بأفنية الدور للبيع إن خف يعني أنه يقضى للباعة بالجلوس في أفنية الدور لأجل البيع إذا كان ذلك شيئا خفيفا، وإلا فلا يجوز فضلا عن أن يقضى به، قال أصبغ؛ إنما يباح الجلوس ما لم يضيقوا الطريق أو يمنعوا المارة أو يضروا بالناس، واحترز بقوله: "للبيع" من جلوس الباعة للتحدث ونحوه فإنهم يقامون، وضمير "إن خف" يصح عوده على البيع أو الجلوس، وسواء كان من واحد أو متعدد، فمن حصل بجلوسه الضرر فإنه يقام وإن لم يكن، إنما حصل الضرر بانضمام جلوسه لجلوس من قبله، ولا يراعى كل واحد بانفراده لأن العلة الضرر وقد وجد ولو بالانضمام. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وبجلوس باعة بأفنية الدور وهي ما فضل عن المارة من طريق واسعة نافذة، قال ابن عرفة: كان بين يدي بابها أم لا لا ضيقة أو غير نافذة إذ لا فناء حينئذ للدور للبيع لا للتحدث إن خف أي البيع أو الجلوس، فإن لم يخِفَّ كجلوسهم النهار كله أو غالبه ككير الحداد ونحوه لم يجز فضلا عن أن يقضى به، قال أصبغ: إنما يباح الجلوس ما لم يضيقوا الطريق أو يمنعوا المارة ويضروا بالناس. اهـ.
قال أحمد: وقع السؤال لبعض شيوخنا عما إذا كانت العادة في السوق أن يجلس شخص في الأفنية، ثم بمجرد ذهابه يأتي آخر وهكذا إلى انقضاء النهار، فهل لأرباب الدور المنع؟ فأجاب بأنه لا منع لهم لأن هذه العادة قد تتخلف، وإذا ذهب الجالس قد لا يأتي غيره. اهـ. وقد يبحث
стр. 6430
فيه بأن ما يحصل به الضرر يمنع، كان من واحد أو متعدد، ولو كان إنما يحصل بانضمام جلوسه لجلوس من قبله كما يفيده مفهوم المص، ولذا قال بعض شراحه كما مر مفهومه إن لم يخِفَّ بأن ضر بالمارة أو ضيق أو شوش فلا يجوز الإذن به فضلا عن أن يقضى به. اهـ.
وفناء المسجد كالدار أو أولى لأنه مباح في الجملة، وينبغي تقييده بما خف كفناء الدار ثم الراجح جواز كراء الأفنية، وفي التتائي ما يخالف ذلك وإذا أكراه ربه فللمكتري منع من يجلس تقرير، وقد يقال: يصير بمنزلة ربه. قاله الأجهوري. وانظر فناء الحوانيت. اهـ. قوله: ثم الراجح جواز كراء الأفنية لخ هذا نص عليه في سماع ابن القاسم، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق. انظر المواق. ونصه: سمع عيسى ابن القاسم لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها، ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز أن يكريه. انتهى. وهو يشمل بعمومه فناء الحوانيت وغيره، وبه يسقط تنظير الزرقاني. واللَّه أعلم. انتهى.
وقال المواق من ابن يونس: قضى عمر ﵁ بالأفنية لأرباب الدور، ابن حبيب: يعني بالانتفاع للمجالس والمرابط والمساطب أي الدكك التي تبنى بجانب الأبواب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة وليس أن يحاز بالبنيان والتحظير. وقاله من أرضى من أهل العلم. وقد مر عمر بكير حداد في السوق فأمر به فهدم، وقال: تضيقون على الناس السوق، وقال ﷺ : (إذا اختلف الناس في الطريق فحدها سبعة أذرع)، وسمع ابن القاسم: لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها. ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز له أن يكريه. ابن عرفة: هذه الكلية غير صادقة إذ لا يجوز أن يكرى جلد الأضحية ولا بيت الدرسة للطالب ونحوه، وقد تقدم أن إجارة الأضحية تجوز على قول سحنون، ولم يذكر الباجي ولا ابن يونس ولا الشيخ غيره، وأما بيت المدرسة فقال البرزلي: كنت بالديار المصرية وذكر أن أصحاب المدارس والزوايا لا يجوز لهم بيع ولا هبة ولا عارية، ثم إني افتقرت لسكنى بعضها فأعارني طالب بيتا في مدرسة شيخون، وأعارني آخر أخرى في المدرسة المصرية (١) حالة الرجعة، فاعترضوا علي بما كنت أفتيت فأجبت بأني من أهل الحبس، لكن سبقني فيه غيري فإذا طابت نفسه زمنا
стр. 6431
ما برفع يده عنه أو مطلقا فهو جائز، وقويته بما أجابني به ابن عرفة في التطهير في مطاهر المدارس أنه إن كان من جنس الحبس فيسوغ له ذلك، قال القرافي: يجوز لساكن المدارس إنزال الضيف المدة اليسيرة بخلاف المدة الكثيرة. اهـ.
قال ابن رشد: ولا يباح لذي الفناء أن يدخله في داره، فإن فعل وهو يضر بالطريق هدم عليه ورد إلى ما كان، وإن كان لا يضر فقال أشهب وابن وهب: يهدم كذلك، ونقل ابن يونس عن أصبغ: إذا كان لهم أن يحموه فابتنى منهم مبتنٍ وأدخله في بنيانه لم يمنع إن كان الطريق وراءه واسعا وأكرهه ابتداء، فإن فعل لم أحكم عليه بزواله، وقال أشهب مثل ذلك، وروي عن أشهب أنه كرهه: قال ابن رشد: القائلون بالهدم أكثر والقول بعدم الهدم أظهر، وأفتى بالأول يحيى بن يحيى وغيره، وأفتى بعدم الهدم ابن لبابة وغيره. اهـ كلام المواق. قوله: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز له أن يكريه لخ.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: فيه وفي قول ابن عرفة بعده ما يدل على أنه يجوز استيجار الكلب وجلد الميتة. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قوله باعة جمع بائع أصله بيعة بفتح الباء والياء والعين تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فوجب قلبه الفا كما في القاعدة المقررة المشار إليها بقول محمد بن مالك رحمه اللَّه تعالى:
من واو أو ياء بتحريك أصل … ألفا أبدل بعد فتح متصل
لخ
وللسابق يعني أنه يقضى للسابق من الباعة للأفنية، قال الخرشي: يعني أن من سبق إلى مكان من الطريق ليبيع فيه أو غيره فإنه يقضى له به. انتهى. وقال المواق: عياض: قالوا من قعد من الباعة في موضع من أفنية الطرق وأفضية البلاد غير المتملكة من أصحاب الحوائج أو المرافق فهو أولى به ما دام به جالسا، فإن قام منه ونيته الرجوع إليه من غده بمتاعه، فروى الماوردي عن مالك أنه أحق به، وقيل السابق أحق به وهو قول الجمهور.
كمسجد يعني أن من سبق إلى مكان من المسجد وجلس فيه فإنه يقضى له به، قال عبد الباقي: إلا أن يعتاد غير السابق الجلوس بالمحل الذي جلس به السابق لتعليم علم كتدريس أو إفتاء فإنه أحق
стр. 6432
به من غيره إذا عرف به. قاله مالك. وقال: الجمهور أحق به استحسانا لا وجوبا. عياض: ولعله مراد مالك. قاله التتائي. ومعنى كونه استحسانا أن القاضي يقول له الأحسن أو الأولى عند اللَّه جلوسك في محلك المعتاد لتدريس علم أو إفتائك فيكون خارجا مخرج الفتوى لا مخرج الحكم، وانظره مع تصدير الشيخ أحمد بابا بعبارة الإمام، ثم قال: وقيل معنى أحق استحسانا. انتهى. والظاهر أن اختصاصه في الوقت الذي اعتاد فيه ما ذكر فقط لا بوقت غيره بدله أو أزيد منه ولا ما غاب عنه غيبة انقطاع ولا ما اعتاده والده. ابن ناجي: ومواضع الطلبة عندنا بتونس يقضى لهم بها. انتهى. قوله: ومعنى كونه استحسانا أن القاضي يقول له الأحسن أو الأولى عند اللَّه جلوسك في محلك لخ، قال البناني: لا معنى لهذا، فإن من اعتاد الجلوس لا يطلب بملازمة المحل المعتاد له، وإنما معنى الاستحسان أن يقول لمن سبق لوضع اعتاده غيره الأحسن قيامك منه ليقعد فيه من اعتاده. فتأمل.
فائدة: إذا جلس في موضع من المسجد ثم قام لقضاء حاجة أو تجديد وضوء فهو أحق به إذا رجع إليه؛ لما في صحيح مسلم عنه ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) (١). اهـ.
وبسد كوة فتحت أريد سد خلفها يعني أنه يقضى على من فتح كوة أي ثقبة في الحائط أو بابا أو غرفة من داره يشرف منها على جاره أن يسد جميعها إذا أريد سد خلفها فقط، وتقلع العتبة من الباب ليلا يطول الزمان وتبقى حجة للمحدث، ويقول إنما اغتلقته لأعيده متى شئت، والمراد بالخلف الداخل لأن المراد الخلف بالنسبة للخارج وإن كان الحكم واحدا في سد الداخل والخارج، إلا أنه لا يقال للخارج خلف باعتبار نسبة الخلف للخارج كما هو قضية كلام المؤلف. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقضي على جار بسد كوة بالفتح والضم فتحت أي أحدث فتحها تشرف على جاره إذا أريد سد خلفها أي خارجها عن الخشب أو داخل الخشب
стр. 6433
مع بقائها على ما هي عليه فيهما ولا يكفي ذلك، بل يسد أيضا ما يدل عليها كواجهة وخشبة وعتبة ليلا يطول الزمان فيريد من أحدثها أو غيره إعادتها لدلالة محلها عليها وكذا غيرها [مما] (١) يشرف على دار جاره، قال التتائي: ولا يكلف الجار تعلية بنائه حتى لا يراه وسد بالتنوين (٢) لأنه من الظروف اللازمة. انتهى.
تنبيهات: الأول: الكوة بالفتح أشهر وبالضم، قال في الصباح: الكوة بفتح وتضم الثقبة في الحائط وجمع المفتوح على لفظه كوات كجنة وجنات وكواء كظبية وظباء وركوة وركاء وجمع المضموم كوى مثل مدية ومدى. انتهى انظر الرهوني. وقوله: "وبسد كوة فتحت" قال البناني: قيده الحطاب بما إذا كان لا يحتاج في التكشف منها إلى صعود سلم ونحوه وإلا فلا يقضى بسدها، وقيده أيضا بما إذا كان يتكشف منها على الدور أو الجنات على أحد القولين، أما إذا كان يتكشف منها على الزارع فلا تسد بلا خلاف. انتهى. قوله: وقيده أيضا بما إذا كان يتكشف لخ، قال الرهوني: سكت عما إذا كان يطلع منها على عرصة يريد أن يبني بها في المستقبل وفيها خلاف أيضا، ففي طرر ابن عات ما نصه: إن كانت لرجل عرصة وبنى رجل بجنبه فليس له منعه من فتح الأبواب والكوى إليها حتى وإن قال: أريد أن أبني فيها لأنه حق سبق إليه، وقد روى ابن حبيب أن له أن يمنعه فتحها على العرصة قبل البناء وبعده إذا رغب في بنائها لأنه حق له فيرد عنه ما يضر به إن شاء، وذكره عيسى أيضا في كتاب الجدار، قال عيسى: فإن لم يمنعه حتى بنى ثم أراد منعه أن له ذلك ولا يمنعه تركه أولا من القيام عليه بذلك، مطرف: فإن وافقه ففتحها على أنه متى شاء سدها جاز ذلك بينهما. انتهى.
ونقله ابن فرحون في تبصرته مختصرا، وأقره وذكر المسألة في التوضيح فقال: واختلف فيها على ثلاثة أقوال قال مطرف: يمنع قبل بناء القاعة وبعده، وقال ابن الماجشون: لا يمنع مطلقا، وقال ابن القاسم: يمنعه بعد أن يبني القاعة ولا يمنعه قبله، قوله: وقال ابن الماجشون لا يمنع مطلقا، مذهب ابن الماجشون أن التكشف ليس من الضرر ومنعه بعد البناء اتفق عليه مالك فيما رواه ابن
стр. 6434
حبيب وابن القاسم ومطرف وأصبغ وابن حبيب وعيسى بن دينار فهو الراجح مع ما انضم إلى ذلك من أخذه من ظاهر المدونة.
الثاني: قال الرهوني: لا إشكال على قول ابن القاسم أنه لا يضره السكوت قبل بناء عرصته ولو طالت السنون، وانظر هل الحكم كذلك على قول مالك والجماعة المذكورين وهو ظاهر كلامهم وهو الظاهر، أولا؛ لأن سكوته مع قدرته على المنع يعد رضي، لكن الضرر بالفعل لم يحصل له قبل البناء فلا يضره السكوت. واللَّه أعلم. انتهى.
الثالث: حكى ابن سلمون الاتفاق على أن التكشف من الضرر الذي يحكم بدفعه وفيه نظر، ففي التوضيح: اختلف فيمن اتخذ كوى وأبوابا يشرف منها على باب جاره، فقال مالك وابن القاسم: يمنع، ورواه ابن وهب وزاد: ولا يكلف أن يعلي ببنائه حتى لا يراه، وفي المبسوط عن ابن سلمة: لا يمنع: ورواه ابن العدل عن ابن الماجشون، قال: ويقال استر على نفسك إن شئت والأول هو المعروف. اهـ. وقال ابن عرفة: ومنه ضرر الاطلاع كإحداث كوة أو باب يطلع من أحدهما على دار جاره أو يتخذ عليه قصبة يشرف منها على عياله، وشذ قول أشهب وابن الماجشون ومحمد بن مسلمة ومحمد بن صدقة من أصحاب مالك إنه لا يمنع، ويقال لجاره استر على نفسك إن شئت، قلت في لفظ إن شئت نظر أشار إليه الصقلي في نحو هذا وقال الواجب أن يستر على نفسه. انتهى. الرابع: قال الرهوني: قال في طرر ابن عات: فإن بنى رجل في موضع مشرف يطل منه على جيرانه لم يمنع منه لأنه كان يطلع منه قبل ذلك إلا أن يقيم فيها كوة يطل منها فله منعه، المشاور: وكذلك من فتح كوى يطلع منها على ما يطلع عليه غيره منع من ذلك ولا حجة له في اطلاع غيره من دار كان أو طريق. اهـ.
الخامس: قال البناني وغيره: وإذا سكت من أحدث عليه ضرر من فتح كوة ونحوها عشر سنين ولم ينكر حيز عليه ولا مقال له حيث لم يكن له عذر في ترك القيام، هذا قول ابن القاسم وبه القضاء اهـ وقال أصبغ لا ينقطع القيام في إحداث الضرر إلا بعد سكوت سنة ونحوها.
السادس: إذا أحدث الرجل من البنيان ما يجب عليه القيام فيه بالضرر، فقام عليه جاره بالقرب من الفراغ من البنيان فعليه اليمين أن سكوته حتى كمل البنيان لم يكن على إسقاط حقه الواجب
стр. 6435
له في ذلك من القيام بقطع الضرر. انتهى. ففهم من ترتب اليمين عليه إذا قام بقرب الفراغ من الإحداث ترتبها من باب أولى إذا قام به بعد طول وقلنا إن له القيام به ولو طالت المدة. اهـ. يعني كما مرت ويأتي بحث الرهوني إن شاء اللَّه تعالى في كلام الحطاب هذا عند قول المص: "ومضر بجدار". واللَّه تعالى أعلم.
السابع قال في التوضيح: ومن باع داره وقد أحدث جاره عليه مطلعا أو مجرى ماء أو غيره من الضرر، فقال مطرف وابن الماجشون: إن كان البائع لم يقم في ذلك حتى (١) باعها فلا قيام للمشتري ولو كان قد قام يخاصم، فلم يتم له الحكم حتى باع فللمشتري أن يقوم ويحل محله. المتيطى: ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن بيعه بعد العلم رضي بترك القيام، والثاني أنه ليس برضى، والثالث أنه ليس برضى من البائع ولا قيام للمشتري، إلا أن له الرد على البائع بالعيب إن لم يعلم به، فإن رد عليه فللبائع القيام. نقله الحطاب.
ويمنع دخان كحمام يعني أن الحمامات والأفران وما أشبهها إذا كانت حادثة فإنه يقضى بمنع دخانها لأنه يؤذي الناس برائحته، ورائحة كدباغ يعني أن رائحة الدباغ وما أشبهها كالمذبح والسمط والمصلق يقضى بمنعها إذا كانت حادثة لأنها تؤذي الناس؛ لأن الرائحة المنتنة تخرق الخياشيم وتصل إلى الأمعاء فتؤذي الإنسان، والمسمط هو موضع قطع اللحم، وقوله: "دخان" بترك التنوين مضاف للكاف وهو اسم بمعنى مثل، وكذا يقال في: رائحة كدباغ.
وعلم مما قررت أن المراد بقوله: "وبمنع دخان" لخ الحارث.
فرع: في المعيار ما نصه: وسئل أي السيوري عمن له حجرة في بيوت لسكنى الكراء في موضع مرغوب فيه، فعمد إليها وهدمها وبنى بها غيرها وتركها خرابا لإلقاء الفضلات والكناسات والنجاسات وتضرر بها الجيران، هل يجوز فعل مثل هذا؟ وهل يجبر على بنائها أم لا وربما طولب ببنائها فقال نفعل ثم لم يفعل؟ فأجاب: إذا أضر بالجيران ضررا كثيرا فإما أن يبيع وإما أن يبني. قاله الرهوني.
стр. 6436
وأندر قبل بيت الأندر بفتح الدال الجرين يعني أن من أحدث أندرا قبل بيت فإنه يمنع من ذلك لأنه يتضرر بتبن التذرية، قال الخرشي: والمعنى أن من جعل أندره قبل بيت شخص أو قبل حانوته وما أشبه ذلك فإنه يمنع منه لأنه يتضرر بتبن التذرية، وقبل بكسر القاف وفتح الباء أي تجاه، ثم إن المؤلف لو حذف قوله قبل بيت لمسلم مما أورد عليه من أن منعه لا يتقيد بكونه في مقابلة البيت بل بحصول الضرر، وأما الغسال والضراب يؤذي وقوع ضربهما فلا يمنعان من ذلك. ابن حبيب: ومن أراد أن ينفض حصره أو غيرها على باب داره وهو يضر غباره بمن مر بالطريق يمنع من ذلك، ولا حجة له أن يقول إنما فعلته على باب داري. انتهى.
ونحوه لعبد الباقي، وقال المواق: مطرف وابن الماجشون: من أحدث أندرا إلى جنب جنان رجل وهو يضر به في تذريته التبن، قال: يمنع من ذلك كمن أحدث إلى جانب داره فرنا أو حماما فيضر بمن جاوره إلا أن يأذنوا في ذلك، وأما الغسال والضراب يؤذي جاره وقع ضربهما فلا يمنعان من هذا، وأما الدباغ يؤذي جيرانه برائحة دباغه ونتنه فهذا يمنع من ذلك كالفرن والحمام، قالا: ولو أحدث جنانا إلى جانب الأندر وتبن الأندر يَضُرُّ به كذلك سواء، ويمنع صاحب الأندر من الضرر كما كان يمنع قبل البناء وقوع التبن في أرضه. انتهى نص ابن يونس.
ابن رشد: إحداث أندر بإزاء دار أو جنان يضر ما يقع بأحدهما من تبن عند الذَّرْو ضَرَرٌ، وكذا دخان حمام أو فرن أو رائحة دبغ أو إلصاق كنيف بجدار جاره أو رحى تضر بجداره وشبهه اتفاقا في الجميع. انتهى. وقد نقل هذا ابن عات، وذكر هل يجعل أنبوبا في أعلى الفرن يرتقي الدخان فيه ولا يضر بمن جاوره. انظره في ابتياع حصة من أندر. المشاور: الصوت لا يخرق الأسماع ولا يضر بالأجسام فلا يمتنع إلا أن يضر بالجدرات فيمنع، وذلك بخلاف أن يحدث في داره أو حانوته دباغا أو يفتح بقرب جاره مرحاضا ولا يغطيه أو ما تؤذيه رائحته؛ لأن الرائحة المنتنة تخرق الخياشيم وتصل إلى الأمعاء وتؤذي الإنسان، وهو معنى قوله ﵊: (من أكل من هذه الشجرة) (١) الحديث.
стр. 6437
قال: فكل رائحة تؤذي يمنع منها لهذا الحديث وبهذا هو (١) العمل. انتهى.
ومضر بجدار يعني أنه يمنع من إحداث ما يضر بجدار جاره كرحى ومدق بز وكحفر بير أو مرحاض بجانب جدار داره، وقوله: "ومضر بجدار" أي يقضى عليه بالمنع من ذلك كما في المسائل قبله وبعده، وقولي: كرحى تبعت فيه غير واحد، قال الرهوني: لا إشكال أن الرحى من مضرات الجدار في الجملة، ويرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، وفي المعيار عن ابن الرامي: والذي عندي في ذلك أن الذي يريد أن يعمل في داره الرحى يتباعد من حائط الجار بثمانية أشبار من حد دوران البهيمة إلى حائط ويشغل ذلك بالبنيان بين الدوران وحائط الجار إما ببيت أو مخزن أو مجاز لابد لذلك من حائل؛ لأن البناء يحول بين الضرة وحائط الجار. اهـ.
وفيه أيضا: وسياقه أنه للقاضي ابن عبد الرفيع يؤخذ طرف من كاغد وتربط أركانه بأربعة خيوط في كل ركن خيط وتجمع أطراف الخيوط وتعلق في السقف على الحائط الفاصل بين الدار والرحى، وتجعل على الكاغد حبة من كزبر يابس، ويقال لصاحب الرحى هز رحاك فإن اهتز الكزبر على الكاغد قيل لصاحب الرحى اقلع رحاك لأنها تضر بالجار، وإن كان لا يهتز الكزبر على الكاغد قيل لصاحب الدار اترك صاحب الرحى يخدم لأنها لا تضره.
تنبيه: في الحطاب هنا عن ابن فرحون ما نصه: قال ابن الهندي: وإن قام رجل على جاره في شيء يريد إحداثه وادعى أنه ضرر وأقام بينة تشهد بأن الذي يريد إحداثه يكون فيه ضرر على جاره من اطلاع وغيره، فليس يمنع جاره من عمل ما يريد، فإذا تم عمله وثبت الضرر هدم عليه إذا لم يكن عنده فيه مدفع. انتهى. فتأمله واللَّه أعلم. اهـ منه بلفظه.
فانظره مع ما ذكره في الفرع الرابع عند قوله: "وبسد كوة فتحت" عن ابن فرحون أيضا: إذا أحدث الرجل من البنيان ما يجب عليه القيام فيه بالضرر، فقام جاره عليه بالقرب من الفراغ من البنيان فعليه اليمين أن سكوته حتى كمل البنيان لم يكن على إسقاط حقه الواجب له في ذلك من القيام بقطع الضرر. اهـ. ففهم من ترتب اليمين عليه إذا قام بقرب الفراغ من الإحداث ترتبها من باب أولى إذا قام به بعد طول وقلنا له القيام به ولو طالت المدة. انتهى. وفيه أمران: أحدهما أن ما
стр. 6438
ذكره من وجوب اليمين إذا قام بالقرب معارض لما ذكره عن ابن الهندي من أنه لا تسمع دعواه إذا قام عليه حين الشروع ويؤخر إلى الفراغ، فكيف يؤمر بالتأخير إلى الفراغ؟ وتجب عليه اليمين إذا قام بالقرب فتأمله، ثانيهما أنه استشهد لما قاله ابن فرحون بما نقله عن العتبية وفيه نظر؛ لأن الذي في العتبية وجوب اليمين بعد السنة والسنتين وليس هذا بقرب، فلو استدل له بما في الوثائق المجموعة وابن سلمون ونظمه في التحفة لسلم من هذا، ومع ذلك فالذي في المعيار عن العتبية بالمحل المذكور خلافه، فإنه نقل في نوازل الضرر كلام العتبية بطوله، ونقل كلام ابن رشد عليه، فقال في آخر كلام ابن رشد ما نصه: ولما قال إن من حق المبتاع أن يسد المجرى على البائع حكم عليه بحكم ما لو أحدثه عليه بعد الشراء، فقال: إنه إن قام بقرب ذلك كان له أن يسده وإذا لم يقم إلا بعد السنة والسنتين لم يكن له ذلك إلا بعد يمينه، وإن سكت إلى وقت الحيازة في الأشياء عد ذلك رضي ولزمه. اهـ.
وعلى هذا فلا إشكال فيما نقله عن ابن الهندي، ولا يعول على ما نقله عن ابن فرحون من وجوب اليمين مع القرب وإن وافق ما في التحفة وغيرها لمخالفته لما في العتبية، وسلمه حافظ المذهب ابن رشد ولم يحك خلافه، وسلمه الحافظ الونشريسي ولم يحك فيه خلافا. واللَّه الموفق. اهـ.
وإصطبل قال النووي: هو بكسر الهمزة وهي همزة أصلية فكل حروف الكلمة أصلية وهو عجمي معرب وهو بيت الخيل ونحوها. قاله الحطاب. ومعنى كلام المص أن الجار يمنع من إحداث إصطبل عند بيت جاره لما فيه من الضرر ببول الدواب وزبلها ببيت جاره وحركتها في الليل والنهار المانعة من النوم. قاله في المفيد. قاله المواق. وقال البناني عند قوله: "وإصطبل" ما نصه: اعترض هذا بأنه مستغنى عنه؛ لأنه إن كان للرائحة فهو داخل في قوله: "ورائحة كدباغ"، وإن كان للضرر بالجدار فهو داخل فيما قبله، وإن كان للصوت فهو داخل في قوله: "وصوت ككمد" وأجيب بأن مراده التنصيص على ما وقع في النص. انتهى.
وقال الخرشي معللا للمنع من إحداث الإصطبل بقوله: لما في الاصطبل من الضرر ببول الدواب وزبلها وحركتها ليلا ونهارا، ويفيد كلام غير واحد أن الإصطبل لا يتقيد بكونه قبالة باب الجار، فيمنع من إحداثه مطلقا كان قبالة باب الجار أم لا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6439
وحانوت قبالة باب يعني أن الشخص يمنع من إحداث حانوت قبالة باب جاره لأنه يلزم منه أن يطلع على عورات جاره، قوله: "وحانوت قبالة باب" قال عبد الباقي: قبالة باب لجاره ولو بسكة نافذة على ما صوبه بعضهم، فليس كباب بسكة نفذت لأنه أشد ضررا لتكرر الوارد عليه. انتهى. ونحوه للخرشي ولفظه: وظاهر ما ذكره في الحانوت قبالة البيت من المنع ولو كان بسكة نافذة وهو ما صدر به بعض القرويين وارتضاه الحطاب، وليس كباب بسكة نافذة لأن الحانوت أشد ضررا لتكرر الوارد عليه دون باب المنزل، ومفهوم: "قبالة باب" أنه لو لم يكن كذلك لا يمنع منه وهو كذلك. انتهى. قوله: "ولو بسكة نافذة" لخ قال البناني: هذا خلاف ما لابن غازي من التقييد بالسكة غير النافذة بناء على التسوية بين الحانوت والباب، قال الحطاب: وهو الذي حكاه ابن رشد في كتاب السلطان، وأفتى به ابن عرفة، لكن نقل البرزلي عن المازري أن بعض القرويين قال: إن الحانوت أشد ضررا من الباب لكثرة ملازمة الجلوس به وإنه يمنع بكل حال، قال البرزلي: وهو الصواب. نقله الحطاب. وعليه جرى الزرقاني في إطلاقه في كلام المص هنا. واللَّه أعلم. انتهى قول البناني.
قال البرزلي: وهو الصواب لخ، قال الرهوني: قلت وما صوبه البرزلي هو الظاهر، وفي المعيار: وأما الحوانيت فكشفها أعظم وأكثر وعدة (١) ضررها من غير وجه واحد أبين وأظهر، وإذا منعنا من باب الديار كان الحوانيت أحرى لوجوه يكثر تعدادها، وبهذا أفتى جماعة من فقهاء قرطبة حين سئلوا عن المسألة بعينها كما في المعيار، وجلب الرهوني ما جلب إلى أن قال: وبذلك كله تعلم أن ما صوبه البرزلي هو الصواب. واللَّه أعلم.
تنبيه: مثل الحانوت فتح الكوة، ففي المعيار ما نصه: وسئل ابن الغماز عن رجل أحدث غرفة وفتح فيها كوة يرى منها ما في سقيفة جاره إذا فتح بابه، فهل لصاحب الدار منع هذا مما فتح عليه من ذلك وبينهما سكة نافذة للمار واسعة كبيرة؟ فأجاب بمنع الرجل من أن يحدث على جاره كوة يطلع منها على ما في سقيفة جاره، وليس الباب والكوة سواء لأن الباب إنما يعمل للدخول والخروج لمن يدخل ويخرج وليس من ذلك بُدٌّ، والكوى لا يحترز منها وينظرك ولا تنظره،
стр. 6440
والمار يتحرز منه ولجوازه وسيره لا يتمكن من النظر والكوة للقعود فهي مضرة كثيرة، قال ابن الرامي: وبهذا أجابني كل من سألته من علمائنا وما رأيت من القضاة أحدا حكم بغير ذلك. انتهى.
وبقطع ما أضر من شجرة بجدار إن تجددت يعني أن من له شجرة بجوار جدار إنسان وأضرت بالجدار بأن امتدت أغصانها عليه، فإن كانت حادثة بأن طرأت بعد الجدار فإنه يقضى بقطع الزائد المضر بلا خلاف، وإلا أي وإن لم تتجدد بأن كانت أقدم من الجدار ففي قطع المضر من أغصانها وهو الراجح وعدمه؛ لأن صاحب الجدار أخذ من حريم الشجرة قولان، والقول بالقطع الذي هو الراجح لمطرف وأصبغ، والقول بعدم القطع لابن الماجشون، وأما قول التحفة:
وتركه وإن أضر الأشهر
فقد تعقبه أبو علي بأن قول مطرف بالقطع هو الراجح؛ لأنه قال به أصبغ وعيسى بن دينار، واختاره ابن حبيب وابن رشد. انتهى.
وقال عبد الباقي: وبقطع ما أضر من أغصان شجرة بجدار لجار إن تجددت الشجرة وإلا تتجدد بل كانت أقدم من الجدار، فقولان في قطع المضر من أغصانها وهو الراجح وعدمه؛ لأن صاحب الجدار أخذ من حريم الشجرة، وأما ما يضر من جدرها المغيب في الأرض بجدار غير مالكها فهو مما يدخل في قوله: "ومضر بجدار" وجعل بعضهم قوله: "وبقطع ما أضر من شجرة" لخ شاملا له ويفترق التقديران في دخول الخلاف فيه أي في الجدار على الثاني لا على الأول. اهـ. قوله: وأما ما يضر من جدرها المغيب لخ، قال البناني: ما ذكره من أنه يدخل في قوله: "ومضر بجدار"، وفي قوله: "وبقطع ما أضر" لخ إنما يعني به قطع الجدور المضرة فقط، وأما الشجرة نفسها فلا سبيل لقلعها كما ذكره ابن رشد، ونصه: وإن كانت الشجرة قديمة قبل دار الجار فليس للجار قلعها ولو أضرت بجداره: وفي قطعه ما أضر مما طال من أغصانها قولا أصبغ مع مطرف وابن الماجشون، لأنه علم أن هذا يكون من حال الشجرة فقد حاز ذلك من حريمها والأول أظهر واختاره ابن حبيب. انتهى. نقله ابن عرفة. انتهى. وقال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "بجدار" أنه لو ادعى الجار التسور على منزله من شجرة بجانبه لم تقطع ولو متجددة إلا أن يثبت ذلك فتقطع، وهل
стр. 6441
مطلقا وبه أفتى بعضهم أو إلا أن تكون أقدم؟ ولعل الفرق بين ما هنا وبين عدم جبر ذي خربة بجانب دار الآخر ويخشى منها توصل السراق لذي الدار إمكان تحرز رب الدار بعلو البناء على الخربة، بخلاف الشجرة لتجدد نمو غصنها دائما. اهـ. قوله: ومفهوم قوله: "بجدار" أنه لخ، قال الرهوني: ما ذكره من التفصيل صواب، وأظن أني رأيت في المعيار مثله، وظاهر ما في المواق عن ابن وهب أنها لا تقطع بذلك مطلقا. انتهى.
وقوله: أو إلا أن تكون أقدم، الظاهر إذا ثبت ضررها بذلك وكانت أقدم أن يقطع ويعطي رب الدار قيمته. واللَّه أعلم. وقوله: ولعل الفرق بين ما هنا وبين عدم جبر ذي خربة بجانب دار لخ جزم بعدم جبر رب الخربة المذكورة على بنائها، ولم يجزم بذلك الأجهوري، بل قال عند قول المص: "ولم يجبر آجر على إصلاح مطلقا" ما نصه: قلت وأخذ غير واحد من أشياخي من مسألة المص أنه لا يجبر من له خربة بجوار شخص يحصل له منها ضرر كسارق ونحوه على عمارتها، ويقال له اعمل ما يندفع به الضرر عنك، وأفتى بعضهم بلزوم رب الخربة بفعل ما يدفع به الضرر عن جاره من عمارة أو بيع ممن يعمر ونحو ذلك، إلى أن قال: ولا شك أنه يفيد رجحان الأول، فلذلك اقتصر عليه الزرقاني. واللَّه أعلم. اهـ. المراد منه.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: انظر عند قول المص "ولم يجبر آجر على إصلاح".
تنبيهان: الأول: في المعيار: من له شجرة نابتة في ملك الغير فإنه يملك موضع الشجرة وحريمها وهو مقدار من الأرض يدور بها يحرم ما يدور بالشجرة ويسقي الشجرة إذا جذب إليها الماء في الحريم، وهذا الحريم يختلف باختلاف الشجر، ويرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة من الفلاحة، فهم يعينون للشجرة حريما بملك رب الأرض، فإن بادت الشجرة جعل مكانها عوضا منها، وإن مالت واحتاجت إلى التدعيم وأمكن جعل الدعامة في حريم الشجرة فعل ذلك، وليس لرب الأرض أن يمنعه من ذلك؛ لأنه جعل الدعامة في ملكه وهو حريم شجرته، فإن مالت الشجرة حتى خرجت عن حريمها وكان لا يتأتى جعل الدعامة بحيث ينتفع بها إلا بملك الغير، فحينئذ له المنع إلا أن يرضيه في ملكه. اهـ.
стр. 6442
الثاني: مثل هذه المسألة من له شجرة في أرضه فمالت فليس له جعل الدعامة في أرض جاره إلا أن يرضيه، وكثيرا ما تقع المسألتان فيبادر رب الشجرة إلى تدعيمها حيث لا يجوز له من غير استيذان ولاسيما ذوي القرابة، فإن قام رب الأرض عليه قبل انقضاء أمد الحيازة فله ذلك بعد يمينه إن طال وبدونها أي اليمين إن قام بالقرب كما مر عن العتبية وابن رشد، وهو الصواب الموافق لا يأتي في الشفعة خلافا لما في التحفة وغيرها، وإن سكت أمد الحيازة فلا كلام له والراجح المعمول به أنه عشرة أعوام. قاله الرهوني. وقال المواق: قال مطرف في الشجر يكون إلى جانب رجل فيضربه: فإن كانت أقدم من الجدار وكانت على حال ما هي عليه اليوم من انبساطها فلا تقطع، وإن حدث لها أغصان بعد ما بني الجدار تضر بالجدار فليشمر منها كل ما أضر بالجدار مما حدث، وقال ابن الماجشون: يترك ما حدث وانتشر من أغصانها وإن أضر ذلك بالجدار.
ابن حبيب: وقال أصبغ بقول مطرف وبه أول ابن يونس وقاله عيسى بن دينار، وقالوا أجمع إن كانت الشجرة محدثة بعد الجدار فإنه يقطع منها كل ما آذى الجدار وأضر به من قليل أو كثير، وقال ابن وهب في شجرة في دار رجل فطالت حتى صار يشرف منها إلى دار جاره: إذا طلع يجنيها أو غرسها قريبا من جاره فيزعم أنه يخاف أن يطرق منها فيدخل عليه في داره، قال: إن لم يكن عليه حجة إلا ما خاف من الطرق أو ممن يجنيها فلا حجة له، ويؤذنه إذا أراد أن يجنيها، وأما إن خرج من فروعها إلى أرض جاره فليقطع ذلك الخارج فقط، ونحوه لأصبغ قال: إن كان عظمها وامتدادها صعودا إلى السماء فلا تغير عن حالها كالبنيان يرفعه الرجل في حقه فيستر به الريح والشمس عن جاره وإن كان إنما امتدت في أرض جاره، فلتشمر وتقطع وترد إلى حال لا تؤذي قال ابن سحنون: كل ما خرج منها إلى أرض جاره فليقطع حتى يعود فروعها حذاء أرض صاحبها؛ لأن هواء الأرض لربها، قال أصبغ: وأما الشجرة التي تكون للرجل في أرض الرجل بميراث أو شراء أو قسم فامتدت فروعها فلا قول لصاحب الأرض في ذلك، وقاله ابن القاسم قال أصبغ: ومن في حائطه شجرة فيخرج منها قضبان تحت الأرض فتظهر في أرض جاره وتصير شجرا مثمرات فيخير من نبت في أرضه في أن يقلعها أو يعطي للآخر قيمتها مقلوعة مطروحة، قال ابن القاسم: إلا أن يكون لصاحب الشجر منفعة لو قلعها وغرسها بموضع آخر لنبتت فله ذلك وإن
стр. 6443
كانت لا منفعة له فيها ولا مضرة عليه فيها فهي لرب الأرض، قال في المجموعة: وإن كان عليه فيها مضرة لأن عروق القديمة تسقي هذه فله قلعها إلا أن يشاء الذي ظهرت في أرضه أن يقطع عروقها المتصلة بشجرة الأول حتى لا يضر بها ويعطيه قيمتها مقلوعة إن كانت لها قيمة فذلك له، وأفتى اللخمي بقطع نخلة خيف من سقوطها على زيتونة. اهـ كلام المواق.
لا مانع ضوء وشمس وريح قال الخرشي: عطف على مدخول الباء في قوله: "وبمنع" والمعنى أن من رفع بناءه على بناء جاره حتى منع ما ذكر؛ يعني الضوء والشمس والريح فإنه لا يمنع من ذلك وأولى منقص ما ذكر. اهـ. وقال عبد الباقي: لا يقضى على جار بمنع بناء مانع ضوء شمس وريح عن جاره ولو الثلاثة كما هو ظاهر. اهـ. وقوله: "لا مانع ضوء وشمس وريح" هذا هو المشهور في الثلاثة وفي التوضيح وابن عرفة، روى ابن دينار عن ابن نافع أنه يمنع من ضرر منع الريح والضوء والشمس وهذا مقابل المشهور، وفي المدونة عن ابن كنانة: لا يمنع إلا أن يقصد الضرر، وعزاه أبو الحسن في المجموعة بزيادة ولا نفع له هو في بنائه، وقال متصلا به ما نصه: الشيخ: فحمله ابن سهل على الوفاق وحمله ابن الهندي على الخلاف، وقد رجح أبو علي هنا، وفي حاشية التحفة تأويل ابن سهل قائلا هنا ما نصه: ولقد تعجبت مما نقله أبو الحسن عن ابن الهندي ولم أقف على من أشار له غير أبي الحسن وذلك غير حسن، فإن السكوت على هذا يؤدي إلى التشكيك في أمور كثيرة من الفقهيات إلى أن قال عن أبي علي، وقد تبين من هذا أن قول ابن كنانة هو الذي يجب اعتماده لظهوره. انتهى.
وقال في الحاشية: والحق أن قول ابن كنانة هو المذهب ولا يجوز المحيد عنه، وقد سقنا دليله غاية قف عليه إن شئت ولا تمتر في ذلك فإن هذا أمر يدركه العوام لفعل الإنسان مالا ينفعه ليضر جاره الذي له من الحقوق ما قد علم فافهم انتهى.
قلت: وما قاله ظاهر جدا وهذا إذا كان لا يحتاج في ذلك إلى نفقة أصلا وإلا كان في ذلك زيادة على ما قاله أبو علي: إضاعة المال المحرمة بالسنة والإجماع. فتأمله بإنصاف. وقد اقتصر في المعين على كلام ابن عتاب وساقه مسلما، ونصه: وقال ابن عتاب: الذي أقوله وأتقلده من مذهب مالك ﵀ أن جميع الضرر يجب قطعه إلا ما كان من رفع بناء يمنع من هبوب الريح وضوء
стр. 6444
الشمس وما كان في معناهما، إلا أن يثبت أن محدث ذلك أراد الضرر بجاره. انتهى. ونقله ابن فرحون في تبصرته، وقال بعد ذلك ما نصه: وأما إحداث بناء يمنع الضوء والشمس والريح فاختلف فيه هل يمنع أو لا يمنع؟ وفي المتيطية: لا يمنع إلا أن يكون أظلم عليه، وأما إن أحدثه ضررا بجاره. فإنه يمنع منه، وقد تقدم ذلك في كلام ابن عتاب. انتهى. وهو شاهد لما قاله أبو علي واللَّه أعلم. وقول ابن فرحون عن المتيطى: إلا أن يكون أظلم عليه مثله نقله أبو علي عن المتيطى ولم يتعرض لبيان معناه، والظاهر أن معناه إلا أن يكون ما أحدثه من رفع البناء أظلم عليه داره فإنه يمنع منه حينئذ، وقد جزم بذلك أيضا في المقصد المحمود ونصه ولا يمنع من رفع الحيطان وإن منع منه الشمس والقمر والريح إلا أن تظلم منه الدار فجعلا ذلك تقييدا لمحل الخلاف، وانظر هل هو مخالف لقول المدونة (١): فسد على جاره كواه وأظلمت عليه أبواب غرفه وكواها لخ ما في المواق عنها، أو ما ذكراه أخص؟ لم أر من نبه على ذلك. واللَّه أعلم. اهـ كلام الرهوني.
ويعني بما في المواق عن المدونة: قوله من المدونة قال مالك: من رفع بنيانه فتجاوز بنيان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه ومنع من الضرر به، وإن رفع بنيانه فسَدَّ على جاره كواه وأظلمت أبواب غرفه وكواها ومنعه الشمس أن ترتفع في حجرته لم يمنع من هذا البنيان، وقال ابن نافع: يمنع من ضرر منع لخ.
إلا لأندر يعني أن مانع ما ذكر من الضوء والشمس والريح لا يمنع منه الجار كما عرفت إلا أن يكون منع الريح والشمس عن الأندر فإنه يمنع منه، فالاستثناء من الشمس والريح واللام بمعنى عن. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: لا يقضى على جار بمنع بناء مانع ضوء وشمس وريح عن جاره ولو الثلاثة إلا أن يكون رفع بنيانه يمنع الشمس والريح كما في أحمد والتتائي لأندر أي عنه فيمنع منه لأجل أندر جاره؛ لأن القصد من الأندر الشمس والريح كما في أحمد والتتائي. اهـ. وقال المواق: الباجي: من كانت له أرض ملاصقة أندر غيره فأراد أن يبني فيها ما يمنع الريح عن الأندر ويقطع منفعته، فقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع وروى يحيى عن ابن القاسم أنه يمنع ما يضر بجاره في قطع مرافق الأندر الذي تقدم، زاد ابن يونس عن ابن القاسم: والأنادر
стр. 6445
كالأفنية لا يجوز لأحد التضييق فيها ولا قطع منافعها وقاله ابن نافع، قال العتبي: وهو الصواب اهـ.
وأصل هذا الاختلاف أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: إذا التقى ضرران نفى الأصغر للأكبر، قال: والأظهر أن لا يمنع. اهـ. وعليه أي على قول مطرف وابن الماجشون اقتصر ابن عات في طرره ونصها: وإن بنى رجل في أندر حتى منع صاحبه الريح لم يكن له منعه كما إذا منعه ببنائه الشمس لم يكن له منعه، ومثله في الكافي فهذا القول قويٌّ كما ترى، وفي الطرر: من كان له طعام مصفى لم يمنع من فوقه من الذرو عليه، بدأ قبله أو لم يبد وقيل له غط طعامك ذكره لي بعض شيوخي ووجدناه منقولا كذلك عن غيره، وقد قيل له أن يمنعه ويؤمر بقلع طعامه وهو وجه حسن إن شاء اللَّه، فإن لم يصف أحدهم وأذروا كلهم واختلط تبنهم قيل لهم اقترعوا على الذرو، فإن أبوا لم يجبر واحد منهم على قلع أندره، ويقال لمن ذرا على صاحبه أتلفت تبنك لا شيء لك ويجبر الذي صفى طعامه على القلع، قال: وإن صفى أحدهم ولم يبق له إلا إخراج الحصالة منع صاحبه من الذرو عليه، وليس هو كمن لم يصف شيئا وكان ابتداء ذروهم واحدا. اهـ. انظر الرهوني.
وعلو بناء يعني أن الشخص لا يمنع من رفع بنيانه ولو أشرف على بنيان جاره، قال عبد الباقي: ولا علو بناء مجاور لبنيان جاره فلا يمنع منه ولو أشرف بنيانه عليه لكن يمنع من الضرر أي التطلع بغير كوة كما قدمه من قوله: "وبسد كوة"، قال التتائي: وظاهره ولو كان من علاه ذميا وهو كذلك. انتهى. وفي شرح الدميري ما نصه: نقل شيخنا -يعني الناصر- ما صورته قوله: ومن رفع بنيانا لخ لعل هذا في المسلم وغيره، قال ابن عرفة في باب الجهاد: وقول الطرطوشي: يمنعون من إعلاء بنائهم -أي الذميين- على بناء المسلمين، وفي المساواة قولان ولو اشتروها عالية أقروا إنما نقله عن الشافعية كالمصوب له. انتهى.
وفي المدونة: من رفع بنيانه مجاوزا به بنيان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه ويمنع من الضرر، قال ابن غازي عن أبي الحسن: اللام في ليشرف لام الغاية. اهـ. وهذا يفيد أن ما آل إلى الضرر ولم يدخل عليه ليس كالضرر المدخول عليه؛ أي أنه أخف منه. قاله الخرشي.