كانت القيمة مثلها فأقل، قال عبد الباقي: وبقى للجواز شرط آخر وهو أن يكون الدين مما يباع فإن كان مما لا يباع، كأن يموت من عليه أو يغيب فالظاهر أن الوكيل يغرم القيمة أو التسمية. اهـ.
وإن أمر ببيع سلعة فأسلمها في طعام أغرم التسمية أو القيمة يعني أنه إذا وكله على بيع سلعة نقدا بعشرة مثلا فأسلمها في طعام إلى أجل وفات المبيع وهو السلعة، فإن الوكيل يغرم الآن لموكله التسمية إن كان قد سمى أو القيمة إن لم يسم، وإذا غرم الوكيل للموكل القيمة أو التسمية استؤني بالطعام أي ينتظر أي يؤخر بيع الطعام الذي هو الدين الذي أسلمت فيه السلعة لأجله، اللام للغاية أي إلى أن يحل أجله، فإذا حل أجله وقبض بيع وإنما انتظر به إلى أن يقبض لأن الطعام لا يجوز بيعه قبل قبضه بخلاف ما مر قبل هذه، فإن وفى ثمن الطعام بما دفع الوكيل من القيمة أو التسمية بأن كان كفافا فالأمر واضح أي يأخذه الوكيل، وإن نقص ثمن الطعام عما دفع الوكيل غرم النقص، معناه استمر على غرمه أي فلا شيء له على الموكل، وإن زاد ثمن الطعام على التسمية أو القيمة أخذ منه الوكيل ما لزمه منهما، والزيادة لك يا موكل إذ لا وجه لكونه للوكيل لتعديه وهذا مع الفوات كما قال المص: "وفات" أي البيع، واحترز بذلك عما لو كانت السلعة قانمة فإنه يجوز الرضى بما فعله الوكيل لأنه كابتداء عقد كما مر فيما قبل هذه المسألة. قال المواق من المدونة: قال مالك: إن أمرته ببيع سلعة فأسلمها في طعام أغرمته الآن التسمية أو القيمة إن لم تسم ثم استؤني بالطعام، فإذا حل أجله استوفِيَ ثم بيع فكانت الزيادة لك والنقص عليه. انتهى.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا: إنما يكون على المأمور أن يبيع من الطعام مقدار القيمة أو التسمية التي لزمته والزائد ليس عليه بيعه إلا أن يشاء؛ لأن بقية الطعام للآمر. اهـ.
وضمن إن أقبض ولم يشهد يعني أن الوكيل إذا أقبض الدين الذي على موكله أي دفعه لربه أو غير الدين كوديعة أو عارية أو غير ذلك، والحال أنه أي الوكيل لم يشهد على دفع الدين أو غيره لربه وأنكر القابض القبض فإن الوكيل يضمن الحق للموكل، ولو صدَّق الموكل الوكيل على الدفع، قال في المدونة: إن الوكيل ضامن ولو صدقه الموكل على الدفع ما لم يكن ذلك بحضرته، ففي كتاب القراض منها: وإذا دفع العامل ثمن سلعة بغير بينة فجحده البائع وحبس السلعة فالعامل ضامن،
стр. 6547
وكذلك الوكيل على شراء سلعة بعينها أو بغير عينها يدفع الثمن فجحده البائع فهو ضامن، ولرب المال أن يغرمهما. اهـ.
وحذف المص معمول أقبض ليشمل الدين والمبيع والرهن والوديعة والعارية وغير ذلك، وفي نسخ الدين: وسقوط هذه اللفظة أحسن ليشمل ما ذكرت لك، وقوله: "وضمن إن أقبض ولم يشهد" ظاهره سواء كانت العادة جارية بترك الإشهاد أو لم تكن وهو المشهور، وقيل إذا كانت العادة جارية بذلك لم يضمن. قاله الحطاب. ونقله عبد الباقي، وقال عبد الباقي: وضمن الوكيل مفوضا أو مخصوصا إن أقبض الدين الذي على موكله لربه ولم يشهد وأنكر ربه القبض أو لم يعلم منه إقرار ولا إنكار لموته أو غيبته، فيضمنه لتفريطه بعدم الإشهاد لموكله لبقاء الدين عليه فلربه غريمان، فإن أشهد لم يضمنه الوكيل وضمنه الموكل حيث مات ربه والشاهد بقبضه. اهـ.
قوله: فإن أشهد لم يضمنه الوكيل وضمنه الموكل حيث مات ربه والشاهد بقبضه، قال الرهوني: انظر ما قصد بهذا وأقرب ما ظهر لي في معناه أن يكون أراد أن الوكيل أشهد على القبض ولم يكتب ذلك ثم مات رب الدين والشاهد فإن مصيبة ذلك من الموكل وهو الدين، وهذا ظاهر إذا صدق الموكل الوكيل في أنه أشهد على الدفع. والله أعلم. انتهى. ثم قال عبد الباقي: وما ذكرناه من شمول كلامه هنا لا إذا لم يعلم منه إقرار ولا إنكار هو المعتمد، بخلاف تقييده في الوديعة بالمنكر من قوله عاطفا على ما فيه الضمان "أو المرسل إليه المنكر"، ثم قال عبد الباقي: قال أحمد: ولو أسفط المص لفظ الدين لكان أحسن لشموله إقباض الدين والمبيع أي الموكل على بيعه ولم يشهد على المشتري أنه أقبضه والرهن والوديعة وما أشبه ذلك، وكلام أبي محمد في الرسالة يدل على ذلك إذ قال فيها: ومن قال دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان فعلى الدافع البينة وإلا ضمن. اهـ.
قوله: لشموله إقباض الدين والمبيع. اهـ. مراده أن من وكل على بيع سلعةٍ فباعها ودفعها للمشتري فأنكر ولم يذكر ماذا يضمنه هنا، وقد أطال ابن يونس الكلام في ذلك واختصره ابن عرفة مع زيادة، فقال ما نصه: لو جحد مبتاع سلعة ممن أمر ببيعها قبضها ففي غرمه قيمتها وثمنها ثالثها أقلهما للصقلي مع المازري عن الشيخ وابن شبلون وبعض أصحابنا، ورجح ابن محرز الأول وعزاه،
стр. 6548
والثاني للمذاكرين ولم يحك الثالث والصقلي الثاني محتجا بتعليلها ضمانه بأنه أتلف الثمن. اهـ المراد منه.
تنبيهان: الأول: قوله: "ولم يشهد" المراد به أنه لم تشهد له بينة على ذلك سواء أشهدها أو كانت حاضرة ولم يشهدها وليس المراد ظاهره قاله أحمد. قال عبد الباقي: ظاهره أن ضبط يشهد بالبناء للفاعل من أشهد المزيد، فإن ضبط بالبناء للمجهول من المجرد أي لم تقم له شهود بالإقباض وافق المشهور من أنه إذا قامت له بينة بالإقباض من غير قصد بل على سبيل الاتفاق فإنه لا يضمن ولا يكون حينئذ ظاهره الضمان، ثم محل قوله: "وضمن" لخ ما لم يكن الدفع بحضرة الموكل، فإن كان بحضرته فلا ضمان على الوكيل بعدم الإشهاد، بخلاف الضامن يدفع الدين بحضرة المضمون حيث أنكر رب الدين القبض والفرق أن ما يدفعه الوكيل مال الموكل، فكان على رب المال أن يشهد بخلاف الضامن فإنه إنما يدفع من مال نفسه فعليه الإشهاد لتفريغ ذمته من الضمان، فهو مفرط بعدم الإشهاد. انتهى.
الثاني: قال الرهوني: إن قام للوكيل شاهد واحد فقال في كتاب الحمالة من المدونة ما نصه: وتجوز حمالة العبيد ووكالتهم في الخصومات وغيرها بإذن السيد؛ لأن من وكل عبده يقبض دينه فقام للعبد شاهد أنه قد قضى حلف العبد وبرئ كالحر سواء ولا يحلف السيد. اهـ منها بلفظها. ونقل ابن يونس مثله عنها وزاد ما نصه: محمد بن يونس: قال بعض الفقهاء: فإن نكل العبد وجب أن يحلف السيد مع الشاهد لأنه أمر يدفعه عن نفسه بشاهد قام له، وأما الوكيل فإن كان عديما فكالعبد يحلف الموكل ليبرأ من الغرم أيضا، وإن كان الوكيل مليا فنكل حلف الذي عليه الدين وبرئ وغرم الوكيل للذي له الدين. انتهى باقتصار.
أو باع بكطعام نقدا ما لا يباع به وادعى الإذن فنوزع يعني أن الوكيل إذا كان موكلا على بيع شيء شأنه أن يباع بالعين فباعه الوكيل بطعام أو عرض وادعى أن الموكل أذن له في ذلك، ونازع الموكل أي أنكر الإذن بأن قال إنه لم يأذن له في البيع بكالطعام والبيع بكالطعام هنا وقع نقدا أي حالا، فإن الوكيل يضمن ولم يبين ما الذي يضمن، والحكم أنه إن كانت السلعة قائمة خير الموكل في إجازة البيع وأخذ ما بيعت به سلعته، وإن فاتت خير في أخذ ما بيعت به وتضمينه القيمة. قاله
стр. 6549
غير واحد. ومفهوم قوله: "نقدًا" قد مر في قوله: "أو بدين" وللموكل رد البيع بالغبن الفاحش ويضعن الوكيل القيمة إن تلف البيع، قال الحطاب: قول المص: "ضمن" أي ضمن قيمة السلعة يريد مع فواتها، وأما إذا كانت قائمة فهو مخير في إجازة البيع ورده، وذلك بعد يمينه كما سيأتي، قال عبد الباقي: ومن الفوات المنازعة بين الوكيل والمشتري فادعى الوكيل أنه أعلمه بتعديه وأنكر المشتري كما ذكره عياض، وهذه غير المنازعة المشار لها بقول المص فنوزع. انتهى. قوله: بتعديه سبق قلم، والصواب بأنه وكيل عن فلان لأن الموضوع ادعاء الوكيل الإذن من موكله أولا فيما فعله، فكيف يتصور إعلامه بتعديه وهو ينفيه. قاله الرهوني. وهو ظاهر.
أو أنكر القبض فقامت البينة فشهدت بينة بالتلف يعني أن الوكيل إذا وكل على قبض حق فأنكر أن يكون قبضه فقامت البينة أي شهد عليه البينة بأنه قبضه، فشهدت له بينة بأنه تلف فإنه أي الوكيل يضمن ذلك الحق الذي شهدت عليه البينة بأنه قبضه ولا تقبل بينته بالتلف لأنه أكذبها، ومثل البينة بالقبض ما إذا أقر بالقبض بعد إنكاره فأقام بينة على تلف ما قبضه فإنه لا تقبل بينته على التلف لأنه أَكْذَبَها، وهذا بمثابة المديان ينكر المعاملة فتقوم عليه البينة بالدين فيأتي ببينة تشهد له على قضاء ذلك الدين، فإنه لا تقبل بينته بالقضاء لأنه أكذبها، ولذا قال: كالمديان، قال عبد الباقي: ويستثنى من كلام المص هنا وفي القضاء الإنكار المكذب للبينة في الأصول والحدود فإنه لا يضر كما في التوضيح عن ابن القاسم في المدونة، فإذا ادعى شخص على آخر أنه قذفه أو أن هذه الدار مثلا له فأنكر أن يكون حصل له منه قذف، أو أن تكون هذه الدار دخلت في ملكه بوجه فأقام المدعي بينة بما ادعاه فأقام الآخر بينة أنه عفا عنه في القذف وأنه اشترى منه الدار أو وهبها له ونحوه فتقبل بينته بهذين، ولعل الفرق أن الحدود يتساهل فيها لدرئها بالشبهة والأصول يظهر فيها انتقال الملك، فدعوى أنها ما دخلت في ملك من هي في حوزه لا يلتفت لها فكأنه لم يحصل منه ما يكذب البينة التي أقامها وهذا فيمن يظهر ملكه، وحمل غيره عليه حملا للنادر على الغالب. انتهى.
قوله: ويستثنى من كلام المص هنا وفي القضاء الإنكار الكذب للبينة في الأصول والحدود لخ، قال الرهوني: هذا هو الراجح، وقال الحطاب بعد أنقال كثيرة ما نصه: وينبغي أن يقيد ذلك بغير
стр. 6550
الحدود والأصول لأن هذا قول ابن القاسم. اهـ. وهذا هو الذي اعتمده الشرادي (١) في حاشية لامية الزقاق والتاودي في شرحها معترضين قولها بربع ودين في الصحيح، وعليه اعتمد التاودي في شرح التحفة أيضا: وانظر كلام ابن ناجي عند قوله في الوديعة "وبجحدها ثم في قبول بينة الرد خلاف". اهـ.
وقال الحطاب بعد جلب كثير من النقول: فتحصل في المسألة أربعة أقوال أحدها: أن ذلك لا يقبل منه بعد الجحود في شيء من الأشياء وهو قول غير ابن القاسم، والثاني: أن يقبل منه ما أتى به بعد الجحود في جميع الأشياء، الثالث: ما ذهب إليه ابن المواز من الفرق بين الحدود وما سواها من الأشياء، والرابع: أنه يقبل منه ما أتى به في الأصول والحدود ولا يقبل منه ذلك في الحقوق من الديون وشبهها. اهـ. وقد علمت أن هذا هو الراجح كما نص عليه الرهوني.
تنبيه: يأتي في باب القضاء: "وإن أنكر مطلوب العاملة فالبينة ثم لا تقبل بينته بالقضاء بخلاف لا حق لك علي" وظاهر كلامهم هناك أنه لا فرق بين من لا يعرف الفرق بين إنكار العاملة وبين قوله لا حق لك علي، وبين من يعرف الفرق بينهما، وذكر الحطاب عن بعضهم أن من لا يعرف الفرق بينهما يعذر بالجهل فتسمع بينته بالقضاء ولو أنكر المعاملة بلفظ ينبغي. قاله الخرشي.
ولو قال غير المفوض قبضت وتلف برئ ولم يبرأ الغريم إلا ببينة يعني أن الوكيل غير المفوض إذا وكل على قبض حق فقال: قبضته وتلف مني فإنه لا ضمان على الوكيل، وأما الغريم وهو هنا من عليه الدين فإنه لا يبرأ من الدين إلا أن يأتي ببينة تشهد له على أنه دفع الحق للوكيل، وأما المفوض فإنه يبرأ الغريم من الدين بقوله قبضت الحق وتلف مني، وإنما برئ الغريم بقول المفوض قبضت وتلف؛ لأن له الإقرار كما أن الوصي كذلك، ويفهم من هذا أن المخصوص إذا جعل له الإقرار يكون كالمفوض في هذا، وذكر البرزلي أنه لا يجوز إقرار الأب والوصي على الصغير، وقد تقدم ما فيه عند قول المص "ولا الإقرار إن لم يفوض إليه أو يجعل له الإقرار". والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي: ولو قال الوكيل غير المفوض قبضت الدين من مدين الموكل وتلف أو ضاع مني، أو أقبضته للموكل وأنكر برئ الوكيل بالنسبة للموكل فيما ادعى لأنه أمين، ولم يبرأ الغريم أي الدين
стр. 6551
فيرجع عليه الموكل ويرجع المدين على الوكيل إن علم أن تلفه بتفريطه وإلا لم يرجع عليه، فإن جهل ففي رجوعه عليه حملا له على التفريط وعدم رجوعه عليه حملا له على عدمه قولان لمطرف وابن الماجشون إلا ببينة تشهد بمعاينة قبض الوكيل من المدين فيبرأ حينئذ، ولا تنفعه شهادة الوكيل لأنها شهادة على فعل نفسه، وللغريم تحليف الموكل على عدم العلم بدفعه إلى الوكيل وعدم وصول المال إليه عند عدم بينة للغريم بالتلف، ومثل البينة إقرار الموكل بدفع الغريم للوكيل، ومفهوم قوله: غير المفوض براءة الغريم بقول المفوض قبضت مني وتلف لأن له الإقرار على موكله، ويفهم من هذا التعليل أن المخصوص إذا جعل له الإقرار يكون كالمفوض في هذا، ومثل المفوض الأب والوصي على الصغير فيقبل إقرارهما بقبض حقهما أو بعضه، ثم ادعى التلف فيبرأ منه الدين ما داما في حجرهما. اهـ.
تنبيهان: الأول: قال الحطاب: قال في الذخيرة في باب الزكاة في الكلام على خروج الساعي: يحصل الإبراء بالدفع للوكيل الفاسق وإن لم يوصل الحق لمستحقه. اهـ.
الثاني: قال الحطاب: قال ابن رشد: اختلف فيمن ادعى وكالة رجل فقبض له مالا وادعى تلفه فقيل يصدق فيما ادعى من الوكالة مع يمينه لأن الغريم الدافع إليه قد صدقه ويسقط عنه الضمان ويرجع صاحب المال به على الغريم بعد يمينه إن كانت للغريم بينة على معاينة الدفع، ولا يرجع الغريم على الوكيل بشيء لأنه قد صدقه فيما ادعى من الوكالة بيمينه، فكان ذلك كما لو ثبتت ببينة إلا أن يكون فرط في دفع المال للموكل حتى تلف عنده. قاله ابن الماجشون. وهو مذهب ابن القاسم وحمله مطرف على التفريط فأوجب للغريم الرجوع عليه، وقيل لا يصدق وهو ضامن يحلف صاحب المال ما وكله ويرجع بماله على من شاء منهما، فإن رجع على الغريم رجع على الوكيل، وإن رجع على الوكيل لم يكن للوكيل أن يرجع على أحد. انتهى.
ولزم الموكل غرم الثمن إلى أن يصل لربه يعني أنه إذا وكل شخص على شراء سلعة فاشتراها بما أمر به، والحال أن الموكل لم يدفع الثمن إلى الوكيل، ثم أخذ الوكيل الثمن من الموكل فضاع منه أو تلف ولو مرارا قبل وصوله لبائع السلعة، فإن الموكل يضمن الثمن للبائع فيلزمه أن يؤديه إليه ولا شيء على الوكيل، وأما إن كان الموكل قد دفع الثمن قبل الشراء إلى الوكيل فضاع منه قبل أن يصل
стр. 6552
إلى رب السلعة فإنه لا يلزم الموكل غرم الثمن ثانية، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وإن وكله على شراء سلعة فاشتراها له بما أمره به ولم يكن دفع الثمن قبل الشراء ثم أخذ الوكيل من الموكل الثمن فتلف أو ضاع ولو مرارا قبل وصوله للبائع لزم الموكل غرم الثمن إلى أن يصل لربه.
إن لم يدفعه الموكل له أي للوكيل قبل الشراء هذا مراده كما في أحمد وكما قررنا، لا أن معناه لم يدفعه له أصلا وإنما ضمنه لعدم دفعه له قبل الشراء؛ لأنه إنما اشترى على ذمته فالثمن في ذمته حتى يصل للبائع، وهذا إن كان الثمن عينا ونحوها مما لا يعرف بعينه، فإن كان عبدا ونحوه وأمر الوكيل بالشراء به فاشترى على عينه قبل دفعه لم يلزم الموكل بتلفه من الوكيل، ويفسخ البيع كاستحقاق الثمن العين ثم براءة الموكل حيث اشترى على عينه وكان الوكيل قد أعلم البائع بأن الشراء على عبد معين، فإن أوهمه أنه موصوف لم يبرأ الوكيل بتلف العبد المعين من يده قبل دفعه للبائع فيقيد منطوق المص بقيد ويقيد القيد بقيد ومفهوم الشرط عدم غرم الموكل إن دفع الثمن للوكيل قبل الشراء لأنه ماله بعينه لا يلزمه غيره سواء تلف قبل قبض السلعة أو بعده، وتلزم السلعة الوكيل بالثمن الذي اشتراها به وهذا حيث لم يأمره بالشراء في الذمة ثم ينقده وإلا لزم الموكل إلى أن يصل لربه ففي المفهوم تفصيل. انتهى.
وقال المواق: من المدونة: قال مالك: إن وكلت رجلا بشراء سلعة ولم تدفع إليه ثمنا فاشترى بما أمرته به ثم أخذ منك الثمن ليدفعه فيها فضاع منه فعليك غرمه ثانية، قال ابن القاسم: وإن ضاع مرارا حتى يصل إلى البائع. ابن يونس: في كتاب ابن المواز والمدونة: لو كنت دفعت إليه الثمن قبل الشراء فذهب منه بعد الشراء لم يلزمك غرم المال إن أبيت لأنه مال بعينه ذهب، بخلاف الأول يريد لأن الأول إنما اشترى على ذمتك فالثمن في ذمتك حتى يصل إلى البائع، وهذا الثاني إنما اشترى على مال بعينه فإذا ذهب لم يلزمك غرمه، ويلزم الأمور والسلعة إلا أن تشاء أن تدفع إليه الثمن ثانية وتأخذها. انتهى.
وصدق في الرد يعني أن الوكيل مفوضا أو مخصوصا يصدق في الرد أي في دفع ما وكل على قبضه، فيصدق في أنه قبضه ودفعه إلى موكله، أو على بيعه فيصدق في أنه قبض ثمنه ودفعه إلى موكله أو على شرائه فيصدق في أنه قبضه ودفعه إلى موكله ونحو ذلك، قال المواق: ابن يونس: قال ابن
стр. 6553
القاسم في العتبية وغيرها في الوكيل المفوض إليه والمخصوص والزوج يوكلون على قبض حق فيدعون أنهم قبضوه ودفعوه إلى من وكلهم: إنهم مصدقون في ذلك كلهم مع أيمانهم.
كالمودع يقول: رددت الوديعة وينكر ربها فإنه يصدق في أنه ردها إلى ربها، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم خلافا لمطرف وابن حبيب. اهـ. وقوله: "كالمودع" معناه أن الوكيل يصدق كالمودع فيصدق إلا لبينة مقصودة للتوثق، وقال عبد الباقي: وصدق الوكيل بيمين ولو غير متهم في دعواه الرد لثمن أو مثمن أو لدين قبضه وأداه للموكل أو لما وكل عليه كقراض، وإطلاق الرد على الثلاثة الأول تجوز إذ هي دفع بخلاف الرابع، وعبر بالأمرين في الرسالة كالمودع يصدق بيمين ولو غير متهم في دعوى رد الوديعة إلى صاحبها إن كان قبضها بغير بينة، فإن قبضها ببينة مقصودة للتوثق لم يبرأ إلا ببينة كما يأتي في باب الوديعة، فالتشبيه تام والبينة المقصودة للتوثق هي التي أقامها خيفة دعوى الرد بأن يشهدها أنه إذا ادعى رد الثمن أو السلعة أو رأس مال السلم أو دفع السلم فيه أو الوديعة أو نحو ذلك لا يصدق. اهـ. ويأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
الخرشي: ولو قال في الدفع كان أولى لأنه قد لا يكون هناك رد كما إذا ادعى دفع ما قبضه من الغريم أو دفع ثمن السلعة التي وكل على بيعها، وقوله: "وصدق في الرد كالمودع" هو مذهب المدونة، وفي المسألة أربعة أقوال: أحدها أن القول قول الوكيل جملة من غير تفصيل كما قال المص: "وصدق في الرد"، والثاني أنه إن كان بقرب ذلك بالأيام اليسيرة صدق الموكل أنه ما قبض منه شيئا وعلى الوكيل البينة، وإن تباعد كالشهر ونحوه صدق الوكيل مع يمينه وإن طال الأمر جدا لم يكن عليه يعين وهو لمطرف، والثالث قول أصبغ: إن وكل على شيء بعينه ضمن إلا أن يقيم البينة ولو طال الأمر ولو كان مفوضا صدق في القرب مع يمينه وفي البعد بلا يمين، والرابع قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم إن كان بحضرة ذلك بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه، وإن طال الأمر جدا صدق دون يمين قوله: "وصدق في الرد". قال الحطاب: لو قال المص: والقول قوله لكان أحسن؛ لأن لفظ يصدق إنما يستعمل فيما يصدق فيه من غير يمين.
فلا يؤخر للإشهاد يعني أن الوكيل والمودع إذا طلب رب الوديعة أو الشيء الموكل عليه منهما أن يدفعا له وديعته أو ما وكل عليه، فإنهما لا يؤخران دفع ذلك إلى أن يشهدا عليه أو لأجل الإشهاد
стр. 6554
عليه أي على الدفع، وإيضاح هذا أن تقول ليس لكل منهما أن يقول لا أرد أوأدفع ما عندي حتى أشهد عليه؛ لأنهما لا نفع لهما في ذلك لكونهما مصدقين بيمين، فإن أخرا الدفع للإشهاد حتى تلف ذلك ضمنا، كما قال المص في الوديعة: "وبمنعها حتى يأتي الحاكم إن لم تكن بينة".
تنبيه: "قوله فلا يؤخر للإشهاد" قال البناني: تبع ابن الحاجب وابن شاس، قال ابن هارون: وفيه نظر، ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون للوكيل والمودع مقال في وقف الدفع على البينة وإن كان القول قولهما؛ لأن البينة تسقط عنهما اليمين. ابن عرفة: ما ذكره ابن شاس هو نص الغزالي: ولا يجوز أن ينقل عن المذهب ما هو نص لغير المذهب لاسيما وأصول المذهب تقتضي خلافه حسبما أشار إليه المازري وشارحا ابن الحاجب. اهـ. وقوله: "وصدق في الرد" اعلم أن الوكيل يصدق في الرد إلى موكله ولو ادعى ذلك بعد موت الموكل وهذا واضح، وإنما نبهت عليه لأن بعض أهل المغرب توقف في ذلك حتى أطلعته على النص في ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال: قال ابن ناجي في قول المدونة ومن ذبح أضحيتك بغير أمرك: فإما ولدك أو بعض عيالك، فمن فعله ليكفيك مؤنتها فذلك يجزئ يقوم منها إذا كان ربع بين أخ وأخت وكان الأخ هو الذي يتولى عقد كرائه وقبضه سنين متطاولة فجاءت أخته تطالب بمنابها من الكراء في جميع المدة وزعمت أنها لم تقبض شيئا وادعى هو دفعه لها أنه يقبل قوله مع يمينه؛ إذ هو وكيلها بالعادة. اهـ المراد منه.
ولأحد الوكيلين الاستبداد مبتدأ وخبره الجار والمجرور قبله، ومعناه أن الوكيلين إذا وكلا مترتبين يكون لكل واحد منهما أن يستبد أي يستقل بالتصرف من دون إذن صاحبه، وأما لو وكلا معا فإنه لا يجوز لأحدهما أن يستبد بالتصرف من دون إذن صاحبه، قال البناني عند قوله "ولأحد الوكيلين الاستبداد" ما نصه: أحسن ما يحمل عليه أن يكون خبرا مقدما، ويكون الكلام محمولا على الوكيلين المترتبين، وأما إذا وكلا معا في آن واحد فإنه ليس لأحدهما الاستبداد. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: وجاز لأحد الوكيلين على غير خصام شخص واحد بل على قبض حق مثلا الاستبداد الاستقلال فيما يفعله دون الآخر، وأنه مبتدأ وخبر وهذا إن وكلا مترتبين، وسواء علم الثاني بالأول أم لا كما هو ظاهر كلامهم ما لم يشترط عدم الاستبداد كما قال: إلا لشرط من الموكل أن لا يستبد، وفي بعض النسخ: ولا لأحد الوكيلين الاستبداد ويحمل على ما إذا وكلا معا في آن
стр. 6555
واحد، ويكون معنى قوله: "إلا لشرط" على هذه النسخة إلا لشرط أن يستبد كل منهما فله الاستبداد وكلاهما صحيح، وهذا التفصيل هو المعتمد. قاله عبد الباقي. ثم قال: وأما الوصيان فلا يستقل أحدهما بالتصرف ولو ترتبا؛ لأن الإيصاء إنما يكون عند الموت فلا أثر للترتب الواقع قبله، ولتعذر النظر من الموصي في الرد دون الموكل فإنه حي إن ظهر له فعل أحدهما على غير مراده عزله. اهـ.
قوله: وأما الوصيان فلا يستقل أحدهما بالتصرف لخ، ظاهره ولو زاد الوصي في وصيته أن من عاقه عائق فالباقي منفرد بالوصية وليس كذلك. انظر ما يأتي عند قوله في الوصية: "ولاثنين حمل على التعاون". قاله الرهوني. وقول عبد الباقي: لأن الإيصاء إنما يكون عند الموت أي إنما يظهر أثر الإيصاء ويعمل بمقتضاه بعد الموت.
وإن بعت وباع فالأول ضمير الخطاب للموكل وضمير الغيبة للوكيل؛ يعني أنك يا موكل إذا بعت سلعة وباعها الوكيل فإن المعتبر بيع الأول منكما فهو الماضي والأخير مردود.
إلا لقبض أي إلا لأجل قبض للمبيع من البائع الثاني، فإذا وكلته على بيع عبد فبعته يا موكل ثم باعه الوكيل فإن الذي يمضي بيعك يا موكل ويرد بيع الوكيل إلا أن يكون الوكيل الذي باع أخيرا قد قبض البيع من اشتراه منه ولم يقبضه المشتري منك ياموكل، فيمضي بيع الوكيل ويرد بيعك يا موكل، وكذا يقال في العكس وهذا الذي ذكر المص هو مذهب المدونة، وصرح ابن ناجي بأنه المشهور، قال الخرشي: يعني أن من وكل شخصا على بيع سلعة ثم باعها الموكل وباعها الوكيل أيضا فإن البيع الأول من البيعتين هو الماضي ما لم يكن الثاني قد قبض البيع فإنه يكون أحق به، بشرط أن يكون غير عالم ببيع الأول، وأما إن كان الثاني عالما بأن غيره اشتراه فإنه لا يكون أحق بها قياسا على مسألة ذات الوليين بهذا قيدت المدونة. اهـ.
ونحوه لعبد الباقي، ولفظ عبد الباقي على نسخة بيدي منه هكذا بهذا قيدت المدونة وهي سالمة من الاعتراض، بخلاف ما في بعض نسخه من قوله بهذا قيد تت المدونة بالرمز الذي يشير به إلى ال تتائي وهي تصحيف؛ لأن ال تتائي ليس من رجال المدونة حتى يقيدها، وإنما القيد المذكور أصله في سماع ابن القاسم كما نقله الحطاب قاله البناني، يشير بهذا إلى قول الحطاب ما نصه:
стр. 6556
تنبيهان: الأول: إنما يكون الثاني أحق إذا قبض السلعة ولم يعلم ببيع الأول لا هو ولا الذي باعه، وأما إن باع الثاني منهما وهو عالم ببيع الأول أو قبض المشتري الثاني السلعة وهو يعلم ذلك وقت قبضه فالأول أولى قاله في نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات.
الثاني: إذا أكرى الوكيل والموكل فهي للأول على كل حال قاله ابن رشد في الرسم المذكور. ونقله أبو الحسن. اهـ. ولهذا قال المص: "وإن بعت وباع" احترازا مما إذا أكريت أو آجرت وأكرى وآجر، وذكر الرهوني قولين في الإجارة أنها كبيع الذوات فتقول: وإن أكريت وأكرى فالأول إلا لقبض على مقابل ما لابن رشد، وعلى ما لابن رشد اقتصر الحطاب وأصله لابن دحون.
والحاصل أن لكل من القولين مرجحا، وأن ما لابن دحون وابن رشد اعتماده أولى. والله تعالى أعلم. وقوله: "وإن بعت وباع فالأول إلا لقبض" وكذا لو باع الوكيلان فالأول إلا لقبض، هذا هو المتعين، ويشهد له اتفاق الأئمة على تشبيه هذه المسألة بمسألة ذات الوليين، ومسألة ذات الوليين العقدان فيها من الوكيلين لا من الموكلة والوكيل، فلولا أن الحكم سواء ما صح القياس. انظر الرهوني، والبناني.
قال عبد الباقي: وأشعر قول المص: "فالأول " بترتب البيع وعلمه، فإن باعا معا بزمن واحد فقال أحمد: ينبغي أن يكون البيع بينهما، وما في النكاح يرشد إلى ذلك فإنهم عللوا فسخ النكاح بكونه لا يقبل الشركة، فيخرج المبيع لكونه يقبلها. اهـ. ثم قال: وأما إن جهل الزمن فالسلعة لمن قبض، فإن لم يقبض اشتركا إن رضي وإلا اقترعا لرفع ضرر الشركة. انظر التبصرة. وينبغي أن يكون حكم الوكيلين كذلك في أحوال جهل الزمن. اهـ. وقول أحمد: ينبغي أن يكون البيع بينهما، قال الأجهوري: ذكر المتيطى ما يدل له، فإنه قال: ومن أمر ببيع سلعة فباعها الأمور وباعها الآمر فهي لأول المتبايعين إلا أن يقبضها الآخر فتكون له، وإن جهل أولهما والسلعة قائمة قسمت بينهما. اهـ.
وكلام المتيطى إنما هو في صورة جهل أولهما لا في صورة اتحاد زمن عقدهما الذي هو محل توقف أحمد، وقد اختصر الأجهوري المتيطى جدا ونصه على اختصار ابن هارون: قال ابن حبيب: وإن لم يقبض السلعة ولم يعرف الأول منهما وادعى كل واحد منهما أنه أول تحالفا، فإن حلف
стр. 6557
أحدهما فقط فهي للحالف، وإن حلفا أو نكلا أو تجاهلا فهي بينهما بأقل الثمنين، قال ابن القاسم: فإن قال أحدهما إنما اشتريتها كلها ولا حاجة لي بنصفها قيل له اذهب ودعها لصاحبك، وقال ابن حبيب: يخير كل واحد منهما في التماسك بنصفها بنصف الثمن أو الفسخ لأجل التشقيص. اهـ. ومراد الأجهوري بقوله ذكر المتيطى ما يدل له لخ -والله أعلم- أنه يدل له بطريق القياس فتأمله. والله أعلم. قاله الرهوني وبه تعلم أن ما توقف فيه أحمد لم يذكره المتيطى بطريق النص، وإنما يؤخذ من كلامه بطريق القياس فنسبة أحمد للقصور بسبب تصريح المتيطى بما توقف فيه ليست على ما ينبغي والله تعالى أعلم.
وقول المص: "وإن بعت وباع فالأول إلا لقبض" قال عبد الباقي: قال أحمد: واستشكل اعتبار القبض بأنه كان ينبغي عدم اعتباره، وفرق بينه وبين التلذذ في النكاح لانكشاف العورات هناك. اهـ. ويجاب بأنه شبيه بالبيع الفاسد الذي يفوت بالقبض أو بالنكاح الفاسد الذي يفوت بالدخول وبأنه يفرض ذلك فيما إذا كان المبيع جارية. اهـ. وقال الرهوني عند قوله "فالأول إلا لقبض" ما نصه: هذا مذهب المدونة، واعتمده غير واحد وقال المغيرة وابن عبد الحكم: هي للأول مطلقا، وقال القرافي: إنه الصحيح وأنكر مقابله غاية، وفرق بين هذا ومسألة ذات الوليين بأن الكشف في ذات الوليين أمر عظيم فلذلك كان الدخول فيها فوتا، وقال أبو علي: وكلامه لمن أنصف لخ، قال الرهوني: وهو ظاهر وإن كان ابن ناجي في شرح المدونة صرح بأن مذهبها هو المشهور. والله أعلم. اهـ.
فرع: قوله: "إلا لقبض" فإن ادعى أحدهما القبض ونازعه الآخر فعلى مدعي القبض البينة أنه قبض. قاله في نوازل الشركة من العيار من جواب العتبي وهو ظاهر. قاله الرهوني.
ولك قبض سلمه لك يعني أن الموكل له أن يقبض سلم الوكيل له، فإذا أسلم وكيلك شيئا في شيء فإنه يجوز لك يا موكل أن تأخذ ذلك الشيء المسلم فيه، والحال أن الوكيل غير حاضر ولو لم يأمر السلم إليه بدفعه لك، ومحل هذا إن ثبت أن السلم لك ببينة لا بقول السلم إليه هذا هو الراجح، ومقابله أنك تأخذه بإقرار المسلم إليه، قال عبد الباقي: قوله ولك أي جبرا على المسلم إليه، ومفهوم الشرط أنه إن لم يثبت ببينة لم يلزمه دفعه وهو كذلك، وتحته صورتان: إحداهما إقرار
стр. 6558
المسلم إليه أن الوكيل اعترف له بأنه لهذا، والثانية مجرد دعوى الموكل ولا يكون المسلم إليه شاهدا للموكل أن السلم له على أحد قولين؛ لأن في شهادته له منفعة وهي تفريغ ذمته وهذا هو المعتمد، وقيل يكون شاهدا له لأنه قادر على تفريغ ذمته بالرفع للحاكم. اهـ بالمعنى. قوله: وتحته صورتان لخ: قال الرهوني: الثانية منهما لا خلاف أنه لا يقضى على المطلوب فيها بأن يدفع للطالب والأولى فيها قولان، وما اقتصر عليه الزرقاني فيها هو ظاهر المص وهو قول القابسي، وقال بعض القرويين: يقضى عليه بالدفع، قال الحطاب: وما قاله القابسي من عدم جبره على الدفع هو الذي جزم به القاضي عبد الوهاب في المعونة وعليه اقتصر اللخمي في كتاب الوديعة، وقال ابن فرحون في تبصرته: إنه المشهور، ولهذه المسألة نظائر منها أن يدعي شخص على مدين أنه وكيل رب الدين، ولا يأتي بحجة فيصدقه المطلوب في الوكالة ويمتنع من الدفع وقد ذكرها الحطاب عند قوله فيما مر "وواحد في خصومة"، وصرح فيها أيضا بأن المشهور أنه لا يجبر على الدفع.
الشارح عن ابن يونس عن أبي الحسن القابسي ولو أقر الذي عليه الطعام أن المأمور أقر عنده أن الطعام لفلان ولا بينة بذلك فلا يجبر المقر أن يدفع الطعام للمقر له، ولا يكون شاهدا لأن في شهادته منفعة لنفسه؛ لأنه يريد أن يفرغ ذمته، قال: وقد روى بعض أصحابنا أنه يؤمر بالدفع للمقر له، فإن جاء الأمور فصدقه برئ وإلا غرمه ثانية؛ يعني أن بعض أصحاب ابن يونس قال إنه يكون شاهدا فتجوز شهادته إذا كان عدلا ويحلف المقر له ويستحق.
والقول لك إن ادعى الإذن المراد بالإذن التوكيل؛ يعني أنه إذا تنازع شخصان في التوكيل فادعى أحدهما على الآخر أنه وكله وادعى الآخر أنه لم يوكله، فالقول للذي قال إنه لم يوكل، فإذا باع عمرو سلعة لزيد وادعى أن زيدا وكله على بيعها وادعى زيد أنه لم يوكله أصلا لا على بيعها ولا على غيره فإن القول لزيد، قوله: "والقول لك إن ادعى الإذن" بيمين إن حقق عليه المشتري الدعوى وإلا جرى على أيمان التهم، قال البناني: الصواب ما في ال تتائي الكبير من أن المراد بالإذن التوكيل وأن النزاع في أصل التوكيل وبهذا كان يقرره المسناوي، وحينئذ فتسميته وكيلا وموكلا باعتبار الدعوى فقط، وما في الزرقاني والخرشي من أن أصل التوكيل ثابت وأن النزاع هل أذن في البيع مثلا فليس بصواب لأنه من النزاع في الصفة، وهو المصورة الآتية في المص فتأمله يعني
стр. 6559
المصورة المشار إليها بقوله: أو صفة له يعني أن الموكل والوكيل إذا اتفقا على الإذن أي التوكيل واختلفا في صفة الإذن، فقال الموكل: وكلتك على بيع كذا، وقال الوكيل: بل وكلتني على دفعه لزيد مثلا فإن القول للموكل بيمين، قال عبد الباقي ممثلا لقوله "أو صفة له": كأن قلت أذنت في رهنه، وقال في بيعه أو صدقته على البيع واختلفتما في جنس الثمن فالقول لك بيمين. اهـ.
وقال الرهوني: أو صفة له كلامه يشمل ما إذا قال وكلتني على دفع كذا لزيد ويقول الموكل بل على دفعه لخالد، فيكون المص ذاهبا فيها على قول مالك ومن وافقه، ففي المنتخب ما نصه: وفي كتاب ابن حبيب: وسألت مطرف بن عبد الله عن الرجل يرسل مع رجل المال إلى رجل فيختلف الآمر والأمور، يقول المأمور: أمرتني بدفعه إلى فلان وقد فعلت، ويقول الآمر ما أمرتك بدفعه إلا إلى فلان لغير الذي دفعه إليه الأمور ولا بينة، فقال الذي سمعت من مالك القول للآمر ويضمن الأمور المال ولا يرجع به على الذي دفعه إليه؛ لأنه قد أقر له أن المال ماله وأنه إليه أمر بدفعه، وأن هذا كاذب في قوله وظالم له فيما رجع فيه، قال عبد الملك: وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال مثل قول مطرف إلا أنه رأى للمأمور أن يرجع بالمال (١) إذا أغرمه على من كان دفعه إليه، واحتج بأنه. يقول لم أهبك شيئا من عندي إنما بلغتك رسالة غيري فإنه قد رجع عن ذلك وكذبني فاردد إلي ما أتيتك به، قال: فأرى ذلك له، قال: وسألت عن ذلك أصبغ بن الفرج فقال لي: كان ابن القاسم يقول: إذا قال الآمر أمرتك بدفع المال إلى فلان، وقال الأمور بل إلى فلان فالقول قول المأمور لأن الآمر قد أقر له بالدفع إلى آخر. اهـ. ومثله في المفيد عن الكافي، وزاد ما نصه: وقال أصبغ عن ابن القاسم القول قول المأمور وبه العمل. اهـ. وصحح في الشامل الأول ونصه: لو قلت أمرتك بدفعه لزيد فقال لعمرو وقد فعلت ضمن ولا يرجع به على عمرو على الأصح فيهما. انتهى.
وقال المواق: ابن شاس: إن تنازعا في أصل الإذن أو صفته أو قدره فالقول فيه قول الموكل، فلو قال: وكلتني وقلت أنت ما وكلتك كان القول قولك، ومن المدونة: قال مالك: إذا باع الأمور السلعة بطعام أو عرض، وقال بذلك أمرني وأنكر الآمر، فإن كانت مما لا تباع بذلك ضمن، وقال المغيرة: إن كانت السلعة قائمة لم يضمن وخير الآمر في الرد والإمضاء، فإن فاتت خير الموكل في أخذ ما
стр. 6560
بيعت به وتضمين الوكيل قيمتها. عياض: قول الغير وفاق، ومن المدونة أيضا: إذا باع الوكيل السلعة وقال بذلك أمرني ربها، وقال ربها أمرتك أن ترهنها صدق ربها مع يمينه فاتت أو لم تفت. انتهى. وقال الخرشي: وقوله: أو صفة له أي للإذن ولو شهدت العادة للوكيل، وإذا اشترى لفلان فأنكر فلان فالشراء لازم للوكيل. اهـ.
إلا أن يشتري بالثمن فزعمت أنك أمرته بغيره يعني أنه إذا تنازع الموكل والوكيل في صفة التوكيل فإن القول قول الموكل إلا فيما إذا اشترى الوكيل شيئا بثمن كعشرة، وزعم الموكل أنه أمره باشتراء شيء غير ذلك الشيء الذي اشتراه الوكيل، فإن القول للوكيل بأربعة قيود، أحدها أشار إليه بقوله: وحلف أي الوكيل أي والحال أنه حلف أي القول قول الوكيل بشرط أن يدعي الإذن وأن يحلف كما قال المص، وأن يكون الثمن معا يغاب عليه وأن يشبه قوله، قال عبد الباقي: واستثنى من كون القول للموكل مسألتين: أولاهما قوله: "إلا أن يشتري بالثمن شيئا فزعمت أنك أمرته بغيره" أي باشتراء شيء غير ما اشتراه وحلف فالقول قوله بقيود أربعة: أن يدعي الإذن ويحلف كما قال المص، وأن يكون الثمن معا يغاب عليه، وأن يشبه كان الثمن باقيا بيد البائع أم لا إلا إن أعلم البائع له أنه وكيل فالقول لك بيمين فيما يظهر إن كان الثمن باقيا، فإن فات بيد البائع فالقول للوكيل أيضا بيمينه، ومفهوم حلف أنه إن نكل حلف الموكل وغرم الوكيل الثمن الذي تعدى عليه، فإن نكل فلا شيء على الوكيل وتلزمه السلعة المشتراة.
قيل: لا حاجة لقوله: "فزعمت أنك أمرته بغيره" لأن الاستثناء مفيد له إذ هو من أفراد قوله" "أو صفة له": والجواب أنه لو أسقطه لاحتمل رجوع الاستثناء للمسألتين وهو لا يصح، ومعنى الأولى على تقدير رجوع الاستثناء لها أيضا أن شخصا دفع لآخر شيئا وادعى المدفوع له أنه دفعه ثمنا لسلعة يشتريها وقد فعل ذلك وادعى الدافع أنه دفعه وديعة، فالقول قول الدافع وحينئذ فإطلاق الثمن باعتبار قول المدفوع له. اهـ.
قوله: فالقول لك بيمين فيما يظهر لخ، قال البناني: هذا قصور فإن الحطاب نقله عن اللخمي وأنه حكى فيه الاتفاق على أن القول للموكل. اهـ. وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو قوله: عند قوله: "وحلف" هذا هو مذهب المدونة، فإن نكل المأمور عن اليمين فالقول قول الآمر، والظاهر أن ذلك
стр. 6561
بعد يمينه وهذا إذا فات الثمن، وأما إذا كان باقيا بيد البائع وكان الوكيل أعلمه أنه إنما يشتري لفلان فالقول قول الموكل اتفاقا. قاله اللخمي. ونحوه في الرجراجي. والله أعلم انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أنه لا قصور في كلام عبد الباقي؛ لأن قوله فيما يظهر إنما يرجع لقوله: "بيمين" والله تعالى أعلم.
وأشار إلى الثانية بقوله: كقوله أمرت ببيعه بعشرة وأشبهت يعني أن القول للموكل فيما إذا اختلف هو والوكيل في صفة التوكيل إلا في مسألتين: إحداهما هي قوله: إلا أن يشتري لخ، والأخرى هذه وصورتها أن يدفع الموكل للوكيل سلعة فباعها الوكيل بعشرة، وقال إن الموكل أمره بذلك وأشبهت العشرة أن تكون ثمنا لها، وقال الموكل أمرتك أن تبيعها بأكثر من عشرة كخمسة عشر كما قال المص، وقلت يا موكل لوكيلك أمرتك ببيع سلعتي بأكثر من عشرة وفات المبيع بيد المشتري بزوال عينه، أو كان قائما لم يفت والحال أنك لم تحلف يا موكل، فإن حلفت فالقول لك ولا يراعى في بقائه شبه ولا عدمه.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: علم من هذا أن القول للوكيل حيث اختلف هو والموكل في صفة الإذن في صورتين: إحداهما في البيع والأخرى في الشراء، قال عبد الباقي: وتلخص من كلامه في المسألة الثانية منطوقا ومفهوما أن القول للموكل في ثلاث مسائل وهي: إذا فات البيع بزوال عينه وأشبه الموكل وحده أو لم يشبه واحد منهما، أو كان المبيع قائما وحلف والقول للوكيل في ثلاث أيضا: فوات المبيع وأشبه سواء أشبه الموكل أم لا أو لم يفت ولم يحلف الموكل، وهذه الثلاث مستفادة من قوله: "كقوله أمرت" إلى قوله: "ولم تحلف". والثلاث الأول مستفادة من مفهومه الأوليان من مفهوم وأشبهت، والثالثة من مفهوم ولم تحلف ثم حيث كان القول للموكل فيحلف ويأخذ ما ادعاه وهو القدر الزائد على العشرة في الفرض المذكور، فإن نكل دفع الوكيل العشرة فقط وهل بيمين قولان، وعلى الأول فإن نكل غرم ما ادعاه الموكل على الراجح، وقيل: العشرة فقط.
تنبيه: قوله: "وفات المبيع" أي تحقق فوته، فإن جهل ولم يعلم إلا من قول مشتريه أحلف إن حقق ربها أنه جحده، فإن اتهمه فعلى أيمان التهم، فإذا حلف مع تحقيق الدعوى عليه ثبت ما ادعاه من الفوات، وكذا إن اتهمه حيث كان متهما وإلا قبل قوله" "بلا يمين" فإن نكل فيما
стр. 6562
يحلف فيه عمل بقول منازعه من موكل أو وكيله بمجرد نكوله في الاتهام وبعد حلفه في دعوى التحقيق، وينبغي أن يجرى ذلك في منازعة الموكل والوكيل في الفوات. اهـ كلام عبد الباقي. وقال الخرشي: قوله: "وفات البيع بزوال عينه" أي أو فوات المقصود منه. اهـ.
وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن دفعت إليه ألف درهم فاشترى بها ثمرا أو ثوبا، وقال بذلك أمرتني وقلت أنت ما أمرتك إلا بحنطة، فالمأمور مصدق مع يمينه إذ الثمن مستهلك كفوت السلعة. ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون وبه أقول، ومن المدونة قال مالك: إذا باع الوكيل السلعة بعشرة، وقال بذلك أمرني ربها، وقال ربها: ما أمرتك إلا باثني عشر فإن فاتت حلف المأمور وبرئ، قال ابن القاسم: ما لم يبع بما يستنكر وفوتها هنا بزوال عينها، وكذلك روى الأندلسيون عن ابن القاسم، قال مالك: فإن لم تفت حلف الآمر وأخذها، ابن المواز: فإن نكل فله عشرة. انتهى المراد منه.
وإن وكلته على أخذ جارية أي على شرائها على صفة عينتها له فاشترى جارية فبعث بها أي بالجارية التي اشتراها فوطئت، يحتمل أنه بفتح التاء فيكون خطابا للموكل، ويحتمل أنه بسكون التاء مبنيا للمجهول وضمير النائب عائد على الجارية أي وطئها الموكل، ثم بعد وطء الموكل للجارية التي بعثت قدم الوكيل بجارية أخرى، وقال الوكيل: هذه الجارية التي قدمت بها لك يا موكل، والأولى التي بعثت بها إليك وديعة أي بعثت بها إليك لتكون وديعة عندك، وليست هي التي وكلتني على شرائها وإنما التي وكلتني على شرائها هي التي قدمت بها، فإن كان الوكيل لم يبين لك حين بعث الأولى مع من بعثها معه أو مع غيره أنها وديعة، أو بين للرسول ولم يعلمك الرسول بذلك كما في أحمد، وحلف الوكيل على ما ادعى من أنها وديعة أخذها أي الأولى الوكيل وأخذ الموكل الثانية.
ومفهوم قوله: "لم يبين" أنه إن بين أنها وديعة وبلغ الرسول ذلك للموكل أخذها الوكيل بغير يمين وطئت أم لا، وكذا يأخذها بغير يمين إن لم يبين ولم يطأ، وإذا وطئها مع البيان من غير بينة فقرر الجيزي أنه يحد والولد رقيق، ويأخذه مع أمه من غير يمين لأنها مودعة، وقرر البدر القرافي أنه لا حد عليه لاحتمال كذب المبلغ وللخلاف في قبول قول المأمور إنه اشتراها لنفسه، وهاتان شبهتان
стр. 6563
ينفيان عنه الحد، والظاهر أن القول لمدعي عدم البيان عند عدم ثبوته وإنكاره؛ لأن الأصل عدم العداء. قاله عبد الباقي. قوله: وقرر البدر القرافي أنه لا حد عليه لخ، قال البناني: هذا هو الظاهر. قاله الشيخ المسناوي. انتهى.
إلا أن تفوت بكولد أو تدبير يعني أن محل أخذ الوكيل للأمة الأولى حيث لم يبين أنها وديعة إنما هو حيث لم تفت بما ذكر، وأما إن فاتت بولد أو تدبير أو عتق فليس له أخذها وتكون للواطئ بالثمن الذي سماه الآمر، فإن ادعى المأمور زيادة يسيرة قبل قوله كما تقدم في قوله: "إلا كدينارين في أربعين" وأولى فواتها بذهاب عينها لا ببيع أو هبة أو صدقة. قاله عبد الباقي.
تنبيهات: الأول: قوله: "إلا أن تفوت" إن حمل على ظاهره كما قررت من أنه مع عدم البيان كان الاستثناء متصلا، قال عبد الباقي: إلا أن تفوت مع عدم البيان فالاستثناء متصل كما في أحمد.
الثاني: قد علمت من كلام عبد الباقي وغيره أن الكتابة مما يدخل تحت الكاف، قال الرهوني: إن لم يدع ذلك أي أن الأولى وديعة حتى أديت الكتابة فلا إشكال، وإن اطلع على ذلك قبل الأداء وقبل العجز فعلى القول إنها عتق لا إشكال، وانظر على القول بأنها بيع هل له أخذها لأن البيع هنا غير مفيت؟ أو يقال هنا بالفوات على القول بأنه بيع أيضا مراعاة للقول الآخر، وانظر إذا لم يطلع على ذلك إلا بعد العجز والظاهر أن له أخذها إن لم يبق لعقد الكتابة السابق أثر. فتأمله فإني لم أر من تعرض لذلك. اهـ.
الثالث: قال ابن ناجي في شرح المدونة ما نصه: وما ذكر في الكتابة والعتق والتدبير يدل على خلاف ما أفتى به ابن رشد لعياض في رجل أوصى بشراء دار وتوقف حبسا على مسجد فاشترى من ماله وزاد من ماله شيئا وحبس الدار ثم اطلع على عيوب في الدار مفيتة الكثيرة من منافعها توجب ردها، فإن تحبيسها لا يفيت ردها بالعيب وإنما يكون التحبيس مفيتا في الدار يشتريها الرجل لنفسه ثم يحبسها ثم يطلع على عيب. اهـ.
إلا لبينة مستثنى من المستثنى يعني أن محل كون الوكيل لا يأخذ الأمة المذكورة حيث فاتت بكولد أو تدبير إنما هو حيث لم تقم للوكيل بينة أشهدها عند الشراء أو الإرسال أنها له أو أنها وديعة عند المرسل إليه، وأما إن قامت له بينة بذلك ولم يبينها حال الإرسال فإنه يأخذها ولو أعتقها
стр. 6564
الموكل أو أولدها، ويغرم قيمة الولد يوم الحكم كما في الأمة المستحقة على أحد الأقوال، والفرق بينهما حيث أخذها مع قيمة ولدها وبين المستحقة على ما مشى عليه المص فيها من أنه يأخذ قيمتها وقيمة الولد أنه هنا وطئها مع تجويز أنها ليست له، بخلاف المستحقة. وقولي: ولم يبينها حال الإرسال مفهومه لو بين مع البينة حين البعث أنها لغير المرسل إليه فيأخذها وولدها لأنه رقيق وحُدَّ الواطئ مع البيان والبينة لا معه بدونها ولا معها بدونه كما مر. قاله عبد الباقي.
ولزمتك الأخرى أي ولزمتك يا موكل الأمة الأخرى في المسألتين، وهي التي قدم بها الوكيل وهما إذا لم يبين وحلف وأخذها، وما إذا قامت بينة على دعواه وهذا تصريح بما فهم مما تقدم بطريق اللزوم، وذلك أن المستفاد مما تقدم أنه يقبل قوله، وإذا قبل لزم من ذلك أن الموكل يلزمه ما اشتراه وكيله كما في أحمد. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من وكل رجلا يشتري له جارية بربرية فبعث بها إليه فوطئها ثم قدم الوكيل بأخرى فقال هذه لك والأولى وديعة، ولم يكن الوكيل بين ذلك حين بعث بها فإن لم تفت حلف وأخذها ودفع إليه الثانية، قال ابن القاسم: وإن فاتت الأولى بولد منه أو عتق أو تدبير أو كتابة لم يصدق الأمور إلا أن يقيم بينة فيأخذها، قال سحنون: ويأخذ قيمة ولدها، قال ابن القاسم: وتلزم الجارية الآمر قال في كتاب ابن المواز: فإن لم تكن له بينة لم يقبل قوله. انتهى.
وإن أمرته بمائة أي بشراء جارية بمائة فاشترى جارية وبعث بها إليك ثم قدم، فقال أخذتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت بكولد أو تدبير أو كتابة خيرت يا موكل في أخذهما أي الجارية التي بعث بها إليك بما قال إنه اشتراها به وهو المائة والخمسون بعد يمين الوكيل أنه اشتراها بذلك وردِّها وأخذ المائة، ولا شيء على الموكل في وطئها إن كان قد وطئها، فإن لم يحلف على شرائها بمائة وخمسين فليس له إلا المائة إن كان قد دفعها من ماله، وقوله: "وحلف" محله إن لم تقم بينة بما انتحترى وإلا خير الموكل من غير يمين الوكيل في أخذها بما قال وردها، ومحل التخيير في قسمي عدم فواتها ما لم يطل الزمن بعد قبضها بلا عذر فلا زيادة. قاله عبد الباقي.
وإلا بأن فاتت بولد أو كتابة أو تدبير أو عتق لم يلزمك يا موكل إلا المائة التي أمرته بالشراء بها، ولو أقام بينة بشرائها بما قال لتفريطه حيث لم يعلمه بالزيادة حتى فاتت فصار كالمتطوع بها
стр. 6565
البساطي، إنما جعلوا له أخذها في المسألة السابقة مع قيام البينة دون هذه لأنها هناك ملك للوكيل وملك الغير لا يفوت، وهنا البينة على زيادة الثمن على ما أذن له فيه والجارية على ملكه. اهـ.
ثم إذا ادعى زيادة ثمن في الأولى فإن أخذها فلا شيء له وإن تركها بفواتها فلا شيء له أيضا لعدم قبول قوله في ذلك، وكذا إن كان يأخذها بعد اليمين ونكل، وإن كان يأخذها بلا يمين وتركها فله الزيادة حيث رضي الموكل بأخذها كذا ينبغي. قاله عبد الباقي. قوله: ولو أقام بينة بشرائها بما قال لخ أي خلافا لما قاله سحنون في غير المدونة كما نقله عنه ابن يونس، ثم قال ما نصه: محمد بن يونس: وهذا الذي ذكره سحنون من قيام البينة ظاهره خلاف المدونة؛ لأن المأمور مصدق في الزيادة التي تشبه فهو كقيام البينة عليها، فكذلك يكون مصدقا في الزيادة الكثيرة ويحلف ويكون ذلك كقيام البينة، ولأنه فرط إذا لم يعلمه وسلطه عليها فهو كالمتطوع بالزيادة، وفي المستخرجة ما يدل على ذلك. انتهى.
وإن ردت دراهمك لزيف فإن عرفها مأمورك لزمتك يعني أن الشخص إذا وكل شخصا على أن يسلم له دراهم مثلا في عرض أو طعام ثم أتى المسلم إليه بدراهم زائفة وزعم أنها دراهمك يا موكل، فإن عرفها مأمورك لزمتك يا موكل أي لزمك ابدالها للمسلم إليه، قال في المدونة: وإن أمرت رجلا يسلم لك دراهم دفعتها إليه في طعام ففعل ثم أتى البائع بدراهم زائفة ليبدلها وزعم أنها التي قبضها، فإن عرفها المأمور لزمت الآمر أنكرها أم لا، واختلف الشيوخ في معنى المدونة فقال ابن يونس: معناها أنه يلزمك إبدال الدراهم الزائفة بدراهم سالمة، سواء قبضت المسلم فيه أم لا، وقال عن بعضهم: معنى ذلك أن الآمر لم يقبض المسلم فيه، وأما لو قبضه فلم يقبل عليه قول الوكيل، وإلى هذا الخلاف في معنى المدونة أشار المص بقوله: وهل تلزم يا موكل تلك الدراهم الزائفة وتعطى للمسلم إليه دراهم سالمة بدلها؟ وإن قبضت المسلم فيه أو لا يلزمك بدلها إلا إذا لم تقبض المسلم فيه، وأما إن قبضته فلا يلزمك بدلها.
وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وقد علمت أن الأول لابن يونس والثاني نقله ابن يونس عن بعضهم، قال عبد الباقي: وإن ردت دراهمك التي دفعتها لمأمورك على أن يسلمها لك في طعام مثلا لزيف فيها كلها أو في بعضها، فإن عرفها مأمورك لزمتك فتبدلها بدون
стр. 6566
يمين على المأمور إلا أن تدعي أنه أبدلها فتحلفه إن اتهم كما في أحمد، وهل اللزوم وإن قبضت ما وقعت فيه الوكالة بناء على أن الوكيل لا ينعزل بمجرد قبض الشيء الموكل عليه أو محل اللزوم ما لم يقبض المسلم فيه، فإن قبضه لم يلزمه ولم يقبل قول الوكيل إنها دراهم موكله بناء على عزله بمجرد قبض الموكل ما وكله فيه. تأويلان، وعلى الثاني فهل لا يلزم الوكيل أيضا إبدالها أو يلزمه كما إذا قبضها ولم يعرفها والأول هو المطابق للنقل والتأويلان في غير المفوض، وأما هو فلا ينعزل بقبض الموكل فيقبل قوله. انتهى.
قوله: وعلى الثاني فهل لا يلزم الوكيل أيضا إبدالها؟ لخ قال الرهوني: الظاهر أنه لا محل لهذا التردد؛ لأنه إن كان أعلمه أولا بأنه وكيل فلا وجه لإلزامه بدلها وإن لم يعلمه بذلك ولا علم من غيره فلا وجه لعدم إلزامه بدلها. فتأمله. والله أعلم. اهـ. وقال الحطاب عند قوله: "تأويلان" ما نصه: قيد الرجراجي الخلاف بغير المفوض، وأما المفوض فلا خلاف أن قوله فيما قبله مقبول ويلزم الآمر البدل، وعلم مما مر أن التأويل الأول هو المذهب وقد صرح بذلك الخرشي، وإلا يعرفها المأمور فإن قبلها حين ردت إليه حلفت يا موكل، وهل تحلف يا موكل مطلقا أعدم المأمور أو أيسر؟ لاحتمال نكولك فتغرم ولا يغرم الوكيل وهي يمين تهمة كما في الشارح، والا لم يغرم بمجرد نكوله، أو إنما تحلف يا موكل لعدم أي لأجل أو مع عسر المأمور لا مع يسره؛ لأن من حجة الآمر أن يقول للوكيل أنت قد التزمت الثمن بقبولك له فلا تباعة لك ولا للبائع علي، وذكر مفعول حلفت وفيه صفة يمينه من حيث المعنى بقوله: ما دفعت إلا جيادا في علمك زاد في المدونة: ولا تعرفها من دراهمك، ويضم الحالف التاء المثناة فوق، وأما المص فيفتحِها لأنه أمر للموكل، وظاهر المص الحلف على نفي العلم ولو صيرفيا، وما مر من زيادة المدونة ظاهر إذ قد تكون جيادا في علمه ولكن يعرف الآن أنها من دراهمه، وإذا حلفت يا آمر لزمته أي المأمور. قال جميعه عبد الباقي.
وقوله تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان نقلهما عياض ولم يعزهما، وعزا المواق الثاني لأبي عمران. قاله البناني. وكذا عزاه الشارح لأبي عمران وقوله: "ولزمته" أي لزمت الدراهم المأمور بمعنى أنه تكون له ويبدلها للمسلم إليه بدراهم جيدة، قال ابن القاسم: إن أمرت رجلا يسلم لك دراهم دفعتها إليه في طعام ففعل، ثم أتى البائع بدراهم زائفة ليبدلها فزعم أنها التي قبض فإن
стр. 6567
عرفها المأمور لزمت الآمر أنكرها أم لا؛ لأنه أمينه وإن لم يعرفها المأمور وقبلها حلف الآمر أنه ما عرفها من دراهمه وما أعطاه إلا جيادا في علمه وبرئ وأبدلها المأمور لقبوله إياها، وإلا فإن لم يقبل المأمور الدراهم ولا عرفها حلف المأمور كذلك أي أنه ما أعطاه إلا جيادا في علمه ولا يعرفها من دراهم موكله وبرئ.
وحلف بتشديد اللام فاعله البائع ومفعوله محذوف وهو الآمر، فكل من الآمر والوكيل يحلف. قاله عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن القاسم: وإن لم يقبلها المأمور ولا عرفها حلف المأمور ما أعطاه إلا جيادا في علمه وبرء، وللبائع أن يحلف الآمر أنه ما يعرفها من دراهمه وما أعطاه إلا جيادا في علمه ثم تلزم البائع.
وفي المبدإ تأويلان يعني أنه اختلف شراح المدونة في الذي يبدأ باليمين من الآمر والوكيل، هل الوكيل لأنه المباشر للدفع وهو الذي تأول أبو محمد المدونة عليه، أو الموكل لأنه صاحب الدراهم؟ وهذا التأويل ذكره الرجراجي ولم يعزه، قال الحطاب عند قوله: "وفي المبدإ تأويلان" ما نصه: ذكر الرجراجي في المسألة ثلاثة أقوال تبدئة الآمر وتبدئة المأمور وتخيير البائع؛ أي فيبدأ بيمين من شاء منهما كما في المواق، قال الرجراجي: وتؤولت المدونة على كل واحد من هذه الأقوال، ويظهر من كلام المص أنه لم يذكر إلا التأويلين: تبدئة المأمور وهو الذي في كتاب محمد، وتأول أبو محمد المدونة عليه واختصرها عليه، وتبدئة الآمر ولم يعزه الرجراجي لأحد وإنما ذكره، وقال: تؤولت المدونة عليه، والثالث تأويل ابن يونس، فإن بدأ البائع بيمين الآمر فنكل حلف البائع وأغرم الآمر ثم لا رجوع له على المأمور إلا أن يتهمه ببدلها فيحلف، وإن نكل البائع هنا لم يكن له أن يحلف المأمور لأن نكوله عن يمين الآمر نكول عن يمين المأمور، وإن بدأ بالمأمور فنكل حلف البائع وأبدلها المأمور ثم هل له تحليف الآمر؟ قولان. قاله الرجراجي وأبو الحسن. اهـ كلام الحطاب.
وقال عبد الباقي: وإذا بدأ البائع بيمين الآمر فنكل حلف البائع وأغرم الآمر، وللآمر تحليف المأمور إن ادعى عليه أنه أبدلها، وإذا بدأ بيمين المأمور فنكل حلف البائع وأغرم المأمور، وهل له تحليف الآمر؟ قولان. اهـ.
стр. 6568
وانعزل بموت موكله يعني أن الوكيل ولو مفوضا ينعزل بموت موكله لأنه نائب عشه في ماله وقد انتقل لوارثه فلا يتصرف فيه بغير إذنه فلا يلزمهم ما باع وابتاع بعده، ومثله فلسه الأخص لانتقال الحق للغرماء، ومحل عزل الوكيل بموت موكله إن علم الوكيل بموت موكله، قال البناني: وكذا ينعزل بتمام الموكل عليه إذا كان موكلا على شيء مخصوص، فإن كان مفوضا لم ينعزل إلا بعزل الموكل أو بموته أو بمضي سنة هذا إذا لم يصرح في الوكالة بالدوام والاستمرار وإلا فتستمر. قاله في القوانين. ونحوه قول المجالس الذي عليه العمل تجديد الوكالة بعد ستة أشهر هذا إذا كانت فترة في خلال العمل، أما إذا كان خصامه متصلا فلا ينسخه الزمان. انتهى. قوله: فإن كان مفوضا لم ينعزل إلا بعزل الموكل أو موته، قال الرهوني: انعزاله بموت الموكل هو المشهور، وقال ابن الحاجب: وقيل لا ينعزل المفوض إليه إلا بعزل الورثة. اهـ. قال في التوضيح: والقول بأنه لا ينعزل المفوض إلا بعزل الورثة لمطرف وابن الماجشون، ووجهه القياس على القاضي والأمير فإنهما لا ينعزلان بموت الخليفة، والفرق للأول أن الوكيل إنما قدم لمصلحة الموكل. وقد حكى أبو المنذر إجماع العلماء على مثل المشهور. اهـ محل الحاجة بلفظه.
وعبارة ابن عبد السلام هي ما نصه: لأن القاضي والأمير لم يقدما في الحقيقة لتحصيل مصالح الخليفة من حيث هو خليفة، وإنما قدما لتحصيل مصالح المسلمين ومن قدما للنظر في مصالحه باق، فوجب بقاؤهما على الحال الذي كانا عليه ما لم يعزلهما الخليفة الوالي بعد الخليفة الميت، وقوله: أو بمضي ستة أشهر لخ، قال الرهوني: انظر من قال هذا في الوكيل الفوض إليه، وإحالته على مجالس المكناسي فيها نظر لأن الذي فيها ما نصه: هل ينسخه طول الزمان أم لا؟ فالقول أن الفصل الذي نحن بسبيله من توكيل الخصام الذي استمر عليه العمل أنه يفتقر إلى تجديد إذا جاوز ستة أشهر إذا كانت فترة في خلال العمل، وأما إذا كان خصامه متصلا فلا ينسخه طول الزمان. اهـ منها بلفظها.
ونص القوانين الذي أشار إليه هو قوله: وتبطل الوكالة إذا طالت مدتها نحو ستة أشهر إلا أن يجعلها على الدوام أو تكون على أمر معين فلا تبطل حتى ينقضي. اهـ منها بلفظها. وليس نصا فيما عزاه لها وإنما هو ظاهر فيرد لكلام غيره، ولا يصح قياس الوكيل المفوض إليه على غيره
стр. 6569
لظهور الفارق بينهما واختلافهما في أحكام كثيرة، فالظاهر ما جزم به التاودي في شرح اللامية عند قولها: وهل تنتهي بالسكت ستة أشهر؟ لخ فإنه قال بعد تقريره وذِكْرِ بعض ما يتعلق به: ما نصه: وهذا كله ما لم يكن مفوضا وإلا خاصم من شاء عند من شاء متى شاء. اهـ منه بلفظه. ويشهد له ما تقدم من كلام ابن عبد السلام في الفرق بين موت الموكل في التفويض وموت الخليفة من قوله: "ومن قدما للنظر في مصالحه باق فوجب بقاؤهما" لخ، فإنه يدل على أن حكم الوكيل المفوض إليه في حياة موكله وحكم القاضي والأمير في حياة الخليفة سواء باتفاق، وكذا بعده عند مطرف وابن الماجشون لا عند جل أهل المذهب للفرق المذكور.
وفي نوازل الوكالات من المعيار ما نصه: وسئل العالم أبو عبد الله سيدي محمد بن مرزوق ﵀ عن حكم الوكالة المفوضة إن طال أمرها هل حكمها كحكم وكالة الخصام تجدد (١) ستة أشهر على ما حكى ابن سهل عن بعض شيوخه أم لا وتستمر، أو يفرق بين أن ينص الموثق على الدوام والاستمرار فتستمر أم لا؟ ومن نص على ذلك؟ إلى آخر السؤال، فأجاب: لا تحتاج الوكالة المفوضة ولا غيرها إلى تجديد لما علمت من قول سحنون في وكالة الخصام على ما نقل عنه ابن سهل وغيره، وهو في النوادر وغيره فأحرى المفوضة وهذا مستند إلى مدرك من مدارك الأحكام وهو الأصل بقاء ما كان إلى أن قال: ويكفيك نص سحنون وأين هو من شيخ أبي الأصبغ الذي لم يسمه حتى تعرف مرتبته إلى أن قال: وقول من قال لا يلزم الوكيل إحضار موكله صواب، والقول بإلزام ذلك مطلقا لا يعقل؛ لأن يد الوكيل كيد موكله وهو نائبه فيما لزمه حضر أو غاب، وإلا فأي فائدة للوكالة إن لم يكن كذلك هذا إذا كان المراد إحضاره ليتكلم أو يخاصم، وإن كان إحضاره ليغرم المال فالوكيل لا يلزمه ذلك، وكذلك اليمين إن توجهت عليه كما ذكر في الغائب. اهـ. فقد جزم هذا الإمام بأنه لا يحتاج في الوكالة المفوضة إلى تجديدها وأخذه من قول سحنون بالأحروية، ولم يحك في ذلك خلافا أصلا ولم يتخرج فيها الخلاف من قول الشيخ أبي الأصبغ لما أشار إليه من الفرق بذكره الأحروية. فتأمله والله أعلم.
стр. 6570
وإلا يعلم الوكيل بموت موكله فتأويلان في عزله بمجرد الموت أو حتى يبلغه موته، وعلى الأول لو اشترى الوكيل أو باع بعد موت موكله لم يلزم الورثة ذلك وعليه غرم الثمن، وقيد بما إذا كان من باع منه أو ابتاع حاضرا ببلد موته وإلا اتفق التأويلان على عدم العزل. قاله عبد الباقي وغيره.
وفي عزله بعزله ولم يعلم خلاف يعني أن الشيوخ اختلفوا في التشهير فيما إذا عزل الموكل وكيله عن وكالته ولم يعلم الوكيل بعزل موكله له، فمنهم من شهر القول بأنه لا ينعزل إلا إذا علم بعزله، ومنهم من شهر أنه ينعزل بعزل موكله وإن لم يعلم.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: جعل ابن رشد الخلاف في الموت والعزل سواء، وظاهر كلامه في التوضيح ترجيح القول بعدم العزل قبل بلوغ العلم في العزل أو الموت، وهو الظاهر وهذا إذا أعلن بالعزل وأشهد عليه ولم يكن منه تفريط في تأخير إعلامه بذلك، وأما إن عزله سرا فإنه لا ينعزل بذلك. قاله ابن رشد. وهذا أيضا إذا لم يتعلق بالوكالة حق للغير فليس للموكل عزله. اهـ. وفي التوضيح ما نصه: ومذهب المدونة أنه لا ينعزل قبل علمه في الموت، ففيها إن اشترى بعد موت الآمر ولم يعلم بموته فذلك لازم للورثة يؤخذ الثمن من التركة إن لم يكن الوكيل قبضه وكذلك ما باع، وعلى حمل المدونة على هذا من الفرق بين العلم وعدمه عامة الشيوخ، والقول بأنه ينعزل بمجرد الموت لابن القاسم وأصبغ وروي أيضا عن مالك، وزعم اللخمي أنه ظاهر المذهب وتأول ما في المدونة، وما رجحه الحطاب هو الذي رجحه أبو علي جازما به.
الثاني: قد مر قول عبد الباقي عمد قوله: "وإلا فتأويلان" ما نصه: وعلى الأول لو اشترى أو باع بعد موته شيئا لم يلزم الورثة ذلك وعليه غرم الثمن. اهـ. قوله: وعليه غرم الثمن، قال الرهوني: يريد إذا اشترى ما وكل على شرائه ويكون المشترى له، وأما إذا باع ما وكل على بيعه فإنه يغرم القيمة. اهـ.
الثالث: قوله: "وإلا فتأويلان" اعلم أن التأويل بعدم العزل حيث لم يعلم الوكيل بالموت هو الذي عليه عامة الشيوخ، والتأويل بالعزل للخمي، وأن القول بعدم العزل حيث لم يعلم الوكيل بعزل موكله له هو قول ابن القاسم وأشهب. المتيطى: بيع الوكيل على موكله جائز إلا أن يبيع بعد العلم بالعزل أو يعلم المبتاع بالعزل فلا يجوز، وقيل بيعه لا يجوز بعد العزل سواء علم الوكيل بعزله أو
стр. 6571
لم يعلم. اهـ. ونحو هذا لابن هارون في اختصاره، وقال صاحب المعين: إذا عزل الموكل وكيله فبيعه وابتياعه عليه جائز حتى يعلم بالعزل. هذا مشهور مذهب مالك. وقيل إن بيعه وابتياعه لا يجوز بعد العزل علم أو لم يعلم. انتهى.
قال الرهوني: وأما الأول يعني عزله وإن لم يعلم فلم أر من رجحه. اهـ. وللشيخ أبي علي رحمه الله تعالى:
فعزل ما مور بعلم وقعا … بموت الأمر وعزله اسمعا
لا عزل بالجهل بما قد ذكرا … من موت أو عزل على ما قررا
هذا هو الذي رجحه أبو علي في المسألتين. والله تعالى أعلم الرابع: إذا بنينا على ما جرى به عمل الفاسيين من إلزام الوكيل إحضار الموكل فادعى عجزه فليس عليه إلا اليمين، ففي نوازل الوكالات من المعيار ما نصه: وسئل الأستاذ أبو سعيد فرج بن قاسم بن لب ﵀ عن الوكيل يعجز عن إحضار موكله فأجاب: إذا عجز الوكيل عن إحضار موكله فإنما عليه يمين بالله أنه لا يقدر عليه ولا يعلم موضعه. انتهى.
الخامس: في المعيار أيضا ما نصه: وأجاب العبدوسي ﵀ عن مسألة إحضار الزوج زوجة إذا ادعى عَليها بشيء بما نصه: الذي مضى عليه العمل أنه يجبر على إحضارها ويعين وكيلا عنها؛ لأن الغالب أن الزوجة إنما تكون في بيت زوجها وأنه لا يخفى عليه موضعها، وذلك من المصالح التي أحدثت. اهـ منه. ونحوه فيه عن ابن لب، وزاد ما نصه: وإن أصر على الامتناع من الإحضار مع بقاء الزوجة وظهور البحث عنها في منزلها فإنما عليه اليمين كما تقدم. انتهى منه بلفظه.
وهل لا تلزم أو إن وقعت بأجرة أو جعل فكهما وإلا لم تلزم؟ تردد يعني أن الشيوخ اختلفوا في عقد الوكالة في غير الخصام، فمنهم من ذهب إلى أنها غير لازمة للوكيل والموكل، فللموكل العزل متى شاء وللوكيل أن يعزل نفسه متى شاء سواء وقعت بأجرة أو جعل أم لا، ومنهم من ذهب إلى أنها إن وقعت بأجرة كتوكيله على عمل معين كتقاضي دين قدره كذا من فلان بأجرة معلومة فهي لازمة
стр. 6572
كالإجارة تلزم بالعقد، وإن وقعت بجعل كتوكيله على تقاضي دينه من غير تعيين قدره أو مع تعيينه ولكن لم يعين من هو عليه فكالجعل لا تلزم واحدا منهما قبل الشروع في العمل وكذا بعده بالنسبة للمجعول له، وتلزم الجاعل بالشروع وإن لم تقع بأجرة ولا جعل لم تلزم، فلكل منهما الترك متى شاء، وقوله: "لم تلزم" هو من تتمة القول الثاني فليس تكرارا مع قوله: "لا تلزم" كما هو ظاهر. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. قال: وما ذكرناه في صورة الإجارة من أنه يعين فيها الأجرة والعمل نحوه في الشارح وهو واضح؛ لأن الإجارة تعين في مثل هذا بالعمل وبالأجل فقول المواق عن ابن رشد: لا يجوز إلا بأجرة مسماة وأجل مضروب وعمل. انتهى. الواو في قوله وعمل بمعنى: أو، وليس المراد بقوله "فكهما" أنها وقعت بلفظ الإجارة أو الجعالة، بل المراد أنه عين فيها الزمن أو العمل، ولذا قال: إن وقعت بأجرة أو جعل ولم يقل أو إن كانت إجارة أو جعلا، وكلام المص هذا في غير الوكالة في الخصام، بدليل أنه قدمها ثم حيث لم تلزم على القول الأول مطلقا، وعلى الثاني حيث لم تقع بأجرة أو جعل وادعى الوكيل أن ما ابتاعه لنفسه فإنه يعمل بقوله. أشار له الطخيخي.
تنبيه: إذا وكله بأجرة على خصومة مدينه لتخليص ماله منه فأعطى ما عليه من غير خصومة لم يستحق شيئا من الأجرة، قلت: ينبغي تقييده بما إذا لم يخف من سطوة الوكيل. اهـ كلام عبد الباقي. وقولي في صدر التقرير: لا تلزم الوكالة سواء وقعت بأجرة أو جعل تبعت فيه غير واحد، قال الرهوني: هذا ظاهر المص، وقد سلمه المحققون من أرباب الشروح والحوشي، ومقتضاه أن الخلاف إنما هو فيما إذا كانت بأجرة أو جعل وإلا فهي غير لازمة اتفاقا، ولم يذكروا ما أشار إليه بالطريقتين وكلامه في توضيحه يفيد أنه أشار بالتردد لما حكاه ابن عبد السلام، فإنه قال عند قول ابن الحاجب: والوكالة بأجرة لازمة كالإجارة ويجب العلم بالعمل وبجعل ثالثها تلزم بالعمل وبغيرهما جائزة وقيل تلزم الوكيل كالهبة. انتهى ما نصه: لما ذكر أن وكيل الخصام ليس له عزل نفسه شرع في غيره، وذكر أنها إن كانت بعوض على وجه الإجارة كانت لازمة لكل منهما بالعقد كسائر الإجارات، ويجب العلم بالعمل لأن الجهالة بالإجارة لا تجوز وإن كانت على وجه الجعالة فثلاثة أقوال فهمها من كلامه ظاهر وهي مبنية على الخلاف في لزوم الجعل، وإن كانت بغير
стр. 6573
عوض فأما الموكل فلا تلزمه بلا إشكال وأما الوكيل فذكر أنها جائزة فيكون له فسخها وهو قول مالك، وإليه ذهب ابن القصار وغيره من البغداديين، وقيل بل يلزمه ذلك لأنه كواهب منفعة والهبة تلزم بالعقد على المعروف، ثم قال بعد يسير ما نصه: ابن عبد السلام: وهذه طريقة غير واحد في نقل المذهب، وابن رشد يرى أنه لا خلاف أن للوكيل أن ينحل عن الوكالة متى شاء إلا في وكالة الخصام. اهـ.
وما عزاه لابن عبد السلام هو كذلك فيه، وزاد ما نصه: الأصح أنها منعقدة كالهبة. اهـ منه بلفظه.
فإن كان لهذا أشار بالتردد أي طريقتان في نقل المذهب ففيه نظر؛ لأن الطريقتين اللتين أشار إليهما إنما هما في الوكالة بغير عوض هل هي غير لازمة للوكيل بلا خلاف أو في لزومها وعدمه قولان، وكلامه هنا لا يفيد هذا بل يفيد أنها إن كانت بغير عوض فلا خلاف في عدم لزومها وإلا فطريقتان، إحداهما كذلك والأخرى أنها إن وقعت على سبيل الإجارة فهي لازمة وعلى سبيل الجعل فتجري على حكمه، والذي ظهر لي أن المص أشار بالتردد إلى ما لابن عبد السلام فخانته العبارة، والذي وقفت عليه في كتب أهل المذهب أن الوكالة بأجرة لازمة إما اتفاقا أو على المشهور، فالاتفاق هو ظاهر كلام ابن رشد واللخمي والمتيطى وابن عات وابن شاس وابن الحاجب وابن شبلون وابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهم، والتشهير هو الذي لابن بشير، وانظر عبارته في المواق: ومثله لابن غلاب والفشتالي في وثائقه وغيرهم.
ابن عاشر: انظر ما الفرق بين الوكالة بأجرة وبين الاستئجار في الماهية؟ فإنا وجدنا الإجارة يلزمها الاتفاق على اللزوم بالعقد والوكالة ذات خلاف واختلاف اللازم يقضي باختلاف الملزوم. اهـ. وسلمه جسوس، ونحوه قول التاودي: تأمل الفرق بين الوكالة بأجرة حتى جرى فيها قول بعدم اللزوم وبين الإجارة المتفق على لزومها، وأين تنفرد ماهية الإجارة عن ماهية الوكالة؟ انتهى. وبحثهما ظاهر لكن في كلامهما نظر من جهة أخرى وهو أنهما سلما كلام المص فقها، وأن كلا منهما يقتضي أن الخلاف فيها، وسلم وجوده وليس كذلك، ولذا قال أبو علي: ولا يخفاك ما في ابن عاشر وغيره، ثم قال: بل هي متفق على اللزوم فيها أو فيها خلاف ضعيف غاية. انتهى منه بلفظه وهو صواب.
стр. 6574
تنبيه: قال أبو علي: ولم أقف على من بين وجه الذهب في عدم لزوم الوكالة للوكيل مع أن الهبة تلزم بالقول على المذهب. انتهى.
قلت: الظاهر عندي أن وجهه أن هذا من باب الوعد لا من باب الهبة التي هي إنشاء وتمليك متمول بلا عوض؛ لأن قول الشخص لمن قال أوكلك على فعل كذا قبلت مثلا هو وعد منه بأن يفعل له ذلك في المستقبل، وهذا وعد في الحقيقة لا تمليك لذات أو منفعة، والمشهور في الوعد عدم لزوم الوفاء به إن لم يقع به توريط، وبه يظهر لك أن المشهور مبني على مشهور لا ضعيف. فتأمله بإنصاف. والله أعلم. اهـ كلام الرهوني رحمه الله تعالى.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: قد كنت استشكلت هذا الخلاف في الوكالة بأجرة وعدم لزوم الوكالة بغير عوض من أجل كونها هبة منفعة حتى وقفت على كلام هذا الشيخ الذي برز في المعقول والمنقول وفاق كلامه كلام غيره من الأكابر الفحول، فجزاه الله خيرا ووقاه شرا وضيرا، فقد رفع الإشكال في الأولى بتحريره ونقله، وكشف القناع عن الثانية بفهمه وعقله، والحكم لله العلي الكبير الذي إليه تصير الأمور. المواق: وللوصي توكيل غيره في حياته وبعد مماته بخلاف الوكيل. اهـ.
ولما أنهى الكلام على الوكالة، وذكر من أمثلة الوكالة التوكيل على الإقرار وكان للوكيل أن يقر إن جعل له الإقرار أو كان مفوضا، وأنه ليس له أن يقر إن لم يكن كذلك ناسب ذكر الإقرار عقب الوكالة، فقال:
стр. 6575
باب: في الإقرار وما يتعلق به، قال الحطاب: قال في الذخيرة: وهذه المادة وهي الإقرار والقرار والقر والقارورة ونحو ذلك من السكون والثبوت؛ لأن الإقرار يثبت الحق والمقر أثبت الحق على نفسه والقرار: السكون، والقر: البرد لأنه يسكن الدماء، والقارورة يستقر فيها مائع، والإقرار والدعوى والشهادات كلها إخبارات، والفرق بينها أن الإخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله فهو الإقرار، وإن لم يقتصر فإما أن لا يكون للمخبر فيه نفع وهو الشهادة أو يكون وهو الدعوى، وقال السبكي في نكته في تفسير القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: يدل على تغاير الإقرار والشهادة. انتهى. وفيه خلاف، ومذهب المدونة أن الإقرار شهادة، قوله: وفيه خلاف ومذهب المدونة أن الإقرار شهادة مشكل غاية فالصواب حذفه. انظر الرهوني.
وقال ابن عرفة: الإقرار لم يعرفوه، وكأنه عندهم بديهي، ومن أنصف لم يدع بداهته لأن مقتضى حال مدعيها أنه قول يوجب حقا على قائله، والأظهر أنه نظري فيعرف بأنه خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه، فيدخل إقرار الوكيل وتخرج الإنشاءات كبعت وطلقت ونطق الكافر بالشهادتين ولازمهما لا الإخبار ككنت بعت وطلقت وأسلمت ونحو ذلك والرواية والشهادة، وقوله: زيد زان؛ لأنه وإن أوجب حكما على قائله فقط فليس هو حكم مقتضى صدقه. اهـ.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: قوله بلفظ، متعلق بقائله، وقوله: أو بلفظ نائبه، عطف على بلفظه. انتهى. وقوله: لا الإخبار بزيادة لا النافية، وقوله: والرواية والشهادة عطف على قوله الإنشاءات قال الرهوني: ولو قدم الشهادة على الرواية لكان أنسب لأن الشهادة خرجت بقوله على قائله وهو سابق في حده، والرواية خرجت بقوله فقط وهو متأخر، ومثال الرواية الإخبار برؤية هلال رمضان ودخول الوقت ونحو ذلك فإنه يوجب حكم صدقه على قائله وغيره. انتهى. وقوله: ونطق الكافر بالشهادتين فيه الجزم بأنها من الكافر إنشاء، وجوز الرصاع فيه الخبرية ورد بعض المحققين على ابن عرفة قائلا: الظاهر أنها في حق الكافر خبر لا إنشاء؛ لأن الإيمان القلبي من قبيل العلوم أو من توابعها لأنه المعرفة أو حديث النفس التابع لها، والمراد بحديث النفس القبول والإذعان لما عرفه، وإذا كان كذلك فكلمة الشهادة عبارة عنه فهو يخبر أنه يعتقد مضمونها ويقر به فتكون خبرا من قبيل الإقرار، فتدخل في تعريفه وأما كونها إنشاء فمشكل؛ لأن المنشأ إن كان ما في الاعتقاد لم
стр. 6576
يصح لأنه سابق على التلفظ بالكلمة المذكورة، والمنشأ يجب تأخيره عن الصيغة، وإن كان المنشأ هو أعمال الجوارح التي هي الإسلام لم يصح أيضا لوجوده بغير هذه الكلمة، إلى أن قال: فالصواب أنها من الكافر خبر عن اعتقاده، وكذا الذاكر بالأحرى نعم إذا قصد الذاكر إنشاء الثناء بها ناقلا لها عن معناها صح ذلك فيه، ولا يصح في الكافر لأن هذه الحالة إنما تحصل بعد الإيمان. قاله البناني.
تنبيهات: الأول: قال الرهوني: وانظر هل يرد على قول ابن عرفة فقط إقرار وارثين عدلين فأعلى لأجنبي بدار مثلا أنها له وأنكر سائر الورثة وعجزوا عن الدفع، فإن الأجنبي يقضى له بجميع الدار فيأخذ حظ من أقر بالإقرار وحظ غيره بالشهادة، فظهر لي أن هذه المصورة خارجة عن حده بما خرجت به الرواية فيكون حده غير جامع، ولم أر من نبه على هذا فضلا عن الجواب عنه ولم يظهر لي في الوقت جواب. والله أعلم. انتهى.
الثاني: قال في المجالس: والأصل في هذا الباب قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. انتهى منها بلفظها. والدليل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ولذا قال ابن عطية ما نصه: وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقائق. اهـ منه بلفظه. وقال ابن العربي في الأحكام ما نصه: قوله ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أمر الله تعالى العبد بأن ينتهد على نفسه بالحق، ويسمى الإقرار على النفس شهادة، كما تسمى الشهادة على العبد إقرارا، وفي حديث (ماعز) (١) فلم يرجمه ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات. اهـ منها بلفظها. وقال عند قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ الآية ما نصه هذا يدل على قبول إقرار المرء على نفسه لأنها شهادة منه عليها، ولا خلاف في ذلك لأنه إخبار على وجه تنتفي معه التهمة؛ ولأن العاقل لا يكذب على نفسه، وفي الحديث: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فارجمها قال فاعترفت فرجمها (٢)). انتهى منه بلفظه. قلت: والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما.
стр. 6577
الثالث: قال في الأحكام إثر كلامه الأول ما نصه: ولا يبالي الرء أن يقول الحق على نفسه فالله يفتح له، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، إلا أنه في باب الحدود يندب إلى أن يستر على نفسه ويتوب حتى يحكم الله له، إلا أنه يقر على نفسه بالحد إذا رأى غيره قد ابتلي به وهو صاحبه فيشهد على نفسه ليخلعه ويبرئه. اهـ منه بلفظه. وأركان الإقرار أربعة: المقر والمقر له والصيغة والمقر به، وبدأ والأول فقال: يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراه يعني أن المكلف وهو البالغ العاقل الطائع يؤاخذ بما أقر به أي يلزمه بشرط أن يكون غير محجور عليه، واحترز بالمكلف من غيره كالصبي والمجنون والمكره فإن إقراره غير لازم له، واحترز بعدم الحجر من المحجور عليه كالسفيه والسكران فإنه محجور عليه في إقراره وعقوده، والحاصل أنه محجور عليه فيما يتعلق بالأموال، ودخل في كلام المص السفيه المهمل على قول مالك، ودخل فيه أيضا إقرار المرتد في ردته قبل إيقاف السلطان له فيصح لأنه كالسفيه المهمل عند ابن عبد الحكم، بخلاف إقراره بعد إيقافه للاستتابة فيبطل إن قتل ويصح إن رجع للإسلام. قاله ابن سحنون. ويوافقه ابن عبد الحكم على ذلك، وأما الزوجة والمريض فداخلان في كلامه: "بلا حجر" لأنه إنما يحجر عليهما فيما زاد على الثلث في التبرعات لا في الإقرار، لكن المريض يحجر عليه في الإقرار لمن يتهم عليه ولو في ثلثه، وأما لغيره فيصح إقراره ولو في الزائد على ثلثه، وقوله: "بلا حجر" حال فهو متعلق بالكون أو الاستقرار لا بالمكلف، إلا أن يراد بالتعلق الارتباط المعنوي فلا ينافي الحالية، وقوله: "بإقراره" متعلق بقوله: "يؤاخذ"، والباء للسببية.
وأشار للركن الثاني وهو المقر له بقوله: لأهل متعلق بقوله: "بإقراره" يعني أن الإقرار إنما يصح للمتأهل للتملك ولو في ثاني حال كحمل ومن الأهل المسجد والقنطرة؛ لأن الإقرار لهما في المعنى إقرار للمنتفعين بهما، وخرج بالأهل إقراره لدابة أو لكحجر فلا يؤاخذ به بل يبطل، وقولي: كحمل هو الراجح كما نص عليه الرهوني، وقولي: والمكره هو الصحيح أي أن المكره غير مكلف قال الحطاب: قال القرطبي في شرح مسلم: شرط صحة الإقرار أن لا يكون بإكراه، وأما المحبوس والمهدد فاختلف في أخذه بإقراره، واضطرب المذهب في إقراره بعد الحبس والتهديد هل يقبل جملة أو لا يقبل جملة أو يفرق فيقبل إذا عين ما اعترف به من قتل وسرقة ولا يقبل إذا لم يعين؟ ثلاثة
стр. 6578
أقوال. اهـ. وقال الدماميني في حاشية البخاري: وعن الإمام مالك أن المذعور لا يلزمه ما صدر منه في حال ذعره من بيع وإقرار وغيره.
تنبيهات: الأول: امرأة ادعت على أخيها بميراثها من أبيها في أملاك سمتها، فقال وكيل الأخ: إن أخاها قد قاسمها جميع الأملاك وقبضت حصتها من ذلك، فقال ابن رشد في نوازله: إن كان الأخ جعل لوكيله الإقرار فقوله إن موكله قد قاسم أخته في جميع الأملاك التي وقف عليها إقرارٌ منه بمشاركة أخته له في جميعها فيقضى له بميراثها في سائرها إن كانت في يديه.
الثاني: في مسائل الأقضية من البرزلي عن ابن أبي زيد أن من طلبت منه أخته ميراثها من أملاك أبيها، فقال: بيدي ربع ملكته من أبي وربع ملكته بكسبي وغفل عنه حتى مات أن على ورثته إثبات ما ادعى أنه استفادة بعد أبيه، وإلا حلفت ما علمت بما استفادة وقسم بينهما. اهـ قاله الحطاب.
الثالث: قال في الكافي في كتاب الوكالة عن ابن خويز منداد: وقد اتفق الفقهاء فيمن قال ما أقر به عليَّ فلان فهو لازم لي أنه لا يلزمه. اهـ قاله الحطاب.
الرابع: من أقر بشيء لرجل فهو كالهبة إن لم يقبضه حتى مات بطل وهذا فيما إذا أقر بما عرف ملكه له. والله تعالى أعلم. انظر الرهوني.
الخامس: قال الحطاب: قال في وثائق الجزيري: إقرار الزوج لزوجته والسيد لأم ولده أشهد فلان أن جميع ما يغلق عليه باب البيت الذي سكنه مع زوجته فلانة أو مع أم ولده من الوطاء والغطاء والثياب والتوابيت والمواعين والحلي والأثاث لزوجته فلانة مالها ومن كسب يدها لا حق له معها في شيء منه بوجه من الوجوه، ثم قال: فقد يجوز إقرار الزوج لزوجته والسيد لأم ولده، فإن سمى ما أقر به كان أتم، وإن أجمل جاز، فإن مات وادعى الورثة أنه للميت اكتسبه بعد الإشهاد فعليهم البينة ولا يمين عليها إلا أن يقطعوا أنه اكتسب شيئا معينا يسمونه بعد تاريخ الإشهاد، فلهم عليها اليمين ولها ردها عليهم. انتهى. ثم ذكر عن ابن رشد ما يخالف هذا من بطلان الشهادة فيما إذا أشهد على سبيل الإجمال ولم يكن معتادا للنساء؛ لأن الشهادة لم تكن على معين. والله تعالى أعلم.
стр. 6579
لم يكذبه صفة لأهل يعني أنه يشترط في صحة الإقرار للمقر له أن لا يكذب المقر له المقر، قال عبد الباقي: لأهل لم يكذبه الأهل وهو صفة لأهل أي لأهل غير مكذب للمقر، فإن كذبه حقيقة كليس لي عليك شيء، أو حكما كقوله لا علم لي بذلك بطل الإقرار إن استمر على التكذيب، فإن رجع إلى تصديق المقر في الثاني فأنكر عقب رجوعه صح الإقرار وأولى إن لم ينكر، فإن رجع إلى تصديقه في الأولى فأنكر عقبه فهل يصح أيضا أو يبطل قولان، الثاني ظاهر المص كابن شأس وإنما يعتبر تكذيب الرشيد فتكذيب السفيه لغو، فيلزم المقر ما أقر له به وإن كذبه وتقدم في النكاح نحوه، قال فيه: وإن أقر به فقط أخذ إن كانت سفيهة. اهـ. قوله: فهل يصح إقراره أو يبطل قولان لخ، القول الثاني هو الذي في النوادر وعليه اقتصر ابن الحاجب في قوله: ولوأكذب المقر له المقر بطل ولا رجوع له إلا بإقرار ثان. اهـ. والقول الأول هو الذي عزاه ابن رشد للمدونة في موضعين. اهـ.
قوله: والقول الأول هو الذي عزاه ابن رشد لخ، قال الرهوني: عبارته موهمة؛ لأن عبارة ابن شأس هي ما نصه أحدها أنه ليس له أن يأخذ الخمسين التي أقر بها إلا أن يكذب نفسه ويرجع إلى تصديقه، وهو الذي يأتي على ما لابن القاسم في كتاب المرهون من المدونة، وما لأشهب من كتاب إرخاء الستور منها وهو أحد قولي سحنون. اهـ محل الحاجة منه بلفظه فتأمله. اهـ. وقال الحطاب: وسئل عن الرجل يقول للرجل المائة دينار التي أودعتكها فيقول ما استودعتنيها ولكن أعطيتنيها قراضا، وهذه المائة دينار ربحت فيها فلك منها خمسون؟ قال: إن أبى أن يأخذها حبسها واستأنى سنين لعله أن يأخذها، فإن أبى أن يأخذها تصدق بها، قيل له: فإن مات فأحب ورثته أن يأخذوها؟ قال: يأخذونها إن شاءوا وإذا أحب القرآن يدفعها إليهم قلت ولا يقضى عليه بدفعها إلى ورثته، قال: لا يقضى عليه بدفعها إليهم.
قال ابن رشد: فتحصل في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن ليس له أن يأخذ الخمسين التي أقر بها إلا أن يكذب نفسه ويرجع إلى تصديقه، وهو الذي يأتي على ما لابن القاسم في كتاب المرهون من المدونة وما لأشهب في كتاب إرخاء الستور منها وهو قول سحنون، والثاني أنه ليس له أن يأخذ الخمسين وإن رجع إلى تصديقه وكذب نفسه إلا أن يشاء أن يدفعها إليه باختياره وهو ظاهر قول ابن القاسم هاهنا، وفي ورثته إن مات ونص ما في رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب
стр. 6580
النكاح، والثالث أن من سبق منهما بالرجوع إلى قول صاحبه كانت له الخمسون دون يمين. وبالله التوفيق.
ولم يتهم النائب ضمير يعود على المقر؛ يعني أنه يشترط في صحة الإقرار أن لا يتهم المقر في إقراره، فإن اتهم بطل إقراره، وإنما يعتبر عدم الاتهام في إقرار المريض، قال عبد الباقي: ولم يتهم المقر في إقراره فإن اتهم كإقرإِره لملاطفه ونحوه بطل، والواو في: "ولم يتهم" للحال لا للعطف على ما قبله؛ إذ فاعل الأول هو الأهل، وفاعل الثاني هو المقر والعطف يقتضي اتحاده، وإنما يعتبر عدم الاتهام في إقرار المريض والصحيح المحجور عليه. اهـ.
قوله: والصحيح المحجور عليه يعني بالصحيح المحجور عليه المفلس وفيه نظر؛ لأن إقراره لمن يتهم عليه لازم لكن لا يحاص به بل يتبع به في ذمته كما تقدم في الفلس، خلاف ما يوهمه كلامه من بطلانه، فالصواب أن عدم الاتهام إنما يعتبر في إقرار المريض. قاله البناني. وقال المواق: قال أبو عمر: إقرار غير المحجور جائز لا يلحقه فيه تهمة ولا يظن به توليج ولا يحتاج إلى معاينة قبض، إلا أن يكون ممن يعرف بالقهر والتعدي. اهـ. ابن الحاجب: لا يقبل إقرار المريض لمن يتهم عليه. اهـ. كالعبد في غير المال.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: يحتمل أنه مثال ويحتمل أنه تشبيه؛ يعني أن العبد غير المأذون يصح إقراره في غير المال لأنه غير محجور عليه فيه، ويبطل إقراره بالمال لأنه محجور عليه فيه، وأما المأذون فيصح إقراره في المال وغيره، قال عبد الباقي: كالعبد غير المأذون له يؤاخذ بإقراره في غير المال كجرح أو قتل عمدا ونحوه مما فيه قصاص أو حد كسرقة نصاب، واستغنى عن تقييده بغير المأذون بقوله هنا: "بلا حجر"، وبقوله في الحجر: "وحجر على الرقيق إلا بإذن" فلا يصح إقراره بمال لأنه لسيده، وأما المأذون له ولو حكما كالمكاتب فيصح إقراره بالمال، ويكون فيما بيده من مال التجارة لا في غلته ورقبته لكونهما لسيده كما مر، وما زاد عن مال التجارة ففي ذمته ويلزمه القطع في إقراره بالسرقة، ويدفع المسروق إن كان قائما فإن أتلفه غرم قيمته إن كان له مال وإلا لم يتبع به، وأما غير المأذون فيقطع فيما فيه القطع ولا يؤخذ منه المسروق، وإن كان قائما لأنه بمجرد إقراره به هو لا يعمل بإقراره، وإنما يكون لرب العبد فإن أثبته مدعيه أخذه بعد قطع
стр. 6581
العبد. اهـ المراد منه. وقال الحطاب: كالعبد في غير المال أما في المال فلا يقبل إقراره، قال في المدونة: كقول مالك في ثوب بيد العبد، يقول فلان أودعنيه وسيده يدعيه فالسيد مصدق إلا أن يقيم فلان البينة. اهـ. قال في النكت: قال بعض أصحابنا: ويحلف، فإن قال هو لي أحلف على البت، وكذا إن قال لعبدي أعلم أصل شرائه أو ملكه، وأما إن قال هو بيد عبدي أو حوزه فليحلف ما أعلم لك فيه حقا. اهـ. وهذا في غير المأذون له، يؤخذ ذلك من قول المص بلا حجر؛ لأن المأذون له غير محجور عليه فإقراره جائز فيما بيده وما جاوز ذلك فهو في ذمته، وليس للسيد فسخه وكذلك ما كان بيده من وديعة أوأمانة فاستهلكه فهو في ذمته وليس للسيد فسخه. قاله في كتاب المأذون له من المدونة. وأما غير المأذون له فلا يصح إقراره ولا يلزمه في ماله، ويكون في ذمته إن أعتق إلا أن يسقطه السيد أو السلطان. قاله في الكتاب المذكور. اهـ.
وأخرس عطف على العبد يعني أن الأخرس يصح إقراره بما يفهم منه من إشارة أو كتب، ومريض يعني أنه يصح إقرار المريض مرضا مخوفا. واعلم أن إقرار المريض على خمسة أوجه: أحدها أن يقر لأجنبي وهذا صحيح ورثه ولد أم لا، الثاني أن يقر لوارث، الثالث أن يقر لقريب غير وارث أو صديق ملاطف، الرابع أن يقر لمن جهل حاله، الخامس أن يقر أحد الزوجين للآخر فإن أقر لوارث أبعد مثل إقراره لعصبة وله ابنة فلا خلاف أن إقراره جائز، وإلى هذا أشار بقوله:
إن ورثه ولد لأبعد متعلق بإقرار المقدر قبل مريض؛ يعني أن إقرار المريض للوارث الأبعد جائز اتفاقا كما لو ورثته بنت مع عم وأقر للعم، ومفهومه أنه لو أقر للبنت لبطل إقراره اتفاقا، وكذا لو أقر للمساوي فيبطل إقراره اتفاقا كما يأتي للمص، وقوله: "إن ورثه ولد" أما إن أقر للوارث الأبعد فإن المشترط أن يرثه أقرب منه ولدا كما مثلت أو غيره كأخت مع عم.
وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: أو لملاطفه أو لمن لم يرثه يعني أن المريض مرضا خوفا إذا أقر لصديقه الملاطف أو لقريب لا يرثه سواء كان لا يرث أصلا كالخال أو يرث لكنه محجوب، فإنه يصح إقراره لذلك الملاطف أو للقريب المذكور بشرط أن يرثه ولد، كأن يقر لابن عم أو لخال وله بنت، ومفهومه أنه لو لم يرثه ولد لبطل إقراره للصديق الملاطف وللقريب الذي لم يرث. وعلم مما
стр. 6582
قررت أن المراد بالوارث الأبعد الوارث بالفعل، وأن المراد بالقريب الذي لا يرث من لا يرث الآن، سواءكان لا يرث أصلا أو يرث لولا الحجب.
وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: أو لمجهول حاله يعني أن المريض مرضا مخوفا إذا أقر لمن جهل حاله هل هو صديق ملاطف أو قريب أو أجنبي غير ملاطف، فإنه يصح إقراره له بشرط أن يرثه ولد ابن أو ابنة، فإن لم يرثه ولد بطل إقراره هذا ظاهر المص، وتعقبه الحطاب بأنه يوهم عدم الصحة مطلقا ولا قائل به، وإنما في ذلك ثلاثة أقوال نقلها في التوضيح وغيره، ونص المواق: إن أقر لمجهول فإن ورث بولد جاز من رأس ماله وإن ورث كلالة ففي كونه من الثلث مطلقا أو من رأس ماله. إن قل وإن كثر بطل، ثالثها إن أوصى بوقفه حتى يأتي طالبه جاز من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق به عنه بطل مطلقا. انتهى. قال الحطاب: وظاهر كلام الشامل أن فيها قولا بالبطلان، وكأنه اعتمد ظاهر كلام المص. انتهى.
وقوله: "أو لمجهول حاله" قاله عبد الباقي، أو أقر لمجهول حاله أقريب أو صديق ملاطف أو أجنبي لا ذاته فإنها معلومة، كقوله لعلي أو لعمرو الذي بمكة عندي كذا ولم يعلم حاله أصديق ملاطف أو قريب أو أجنبي غير ملاطف، فيصح إن ورثه ولد ويكون من رأس المال سواء أوصى أن يوقف له ليعطاه إذا قدم أو يتصدق به عنه كما في الشارح، فإن لم يرثه ولد لم يصح وظاهره الإطلاق، وفي الشامل ما يفيد أن أصح الأقوال أنه إن أوصى أن يوقف حتى يطلبه من عين له الحاضر أو الغائب جاز من رأس المال إن استمر جهل حاله حين إتيانه، أو تبين أنه أجنبي غير ملاطف، فإن تبين خلافه بطل ولابد من علم عينه في هذين القسمين، وإن أوصى أن يتصدق به عنه لم يجز من ثلث ولا من رأس مال إن تبين أنه وارث، أو استمر جهل حاله لاحتمال كونه وارثاو، فإن تبين أنه غير وارث وغير ملاطف نفذ من رأس المال، وبهذا لا يشكل قولهم: الوصية بالصدقة عن الغير تصح من الثلث لأنه فيمن علم أنه غير وارث؛ لأنه يقدر دخوله في ملكه، وجعل الإقرار هنا في معنى الوصية فأعطي حكمها في بعض الصور. انتهى. قوله: لا ذاته فإنها معلومة لخ، قال البناني: هذا ظاهر المص لكن مقتضى عبارة ابن رشد أن ذلك في مجهول العين وهو الذي يقتضيه آخر كلام التوضيح. انتهى.
стр. 6583
تنبيهات: الأول: علم مما قررت أنه لا مفهوم لقوله: "ولد" بالنسبة لإقراره لأبعد فقط، بل الشرط فيه أن يرثه أقربُ ولدًا أو غيره، وأما بالنسبة للمسائل الثلاث أعني قوله: "أو لملاطفه أو لمن لم يرثه أو لمجهول حاله" فلابد أن يرثه ولد كما قال المص، سواء كان يستغرق المال أم لا، قال عبد الباقي: والفرق أن التهمة ضعيفة في الأول بخلافها فيمن لم يرثه كخاله وملاطفه، فيتوهم تخصيصهما بالإقرار لهما دون عمة فلذا شرط في صحة الإقرار لهما ومن بعدهما وجود الولد، فإن لم يرثه ولد بطل إقرارد بالكلية ولا يكون في الثلث خلافا لمن يقول بعدم صحته مطلقا، ولمن يقول إن ورث بولد فمن رأس المال وإلا فمن الثلث كما نقله ابن رشد، وهذا في غير المجهول الآتي كما في أحمد. انتهى. قوله: خلافا لمن يقول بعدم صحته مطلقا، قال البناني: لم أر من ذكر هذا القول، والذي في كلام ابن رشد وغيره بدل هذا القول هو القول بصحته مطلقا فصوابه إسقاط لفظ عدم ليوافقه.
الثاني: قوله "لمن لم يرثه" لا يشمل الأجنبي غير الملاطف؛ لأن إقراره له يصح مع عدم الولد كما مر، وما اقتصر عليه في الملاطف وغير الوارث أحد قولين قائمين من المدونة والآخر يجوز إقراره لهما مطلقا. انظر المواق. لكن في الشارح عن ابن رشد إفادة أن ما اقتصر عليه المص هو المشهور، وإن كان الآخر قائما من المدونة أيضا إذ لا يلزم من قيامهما منها أن يكونا مشهورين. انتهى. قوله: لكن في الشارح عن ابن رشد لخ، ما في الشارح مثله نقله عنه ابن سلمون، ونصه: وأما إذا أقر لقريب غير وارث أو صديق ملاطف فالمشهور في المذهب أن إقراره جائز إن كان يورث بولد ولا يجوز إن كان يورث بكلالة، وقيل إن إقراره جائز كان يورث بكلالة أو بولد والقولان في المدونة، وقد قيل إن كان يورث بولد جاز إقراره من رأس المال، وإن كان بكلالة جاز من الثلث وظاهر سياقه أنه عن ابن رشد.
الثالث: قال عبد الباقي: ومفهوم قوله "مريض أن إقرار الصحيح صحيح بلا شرط"، وهو الموافق لما مر من أن قوله ولم يتهم إنما يعتبر عدم الاتهام في المريض، ولقول ابن عبد البر في الكافي: وكل من أقر لوارث أو لغير وارث في صحته بشيء من المال أو الدين أو البراءات أو قبض أثمان البيعات فإقراره عليه جائز لا تلحقه فيه تهمة ولا يظن فيه توليج، والأجنبي والوارث في ذلك سواء، وكذا
стр. 6584
القريب والبعيد والعدو والصديق في الإقرار في الصحة سواء لا يحتاج من أقر على نفسه في الصحة ببيع شيء وقبض ثمنه إلى معاينة قبض الثمن. انتهى.
فإذا قام بقية أولاد من مرض بعد الإشهاد في صحته بالبيع لبعض ولده فلا كلام لهم إن كتب الموثق أن الصحيح قبض من ولده ثمن ما باعه له، فإن لم يكتب فقيل يحلف مطلقا، وقيل لا مطلقا وقيل إن اتهم الأب بالميل له حلف وإلا فلا نقلها ابن عاصم. انتهى بزيادة قليلة. قوله: ومفهوم قوله مريض أن إقرار الصحيح صحيح بلا شرط لخ، قال البناني: هو كذلك سواء أقر لمن علم ميله إليه أم لا، ورث كلالة أم لا، سواء قام المقر له في الصحة أو في المرض أو بعد الموت. ابن رشد: هذا هو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك المشهور في المذهب، ووقع في المبسوط لابن كنانة والمخزومي وابن أبي حازم ومحمد بن مسلمة أنه لا شيء له، وإن أقر له في صحته إذا لم تقم عليه بذلك بينة إلا أن يعرف ذلك، مثل أن يكون باع له رأسا أو أخذ من موروث له شيئا فإن عرف ذلك وإلا فلا شيء له، وهو قول له وجه من النظر لأن الرجل يتهم أن يقر بدين في صحته لمن يثق به من ورثته على أن لا يقوم به حتى يموت فيكون وصية لوارث. انتهى.
ونحوه لابن سلمون وحاصله أن الإقرار للوارث في الصحة إذا لم يقم به إلا بعد الموت إن عرف وجهه فهو جائز اتفاقا، وإلا فقولان: المشهور وهو رواية المصريين الصحة، ومقابله وهو قول المدنيين واختيار ابن رشد عدم الصحة؛ إذا علمت هذا فما في (١) الحطاب من فتوى ابن سهل وابن عات وابن الحاج وغيرهم (٢) كله إنما يأتي على مقابل المشهور انظر مصطفى. لكن على القول الأول إذا طلب من المقر له اليمين أن ذلك لم يكن توليجا، قال ابن رشد: الأظهر في هذه المسألة لحوق اليمين مراعاة لقول من لم يعمل الإقرار بعد الموت. انتهى.
وصرح ابن سلمون بلزوم اليمين إن ثبت ميل الميت للمقر له. ذكره في فصل التصيير. قال: ومثل الإقرار بالدين ما إذا صير الأب لابنه دارا أو عروضا في دين أقر له به، فإن كان يعرف سبب ذلك الدين جاز التصيير سواء كان في الصحة أو في المرض، وإن لم يعرف أصله فحكمه حكم الإقرار
стр. 6585
بالدين، فإن كان في الصحة ففيه قولان: أحدهما أنه نافذ ويحاص به الغرماء وهو قول ابن القاسم في المدونة والعتبية، قال المتيطي: وعليه العمل. والثاني أنه غير نافذ وهو قول المدنيين. انظر الحطاب.
وقوله: نقلها ابن عاصم فيه نظر؛ إذ لم أر هذه الأقوال في تحفة ابن عاصم ولا في شرح ولده، وإنما ذكر في التحفة منها القول الثالث فقط ونصها:
ومع ثبوت ميل بائع لمن … منه اشترى يحلف في دفع الثمن
وكذا اقتصر عليه الحطاب أيضا عند قوله: "لا المساوي والأقرب". انتهى كلام البناني.
الرابع: قول المص: "أو لمن لم يرثه" نحوه قول ابن رشد: أو لقريب غير وارث، وظاهره أنه لابد أن يرثه ولد في صحة الإقرار له، ولو كان القريب غير الوارث أبعد من القريب الوارث كما إذا أقر لخاله والوارث أخوه، قال الجنوي: ولا أظنه كذلك إذ الإقرار للوارث الأبعد صحيح وإن كان يرث كما إذا أقر لابن العم مع وجود الأخت (١) فأحرى إذا لم يرث فكان من حقهم تبيين ذلك، ويكون هذا بمنزلة الإقرار للأبعد الذي لا يشترط فيه الولد، وإنما يشترط وارث أقرب خلاف ظاهر المص، وقد اعترض عليه فيه وكذا يعترض عليه وعلى غيره في القريب غير الوارث. والله أعلم. انتهى.
قال الرهوني: وما قاله ظاهر ببادي الرأي لكن الأئمة سلموا كلام ابن رشد ولم يقيدوه بشيء، ويدل لحمله على إطلاقه تسويته بينه وبين الصديق الملاطف إذ لا يتأتى في الصديق الذي ذكره شيخنا، ويكون وجه الفرق بينهما وبين الأبعد كالعم مع الأخت ضعف التهمة، لكون العم له نصيب في المتروك والأخت أقرب منه، بخلاف الخال والصديق الملاطف مع الأخ مثلا لأنهما لما لم يكن لهما في المال نصيب اتهم على أنهما لا يحرمان من ماله. فتأمله. والله أعلم.
والمسألة منصوصة لابن القاسم وليست لابن رشد من عند نفسه، ففي رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الوصايا ما نصه: وسئل ابن القاسم عن رجل قال عند موته إن فلانا وكلني بهذه الدار