من تقتضي التبعيض وكونها لابتداء الغاية أو غيره بعيد وأن في للظرفية، فظاهرها أن الحق في الدار لا من الدار. قاله الشارح.
وقال المواق: ابن شاس: لو قال له في هذه الدار حق أو في هذا الحائط حق أو في هذه الأرض، ثم فسر ذلك بجزء من ذلك قبل تفسيره قليلا كان أو كثيرا، شائعا كان أو معينا، ولو فسره بغير ذلك كأن يقول: أردت هذا الجذع أو هذا الباب أو هذا الثوب الذي في الدار أو سكنى هذا البيت، فقال سحنون: مرة يقبل تفسيره في جميع ذلك ثم رجع عن ذلك، وعبارة ابن الحاجب: لو قال إن له في هذه الدار أو في هذه الأرض أو الحائط حقا وفسره بجذع أو باب مركب وشبهه فثالثها الفرق بين من وفي. اهـ.
وقال الحطاب: قال ابن عبد الحكم: ومن بيده صبرة قمح فقال إن لفلان منها خمسين إردبا فلم يكق فيها إلا دون ذلك فجميعها للمقر له، وإن زادت على خمسين فالزيادة للمقر، ولو قال له من هذه الصبرة عشرة دنانير بيع له منها بعشرة دنانير وما بقي فللمقر وإن لم يف ثمنها بالعشرة فليس له على المقر غير ذلك، وإن قال له من ثمنها عشرة دنانير سئل ما أراد، فإن أراد من ثمنها الذي اشتريت به سئل كم كان ثمنها فكان المقر له شريكا فيها بالعشرة، وإن قال أردت من ثمنها إذا بيعت فهو كذلك، وإن طلبت منه اليمين حلف على ما يقول فإن مات قبل أن يسئل فللمقر له الأقل من الوجهين. والله الموفق. انتهى. وقوله: فهو كذلك أي فكالوجه الأول يباع له منها بعشرة دنانير. اهـ كلام الحطاب.
ومال نصاب يعني أنه إذا قال لفلان علي مال فإنه يلزمه له نصاب الزكاة وقيل نصاب السرقة، وعلى الأول يلزمه نصاب الذهب إن كان المقر من أهله وفضة إن كان من أهلها ونعم إن كان من أهل النعم، فإن كان من أهل الإبل فخمس ومن أهل البقر فثلاثون وأربعون من الضأن إن كان من أكمل الضأن أو من المعز إن كان من أهل المعز وخمسة أوسق من الحب إن كان من أهل الحرث. وعبارة الخرشي: يلزمه أقل ما يسمى نصابا من جنس مال المقر. اهـ المراد منه.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: وهذا يفيد أنه لا يلزمه في الإبل إلا أقل الإبل قيمة كصغارها المذكور، وكذا يقال في البقر والغنم وأنه إن كان له إبل وبقر وغنم يلزمه أقل أنصبائها قيمة، وكذا يقال في
стр. 6617
البخت والعراب والجاموس والبقر والضأن والمعز وكذا يقال في الذهب والفضة، وكذا يقال في أنواع الحرث من تمر وحب في أنفسها أو مع ما ذكر من النعم أو العين أو منهما ويأتي التصريح بذلك عن ال تتائي. والله تعالى أعلم. وقوله: "نصاب" قد مر التصدير بأنه نصاب الزكاة وهو الذي شهره المازري واقتصر عليه ابن رشد في رسم الوصايا من سماع أصبغ من كتاب المديان، قائلا: لأن الله ﵎ إنما سمى مالا من الأموال ما تجب فيه الزكاة منها، وذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وعنى بذلك المقادير التي تجب فيها الزكاة بما بينه على لسان رسوله ﷺ . اهـ. قاله البناني.
وقول عبد الباقي: والمعتبر مال أهل المقر حيث خالف مال أهل المقر له، وقال عند قوله: ومال سواء قال عظيم أم لا، ثم قال: وقولي عظيم نحوه لبعض الشراح، وفي أحمد: إن قال عظيم ففي ابن الحاجب خمسة أقوال ولو وصفه بالكثرة والعظم، فقال في التلقين: يلزمه زيادة على ما يلزمه في مطلقة. اهـ. وإذا تعدد مال أهل من يعتبر ماله لزمه أقل الأنصباء كما في ال تتائي: ولو قال له عليَّ نصاب لزمه نصاب سرقة لأنه المحقق إلا أن يجري العرف بنصاب الزكاة فيلزمه. اهـ. قوله: إن قال عظيم، ففي ابن الحاجب خمسة أقوال. اهـ لفظ ابن الحاجب: وله علي مال قيل نصاب وقيل ربع دينار فقط أو ثلاثة دراهم وقيل (١) تفسيره، ومال عظيم قيل كذلك، وقيل ما زاد على النصاب، وقيل قدر الفدية. (٢) اهـ قاله البناني. وقوله: "ومال نصاب" قال الشارح: وهذا القول منسوب لابن وهب وهو الأشهر في المذهب، ومثله لابن المواز فيمن أوصى أن لفلان عنده مالا ابن القصار ولا نص عن مالك في ذلك، والذي يوجبه النظر على مذهبه أن يلزمه ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وفي كتاب ابن سحنون أنه يقبل تفسير المقر في ذلك واختاره الأبهري.
وإلى قول ابن سحنون واختيار الأبهري له أشار المص بقوله: والأحسن تفسيره أي في كتاب ابن سحنون أنه إذا قال له علي مال عليه أن يفسره ويقبل ما فسره به ويلزمه ولو فسره بجبة وهذا هو الأحسن عند الأبهري، ويحلف على ما قال، قال عبد الباقي: والأحسن تفسيره ولو بقيراط أو جبة
стр. 6618
وحلف وهذا ضعيف مقابل لما قبله، وشبه به مشهورا وهو كشيء يعني أنه إذا قال له عندي شيء أو له عندي حق فإنه يقبل ما فسره به ولو بجزء كما في ابن مرزوق، ومثله له علي كذا عند المازري يقبل تفسيره له ولو بأقل من واحد كما في ابن عرفة، خلافا لقول ابن عبد السلام وتبعه التوضيح والشارح: لا يفسر إلا بواحد كامل. انظر ال تتائي. ويحلف إن ادعى المقَرُّ له أكثر مما فسر به قاله عبد الباقي. قوله: أو له عندي حق لخ، قال الرهوني: صحيح فإن فسر الحق بغير المال ففي ابن عرفة ما نصه: الشيخ عن كتاب ابن سحنون: من قال: لفلان علي حق ثم قال أردت حق الإسلام لم يصدق، ولزمه أن يقر بشيء ويحلف على دعوى الطالب إن ادعى أكثر منه، وكان سحنون يقول: ينظر فيه على نحو ما ينزل مما يتكلمان فيه، فإن تنازعا في جنس المال أخذ بذلك، وإن تنازعا فيما يجب لبعضهما على بعض من حق وحرمة لم يؤخذ بالمال. اهـ منه بلفظه.
وكتب بعضهم بطرة ابن عات بالنسخة التي بيدي منه ما نصه: يتعين قول سحنون ولا يختلف فيه. اهـ. وهو ظاهر فيحمل ما قبله على ما إذا قامت قرينة على إرادة المال أو لم تقم قرينة أصلا والله أعلم. انتهى.
وسجن له يعني أنه إذا امتنع من التفسير فيما بعد الكاف وفيما قبله على القول به فإنه يسجن إلى أن يفسر أو لأجل التفسير فاللام للغاية أو للعلة، فقوله: "وسجن له" أي للتفسير المعتبر حيث امتنع من ذلك بأن لم يفسر أو فسر تفسيرا غير معتبر، كتفسيره بجذع في له من هذه الدار أو في هذه الدار حق. قاله عبد الباقي. المازري: قوله له عندي كذا كقوله له عندي شيء أو له عندي واحد فيقبل منه ما يصدق عليه أحد الألفاظ، وفي الصحاح: كذا كناية عن شيء أو حق في غاية الإجمال؛ لأن لفظ شيء يصدق على ما لا يحصى من الأجناس والمقادير، فيجب على المقر تفسيره بما يصلح. ابن شاس: يقبل تفسيره بأقل ما يتمول لأنه محتمل لكل ما ينطلق عليه شيء مما يتمول. المازري: فإن امتنع من التفسير سجن حتى يفسر. اهـ. قاله المواق.
وكعشرة ونيف النيف يخفف ويشدد، يقال عشرة ونيف ومائة ونيف، وكل ما زاد على العقد فهو نيف إلى أن يبلغ العقد الثاني؛ يعني أنه إذا قال له عندي عشرة ونيف فإنه يقبل تفسيره للنيف مع يمينه والنيف من الواحد إلى التسعة وأما البضع فإنه من ثلاثة إلى تسعة. ابن عرفة عن ابن
стр. 6619
سحنون: ومن أقر بعشرة دراهم ونيف قبل قوله في النيف ولو قل فسره بدرهم أو دانق، ونقله المازري كأنه المذهب، وإذا قال له علي نيف فيلزمه درهم لأنه أقل الزيادة على العقد كذا ينبغي. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: يقبل تفسير النيف مع يمينه ولو بواحد فقط لا بأقل منه كذا لأحمد، وفي الشارح والمواق: ولو بأقل، وظاهر المص سواء ذكر في إقراره مميز العشرة أم لا. اهـ المراد منه.
وسقط في كمائة وشيء يعني أنه إذا قال له علي مائة وشيء فإن الشيء الزائد يسقط، قال الخرشي: وإذا قال له علي مائة وشيء أو عشرة وشيء أو ألف وشيء، فإن الشيء الزائد على الجملة يسقط لأنه مجهول، ولو قدم الشيء أيضا بخلافه مفردا كما مر فإنه يجب عليه تفسيره، ولو قال له علي مائة إلا شيء اعتبر فطولب بتفسيره. اهـ. قال البناني: وجه السقوط كما يفيده ابن عبد السلام والتوضيح أن ذلك مبني على عرف أن المقصود بعندي مائة وشيء مثلا تحقيق أن عليه مائة كاملة، كما يقال: فلان رجل وربع أو رجل ونصف أي كامل في الرجولية، فإذا لم يكن عرف بذلك فلا يسقط. اهـ.
قال الرهوني: سلم ذلك لهما وهو غير مسلم، فقد قال ابن عرفة عقب ذكره كلام ابن عبد السلام ما نصه: قلت هذا التعليل لسقوط الشيء المعطوف خلاف تعليل ابن الماجشون بأنه مجهول، والفرق عنده بينه مفردا ومعطوفا أن لغوه مفردا يؤدي إلى إهمال اللفظ المقر به، وإذا كان معطوفا سلم من الإهمال لإعماله في المعطوف عليه. اهـ منه بلفظه. ونقله ابن غازي هنا وفي تكميله وسلمه وهو حقيق بالتسليم؛ لأن المص في توضيحه نسب هذا الفرع لابن الماجشون ثم وجهه بما ذكره البناني، وابن الماجشون قد علل ما قاله بما ذكره عنه ابن عرفة، فكيف يعلل كلامه بعلة مخالفة لعلته؟ فتأمله. اهـ.
وكذا درهما عشرون يعني أنه إذا قال له علي كذا درهما فإنه يكون مقرا له بعشرين؛ لأن العدد غير المركب من عشرين للتسعين إنما يميزه الواحد المنصوب فيلزمه المحقق وهو مبداه، ويلغى المشكوك إذ الأصل براءة الذمة منه لكن يحلف إن ادعى المقر له أكثر وكذا كناية عن العدد وعن الشيء، فإن
стр. 6620
رفعه أو وقف عليه لزمه درهم واحد لأنه المحقق إذ المعنى هو درهم، ومثله إذا قاله بالخفض. قاله ابن القصار. وقال لي بعض النحاة: يلزم فيه مائة درهم أي لأن مميز المائة مجرور. نقله غير واحد. وكذا وكذا أحد وعشرون يعني أنه إذا قال له علي كذا وكذا درهما يلزمه أحد وعشرون؛ لأن المعطوف في العدد المركب من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين فيلزمه المحقق فقط، فإن زاد وكذا مرة ثالثة فأكثر فالظاهر لزوم أحد وعشرين فقط، وكذا يقال في قوله: وكذا كذا أحد عشر يعني أنه إذا قال له علي كذا كذا، فإن المقر به أحد عشر، وإنما لزمه أحد عشر لأن كذا كذا كناية عن العدد المركب وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر فيلزمه المحقق. قاله عبد الباقي. وعلم منه صريحا أنه إنما يلزمه أحد عشر فقط حيث ذكره ثلاثا فأكثر، ويأتي الكلام للبناني فيما قبله في القولة بعد هذه.
وبضع أو دراهم ثلاثة يعني أنه إذا قال له علي بضع من الدراهم، أو قال له علي دراهم فإنه يلزمه ثلاثة دراهم، قال الخرشي: يعني أنه إذا قال له عندي بضع فإنه يلزمه ثلاثة لما علمت أن البضع من ثلاثة إلى تسعة والأصل براءة الذمة فيلزمه المحقق فقط، ولو قال له: علي بضعة عشر لزمه ثلاثة عشر وكذلك إذا قال عندي دراهم فإنه يلزمه ثلاثة لأنها أقل الجمع. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، وقال عند قوله: "أو دراهم" ما نصه: وإن كان جمع كثرة لأن الصحيح مساواته لجمع القلة في المبدإ والذمة لا تلزم إلا بمحقق، والمحقق من الجمع ثلاثة، وأجيب أيضا كما كتب الوالد بأن محل افتراق مبداهما على القول به حيث كان لكل صيغة وإلا استعمل أحدهما في الآخر. اهـ. وقال البناني عند قوله: "وكذا درهما عشرون" ما نصه: ما ذكره المص في هذه الألفاظ هو قول ابن عبد الحكم بناء على مقتضى اللغة، وقال سحنون: لا أعرف هذا ويقبل تفسيره، وكأن هذا الثاني أقرب إلى أصول المذهب وكثير من الناس بل أكثرهم لا يعرف مدلول هذه الألفاظ. اهـ. وقول عبد الباقي: فإن زاد وكذا مرة ثالثة إلى آخره. الظاهر من العربية أنه يلزمه في هذا مائة وأحد وعشرون درهما.
وكثيرة أو لا كثيرة ولا قليلة أربعة يعني أنه إذا قال له عندي دراهم كثيرة فإن المقر به أربعة، وكذا لو قال له علي دراهم لا كثيرة ولا قليلة فإنه يلزمه أربعة، قال المواق: ابن عبد الحكم: لو قال
стр. 6621
دراهم كثيرة أو دنانير كثيرة فلابد من زيادة على الثلاث، ويقبل قوله في قدر الزيادة وحدها. ابن المواز: بواحد صحيح فأكثر. ابن عبد الحكم: ولو قال دراهم لا قليلة ولا كثيرة فهي أربعة. اهـ. وقيل يلزمه في قوله دراهم كثيرة تسعة، وقيل يلزمه نصاب الزكاة وهو مائتا درهم، وقيل خمسة دراهم وقيل يلزمه ثلاثة، ولا شك في مخالفة بعض هذه الأقوال للغة، فإن شهد عرف قوم بشيء منها قبل.
ودرهم المتعارف يعني أنه إذا قال له علي درهم فإنه يلزمه الدرهم المتعارف عند الناس، ولو نحاسا، قال عبد الباقي: وإذا قال له علي درهم لزمه الدرهم المتعارف عند الناس كالنحاس بمصر ويقبل تفسيره به، وقول ابن شاس: لا يقبل تفسيره بفلوس لعله مبني على عرف زمنه. وإلا فالشرعي أي وإن لم يكن عرف بشيء فإنه يلزمه الدرهم الشرعي، وما ذكره من قوله: "وإلا فالشرعي" نحوه لابن الحاجب. ابن عرفة: هو قول ابن شاس تبعا لوجيز الغزالي ولا أعرفه لأهل المذهب، ومقتضى قول ابن عبد الحكم وغيره أن الواجب ما فسره به المقر مع يمينه. اهـ. وقال المواق ابن عرفة: الإقرار بمطلق من صنف أو نوع يتقيد بالعرف والسياق، فإن عدما فأقل مسماه.
وقبل غشه ونقصه إن وصل يعني أنه إذا قال له علي درهم مغشوش وناقص فإنه يقبل منه ذلك إن وصل لفظه بالمغشوش والناقص بلفظ الدرهم، ولا يضر فصل بعارض عطاس أو تثاؤب أو انقطاع نفس أو إغماء لا بسلام أورده أو تشهد، وقوله: "وقبل غشه ونقصه" أي الدرهم شرعيا أو متعارفا حيث يجريان فيه، وقوله: "إن وصل" هذا في إقرار بغير أمانات، وأما بها فيقبل دعواه الغش والنقص وإن لم يصل على الراجح عند الناصر نحو له عندي درهم وديعة ثم قال مغشوش أو ناقص لأن المودع أمين، وقول المص: "غشه ونقصه" أي جمعهما، وأولى إن اقتصر على أحدهما كناقص فيقبل تفسيره في قدر النقص. قاله عبد الباقي. وقال: قال ال تتائي كالشارح: وفهم من قوله: "غشه ونقصه" أنه لو فسره برصاص أو نحاس أو حديد لم يقبل وإن وصل وهو كذلك. اهـ. وانظر حكم ذلك في الأمانة والظاهر قبوله. انتهى.
ودرهم مع درهم يعني أنه لو قال له علي درهم مع درهم فإنه يلزمه درهمان، أو تحته يعني أنه لو قال له علي درهم تحت درهم فإنه يلزمه درهمان، أو فوقه يعني أنه لو قال له علي درهم فوقه
стр. 6622
درهم فإنه يلزمه درهمان، أو عليه يعني أنه لو قال له علي درهم على درهم فإنه يلزمه درهمان، أو قبله يعني أنه لو قال له علي درهم قبله درهم فإنه يلزمه درهمان، أو بعده يعني أنه لو قال له علي درهم بعد درهم فإنه يلزمه درهمان، أو ودرهم يعني أنه لو قال له علي درهم ودرهم فإنه يلزمه درهمان، أو ثم درهم يعني أنه لوقال له علي درهم ثم درهم فإنه يلزمه درهمان، وقوله: درهمان إما فاعل لزم أي ولزم في قوله له علي درهم مع درهم لخ درهمان، وإما خبر عن قوله: "ودرهم مع درهم" لخ. والله تعالى أعلم.
وعلم مما قررت أن قوله: "درهمان" في كل صورة من الصور المذكورة حيث لم يجر العرف بخلافه ولا مفهوم لدرهم بل الدينار والعرض كذلك، وسقط الدرهم في قوله: "له علي درهم" لا بل له علي ديناران ومثله لو أسقط لا، وأتى ببل فإن أضرب لأقل قبل إن وصل. اهـ. وقال الخرشي: فإن أضرب لأقل قبل قوله إن وصل، وإذا أضرب لمساو فالظاهر لزوم ما قبل بل وما بعدها؛ لأن بل حينئذ كالواو والفاء؛ لأن الإضراب هنا يتعذر فلم يبق إلا مجرد العطف. اهـ. وقال المواق: سحنون: من قال لفلان علي ألف لا بل ألفان لزمه ألفان، فإن قال: لا بل خمس مائة قبل قوله إن كان نسقا واحدا وإن كان بعد سكوت لم يصدق، وكذلك له علي درهم لا بل نصف درهم، وقال غيرنا: إذا قال له علي مائة لا بل مائتان لزمه ثلاث مائة في القياس، ولكنا ندعه ونستحسن أن عليه مائتين. ابن عبد الحكم: ولو قال له علي درهم بل درهمان لزمه درهمان. اهـ. وقوله: "وسقط في لا بل ديناران" علم مما قررت أنه يسقط ما قبل "بل"، أتى بلا أو لم يأت بها.
ودرهم درهم بالإضافة والمعنى إذا قال له علي درهم درهم بالإضافة فإنه يلزمه درهم واحد، أو بالرفع فيلزمه واحد لأنه توكيد، أو بدرهم يعني أنه لو قال له علي درهم بدرهم فإنه يلزمه درهم واحد والإضافة في المسألة الأولى بيانية، والباء في الثانية سببية أي له علي درهم بسبب درهم أي عاملته بدرهم فلزمني درهم، وقوله: درهم بالرفع إما فاعل لزم أي ولزم في قوله: له علي درهم درهم أو درهم بدرهم درهم، وإما خبر عن قوله: "ودرهم درهم" لخ. المواق: ابن شاس: إذا قال له علي درهم درهم أو درهم بدرهم لم يلزمه إلا درهم واحد، وللطالب أن يحلفه ما أراد درهمين، وإلى هذا أشار بقوله: وحلف ما أرادهما قال عبد الباقي: وحلف في المسألتين ما أرادهما لاحتمال حذف
стр. 6623
حرف العطف في الأولى والظرفية أو الإلصاق في الثانية دون العوضية، ومثل ذلك درهم في درهم لاحتمال أن في ظرفية لا سببية، قوله في الأولى يعني على الرفع. والله تعالى أعلم.
كإشهاد في ذكر بمائة وفي آخر بمائة تشبيه في الحكمين السابقين، وهما لزوم أحد الأمرين والحلف على أنه ما أرادهما؛ يعني أنه إذا أشهد على نفسه بأن لفلان عليه مائة ثم أشهد على نفسه بمثل ذلك فكتب المقر له وثيقة تتضمن أن له مائة على المقر وأشهد عليها الشهود الأولين، وكتب وثيقة أخرف مثلها وأشهد عليها الشهود الآخرين، فإن إشهاده لا يفيد وليس على المقر إلا مائة بمنزلة ما إذا لم يكن إلا الإقرار، وهذا معنى قول ابن رشد: وإن كتب صاحب الحق بما أشهد عليه كل جماعة كتابا على حدة لم يخرج بذلك من الخلاف. اهـ. نقله ابن غازي.
وحاصل المسألة أن الصور ثلاث: إحداها أن يشهد المقر جماعة بأن لفلان علي مائة ثم يشهد أخرى بمثل ذلك فلا تلزمه إلا المائة إن حلف وهذا إذا لم يكتبا، الثانية أن يامرهما المقر بكتابة ما أشهدهما به فيكتباه في ذكرين والمذهب في هذا لزوم المائتين خلاف ظاهر المص، الثالثة أن يأمرهما بالكتابة المقر له وهذه كالصورة الأولى، فقد علم أنه إذا لم تكن كتابة أو كانت ولكن بأمر المقر له كما إذا قال للجماعتين اكتبا لي ما سمعتما من فلان فإن المقر لا تلزمه إلا مائة، وأما إذا كان الآمر بالكتابة هو المقر فظاهر المص أنه كذلك أيضا والمذهب خلافه، فإذا أريد تصحيح المص حمل كلامه على ما إذا كان الآمر هو المقر له، لكن في التوضيح قرر المسألة على ظاهرها فهذا اعتذار فقط. والله أعلم. قاله البناني.
وقال المواق: ابن الحاجب: لو أشهد في ذكر بمائة وفي آخر بمائة فئاخر قوليه مائة، ابن عرفة: قبله ابن هارون وابن عبد السلام وهو وهم وغفلة لأن المنصوص في عين المسألة خلاف هذا، قال ابن سحنون: من أشهد لرجل في موطن بمائة ثم أشهد له في موطن بمائة، فقال الطالب هي مائتان وقال المقر هي مائة واحدة، فقال أصحابنا جميعا: لا يلزمه إلا مائة بخلاف أذكار الحقوق، ولو أشهد في حق بمائة وفي صك آخر بمائة لزمه مائتان. اهـ.
وقال الرهوني: حاصل ما طول به ابن غازي هنا أن المنصوص خلاف ما ذكره هو وابن الحاجب وابن شأس وهو التعدد ولزوم المائتين، وإنما يصح ما ذكره المص إذا كانت البينة لم تقيد بكتاب.
стр. 6624
اهـ. وقال الخرشي: يعني أنه إذا أشهد على نفسه في وثيقة أن لفلان عليه مائة ولم يذكر سببها ثم أشهد في وثيقة أخرى بمائة وهما متساويتان قدرا ونوعا، فإنه تلزمه مائة واحدة والثانية تأكيد للأولى: وحلف المقر على ذلك إن ادعاهما المقر له، أما إن تخالفا قدرا وصفة فإنه يلزمه المائتان معا، قوله: كإشهاد تشبيه في لزوم مائة واحدة والحلف على الأخرى، وقيل يلزمه المائتان وهو المذهب لأنه لا خلاف بين ابن القاسم وأصبغ أن الأذكار أموال، وأما الإقرار المجرد فعند ابن القاسم أموال وعند أصبغ مال واحد.
وبمائة وبمائتين الأكثر يعني أنه إذا أقر له بمائة وأشهد على ذلك ثم أقر له بعد ذلك بمائتين وأشهد على ذلك وأمر المقر له الشهود الأولين أن يكتبوا له ما سمعوا منه أولا، ثم أمر الآخرين أن يكتبوا له ما سمعوا منه آخرا فإنه لا يلزمه إلا الأكثر وهو المائتان، وقد علمت أن إشهاد المقر له بالكتاب لا يخرجه عن الإقرار المجرد، وقد حكى ابن الحاجب فيه قولا أنه يلزمه الأكثر، وبما حملت عليه المص يكون ماشيا على هذا القول وهو القول الثاني في نقل ابن الحاجب الذي قال فيه ابن عبد السلام إنه الأشبه بمذهب المدونة، وقد أنكر ابن عرفة وجوده في المذهب لكنه رجع آخرا إلى أنه يؤخذ من كلام المدونة في كتاب السلم الثاني وكتاب الشهادات. انظر نصه في ابن غازي. ونحو ما لابن عرفة لابن ناجي في شرح المدونة، ونصه بعد كلام المدونة: ظاهره أنه لم يجعل له حقا إلا في أكثر الإقرارين أو في أقلهما لا في مجموعهما، وهذا هو أحد الأقوال الثلاثة فيما إذا أقر لرجل بمانة بموطن وبمائتين في موطن آخر، سواء كان أقل العددين أبعد تاريخا أو أقرب، وقيل يلزمه ثلاثمائة مطلقا. قاله محمد. وقيل: يفصل بين أن يقدم في الإقرار أكثر العددين فيلزمه ثلاث مائة ويقدم الأقل فيكون الثاني بعضه مؤكدا للأول. قاله أصبغ. وهذان القولان في مسألتنا والثلاثة حكم بها ابن الحاجب ولم يوجد الأول منها لنقل غيره، إلا أنه ظاهرها هنا وظاهر قولها في تكرير الوصايا من جنس واحد لموص واحد. اهـ.
قال البناني عند قول المص: "وبمائة وبمائتين الأكثر" ما نصه: ينبغي أن يقيد لزوم الأكثر بما إذا تقدم الإقرار بالأقل كما هو ظاهر المص، وإلا لزم الجميع وليس مراده لزوم الأكثر مطلقا وبهذا يتخلص من بحث ابن عرفة مع ابن الحاجب انظره في المواق. اهـ. وقال الرهوني: وأما حمل المص
стр. 6625
على قول أصبغ كما قال البناني ففيه أن قول أصبغ لم يرجحه المص في توضيحه ولا غيره ممن وقفنا عليه، وقوله: إنه ظاهر المص هنا فيه نظر لأن الواو لا ترتب. فتأمله. والله أعلم.
فائدة: قال الرهوني: الذكر هنا حفظناه وسمعناه بالضم ولم أر أحدا ممن تكلم عليه تعرض لضبطه ولم يضبطه أيضا ابن عبد السلام ولا المص في التوضيح مع وقوعه في لفظ ابن الحاجب، وصنيع القاموس يقتضي أنه بالفتح إلا أن يكون الكل على الشهرة، ولم يذكره في الصحاح ولا في النهاية ولا في المصباح بهذا المعنى أصلا. والله أعلم.
وجل المائة أو قربها أو نحوها الثلثان فأكثر بالاجتهاد يعني أنه إذا قال: لزيد علي جل المائة أو له علي قرب المائة أو له علي نحو المائة، فإن المقر يلزمه ثلثا المائة بلا خلاف، ويلزمه أيضا زيادة على الثلثين بما يراه الحاكم باجتهاده، فالاجتهاد إنما هو في الأكثر أي يجتهد في قدره وزيادته من أصله كما يفيده نقل المواق. قاله ابن سودة. وقوله: "بالاجتهاد" بالنسبة لعسره ويسره أو باعتبار ديانته، وقوله: "الثلثان فأكثر" وقيل يقتصر على الثلثين. ابن رشد: وهذا الخلاف إنما يحتاج إليه في الميت الذي يتعذر سؤاله عن مراده، وأما المقر الحاضر فيسئل عن تفسير ما أراد ويصدق في جميع ذلك مع يمينه إن نازعه في ذلك المقر له وادعى أكثر مما أقر به وحقق الدعوى في ذلك وإلا فعلى قولين في إيجاب اليمين عليه. اهـ. وما قاله ظاهر إن فسر المقر بأكثر من النصف، وأما إن فسره بالنصف أو دونه فلا يقبل تفسيره. والله أعلم. كما أشار له الحطاب. قاله غير واحد. وهل يلزمه في عشرة في عشرة عشرون أو مائة قولان يعني أنه لو قال له علي عشرة في عشرة فإنه اختلف في ذلك على قولين: أحدهما أنه يلزمه عشرون ثانيهما أنه تلزمه مائة، قال عبد الباقي: وهل يلزمه في قوله عندي عشرة في عشرة عشرون لاحتمال كون في الثانية بمعنى: مع، قال المص: وهو أقرب لعرف العامة، وأما في الأولى فمن تركيب المص، وأما احتمال كون في الثانية للسببية فيقتضي أنه إنما يلزمه عشرة فقط بيمين وهو القول الثاني عند ابن عرفة معترضا قول ابن الحاجب عشرون كالمص بأنه لا يعرفه أو مائة لاحتمال أن المعنى عشرة مضروبة في عشرة ولا يمين عليه حينئذ قولان إن كانا أو أحدهما من غير أهل الحساب، فإن كانا من أهله لزمه مائة باتفاق القولين. قاله ابن عرفة. ويبحث في جريانهما فيما إذا كانا من غير أهله أو كان المقر وحده من غير
стр. 6626
أهله، فإن المتعارف عند عوام مصر أن العشرة في عشرة بعشرين لا بمائة، وإن كان المقر وحده من أهله فالقولان قيل: مائة نظرا لعلمه بالحساب، وقيل: عشرة على ما لابن عرفة أو عشرون على ما للمص تبعا لابن الحاجب لأن العالم إنما يخاطب العامي بما يفهم، لخبر: (حدثوا الناس على قدر ما يفهمون). ويقبل قوله ويحلف إن نازعه المقر له الجاهل بالحساب وحقق عليه الدعوى وإلا فقولان. اهـ.
وقوله: "قولان" القول بلزوم المائة لسحنون، والقول بلزوم عشرين حكاه ابن الحاجب، وقد علمت أن ابن عرفة قال: لا أعرفه، قال الخرشي: الصواب كما قاله ابن عرفة المنقول أنه إذا قال عندي عشرة في عشرة هل يلزمه عشرة أو مائة؟ قولان، والقول بأنه يلزمه عشرون لا أعرفه، ومبنى القولين أن في تحتمل السببية وتحتمل أن تتعلق مع مجرورها بمحذوف أي مضروبة في عشرة. اهـ. وثوب في صندوق وزيت في جرة يعني أنه لو قال له علي ثوب في صندوق أو زيت في جرة فإنه يلزمه المظروف أي الثوب والزيت، وفي لزوم ظرفه أي الثوب والزيت وهو ما جعل فيه الثوب أو الزيت وعدم لزومه قولان، القول بلزوم الظرف لسحنون والقول بعدم لزومه لابن عبد الحكم، والحاصل أنهما متفقان على لزوم الظروف ومختلفان في لزوم الظرف، ولو قال له علي ثوب في منديل في لزوم المنديل قولان كما في متن ابن الحاجب، فما في الخرشي من لزوم المنديل قطعا غير صواب. اهـ. قاله ابن سودة.
وقال المواق: ولو قال ثوب في صندوق أو منديل، فقال ابن عبد الحكم: يكون مقرا بالثوب دون الوعاء، وقال سحنون: يلزمه الوعاء أيضا وقوله: "وثوب في صندوق وزيت في جرة" قال عبد الباقي: ومثل بمثالين إشارة أنه لا فرق بين استغلال المظروف بدون ظرفه وعدمه، وفي كلامه حذف أي ولو قال له ثوب في صندوق وزيت في جرة ففي المذهب في لزوم ظرفه قولان، وإنما احتجنا إلى التقدير ثانيا لأن الجواب جملة اسمية يتعين فيها الفاء. قاله أحمد. ولو قال له: عندي صندوق وعينه بشخصه أو وصفه فهل يكون له ما فيه أو لا؟ قولان، وعلى الأول إن قال وما فيه لي، فهو كمسألة: "وخاتم فصه لي" ولو أقر لشخص بأرض تناول ما فيها وكذا عكسه فالإقرار كالبيع كما يفيده ال تتائي، بل ربما يقال إنه أولى من البيع بهذا الحكم لخروجه على غير عوض
стр. 6627
فيسامح فيه. انتهى. وحاصل ما للرهوني أن الخلاف فيما يستقل بدون الظرف كالثوب وما لا يستقل كالزيت، ولكن الراجح في الثوب ونحوه عدم اللزوم والراجح في الزيت ونحوه اللزوم.
لا دابة في إصطبل بقطع الهمزة يعني أنه لو قال له علي دابة في إصطبل فإنه لا يلزمه الظرف باتفاق؛ لأنه لا ينقل. قاله الخرشي. وقال المواق: القرافي: وافقونا على قوله له عندي دابة في إصطبل ونخلة في بستان أن الظرف لا يلزم. وألف إن استحل أوأعارني لم يلزم يعني أنه لو قال له علي ألف إن استحلها لم يلزمه شيء استحل أخذ ذلك أم لا، وكذلك لا يلزمه شيء إن قال لفلان علي ألف إن أعارني سواء أعاره أم لا، وقوله: "ثم يلزم" إما خبر عن ألف وإما جواب لشرط مقدر؛ أي ولو قال له علي ألف لخ لم يلزم، وكذا لا يلزم المقر شيء إن قال لفلان علي ألف إن كان يعلم أنها له أو له علي ألف إن شاء زيد.
كأن حلف تشبيه في عدم اللزوم؛ يعني أنه لو قال لفلان علي ألف إن حلف فحلف فلان على ذلك، فإن المقر لا يلزمه بذلك شيء، قال المواق: ابن سحنون: من قال لفلان علي ألف إن حلف أو إذا حلف فحلف فلان على ذلك ونكل المقر وقال: ما ظننت أنه يحلف فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا، وقال ابن عبد الحكم: إن قال لفلان علي مائة إن حلف فلا شيء على المقر بهذا وإن حلف الطالب، وكذلك إن قال إن استحل ذلك أو قال إن أعارني رداء أو دابة فأعاره.
في غير الدعوى متعلق بمحذوف أي إذا كان ذلك في غير الدعوى؛ يعني أنه إذا قال لزيد علي ألف إن حلف لا يلزمه شيء كما عرفت حيث لم يكن المقر له مدعيا على المقر، وأما إن ادعى عليه بألف مثلا فقال لزيد علي ألف إن حلف فحلف زيد فإن المقر تلزمه الألف، قال المواق: ابن سحنون: من أنكر ما ادعي عليه فقال له المدعي احلف وأنت بريء فحلف فقد برئ، وكذا إن قال المطلوب للمدعي احلف وأنا أغرم لك فحلف لزمه ولا رجوع له عن قوله. اهـ. وقال عبد الباقي: كإن حلف زيد على كذا فهو عندي، فحلف لم يلزم إذا كان ذلك في غير الدعوى أي الطلب، وإن لم تكن عند حاكم، بأن كان ذلك ابتداء فحلف لم يلزمه؛ لأنه يقول ظننت أنه لا يحلف بذلك باطلا، فإن كان حلفه بعد تقدم طلب عند غير حاكم أو عنده لزمه ما حلف عليه في الصورتين وأولاهما تقع بمصر كثيرا، ويتوهم من ظاهر المص أنه لا يلزم القائل شيء لفهم أن المراد بالدعوى
стр. 6628
عند حاكم، مع أن المعتمد كما علم أنها المطالبة وإن لم تكن عند حاكم كما في علي الأجهوري وأحمد، ومطالبة وكيل رب الحق كمطالبته، ويصح في إن كونها شرطية فتكون مكسورة، وكونها مصدرية مفتوحة أي كحلفه، ثم إذا قال له احلف وخذ في مسألة الدعوى ليس له الرجوع ولو قبل حلفه، بل لا يعتبر رجوعه كما في ال تتائي عن ابن عرفة. اهـ.
وقال الحطاب: ابن سحنون: من قال لفلان علي مائة درهم إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حين يحلف (١) أو مع يمينه أو في يمينه أو بعد يمينه فحلف فلان على ذلك ونكل المقر فلا شيء عليه في إجماعنا، وقاله ابن عبد الحكم قائلا: إن حلف مطلقا أو بطلاق أو عتق أو صدقة أو إن استحل ذلك أو إن كان يعلم ذلك أو إن أعارني دابته أو داره فأعاره ذلك أو إن شهد به عليَّ فلان فشهد ولو قال إن حكم لخ.
أو شهد فلان يعني أنه إذا قال لفلان علي كذا إن شهد على ذلك فلان فشهد عليه فلان، فإنه لا يلزم بذلك إقرار ثم ينظر، فإن كان غير عدل لم يلزمه شيء، ولهذا قال: غير العدل قال عبد الباقي: أو قال لك علي كذا إن شهد به فلان فغير إقرار، خلافا للشافعية، كان فلان عدلا أو لا فا، يلزمه شيء ولا يعمل بشهادة شخص حال كونه غير العدل فغير منصوب على الحال من مقدر مع عامله؛ أي فشهد فلان حال كونه غير العدل ولا يصح كونه حالا من فلان المذكور؛ لأن هذا ليس من مقول المقر، قال أحمد: واحترز بقوله: "شهد" عما لو قال إن حكم بها فلان فتحاكما إليه فإنه يلزمه ما حكم به. قاله في التوضيح. وظاهره سواء كان عدلا أو غير عدل، وأن ذلك لازم بمجرد قوله حكمت وإن لم تكن بينة ولا يمين مع شاهد، وينبغي أن يكون محل ذلك حيث حكم بها على مقتضى الشرع. انتهى كلام أحمد. انتهى.
وقوله: "أو شهد فلان غير العدل" اعلم أن في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا يلزمه ما شهد به عليه وهو قول ابن القاسم، والراجح من الأقوال إلا إذا كان عدلا وحكم عليه بشهادته مع شاهد آخر أو يمين المدعي. الثاني أنه يلزمه ما شهد به عليه دون يمين كان عدلا أو لا وهو قول مطرف الثالث التفصيل يلزمه إذا كان لا يحقق معرفة ما نازعه فيه خصمه ولا يلزمه إن كان يحقق معرفة
стр. 6629
ذلك، وهو قول ابن دينار وابن كنانة واختيار سحنون، وسواء كان الشاهد في ذلك كله عدلا أو مسخوطا أو نصرانيا، وقد قيل لا يلزم القضاء بشهادة النصراني بخلاف المسخوط انظر الحطاب. وقال البناني عند قول المص: "غير العدل" ما نصه: أي فإن كان عدلا قبلت شهادته مع اليمين، وقد أشار الحطاب للمناقشة في اشتراط نفي العدالة؛ إذ وجود العدل من باب الثبوت بالبينة لامن باب الإقرار على مذهب ابن القاسم خلافا لمطرف. اهـ. قوله: من باب الثبوت بالبينة يفيد أنه يعذر في الشاهد. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. وقد صرح التاودي بأنه يعذر فيه وقال إنه هو المتعين. والله تعالى أعلم.
وهذه الشاة أو هذه الناقة لزمته الشاة يعني أنه إذا قال شخص لآخر: لك هذه الشاة أو هذه الناقة فإن المقر تلزمه الشاة، وكذا الحكم لو قال هذه الناقة أو هذه الشاة لزمته الناقة، والحاصل أنه يلزمه الأول منهما ويحلف على الثاني كما قال: وحلف المقر بتا عليها أي على الناقة أنها ليست له، قال عبد الباقي: ولو عكس لزمته الناقة وحلف على الشاة اهـ. وقال المواق: الشيخ: من قال لرجل هذه الشاة أو هذه الناقة لزمته الشاة وحلف ما الناقة له. اهـ. ومحل حلفه على الثاني في المسألتين إذا أدعى المقر له جميعهما، وإلا فإن ادعى المقر له الأول فقط فلا يمين ولا إشكال، وإن ادعى الثاني لم يكن له الأول لقوله سابقا: لم يكذبه ولا الثاني لحلف المقر. قاله التاودي.
مسألة: قول: المص "ولا يمكن منها إن نكل"، قال الشارح: قال في المتيطية: ومن وجبت عليه يمين فردها على من وجبت له ورضي أن يحلف صاحبه، فلما جاء مقطع الحق نزع عن الرضا فقد لزمه الرضا كان عند السلطان أو غيره. أبو عمران: وهذا متفق عليه. انتهى.
وغصبته من فلان لا بل من آخر فهو للأول يعني أنه لو قال هذا الثوب أو هذا القمح مثلا غصبته من زيد لا بل غصبته من عمرو فإنه يكون للأول وهو زيد، وكذا الحكم لو أسقط لا وَقُضِيَ لِلثَّانِي وهو عمرو في المثال المذكور. بقيمته في المقوم كالثوب وبمثله في المثلي كالقمح ونحوه، قال عبد الباقي: وتعتبر القيمة يوم الغصب كما في المواق ولعله حيث علم وإلا فيوم أقر وظاهر كلام المص أنه لا يمين عليهما وهو قول ابن القاسم، وقال عيسى إلا أن يدعيه الثاني فله اليمين على الأول، فإن
стр. 6630
حلف فكما تقدم وإن نكل حلف الثاني وأخذه ولا شيء للأول على المقر. ابن رشد: وقول عيسى تفسير لقول ابن القاسم. قاله الشارح وال تتائي. اهـ.
فإن نكل الثاني أيضا فله القيمة إذ المقر قد أقر له بها وهو ظاهر فتأمله، ولابن عرفة ما هو شاهد له. انظر الرهوني. وإذا نكل الثاني بعد نكول الأول فإنه يكون كله للأول. قاله البناني. والله تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: والفرق بين ما ذكره المص هنا وبين قوله: "وسقط في لا بل ديناران" أن المقر به هنا شيء واحد لكل واحد من اثنين، فلو ألغي ما قبل لا بل لزم إحرام المقر له أولا واتهم في إخراجه عنه للثاني، وفي مسألة "لا بل ديناران" أن المقر له واحد بشيء متعدد فلا يلزم من إبطال ما قبل لا بل إحرامه. انتهى.
ولك أحد ثوبين عين يعني أنه لو قال شخص لآخر لك أحد هذين الثوبين أو العبدين مثلا، فإن المقر يؤمر بتعيين ما أقر به لأن إقراره يحتمل الإبهام والشك وله دعوى زوال الشك وعلى كل له التعيين، فإن عين أجودهما أخذه المقر له وكذلك إذا عين أدناهما وصدقه المقر له على ذلك، فإن لم يصدقه حلف المقر ودفعه له، فإن نكل حلف المقر له على ما ادعاه من الأعلى وأخذه، قال عبد الباقي: فإن نكل فينبغي أن يشتركا فيهما، قال الرهوني: الظاهر أنه يأخذ الأدنى. قاله شيخنا الجنوي. وهو ظاهر لأنه بنكوله صدق المقر الناكل أولا. والله أعلم. قال عبد الباقي: وظاهر ما ذكره الشارح وال تتائي فيما إذا نكل المقر حيث عين الأدنى وأن المقر له يأخذ الأعلى بعد حلفه يشمل ما إذا كانت الدعوى دعوى تحقيق أو اتهام، وقصره بعض أشياخي على الأول، قال: وأما في دعوى الاتهام فيأخذه بلا يمين وفيه نظر، فإن في هذا الباب ما هو مبني على أن يمين التهمة ترد كما يأتي في قوله: "وإن قال لا أدري" لخ. قاله الأجهوري. قوله: فإنه في هذا الباب مبني لخ، قال شيخنا الجنوي: لم يأت له بشيء في المحل المذكور. اهـ. قال الرهوني: الزرقاني: ذكر ذلك عن علي الأجهوري، وقد ذكر الأجهوري ذلك هناك وإن لم يذكره الزرقاني هناك. اهـ. وقد علمت أن الذي له التعيين أولا هو المقر بالكسر فإن عين فهو ما عرفت. وإلا يعين المقر، بل قال لا أدري ولا يمين عليه أنه لا يدري.
стр. 6631
فإن عين المقر له أجودهما حلف على ما عين وأخذه، فإن نكل لم يأخذه، ومفهومه أنه إن عين أدناهما أخذه بلا يمين لعدم التهمة، وإن قال المقر له لا أدري أيهما لي كما قال المقر ذلك حلفا المقر ثم المقر له على نفي العلم واشتركا في الثوبين بالنصف؛ لأن المتبادر من الاشتراك التساوي، وجعلنا معنى قوله: "وإلا" قال المقر: لا أدري ولم نجعله شاملا لامتناعه كما هو ظاهر المص، وبه اعترض عليه لأنه إذا امتنع من التعيين مع المعرفة حبس حتى يعين كما في ابن وهبان؛ أي أو يموت كما في مسألة التفسير إذا امتنع منه وليس كمسألة حبس المدين لثبوت عسره؛ إذ لا كلفة تلحقه هنا بالتعيين، وقد يجاب عن الاعتراض عليه هنا بأن قوله: "حلفا على نفي العلم" يفيد أن معنى قوله: "وإلا" بأن قال لا أدري، وقوله: "حلفا" واشتركا مثله إذا حلف أحدهما فقط على مقتضى ابن عرفة والشارح أنه الراجح. قاله عبد الباقي. وقال الرهوني: سكت يعني عبد الباقي عما إذا نكلا معا ولكن يؤخذ الاشتراك بالأحرى من نكول أحدهما وحلف الآخر، ونص ابن عرفة عن سماع عيسى ابن القاسم: إن حلفا أو نكلا أو حلف أحدهما كانا شريكين. ابن رشد: هذا على لحوق يمين التهمة ورجوعها، ثم قال: وعلى عدم لحوق يمين التهمة يكونان شريكين دون أيمان، وعلى لحوقها وعدم رجوعها إن نكل المقر وحلف المقر له كان له أجودهما وفي العكس أدناهما، وفي السماع لعيسى عن أشهب: إن نكلا كان للمقر له أدناهما، وكذا حكاه المازري عنه. اهـ منه بلفظه فيؤخذ من كالأمه هذا أن ما قاله في سماع عيسى ضعيف لأنه خلاف المشهور في يمين التهمة. انتهى.
تنبيه: قال ابن عاشر ما نصه: قوله وإن قال لا أدري حلفا لخ تأمل ما فائدة هذه اليمين؟ مع أن المرتب على وجودها منهما أو من أحدهما هو المرتب على فقدها. انتهى منه بلفظه. ونقله أيضا جسوس وهو بحث ظاهر. اهـ. والله تعالى أعلم.
والاستثناء هنا كغيره يعني أن الاستثناء هنا أي في باب الإقرار كالاستثناء في غيره أي في غير الإقرار كاليمين بالله أو بكعتق أو طلاق أو نذر ونحو ذلك في أنه يصح بإلا وإحدى أخواتها، وبغير ذلك مما يدل عليه إن اتصل ونطق به وقصده، وفي أنه يجوز أن يستثنى الأكثر ويبقى الأقل كقوله
стр. 6632
له على عشرة إلا تسعة خلافا لعبد الملك، وفي أنه لا يصح استثناء المساوي للمستثنى منه ولا أكثر منه.
واعلم أنه إذا تعدد الاستثناء فكل واحد مما يليه ففي له على عشرة إلا تسعة، وهكذا إلى الواحد يلزمه خمسة ولكن في معرفة ذلك طرق منها أن تطرح مجموع كل استثناء هو وتر من مجموع كل استثناء هو شفع مع المستثنى منه أولا، فما بقي فهو الجواب اهـ قاله الرهوني وغيره.
تبيهان: الأول: اعلم أن صحة استثناء الأكثر هو قول الأكثر، ومقابله لعبد الملك بن الماجشون قال: لا يصح استثناء الأكثر ومثله في ابن الحاجب ولم يذكر خلافا في جواز استثناء المساوي أي النصف، وكذلك في التوضيح لم يذكر خلافا إلا في الأكثر وذلك يوهم أن استثناء النصف لا خلاف في صحته وهو خلاف ما لابن عرفة، ونصه: وفي جوازه في المساوي قولا الأكثر والأقل مع أحد قولي ابن الطيب، وفي جواز الأكثر قولا الأكثر والأقل مع ابن الماجشون وأحمد. انتهى.
الثاني: قال الرهوني ما نصه: بعد أن ذكر في المفيد عن الزجاج أنه لا يجوز استثناء أكثر الشيء منه، وأطال في توجيه ذلك قال ما نصه: والقليل الذي يستثنى من الشيء الثلث فما دونه هذا مذهب مالك وأصحابه. اهـ منه بلفظه. وفيه نظر، فقد صرح ابن شأس وابن الحاجب وغيرهما أن المشهور صحة استثناء الأكثر فأحرى المساوي، وتقدم كلام ابن عرفة قريبا. والله أعلم. انتهى.
ولما كان ما يؤدي الاستثناء عرفا هنا يعتبر ولو كان بغير لفظه قال: وصح له الدار والبيت لي يعني أنه يصح الاستثناء بغير لفظ الاستثناء، كما لو قال: هذه الدار لفلان والبيت الفلاني منها لي فإن الدار تكون للمقر له إلا ذلك البيت الذي عين فإنه يكون للمقر، فإن تعددت عين وإلا جرى فيه ما إذا لم يعين أحد الثوبين، وكذا يصح له الدار إلا ربعها أو إلا تسعة أعشارها وما أشبه ذلك. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عند قوله: "ولك أحد ثوبين عين" لخ ما نصه: وإذا قال المريض لفلان علي مائة دنانير ودراهم فإن أمكن مسألته سئل والقول قوله، ويجبر حتى يبين فإن مات فورثته بمثابته يقرون بما شاءوا من كل صنف ويحلفون، فإن أنكروا علم ذلك جعل على النصف من كل صنف بعد أيمان الورثة أنهم لا يعلمون له شيئا وبعد يمين المقر له أنه ليس حقه أقل من ذلك. انتهى.
стр. 6633
وصح الاستثناء بغير الجنس أي بغير جنس المستثنى منه، كقوله: له علي ألف من الدراهم أو الدنانير أو الغنم أو الإبل أو غير ذلك.
إلا عبدا وكذا العكس نحو: له علي عبد إلا عشرة، وإذا صح الاستثناء في قوله: علي ألف دينار إلا عبدا سقطت قيمته أي العبد من الألف، كما أن العشرة تسقط من قيمة العبد في الثاني، وكأنه قال في الأول له علي ألف إلا قيمة عبد مثلا وتعتبر القيمة يوم الاستثناء، وبيان ذلك أن يقال اذكر صفة العبد ويقوم على الصفة التي ذكرها، فإن ادعى جهلها فينبغي أن تسقط قيمة عبد من أعلى العبيد؛ لأن المقر إنما يؤخذ بالمحقق وهذا في فرض المص وفي عكسه يعتبر قيمة أدنى عبد قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن الاستثناء من غير الجنس صحيح، فإذا قال له علي ألف درهم إلا عبدا أو إلا ثوبا وما أشبه ذلك فإن ذلك صحيح، وكأن المقر قال له علي ألف درهم إلا قيمة عبد أو إلا قيمة ثوب، وتسقط قيمة ما ذكر من الشيء المقر به بشرط أن لا تستغرقه القيمة، فإن استغرقت القيمة المقر به بطل الاستثناء والإقرار صحيح، وكذلك إذا قال عندي عبد إلا ثوبا فيطرح قيمة الثوب من قيمة العبد، وكذلك إذا قال له عندي ألف درهم إلا عشرة دنانير فيطرح المستثنى من المستثنى منه بصرفها. اهـ.
وقال المواق: ابن شأس: الاستثناء من غير الجنس صحيح كقوله علي ألف درهم إلا عبدا، ويقال له، اذكر قيمة العبد الذي استثنيت تم يكون مقرا بما فضل من الألف عن قدر قيمته، فإن ذكر أن القيمة تستغرق الألف بطل الاستثناء ولزمه الألف. اهـ. ابن عرفة: الاستثناء من غير الجنس، قال المازري: مذهبنا صحته. انتهى.
وإن أبرأ فلانا مماله قِبَله أو من كل حق أو أبرأه برئ مطلقا يعني أن من أبرأ شخصا معينا براءة عامة بأن قال أبرأت ذمة فلان ممالي قبله، أو قال أبرأته من كل حق أو قال أبرأته فقط فإنه يبرأ من كل حق لفلان في الذمة أو تحت اليد من الأمانات معلومة أو مجهولة، ويبرأ أيضا من المطالبة بحد القذف والسرقة أي من المال المسروق ومن حد السرقة، وقوله: "فلانا" أي شخصا معينا كما قررت، فإن كان مجهولا فلا كقوله: أبرأت شخصا أو رجلا ممالي قبله. وأما لو قال أبرأت كل رجل فهو معين لأن الاستغراق معين، وظاهر قوله: "مطلقا" ولو في غير ما يتعلق بالخصومة وقد
стр. 6634
قاله البساطي، وإنما أتى بقوله: ومن القذف لخ لدفع توهم أن البراءة لا تكون إلا في الحقوق المالية فنبه على أنها تكون في الحقوق البدنية، وقولي: من حد السرقة صحيح، قال الشبراخيتي: لا يجوز للإمام العفو عن حد السرقة والزنى والشرب حيث بلغه ولا يجوز لأحد الشفاعة لأنها حقوق الله تعالى ولو تاب الفاعل وحسنت حالته، وأما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة فيما قاله ال تتائي، قوله: وأما قبل بلوغ الإمام لخ ظاهره سواء كان معروفا بالفساد أم لا، ولكنه فصل في المدونة في حد السرقة خاصة بين المعروف بالفساد فلا تجوز الشفاعة فيه وبين غيره فتجوز. اهـ.
وفي الموطإ: وتجوز الشفاعة للسارق ما لم يبلغ الإمام، ففي الموطإ ما نصه: مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا حتى أبلغ به إلى السلطان، فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع. انتهى. وفي الخرشي هنا وعبد الباقي: برئ من المال المسروق وأما حدها فلله. هذا لفظ عبد الباقي. وعبارة الخرشي: وأما حد السرقة فهو حق لله لا يجوز لأحد أن يسقطه مطلقا، ونحوه للشارح ولم يتعقبه البناني ولا الرهوني. والله تعالى أعلم.
فلا تقبل دعواه وإن بصك مفرع على ما قبله أي وإذا برئ من عليه الحق بصيغة من الصيغ المتقدمة، ثم قام صاحب الحق وادعى على من أبرأه بحق فإنه لا تقبل دعواه عليه بنسيان أو جهل أو أنه أراد بعض متعلقات الإبراء، ولو أتى بصك أي كاغد مكتوب فيه الحق الذي ادعاه. وقوله: "فلا تقبل دعواه" لخ أي قبولا يلزم المبرأ بالفتح الحق بمجردها، وأما اليمين لرد هذه الدعوى فقال عبد الباقي: وإذا أبرأه بصيغة من الثلاث فلا يقبل دعواه بنسيان أو جهل، أو أن الإبراء إنما كان مما فيه الخصومة فقط وإن بصك علم تقدمه على البراءة أو جهل ولم يحقق الطالب شيئا أو حقق أنه بعدها حيث لا خلطة بينهما بعدها، ولا يمين عليه في هذه الثالثة لعدم توجهها في دعوى التحقيق حيث لا خلطة على المذهب، ويحلف في الثانية لأن توجهها في دعوى الاتهام قوي فلا يراعى فيه خلطة على المعتمد، ولا يمين في الأولى اتفاقا كما يفيده ابن رشد، فإن حقق في الثالثة أنه بعدها وبينهما خلطة توجهت الدعوى وقبلت لتوجه اليمين على المطلوب حينئذ على ما تجب به الفتوى.
стр. 6635
إلا ببينة أنه بعده يعني أنه إذا ادعى عليه بحق مكتوب في صك أنه صدر التعامل بما ترتب فيه بعد الإبراء لا يقبل منه ذلك حيث لم يأت ببينة كما عرفت، وأما إن أتى ببينة تشهد له على أن الصك صدر التعامل بما فيه بعده أي الإبراء، فإنه تسمع دعواه حينئذ وتقبل، بمعنى أنه يلزم المبرأ بالفتح قضاء ذلك الحق الذي في الصك.
وإن أبرأه مما معه برئ من الأمانة لا الدين يعني أنه إذا قال أبرأت زيدا مثلا مما معه فإنه يبرأ من الأمانات فقط كالودائع والقراض والبضائع، ولا يبرأ من الدين، قال عبد الباقي: وإن أبرأه مما عليه برئ من الدين لا الأمانة إلا أن تكون عنده فقط فيبرأ منها، وإن أبرأه مما عنده برئ من الأمانة والدين عند المازري، ومن الأول فقط عند ابن رشد. اهـ. قوله: وإن أبرأه مما عليه برئ من الدين لا الأمانة، قال الرهوني: هذا على ما لابن سحنون لا على ما لأبيه. انظر الحطاب. اهـ. وقال عبد الباقي عند قوله: "وإن أبرأه مما معه برئ من الأمانة لا الدين". ما نصه: فلا يبرأ منه لأنه عليه لا معه، قال الشارح: ولعل هذا إذا كان العرف كذلك أي عدم تناول مع لما في الذمة دون عندي وعليَّ، وأما إن كان العرف مساواة الدين لغيره فلا، والجاري عندنا الآن أن ليس معي شيء يتناول الدين وغيره. اهـ. ثم قال الشارح: أما إذا لم يكن عنده وديعة ولا غيرها من الأمانات وله عنده دين وقال أبرأت ذمته ممالي معه فلا ينبغي أن يمترى في إسقاط الدين. اهـ قاله ال تتائي.
تنبيهات: الأول: قول المص: وإن أبرأ فلانا مماله قبله أو من كل حق أو أبرأه برئ لخ، قال عبد الباقي: ظاهر قوله: "برئ" ولو أقر المبرأ بالفتح بعد الإبراء الواقع بعد إنكاره وهو ظاهر ما للحطاب وهو خلاف ظاهر قوله في الصلح: "فلو أقر بعده" إلى قوله: "فله نقضه" فإن ظاهره يشمل ما لو حصل إبراء بعد الإنكار وقبل الإقرار به وبه أفتى البرهان وتلميذه الشمس اللقانيان، فيعمل بالإقرار الطارئ على الإبراء بعد الإنكار لأنه بمنزلة إقراره بأنه كان ظالما بإنكاره أو بمنزلة إقرار جديد، فيقيد ما هنا بما لم يقر المبرأ بعد الإبراء، فيوافق ما في الصلح وفتوى اللقانيين وظاهر المص براءته في الآخرة أيضا وهو كذلك على أحد قولين حكاهما القرطبي على مسلم، والآخر لا يسقط عنه مطالبة الله. اهـ.
стр. 6636
وقال الخرشي: وجد عندي ما نصه: ولا يدخل في الإطلاق الآخرة فلا يبرأ فيها مما أبرأه من مال أو قذف إلا أن يعينه ويبرئه، لقوله ﵊: لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس. اهـ. وذكر ابن عمر في شرح الرسالة أنه يبرأ في الدنيا والآخرة ولم يعزه، ومثل هذا إذا انفرد به ابن عمر يتوقف فيه. قاله الخرشي.
الثاني: قال عبد الباقي: وظاهر المص شموله البراءة من المعينات كدار وهو كذلك بمعنى سقوط طلبه بقيمتها أو برفع يده عنها، وظاهر قوله وإن أبرأ أن له البراءة وعدمها على حد سوًى، ولابن رشد: اختلف في التحليل من التبعات والظلامات على أقوال، أحدها تركه أولى، الثاني أن التحليل أفضل وهو الأظهر، وفي زروق أنه رجح وعليه العمل لحديث أبي ضمضم: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان يتصدق بعرضه على المسلمين كل يوم أو كل صباح (١)). انظر لفظه في التنوير. والثالث الفرق بين التبعات من سلف ونحوه التحليل منها أفضل وبين الظلامات مثل الغصب ونحوه فعدمه أفضل لما فيه من الزجر عن أن يعود له، وقال زروق، ينبغي التعريض بالبقاء على الحق إن رجا الزجر والتصريح بالعفو إن علم النفع به. اهـ. كذا في الأجهوري. اهـ. وقوله: لما فيه من الزجر الظاهر أنه تعليل لما قبله. والله تعالى أعلم. وقوله: فيعمل بالإقرار الطارئ بعد الإبراء لخ؛ أي سواء أبرأه من الجميع أو صالحه بالبعض وأبرأه من الباقي وهو خلاف ما مشى عليه في باب الصلح فراجعه. والله تعالى أعلم. قاله البناني.
الثالث: قال البناني عند قوله: وإن أبرأ فلانا مماله قبله أو من كل حق أوأبرأه برئ مطلقا ما نصه: مثله عنده وأما عليه فكذلك عند سحنون، وخصه ابنه بما في الذمة كذا نقل المازري، وخص ابن رشد عند بالأمانات وعلى بالذمة.
الرابع: قد مر قول عبد الباقي، والظاهر أيضا شموله للبراءة من المعينات كدار وهو كذلك لخ، قال الرهوني: مثله في الحطاب وزاد خلافا لما في الذخيرة من قولها لا يصح أبرأتك من داري التي تحت يدك؛ لأن الإبراء الإسقاط والمعين لا يسقط نعم يصح فيه الهبة ونحوها. اهـ. وهو كلام ظاهر في نفسه، إلا أن المراد من قول القائل أبرأتك من داري التي تحت يدك أي أسقطت مطالبتي بها،
стр. 6637
ولا شك أن المطالبة تقبل الإسقاط فالكلام على حذف مضاف. اهـ كلام الحطاب. انظر بقيته إن شئت. اهـ. وإذا وقع الإبراء العام فهل يشمل المعينات مطلقا رباعا وغيرها على ما هو الصواب لا على ما للقرافي؟ ظاهر كلام المص ومن تكلم عليه أنه يشملها مطلقا وهو ظاهر كلام النوادر وغيرها.
وقال ابن ناجي عند قول المدونة في كتاب الوصايا الأول: ومن قال اشهدوا أن فلانا وصيي ولم يزد على هذا فهو وصية في جميع الأشياء لخ ما نصه: وقعت مسألة عندنا بالقيروان - وقاضيها أبو يوسف يعقوب الزغبي - في رجل أبرأ فلانا من جميع الدعاوي كلها، وقصد المبرأ بذلك دخول الربع في البراءة فكتب فيها لتونس، فأفتى بعض شيوخنا على ما بلغني بأن الربع لا يدخل فيما ذكر لأنه لم ينص عليه، ثم وقعت في هذه المدة القريبة فأفتى فيها شيخنا بأن شيوخه اختلفوا فيها بتونس، وأن الشيخ أبا القاسم الغبريني أفتى بمنع دخوله وبه العمل. انتهى منه بلفظه. وعادته إذا قال بعض شيوخنا فمراده: الإمام ابن عرفة، وإذا قال شيخنا وأطلق فمراده: البرزلي، قلت: والقول بدخوله هو الظاهر لشهادة ظواهر نصوص المتقدمين والمتأخرين، ولأن اللفظ صالح لشموله لذلك لغة وعرفا، فإن كان من أفتى بعدم شموله استند إلى عرف عندهم إذ ذاك فما قاله مسلم وإلا فلا وجه له، وهذا نحو ما ذكره ابن ناجي أيضا في الوكيل المفوض إليه لا يبيع الأصول إلا بنص عليها على ما به العمل عندهم، لجري العرف بذلك عندهم في ذلك الوقت وهذا العمل غير جار بفاس وما والاها في الفرعين معا فلا يغتر بقول ابن قاسم في عملياته:
والربع من ذاك العموم خصا … إلا إذا نص عليه نصا
الخامس: قد مر لفظ التحليل وهو مصدر حلله أي جعله في حل، وأما التحلل فهو مصدر تحلل أي طلب من رب الحق أن يجعله في حل منه، وليس فيه الخلاف المذكور قبل. والله تعالى أعلم.
السادس: قول المص: "وإن أبرأ فلانا" قال الرهوني: شمل قوله: "فلانا" القريب والبعيد لكن في توجيه اليمين على القريب تفصيل، فذكر عن القصد المحمود ما حاصله أنه إن كان الإبراء في حال الصحة، وقد نص على إسقاط اليمين عن هذا المبرإ الذي هو ابنه بعد موته وذهب الورثة إلى تحليفه، فليس لهم ذلك إلا إن نصوا على شيء استفادة الأب بعد الإبراء وقطعوا به، فيكون لهم
стр. 6638
اليمين عليه وله ردها عليهم. انتهى. وفي نوازل الإقرار من المعيار ما نصه: وسئل ابن الحاج عما يعقده الناس أنه لم يخلف عند فلان قريبه أو عند بعض ورثته مالا عرضا ولا ناضا، هل تلزمه اليمين أم لا؟ فأجاب: اختلف الشيوخ في سقوط اليمين عن المبرإ فكان بعضهم يرى سقوطها وبعضهم كان يرى أن اليمين لا تسقط، قلت: والقول بأنها لا تسقط قول ابن زرب. انتهى.
السابع: قال الحطاب: قال في النوادر في كتاب الإقرار في ترجمة الإقرار بالمجهول: ومن كتاب ابن سحنون: ومن أقر أنه لاحق له قبل فلان فهو جائز عليه وفلان برئ في إجماعنا من كل قليل أو كثير دينا أو وديعة أو عارية أو كفالة أو غصبا أو قرضا أو إجارة أو غير ذلك، ثم قال: وإن أقر أنه لا حق له قبل فلان ثم ادعى قبله قذفا أو سرقة فيها قطع وأقام بينة، فلا يقبل ذلك إلا أن تقول البينة أنه فعله بعد البراءة، وإن أقر أنه لا حق له قبله فليس له أن يطلبه بقصاص ولا حد ولا أرش ولا كفالة بنفس ولا دين ولا مال ولا مضاربة ولا شركة ولا ميراث ولا دار ولا أرض ولا رقيق ولا شيء من الأشياء من عروض أو غيرها إلا ما يستأنف بعد البراءة في إجماعنا. انتهى.
الثامن: قال الحطاب: إذا عمم البراءة بعد عقد الخلع فأفتى ابن رشد أنه راجع لجميع الدعاوي كلها مما تعلق بالخلع أو بغيره، وأفتى غيره بأنه يرجع إلى أحكام الخلع خاصة. انتهى. ولا يجوز للوصي أن يبرئ عن المحجور البراءة العامة، وإنما يبرئ عنه في المعينات وكذلك المحجور بقرب رشده لا يبرئه إلا من المعينات ولا تنفعه البراءة العامة حتى يطول رشده كستة أشهر فأكثر، ومن هذا لا يبرئ القاضي ناظر الأحباس البراءة العامة وإنما يبرئه من المعينات، وإبراؤه عموما جهل من القضاة. انتهى. قاله الخرشي وغيره.
ولما أنهى الكلام على الإقرار بالأموال أتبعه بالكلام على الإقرار بالنسب، فقال:
стр. 6639
باب في الاستلحاق ولم يعرفه المؤلف وعرفه ابن عرفة بقوله: وهو ادعاء مدع أنه أب لغيره فيخرج قوله: هذا أبي وهذا أبو فلان، فقوله: وهو ادعاء مدع جنس يشمل ادعاء الأجنبي والجد والأم، وقوله: أنه أب أخرج به من ذكر لأن ذلك خاص بالأب، وقوله: فيخرج لخ لأنه ليس بادعاء لأن الادعاء إنما يكون فيما جهلت الدعوى فيه، قاله الخرشي. وقال البناني: ولا يقال في حد ابن عرفة الاستلحاق طلب لحوق الشيء والادعاء إخبار بقول يحتاج لدليل، فكيف يصح تفسيره بما ذكر لأنه يقال ذلك أصله في اللغة، وما ذكره ابن عرفة هو الذي غلب في عرف الفقهاء. قاله الرصاع.
إنما يستلحق الأب يعني أن الذي له الاستلحاق إنما هو الأب لا الأم اتفاقا ولا الجد على المشهور ولا غيرهما من الأقارب، ولولا أن الشرع خصه بالأب لكانت الأم أولى لاشتراكهما في الماء واختصاصها بالحمل والرضاع. وقوله: مجهوك النسب منصوب بفعل مقدر أي ويستلحق مجهول النسب؛ يعني أن الذي يستلحقه الأب إنما هو مجهول النسب ولو كذبته أمه لا معلومه فيحد حد القذف ولا مقطوعه كولد الزنى الثابت أنه ولد زنى؛ لأن الشرع قطع نسبه عن الزاني، ويستثنى من قوله: "مجهول النسب" اللقيط فإنه لا يصح استلحاقه إلا ببينة أو وجه كما يأتي في باب اللقطة.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: واعترض على المص بأنه إنما حصر الاستلحاق في مجهول الأب ولم يحصر كون المستلحق هو الأب؛ إذ المحصور بإنما كإلا هو المؤخر وأجيب بجعل المؤخر معمولا لمقدر معطوف على "يستلحق" فيتعلق به الحصر أيضا كما قدرنا، أو أن القاعدة أغلبية، وإنما صح استلحاق الأب مجهول النسب لتشوف الشارع للحوق النسب. انتهى. قوله: فيتعلق به الحصر أيضا فيه نظر؛ إذ الحصر خاص بجملة وجدت فيها أداته، والمقدر ليس فيه أداة حصر فلا حصر فيه، وقوله إن القاعدة أغلبية غير صواب؛ لأنهم إنما قالوا في قاعدة تأخير المحصور فيه إنها أغلبية مع ما وإلا لا مع إنما، بل القاعدة مع إنما مطردة كما هو معلوم عند قول ابن مالك: وقد يسبق إن قصد ظهر. قاله البناني. قول البناني: فيه نظر إذ الحصر خاص بجملة وجدت فيها أداته لخ، قال الرهوني: ما قاله كله ظاهر، لكن الجواب الحسن عن المص أن الحصر في كلامه
стр. 6640
منصب على الأب كما أفاده كلام الحطاب، وقوله: "مجهول" معمول لمقدر كما قرره الزرقاني، ويؤخذ منه أن غير مجهوله لا يصح استلحاقه بمفهوم الصفة؛ لأنه صفة لمحذوف أي شخصا مجهول النسب، فاستفيد من كلام المص بالحصر والصفة أن الاستلحاق خاص بالأب فيمن جهل نسبه، واعتبار المص مفهوم الصفة أمر مسلم كما قرره في أول الكتاب. فتأمله فإنه حسن بسن. والله أعلم. انتهى.
الثاني: قال البناني في المواق: روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان تسعة أعشار العلم، وهذا الباب أكثره محمول على ذلك. انتهى.
قلت: قال ابن رشد في سماع أصبغ من كتاب الاستبراء: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أغلب من القياس هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم فيختص به ذلك الموضع والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام، ومن الاستحسان مراعاة الخلاف وهو أصل في المذهب، من ذلك قولهم في النكاح المختلف في فساده: إنه يفسخ بطلاق وفيه الميراث، وهذا المعنى أكثر من أن يحصى، وأما العدول عن مقتضى القياس في موضع من المواضع استحسانا لمعنى لا تأثير له في الحكم فهو مما لا يجوز بالإجماع؛ لأنه من الحكم بالهوى المحرم بنص التنزيل، قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. الآية. انتهى باختصار. انتهى كلام البناني.
الثالث: قال البناني عند قوله "إنما يستلحق الأب" ما نصه: أي لا الأم اتفاقا ولا الجد على المشهور، وقال أشهب: يستلحق الجد وتأوله بما إذا قال أبو هذا ابني، فإن قال ابن ولدي لم يصدق، قال: والأصل في هذه أن الرجل إنما يصدق في إلحاق ولد بفراشه لا في إلحاقه بفراش غيره، وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه. انتهى. واعلم أنه لا يشترط في الاستلحاق أن يعلم تقدم ملك أمَّ هذا الولد أو نكاحها لهذا المستلحق على المشهور، وظاهر المدونة: وقال سحنون: يشترط ذلك. ابن عبد السلام: وهو قول لابن القاسم والأظهر الأول لأنهم اعتبروا في هذا الباب الإمكان وحده ما لم يقم دليل على كذب المقر. انظر الحطاب. انتهى كلام البناني.
стр. 6641
الرابع: في نوازل سحنون من كتاب الاستلحاق في رجل له امرأة وهناك ولد فتزعم المرأة أن الغلام ولدها من زوج غيره ويزعم الرجل أن الغلام ولده من امرأة غيرها أنه يلحق بالزوج ولا يقبل قول المرأة. قاله الحطاب. وقال المواق: ومن الاستغناء قال ابن القاسم وغيره: إذا أقر الرجل بابن جاز إقراره ولحق به صغيرا كان أو كبيرا، أنكره الابن أو أقر، قال في المدونة: ومن ولد عنده صبي فأعتقه ثم استلحقه بعد طول الزمان لحق به وإن أكذبه الولد. انتهى.
الخامس: قال عبد الباقي ما نصه: والناس مصدقون في أنسابهم كما للمص والشارح؛ أي حيث عرفوا بالنسب وحازوه كحيازة الأملاك كما في كلام جمع عن الإمام مالك، ويشمل ذلك دعوى الشرف وقول ال تتائي: ينبغي تقييده بغير دعوى الشرف يحمل على ما إذا لم يعرف هو ولا آباؤه به، والشرف من جهة الأب، وأما ابن الشريفة فذهب ابن عرفة ومن وافقه إلى أن له شرفا دون من أبوه شريف، وخالفه جمع من محققي المشايخ التلمسانيين، وذهبوا إلى أنه شريف مثله، وخبر: (قدموا قريشا ولا تقدموها (١)) أي لا تتقدموا عليها في أمر شرع فيه تقديمها كالإمامة، ولم أر من قيده بذرية الحسن والحسين فهو يشمل كل قرشي. قاله الأجهوري. انتهى.
إن لم يكذبه العقل لصغره يعني أن استلحاق مجهول النسب إنما يصح حيث لم يكذب المستلحق بالكسر في استلحاقه العقل لأجل صغره؛ كأن يستلحق الصغير الكبير كابن عشرين يستلحق ابن ثلاثين مثلا، أو العادة يعني أنه يشترط في صحة الاستلحاق أيضا أن لا يكذب المستلحق العادة، وأما إن كذبته العادة فإنه لا يصح استلحاقه، كمن علم أنه لم يتقدم منه نكاح ولا تسر حيث فرض العلم بذلك، وكمن استلحق من ولد ببلد بعيد يعلم أنه لم يدخله، وأما إن شك هل دخله أم لا؟ فمقتضى اختصار البرادعي أنه يصعح استلحاقه، ومقتضى كلام ابن يونس أنه لا يصح استلحاقه، ودخول المرأة بلد الزوج والشك في دخولها يجري فيه ما جرى في الزوج كذا ينبغي. قاله الخرشي وغيره.
стр. 6642
وعلم مما تقدم أن الاستلحاق إنما يصح إن لم يكذب المستلحق العقل أو العادة أو الشرع؛ إذ عدم تكذيب الشرع هو موضوع المصنف لقوله: "مجهول النسب" لأن معلومه لا يصح استلحاقه شرعا ومقطوعه كذلك كما مر التنصيص عليه. والله تعالى أعلم.
ولم يكن رقا لمكذبه ذكر المص في استلحاق مجهول النسب شرطين، أحدهما قوله: "إن لم يكذبه"، وثانيهما قوله: "ولم يكن رقا لمكذبه" أو مولى يعني أنه يشترط في صحة الاستلحاق أن لا يكون المستلحق بالفتح رقا لمكذب المستلحق ولا مولى له، بأن لم يكن رقا أو مولى أصلا أو كان رقا أو مولى لمصدق المستلحق في أن المستلحق ولده، وأما إن كان رقا لمكذبه أومولى لمكذبه فإنه لا يصح استلحاقه له، وهذا قول سحنون وقول لابن القاسم، وقال أشهب: يصح الاستلحاق فيكون ابنا له رقيقا أو مولى للمكذب وهو الظاهر من جهة النظر.
لكنه يلحق به قال مقيده عفا الله تعالى عنه: هذا راجع للمفهوم يعني أنه إذا كان رقا لمكذبه فإنه لا يصح استلحاقه كما عرفت، وهذا لابن القاسم في المدونة لكنه يلحق به على قول أشهب، وفسره الطخيخي بأنه راجع له أيضا أي إذا كان رقا لمكذبه أو مولى لا يلحق به لكنه يلحق به إذا تجدد له ملكه بعد ذلك فيعتق عليه كما يأتي للمص في قوله: "وإن اشترى مستلحقه" لخ، وقال الحطاب: في كلامه تدافع، فالصواب حذف قوله: "لكنه يلحق به" ليكون جاريا على قول ابن القاسم في المدونة؛ يعني قوله فيها: من استلحق صبيا في ملك غيره أنه لا يلحق به إذا كذبه الحائز له أو عدم اشتراط ما ذكر، وأن يلحق بمن استلحقه مع بقاء رقه وولائه لحائزهما ليكون جاريا على قول أشهب كما نقله ابن يونس عنه، بل وقع لابن القاسم أيضا في أول سماع عيسى من كتاب الاستلحاق نحوه. وقال ابن رشد: هو الصحيح إذ لا يمتنع أن يكون ولدا للمقر به المستلحق له، وعبدا للذي هو في يده. انتهى المراد منه.
وقال عبد الباقي: والشرط الثاني لوقوع الاستلحاق على الوجه التام، قوله: ولم يكن المستلحق بالفتح رقا لمكذبه أي شخص يكذب المستلحق بالكسر أو مولى أي معتقا بالفتح لمكذبه، فإن كان رقا لمكذبه أو مولى له لم يحصل الاستلحاق التام، بل إما أن لا يحصل أصلا وذلك إذا لم يتقدم للمستلحق بالكسر عليه ولا على أمه ملك لأنه يتهم على إخراج الرقبة من رق مالكها في الأول وعلى
стр. 6643
إزالة ولائه في الثاني، وإما أن يحصل ناقصا وذلك إذا تقدم له عليه وعلى أمه ملك، وإلى حكم هذا الثاني أشار بقوله، لكنه يلحق به نسبه ويستمر رقا أو مولى للمكذب فهو راجع لبعض مفهوم ولم يكن لخ، وهو القسم الثاني منه ويحتمل وإن بعده. المواق: رجوع الاستدراك لمنطوقه أي إذا لم يكن المستلحق بالفتح رقا أو مولى لمكذب المستلحق بالكسر بل لمصدقه فإنه يلحق نسبه فقط إن لم يتقدم له عليه ولا على أمه ملك بأن تزوج الحر المستلحق أمة، ولا منافاة بين ثبوته وبقائه رقا لآخرة فإن تقدم له عليه ملك لحق نسبه به أيضا ونقض ما وقع فيه من بيع أو عتق كما سيفيده المص، فالصور أربع: يلحق به نسبه ويستمر رقا أو مولى للمالك، والمعتق في صورتين وهما إذا صدق مالكه أو معتقه المستلحق أو سكت ولم يتقدم للمستلحق عليه وعلى أمه رق، ثانيهما إذا أكذبه وتقدم له ملك الصورة الثالثة يلحق نسبه ويبطل ما للسيد من ملك أو ولاء إذا صدق المستلحق وتقدم له عليه أو على أمه ملك، الصورة الرابعة لا يلحق نسبه ولا يبطل حق السيد أو المعتق فيما إذا كذب المستلحق بالكسر ولم يتقدم له عليه ولا على أمه ملك. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: لأنه يتهم على إخراج الرقبة من رق مالكها لخ، قال الشيخ المسناوي: تأمل هذا الذي ذكروه فإنه لا يلزم من لحوق النسب كون الولد حرا، وهذا وجه قول أشهب: إن تكذيب السيد لغو، ولذلك قال ابن رشد: الظاهر من جهة النظر قول أشهب لا قول ابن القاسم. انظر الحطاب لكن لعل ابن القاسم راعى أن السيد تلحقه مضرة بهذا الاستلحاق نظرا إلى الطواري؛ لأن هذا العبد قد يعتق ويموت عن ماله فيرثه عصبة نسبه ويقدمون على مواليه في الميراث فيريد سيده عدم ثبوت نسبه خشية حرمانه من ميراثه. انتهى. وقول الزرقاني: وإلى حكم هذا الثاني أشار بقوله: "لكنه يلحق به" لخ ما ذكره هنا قريب مما لل تتائي، وذلك أن ال تتائي لم يجعل قوله "ولم يكن رقا لمكذبه" شرطا في الاستلحاق بل شرطا في تصديقه أي فإن كان كذلك فلا يصدق حتى ينقض البيع والعتق، ولكنه يلحق به مع عدم نقض البيع والعتق، قال: هذا هو الذي ظهر لي في تقرير هذا المحل. انتهى.
وقصر كلام المص على استلحاقه من باعه، قال مصطفى: وجعله شرطا في التصديق فقط وان كان جاريا على قول أشهب ينبو عنه المقام. انتهى. وهو ظاهر لأن صريح كلام المص أنه شرط في الاستلحاق: ولما استشعر الزرقاني ذلك عدل عما قاله وجعله شرطا في الاستلحاق التام، فقسم
стр. 6644
الاستلحاق إلى تام وغير تام وهو أبعد مما لل تتائي؛ إذ الاستلحاق لا يتفاوت ونقض البيع أمر زائد عليه على أن ما ذكره من التفصيل بين الصورتين غير صحيح؛ إذ لا يجري على قول ابن القاسم ولا على قول أشهب، أما أشهب فلأنه يقول بلحوق نسبه مع بقائه رقا لمالكه أو مولى لمعتقه، ولم يفصل بين من تقدم له عليه أو على أمه ملك، وبين من لم يتقدم له ذلك وأيضا قول أشهب ليس في المدونة والمص عزا ما هنا لها بدليل قوله: "وفيها أيضا" لخ، وأما ابن القاسم فله في المدونة مواضع ثلاثة ليس هذا التفصيل واحدا منها، قال في الموضع الأول فيمن استلحق صبيا في ملك غيره إنه لا يلحق به إذا كذبه الحائز له ولم يفصل، وقال في الموضع الثاني: من باع صبيا ثم استلحقه إنه يلحق به وينقض البيع والعتق، وقال في الموضع الثالث فيمن ابتاع أمة فولدت عنده فاستلحقه البائع: إنه يلحق به وينقض البيع إن لم يقع عتق وإلا مضى العتق والولاء للمبتاع. والمواضع الثلاثة في المص ونقل بعضها المواق والحطاب، والتفصيل المذكور لا يجري على واحد منها.
فإن قيل: هل يصح بناء على ما للعوفي وأبي الحسن من الجمع بين الموضعين الأولين؟ قلنا: لا يصح لأن الموضع الثاني فيه نقض البيع والعتق لا اللحوق فقط، والموضع الثالث فيه التفصيل بين وقوع البيع دون عتق فينقض ومع العتق لا ينقض، ولذا قال الحطاب: الصواب حذف قوله "لكنه يلحق به" ليكون جاريا إلى آخره. انتهى كلام البناني.
وفيها أيضا يصدق وإن أعتقه مشتريه قد تقدم أنه قال: "ولم يكن رقا لمكذبه أو مولى"فمفهومه أنه إذا كان رقا لمكذبه أو مولى له لا يصح استلحاقه فلم يصدق المستلحق في دعواه، وذكر هنا ما يخالف ذلك بحسب ظاهره وهو أن المستلحق يصدق في الذي استلحقه وقد كذبه مشتريه وأعتقه، قال الحطاب: قال في المدونة بعد نصها المتقدم في المسألة الأولى: قيل لابن القاسم في باب آخر: أرأيت من باع صبيا ولد عنده فأعتقه المبتاع ثم استلحقه البائع أيقبل دعواه وينقض البيع فيه والعتق؟ قال: إن لم يتبين كذب البائع فالقول قوله، قال ابن يونس: قال سحنون: هذه المسألة أعدل قوله في هذا الأصل. انتهى. فظاهر هذا أنه مخالف لنصها المتقدم، وكلام المص يقتضي أنه حمله على الخلاف وهو المفهوم من كلام ابن عرفة، وفرق أبو الحسن بينهما بأن الأولى لم يدخل العبد في
стр. 6645
ملكه. انتهى. وقال عبد الباقي: وفيها أيضا في موضع آخر يصدق المستلحق بالكسر وإن أعتقه مشتريه.
إن لم يستدل على كذبه بما مر في قوله: "إن لم يكذبه العقل" وأعاد قوله: "إن لم يستدل على كذبه" لخ مع علمه مما مر لأنه عزا للمدونة وفيها القيد المذكور، قاله أحمد. ووفق أبو الحسن والعوفي بين الموضعين، فحمل الأول الشار له بقوله: "ولم يكن رقا لمكذبه" لخ على من لم يتقدم للمستلحق عليه ولا على أمه ملك، والثاني المشار له هنا بقوله: "وفيها أيضا" على من تقدم له عليه أو على أمه ملك فينتقض البيع والعتق ويرد الثمن للمشتري. انتهى. وقال البناني: وقد حصل الحطاب هنا مذهب ابن القاسم ونصه: فتحصل أنه إذا استلحق من هو في ملك غيره أو ولائه هل يصدق ويلحق به أو لا؟ قولان: وعلى تصديقه وهو الظاهر فإن كان المستلحق لم يدخل في ملكه فإنه يبقى في ملك مالكه، وإن كان هو البائع له فإنه يلحق به وينقض البيع إن كان المشتري لم يعتقه، وإن أعتقه المشتري فهل ينقض البيع والعتق أو لا؟ قولان، ويظهر من كلام ابن رشد ترجيح القول بنقض البيع والعتق. انتهى باختصار. وظاهر سياقه كما قاله بعضهم أن مورد هذا التقسيم هو صورة التكذيب. والله أعلم. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: هنا ثلاث مسائل: الأولى مفهوم قوله: "ولم يكن رقا لمكذبه أو مولى" وهو أنه إذا كان رقا لمكذبه أو مولى له لا يلحق به الثالث قوله: "لكنه يلحق به"، قال الحطاب: وهو متدافع مع ما قبله فالصواب إسقاطه ليكون ماشيا على قول ابن القاسم، أو إسقاط ما قبله أعني قوله: "ولم يكن رقا لمكذبه أو مولى" ليكون ماشيا على قول أشهب وقد مر تقرير قوله: "لكنه يلحق" بما يكون "به" ماشيا على الصواب وهو تقريران: أحدهما لي، والآخر للطخيخي إلا أنه خلاف ظاهر المص. المسألة الثالثة قوله: "وفيها أيضا يصدق وإن أعتقه مشتريه" لخ، والظاهر عندهم أنها مخالفة للأولى، ووفق أبو الحسن والعوفي بينهما بما مر، وقد علمت أن الظاهر الراجح أنه يصح الاستلحاق وإن لم يصدقه من هو في ملكه أو ولائه.
وإن كبر مبالغة في قوله: "إنما يستلحق الأب مجهول النسب" وهو بكسر الباء يعني أنه يصح استلحاق مجهول النسب، وإن كان المستلحق كبيرا صدق المستلحق بالكسر أم لا، وهذه طريقة ابن
стр. 6646
رشد وابن شأس وهي إحدى طرق ثلاثة، الثانية لابن خروف والحوفي اشتراط تصديقه، الثالثة لابن يونس يشترط فيمن جهل حوز مستلحقه أمه لا في غيره. انظر ابن غازي. قاله البناني.
أو مات يعني أنه يصح الاستلحاق وإن كان المستلحق قد مات بأن استلحقه بعد الموت، ورد المص بالمبالغة قول الكافي: يشترط تصديق الولد الكبير، قال: فلو استلحق ولدا كبيرا بعد موته لم يلحق به إلا ببينة؛ لأن استلحاقه يفتقر إلى تصديقه والتصديق قد عدم بموته بخلاف الصغير، فإنه إذا استلحقه بعد موته يلحق به ويرثه.
ورثه إن ورثه ابن يعني أن المستلحق بعد الموت بالكسر يرث المستلحق بالفتح بشرط أن يكون المستلحق بالفتح قد ورثه ابن، صوابه إن كان له أي للمستلحق بالفتح ولدٌ كان وارثا أم لا، كمن قام به مانع من رق أو كفر، ومثل ما إذا كان للمستلحق بالفتح ولد ما إذا قل المال، ومفهوم قوله: إن ورثه ابن" بأن كان له ولد أنه إن لم يكن له ولد ولم يقل المال فإنه لا يرثه وأما النسب فلاحِقٌ، قال عبد الباقي: وهذا تكرار مع قوله في اللعان: "وورث المستلحق الميت إن كان له ولد حر مسلم أو لم يكن وقل المال" لكن تقييده في اللعان بحر مسلم ضعيف كما في ابن غازي هناك والحطاب هنا، ولا يفرق بأن ما هنا استلحاق لمن لم يلاعن فيه وما تقدم استلحاق لمن لُوعِن فيه لأنه لا فرق بينهما من حيث الحكم المذكور على المعتمد، وبهذا يعلم أن قول أحمد: لما عبر المص هنا بالإرث استغنى عن ذكر الحرية والإسلام، ولما عبر في اللعان بقوله: "إن كان له ولد" احتاج إلى ذكر الحرية والإسلام مشي على ظاهره، وقد علمت أن المذهب خلافه ثم الشرط في كلامه هنا إنما هو إذا استلحق ميتا كما قررنا، فإن استلحق حيا ورثه وإن لم يكن للمستلحق بالفتح ولد، واستظهر ابن عبد السلام أن الاستلحاق في المرض كما بعد الموت، وظاهر كلام المص أن هذا الشرط إنما هو في إرثه منه، وأما النسب فلاحق وهو كذلك. انتهى كلام عبد الباقي.
ونحوه للخرشي وغيره. وعلم مما قررت أنه لا فرق في الولد بين كونه ذكرا وكونه أنثى وكونه وارثا وغير وارث. والله تعالى أعلم. ونص المدونة: ومن نفى ولدا بلعان ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال، فإن كان لولده ولد ضرب الحد ولحق به، وإن لم يترك ولدا لم يقبل قوله لأنه يتهم في
стр. 6647
ميراثه ويحد ولا يرثه. انتهى. قال أبو الحسن: قال فضل بن مسلمة: إلا أن يكون المال يسيرا، قال غيره: أو يكون ولده عبدا وهذا إنما هو في الميراث وأما النسب فلاحق. انتهى. قاله الحطاب. أو باعه يعني أنه إذا استلحق شخصا بعد ما باعد فإنه يصح استلحاقه له، ونقض يعني أنه إذا قلنا بتصديق المستلحق حيث باع ولده فإنه ينقض البيع سواء كذبه الحائز لرقه أو صدقه، وقد علمت أن ابن القاسم يوجب مع لحوقه نقض البيع إذا لم يعتقه المبتاع، فإن أعتقه ففي نقض العتق قولان له، فقول المص: ونقض أي سواء صدقه المشتري أو كذبه هو الصواب. قاله البناني. وقوله: "ونقض" أي البيع فيرد الثمن على المشتري.
ورجع بنفقته يعني أنه ينقض البيع ويرد الثمن للمشتري كما عرفت، ويرجع أيضا بما أنفق عليه فيكون للمشتري الثمن والنفقة، وصل رجوع المشتري بالنفقة إن لم تكن توجد له أي لهذا المستلحق بالفتح خدمة، وأما إن كانت له خدمة فإنه لا يرجع بالنفقة، وفي المسألة ثلاثة أقوال: قيل يرجع مطلقا وقيل لا يرجع مطلقا وقيل بالتفصيل الذي مر عليه المصنف، قال ابن يونس: هو أعدل الأقوال لأنه اشتراه للخدمة والنفقة عليه فقد حصل له غرضه فلا تباعة له، وذكر مثل ذلك عن سحنون.
وإلى تصويب ابن يونس أشار المص بقوله على الأرجح، قال الشارح: قال ابن يونس: اختلف فقهاؤنا القرويون هل يرجع المشتري على البائع بنفقة الولد إلى يوم استحقاقه؟ فحكى لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه يرجع عليه بالنفقة وهو كمن تعمد طرح ولده وأنفق عليه رجل فإنه يرجع عليه بالنفقة، فكذلك هذا أو أشد؛ لأن الذي طرح ولده متأول في طرحه لغرض يريده، والمستلحق لا تأول له، وقال غيره: لا يرجع بالنفقة إذ له غلته، وكما لو اشتراه فاستحق بحرية أنه لا يغرم أجر خدمته وتكون خدمته بنفقته، قيل فلو كان صغيرا لا خدمة فيه قال لا نفقة له، وإن كان صغيرا لأنه ممن يكون فيه الخدمة في المستقبل وليس كمن طرح ولده، وقال غيرهما: إن كان فيه خدمة وأقر المبتاع بخدمته أو ثبت أنه خدمه فلا نفقة له والنفقة بالخدمة، وإن كان صغيرا لا خدمة فيه رجع بالنفقة. ابن يونس: وهو أعدل الأقوال إلى آخر ما مر. والله تعالى أعلم.
стр. 6648
وإن ادعى استيلادها بسابق فقولان فيها يعني أن من باع أمة ولا ولد معها ثم بعد أن باعها ادعى أنه استولدها بولد سابق على بيعها، فإنه اختلف في ذلك على قولين في المدونة: أحدهما أنه لا يرد بيعها مطلقا، والآخر يرد إن لم يتهم فيها بمحبة ونحوها مما يأتي، فإن اتهم فيها اتفق القولان على عدم الرد وهذه لا ولد معها كما قررنا، وإلا فهي ما بعدها والقولان جاريان فيما إذا باعها سيدها كما هو المتبادر وكما قررته به، سواء أعتقها المشتري على المعتمد وفيما إذا باعها ملتقطها كما يأتي عند قوله: "ومضى بيعه وإن قال ربه كنت أعتقته"، وسيأتي أن الراجح القول بالرد فكان ينبغي له هنا الاقتصار عليه. قاله عبد الباقي. فقوله: "بسابق" أي بولد سابق، وقوله: "فيها" أي في المدونة.
وإن باعها فولدت فاستلحقه لحق يعني أنه إذا باع أمة حاملا فولدت فاستلحق ذلك الولد بائع الأمة فإنه يلحق به، قال عبد الباقي: وإن باعها وهي حامل فولدت فاستلحقه ولم تكن ظاهرة الحمل يوم البيع ولم يستبرئها ولم يدّع الثاني أنه ولده لحق، وهذه مستفادة من قوله: "وفيها أيضا يصدق" فإن كانت ظاهرة الحمل يوم البيع أو لم يستبرئها البائع وأتت به لدون ستة أشهر لحق به ولو لم يستلحقه، وإن ادعاه المشتري وأتت به لستة أشهر فالقافة، لقوله: "وإن وطئاها بطهر فالقافة". انتهى المراد منه.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي قاله من قوله: "فإن كانت ظاهرة الحمل" لخ إنما يكون حيث ثبت على البائع الإقرار بوطئها قبل البيع، فالصواب إبقاء المص على ظاهره من كونه شاملا لظاهرة الحمل وغيرها. والله تعالى أعلم.
ولم يصدق فيها إن اتهم هذا تخصيص لمحل القولين المتقدمين في المدونة؛ يعني أن محل القولين المتقدمين في قوله: "وإن ادعى استيلادها بولد سابق فقولان فيها" إنما هو حيث لم يتهم بائع الأمة فيها، وأما إن أتهم فيها فإنه يتفق القولان على عدم الرد؛ أي فلا يصدق في أنه استولدها بولد سابق حيث اتهم فيها فلا يرد البيع باتفاق القولين في المدونة، ويرجع قوله: "ولم يصدق فيها إن اتهم أيضا" لقوله: "وإن باعها فولدت فاستلحقه لحق " فهو راجع للمسألتين قبله ت لكن رجوعه للثانية إثما هو بالنسبة لنقض البيع ورد الثمن؛ أي فإذا باعها فولدت فاستلحق ولدها لحق به
стр. 6649
ويتقض البيع ويرد ثمنها للمشتري، وأما بالنسبة للولد فهو لاحق به مطلقا اتهم فيها أم لا كما يقوله المص. قال البناني عند قوله: "ولم يصدق فيها إن اتهم" ما نصه: هذا الكلام راجع للمسألتين قبله. انتهى.
بمحبة أو عدم ثمن أو وجاهة هذا بيان لما تحصل به التهمة؛ يعني أن الوجه الذي تحصل به التهمة هو أن يكون البائع محبا للأمة أو يكون معسرا بالثمن الذي قبضه من المشتري في الأمة، أو تكون الأمة ذات وجاهة أي حسن وجمال. ورد ثمنها يعني أنه إذا نقض بيع الأمة المذكورة، فإن البائع يرد الثمن للمشتري فإن لم ينقض البيع لم يرد الثمن للمشتري هذا هو الذي يفيده النقل، وكما لا يصدق فيها إن اتهم بمحبة أو عدم ثمن أو وجاهة لا يصدق فيها أيضا إن أعتقها المشتري، وإن لم يتهم البائع فيها لأن عتقها قد ثبت فلا ترد إلا ببينة. قال عبد الباقي. عند قوله: "ورد ثمنها" ما نصه: حيث ردت لبائعها لعدم اتهامه أو لم ترد إليه لعتقها أو فوتها لإقراره أنه ثمن أم ولد، وأما إن لم ترد إليه لاتهامه فإنه لا يرد ثمنها. انتهى.
ولحق به الولد مطلقا يعني أن الولد لاحق به مطلقا، اتهم فيها أم لا، أحدث فيه المشتري عتقا أم لا، قال عبد الباقي: وإذا أعتق المشتري الولد فقط فالولاء له ولا يرد مستلحقه بائع الأمة ثمنه إن كان يوم البيع حملا؛ لأنه لم يأخذ له حصة حتى يجب عليه ردها والمشتري أعتقه فلا حجة له، فإن لم يعتقه رد ما يخصه، وكذا إن كان مولودا وبيع معها فيرد حصته من الثمن لأنه ثمن ولده ولو أعتقه المشتري. قاله ابن يونس. انتهى. وقال المواق من المدونة: من ابتاع أمة فولدت عنده لما تلحق فيه الأنساب ولم يدعه فادعاه البائع، فإنه يلحق به ويرد البيع وتعود هي أم ولد إن لم يتهم فيها، قال ابن القاسم: إن اتهم فيها وهو ملي لم يرد إليه إلا الولد بحصته، ولا ترد هي حتى يسلم من خصلتين من العدم والصبابة فيها. قال ابن القاسم: ولو كان المستلحق عديما لحق به واتبع بقيمته، وإن لم يتهم فيها بصبابة ولا بما صلحت في بدنها أو فرهت وهو ملي، فلترد إليه ويرد الثمن ولا قيمة عليه في الولد، وإن كان غير متهم وهو عديم لحق به واتبع بقيمته يوم أقر به يريد على الحصة ولا ترد الأمة. انتهى من ابن يونس.
стр. 6650
وإن اشترى مستلحقه والملك لغيره عتق يعني أنه إذا استلحق عبدا وكذبه الحائز لرقه ثم اشتراه بعد ذلك فإنه يعتق عليه لإقراره بأنه ولده، ولو قال المص: لحق وعتق كما جمع بينهما في المدونة لكان أظهر في إفادة المراد. انظر الحطاب. قاله البناني: وقوله: "وإن اشترى مستلحقه" لخ اعلم أن الصواب حمل المص على ما يعم الناشئ عن نكاح وعن ملك ولا وجه لتخصيصه بأحدهما، ولو عبر المص بلحق كان أولى لأنه يلزم من لحوق نسبه به عتقه عليه إذا ملكه كما هو واضح. قاله البناني. وقال عبد الباقي: فإن اشترى الأم بعد ذلك كانت به أم ولد إن كان عن ملك لا عن نكاح، فإن أعتقهم سيدهم قبل أن يبتاعهم المستلحق لم يثبت توارثهم إلا ببينة. انتهى بحذف.
كشاهد ردت شهادته تشبيه في قوله: "عتق" يعني أنه إذا شهد شاهد بعتق عبد فردت شهادته بعتق ذلك العبد لفسقه أي الشاهد أو انفراده أو نحو ذلك، كسفهه ثم ملكه بعد ذلك بشراء أو غيره، فإنه يعتق عليه لإقراره بحريته وولاؤه للمشهود عليه عند ابن القاسم في المدونة، وللشاهد عند أشهب والمغيرة ثم عتقه عليه بالقضاء. انتهى. فإن ردت شهادته لصباه ثم اشتراه بعد بلوغه فينبغي أن ينظر لحاله وقت الشراء، فإن كان رشيدا واعتقد حريته عتق عليه وإلا فلا.
وإن استلحق غير ولد لم يرثه إن كان وارث يعني أنه إذا استلحق شخص وارثا غير ولد ومعتق وزوجة معها ولد؛ أي أقر بأنه أخوه أو عمة أو ابن عمة مثلا فإن المستلحق بالفتح لا يرث المستلحق بالكسر إن كان للمستلحق بالكسر وارث من الأقارب أو الوالي حائز لجميع المال؛ لأنه يتهم على إخراج الإرث إلى غير من كان يرثه، قال عبد الباقي: وإطلاق الاستلحاق على غير الولد مجاز، وإنما المعنى لا يرث مقر به مقرا إن كان للمقر وارث يأخذ جميع المال، وفي بعض النسخ: إن يكن، قال البناني: هذه النسخة وإن صحت في المعنى إلا أن فيها بحثا من جهة الصناعة، وهو أن جواب الشرط لا يحذف والشرط مضارع كما هنا، بل شرط حذفه كون الشرط ماضيا، فنسخة ابن غازي إن كان وارث أصوب. انتهى.
وإلا أي وإن كان لا وارث له أو له وارث غير حائز لجميع المال، ففي إرث المقر به من المقر جميع المال في الأول والباقي في الثاني وعدم أخذه شيئا خلاف في التشهير القول بأنه يرث. قاله سحنون وأصبغ. وشهره الباجي فإنه قال: الذي عليه مالك وجمهور أصحابنا قبول إقراره ويرثه المقر به ولا
стр. 6651
يثبت نسبه بذلك. وقاله أصبغ وسحنون. والقول بأنه لا يرث قاله سحنون بعد أن قال الأول، وقاله أي القول بأنه لا يرث أشهب أيضا، وشهره ابن يونس فإنه أنكر نسبة الأول للمذهب إلا على قول شاذ لابن القاسم فالثاني عنده هو المذهب. قاله الشارح. وقال البناني عند قوله: "وإلا فخلاف" ما نصه: أي في الإرث وعدمه، وأما النسب فلا يثبت له بلا خلاف. انظر المواق. وهذا الخلاف سواء أقر في صحة أو مرض صرح به ابن شأس والحوفي، والمعتمدمن الخلاف الإرث، قال ابن عرفة: وبه العمل. انظر الحطاب. وذكر المواق عن أبي عمر وابن عرفة عن الباجي أنه قول مالك وجمهور أصحابه، وقال ابن رشد: إنه قول ابن القاسم في المدونة مع غيرها. انتهى.
وقال الرهوني مثل ما لابن رشد لابن عتاب كما في نوازل الإقرار من المعيار، ونصه: مذهب ابن القاسم أن من أقر أن فلانا ابن عمة لا يثبت نسبه بهذا وإنما له المال بعد التأني، فإن لم يأت له طالب أخذه المقر له مع يمينه حكى هذا عنه أحمد بن ميسر وهو مذهبه في المدونة. وفي المعيار عن ابن عتاب أن العمل جرى على قول ابن القاسم. والله أعلم بحقيقة الصواب. انتهى. وفيه أيضا عن أبي الفضل راشد ما نصه: العمل على قول أصبغ ومن قال بقوله من أصحاب مالك، وهو مذهب أهل العراق وهو الأرجح. انتهى. وفي ابن عرفة ما نصه: وعلى ثبوته ففي شرطه بيمين المقر له ثالثها: إن لم يبين المقر وجه اتصاله بالمقر له في حبل (١) معين لابن مالك مع ابن القطان، ونقل ابن سهل عن بعضهم وعن ابن عتاب. انتهى.
تنبيهات: الأول: حملت المص على غير ظاهره تبعا لغيري لما قال الحطاب: ظاهر قوله "وارث" أنه إذا كان له وارث معروف لم يرثه المستلحق، وإن كان الوارث المعروف غير محيط بإرثه وليس كذلك بل الخلاف جار في ذلك أيضا، قال ابن عرفة: إقرار من يعرف له وارث محيط بإرثه ولو بولاء بوارث لغو اتفاقا، وإن لم يكن له وارث أو كان ولم يحط كذي بنت فقط، ففي إعمال إقراره قولان لابن القاسم في سماعه من الاستلحاق مع ابن رشد عن قوله فيها مع غيرها، وسحنون في نوازله والباجي عن مالك وجمهور أصحابه وأصبغ، وثانيهما مع أشهب. انتهى.
стр. 6652
وعلم من هذا قوة القول بالإرث، وإن كان المتيطى جعله شاذا. ابن عرفة: والمعتبر في ثبوت الوارث وعدمه إنما هو يوم موت المقر لا يوم الإقرار. قاله أصبغ في نوازله. ولم يحك ابن رشد غيره. انتهى. يشير إلى قوله في نوازل أصبغ: فإن أقر بأن هذا الرجل وارثه وله ورثة معروفون فلم يمت المقر حتى مات ورثته المعروفون الذين كانوا يدفعون المقر له؛ أيجعل المال لهذا المقر له؟ قال: نعم لأنه ليس هناك وارث معروف يدفعه، فكأنه إنما أقر له الساعة ولا وارث له. انتهى. قوله: ولو بولاء يأتي تحقيقه إن شاء الله عند قول المص: "وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار" في التنبيه الثالث.
الثاني: قال الحطاب: إذا بين المقر وجه نسبة المقر له إليه، كقوله: هذا أخي شقيقي أو لأب أو لأم فواضح، وإن أجمل قال ابن عرفة: ففي ذلك اضطراب، قال ابن رشد: والذي أقول به في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم؛ إذا قال فلان وارثي ولم يفسر حتى مات أنَ له جميع الميراث إن كان المقر ممن يظن به أنه لا يخفى عليه من يرثه عمن لا يرثه، وأما الجاهل الذي لا يعلم من يرثه ممن لا يرثه فلا يرثه بقوله فلان وارثي، حتى يقول ابن عمي أو ابن ابن عمي أو مولاي أعتقني أو أعتق أبي أو أعتق من أعتقني أو ما أشبه ذلك، وكذا إن قال فلان أخي قاصدا للإشهاد له بالميراث، كقوله: أشهدكم أن هذا أخي يرثني، أو يقال له هل لك وارث؟ فيقول نعم هذا أخي وشبه ذلك، وأما إن قال على غير سبب هذا أخي أو فلان أخي ولم يزد على ذلك فلا يرث من ماله إلا السدس لاحتمال أن يكون أخا لأم، ولو لم يقل فلان أخي أو هذا أخي وإنما سمعوه يقول يا أخي لم يجب له بذلك ميراث؛ لأن الرجل قد يقول أخي لمن لا قرابة بينه وبينه إلا أن تطول المدة السنين، وكل واحد يدعو صاحبه باسم الأخوة والعمومة فإنهما يتوارثان. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: فإن مات المقر له في حياة المقر ثم مات المقر وقام أولاد المقر له بهذا الإقرار لم يجب لهم به ميراث المقر؛ إذ لم يقر إلا للميت إلا أن يشهد أنه إن لم يكن باقيا في حين موته فولده المذكور بنو ابن عمة وورثته المحيطون بميراثه. قاله في المتيطية. والله أعلم.
الرابع: إذا أقر بزوجة لها ولد أقر به فإقراره بالولد يرفع التهمة في الزوجة فترثه، وإن لم تثبت الزوجية ولا عرفت. وبالله التوفيق. نقله الحطاب.
стр. 6653
الخامس: قال الحطاب: فإن أقر هذا المشهد لآخر أنه وارثه ولا وارث له غيره نفذ إقراره الأول وبطل إقراره الثاني. قاله في المتيطية. انتهى.
قوله: نفذ إقراره الأول وبطل الثاني هذا إذا كان الذي أقر به أولا والذي أقر به آخرا لو ثبت تعصيبهما له بالبينة لكانا سواء في ميراثه، مثال ذلك أن يقول أولا فلان ابنُ عَمِّي ووارثي ثم يقول بعد ذلك فلان ابن عمي ووارثي فهاهنا يكون لإقراره الأول إعمال ولا شيء للثاني، وأما لو قال أولا ابن عمي ووارثي ثم يقول آخرا فلان أخي لأب أو شقيقي لكان الأخير أعمل. قاله الرهوني.
السادس: قال الحطاب: إذا لم يكن هناك وارث معروف ودفع للمستلحق على أحد المشهورين الميراث ثم جاء شخص وأثبت أنه وارث معروف فإنه يأخذ المال من المستلحق المذكور. قاله في الجواهر. والله أعلم. انتهى.
السابع: قال عبد الباقي. عند قوله "فخلاف" ما نصه: في إرث المقر به من المقر جميع المال في الأول؛ يعني حيث لم يكن وارث أصلا والباقي في الثاني يعني حيث كان له وارث لم يحط بالإرث وعدم أخذه شيئا، فمن قال: بالأول بناه على أن بيت المال ليس كالوارث المعروف، ومن قال بالثاني بناه على أنه كالوارث المعروف، والضمير المرفوع في قوله: لم يرثه راجع لقوله: غير ولد أي لم يرث المستلحق بالفتح المستلحق بالكسر إن كان للمستلحق بالكسر وارث يأخذ جميع المال ويصح رجوع ضمير لم يرثه الستتر للمستلحق بالكسر أي لم يرث المستلحق بالكسر المستلحق بالفتح إن كان للمستلحق بالفتح وارث يأخذ جميع المال وإلا فخلاف، وذلك لأن المستلحق بالكسر مستلحق بالفتح حيث صدقه الآخر، فيجري فيه التفصيل والخلاف فإن كذبه فلا إرث، ووقع التردد في سكوته هل هو كالتصديق فيرث كل الآخر بالشرط المذكور وهو إن كان لخ، أو يرث المستلحق بالفتح الآخر فقط على تفصيل المص.
وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار. "المختار" هنا اسم فاعل أي الذي يختار الأقوال وهو الإمام اللخمي؛ يعني أن اللخمي خص الخلاف المذكور بما إذا لم يطل أمد الإقرار، قال: وأما إن طال إقراره بالقرابة أي بأنه أخوه أو عمة أو أبوه مثلا فإنه يرثه قولا واحدا، قال الخرشي: والطول يكون بمضي السنين على ذلك، وعلى ما ذكره اللخمي فيما إذا طال زمن الإقرار هل يتوارثان
стр. 6654
كتوارث ثابت النسب بالبينة الشرعية أو يتوارثان توارث الإقرار، فيجري فيه التفصيل الذي ذكره المؤلف وتعليل الشارح وال تتائي يشعر بالأول. انتهى. وهذا الذي قال فيه قصور، فإن النقل عن اللخمي أنهما يتوارثان توارث الثابت النسب بالبينة، ففي تعليق أبي عبد الله السطي على الحوفي ما نصه: الإقرار بالأخ أو غيره من العصبة يقبل مع عدم تبين الكذب والتوافق من الفريقين ومرور السنين، ويكون كقيام البينة عند غير واحد من الأشياخ، ولا يلتفت إليه مع تبين الكذب في مال ولا نسب إلا على القول بصحة الوصية بكل المال لمن لا وارث له. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار بالأبوة أو العمومة أو الأخوة، فإن طال من كل كما في المواق أو من جانب مع سكوت الآخر بناء على أنه كالتصديق على ما مر ومضى على ذلك السنون عمل به حيث لم تقم قرينة على عدم القرابة الموجبة للإرث، وإذا لم يبين جهة الأخوة أو العمومة جعل أخا لأم لأنه المحقق والزائد إرث بشك، كما لا إرث له في قوله هو وارثي حيث مات قبل تبيين جهة الإرث. قاله ابن رشد. وانظر إذا مات المقر به وله ولد هل يتنزل منزلته في مسألة المص بتمامها أم لا؟
قال أحمد ويستثنى من مسألة المص مقر بعتقه بالكسر فإنه كالإقرار بالبنوة، فيرث المقر به المقر من غير تفصيل لأنه إقرار على نفسه فقط بخلاف الإقرار بالأخوة إذ هو إقرار على الغير أيضا. انتهى. وقد قدمنا ذلك انتهى كلام عبد الباقي. قوله: جعل أخا لأم لأنه المحقق لخ أي إن كان إرثه بهذه الجهة أقل وإلا فالعكس، وقوله: كما لا إرث له في قوله: هو وارثي لخ هذا لم يقله ابن رشد على إطلاقه كما يوهمه، بل فصل فيه ونصه: والذي أقول به في هذه المسألة إلى آخر ما قدمته في صدر المسألة عن الحطاب، وقوله: وانظر إذا مات المقر به وله ولد لخ فيه قصور، فقد جزم المتيطى بأنه لا ينزل منزلة أبيه فلا يرث شيئا من المقر وإن لم يكن له وارث، إلا أن يشهد المقر بالكسر أنه إن لم يكن المقر له باقيا في حين موت المقر بالكسر فولده أي المقر له الذكور بنو ابن عمة وورثته المحيطون بميراثه. انظر الحطاب. والبناني.
وقال المواق: قال اللخمي: إن قال رجل لرجل هذا أخي فإذا لم يكن له نسب ثابت يرثه، فقيل المال لبيت المال وقيل المقر له أولى وهذا أحسن لأن له في لك شبهة، ولو كان الإقرار في الصحة
стр. 6655
وطالت المدة وهما على ذلك يقول كل واحد منهما للآخر أخي أو يقول هذا عمي، ويقول الآخر ابن أخي ومرت على ذلك السنون ولا أحد يدعي بطلان ذلك لكان حوزا. انتهى.
تنبيهات: الأول: في نوازل الإقرار من المعيار ما نصه: سئل أصبغ بن محمد عمن أقر لوارث ثم يموت المقر فيقوم رجل فيثبت أنه أخو المقر له ويطلب الدخول معه فيما صار إليه من المقر له، وهي مسألة حسان وذلك أن حسان بن أحمد أشهد على نفسه أن محمد بن أصبغ هو ابن عمة وأحق الناس بوراثته، وكرر الإشهاد بذلك إلى أن توفي عن أخت شقيقة فقبض محمد بن أصبغ المقر له ما وجب له وكان في بعض ما قبضه وصار إليه أصول باعها، ثم أتى بعد ذلك رجل يسمى بحسان بن أصبغ فأثبت أنه أخ لمحمد يرث معه من يرث ويحجب معه من يحجب، وطلب أن يدخل مع أخيه المقر له فيما صار إليه من حسان بن أحمد، وذهب إلى الاستشفاع فيما باعه أخوه من ذلك، فأجاب لا دخول لحسان بن أصبغ في المال الذي صار إلى أخيه محمد بالإقرار الذي صدر من حسان المذكور، وأجاب القاضي أبو الوليد بن رنتد: ليس لحسان دخول مع أخيه محمد فيما ورثه من ابن عمة بالإقرار؛ لأن الإقرار لا يثبت النسب فلم يرثه على أن نسبه ثابت منه، وإنما ورثه على مذهب مالك ﵀ بالإقرار، وتوريثه به ليس بقياس وإنما هو استحسان مراعاة لمن يرى من أهل العلم أن من لم يكن له وارث معروف أن له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء، فلا سبيل إلى ما ذهب إليه من الدخول مع أخيه الذي أثبت أخوته منه فيما ورثه أو من الاستشفاع مما باعه، إلا أن يثبت مع ذلك أنه ابن عم المتوفى المقر وإن لم يثبت ذلك وأقر له المقر له محمد أنه ابن عم المقر دخل معه فيما بيده مما ورثه عنه وفي ثمن به باعه، ولم يكن له الأخذ بالشفعة لما يتعلق بذلك من حق المبتاع، وأما إن قال لا أدري إن كنت ابن عمه أم لا وإنما ورثته على ما أقر لي به من النسب وهو أعلم بذلك فلا دخول له في شيء مما ورثه عنه، وأجاب أبو الوليد هشام بن العواد: الظاهر والله أعلم من أقاويل أصحاب مالك ﵀ أنه لا دخول لحسان معه في شيء من ذلك؟ لأنه إنما أقر له بالمال. انتهى. نقله الرهوني.
الثاني: إذا أقر لاثنين فمات أحدهما قبله، قال في المعيار: وقد نزلت بقرطبة أيام الشيوخ المتقدمين مسألة وهي أن رجلا أقر لأخوين أنهما وارثاه ابنا عمه، فمات أحدهما قبل المقر فأراد