مطلقا وبه أفتى بعضهم أو إلا أن تكون أقدم؟ ولعل الفرق بين ما هنا وبين عدم جبر ذي خربة بجانب دار الآخر ويخشى منها توصل السراق لذي الدار إمكان تحرز رب الدار بعلو البناء على الخربة، بخلاف الشجرة لتجدد نمو غصنها دائما. اهـ. قوله: ومفهوم قوله: "بجدار" أنه لخ، قال الرهوني: ما ذكره من التفصيل صواب، وأظن أني رأيت في المعيار مثله، وظاهر ما في المواق عن ابن وهب أنها لا تقطع بذلك مطلقا. انتهى.
وقوله: أو إلا أن تكون أقدم، الظاهر إذا ثبت ضررها بذلك وكانت أقدم أن يقطع ويعطي رب الدار قيمته. واللَّه أعلم. وقوله: ولعل الفرق بين ما هنا وبين عدم جبر ذي خربة بجانب دار لخ جزم بعدم جبر رب الخربة المذكورة على بنائها، ولم يجزم بذلك الأجهوري، بل قال عند قول المص: "ولم يجبر آجر على إصلاح مطلقا" ما نصه: قلت وأخذ غير واحد من أشياخي من مسألة المص أنه لا يجبر من له خربة بجوار شخص يحصل له منها ضرر كسارق ونحوه على عمارتها، ويقال له اعمل ما يندفع به الضرر عنك، وأفتى بعضهم بلزوم رب الخربة بفعل ما يدفع به الضرر عن جاره من عمارة أو بيع ممن يعمر ونحو ذلك، إلى أن قال: ولا شك أنه يفيد رجحان الأول، فلذلك اقتصر عليه الزرقاني. واللَّه أعلم. اهـ. المراد منه.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: انظر عند قول المص "ولم يجبر آجر على إصلاح".
تنبيهان: الأول: في المعيار: من له شجرة نابتة في ملك الغير فإنه يملك موضع الشجرة وحريمها وهو مقدار من الأرض يدور بها يحرم ما يدور بالشجرة ويسقي الشجرة إذا جذب إليها الماء في الحريم، وهذا الحريم يختلف باختلاف الشجر، ويرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة من الفلاحة، فهم يعينون للشجرة حريما بملك رب الأرض، فإن بادت الشجرة جعل مكانها عوضا منها، وإن مالت واحتاجت إلى التدعيم وأمكن جعل الدعامة في حريم الشجرة فعل ذلك، وليس لرب الأرض أن يمنعه من ذلك؛ لأنه جعل الدعامة في ملكه وهو حريم شجرته، فإن مالت الشجرة حتى خرجت عن حريمها وكان لا يتأتى جعل الدعامة بحيث ينتفع بها إلا بملك الغير، فحينئذ له المنع إلا أن يرضيه في ملكه. اهـ.
стр. 6442
الثاني: مثل هذه المسألة من له شجرة في أرضه فمالت فليس له جعل الدعامة في أرض جاره إلا أن يرضيه، وكثيرا ما تقع المسألتان فيبادر رب الشجرة إلى تدعيمها حيث لا يجوز له من غير استيذان ولاسيما ذوي القرابة، فإن قام رب الأرض عليه قبل انقضاء أمد الحيازة فله ذلك بعد يمينه إن طال وبدونها أي اليمين إن قام بالقرب كما مر عن العتبية وابن رشد، وهو الصواب الموافق لا يأتي في الشفعة خلافا لما في التحفة وغيرها، وإن سكت أمد الحيازة فلا كلام له والراجح المعمول به أنه عشرة أعوام. قاله الرهوني. وقال المواق: قال مطرف في الشجر يكون إلى جانب رجل فيضربه: فإن كانت أقدم من الجدار وكانت على حال ما هي عليه اليوم من انبساطها فلا تقطع، وإن حدث لها أغصان بعد ما بني الجدار تضر بالجدار فليشمر منها كل ما أضر بالجدار مما حدث، وقال ابن الماجشون: يترك ما حدث وانتشر من أغصانها وإن أضر ذلك بالجدار.
ابن حبيب: وقال أصبغ بقول مطرف وبه أول ابن يونس وقاله عيسى بن دينار، وقالوا أجمع إن كانت الشجرة محدثة بعد الجدار فإنه يقطع منها كل ما آذى الجدار وأضر به من قليل أو كثير، وقال ابن وهب في شجرة في دار رجل فطالت حتى صار يشرف منها إلى دار جاره: إذا طلع يجنيها أو غرسها قريبا من جاره فيزعم أنه يخاف أن يطرق منها فيدخل عليه في داره، قال: إن لم يكن عليه حجة إلا ما خاف من الطرق أو ممن يجنيها فلا حجة له، ويؤذنه إذا أراد أن يجنيها، وأما إن خرج من فروعها إلى أرض جاره فليقطع ذلك الخارج فقط، ونحوه لأصبغ قال: إن كان عظمها وامتدادها صعودا إلى السماء فلا تغير عن حالها كالبنيان يرفعه الرجل في حقه فيستر به الريح والشمس عن جاره وإن كان إنما امتدت في أرض جاره، فلتشمر وتقطع وترد إلى حال لا تؤذي قال ابن سحنون: كل ما خرج منها إلى أرض جاره فليقطع حتى يعود فروعها حذاء أرض صاحبها؛ لأن هواء الأرض لربها، قال أصبغ: وأما الشجرة التي تكون للرجل في أرض الرجل بميراث أو شراء أو قسم فامتدت فروعها فلا قول لصاحب الأرض في ذلك، وقاله ابن القاسم قال أصبغ: ومن في حائطه شجرة فيخرج منها قضبان تحت الأرض فتظهر في أرض جاره وتصير شجرا مثمرات فيخير من نبت في أرضه في أن يقلعها أو يعطي للآخر قيمتها مقلوعة مطروحة، قال ابن القاسم: إلا أن يكون لصاحب الشجر منفعة لو قلعها وغرسها بموضع آخر لنبتت فله ذلك وإن
стр. 6443
كانت لا منفعة له فيها ولا مضرة عليه فيها فهي لرب الأرض، قال في المجموعة: وإن كان عليه فيها مضرة لأن عروق القديمة تسقي هذه فله قلعها إلا أن يشاء الذي ظهرت في أرضه أن يقطع عروقها المتصلة بشجرة الأول حتى لا يضر بها ويعطيه قيمتها مقلوعة إن كانت لها قيمة فذلك له، وأفتى اللخمي بقطع نخلة خيف من سقوطها على زيتونة. اهـ كلام المواق.
لا مانع ضوء وشمس وريح قال الخرشي: عطف على مدخول الباء في قوله: "وبمنع" والمعنى أن من رفع بناءه على بناء جاره حتى منع ما ذكر؛ يعني الضوء والشمس والريح فإنه لا يمنع من ذلك وأولى منقص ما ذكر. اهـ. وقال عبد الباقي: لا يقضى على جار بمنع بناء مانع ضوء شمس وريح عن جاره ولو الثلاثة كما هو ظاهر. اهـ. وقوله: "لا مانع ضوء وشمس وريح" هذا هو المشهور في الثلاثة وفي التوضيح وابن عرفة، روى ابن دينار عن ابن نافع أنه يمنع من ضرر منع الريح والضوء والشمس وهذا مقابل المشهور، وفي المدونة عن ابن كنانة: لا يمنع إلا أن يقصد الضرر، وعزاه أبو الحسن في المجموعة بزيادة ولا نفع له هو في بنائه، وقال متصلا به ما نصه: الشيخ: فحمله ابن سهل على الوفاق وحمله ابن الهندي على الخلاف، وقد رجح أبو علي هنا، وفي حاشية التحفة تأويل ابن سهل قائلا هنا ما نصه: ولقد تعجبت مما نقله أبو الحسن عن ابن الهندي ولم أقف على من أشار له غير أبي الحسن وذلك غير حسن، فإن السكوت على هذا يؤدي إلى التشكيك في أمور كثيرة من الفقهيات إلى أن قال عن أبي علي، وقد تبين من هذا أن قول ابن كنانة هو الذي يجب اعتماده لظهوره. انتهى.
وقال في الحاشية: والحق أن قول ابن كنانة هو المذهب ولا يجوز المحيد عنه، وقد سقنا دليله غاية قف عليه إن شئت ولا تمتر في ذلك فإن هذا أمر يدركه العوام لفعل الإنسان مالا ينفعه ليضر جاره الذي له من الحقوق ما قد علم فافهم انتهى.
قلت: وما قاله ظاهر جدا وهذا إذا كان لا يحتاج في ذلك إلى نفقة أصلا وإلا كان في ذلك زيادة على ما قاله أبو علي: إضاعة المال المحرمة بالسنة والإجماع. فتأمله بإنصاف. وقد اقتصر في المعين على كلام ابن عتاب وساقه مسلما، ونصه: وقال ابن عتاب: الذي أقوله وأتقلده من مذهب مالك ﵀ أن جميع الضرر يجب قطعه إلا ما كان من رفع بناء يمنع من هبوب الريح وضوء
стр. 6444
الشمس وما كان في معناهما، إلا أن يثبت أن محدث ذلك أراد الضرر بجاره. انتهى. ونقله ابن فرحون في تبصرته، وقال بعد ذلك ما نصه: وأما إحداث بناء يمنع الضوء والشمس والريح فاختلف فيه هل يمنع أو لا يمنع؟ وفي المتيطية: لا يمنع إلا أن يكون أظلم عليه، وأما إن أحدثه ضررا بجاره. فإنه يمنع منه، وقد تقدم ذلك في كلام ابن عتاب. انتهى. وهو شاهد لما قاله أبو علي واللَّه أعلم. وقول ابن فرحون عن المتيطى: إلا أن يكون أظلم عليه مثله نقله أبو علي عن المتيطى ولم يتعرض لبيان معناه، والظاهر أن معناه إلا أن يكون ما أحدثه من رفع البناء أظلم عليه داره فإنه يمنع منه حينئذ، وقد جزم بذلك أيضا في المقصد المحمود ونصه ولا يمنع من رفع الحيطان وإن منع منه الشمس والقمر والريح إلا أن تظلم منه الدار فجعلا ذلك تقييدا لمحل الخلاف، وانظر هل هو مخالف لقول المدونة (١): فسد على جاره كواه وأظلمت عليه أبواب غرفه وكواها لخ ما في المواق عنها، أو ما ذكراه أخص؟ لم أر من نبه على ذلك. واللَّه أعلم. اهـ كلام الرهوني.
ويعني بما في المواق عن المدونة: قوله من المدونة قال مالك: من رفع بنيانه فتجاوز بنيان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه ومنع من الضرر به، وإن رفع بنيانه فسَدَّ على جاره كواه وأظلمت أبواب غرفه وكواها ومنعه الشمس أن ترتفع في حجرته لم يمنع من هذا البنيان، وقال ابن نافع: يمنع من ضرر منع لخ.
إلا لأندر يعني أن مانع ما ذكر من الضوء والشمس والريح لا يمنع منه الجار كما عرفت إلا أن يكون منع الريح والشمس عن الأندر فإنه يمنع منه، فالاستثناء من الشمس والريح واللام بمعنى عن. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: لا يقضى على جار بمنع بناء مانع ضوء وشمس وريح عن جاره ولو الثلاثة إلا أن يكون رفع بنيانه يمنع الشمس والريح كما في أحمد والتتائي لأندر أي عنه فيمنع منه لأجل أندر جاره؛ لأن القصد من الأندر الشمس والريح كما في أحمد والتتائي. اهـ. وقال المواق: الباجي: من كانت له أرض ملاصقة أندر غيره فأراد أن يبني فيها ما يمنع الريح عن الأندر ويقطع منفعته، فقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع وروى يحيى عن ابن القاسم أنه يمنع ما يضر بجاره في قطع مرافق الأندر الذي تقدم، زاد ابن يونس عن ابن القاسم: والأنادر
стр. 6445
كالأفنية لا يجوز لأحد التضييق فيها ولا قطع منافعها وقاله ابن نافع، قال العتبي: وهو الصواب اهـ.
وأصل هذا الاختلاف أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: إذا التقى ضرران نفى الأصغر للأكبر، قال: والأظهر أن لا يمنع. اهـ. وعليه أي على قول مطرف وابن الماجشون اقتصر ابن عات في طرره ونصها: وإن بنى رجل في أندر حتى منع صاحبه الريح لم يكن له منعه كما إذا منعه ببنائه الشمس لم يكن له منعه، ومثله في الكافي فهذا القول قويٌّ كما ترى، وفي الطرر: من كان له طعام مصفى لم يمنع من فوقه من الذرو عليه، بدأ قبله أو لم يبد وقيل له غط طعامك ذكره لي بعض شيوخي ووجدناه منقولا كذلك عن غيره، وقد قيل له أن يمنعه ويؤمر بقلع طعامه وهو وجه حسن إن شاء اللَّه، فإن لم يصف أحدهم وأذروا كلهم واختلط تبنهم قيل لهم اقترعوا على الذرو، فإن أبوا لم يجبر واحد منهم على قلع أندره، ويقال لمن ذرا على صاحبه أتلفت تبنك لا شيء لك ويجبر الذي صفى طعامه على القلع، قال: وإن صفى أحدهم ولم يبق له إلا إخراج الحصالة منع صاحبه من الذرو عليه، وليس هو كمن لم يصف شيئا وكان ابتداء ذروهم واحدا. اهـ. انظر الرهوني.
وعلو بناء يعني أن الشخص لا يمنع من رفع بنيانه ولو أشرف على بنيان جاره، قال عبد الباقي: ولا علو بناء مجاور لبنيان جاره فلا يمنع منه ولو أشرف بنيانه عليه لكن يمنع من الضرر أي التطلع بغير كوة كما قدمه من قوله: "وبسد كوة"، قال التتائي: وظاهره ولو كان من علاه ذميا وهو كذلك. انتهى. وفي شرح الدميري ما نصه: نقل شيخنا -يعني الناصر- ما صورته قوله: ومن رفع بنيانا لخ لعل هذا في المسلم وغيره، قال ابن عرفة في باب الجهاد: وقول الطرطوشي: يمنعون من إعلاء بنائهم -أي الذميين- على بناء المسلمين، وفي المساواة قولان ولو اشتروها عالية أقروا إنما نقله عن الشافعية كالمصوب له. انتهى.
وفي المدونة: من رفع بنيانه مجاوزا به بنيان جاره ليشرف عليه لم يمنع من رفع بنيانه ويمنع من الضرر، قال ابن غازي عن أبي الحسن: اللام في ليشرف لام الغاية. اهـ. وهذا يفيد أن ما آل إلى الضرر ولم يدخل عليه ليس كالضرر المدخول عليه؛ أي أنه أخف منه. قاله الخرشي.
стр. 6446
وصوت ككمد يعني أن الجار لا يمنعه جاره من إحداث ما لا يضر به ضررا قويا، كصوت الكمد وأدخلت الكاف في المص الحداد والنجار، وظاهره ولو اشتد ودام وفي المواق خلافه، وهذا ما لم يضر بالجدار، ودخل بالكاف أيضا صوت صبيان بمكتب بأمر معلمهم. قاله عبد الباقي. قال الرهوني: الذي في المواق حكاية الخلاف في ذلك فقط، والكمد قال في القاموس: دق الثوب وفسروه في الرابحة بأنه دق القصار الثوب للتحسين، والقصار كشداد ومحدث محور الثياب أي مبيضها وحرفته القصارة والقصر تبييض الثياب، قال الرهوني: وقد اختار أبو علي التفصيل، فقال بعد أنقال ما نصه: وقد تبين من هذا كله أن الصوت إذا كان قويا مستداما في الليل يمنع على ما يظهر رجحانه من النقول المتقدمة يظهر ذلك بالتأمل والإنصاف مع تلفيق بعض الأنقال إلى بعض، كتلفيق تقييد الباجي مع قول أصبغ بن سعيد مع ما في المجالس وما نقلوه عن ابن عتاب، وفي ذلك كفاية لمن أنصف مع ظهور هذا الضرر نعم، قال ابن ناجي على المدونة: بلغو ضرر الأصوات جرى العمل عندنا، ولغوها مطلقا هو الذي في المتن. اهـ منه بلفظه.
قلت: بل الراجح هو ما في المتن بدليل ما في المعيار وما في ابن عرفة في إحياء الموات وكلام غيرهما، ففي المعيار من كلام ابن زرب ما نصه: وروي عن مالك ﵀ في الضراب للحديد: يكون جار الرجل ملاصقا به فيعمل الليل كله والنهار يضرب الحديد فيتأذى بذلك جاره ولا يجد راحة من كيره وضَرْيهِ ويرفع ذلك إلى السلطان، فقال مالك: لا يمنع من ذلك إنما هذا رجل يعمل في بيته وليس هذا يراد به الضرر فليس يمنع أحد من العمل في بيته، وإنما هو عمل يده وعيشه الذي يعيش به رواه مطرف عن مالك، فهذا ما أقول به واللَّه يحملك على الصواب. انتهى.
ثم جلب الرهوني على ما قال فيه كفاية، ثم قال: فتحصل مما تقدم كله أن ما أفاده كلام المص هو المنصوص للأقدمين فهو الذي حكاه ابن حبيب ورواه مطرف عن الإمام مالك، وحكى عليه ابن دحون الاتفاق وسلمه ابن رشد في رسم المكاتب من سماع يحيى من الأقضية، وقال في رسم الأقضية الثاني: إن فيه خلافا شاذا، وأقامه أبو الفضل عياض من كتاب القسمة من المدونة، وعزاه لأكثر الشيوخ وسلم له ذلك المحققون، وأخذه ابن عبد الغفور وابن الفخار من مسألة كتاب الدور والأرضين من المدونة، واستحسن ابن عرفة أخذهما منها وبه أفتى ابن زرب وعبد الرحمن بن مخلد
стр. 6447
قائلا: وهو الذي أدركت شيوخنا ﵏ يفتون به وابن لبابة وابن عبد ربه، وصرح أبو الحسن وابن رشد بأنه المشهور، وابن ناجي أن به العمل وبه تعلم ما في كلام أبي علي إذ جعل الراجح ملفقا من الثالث والرابع في كلام ابن عرفة وابن ناجي مخالف كلامهما وكلام غيرهما واللَّه الموفق. اهـ.
تنبيه: قال الحطاب عند قوله: "لا مانع ضوء وشمس وريح" ما نصه: وأما إحداث ما ينقص الغلة فلا يمنع اتفاقا، كإحداث فرن قرب فرن آخر أو حمام قرب حمام آخر. قاله في معين الحكام. وفي التبصرة اهـ. قوله: وأما إحداث ما ينقص الغلة لخ يعني من قلة الوافدين. انظر الرهوني. وفي المواق: وانظر أواخر نوازل ابن سهل أن الصحيح أنه لا يمنع ما يحط الثمن، كإحداث فرن قرب فرن أو قرب دار لا يضرها الدخان. انظر البرزلي. اهـ.
الرهوني: قلت ما ذكره من الخلاف في إحداث فرن قرب دار لا يضرها الدخان، وأن الصحيح أنه لا يمنع منه محدثه صواب، وقد أطال في المسألة أبو الأصبغ بن سهل في أحكامه.
وَمُحَصَّل ما فيها أنها وقعت، فجمع القاضي الفقهاء وشاورهم فأفتى ابن عتاب بأنه لا يمنع من ذلك ووافقه ابن مالك وأفتى أبو مطرف فرج بأنه يمنع، ووافقه محمد بن أبي سعيد على ذلك، فلما افترقوا كتب ابن أبي سعيد إلى القاضي كتابا يذكر له فيه أن الصواب ما قاله هو ومن وافقه محتجا فيه بحجج، فوجه القاضي ذلك الكتاب لابن عتاب فأجابه بأن الصواب ما أفتى به هو ومن وافقه من أنه لا يمنع، واحتج على ذلك بحجج، قال: أبو الأصبغ بن سهل: في كلام ابن أبي سعيد بن أبي زعبل تخاذل إن تدبرته، والصواب فيما ذهب إليه ابن عتاب. واللَّه أعلم. اهـ. وتبع ابن عتاب كثير من المتأخرين، ثم ذكر الرهوني ما يفيد أن ما نسبه الحطاب للتبصرة ومعين الحكام من الاتفاق هو الصحيح، وأن فتوى ابن منظور بمنع إحداث فرن على آخر ونحوه وتأويله لقول ابن عتاب وابن رشد غير صحيح، وأن المخالف قوله ضعيف أو غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم. وباب بسكة نفذت يعني أن من أراد أن يفتح لداره بابا في سكة نافذة فإن ذلك له ولا يمنع من ذلك، وظاهره ولو كان في مقابلة باب جاره وسواء كانت السكة واسعة أو ضيقة، والسكة بكسر السين المهملة الزقاق. قاله في الصحاح. والنافذة بالذال المعجمة هي التي يخرج منها من طرفيها.
стр. 6448
قاله الحطاب. ومقتضاه أن الباء بمعنى: في، ويظهر أنها للإلصاق. واللَّه أعلم. واحترز بقوله عن السكة التي ليست بنافذة وهي التي تكون منسدة من أحد الطرفين، فليس له أن يفتح فيها بابا بغير إذن أهل السكة إلا إذا كان منكبا عن باب جاره المقابل له، قال في المدونة: وليس لك أن تفتح في سكة غير نافذة بابا يقابل باب جارك أو يقاربه، ولا تحول بابا لك هناك إذا منعك لأنه يقول: الموضع الذي تريد أن تفتح فيه بابك لي فيه مرفق أفتح فيه بابي وأنا في سترة ولا أدعك تفتح قبالة بابي أو قربه تتخذ عليَّ فيه المجالس وشبه هذا، فإذا كان هذا ضررا فلا يجوز أن تحدث على جارك ما يضره، وأما في السكة النافذة فلك أن تفتح ما شئت وتحول بابك حيث شئت منها. اهـ. قاله الحطاب.
ثم قال: ويتحصل في فتح الرجل بابا أو حانوتا في مقابلة باب جاره في الزقاق النافذ ثلاثة أقوال أحدها: أن ذلك له من غير تفصيل وهو قول ابن القاسم في المدونة وقول أشهب هاهنا، والثاني: أن ذلك ليس له من غير تفصيل إلا أن ينكب وهو قول سحنون رواه عنه ابنه محمد وابن حبيب، والثالث: أن ذلك له إذا كانت السكة واسعة وهو قول ابن وهب هاهنا. والسكة الواسعة ما كان فيها سبع أذرع فأكثر، لما جاء أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الطريق الميتاء سبع أذرع) (١) وقع ذلك في مسند ابن أبي شيبة من رواية ابن عباس، فوجب أن يكون ذلك حدا لسعة الطريق. انتهى قال في القاموس: وطريق ميتاء بالكسر عامر واضح وهو مجتمع الطريق. انتهى.
وقال عبد الباقي: ولا يمنع ذو دار من إحداث باب ولو قبالة باب جاره بسكة نافذة إلى الفضاء ضيقة أو متسعة وهي سبعة أذرع، لخبر: (إذا اختلف الناس في الطريق فحدها سبعة أذرع) أي بذراع الآدمي الوسط وقيل بذراع البنيان المتعارف. قاله الحطاب عن ابن حجر. ومحله في موات أذن الإمام في عمارته بيوتا، واختلفت طرقهم إلى منازلهم كما يشعر به لفظ الخبر لا في طرق قديمة دون سبعة بين بيوتهم لم يعلم محدثها. انتهى. قوله: ومحله في موات أذن الإمام في عمارته بيوتا لخ، قال الرهوني: في تخصيصه بذلك نظر بل مثله بلد يفتحها المسلمون وليس فيها طريق مسلوك
стр. 6449
ومثله اختلاف البانيين المتقابلين في الفحص فيما يجعل للطريق، أو تشاحا فأراد كل واحد منهما أن يقرب جداره من جدار صاحبه. انتهى. وفي القاموس: الفحص كل موضع يسكن. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة ما نصه: حديث سبعة أذرع إنما ذكره عبد الحق عن مصنف عبد الرزاق، وقال في شده جابر الجعفي: ولم يزد، وقال المزي في كتاب رجال الكتب الستة: هو من أكبر علماء الشيعة وثقه شيعة (١) وتركه جماعة وروى عنه شعبة والسفيانيان. (٢) انتهى منه بلفظه. قلت: هذا من أغرب الغريب، فإن الحديث في الصحيحين وغيرهما، ولفظ البخاري: عن أبي هريرة قال: (قفى النبي ﷺ إذا تشاجروا في الطريق الميتاء بسبعة أذرع) (٣) انتهى وفي الجامع الصغير (٤) (إذا اختلفتم في الطريق فأجعلوه سبعة أذرع). الإمام أحمد في مسنده ومسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجه والبيهقي في السنن عن ابن عباس، قال المنوي في شرحه بعد قوله والترمذي ما نصه: وحسنه. انتهى. قلت: لفظ مسلم، (جعل سبعة أذرع) (٥) بلفظ الماضي لا فاجعلوه بلفظ الأمر، قال الأبي في شرحه بعد كلام ما نصه: عياض: لم يأخذ مالك وأصحابه بهذا الحديث، ورأوا أن الطريق تختلف بحسب الحاجة إليها ليس طريق الممر كطريق الأحمال والدواب، وليس المواضع العامرة التي يتزاحم عليها الوراد كغيرها، ولعل الحديث عندهم ورد فيما كانت الكفاية فيه بهذا القدر، وتنبيها على الوسط والغالب.
المازري: حديث السبعة أذرع محمول على أمهات الطريق التي هي ممر عامة الناس بأحمالهم ومواشيهم، فإن تشاح من له أرض تتصل بها مع من له فيها حق جعل بينهما سبعة أذرع بالذراع المتعارف، وأما بنيات الطريق فبحسب الحاجة وحال المنازعين، فليس حال البادية باستعمالهم الدواب والمواشي كعادة من ليس كذلك من أهل الحاضرة، فيوسع لأهل البوادي ما لا يوسع في الحاضرة، وقد يجعل في الفيافي أكثر من سبعة أذرع لأنها ممر الجيوش والرفاق الكبار، وهذا التفصيل كله لأهل المذهب ولو جعلت الطريق في كل محل سبعة أذرع لأضر بكثير من أملاك
стр. 6450
الناس، ويلزم عليه أن تكون بنيات الطريق في الأزقة وغيرها كالأمهات المسلوكة وغيرها، كطرق الفيافي وذلك ضرر بين فقدرها مصروف إلى اختياره وليس من مراد الحديث، وان كانت الطرق بين أرض قوم فأرادوا إحياءها فإن اتفقوا على شيء فذلك وإن اختلفوا جعلت سبعة أذرع، وإن وجدت طريق أكثر من سبعة أذرع مسلوكة لم يجز أخذ شيء منها وإن قل، ولكن له إحياء ما حولها من الموات على وجه لا يضر بالمارة، مهما وجدت طريق مسلوكة حكم أنها طريق دون إثبات مبدإ مصيرها طريقا. واللَّه أعلم بالصواب. انتهى.
وكلها حسن ظاهر إلا قوله حكم بأنها طريق لخ، فإنه مبني -واللَّه أعلم- على أن الضرر محمول على القدم حتى يثبت حدوثه وهو خلاف الراجح، والمعمول به أنه مبني على الحدوث حتى يثبت قدمه كما نص على ذلك غير واحد وهو حتى في التحفة، وفي نوازل المعاوضات من المعيار: وسياقه أن المسئول هو أبو عبد اللَّه بن الفخار، وفي أحكام الباجي: إذا لم يعلم الضرر إن كان حديثا أو قديما فهو على الحدوث حتى يتبين أنه على القدم. قاله غير واحد من شيوخنا. وعليه العمل، وفي كتاب ابن سحنون أنه على القدم وليس به عمل. انتهى. وبنيات الطريق جمع مؤنث سالم لبنية (١) مصغر بنت، وفي الصحاح ما نصه: وبنيات الطريق هي الطرق الصغار تشعب من الجادة. انتهى. ونحوه في القاموس. قاله الرهوني.
الثاني: اعلم أن من في أرضه طريق فأراد أن يحولها إلى موضع منها فإن كانت لمعينين لم يجز إلا برضاهم، وإن كانت للعامة وأراد أن يحولها إلى موضع منها هو أرفق به وبأهل الطريق قال فيه ابن القاسم: ليس له ذلك ولا لأحد أن يحول طريقا عن موضعها إلى ما هو دونها ولا إلى ما فوقها، وإن كان مثل الطريق الأول في سهولتها أو أسهل منها وإن أضر ذلك به؛ لأنه على ذلك اشترى أو ورث أو وهب له وإن رضي له بذلك من جاوره من أهل القرى لأن ذلك حق لجميع المسلمين، فلا يجوز فيه إذن بعضهم، وقال ابن الماجشون وابن نافع: يرفع إلى الإمام، فإن رآها مثل الأولى في سهولتها أو أسهل منها وفي قربها أو أقرب أذن له وإلا منعه فإن فعل ولم يرفع إلى الإمام نظر الإمام في ذلك، فإن وجده صوابا أمضاه وإلا رده، قال ابن حبيب: وبه أقول. نقله الرهوني عن الحطاب.
стр. 6451
ثم نقل عنه عن المنتخب عن ابن القاسم أن من له دار في جوف دار وممر الداخلة على الخارجة، فأراد أهل الخارجة أن يحولوا باب دارهم إلى غير الموضع الذي كان فيه أنهم إن أرادوا أن يحولوه إلى موضع قريب لا ضرر فيه فلهم ذلك وإلا فلا، قال: وهذه المسألة في المدونة. انتهى. قال الرهوني: ولم يعارض بين هذا وما ذكره قبله، وجلب الرهوني كلام المدونة ثم قال: إنه معارض لما قبلها وإن كان هذا لقوم معينين، وفي الدار: فإنه لا فرق إلى أن قال وفي طرر ابن عات ما نصه: من الكافي لابن عبد البر: إذا كان لرجل طريق في أرض جاره إلى ماله، فأراد صاحب الأرض أن يحول ذلك الطريق إلى موضع آخر من تلك الأرض ويغرس موضع الطريق، فليس له ذلك إلا أن يأذن الذي له الممر، وسواء كان عليه ضرر في ذلك أو لم يكن إلا أن يكون بين الممرين نحو الذراع مما لا مضرة فيه على المار إلى ماله، فلا يمنع صاحب الأرض من ذلك ولا إثم فيه إن شاء اللَّه تعالى. ذكر ذلك كله ابن عبد الحكم عن مالك. انتهى.
فهذا نص في الأرض موافق لما في المدونة والمنتخب في الدار مع زيادة هذا تحديد القرب، ونقل نحو هذا عن المنتقى ثم قال: فالظاهر تقييد محل الخلاف الذي ذكره الحطاب بما زاد على هذا القدر من القرب، ولم أدر ما وجه ما نقله الحطاب ﵁ من عدم التنبيه على المعارضة بينهما مع إغفاله ما في المنتقى والطرر. واللَّه الموفق بمنه. انتهى.
الثالث: قال الرهوني: من له طريق في أرض غير يمر عليه بعد أن يحرثه، ثم أراد بناءه وأرادوا منعه محتجين بأن سكناه أشد ضررا من الحرث لم يكن لهم ذلك، ولكن يمنع من الضرر بهم ولا يستحق عليهم من الطريق إلا ما كان يستحقه قبل، ففي المعيار ناقلا عن كتاب البنيان والأشجار لابن حبيب عن أصبغ ما نصه: قلت فإن اختلفوا في هذا الممر فقال لهم المتوسط: اتركوا لي ممرا واسعا يحملني وماشيتي وجميع حوائجي وأبى القوم، فقال: يحكم له عليهم بمثل الممر الذي كان له في أرضهم من قبل البنيان منهم، ومنه على حال ما كان يختلف إليها بماشيته، وإن لم يكن يختلف إليها قبل بماشية لم يكن عليهم أن يتركوا له ممر ماشيته، وكذلك إذا أراد هو البنيان وحده ولم يريدوا بنيان أرضهم وتركوها للحرث والزرع كما كانت فاحتاج من المنافع في دخوله في
стр. 6452
أرضه وخروجه منها إلى أكثر مما كان يحتاج إليه أولا إذ كان يختلف إليها للحرث فقط، فإنه يمنع من البنيان لأنه استحقاق لأكثر من حقه. انتهى.
وإذا أراد من في أرضه طريق لغير أن يحظر على أرضه ويجعل بابا للمارين فليس له ذلك إلا أن يكون الطريق لمعين ويرضى بذلك، ففي الطرر متصلا بعا قدمناه عنه آنفا ما نصه: ولو أراد صاحب الأرض أن يغرس أرضه ويحجر عليها ويجعل لصاحب الممر بابا يدخل منه إلى ماله فليس له ذلك إلا بإذن صاحب الممر. انتهى. ومن ترك أرضه للناس يمرون بها ثم أراد منعهم، فقال ابن ناجي في كتاب الأيمان والنذور من شرحه للمدونة عند قولها: ومن حلف أن لا يدخل هذه الدار فهدمت وخربت حتى صارت طريقا فدخلها لم يحنث ما نصه: أخذ منها أن من ترك ربعه للناس يمشون فيه ولو طال لا يكون حبسا، وهذا الأخذ نقله شيخنا حفظه اللَّه. وعرفته أنها وقعت في المدينة وأفتى فيها شيخنا المذكور بعا قلناه فأوقفته بعا كان أفتى به بعض شيوخنا أنه إن طال ممشى الناس فيه فإنه يكون حبسا فرجع إليه في ذلك وأفتى به. انتهى.
وأجمل في قدر الطول وفي المشي هل هو بالأرجل فقط أو به وبالدواب؟ وفي المنتخب لابن أبي زمنين ما نصه: وسئل عن القوم يكونون في المنزل فيحجر الرجل على أرض له وقد كان أهل المنزل يسلكون فيها طريقا فقاموا عليه فقالوا قطعت طريقنا، فأنكر أن يكون طريقا لهم لازما فتنازعوا إلى الحاكم، فأتى الذين زعموا أنها طريق لهم ببينة فشهدوا أنهم يعرفونها طريقا يسلكها الناس منذ عشرين سنة، فقال كثيرا ما يكون هذا بين المنازل ويحتظر الناس في الأرض ويتساهل أصحابها ذلك، فإذا ثبت أن هذه الطريق من تلك الأرض فليست لازمة لصاحب الأرض إلا أن يكون الطريق الحاملة التي تركب من غير ما وجه ويطول ذلك فيها وينقطع الزرع منها، نحو الخمسين والستين سنة، وأما الطريق المحتظرة التي ربما قطعها الحرث فليست حجة على صاحبها إذا ثبتت كما ذكرت لك. انتهى. فساقه كأنه المذهب ولم يحك غيره، وكلام سحنون هذا هو في العتبية في كتاب الأقضية من نوازل سحنون، وقد نقله صاحب المعيار فقها مسلما في نوازل الضرر، وبه أفتى شيخنا الجنوي حين وقعت وهو ظاهر. واللَّه أعلم.
стр. 6453
الرابع: قال المواق: أجاب ابن رشد فيمن أحدث بداره بابا وحانوتين قبالة باب جاره وبينهما زقاق نافذ ولا يخرج أحد من دار الجار ولا يدخلها إلا على نظر الجالسين في الحانوتين لعمل صنعتهم وهو ضرر بين برب الدار بأن يؤمر أن ينكب بابه وحانوتيه عن مقابلة دار جاره، فإن لم يقدر على ذلك لم يحكم عليه بقلعها وترك. انتهى. ونحوه في الحطاب ثم قال الحطاب: فيتحصل من كلامه أنه إذا لم يكن على جاره في ذلك ضرر فله أن يفتح الباب والحانوت قبالة باب جاره، وأما إذا كان على جاره في ذلك ضرر فإن لم يمكنه التنكيب لم يحكم عليه، وإن أمكنه ذلك حكم عليه به. انتهى.
الخامس: قال الحطاب: قال في المدونة: إذا كانت دار لرجلين ولأحدهما دار تلاصقها فأراد أن يفتح في المشتركة بابا يدخل منه إلى داره فللشريك منعه للشركة معه في موضع الفتح، فإن قسما فقال: اجعلوا نصيبي إلى جنب داري حتى أفتح فيها بابا لم يقبل منه وقسمت الدار بالقيمة فحيث وقع سهمه أخذه وإن كان في الناحية الأخرى، وإن قسما هذه الدار فاشترى أحد النصيبين رجل يلاصق داره ففتح إلى النصيب من داره بابا وجعل يمر من داره إلى طريق هذا النصيب هو ومن اكترى منه أو سكن معه فذلك له إن أراد ارتفاقا ولا يمنع إلا أن يجعل ذلك كسكة نافذة لممر الناس يدخلون من باب داره ويخرجون كالزقاق فليس ذلك له. انتهى. قال أبو الحسن: قوله فللشريك منعه لشركته معه في موضع الفتح مفهومه لو لم يكن معه فيه شريك لكان له أن يفتح، قال محمد: لو فتح في حائط نفسه ليدخل منه في دار الشركة لم أر به بأسا وذلك له. انتهى. ونقل ابن يونس كلام محمد وقبله، وقال أبو إسحاق بعد أن ذكر كلام محمد: وفي هذا نظر لأنه يحدث على دار الشركة بابا من داره، فقد يطول الأمر فيظن أن فتح الباب حق على دار الشركة، وذلك يحط من ثمنها إذا كان عليها حق فتح باب من دار أخرى. انتهى.
قلت: ما قاله أبو إسحاق ظاهر لا شك فيه، فالظاهر إبقاء كلام المدونة على إطلاقه وأنه ليس له أن يفتح بابا لشركته معه في موضع الفتح من الأرض، ولو كان الجدار له. فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. قوله: لشركته معه في موضع الفتح يعني باب الدار المشتركة. قاله مقيده. واللَّه تعالى أعلم. ثم قال أبو الحسن: قوله: "وقسمت الدار بالقيمة" فحيث وقع سهمه أخذه، زاد ابن يونس: فإن وقع
стр. 6454
بجنب داره فتح فيه دارا إن شاء، ثم قال أبو الحسن: قوله فاشترى أحد النصيبين رجل يلاصق داره فذلك له إن أراد ارتفاقا، قال أبو إسحاق: ما لم يغلق باب الدار الأخرى فلا يكون ذلك له. انتهى.
السادس: قال الشارح: ومن بنى مسجدا وجعل له سطحا يشرف منه على دار رجل، فإن بانيه يجبر على أن يستر على سطح المسجد ويمنع الناس من الصلاة فيه حتى يتم الستر. انتهى.
وروشن يعني أن الشخص لا يمنع من إحداث الروشن إذا كان لا يضر بالمارين وكانت السكة نافذة، والروشن هو الجناح الذي يخرجه الشخص من حائطه، هذه عبارة الخرشي، وعبارة عبد الباقي: وهو جناح يخرجه في علو حائطه، وساباط الساباط سقف على حائطين مكتنفين طريقا؛ يعني أن الشخص لا يمنع من إحداث ساباط إذا كان الجانبان الذين يجعل عليها الساباط لمن أحدث الساباط وكانت السكة نافذة إلى الفضاء، ولهذا قال: لمن له الجانبان فهو راجع للساباط، ومفهوم قوله: "لمن له الجانبان" أنه إذا لم يكن له إلا جانب واحد والآخر لغيره فإنه لا يجعل الساباط عليهما إلا باذن صاحب الجدار الآخر.
وأما قوله: بسكة نفذت فهو قيد في الروشن والساباط معا كما قررت، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية أي وإن لم تكن السكة نافذة إلى الفضاء، فلا يجوز إحداث باب إلا ما يستثنى ولا روشن ولا ساباط لمن له الجانبان إلا بإذن جميع أهل السكة؛ لأن السكة حينئذ كالملك لجميعهم أي لجميع أهل السكة، فالضمير في جميعهم لم يتقدم له معاد لفظا لكن دل عليه المعنى، ويؤخذ منه أن من لم يكن له مرور على تلك السكة لاحق له في فتح باب إليها من داره التي بابها من جهة أخرى، وقد جزم الحطاب بخلاف هذا، فقال: إن له ذلك إذا كان منكبا عن باب جاره، وما للحطاب خلاف ما في التبصرة ففيها ما نصه:
مسألة: وإذا كان حائط لرجل في سكة غير نافذة وبابه في سكة نافذة وليس له في السكة التي لا تنفذ باب لداره فالصحيح أنه ليس له ذلك، سواء فتح قبالة باب أحد أو لا؛ لأنه إنما يفتح إلى سكة لا حق له فيها وإنما هي مشاعة بين أصحاب الأبواب القديمة التي فيها، فإذا فتح بابا بغير رضاهم صار شريكهم في السكة بغير حق، وقيل له أن يفتح إذا كانت واسعة ولم يقابل باب
стр. 6455
أحدهم، فاعتراض أبي العباس الملوي على الحطاب صحيح، بل كلام التبصرة يفيد أنه لا قائل بما جزم به الحطاب؛ لأن المقابل في كلام التبصرة مقيد بما إذا كانت واسعة، ولم يقيد الحطاب ما قاله بذلك. قاله الرهوني.
وقال عبد الباقي: "وروشن" وهو جناح يخرجه في علو حائطه "وساباط" سقف ونحوه على حائطين له مكتنفي طريق، ولذا قال لمن له الجانبان قيد في الساباط بسكة نفذت إلى الفضاء قيد في الروشن والساباط، ولابد من رفعهعا عن رءوس الركبان رفعا بينا، وقوله: "وروشن وساباط" كالمستثنى من قول الذخيرة هواء الوقف وقف -انتهى- لعدم ضرره بأحد مع رفعه بخلاف بناء بطريق فإن شأنه الضرر، وقوله: "وإلا فكالملك لجميعهم" المراد كما في التتائي عن ابن عبد البر من يمر تحته لا من بيته قبله. انتهى. وقوله: "وإلا فكالملك لجميعهم" ليس فيه تشبيه الشيء بنفسه كما علم مما ذكرته عن عبد الباقي، وقوله: "وإلا فكالملك لجميعهم" هو المشهور الصحيح، وأما قول عبد الباقي: وما ذكره من هذا التفصيل ضعيف والمشهور جوازهما بغير النافذة أيضا بغير إذن من يمر تحته حيث رفعهما عن رءوس الركبان رفعا بينا ولم يضرا بضوء المارة. انتهى. فهو متعقب أي تعقبه غير واحد، وها أنا اقتصر على ما حصله الرهوني في ذلك فإنه قال: فتحصل مما سبق كله أن ما اعتمده المص هو المنصوص لسحنون ويوسف بن يحيى وأبي بكر الوقار والبرقي من المتقدمين، وعليه عول الشيخ أبو محمد في نوادره وابن يونس في ديوانه وابن بطال في مقنعه والمتيطى في نهايته وأبو عمر في كافيه، وعنه نقله المتيطى ولم يحك ابن الحاجب غيره، وسلمه شراحه: ابن عبد السلام وابن هارون والمص في توضيحه والناصر في حاشيته، وبه جزم أيضا ابن عات في طرره وابن سلمون وساقه كأنه المذهب، وبه أفتى ابن زيادة اللَّه كما في نوازل البرزلي والمعيار وسلماه وابن حارث وابن زرب كما في المعيار، وهو المأخوذ من كلام ابن سهل وبه أفتى ابن ناجي وشيخه العلامة الزغبي قائلين: إن به العمل ونفذ الحكم بفتواهما وهو الذي اعتمده الحطاب وجسوس والتاودي والبناني وشيخنا الجنوي، وقد سلم ابن عاشر ومصطفى كلام المص وهو حقيق بالتسليم، وأما مقابله فليس بمنصوص إنما عزاه ابن عرفة لظاهر ما في العتبية وسيدي عبد النور كذلك. انتهى المراد منه.
стр. 6456
إلا بابا إن نكب مستثنى من قوله: "فكالملك لجميعهم" يعني أنه إذا لم تكن السكة نافذة فإنه لا يجوز إحداث روشن ولا ساباط لمن له الجانبان ولا باب إلا بإذن الجميع، إلا أن يكون الباب الذي يفتحه منكبا عن باب جاره فله أن يفتح حينئذ بدون إذن، وقوله: "إن نكب" بحيث لا يشرف منه على ما في دار جاره ولا يقطع عنه مرفقا فيجوز بسكة غير نافذة، وقررت قوله: "وإلا فكالملك لجميعهم" بأنه راجع للباب بسكة نافذة، وللروشن والساباط بسكة نافذة ليتضح معنى الاستثناء، في قوله: "إلا بابا إن نكب" خلاف ما قال عبد الباقي أن قوله: "وإلا فكالملك لجميعهم" إنما يرجع للروشن والساباط. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: قال ابن ناجي في شرح المدونة: وأما الزقاق غير النافذ الذي فيه أزقة فكل زقاق مستقل بنفسه، فإن أذن أهل زقاق في فتح باب بزقاقهم المستقل فليس للباقين كلام، بذلك أفتى بعض شيوخنا على ما بلغني ممن يوثق به وبه أقول. انتهى. وقاعدته أنه إذا قال بعض شيوخنا، يشير به إلى ابن عرفة، وانظر هذا مع ما نقله ابن يونس عن سحنون في كتاب ابنه أن حبيبا سأل سحنونا عن درب كبير غير نافذ فيه رائغة في ناحية غير نافذة ولرجل في أقصاها باب، فأراد أن يقدمه إلى طرف الرائغة فمنعه أهل الدرب، قال لهم أن يمنعوه ولا يحركه عن موضعه إلا برضى أهل الدرب، وقال نحوه يوسف بن يحيى في الدرب الذي لا ينفذ والروائغ وكل مشترك منافعه بين ساكنيه ليس لهم أن يحدثوا في ظاهر الزقاق ولا باطنه حدثا إلا باجتماع أهله، قال ابن يونس: هذا خلاف ما في المدونة، وما في المدونة أصوب وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب وابن وهب. انتهى المراد منه.
قال الحطاب: وكأنه يعني بالرائغة الزقاق ولم أقف على ذلك في اللغة. انتهى. وتعقب الرهوني قول ابن يونس: هذا خلاف ما في المدونة وما في المدونة لخ، قال الرهوني: ولم يتعرض لضبطه مع أنه يقع فيه التصحيف في نسخه كثيرا، والصواب أنه بالراء والغين العجمة وبالهمز لا بالباء الموحدة، قلت: خفي على الحطاب ﵀ كلام ابن (١) الأثير في حديث الأحنف، فعدلت إلى
стр. 6457
رائغة من روائغ المدينة أي طريق يعدل ويميل عن الطريق الأعظم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾، أي مال عليه وأقبل. انتهى.
ويوسف بن يحيى هو المغامي بفتح الميم وبالغين المعجمة وآخره ياء النسب، ومغام من ثغر طليطلة أصله منها ونشأ بقرطبة وسكن بمصر ثم استوطن القيروان إلى أن مات، سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان ويحيى بن مزين، وروى عن عبد الملك بن حبيب مصنفاته وكان آخر الباقين من رواته، وكان المغامي ثقة إماما عالما جامعا لفنون من العلم، قال بعضهم: لا أعلم منزلة يستحقها عالم بعلمه أو فاضل بحسن مذهبه إلا ويوسف بن يحيى أهلها، توفى سنة ثمان وثمانين ومائتين، وصلى عليه حمديس، ويوسف بن يحيى المذكور هو يوسف بن عمر المغامي ابن يحيى بن يوسف بن محمد دوسي من ولد أبي هريرة ﵁ أندلسي الأصل. انظر الرهوني.
الثاني: قال الحطاب: لم يذكر المص ولا غيره قدر ما ينكب الباب عن باب جاره في السكة غير النافذة، وكلامه يقتضي أنه إذا كان الباب الذي يفتحه منكبا عن باب جاره الذي يقابله جاز فتحه ولو كان ذلك بقرب باب دار جاره الملاصق له بحيث إنه يضيق عليه فيما بينه وبين بابه ويقطع ارتفاقه بذلك وليس كذلك كما تقدم في كلام المدونة وكلام ابن رشد، فلو قال المص: إلا بابا إن نكب ولم يضر بجار ملاصق لوفى بما في المدونة.
الثالث: قال البرزلي عن نوازل ابن الحاج من كان له حائط مصمت في سكة فكان ابن العطار يقول: ليس له منع من أراد فتح باب في السكة حذاء حائطه، وكان ابن عتاب يقول: له منعه كما لو كان له باب. اهـ.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: هذا مخالف للمص في السكة النافذة وغيرها. واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: قال الحطاب لو سقط الروشن والساباط على أحد فمات فلا شيء على من بناه، ومن المجموعة قال ابن القاسم قال مالك: لا بأس بإخراج العساكر والأجنحة على الحيطان إلى طرق المسلمين، قال ابن القاسم: وهي تعمل بالمدينة فلا ينكرونها، واشترى مالك دارا لها عسكر، قال مالك في جناح خارج في الطريق فسقط على رجل فمات: لا شيء على من بناه، قيل: فأهل العراق
стр. 6458
يضمنونه؟ قالوا: لأنه جعله حيث لا يجوز له فأنكر قولهم، قال: ومن أخرج جناحا أسفل الجدار حيث يضر بأهل الطريق منع من ذلك.
الرابع: قال ابن أبي زمنين في أواخر المنتخب ناقلا عن المدونة: قال مالك: من حفر شيئا في طريق المسلمين أو في داره مما يجوز له حفره فعطب فيه إنسان فلا ضمان عليه، قلت: وما الذي يجوز أن يحفره في طريق المسلمين، قال: مثل بير المطر والمرحاض يحفره إلى جنب حائطه هذا وما أشبهه. انتهى. وقال في المقنع: قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: من حفر بلصق جداره كنيفا فليغطه ويتقن غطاءه ويسويه بأرض الطريق حتى لا يضر، فإن لم يفعل منع. اهـ. انظر الحطاب.
الخامس: قال البرزلي: سئل ابن رشد عمن غرس في فناء رجل وردا واستغله فقام صاحب الفناء يطلب زوال الورد وقيمة ما اغتل؟ فأجاب ابن رشد بأنه لا حق للقائم على غارس الورد في الفناء على ما مضى من المدة؛ لأن الأفنية ليس فيها حقية (١) الأملاك، وإنما هو مقدم في الانتفاع بها إن احتاج، وليس له أن يمنع الجار منها إن استغنى، وله إذا قام عليه أن يقلع الورد عن فنائه وينفرد بالانتفاع به، أضر الورد بجاره أو لم يضر إلا أن يتفق معه على ما يجوز بينهما. قاله الحطاب.
السادس: قال الرهوني في نقله: تحصل في فتح الباب أو تحويله من موضعه في السكة غير النافذة ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك لا يجوز له بحال إلا بإذن أهلها وإليه ذهب ابن زرب وبه جرى العمل بقرطبة، والثاني أن ذلك له فيما لم يقابل باب جاره ولا قرب منه وهو قول ابن القاسم في المدونة وابن وهب في العتبية، والثالث أن له تحويل بابه. انتهى. وصعود نخلة بالجر عطف على "مانع" يعني أن من في داره نخلة أو شجرة يجوز له أن يطلع عليها ليجني ثمرها ولأجل إصلاحها وما أشبه ذلك، وأنذر بطلوعه يعني أنه لا يمنع من صعود الشجرة المذكورة كما عرفت ولكن يجب عليه أن ينذر جاره أي يعلمه بطلوعه للشجرة مخافة أن يطلع على عورة جاره وقيل باستحباب الإنذار. قاله الخرشي. والانذار إعلام مع تخويف، وقال عبد الباقي: وأنذر جاره بطلوعه ظاهره وجوبا، ونقل الحطاب عن المسائل الملقوطة أنه مندوب وليس مثلها صعود المنارة
стр. 6459
فيمنع منه ولو قديمة على البيوت على الراجح كما يفيده الحطاب حتى يجعل لها ساتر يمنع من الاطلاع على الجيران من أي جهة حتى لا يتبين به أشخاص ولا هيئات ولا ذكور ولا إناث قربت دارهم أو بعدت لتكرر طلوعها وندور صعود النخلة. انتهى.
قوله: وليس مثلها صعود المنارة فيمنع منه لخ، تكلم عليها باعتبار التكشف، وسكت عن ضرر أصوات المؤذنين بها ليلا بالأدعية إذا اشتكى بذلك الجيران، وفي ذلك نزاع بين المتأخرين، انظر المعيار والدر النثير. وقال ابن عرفة في إحياء الموات ما نصه: ورفع الصوت بالدعاء والذكر بالمسجد آخر الليل مع حسن النية قربة، وفي جوازه بعسعسة الليل بعد مضي نصفه ومنعه نقلا ابن سهل عن ابن عتاب، محتجا بقول مالك بعدم منع ضرب الحداد، وابن دحون مع ابن جرج محتجين بوجوب الاقتصار على فعل السلف. انتهى. قاله الرهوني.
تنبيه: عمدة ما ذكره المص في هذا الباب وغيره من أهل المذهب من القضاء بنفي الضرر حديث: (لا ضرر ولا ضرار) (١) صرح بذلك غير واحد، وفي المفيد ما نصه من الأحكام للباجي: ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار). اهـ. ومعنى الضرر أن يضر أحد الجارين بجاره، ومعنى الضرار أن يضر كل واحد منهما بصاحبه؛ لأن هذا البناء يستعمل كثيرا بمعنى المفاعلة كالقتال والضراب والسباب والجلاد والزحام، فكذا الضرار فنهى النبي ﷺ عن أن ينفرد أحدهما بالضرر بجاره وعن أن يقصدا ذلك جميعا، وليس استيفاء الحقوق في القصاص وغيره من هذا الباب. قاله الباجي وهو الذي صدر به المنوي في شرح الجامع الصغير وهو ظاهر واللَّه أعلم. انتهى.
وإن اختلفت البينتان في الضرر وعدمه بأن شهدت بينة بأن هذا فيه الضرر وشهدت بينة أخرى بأنه لا ضرر فيه أعملت بينة الضرر، وقيل ينظر إلى أعدل البينتين فيقضى بها، ففي طرر ابن عات ما نصه: ذكر الباجي أنه إن أتى ببينة تشهد بأنه لا ضرر على فلان بن فلان في ذلك لم يلتفت إلى ذلك، والبينة التي شهدت بالضرر أتم شهادة وأولى بالحكم بها، وقيل إنه ينظر إلى أعدل البينتين فيقضى بها؛ لأن شهادة كل فريق من البينتين على ما يؤديه العيان. انتهى.
стр. 6460
وندب إعارة جداره لغرز خشبة يعني أنه يندب للشخص أن يعير جداره لجاره لأجل أن يغرز فيه خشبة أي لأجل أن يدخلها فيه لخبر الموطإ والصحيحن عن أبي هريرة ﵁: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره) (١)، يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم بالتاء المثناة فوق، وروي بالنون، وخشبه جمعا بفتح الخاء والشين وروى خشبه جمعا أيضا بضم الخاء والشين وآخره على الروايتين ضمير للجار، وروى أيضا مفردا بفتحهما وآخره تاء تانيث، واختلف هل لجار المسجد غرز خشبة في حائطه وبه أفتى ابن عتاب ناقلا له عن الشيوخ أو لا، وإليه ذهب ابن مالك، قال ابن ناجي: والنفس أميل إليه. انتهى.
ومقتضى هذا أن الحبس غير المسجد كالملك. قاله عبد الباقي. قوله: ومقتضى هذا أن الحبس غير المسجد كالملك، قال الرهوني: ظاهره ولو كان على غير معين وفيه نظر إن كان على غير معين. واللَّه أعلم. انتهى. وقوله: يقول أبو هريرة لخ في رواية: لما حدثهم أبو هريرة نكسوا رءوسهم، فقال أبو هريرة: مالي أراكم؟ لخ، والضمير في عنها للسنة أو المقالة، والضمير في بها للمقالة أيضا أو للخشبة، والحديث حمله مالك ﵀ على الندب، لقوله ﵇: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) (٢)، وقال الشافعي وأحمد: ذلك على الوجوب. انظر المواق. قاله البناني.
وقال الحطاب: قال البرزلي في مسائل الضرر: سئل شيخنا الإمام عمن أذن لجاره بغرز خشب في جداره فسقط جدار الآذن وأقامه فطلب جاره أن يرد خشبه على ما كان في الإذن الأول فأبى عليه؟ فأجاب: إن كان سقوط الجدار بتوهله لا بسبب زيد اختيارا لم يقض عليه بعود الغرز وإثبات كونه لتوهله إن تنازعا على ربه وإلا قضي عليه بعود الغرز إن كان غير موجل، قال البرزلي: نحو هذا في الواضحة. انتهى. قوله لتوهله، قال في القاموس: وهل كفرح ضعف وفزع فهو وهل ومستوهل. انتهى المراد منه. وهي هنا من الأول. واللَّه تعالى أعلم.
فرع: قال الحطاب في أحكام ابن سهل في مسائل الحبس: يمنع من فتح باب في المسجد للانتفاع به. واللَّه أعلم. اهـ. وقد مر عن عبد الباقي أن ابن مالك منع الغرز في حائط المسجد، قال البناني:
стр. 6461
منع الغرز فيه ومنع التعليق فيه، قال ابن عرفة: وهو الصواب الجاري على حمله على الندب. اهـ. وقال المواق: لا خلاف في منع الاطلاع على الدور، ولا خلاف في إباحة البناء الذي يطلع منه على الفدادين والمزارع ويختلف في الجنات. اهـ.
وإرفاق بماء وفتح باب يعني أنه يندب للشخص أن يرفق جاره بما فيه منفعة من فتح باب وإرفاق بماء، قال عبد الباقي: وندب للجار إرفاق بماء وفتح باب لجاره ليمر به حيث لا ضرر عليه بذلك، وحض ﵊ على الجار، فقال: الجار أمين على جاره فعليه أن يسدل حجابه عنه؛ أي عليه ويكف أذاه عنه ويغض بصره عنه، فإن رأى عورة سترها وإن رأى سيئة غفرها وإن رأى حسنة أفشاها.
وشكا جار جاره إليه ﵊ فأمر مناديا ينادي: (ألا إن أربعين دارا جارٌ ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه) (١)، وروي كما في الجامع الكبير: (الجار ستون دارا عن يمينه وستون دارا عن يساره وستون خلفه وستون أمامه) (٢). الديلمي عن أبي هريرة: وسنده ضعيف، وروي: (من حارب جاره فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب اللَّه ومن آذى جاره فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه) (٣)، وقال: لا يرح رائحة الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، وروي: (من خاف جاره بوائقه) (٤)، (والجار على ثلاثة أقسام: جار له عليك حقان وهو الجار المسلم الأجنبي، وجار له عليك ثلاثة حقوق وهو الجار المسلم الذي بينك وبينه قرابة، وجار له عليك حق واحد وهو الجار الذمي). قاله عبد الباقي. وقال المواق: الباجي: قال مطرف وابن الماجشون: كل ما طلبه جاره من فتح باب أو إرفاق بماء أو طريق وشبهه فهو مثله لا ينبغي أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه منعه ولا يحكم به عليه. اهـ.
стр. 6462
وقال المواق: الموطأ: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يمنع أحدكم جاره خشبه لغرز في جداره) (١). وروى ابن وهب: خشبة بلفظ الوحدة، وفي رواية: لما حدثهم أبو هريرة نكسوا رءوسهم، فقال أبو هريرة: مالي أراكم معرضين؟ أما واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم، والصواب بالتاء، ورويَ بالنون أكنافكم، ذهب مالك إلى أن هذا ندب لقوله ﵇: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) (٢) منه، وقال الشافعي وأحمد بن حنبل وداوود وأبو ثور وجماعة: ذلك على الوجوب إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار، ومن حجتهم قول أبي هريرة: واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم وأبو هريرة أعلم بمعنى ما سمع، وما كان ليوجب عليهم غير واجب، ومن حجتهم أيضا قالوا: هذا من قضاء رسول اللَّه ﷺ بالمرفق، وأما قوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) (٣) إنما هو على التمليك والاستهلاك وليس المرفق ذلك، وكيف يكون منه والنبي ﷺ فرق بين ذلك فأوجب أحدهما ومنع من الآخر؟ واحتجوا أيضا بأن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه قضى بذلك، وقال لابن مسلمة: واللَّه ليمرن ولو على بطنك، وقال له: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك فلو لم يكن ذلك واجبا عند عمر ما جبره على ذلك، وكذلك قضى لابن عوف على ابن زيد.
ومما احتج [به] (٤) من ذهب مذهب الشافعي أن غلاما استشهد يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه، وتقول: أبشر هنيئا لك الجنة، فقال النبي ﷺ : (وما يدريها لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره) (٥)، وهذا حديث ليس بالقوي. انتهى المراد منه.
وله أن يرجع يعني أنه إذا أعار شخص لشخص جداره ليغرز فيه خشبة فإن له أن يرجع عن ذلك، وهذا إذا لم يتكلف في ذلك نفقة كمسألة ما إذا أعار شخص لشخص عرصة ليبني فيها أو يغرس، فإن له أن يرجع فيها قبل انقضاء المدة المعتادة، وأما إن أنفق في مسألة الجدار فيجري في ذلك ما جرى في العرصة حيث أنفق، فإنما يرجع بشرط أشار إليه بقوله: وفيها أي المدونة أي
стр. 6463
يؤخذ منها أن له أن يرجع في جداره كما يرجع في عرصته إن دفع أي المعير للمستعير ما أنفق على غرز الجدار، كما يرجع بما أنفق على البناء والغرس أو للخلاف أي ويؤخذ من المدونة في موضع آخر أن له أن يرجع في الجدار كما يرجع في العرصة التي أعيرت للبناء والغرس قبل انقضاء المدة المعتادة إن دفع قيمته، ظاهره أن معناه دفع قيمة ما أنفق وليس بمراد، وإنما المعنى دفع قيمة المنفق عليه، فالضمير في قيمته للمنفق عليه المفهوم من أنفق وهو الخشب المغروز، وهذا الذي قررت به المص من أن كلامه في الجدار المعار لغرز خشبة هو المتعين في كلامه؛ لأن كلامه كالصريح فيما قررته به، وأما تفسير المص بأن كلامه في العرصة التي أعيرت لبناء أو غرس فإنه خروج عما الكلام فيه مع ما يلزم على ذلك من التكرار الذي لا وجه له لعدم الفائدة فيه. واللَّه تعالى أعلم.
فإذا عرفت هذا عرفت أن قوله: "وله أن يرجع" لا يقيد بشيء أي له أن يرجع في الجدار الذي أعاره لغرز الخشب مطلقا، طال الزمان أم لا، قصد الضرر بصاحب الخشب أم لا وهذا مذهب المدونة في العرصة المعارة لمن يبني فيها، قال الحطاب: جمع ابن رشد وابن زرقون مسألة الجدار والعرصة وحكيا الخلاف فيهما جميعا وتبعهما المص. الرهوني: الصواب ما قاله الحطاب ومصطفى؛ لأن تسوية ابن رشد وابن زرقون مسألة الجدار والعرصة تستلزم جريان التأويلات فيها كما جرت في مسألة العرصة المساوية لها، وقد سوى بينهما أيضا الباجي في المنتقى. انتهى المراد منه.
وقال الرهوني: قال يعني أبو علي بعد أن قال: وإذا ثبت هذا فقول المتن هنا وله أن يرجع لا يقيد بشيء، وقوله: "وفيها إن دفع ما أنفق" صحيح فيفهم منه أنه حيث لا إنفاق فلا دفع وهو كذلك مع جواز الإخراج وهو صحيح لا غبار عليه، وإنما قال: "وفيها" هنا مع أن المدونة إنما وقع فيها هذا في العرصة كما رأيته؛ لأن ابن رشد جعلهما كالشيء الواحد، وكذا من تبعه ولم يعتبر تفريق سحنون. اهـ. يعني أن سحنونا فرق بين العرصة والجدار، فقال في الجدار: ليس له أن ينزعه. واعلم أن الأقوال ستة: لا رجوع للآذن إلا إن احتاج، لا رجوع له ولو احتاج، الرجوع ولو لم يحتج ويغرم للمأذون له فيما فيه عمل قيمة نفقته، ورابعها قول أصبغ له الرجوع فيما أذن فيه ولو فيما
стр. 6464
تكلف فيه عمل وإنفاق إن أتى عليه من الزمان ما يعار لمثله عادة إلا من أذن في غرس على مائه فليس له قطعه بعد غرسه، وخامسها الفرق بين غرز الخشبة وغيرها للحديث: (لا يمنع أحدكم)، وسادسها الفرق بين ما تكلف المأذون له فيه نفقة ومالا. انتهى.
وفي موافقته ومخالفته تردد يعني أن الشيوخ اختلفوا في الموضعين من المدونة، فمنهم من ذهب إلى أنهما متفقان فيحمل الموضع الذي فيه ما أنفق على ما إذا اشترى ما عمر به، والمحل الذي فيه قيمته على ما إذا كان ما عمر به من عنده، ومنهم من ذهب إلى أنهما متخالفان فيكتفى بظاهر اللفظ، ويأتي هذا في العارية مبينا إن شاء اللَّه تعالى.
قال الخرشي: ولما كانت شركة المزارعة قسما من الشركة ناسب أن يذكرها عقبها، وإنما أفردها بترجمة لمزيد أحكام وشروط تخصها، وإلا فحقها أن تدرج في الشركة، فقال:
стр. 6465
فصل: في المزارعة، ابن عرفة: المزارعة الشركة في الحرث، وبالثاني عبر اللخمي، وعبر بالأول كثير، سمع عيسى: سئل ابن القاسم عن رجلين اشتركا على مزارعة، وروى البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يقل أحدع زرعت وليقل حرثت) (١)، وروى مسلم عن جابر بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: (لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة) (٢). اهـ. وقال البرزلي: في حديث آخر: (لا يقولن أحدع زرعت وليقل حرثت فإن الزارع هو اللَّه). أبو هريرة: لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٣)، القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية: دليل على أن اتخاذ الحرث من أعلى الحرف المتخذة للمكاسب ويشغل بها العمال، ولهذا ضرب اللَّه بها المثل، قال: وفي الترمذي عن عائشة ﵂ عنه ﷺ قال: (التمسوا الرزق في خبايا الأرض) (٤) يعني الزرع، وفي حديث في مدح النخل: (هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل) (٥):
والمزارعة من فروض الكفاية يجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار، وعن عبد اللَّه بن عبد الملك أنه لقي ابن شهاب الزهري، فقال: دلني على مال أعالجه، فأنشأ يقول:
أقول لعبد اللَّه يوم لقيته … وقد شد أحلاس المطي مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها … لعلك يوما أن تجاب فترزقا
стр. 6466
قاله الحطاب. وفي البخاري: زارع علي وابن مسعود وسعد بن مالك وعمر بن عبد العزيز وعروة والقاسم وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وآل سيرين (١).
لكل فسخ المزارعة إن لم يبذر يعني أن عقد المزارعة لا يلزم بمجرد العقد بل بالشروع أي البذر، والبذر بذال معجمة: إلقاء الحب على الأرض فعقدها يجوز القدوم عليه، ولكل الرجوع عنه إن لم يحصل البذر، فإذا حصل لزم العقد، قال الحطاب: قال في التوضيح: المزارعة دائرة بين الشركة والإجارة، فلهذا اختلف في لزومها بالعقد تغليبا للإجارة، وهو قول سحنون وابن الماجشون وقول ابن كنانة وابن القاسم في كتاب ابن سحنون، وقيل: لا تلزم تغليبا للشركة ولكل واحد أن ينفصل عن صاحبه ما لم يبذر. ابن رشد: وهو معنى قول ابن القاسم في المدونة: ونص رواية أصبغ عنه في العتبية. اهـ.
قوله: وقيل لا تلزم بالعقد تغليبا للشركة هو واضح على طريقة ابن رشد، وأما على طريقة ابن يونس وعياض وغيرهما من أن الشركة لازمة بالعقد وهي التي اعتمدها المص فيما مر فلا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إن لم يبذر" ظاهره أنها لا تلزم إلا بالبذر ولو احتاجت قبل البذر لكبير عمل وهو كذلك، قال عبد الباقي: وانظر في بذر بعضها هل يلزم فيه فقط أو في الجميع أو إن بذر الأكثر فكالجميع والنصف فلكل حكمه وإن بذر الأقل فكالعدم؟ اهـ.
قوله: وانظر في بذر بعضها هل يلزم؟ لخ قال التاودي: أصل هذا التوقف لعلي الأجهوري، وتبعه غير واحد من تلامذته وهو قصور أو غفلة، والنص أنه إن بذر البعض فلكل الفسخ فيما بقيَ قليلا كان أو كثيرا، وما بذراه فهو لازم لهما هذا قول ابن القاسم في المدونة. اهـ المراد منه. ونحوه للبناني عن مصطفى، قال البناني: ونص ابن رشد في رسم البيوع من سماع أصبغ: قول ابن القاسم: إن كانا قد بذرا فليس ذلك له يريد فيما قد بذرا، إذ لا يستطيعان أن يقتسما ما قد بذرا حتى يحصداه ويقتسمانه (٢) بالكيل، وأما ما لم يبذرا بعد فلا يلزم الآبي منهما أن يزرعها بعد لأنهما يقدران على قسم القليب وعلى بيعه واقتسام ثمنه على معنى قول ابن القاسم هذا، وفي المزارعة ثلاثة أقوال:
стр. 6467
قيل إنما تلزم بالبذر وهو الذي مر عليه المص، وقيل تلزم بالشروع في العمل وهو يروى عن ابن كنانة وليس بقياس، وقيل تلزم بالعقد. قاله ابن رشد.
وصحت إن سلما من كراء الأرض بممنوع يعني أن المزارعة تصح بهذه الشروط الأربعة التي يذكرها المص: أحدها أن يسلم المتعاقدان من كراء الأرض بممنوع بأن لا تقع الأرض أو جزؤها في مقابلة البذر أو جزئه، وسلامتها من ذلك أن يقع كراء الأرض بذهب أو فضة أو بعرض، لا بطعام ولو لم تنبته كعسل أو بما تنتبه، ولو لم يكن طعاما كقطن أو كتان، ويستثنى من ذلك الخشب ونحوه كعا يأتي في باب الإجارة.
ثانيها أشار إليه بقوله: وقابلها مساو يعني أنه إذا كانت الأرض التي تزرع لأحدهما، فإنه لابد أن يقابلها مساو لها من غير البذر، ومعنى التساوي أن يأخذ على قدر الربح الواقع بينهما أي يأخذ كل من الزرع على قدر أجرة ما له من أرض وعمل، فإذا كانت الأرض لأحدهما وأجرتها مائة وللآخر البقر والعمل أي عمل اليد وأجرة ذلك خمسين ودخلا على أن لرب الأرض الثلثين ولرب البقر والعمل الثلث جاز، وإن دخلا على النصف أي على أن كل واحد يأخذ من الزرع النصف لم يجز لأنه دخول على التفاوت، وإن كان الأمر بالعكس ودخلا على أن لرب البقر والعمل الثلثين ولرب الأرض الثلث جاز، وإن دخلا على النصف فسد لأنها تفسد بشرط التفاوت، وإن كانت أجرة الأرض خمسين والبقر والعمل خمسين ودخلا على الثلث والثلثين فسد وعلى النصف جاز، فالمراد بالتساوي أن يكون الربح أي الزرع المأخوذ مطابقا للمخرج أي لكرائه، وأما إن قابل الأرض البذر فذلك ممنوع، وقد خرج بقوله: "وصحت إن سلما من كراء الأرض بممنوع".
ثالث الشروط أشار إليه بقوله: وتساويا يعني أنهما لابد أن يتساويا في الربح بأن يأخذ كل واحد منهما من الزرع على قدر أجرة ما يخرجه، وهذا الشرط الثالث يغني عما قبله.
والشرط الرابع هو قوله الآتي: "وخلط بذر إن كان" وقولي: بشروط أربعة تبعت فيه عبد الباقي، قال البناني: هذا ظاهر المص، وفيه أن المزارعة ليس فيها إلا شرطان: السلامة من كراء الأرض بممنوع، والدخول على التساوي. وعلى هذين اقتصر ابن شاس وأبو الحسن وغيرهما، قال مصطفى: وأما قوله: "وقابلها مساو" فهو مندرج في قوله: "وتساويا" فيغني عنه كما قال ابن غازي
стр. 6468
وغيره، وأما قوله: "وخلط بذر" فليس من شروطها لأن شرطها ما كان عاما في جميع صورها، وهذا خاص ببعض الصور، ولذا قال المص: "إن كان". انتهى.
إلا لتبرع بعد العقد يعني أنه لابد من التساوي بأن يأخذ كل واحد منهما من الربح أي الزرع على قدر كراء ما أخرج كما عرفت، ومحل ذلك إذا لم يحصل تبرع بشيء من الربح بعد العقد، وأما إن تبرع له بعد العقد بشيء من ذلك من غير وأي ولا عادة فإن ذلك جائز، قال الخرشي: وقوله: "بعد العقد" بيان للواقع؛ لأن التبرع لا يكون إلا بعد العقد؛ أي فما كان قبل العقد أو فيه له حكم المشترط، ويأتي قريبا عن عبد الباقي أيضا جواب عن المص ثان، فلو كان كراء الأرض التي أخرجها أحدهما بمائة وللآخر البقر والعمل وكراؤه خمسون ودخلا على التساوي أي الاعتدال بأن يكون لرب الأرض الثلثان ولصاحب البقر والعمل الثلث، ثم بعد العقد تبرع صاحب الأرض لصاحب البقر والعمل بالمناصفة في الزرع فإن ذلك سائغ، وظاهر قوله: "بعد العقد". ولو لم يبذر وهو كذلك، وأما قول عبد الباقي: إلا لتبرع من غير وأي أي مواعدة ولا عادة بعد العقد اللازم وهو البذر المستفاد من مفهوم إن لم يبذر، والمستفاد منه كالمنطوق عند المص. قاله أحمد. ففيه حذف صفة بأن يعقدا على التساوي ويبذرا ثم يتبرع أحدهما للآخر.
وبما قررنا علم سقوط قول الناصر العجب من المص كيف شهر اللزوم بالبذر أي لا بالعقد وجوز التطوع بعد العقد؟ اهـ. وقد علمت جوابه من أن فيه حذف صفة بدلالة ما قدمه من أن اللزوم بالبذر، وبه أيضا يعلم سقوط الاعتراض على قوله: "بعد العقد" بأن التبرع إنما يكون بعده؛ إذ لو كان فيه لم يكن تبرعا ولو صرحوا بأنه تبرع لأنه حينئذ دخول عليه فهو مشترط، ويجاب أيضا بأنه قيد لبيان الواقع. اهـ.
فقال البناني: أصل هذا لابن غازي إذ جعل "أل" في العقد عهدية، وأن المراد العقد الحاصل بالبذر. انتهى. وفيه نظر، فإن المص إنما قصد بهذا ما ذكره ابن القاسم في العتبية، وقد ذكر ابن رشد البحث الواقع فيه، وأجاب عنه وهو لا شك مراد المص، ونص العتبية في رسم الجواب من سماع عيسى ابن القاسم: وقد سئل عن الرجلين يشتركان في الحرث فيقول أحدهما لصاحبه
стр. 6469
أسلفني بعد ما عقدا الشركة، قال ابن القاسم: الشركة فاسدة للسلف الذي أسلفه من الزريعة إذا كانا على ذلك اشتركا، فإن كانت الشركة على غير سلف ثم سأله ذلك ففعل فليس بذلك بأس والشركة حلال جائزة إذا كانت قيمة العمل مكافية لقيمة الأرض. ابن رشد في قول ابن القاسم: فليس بذلك بأس نظر على أصله في أن المزارعة لا تلزم بالعقد؛ لأن القياس عليه أن لا يجوز السلف بعد العقد كما لا يجوز في العقد، وقد قال بعض أهل النظر: هذا من قوله يدل على أن المزارعة تلزم بالعقد عنده، ولا دليل من قوله في هذه الرواية على ذلك إذ قد ذكر فيها ما يدل على أنها لا تلزم بالعقد، وهو قوله: "والشركة حلال جائزة" إذا كانت قيمة العمل مكافئة لقيمة الأرض؛ لأن من يرى المزارعة لازمة بالعقد يجيز التفاضل فيها، ولا يشترط في جوازها التكافؤ فيما يخرجان، وإنما لم تفسد المزارعة إذا كان السلف بعد العقد وإن كانت عنده لازمة بالعقد مراعاة لقول من يراها لازمة بالعقد. اهـ ببعض اختصار.
وقد نقل المواق بعضه، وقد علمت منه أن ابن القاسم يقول بعدم اللزوم بالعقد، ويقول مع ذلك بجواز التبرع بعد العقد مراعاة للخلاف، وكلام المص جار عليه فلا وجه لتأويله وإخراجه عنه. واللَّه أعلم. وبه يسقط بحث اللقاني، وأما بحث مصطفى مع ابن غازي بأن حمل العقد على اللازم أي تمامه تقل معه فائدة التبرع بعد تمام العمل، ففيه نظر لإمكان التبرع بعد تمام البذر بأن يتبرع أحدهما على الآخر بالسقي والتنقية أو بالحصاد والدرس أو بالزيادة في حظه أو نحو ذلك. اهـ كلام البناني.
وأشار للشرط الرابع بقوله: وخلط بذر إن كان يعني أنه إذا كان البذر بينهما فإنه لابد من خلطه، والبذر يشمل الحب والزريعة كسفينة وهي الشيء المزروع وتشديد الراء لحن، ويشمل أيضا الخضر التي تنقل وتغرس، فقوله: "إن كان" أي البذر من عندهما، قال الأجهوري: ولو حذف إن كان اكتفاء بأن الخلط من الأمور النسبية التي لا تكون إلا بين شيئين لاقتضى أو أوهم أنه يتوقف صحة الشركة على حصول البذر من كل والأمر بخلافه. اهـ. أي وذلك يندفع بقوله: "إن كان" من عندهما ولو بإخراجهما.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: تحقيق القول في هذه المسألة أن تقول: الراجح المشهور أن الخلط في المزارعة ليس من شروط الصحة، هذا مذهب مالك وابن القاسم وأحد قولي سحنون، وقوله
стр. 6470
الآخر أنه يشترط الخلط الحكمي، وأما الخلط الحسي فلم ينقل عن أحد اشتراطه، فإذا عرفت هذا فالأقرب فيما يفسر به المص أن تقول: قوله: "خلط" بصيغة الماضي مبني للمفعول عطف على قوله: "سلما" أي وصحت المزارعة إن سلما من كراء الأرض بممنوع وصحت إن خلط البذر حيث كان البذر من عندهما، وقوله: "ولو بإخراجهما" أي صحت إن خلط البذران حقيقة بأن يخلطا قبل البذر، بل ولو كان الخلط حاصلا بسبب إخراجهما معا البذر، ويختلط بعد الزراعة بحيث لا يتميز زرع أحدهما عن الآخر، وقد علمت أن هذا أمر متفق عليه وحينئذ فليست ولو لدفع الخلاف بل لدفع الوهم؛ لأن هذا قد وقع له في مواضع من هذا الكتاب، ويكون المراد باشتراط الخلط اشتراطه على وجه الكمال لا على وجه الصحة وإن كان ذلك غير متبادر من كلام المص. انظر الرهوني.
قال اللخمي: اختلف إذا كان البذر منهما هل يشترط الخلط في الصحة؟ فأجاز مالك وابن القاسم الشركة إذا أخرجا قمحا أو شعيرا وإن لم يخلطاه على أصلهما في العين الدنانير والدراهم إن لم يخلطاها، واختلف عن سحنون، فقال مرة بقول مالك وابن القاسم، وقال مرة إنما تصح الشركة إذا خلطا الزريعة أو حملاها إلى الفدان أو جعلاها في بيت. اهـ. وقد علمت مما مر الفرق بين قولي سحنون وهو أن أحدهما لا يشترط الخلط الحكمي فيكفي أن يخرجا بالبذر، ويبذر كل واحد منهما في ناحية فيكون زرع كل واحد منهما متميزا عن زرع الآخر، وقد علمت أن هذا هو المشهور وهو قول مالك وابن القاسم، وقوله: "الآخر" أنه لابد من الخلط الحكمي بأن يختلطا بعد الزراعة حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر، فإن لم يفعلا فلا شركة بينهما فلكل منهما زرعه وهو خلاف المذهب، وأما الخلط الحسي وهو أن يخلطا الحب قبل البذر فلم ينقل عن أحد اشتراطه، وفي التوضيح: وعند ابن القاسم أن الشركة جائزة خلطا أو لم يخلطا. ابن عبد السلام: ولعل المص إنما سكت عنه لاحتمال جواز الإقدام على ذلك ابتداء وأنه ممنوع منه أوَّلا، لكنه إن وقع مضى وهو الظاهر من تفريعه. اهـ.
قال الرهوني: فهذا الذي قصد في مختصره ويشهد لما قاله كلام المتيطى، ونصه على اختصار ابن هارون: والصواب أن يخلط العامل البذر قبل الزراعة، فإن لم يفعل وزرع كل واحد إلى ناحيته،
стр. 6471
فقال سحنون في كتاب ابنه: لا شركة بينهما، ويأخذ كل واحد ما أنبت بذره ويتراجعان الأكرية، ثم قال: وروى عيسى عن ابن القاسم في متزارعين على الصحة زرع أحدهما قمحا طيبا في ناحية وزرع الآخر قمحا رديا في ناحية أخرى ثم تشاحا أن كل واحد منهما يودي إلى الآخر ثمن نصف زريعته ويستويان، وهذا يدل على أن ترك الخلط عنده لا يضر. انتهى.
وفي المعين ما نصه: ومن تمام الشركة أن يخلطا البذر ثم يزرعاه، فإن لم يخلطا وزرع كل واحد إلى ناحية [فعند ابن القاسم] (١) أن ذلك لا يضرهما، وقال سحنون: لا شركة بينهما ويأخذ كل واحد ما أنبت بذره. اهـ منه بلفظه. وذلك كله نص فيما قلناه وهو جواب حسن بسن إن شاء اللَّه فتأمله. واللَّه الموفق انتهى كلام الرهوني.
واعلم أن أصبغ وافق سحنونا في قوله باشتراط الخلط الحكمي، قال في الجواهر: وروي عن سحنون أنه قال: إذا زرع كل واحد منهما بذره في ناحية معلومة لم تجز الشركة وإن لم يكن ذلك بشرط، ولكل واحد منهما ما أنبت بذره ويتراجعان في الأكرية والعمل، وإنما تجوز الشركة إذا خلطا الزريعة كالشركة بالمال وقاله أصبغ، قال: فأما لو لم يخلطاهما فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه وبذر الآخر في الناحية الأخرى ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد ولكل واحد ما أنبت حبه ويتراجعان فضل الأكرية ويتقاصان. اهـ بلفظه.
تنبيه: اعلم أنه إذا فرعنا على المشهور فلا فرق بين أن يخرجا بالبذر دفعة وبين أن يخرج أحدهما في يوم والآخر في يوم آخر كما في الخرشي، وبقى على المص شرط آخر في البذر وهو: تماثلهما جنسا، فإن أخرج أحدهما قمحا والآخر. شعيرا أو سلتا أو صنفين من القطنية، فقال سحنون: لكل واحد ما أنبته بذره ويتراجعان في الأكرية، ثم قال: يجوز إذا اعتدلت القيمة. اللخمي: يريد والمكيلة، وقال بعض القرويين: من لم يجز الشركة بالدنانير والدراهم لم يجز المزارعة بطعامين مختلفين، ولو اعتدلت قيمتهما لبقاء يد كل واحد على طعامه ولكل واحد ما أنبت طعامه. اهـ المراد منه. ذكره الحطاب. قال الأجهوري: والخلاف جار أيضا فيما إذا كان بدل الشعير فول، خلافا لمن قال: الفول والقمح يمتنع قطعا قاله عبد الباقي.
стр. 6472
فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم لم يحتسب به إن غر يعني أنهما إذا زرعا ولم ينبت بذر أحدهما وعلم البذر الذي لم ينبت لمن هو منهما، كما إذا زرع أحدهما في ناحية والآخر في ناحية أخرى فإن ذلك لا يحتسب به في الشركة، بمعنى أن الشركة باقية بينهما لا يؤثر فيها عدم نبات زرع أحدهما فيشتركان في الزرع الذي نبت، وقوله: "إن غر" أي الشريك الذي لم ينبت بذره صاحبه بأن علم أنه لا ينبت أو شك في ذلك ولم يعلمه شرط في لم يحتسب به، وإذا لم تفسد الشركة مع الغرور فمع عدمه أحرى. واللَّه تعالى أعلم.
وعليه مثل نصف النابت يعني أنه يلزم الشريك الذي لم ينبت بذره مثل نصف الزرع النابت فيغرم لصاحب النابت مثل نصف بذره قمحا جديدا مثلا، وعليه له أيضا كراء أرض ما لم ينبت ونصف قيمة العمل فيه، وقوله: "وعليه مثل نصف النابت" يعني في شركة المناصفة وعليه مثل حصته في غيرها، وقوله: "لم يحتسب به" الضمير في "به" لعدم النبات.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: والأنسب لأول الكلام وآخره أن يفسر قوله: "لم يحتسب به" بأن الذي لم ينبت بذره لا يحتسب به، بمعنى أنه لا يرجع بنصفه على صاحبه الذي نبت زرعه بخلاف ما لو لم يغره، كما أشار إليه بقوله: وإلا أي وإن لم يغر الذي لم ينبت زرعه شريكه بأن علم أي اعتقد أنه ينبت أو علم أنه لا ينبت وبين ذلك لشريكه، فعلى كل من الشريكين نصف بذر الآخر في المناصفة، وبقدر حصته في غيرها والزرع بينهما على التناصف في المناصفة وعلى قدر ما لكل في غيرها، وقوله: "فعلى كل نصف بذر الآخر" أي فيغرم الذي لم ينبت بذره للذي نبت قمحا جديدا صحيحا مثلا، ويغرم الذي نبت بذره للذي لم ينبت قمحا مسوسا مثلا. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم" لخ، قال الخرشي وغيره: وهذا إذا فات الإبان في الصورتين، فإن لم يفت ففيما إذا غر يخرج مكيلة زريعته التي لم تنبت من زريعة تنبت فيزرعها وهما على شركتهما إذا لم يغر يخرج كل قدر حصته منه ويزرعان ذلك إن أحبا، وإن لم يعلم من لم ينبت بذره منهما فالذي يظهر أن ما نبت بينهما على حسب ما دخلا عليه وما ضاع كذلك ولا رجوع لأحدهما على الآخر بشيء. اهـ. البناني: التقييد بفوات الإبان إنما هو في قسم الغرور فقط. انتهى. وحاصل ما للمص أن الشركة ثابتة مطلقا غر أم لا، وأن على من لم ينبت بذره مثل نصف
стр. 6473
النابت غر أم لا، وإنما يختلفان في الرجوع بشيء مما لم ينبت، ففي الأول لا يرجع وإنما يرجع عليه شريكه بمناب نصفه النابت، وفي الثاني وهو غير الغار يرجع على شريكه النابت زرعه بمثل نصف غير النابت أي قمحا قديما، كما أن على غير الغار قمحا جديدا كالغار.
ومثل للصور الجائزة من المزارعة بقوله: كأن تساويا في الجميع، قال الخرشي وغيره: أن مصدرية لا شرطية، والكاف للتمثيل أي مثال مستوفي الشروط أن يتساويا في الجميع من أرض وغيرها كما لو كانت الأرض بينهما والبذر بينهما والعمل بينهما على التناصف في الكل مثلا. المواق: المتيطى: سنة المزارعة الاعتدال والتساوي في الأرض والبذر والبقر والأداة والعمل كله حتى يصير ما هلك من ذلك في ضمانهما معا وهذه غاية الكمال فيها. انتهى. قال عبد الباقي وغيره: وذكر خمس صور جائزة بقوله: "كأن تساويا في الجميع" وآخرها قوله: "أو لأحدهما الجميع إلا العمل إن عقدا بلفظ الشركة، وذكر خمسا ممتنعة بقوله: "لا الإجارة" إلى قوله: "وعمل"، وبمفهوم قوله: إن لم ينقص ما للعامل عن نسبة بذره. اهـ.
وأشار إلى الصورة الثانية من الخمس الجائزة بقوله: أو قابل بذر أحدهما عمل يعني أن هذه الصورة جائزة وهي أن يكون البذر من عند أحدهما والعمل من الآخر والأرض بينهما بملك أو كراء، خلافا لابن دينار في منعه الثانية وهي ما إذا كانت الأرض بينهما بكراء، قال المواق من المدونة: لو اكتريا الأرض أو كانت لهما جاز أن يخرج أحدهما البذر كله والآخر العمل. اهـ. وقوله: "أو قابل بذر أحدهما عمل" قال عبد الباقي: والعمل الذي يجوز اشتراطه هو الحرث دون الحصاد والدراس فلا يجوز اشتراطهما على مذهب ابن القاسم، وصححه ابن الحاجب لأنهما مجهولان لا يدرى كيف يكونان، ونحوه للخرشي وزاد: وشأن ذلك قد يقل ويكثر. اهـ. قوله: على مذهب ابن القاسم، قال البناني: صوابه على مذهب سحنون؛ إذ هو الذي منع اشتراطهما وصحح ابن الحاجب قوله، ونصه: والعمل المشترط هو الحرث وحده لا الحصاد والدراس على الأصح لأنه مجهول، وعن ابن القاسم: الحصاد والدراس. انتهى.
التوضيح: ما صححه المص هو قول سحنون، وكذلك قال التونسي وابن يونس: إنه الصواب لأن الحصاد والدراس مجهولان. انتهى. وقال المتيطى: إن كان العرف بالبلد أن الحصاد والدراس
стр. 6474
والتصفية على العامل وكان ذلك كله من جميع العمل مساويا لكراء الأرض جاز على قول ابن القاسم، ولم يجزه سحنون لأنه لا يُدرَى كيف يكون. ابن عرفة: وعليهما مؤنة الزرع قبل تمامه بيبسه وفي كون الحصاد منه وعدمه فلا يجوز شرطه نقلا الصقلي عن ابن القاسم وسحنون قائلا: إذ لا يُدرَى هل يتم ولا كيف يكون؟ وصوبه لأنه يقل ويكثر وكذا شرط النقاء. اهـ كلام البناني.
قوله: صوابه على مذهب سحنون لخ، قال الرهوني: لم ينفرد بذلك سحنون بل هو قول مالك أيضا، كما أن ابن القاسم لم ينفرد بالجواز بل قال به عيسى أيضا واختاره ابن لبابة وبه العمل، ففي نوازل المزارعة من المعيار ما نصه: وسئل ابن لبابة عن الذي يشترط على المناصف والمثالث والمخامس أن لا يحصد رب الأرض معه ولا يدرس وأن يكون العمل كله عليه، فأجاب: هذا العمل الجاري ببلدنا وعليه كان مشايخنا الذين مضوا، وهو كان مذهب عيسى بن دينار وعلى مذهب عيسى مضى العمل ببلدنا، وكان مذهب مالك لا يجوز لأنه غرر ومجهول، وقد أخذ بقول مالك بأن الحصاد والدراس والعمل كان بينهما، ويقيم رب الأرض إجراء المناصفة إلا أن مذهب عيسى عليه نعتمد وبه يعمل في بلدنا. اهـ.
وفي المقصد المحمود ما نصه: وجرى العمل بجواز اشتراط الحصاد والدراس والذرو على العامل، خلافا لما حكاه ابن أبي زيد عن سحنون. اهـ المراد منه. وأشار إلى الثالثة من الصور الجائزة بقوله: أو أرضه وبذره بالنصب عطف على "بذر" يعني أن الشركة تصح وتجوز في هذه الصورة وهي إن يكن الأرض والبذر لأحدهما وعلى الآخر العمل، قال المواق: سحنون: إن أخرج أحدهما الأرض والبذر وأخرج أحدهما العمل جاز. اهـ. وقال عبد الباقي: أو قابل أرضه وبذره أي أحدهما عمل اليد وبقر أو عمل بقر فقط عطف على بذر فهو منصوب، ويصح رفعه أي قابل أرضه وبذره عملا من الآخر. اهـ. ونحوه للخرشي، وزاد ما نصه: ثم إن حمل العمل على عمل اليد والبقر كانت مسألة سحنون ومحمد، وكان ماشيا على ما اختار سحنون، وإن حمل على عمل اليد فقط كانت مسألة اللخمي وفيها خلاف أيضا، ويكون ماشيا على مختار اللخمي أي أو قابل أرضه وبذره وبقره عمل يده فقط، والأولى حمل العمل على ما يشمل عمل اليد والبقر، ويكون أشار إلى مسألة سحنون
стр. 6475
ومحمد لا إلى مسألة اللخمي ليلا يتكرر مع قوله: "أو لأحدهما الجميع إلا العمل" وليلا يلزم الإطلاق في محل التقييد، وهي مقيدة فيما يأتي بما إذا عقدا بلفظ الشركة. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: والاحتمال الأول هو المتعين في كلام المص وهو الذي شرحته عليه وبه يندفع التكرار والاعتراض بكونه أطلق في محل التقييد واللَّه تعالى أعلم.
وأشار إلى الرابعة من الصور الجائزة بقوله: أو بعضه يعني أن المزارعة تصح وتجوز في هذه الصورة، وهي ما إذا كان البذر بينهما والأرض من أحدهما والعمل على الآخر، قال عبد الباقي أو قابل الأرض من أحدهما وبعض البذر عمل من الآخر وبعضه أي البذر فالمعنى أخرج أحدهما الأرض وبعض البذر وأخرج الآخر العمل وبعض البذر.
وأشار لشرط الصحة في هذه بقوله: إن لم ينقص ما للعامل أي ما يأخذه من الزرع عن نسبة بذره أي عن مثل بذره منسوبا إلى بذر رب الأرض، فإذا أخرج العامل ثلث البذر فلابد أن يأخذ من الزرع الثلث فأكثر، وإذا أخرج النصف فلابد أن يأخذ من الزرع النصف فأكثر، وإذا أخرج الخمس فلابد أن يأخذ خمس الزرع أو أكثر بخلاف ما لو أنجذ أقل في هذا كله فلا تصح الشركة، وعلى هذا القياس، قال عبد الباقي: وأشار لشرط الصحة في هذه بقوله "إن لم ينقص ما للعامل" أي ما يأخذه العامل من الزرع عن نسبة بذره بأن زاد ما يأخذه من الخارج عن نسبة بذره أو ساوى نسبة بذره، فالثاني كما لو أخرج أحدهما العمل وثلثي البذر وأخرج الآخر الأرض وثلث البذر على أن يأخذ كل واحد منهما بقدر ما أخرج من البذر جاز، فإن كان كل يأخذ نصف الخارج لم يجز؛ لأن العامل أخذ دون نسبة بذره والأول كما لو أخرج أحدهما الأرض وثلثي البذر وأخرج الآخر العمل وثلث البذر على أن يأخذ كل واحد نصف الخارج. انتهى. أي فهذا جائز لأنه أخذ ما زاد عن نسبة بذره قال عبد الباقي: فإن قلت قد علمت أن من شروط المزارعة أن يأخذ كل واحد من الخارج بقدر ما أخرج لا أزيد منه ولا أنقص وقد أخذ هنا أزيد مما أخرج، قلت: إنما يجوز ذلك إذا كان ما أخرجه من العمل وثلث البذر يعدل ما أخرجه الآخر من الأرض وثلثي البذر، وأما إن كان ما أخرجه من العمل وثلث البذر لا يعدل ما أخرجه الآخر فإن ذلك لا يجوز لاختلال بعض شروط المزارعة كما إذا نقص ما يأخذه العامل من الزرع ضن نسبة بذره، كما لو أخرج مع عمله ثلثي البذر
стр. 6476
وأخرج صاحب الأرض ثلث البذر على أن الزرع لهما نصفان، وعلة الفساد أن البذر هنا كراء الأرض. اهـ.
المواق: سحنون وابن حبيب: إذا اشترك رجلان فأخرج أحدهما الأرض وثلثي الزريعة، وأخرج الآخر ثلث الزريعة والعمل على أن يكون الزرع بينهما نصفين. ابن حبيب: أو على الثلث والثلثين فذلك جائز كله إذا كافأ عمله كراء الأرض وما فضله به من الزريعة لأن زيادة الزريعة بإزاء عمل العامل. سحنون وابن حبيب: إن أخرج أحدهما ثلثي الأرض وثلث البذر وأخرج الآخر ثلث الأرض وثلثي البذر والعمل والزرع بينهما نصفين لم يجز، كأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه، فإن نزل فلكل واحد بقدر ماله من البذر ويتراجعان في فضل الأكرية. ابن يونس: قال بعض فقهائنا: ينبغي على مذهب ابن القاسم أن يكون الزرع بينهما نصفين. اهـ. ونقله الشارح إلا قوله: ابن يونس، قال بعض فقهائنا لخ.
وأشار إلى الخامسة من الصور الجائزة بقوله: أو لأحدهما الجميع إلا العمل يعني أنه إذا أخرج أحدهما الأرض والبذر والبقر والآخر العمل أي عمل اليد فقط، فإن هذه الصورة جائزة وهي مسألة الخماس، وإنما تجوز بشرط أشار إليه بقوله: إن عقدا بلفظ الشركة وله من الزرع جزء كخمس مثلا، ولهذا سميت: مسألة الخماس، والخماس هو الذي يأخذ الخمس، وقولي: كخمس مثلا إشارة إلى أنه لا فرق بين الخمس وغيره من الأجزاء كربع أو ثلث أو عشر. واللَّه تعالى أعلم.
قال عبد الباقي: أو لأحدهما الجميع الأرض والبذر والبقر إلا العمل باليد فقط، وما مر بيد وبقر معا أو ببقر فقط فليس مسألة الخماس خلافا لابن عبد السلام كما في التوضيح، ومسألة الخماس هي ما هنا عمل يده فقط في الحرث فقط التي اشترط فيها قوله: "إن عقدا بلفظ الشركة" فقط وله من الزرع جزء كربع أو غيره من الأجزاء. اهـ. قوله: خلافا لابن عبد السلام كما في التوضيح لخ، قد رد ابن عرفة أيضا كلام ابن عبد السلام بوجوه ثلاثة، ونقل كلامه ابن غازي فانظره. قاله البناني.
لا الإجارة يعني أنهما إذا عقداها بلفظ الإجارة فإنها تفسد لأنها إجارة بجزء مجهول، أو أطلقا يعني أنهما إذا عقداها وأطلقا أي لم يلفظا بالشركة ولا بالإجارة فإنها تفسد، والحاصل أنهما إذا عقداها بلفظ الشركة جازت اتفاقا وإن كان بلفظ الإجارة لم يجز اتفاقا، وإن عري العقد من اللفظين
стр. 6477
فابن القاسم يحمله على الإجارة فلم يجزه، وإليه ذهب ابن حبيب وحمله سحنون على الشركة فأجازه. قاله ابن رشد. وفي نقل ابن عبد السلام نظر لأنه نسب الجواز في الإطلاق لابن القاسم والمنع لسحنون وليس الأمر كذلك، قال عبد الباقي: أو أطلقا فلا تجوز لحملها عند ابن القاسم على الإجارة وحملها سحنون على الشركة فأجازها والمشهور الأول، وهذا التفصيل لابن رشد ثم إن قول المص أو اطلقا معطوف على الإجارة باعتبار المعنى، كأنه قال: إن عقدا بلفظ الشركة لا بلفظ الإجارة أو بإطلاق.
كإلغاء أرض وتساويا غيرها تشبيه في الفساد المستفاد من قوله: "لا الإجارة" يعني أنه إذا أخرج أحدهما أرضا لها قدر وبال فألغاها لصاحبه وتساويا فيما عداها من بذور وعمل، فإن هذه الشركة فاسدة لفقد التساوي عند إلغاء الأرض فيلزم الدخول على شرط التفاوت، فإن دفع له صاحبه نصف كراء الأرض جاز، وأما التي لا خطب لها فإلغاؤها جائز في الفرض المذكور كما في المدونة. قاله غير واحد.
أو لأحدهما أرض رخيصة وعمل يعني أنه إذا كان لأحدهما أرض رخيصة أي لا خطب لها وعمل وللآخر البذر فإن المزارعة تفسد لقابلة جزء من الأرض للبذر، وأما السابقة عن المدونة فتساويا فيما عداها فلم يقع شيء من الأرض في مقابلة بذر، وتقدمت الصورة الخامسة معا فيه الفساد في مفهوم قوله: "إن لم ينقص ما للعامل عن نسبة بذره"، وعكس صورة المص هذه جائز وهو كون العمل من عند أحدهما والبذر والأرض ولو لها خطب من عند الآخر، وقدمها بقوله: "أو أرضه وبذره" وقوله: "أو لأحدهما أرض رخيصة وعمل" هذا القول الذي مر عليه المص من المنع لابن عبدوس ومقابله الجواز وهو لسحنون.
وقوله: على الأصح المصوب لقول ابن عبدوس هو ابن يونس فصوابه على الأرجح، وهذا التقرير الذي قررت به المص هو لغير واحد من شراحه المحققين، وقرر الشارح قوله: "أو لأحدهما أرض رخيصة على الأصح" على أنه عطف على قوله: "أو لأحدهما الجميع إلا العمل" فهو من الجائز عنده، وفي الرهوني أن الجواز هو الذي لمالك وابن القاسم وسحنون، وأن ظاهر المدونة هو الجواز،
стр. 6478
ثم قال الرهوني: ولولا كلام المص في توضيحه وكون سياقه هنا قصد ما في توضيحه لكان حمل الشارح هو الصواب. واللَّه أعلم. انتهى.
وفي البناني عن أبي علي: كلام ابن يونس يدل على أن المصحح هو ابن عبدوس لا ابن يونس فتصحيح المص في محله، واستبعد ذلك الرهوني بما يعلم بالوقوف عليه. واللَّه تعالى أعلم.
وإن فسدت وتكافئا عملا فبينهما قال الخرشي: يعني أن المزارعة إذا وقعت فاسدة بأن اختل شرط من شروط صحتها فإنها تفسخ قبل العمل، فإن فاتت بالعمل وتساويا فيه فإن الزرع يكون بينهما على قدر عملهما لأنه تكون عنه، وترادا غيره أي ويترادان غير العمل كما لو كانت الأرض من أحدهما والبذر من الآخر، فيرجع صاحب البذر على صاحب الأرض بمثل نصف بذره، ويرجع صاحب الأرض على صاحب البذر بأجرة نصف أرضه ولا خفاء في فساد هذه الصورة لمقابلة الأرض بالبذر. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن فسدت تكافئا عملا بيد فقط بل أو وعملا معا وإن لم يتكافئا فالحكم كذلك على المعتمد، وهو قوله: فبينهما الزرع وترادا غيره أي غير العمل من أرض وبذر، كأن يكون لأحدهما الأرض وللآخر البذر، فيرجع رب البذر على شريكه بحصته من البذر، ويرجع رب الأرض بأجرة ما ينوب شريكه منها. اهـ. وقوله: "فبينهما" أي على قدر عملهما كما في الخرشي. واللَّه تعالى أعلم.
وإلا أي وإن لم يعملا معا بل انفرد أحدهما بعمل اليد ولا يدخل ما إذا عملا ولم يتكافئا لأن ذلك حكمه حكم ما إذا تكافئا. فالزرع كله للعامل خاصة إذا انضم له شيء مما سيذكره، بقوله: كان له بذر مع عمل لخ، وإن لم ينضم له شيء من ذلك كان له أجر مثله فقط، وعليه أي العامل الأجرة للأرض المنفرد بها غيره، فإن كانت من عند العامل فقط فإنما عليه للآخر البذر.
وقوله: فللعامل اعلم أنه يكون الزرع للعامل المنفرد بالعمل، سواء كان له أي للعامل المذكور بذر مع عمل أي عمله، فالتنوين عوض عن المضاف إليه والأرض للآخر، وفسدت لمقابلة الأرض بجزء من البذر أو كان للعامل أرض مع عمله والبذر للآخر أو كان كل من الأرض والبذر لكل منهما والعمل من عند أحدهما فالزرع لصاحب العمل. قاله عبد الباقي.
стр. 6479
قال: واعترض قوله: "وإن فسدت" بأنه لا يوافق قولا من الأقوال الستة في هذه المسألة، أحدهما أن الزرع لصاحب البذر وعليه لأصحابه كراء ما أخرجوه. الثاني الزرع لصاحب عمل اليد، الثالث لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أرض وبقر وعمل، الرابع لمن اجتمع له شيئان من أربعة أرض وبقر وعمل يد وبذر، الخامس للباذر إن كان فسادها للمخابرة أي كراء الأرض بطعام، فإن فسدت لغيرها فالزرع للثلاثة على ما شرطوا، السادس وهو المرتضى لأنه مذهب ابن القاسم واختاره محمد: الزرع لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة بذر وأرض وعمل يد، فإن كانوا ثلاثة واجتمع لكل واحد شيئان منها أو انفرد كل واحد منهم بشيء فالزرع بينهم أثلاثا، وإن اجتمع لأحدهما شيئان دون صاحبيه فالزرع له دونهما، أو اجتمع شيئان لشخصين منهم فالزرع لهما دون الثالث.
فصور قول ابن القاسم أربع، ويبقى النظر في ثلاث صور: الأولى أن يجتمع الثلاثة لواحد منهم ولكل واحد من الباقين اثنان، الثانية أن يجتمع الثلاثة لكل واحد من شخصين منهم ويجتمع للشخص الثالث اثنان، الثالثة أن يجتمع الثلاثة لواحد ويجتمع اثنان لواحد وينفرد الثالث بواحد والظاهر أن من له اثنان يساوي من له ثلاثة؛ لأن من له ثلاثة يصدق عليه أنه اجتمع له اثنان. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: لا يوافق قولا من الأقوال الستة لخ، قال البناني: هذه الأقوال ذكرها ابن رشد في المقدمات، ونصها: واختلف في المزارعة الفاسدة إذا وقعت وفاتت بالعمل على ستة أقوال: أحدها أن الزرع لصاحب البذر ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه، والثاني أن الزرع لصاحب العمل وهو تأويل ابن أبي زيد عن ابن القاسم فيما حكى عنه ابن المواز، والثالث أنه لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول وهي البذر والأرض والعمل، فإن كانوا ثلاثة واجتمع لكل واحد منهم شيئان منها وانفرد كل واحد منهم بشيء منها كان الزرع بينهم أثلاثا، وإن اجتمع لأحد منهم شيئان منها دون أصحابه كان الزرع له دونهم وهو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن المواز على ما تأول أبو الحسن التونسي، والرابع أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أشياء على هذا الترتيب وهي الأرض والبقر والعمل، والخامس أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء على هذا الترتيب أيضا وهي الأرض والبذر والعمل والبقر، والسادس قول ابن حبيب أن الفساد إن سلم من كراء الأرض بما
стр. 6480
يخرج منها كان الزرع بينهم على ما شرطوه وتعادلوا فيما أخرجوه وإن دخله كراء الأرض بما يخرج منهما كان الزرع لصاحب البذر. انتهى بلفظه.
ابن عرفة: ونسب ابن الحاج الستة للباجي (١) وهم نشأ عن تقليده ابن شأس، وظنه بقوله الشيخ أبو الوليد أنه الباجي. اهـ. قال ابن غازي في التكميل: ويقرب الأقوال الستة للحفظ أن تقول:
الزرع للعامل أو للباذر … في فاسد أو لسوى المخابر
أو من له حرفان من إحدى الكلم … عاب وعاث ثاعب لمن فهم
والمراد بالمخابر هنا الذي يعطي أرضه بما يخرج منها والعينات للعمل والألفات للأرض والباءان لبذر والثاءان للثيران. انتهى. والظاهر أن ما اقتصر عليه المص موافق للقول الثالث في المقدمات وهو السادس في لفظ الزرقاني وهو المرتضى كما يعلم بالتأمل، فقول الزرقاني لا يوافق قولا لخ غير ظاهر اهـ كلام البناني.
تنبيهان: الأول: قال البناني قال ابن غازي: فرض الكلام في العامل مغن عن قول المصنف: "مع عمل".
الثاني: قال الحطاب عن ابن يونس: إذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر، والآخر نصف البذر فقط، والثالث العمل على أن الزرع بينهم أثلاثا لم يجز، فإن نزل فالزرع على مذهب ابن القاسم بين العامل ورب الأرض، ويغرمان لمخرج نصف البذر مكيلة بذره، ومذهب سحنون أن الزرع لصاحب الزريعة وعليه كراء الأرض والعمل، وقال ابن حبيب: ذلك خطأ والزرع بينهم أثلاثا، والذي ذكر ابن المواز على أصل ابن القاسم أن الزرع لمن ولي العمل إذا سلمت الأرض له يؤدي مثل البذر لمخرجه وكراء الأرض لربها. انتهى.
ولما كان بين الوكالة وبين الشركة والمزارعة مناسبة من جهة أن فيهما وكالة أتبعها لهما فقال: