يثبت نسبه بذلك. وقاله أصبغ وسحنون. والقول بأنه لا يرث قاله سحنون بعد أن قال الأول، وقاله أي القول بأنه لا يرث أشهب أيضا، وشهره ابن يونس فإنه أنكر نسبة الأول للمذهب إلا على قول شاذ لابن القاسم فالثاني عنده هو المذهب. قاله الشارح. وقال البناني عند قوله: "وإلا فخلاف" ما نصه: أي في الإرث وعدمه، وأما النسب فلا يثبت له بلا خلاف. انظر المواق. وهذا الخلاف سواء أقر في صحة أو مرض صرح به ابن شأس والحوفي، والمعتمدمن الخلاف الإرث، قال ابن عرفة: وبه العمل. انظر الحطاب. وذكر المواق عن أبي عمر وابن عرفة عن الباجي أنه قول مالك وجمهور أصحابه، وقال ابن رشد: إنه قول ابن القاسم في المدونة مع غيرها. انتهى.
وقال الرهوني مثل ما لابن رشد لابن عتاب كما في نوازل الإقرار من المعيار، ونصه: مذهب ابن القاسم أن من أقر أن فلانا ابن عمة لا يثبت نسبه بهذا وإنما له المال بعد التأني، فإن لم يأت له طالب أخذه المقر له مع يمينه حكى هذا عنه أحمد بن ميسر وهو مذهبه في المدونة. وفي المعيار عن ابن عتاب أن العمل جرى على قول ابن القاسم. والله أعلم بحقيقة الصواب. انتهى. وفيه أيضا عن أبي الفضل راشد ما نصه: العمل على قول أصبغ ومن قال بقوله من أصحاب مالك، وهو مذهب أهل العراق وهو الأرجح. انتهى. وفي ابن عرفة ما نصه: وعلى ثبوته ففي شرطه بيمين المقر له ثالثها: إن لم يبين المقر وجه اتصاله بالمقر له في حبل (١) معين لابن مالك مع ابن القطان، ونقل ابن سهل عن بعضهم وعن ابن عتاب. انتهى.
تنبيهات: الأول: حملت المص على غير ظاهره تبعا لغيري لما قال الحطاب: ظاهر قوله "وارث" أنه إذا كان له وارث معروف لم يرثه المستلحق، وإن كان الوارث المعروف غير محيط بإرثه وليس كذلك بل الخلاف جار في ذلك أيضا، قال ابن عرفة: إقرار من يعرف له وارث محيط بإرثه ولو بولاء بوارث لغو اتفاقا، وإن لم يكن له وارث أو كان ولم يحط كذي بنت فقط، ففي إعمال إقراره قولان لابن القاسم في سماعه من الاستلحاق مع ابن رشد عن قوله فيها مع غيرها، وسحنون في نوازله والباجي عن مالك وجمهور أصحابه وأصبغ، وثانيهما مع أشهب. انتهى.
стр. 6652
وعلم من هذا قوة القول بالإرث، وإن كان المتيطى جعله شاذا. ابن عرفة: والمعتبر في ثبوت الوارث وعدمه إنما هو يوم موت المقر لا يوم الإقرار. قاله أصبغ في نوازله. ولم يحك ابن رشد غيره. انتهى. يشير إلى قوله في نوازل أصبغ: فإن أقر بأن هذا الرجل وارثه وله ورثة معروفون فلم يمت المقر حتى مات ورثته المعروفون الذين كانوا يدفعون المقر له؛ أيجعل المال لهذا المقر له؟ قال: نعم لأنه ليس هناك وارث معروف يدفعه، فكأنه إنما أقر له الساعة ولا وارث له. انتهى. قوله: ولو بولاء يأتي تحقيقه إن شاء الله عند قول المص: "وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار" في التنبيه الثالث.
الثاني: قال الحطاب: إذا بين المقر وجه نسبة المقر له إليه، كقوله: هذا أخي شقيقي أو لأب أو لأم فواضح، وإن أجمل قال ابن عرفة: ففي ذلك اضطراب، قال ابن رشد: والذي أقول به في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم؛ إذا قال فلان وارثي ولم يفسر حتى مات أنَ له جميع الميراث إن كان المقر ممن يظن به أنه لا يخفى عليه من يرثه عمن لا يرثه، وأما الجاهل الذي لا يعلم من يرثه ممن لا يرثه فلا يرثه بقوله فلان وارثي، حتى يقول ابن عمي أو ابن ابن عمي أو مولاي أعتقني أو أعتق أبي أو أعتق من أعتقني أو ما أشبه ذلك، وكذا إن قال فلان أخي قاصدا للإشهاد له بالميراث، كقوله: أشهدكم أن هذا أخي يرثني، أو يقال له هل لك وارث؟ فيقول نعم هذا أخي وشبه ذلك، وأما إن قال على غير سبب هذا أخي أو فلان أخي ولم يزد على ذلك فلا يرث من ماله إلا السدس لاحتمال أن يكون أخا لأم، ولو لم يقل فلان أخي أو هذا أخي وإنما سمعوه يقول يا أخي لم يجب له بذلك ميراث؛ لأن الرجل قد يقول أخي لمن لا قرابة بينه وبينه إلا أن تطول المدة السنين، وكل واحد يدعو صاحبه باسم الأخوة والعمومة فإنهما يتوارثان. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: فإن مات المقر له في حياة المقر ثم مات المقر وقام أولاد المقر له بهذا الإقرار لم يجب لهم به ميراث المقر؛ إذ لم يقر إلا للميت إلا أن يشهد أنه إن لم يكن باقيا في حين موته فولده المذكور بنو ابن عمة وورثته المحيطون بميراثه. قاله في المتيطية. والله أعلم.
الرابع: إذا أقر بزوجة لها ولد أقر به فإقراره بالولد يرفع التهمة في الزوجة فترثه، وإن لم تثبت الزوجية ولا عرفت. وبالله التوفيق. نقله الحطاب.
стр. 6653
الخامس: قال الحطاب: فإن أقر هذا المشهد لآخر أنه وارثه ولا وارث له غيره نفذ إقراره الأول وبطل إقراره الثاني. قاله في المتيطية. انتهى.
قوله: نفذ إقراره الأول وبطل الثاني هذا إذا كان الذي أقر به أولا والذي أقر به آخرا لو ثبت تعصيبهما له بالبينة لكانا سواء في ميراثه، مثال ذلك أن يقول أولا فلان ابنُ عَمِّي ووارثي ثم يقول بعد ذلك فلان ابن عمي ووارثي فهاهنا يكون لإقراره الأول إعمال ولا شيء للثاني، وأما لو قال أولا ابن عمي ووارثي ثم يقول آخرا فلان أخي لأب أو شقيقي لكان الأخير أعمل. قاله الرهوني.
السادس: قال الحطاب: إذا لم يكن هناك وارث معروف ودفع للمستلحق على أحد المشهورين الميراث ثم جاء شخص وأثبت أنه وارث معروف فإنه يأخذ المال من المستلحق المذكور. قاله في الجواهر. والله أعلم. انتهى.
السابع: قال عبد الباقي. عند قوله "فخلاف" ما نصه: في إرث المقر به من المقر جميع المال في الأول؛ يعني حيث لم يكن وارث أصلا والباقي في الثاني يعني حيث كان له وارث لم يحط بالإرث وعدم أخذه شيئا، فمن قال: بالأول بناه على أن بيت المال ليس كالوارث المعروف، ومن قال بالثاني بناه على أنه كالوارث المعروف، والضمير المرفوع في قوله: لم يرثه راجع لقوله: غير ولد أي لم يرث المستلحق بالفتح المستلحق بالكسر إن كان للمستلحق بالكسر وارث يأخذ جميع المال ويصح رجوع ضمير لم يرثه الستتر للمستلحق بالكسر أي لم يرث المستلحق بالكسر المستلحق بالفتح إن كان للمستلحق بالفتح وارث يأخذ جميع المال وإلا فخلاف، وذلك لأن المستلحق بالكسر مستلحق بالفتح حيث صدقه الآخر، فيجري فيه التفصيل والخلاف فإن كذبه فلا إرث، ووقع التردد في سكوته هل هو كالتصديق فيرث كل الآخر بالشرط المذكور وهو إن كان لخ، أو يرث المستلحق بالفتح الآخر فقط على تفصيل المص.
وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار. "المختار" هنا اسم فاعل أي الذي يختار الأقوال وهو الإمام اللخمي؛ يعني أن اللخمي خص الخلاف المذكور بما إذا لم يطل أمد الإقرار، قال: وأما إن طال إقراره بالقرابة أي بأنه أخوه أو عمة أو أبوه مثلا فإنه يرثه قولا واحدا، قال الخرشي: والطول يكون بمضي السنين على ذلك، وعلى ما ذكره اللخمي فيما إذا طال زمن الإقرار هل يتوارثان
стр. 6654
كتوارث ثابت النسب بالبينة الشرعية أو يتوارثان توارث الإقرار، فيجري فيه التفصيل الذي ذكره المؤلف وتعليل الشارح وال تتائي يشعر بالأول. انتهى. وهذا الذي قال فيه قصور، فإن النقل عن اللخمي أنهما يتوارثان توارث الثابت النسب بالبينة، ففي تعليق أبي عبد الله السطي على الحوفي ما نصه: الإقرار بالأخ أو غيره من العصبة يقبل مع عدم تبين الكذب والتوافق من الفريقين ومرور السنين، ويكون كقيام البينة عند غير واحد من الأشياخ، ولا يلتفت إليه مع تبين الكذب في مال ولا نسب إلا على القول بصحة الوصية بكل المال لمن لا وارث له. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار بالأبوة أو العمومة أو الأخوة، فإن طال من كل كما في المواق أو من جانب مع سكوت الآخر بناء على أنه كالتصديق على ما مر ومضى على ذلك السنون عمل به حيث لم تقم قرينة على عدم القرابة الموجبة للإرث، وإذا لم يبين جهة الأخوة أو العمومة جعل أخا لأم لأنه المحقق والزائد إرث بشك، كما لا إرث له في قوله هو وارثي حيث مات قبل تبيين جهة الإرث. قاله ابن رشد. وانظر إذا مات المقر به وله ولد هل يتنزل منزلته في مسألة المص بتمامها أم لا؟
قال أحمد ويستثنى من مسألة المص مقر بعتقه بالكسر فإنه كالإقرار بالبنوة، فيرث المقر به المقر من غير تفصيل لأنه إقرار على نفسه فقط بخلاف الإقرار بالأخوة إذ هو إقرار على الغير أيضا. انتهى. وقد قدمنا ذلك انتهى كلام عبد الباقي. قوله: جعل أخا لأم لأنه المحقق لخ أي إن كان إرثه بهذه الجهة أقل وإلا فالعكس، وقوله: كما لا إرث له في قوله: هو وارثي لخ هذا لم يقله ابن رشد على إطلاقه كما يوهمه، بل فصل فيه ونصه: والذي أقول به في هذه المسألة إلى آخر ما قدمته في صدر المسألة عن الحطاب، وقوله: وانظر إذا مات المقر به وله ولد لخ فيه قصور، فقد جزم المتيطى بأنه لا ينزل منزلة أبيه فلا يرث شيئا من المقر وإن لم يكن له وارث، إلا أن يشهد المقر بالكسر أنه إن لم يكن المقر له باقيا في حين موت المقر بالكسر فولده أي المقر له الذكور بنو ابن عمة وورثته المحيطون بميراثه. انظر الحطاب. والبناني.
وقال المواق: قال اللخمي: إن قال رجل لرجل هذا أخي فإذا لم يكن له نسب ثابت يرثه، فقيل المال لبيت المال وقيل المقر له أولى وهذا أحسن لأن له في لك شبهة، ولو كان الإقرار في الصحة
стр. 6655
وطالت المدة وهما على ذلك يقول كل واحد منهما للآخر أخي أو يقول هذا عمي، ويقول الآخر ابن أخي ومرت على ذلك السنون ولا أحد يدعي بطلان ذلك لكان حوزا. انتهى.
تنبيهات: الأول: في نوازل الإقرار من المعيار ما نصه: سئل أصبغ بن محمد عمن أقر لوارث ثم يموت المقر فيقوم رجل فيثبت أنه أخو المقر له ويطلب الدخول معه فيما صار إليه من المقر له، وهي مسألة حسان وذلك أن حسان بن أحمد أشهد على نفسه أن محمد بن أصبغ هو ابن عمة وأحق الناس بوراثته، وكرر الإشهاد بذلك إلى أن توفي عن أخت شقيقة فقبض محمد بن أصبغ المقر له ما وجب له وكان في بعض ما قبضه وصار إليه أصول باعها، ثم أتى بعد ذلك رجل يسمى بحسان بن أصبغ فأثبت أنه أخ لمحمد يرث معه من يرث ويحجب معه من يحجب، وطلب أن يدخل مع أخيه المقر له فيما صار إليه من حسان بن أحمد، وذهب إلى الاستشفاع فيما باعه أخوه من ذلك، فأجاب لا دخول لحسان بن أصبغ في المال الذي صار إلى أخيه محمد بالإقرار الذي صدر من حسان المذكور، وأجاب القاضي أبو الوليد بن رنتد: ليس لحسان دخول مع أخيه محمد فيما ورثه من ابن عمة بالإقرار؛ لأن الإقرار لا يثبت النسب فلم يرثه على أن نسبه ثابت منه، وإنما ورثه على مذهب مالك ﵀ بالإقرار، وتوريثه به ليس بقياس وإنما هو استحسان مراعاة لمن يرى من أهل العلم أن من لم يكن له وارث معروف أن له أن يوصي بجميع ماله لمن شاء، فلا سبيل إلى ما ذهب إليه من الدخول مع أخيه الذي أثبت أخوته منه فيما ورثه أو من الاستشفاع مما باعه، إلا أن يثبت مع ذلك أنه ابن عم المتوفى المقر وإن لم يثبت ذلك وأقر له المقر له محمد أنه ابن عم المقر دخل معه فيما بيده مما ورثه عنه وفي ثمن به باعه، ولم يكن له الأخذ بالشفعة لما يتعلق بذلك من حق المبتاع، وأما إن قال لا أدري إن كنت ابن عمه أم لا وإنما ورثته على ما أقر لي به من النسب وهو أعلم بذلك فلا دخول له في شيء مما ورثه عنه، وأجاب أبو الوليد هشام بن العواد: الظاهر والله أعلم من أقاويل أصحاب مالك ﵀ أنه لا دخول لحسان معه في شيء من ذلك؟ لأنه إنما أقر له بالمال. انتهى. نقله الرهوني.
الثاني: إذا أقر لاثنين فمات أحدهما قبله، قال في المعيار: وقد نزلت بقرطبة أيام الشيوخ المتقدمين مسألة وهي أن رجلا أقر لأخوين أنهما وارثاه ابنا عمه، فمات أحدهما قبل المقر فأراد
стр. 6656
الباقي من الأخوين المقر لهما أن يأخذ جميع المال، فأفتى فقهاء الوقت بأنه ليس له إلا نصف المال إذ لم يقر له بأكثر من ذلك، ونفذ القضاء بذلك. انتهى منه بلفظه. وذكر في المعيار نحو هذا قبل، وزاد ما نصه: وحكى هذا ابن سهل، ثم حكى عن ابن مالك وابن العطار أن جميع المال للباقي منهما. انتهى.
الثالث: قال الرهوني: قال ابن عرفة: قال ابن سهل: ولابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: من أقر في مرضه بأن فلانا أخوه وفلانا مولاه فميراثه لولاه دون أخيه، فغلبا الإقرار بالولاء على الإقرار بالنسب؛ لأن الإقرار بالولاء حق من الحقوق أقر به، والإقرار بالأخ استلحاق ولا يكون إلا في الولد فقط. انتهى. وخالف أصبغ في سماعه من كتاب الاستلحاق ما له في الواضحة، فقال فيه ما نصه: قيل لأصبغ ما تقول في الرجل يقر في صحته بأخ ثم يقر بعد زمان بولاء لرجل ثم يموت؟ وكيف إن كان أقر بالولاء قبل إقراره بالأخ، وكيف إن أقر بالأخ أولا ثم ثبت الولاء بعد ذلك ببينة؟ قال: أرى النسب أولى على كل حال، كان هو الأول أو الثاني، قال القاضي: قوله أري النسب أولى على كل حال لا يعود على قوله في السؤال: وكيف إن أقر بالأخ أولا ثم ثبت الولاء بعد ذلك ببينة؟ إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز الإقرار بوارث إلا إذا لم يكن للميت وارث معروف بنسب ولا ولاء، وإنما يعود على الإقرار بالولاء وبالنسب فرأى النسب أولى على كل حال تقدم أو تأخر، ومعنى ذلك عندي إذا قال فلان مولاي ولم يقل أعتقني لأنه إذا قال أعتقني؛ ثبت له بذلك الولاء والميراث، فوجب أن يكون أولى من الإقرار بالنسب تقدم أو تأخر، وكذلك على قياس هذا لو قال فلان ابن عمي وفلان أخي لوجب أن يكون الأخ أولى بالميراث تقدم أو تأخر؛ لأن الإقرار بهذا بمنزلة إقامة البينة على هذا وهذا، ورأى ابن الماجشون الإقرار بالولاء أولى من الإقرار بالنسب من أجل أن الولاء يثبت بالإقرار ظاهره ولو لم يقل أعتقني. انتهى.
وقال سحنون: إن قال فلان مولاي أعتقني ثبت له الولاء والإرث كقيام البينة وقدم على الإقرار بالنسب ولو تأخر عنه أو كان في المرض، قال الرهوني: وثبوت الولاء بقول الشخص فلان أعتقني أمر مسلم مذكور في المدونة وغيرها، ففيها في كتاب الولاء ما نصه: ومن أقر أن فلانا أعتقه وفلان
стр. 6657
يصدقه فإنه يستحق بذلك ولاءه وإن أكذبه قومه، إلا أن تقوم بينة بخلاف هذا فيؤخذ بها، وكذا إن أقر بذلك عند الموت فإنه يصدق ويرثه فلان إن لم تقم بينة بخلاف ذلك. انتهى منها بلفظها. وقوله: أكذبه الضمير للمقر، وقال ابن سحنون: الإقرار بالولاء ثابت جائز بإجماع العلماء، فمن أقر أن فلانا أعتقه وفلان يصدقه فإنه يستحق بذلك ولاءه، واختلف إذا كذبه فلان فقال ابن القاسم: لا يثبت له ولاء إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك فيؤخذ بها، قال الشيخ أبو الحسن: وهذا المعروف من المذهب، وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: يكون مولاه وإن أنكر ولم يأت ببينة. انتهى. والمراد بالشيخ أبي الحسن: اللخمي، ثم قال الرهوني: بل ظاهر كلامهم أنه يثبت وإن لم يقل مع ذلك أعتقني، وقد صرح بذلك في المدونة أيضا ففيها قبل ما قدمناه عنها ما نصه: قال أشهب: وكذلك لو أقر رجل أن فلانا مولاه ثم مات ولم يسئل أمولى عتاقة أم مخير عتاقة رأيته مولى ويرثه بالولاء. انتهى منها بلفظها.
قال أبو الحسن ما نصه: ظاهره أن إقراره يتعدى إلى غيره من ولده وابن القاسم يوافق على هذا يدل عليه ما يأتي في قوله: "ومن أقام بينة أن هذا الميت مولى فلان" لخ الشيخ: والنص فيمن أقر برجل أنه وارثه أنهما يتوارثان فيما بينهما ولا يتعداهما إلى أولادهما، فانظر ما الفرق بين النسب والولاء. انتهى. وأشار بقوله يدل عليه ما يأتي إلى قولها بعد هذا بقريب ما نصه: ومن أقام بينة أن هذا الميت مولاه لا يعلمون له وارثا غيره لم تتم الشهادة حتى يقولوا أعتقه أو أعتق أباه، أو يشهدوا على إقرار الميت أنه مولاه. انتهى منها بلفظها. وقد صرح ابن يونس بموافقة ابن القاسم لأشهب، ونصه: ومن المدونة قال أشهب: وكذلك لو أقر رجل أن فلانا مولاه ثم مات ولم يسئل أمولى عتاقة أو غيرها؟ رأيته مولاه ويرثه بالولاء وقاله ابن القاسم أيضا. انتهى منه بلفظه.
وتبين بهذا أن قول ابن الماجشون وأصبغ في الواضحة هو الصواب الموافق لصريح قول ابن القاسم وأشهب في المدونة الذي سلمه ابن يونس وأبو الحسن وغيرهما من الشيوخ، أما إذا صرح بقوله أعتقني فلا إشكال، وأما إذا اقتصر على قوله هو مولاي فلما رأيته من نص المدونة، وفي النهاية ما نصه: ويجوز أن يكون هذا الإقرار لولد الذي أعتقه وولد ولده، قال محمد بن أحمد بن العطار: ولا يختلف في النص أن ولده كان أعتقه أو جده. انتهى. وإن كان يمكن أن يفرق بينهما
стр. 6658
في الشهادة لاحتمال أن يكون أراد بالولاء ولاء الحلف والنصرة أو الإسلام على يديه، وكيف يصح أن يحمل كلام أصبغ على ظاهره وهو يقول إن الولاء يثبت بالإقرار، ولو كذبه المقر له حسبما تقدم عنه: وإذا تأملت ما سبق من المنصوص ظهر لك ما في قول أبي الحسن، فانظر ما الفرق بين النسب والولاء؟ إذ الفرق بينهما واضح غاية. فتأمله والله سبحانه أعلم. انتهى.
الرابع: في جواب لأبي إبراهيم أنه لابد في الشهادة في النسب من بيان القعدد وهو خلاف ما في المتيطية وابن سلمون ووثائق الفشتالي وغيرهما من أن ذلك شرط كمال فقط، لكن لما ذكر البرزلي في نوازله وصاحب العيار ما للمتيطى قالا عقبه: والعمل اليوم في الوثائق لابد من ذكر الجد الذي يجتمعان فيه وإلا فلا تتم الوثيقة. انتهى من نوازل الإقرار من العيار. ومثله للبرزلي، وفيه أيضا ما نصه: ابن راشد: من شروط الميراث معرفة القعدد هكذا سمعته من شيخي شهاب الدين القرافي، وأخبرني بعض قضاة الجماعة بحضرة ابن يونس أنه رآه منصوصا لابن بشير في كلام له على كتاب الغصب، ونحوه في جواب لشيخ الشيوخ أبي سعيد بن لب وهو: ولابد في شهادة الشهود أن يعلموا قعدده من الموروث بأن يعلموا أنه ابن عم بدرجة أو درجتين أو ثلاث أو أربع مع كونهم لا يعلمون أقرب إلى الميت منه وحينئد يستحق الميراث، وإلا فلا. انتهى.
وفي نوازل الشريف من جواب عبد والده سيدي أحمد بن علي وقد قال له السائل: وقع بيدي جواب لسيدي يحيى السراج بإسقاط العصبة إذا جهلت الأقعدية منهم باليت ما نصه: ما ذكرته عن شيخنا القدوة العالم العلامة مفتي الحضرة الإدريسية والمراكشية صحيح؛ إذ بذلك كان يفتي ﵀. وعلى مقتضى فتواه كان يقع العمل، ثم استدل لذلك بقول ابن رشد في سماع أصبغ: هذا مما لا اختلاف فيه فلو ثبت لرجل أنه من بني تميم أو من بني زهرة ولم يعرف من عصبة بأعيانهم بمعرفة قعددهم فإن ميراثه لجميع المسلمين ولم يكن لواحد منهم للجهل به. انتهى. وأجاب سيدي إبراهيم الجلالي بما نصه: أما البينة بأن فلانا ابن عم فلان فالذي كانت تجري به الأحكام في الحضرة الفاسية حيث كان الفقهاء بها والأشياخ بها أنه لا يعمل بها إلا بعد ملاقاة الجدود وإثبات القعدد. انتهى.
стр. 6659
ثم ذكر نحو هذا عن سيدي أحمد البعل وأبي عبد الله النالي، ثم قال: وأجاب الفقيه ابن حماد اليلصوتي حسبما نقل جوابه سيدي الحسن بن عرضون في نوازله: إن كان الأمر كما ذكرتم من أن المتنازعين إذا لم يستظهر واحد منهم بما يقر به إليه فالذي تضافرت عليه نصوص الأئمة واستمرت به الفتوى من جميع الأمة أن المستحق لماله بيت مال المسلمين قلنا حائزا أو وارثا، وعلى هذا عول سيدي عبد القادر الفاسي في أجوبته، ونقل كلام ابن لب السابق ونظمه ولده أبو زيد في عملياته، فبان من هذا كله أن الواضح والمعمول به خلاف ما للمتيطى ومن وافقه إن حمل على الخلاف كما اقتضاه كلام البرزلي والمعيار وغيرهما، وفي نوازل الشريف أثناء جواب جد والده السابق ما هو كالصريح في أنه حمله على الخلاف، وأن محله إذا لم يكن له سوى ابن عم واحد قائلا ما نصه: وأما إن كانت المسألة تعدد فيها بنو العم فلا أظن أنه يقع اختلاف في أنه لابد من معرفة القعدد حسبما يظهر من كلام ابن رشد. انتهى.
لكن فهمه حفيده صاحب النوازل على التقييد وأن محل ما لابن سلمون ومن وافقه مقيد بما ذكر، فإنه قال فيها بعد ذلك ما نصه: قلت وجدت بخط والدي ﵀ كان شيخنا سيدي محمد ميارة يقول لا يشترط ذلك إلا في منازعة الأقرباء فيما بينهم لا مع بيت المال، قلت وهو صريح ما تقدم في جواب جدنا وما نقله بعده من كلام الأئمة ﵃. انتهى. وقال التاودي: والذي عندي أن بيان القعدد إنما هو شرط كمال إذا لم ينازع إلا بيت المال، فإن كان منازع فلابد من البيان هذا الذي كنا نقوله ووقعت به الفتوى قبل هذا الزمان، ولا التفات لما في العمليات. انتهى من خطه. وهذا بناء منه على أن قول العمليات:
لابد من معرفة القعدد في … إرث وإلا فبشك ينتفي
محله إذا لم يكن منازع إلا بيت المال، وهو خلاف ما فهمه عليه سيدي محمد بن قاسم في شرحه من حمله على ما إذا تعدد العصبة معترضا على القاضي العميري، ثم قال: اعلم أن اشتراط معرفة القعدد واضح مع تعدد العصبة بحيث يلتبس الأقرب إلى الميت منهم بغيره، أما إن لم يكن إلا عاصب واحد أو معه من لا يشك أنه أبعد منه كابن أخي العاصب ففي لزوم ذلك اختلاف، ففي
стр. 6660
المتيطية أن الشهادة بدون ذكر ذلك تامة، وتبعه ابن سلمون وابن عرضون ونحوه في نوازل الشهادة من المعيار من جواب اللخمي، ومقابل هذا القول قول البرزلي: العمل اليوم على أنه لابد من ذكر الجد إلى آخر ما قدمناه عنه. انظر كلامه بلفظه فإني نقلته مختصرا. ولا يخفى عليك ما فيه: وأن اعتراضه على القاضي لا وجه له، فإن الذي يفيده كلام العميري في النسخ التي بأيدينا أنه فهم البيت على ما يشمل الصورتين معا؛ لأنه قال عقب البيت ما نصه: هذه المسألة خلافية الخ ما نقله الرهوني، ثم قال:
والحاصل أن الراجح من العمل في صورة التعدد هو ما في العمليات وفي صورة عدمه بالعكس كما أفاده ما قدمناه عن نوازل الشريف وعن التاودي، ووجهه ظاهر غاية لأن الإجماع منعقد على أن الأقعد من الإخوة والأعمام وبنيهم مقدم على غيره منهم، وأن العاصب مقدم على بيت المال سواء كان بين الميت والعاصب أب واحد أو ألف أب مثلا، فإذا تعدد العصبة وجهل الأقعد كان ميراثا بشك وهو منتف في مذهب مالك وأصحابه، وإذا لم يكن إلا واحد فلا شك وإنما أطلت لك في هذه المسألة لكثرة وقوعها مع كثرة الاضطراب فيها، وقد جمعت لك فيها ما لا أظن أنك تجده مجموعا هكذا عند أحد وحصلت لك ما هو الحق فيها ولله الحمد. انتهى.
وإن قال لأولاد أمته أحدهم ولدي عتق الأصغر وثلثا الأوسط وثلث الأكبر اللام في لأولاد بمعنى عن كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قاله مقيده عفا الله تعالى عنه يعني أنه إذا قال عن أولاد أمته وهم ثلاثة أحدهم ولدي ومات ولم يبينه فإنه يعتق الأصغر كله؛ لأنه حر على كل تقدير لأنه يعتق عليه حيث كان هو الولد أو الأكبر هو الولد أو الأوسط هو المعتق لأنه ولد أم ولد في الأخيرتين أيضا، ويعتق أيضا ثلثا الأوسط لأنه يعتق على تقديرين وهما: تقدير كونه ولدا له أو الأكبر، ورقيق على تقدير واحد وهو كون الولد هو الأصغر، ويعتق أيضا ثلث الأكبر لأنه يعتق على تقدير واحد وهو كونه الولد، وعلى تقديرين رقيق وهو كون الولد الأوسطَ أو الأصغر ولا إرث لواحد منهم لعدم تحقق سببه من أصله لعدم تعيين من استلحق ولأن غير الأصغر بعضه رق والأصغر وإن لم يكن فيه رق لكنه مشكوك في ولديته وتعتق أمهم من رأس المال؛ لأن واحدا منهم ولدها من سيدها فتكون به أم ولد، والعتق الحاصل لكل ولد من رأس المال لأنه لكون بعضهم ولدا
стр. 6661
وبعضهم ولد أم ولد. وقولي: ومات ولم يعينه مفهومه إن غاب انتظر وحكمهم حينئذ على الرق. قاله عبد الباقي.
قوله: ولا إرث لواحد منهم لخ، قال الرهوني: كذا قال سحنون في نوازله من كتاب الاستلحاق، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق على ما حكاه عنه في التوضيح عن البيان، ونصه: قال ولا خلاف أنه لا إرث لأحدهم منه. انتهى منه بلفظه. وكذا نقله جسوس عنه وسلمه كما سلمه الناصر اللقاني في حاشيته بسكوته وهو مخالف لا في ابن عرفة والمواق والحطاب عن ابن رشد من ذكر الخلاف في إرثهم، وما لهؤلاء هو الصواب لأنه الذي في البيان في المحل المذكور، ونص كلام سحنون: ولا يثبت به نسب واحد من الولد ولا يرثه، قال القاضي: وقوله إنه لا يثبت نسبه صحيح لا اختلاف فيه؛ إذ لا يصح أن يحكم بثبوته لكل واحد منهم بشك، وأما قوله إنه لا يرثه واحد منهم ففيه نظر، والذي يوجبه النظر في ذلك عندي أن يكون حظه من الميراث بينهم على القول بأثهم يعتقون جميعا على ما قاله بعد هذا في المسألة التي ذكرناها وهو الصحيح؛ إذ قد صح الميراث لأحدهم ولا يدرى لمن هو منهم بل تداعوا فيه فادعاه كل واحد منهم قسم بعد أن يحلفوا جميعا وكذا إن نكلوا جميعا، فإن حلف بعضهم ونكل بعضهم عن اليمين كان الميراث للحالف منهم دون الناكل، وكذلك إن قالوا لا علم لنا كان الميراث بينهم بعد أن يحلف كل واحد منهم أنه لا يعلم من أراد الميت منهم على الاختلاف في لحوق يمين التهمة لأنها يمين تهمة، فإن أعتق بعضهم كان لمن أعتق حظه من الميراث ويوقف حظ من لم يعتق فإن أعتق أخذه، وإن مات قبل أن يعتق رد على الورثة. انتهى. ونقله ابن عرفة مختصرا وسلمه انتهى كلام الرهوني.
وقوله: "وإن قال لأولاد أمته" لخ ولابن عبد الحكم أنهم يعتقون كلهم، فالصغير على كل حال والآخران بالشك، وقياسا على الشاتين إحداهما ذكية والأخرى ميتة، وكالمرءتين إحداهما محرم. وإن افترقت أمهاتهم فواحد بالقرعة يعني أنه إذا قال السيد عن أولاد من إماء له شتى أحدهم ولدي فإنه يعتق واحد منهم بالقرعة، قال عبد الباقي: وإن افترقت أمهاتهم فواحد يعتق فقط بالقرعة ولا إرث له وأمه أم ولد فيما يظهر، وصفة القرعة أن تؤخذ أوراق بعددهم ويكتب في واحدة حر وفيما بقى رقيق، ثم تخلط الأوراق ثم تخرج واحدة فتعطى لشخص منهم، فإن ظهرت
стр. 6662
أنها التي فيها حر فحر وأمه أم ولد ورق الباقي ولم يحتج لإخراج الأوراق الباقية، وإن ظهر بالخارجة أولا رقيق رق من دفعت له وأخرجت أخرى ودفعت لآخر حتى تخرج ورقة الحرية لمن دفعت له، ولا ينظر لقيمة أحدهم لأن الذي يخرج جميعه حرا إنما هو بقسمة القرعة في الولدية وأمه تابعة له، وليست هذه المسألة كقول مريض أحد عبيدي حر فإن فرضها في الحرية مع مراعاة الثلث، ولا يكون ذلك إلا بتعديل قيمتهم أجزاء متساوية كما في ال تتائي عن الكافي، وكذا كان يقرر على الأجهوري فما يوهمه شرحه من جريان ما للكافي في مسألة المص غير مراد. انتهى.
قوله: وليست هذه المسألة كقول مريض أحد عبيدي حر لخ فيه نظر، بل صرح سحنون وابن رشد أنها مثلها وأن الخلاف فيهما واحد. ابن عرفة: ابن رشد: وإن كانوا مفترقين فهو كقوله أحد عبيدي حر ومات قبل تعيينه في عتق أحدهم بالقرعة أو من كل منهم الجزء المسمى لعددهم، إن كانوا ثلاثة فالثلث وأربعة فالربع، ثالثها: للورثة تعيين أحدهم للعتق، ورابعها: يعتق منهم الجزء المسمى لعددهم بالقرعة الثلاثة الأول لابن القاسم والرابع لمالك. انتهى.
وفي المواق: قال سحنون: من له ثلاثة أعبد ليسوا بإخوة لأم، فقال في مرضه: أحدهم ابني ومات فقال الرواة: إنه كقوله أحد عبيدي حر. انتهى. وقوله: ولا يكون ذلك إلا بتعديل في قيمتهم لخ غير صحيح؛ لأن المال قد لا يكون محصورا فيهم، وأيضا من يقول يعتق واحد بالقرعة يراعي قيمته في الثلث بعد تعيينه بالقرعة، فإن زادت على الثلث عتق منه مبلغ الثلث فقط هذا إن قاله في المرض، فإن كان في الصحة لم يراع ثلث ولا قيمة وهو ظاهر، وقوله كما في ال تتائي عن الكافي لخ ما للكافي هو رابع الأقوال المتقدمة وهو قول مالك يعتق منهم الجزء المسمى لعددهم بالقرعة، وصفة القرعة عليه فيما إذا كانوا ثلاثة أن ينظر لقيمتهم وتجعل ثلاثة أجزاء، فإذا كانت قيمة أحدهم عشرين مثلا والثاني ثلاثين والثالث أربعين فإنه يجعل من قيمته عشرون مع ربع من قيمته أربعون جزءا واحدا وثلاثة أرباع من قيمته أربعون، فإذا خرجت رقعة الحرية على من قيمته عشرون عتق مع ربع من قيمته أربعون، وإذا خرجت على من قيمته أربعون عتق منه ثلاثة أرباع كذا بينه علي الأجهوري، وشرح به كلام المص وتبعه الخرشي في الكبير، قال مصطفى:
стр. 6663
وفي جعلهم هذا تقريرا للقول الذي ذهب إليه المص سهو لقوله: "واحد بالقرعة" قاله البناني. ويأتي ما في هذه التجزئة إن شاء الله تعالى. وقال الرهوني: انظر لم اقتصر المص على أحد أقوال ابن القاسم وعدل عن قول مالك مع أن الذي يظهر من المنقول أن قول مالك هو الراجح ويليه قول ابن القاسم الثاني في كلام البناني هنا، ثم قال بعد كلام:
قال القاضي: ويتحصل في ذلك أقوال: أحدها أن يقرع بينهم فمن خرج السهم عليه منهم عتق. الثاني أن العتق يجري فيهم فيعتق ثلث كل واحد منهم إن كانوا ثلاثة وربعه إن كانوا أربعة، وكذا الحكم فيهم إن كانوا أقل من ذلك أو أكثر وهذا هو القياس. الثالث أن الورثة ينزلون فيهم منزلة الميت فيعتقون منهم أيهم شاءوا. الرابع أنه يعتق ثلثهم بالسهم إن كانوا ثلاثة وربعهم إن كانوا أربعة، وكذا الحكم فيهم إن كانوا أقل من ذلك أو أكثر. الخامس أن الورثة يخيرون، فإن اختلفوا عتق واحد منهم بالقرعة. السادس أن الورثة يخيرون فإن اختلفوا جرى العتق في عددهم، فالثلاثة الأول كلها لابن القاسم والرابع لمالك والخامس والسادس لسحنون وكلها في كتاب العتق من العتبية، ويخرج في المسألة قول سابع أنهم يعتقون كلهم من أجل الشك إذ لا يسوغ للورثة تملك واحد منهم لاحتمال أن يكون هو الذي أراد الميت، ويؤيد هذا القول ما روي أن عبد الله بن عمر قال: يفرق بالشك، ولا يجمع بالشك ويتخرج في المسألة قول ثامن وهو أن يوقف الورثة عن جميعهم إلا أن يموت واحد أو يعتقوه فلا يحكم عليهم في الباقين بعتق وإنما يؤمرون به ولا يجبرون عليه، وهذا عندي على قياس القول بأن الشك لا يؤثر في اليقين ولا يثبت به نسب واحد منهم ويكون الحكم في الميراث على ما تقدم. انتهى.
والمذهب في مسألة أحد عبيدي حر هو قول مالك لأنه في المدونة من رواية ابن القاسم ونسبه في الموازية لمالك وأصحابه، [والمسألة] (١) في كتاب العتق الأول من المدونة وفي كتاب الوصايا الأول، وقد أشبع الكلام عليها أبو الفضل في تنبيهاته في كتاب العتق، واقتصر أبو سعيد وابن يونس على ما عزاه للأكثر واختاره، ولنسق كلام ابن يونس بما فيه من الزيادة عن غير المدونة، فإنه قال في باب العتق بالسهم لخ من كتاب العتق الأول ما نصه: وإن قال في مرضه: عشرة من رقيقي
стр. 6664
أحرار وهم ستون عتق سدسهم أخرج السهم أكثر من عشرة أو أقل ولو هلك عبيدة إلا عشرة لعتقوا إن حملهم الثلث وإن كثرت قيمتهم، وإن لم يحملهم الثلث عتق منهم مبلغة بالقرعة ورق ما بقي، وإن بقي منهم أحد عشر عتق منهم عشرة أجزاء من أحد عشر جزءا بالسهم إن حمل ذلك الثلث، وإن بقي منهم عشرون عتق نصفهم بالقرعة في الثلث، وإن بقي ثلاثون عتق ثلثهم يجعل أبدا ما مات كأنه لم يكن وتنسب ما سمى لما بقي وهذا كله قول مالك.
والقرعة بين العبيد إنما هي على قيمهم ولو سمى جزءا فقال سدسهم لم يعتق إلا سدس من بقي منهم بالسهم ولو بقي واحد لعتق سدسه، وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: سواء سمى جزءا أو عددا فإنما يعتق ممن بقي جزء ما كان يعتق من الجميع، مثل أن يوصي بعتق خمسة وهم ثلاثون فيهلكون إلا خمسة فإنما يعتق سدس الخمسة. وقاله ابن كنانة. ومن المدونة: ولو قال رأس من عبيدي ولم يعينه فبالسهم يعتق منهم إن كانوا خمسة يوم يقومون عتق خمسهم أو ستة فسدسهم أخرج ذلك أقل من واحد أو أكثر. ابن المواز: قال أشهب: ولو قال يعتق من كل رأس سدسه لجاز، وأحب إلي أن يعتق سدس قيمتهم خرج لذلك رأس أو بعض رأس. محمد: وهو قول مالك وأصحابه، وروى مطرف عن مالك فيمن قال عند موته رأس من رقيقي أو أحد عبيدي حر وهم ثلاثة فأقرع بينهم فخرج أحدهم وهو أكثر من ثلث قيمتهم فإنه يعتق كله إن حمله الثلث وأخذ به مطرف وقال وهو قول ابن أبي حازم وأصحابُ مالك كلهم على خلاف ذلك. انتهى. وهو صريح في أن مذهب مالك في المدونة والموازية والواضحة وقول جميع أصحابه ابنِ القاسم وغيرِه هو ما ذكرناه وقد سلمه، فكيف يجمل بالص العدول عنه إلى ما درج إليه من أحد أقوال ابن القاسم مع أنه في غير المدونة؟ ويترك قوله فيها وقول مالك فيها وفي غيرها وقول جميع أصحابه، وكيف يجمل بحواشيه وشروحه السكوت عنه؟ وكلام ال تتائي يدل على أنه حمل كلام المص على قول مالك، ونصه: فواحد منهم حر بالقرعة، قال في العتبية: كقوله أحد عبيدي حر، قال في الكافي: يعدلون بالقيمة ويجزءون ثلاثة أجزاء معتدلة القيمة، وتبعه علي الأجهوري موضحا له بالمثال، فقال ما نصه: فإن كانت قيمة أحدهم عشرين مثلا والثاني ثلاثين والثالث أربعين فإنه يجعل من قيمته عشرون مع ربع من قيمته أربعون جزءا وثلاثة أرباع من قيمته
стр. 6665
أربعون جزءا آخر ومن قيمته ثلاثون جزء آخر، ويكتب ثلاث رقاع في واحدة منها حر وفي الاثنتين رقيق ثم تجعل الأوراق في كيس أو نحوه ثم يقال لآخر أخرج واحدة لجزء بعينه، فإذا خرجت فيه الحرية فإنه يعتق من خرجت عليه ويرق من عداه، فإذا خرجت على من قيمته عشرون عتق مع ربع من قيمته أربعون، وإذا خرجت على من قيمته أربعون أعتق منه ثلاثة أرباعه وهكذا. انتهى. ونقله مصطفى وقال عقبه ما نصه: وتوبع على ذلك، وفي جعلهم هذا تقريرا للقول الذي درج عليه المص سهو لقوله: "واحد بالقرعة" وإنما يأتي هذا على غيره. انتهى.
قال الرهوني: في جزمه بأنه سهو نظر بل فهموه على ذلك ليسقط الاعتراض عن المص في عدوله عن القول المشهور إلى أحد أقوال ابن القاسم من غير موجب، ولو عدل إلى قوله إنه يعتق من كل واحد منهم الجزء المسمى لعددهم إن كانوا ثلاثة فالثلث لخ لكان له وجه لوافقته فيه للمغيرة، وقول ابن رشد فيه إنه القياس مع أن هذا لا يقبله لفظه بحال فتعين حمله على قول مالك وأصحابه الذين منهم ابن القاسم، فقوله: واحد أي إن استوت قيمتهم أو أخرج سهم الحرية فيمن وافقت قيمته ثلث قيمتهم وإلا فواحد وزيادة أو بعض واحد يسهل هذا موافقته لقول ابن القاسم وروايته في المدونة، وقول غيره من أصحاب مالك فتأمله بإنصاف. انتهى.
تنبيهان: الأول: كلام الأجهوري صريح في أنه إذا خرج سهم الحرية في ذي العشرين تعين التكميل بربع ذي الأربعين وقد سلمه مصطفى وغيره، وهو غير مسلم لمخالفته لما في المدونة وغيرها، ففي كتاب العتق الأول ما نصه: وإذا انقسم العبيد على الجزء الذي يعتق منهم جزئتهم بالقيمة وأسهمت بينهم فأعتقت ما أخرجه السهم، وان لم ينقسموا على الأجزاء علمت قيعة كل واحد وكتبت اسمه في بطاقة وأسهمت بينهم، فمن خرج منهم اسمه نظرت، فإن كانت قيمته مبلغ الجزء الذي يعتق منهم عتق وإن زادت قيمته عتق مبلغة فقط، وإن نقص عنه عتق وأعدت السهم لتمام ما بقي من جزء الوصية فإما أن يقع لذلك عبد أو بعض عبد. انتهى منها، ومثله لابن يونس عنها وزاد نسبته لابن حبيب أيضا، ففهم منه أنه إذا وقع السهم في فرض الأجهوري على ذي العشرين أعيد السهم مرة أخرى، فإن خرج سهم الحرية على ذي الثلاثين عتق ثلثه،
стр. 6666
وإن خرج على ذي الأربعين عتق منه ربعه، وفهم منه أيضا أنه لا يجعل ذو العشرين مع ربع ذيَ الأربعين أولا جزءا خلافا للأجهوري فيهما ولظاهر ما في ال تتائي عن الكافي، وإن سلمه ابن عاشر ومصطفى وغيرهما فتأمله بإنصاف.
الثاني: ظاهر قول الأجهوري: وإن خرجت على من قيمته أربعون عتق منه ثلاثة أرباعه أنه لا يكمل الربع الثالث بالسراية، وتقدم في نقل ابن يونس عن ابن حبيب أن ذلك هو الذي عليه أصحاب مالك خلافا لمطرف، وروايته عن مالك وابن أبي حازم وما نسبه لأصحاب مالك هو الذي يفيده كلام المدونة السابق لقولها عتق مبلغة فقط، وصرح بذلك في الأمهات كما في التنبيهات عنها، ونصها: وإن خرج سهمه كفاء الجزء الذي سمى عتق وحده ورقوا جميعا، وإن كان أكثر عتق منه مبلغ ما سمى ورق ما زاد ورق جميعهم. انتهى. والظاهر أن هذا بعينه يجري فيما إذا عتق ذو العشرين وجزءا (١) من غيره إن سكتوا عنه. والله أعلم. قال جميعه الرهوني.
وإذا ولدت زوجة رجل وأمة آخر واختلطا عينته القافة يعني أنه إذا ولدت زوجة رجل وولدت أمة رجل آخر واختلط الولدان فقال كل لا أدري ولدي من هذين، أو تداعيا واحدا ونفيا الآخر فإنه تدعى القافة جمع قائف وهو الذي يعرف الناس بالشبه، فمن ألحقته القافة بأب لحق به وسواء كان ولد الأمة من سيدها أو من غيره من نكاح أو غيره.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: والضمير في اختلطا للولدين المفهومين من ولدت لخ، والضمير في عينته للولد أي عينت القافة الولد لمن هو له أي يعمل بقولها فيمن قالت إنه ابنه، فإن لم يختلفا في تعيينه بأن ادعى كل واحدا بعينه فله بلا قافة. واعلم أنه إذا قال كل لا أدري ولدي من هذين فليس لهما أن يصطلحا خلى أن يأخذ كل واحدا. قاله ابن رشد نقله عبد الباقي. وقال الخرشي: القافة جمع قائف كبائع وباعة وهو الذي يعرف الأنساب بالشبه وهو علم صحيح، تقول قفيت أثره إذا تبعته مثل قفوت أثره، فإذا ولدت زوجة رجل وأمةءاخر أو زوجته وأمته وأمة الشريكين يطئانها في طهر واحد فتلد ولدا يدعيانه، فإن القافة تدعى في جميع ذلك.
стр. 6667
تنبيهات: الأول: قال في العمل المطلق: قال ابن هارون في اختصار النهاية: اختلف العلماء في القضاء بالقافة على ثلاثة مذاهب: أثبته الشافعي في الحرائر والإماء، ورواه ابن وهب عن مالك، ونفاه أبو حنيفة فيهما لأنه حكم بالحدس وقد يخطئ ويصيب، والمشهور عن مالك أنه يقضى به في الإماء دون الحرائر وبه القضاء. انتهى. أبو عمران: إنما خصت القافة بالإماء دون الزوجات لأن القافة إنما يحكم بها مع تساوي الفراش وهذا إنما يوجد في الإماء، ولا كذلك الزوجة فإنها لا تكون لاثنين في حال واحد ولا يصح فيها فراشان متساويان، وأيضا ولد الحرة لا ينتفي إلا بلعان. انتهى. ومرادهم بالحرائر الزوجة تتزوج في عدتها حرة كانت أو أمة، ومرادهم بالإماء الأمة الموطوءة لسيديها الشريكين أو المتبايعين لا كل أمة، فإن ولد الثانية تدعى له القافة وولد الأولى يلحق بزوجها الأول تزوجت قبل حيضة أو بعدها ووضعته لأقل من ستة أشهر من دخول الثاني، وإلا فيلحق بالثاني ولا تدعى له القافة هكذا ذكر المسألة في طلاق السنة من المدونة، وما عدا ما ذكر لا فرق فيه بين الحرائر والإماء، فتدخل القافة إذا كان لكل منهما زوج واختلط ولداهما حرتين كانتا أو أمتين أو مختلفتين، وكذا بين الأمتين من غير نكاح كل واحدة من سيدها وبين الحرة المتزوجة وذات السيد؛ إذ ليس في هذا كله مزية لأحد (١) الفراشين على الآخر. ذكر هذا الشيخ مصطفى وغيره. انتهى كلام صاحب العمل المطلق.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: تحصل من هذا أن القافة لا تدعى في صورة واحدة وهي ما إذا اتحدت المرأة والولد بأن تزوجت قبل انقضاء عدتها حرة كانت أو أمة، فإن تزوجت قبل حيضة فهي للأول وكذا بعدها إن أتت به لأقل من ستة أشهر من دخول الثاني وإلا لحق بالثاني ولا قافة: وما عدا هذه الصورة تستوي فيه الحرة والأمة.
والحاصل أن المسائل أربع: يفرق بين الإماء والحرائر أي الزوجات كن إماء أو حرائر في واحدة وهي ما إذا اتحد الولد وتعدد الأب فالحرائر لا تدعى لها القافة والأمة تدعى لها، والصور الباقية يستوي فيها الحرائر والإماء، وهي ما إذا تعدد الولد مع تعدد الأب والأم أو مع تعدد الأب فقط، وصورة ذلك ما إذا طلقت المرأة فولدت بقرب طلاقها فتزوجت بقرب ولادتها فولدت من الثاني
стр. 6668
وغاب المطلق والزوج الثاني، ثم قدما بعد كبر الولدين فاختلفا في تعيين كل ولده فإن القافة تدعى لهما، وبقي من هذه الصورة تفاصيل آتي بها قريبا إن شاء الله تعالى الصورة الثالثة من الصور التي تستوي فيها الحرائر والإماء وهي الصورة الرابعة أن تضع زوجته وأم ولده في ليلة ابنا وابنة مثلا وجهلت التي ولدت الابن وكلتاهما تدعيه، فنسبهما معا ثابت يرثانه ويرثهما، فالقافة تلحق الأبناء بالأمهات، فقد قال سحنون: إن القافة يلحقون كل واحدة بولدها.
الثاني: قولهم: القافة لا تدعى في الحرائر فيه مجاز من وجهين أحدهما جمع الحرائر والمراد واحدة فقط، وجمعت نظرا لتعدد الوطء فيها من متعدد ثانيهما المراد بالحرة المتزوجة كما عرفت حرة كانت أو أمة، فإذا كان الولد واحدا والواطئ متعدد فإن وطئها كل بطهر فلأوَّلِهما وطئًا إلا أن تأتي به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني فله ولا قافة سواء وطئها كل بنكاح أو بملك أو أحدهما بنكاح والآخر بملك، فإن وطئاها بطهر فالقافة إن وطئا بملك لا إن وطئاها بنكاح فللأول وطئًا ولو أتت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، وانظر إذا لم يعلم أولهما وطئا، وانظر أيضا إذا وطئاها معا بطهر وكان أحدهما عن ملك والآخر عن نكاح، فهل يغلب جانب الملك مطلقا أو النكاح مطلقا أو المتقدم منهما؟ قاله عبد الباقي.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: والظاهر أن تدعى القافة في جميع ما نظر فيه، وقول عبد الباقي: فإن وطئاها بطهر إلى قوله لا بنكاح فللأول وطئا ولو أتت به لستة أشهر لخ، قال البناني: هذه الصورة هي محل قولهم القافة لا تدخل في الحرائر، ومرادهم المرأة المتزوجة في العدة، وذلك أن المطلقة إذا تزوجت قبل حيضة فأتت بولد لحق بالأول؛ لأن الولد للفراش والثاني لا فراش له، والأمة إذا وطئها الشريكان بطهر أو بيعت بعد وطئها فوطئها المبتاع في ذلك الطهر فأتت بولد فادعياه دعيت القافة. هكذا المسألة مفروضة في المدونة وغيرها. وأما في غير هذا الفرض فلا فرق بين الإماء والحرائر، ومنه فرض المص يعني من الغير.
قال المتيطى في باب اللعان: وإن تزوجت امرأة في عدتها فأتت بولد لأقل من ستة أشهر من نكاح الثاني فهي للأول، وإن أتت به لستة أشهر قبل حيضة فهو للأول أيضا إلا أن ينفيه بلعان فيلحق بالثاني، وإن كان بعد حيضة فهو للآخر إلا أن ينفيه بلعان فيلحق بالأول، فإن نفاه
стр. 6669
الأول بلعان لم يكن لواحد منهما، وأما الأمة يطؤها السيدان في طهر فتأتي بولد مما يشبه أن يكون من كل واحد منهما فإن القافة تدعى ويلحق بمن ألحقته به منهما، فإن ألحق بالثاني كانت له أم ولد وإن ألحق بالأول فكذلك وينفسخ. انتهى.
الثالث: قوله ﷺ في الحديث الشريف: (الولد للفراش وللعاهر الحجر (١)) هو شامل للنكاح بالأحرى؛ لأن الفراش فيه أقوى لا أن الحديث ورد فيه لأنه خلاف الواقع.
الرابع: قال عبد الباقي: عند قوله "عينته القافة" ما نصه: جمع قاثف كباعةٍ جمع بائع وهو من يعرف النسب بالشبه ولا يختص ببني مدلج. انتهى.
قال البناني: قال الأبي في شرح مسلم ما نصه: قال تقي الدين: اختلف قول السلف في القافة هل هي مختصة ببني مدلج أم لا؟ لأن الراعى فيها إنما هو إدراك الشبه وهو غير خاص بهم، أو يقال إِنَّ لهم في ذلك قوة ليست لغيرهم، وكان يقال في علوم العرب ثلاثة: السيافة والعيافة والقيافة، فالسيافة شم تراب الأرض فيعلم به الاستقامة على الطريق والخروج عنها، والعيافة زجر الطير والطيرة والتفاؤل ونحو ذلك، والقيافة اعتبار الشبه في إلحاق النسب. انتهى منه. انتهى.
وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع بنتها أخرى لا تلحق به واحدة يعني أنهم رووا عن ابن القاسم في امرأة ولدت بنتا فاختلطت مع بنت أخرى أنه لا تلحق بالزوج واحدة منهما، وهذا الفرع مخالف لما قبله فهو ضعيف، وأصل هذه المسألة أن رجلا كانت زوجته تلد بنات، فأراد سفرا فحلف على زوجته إن ولدت بنتا لأطيلن الغيبة، فولدت بنتا في غيبته فأمرت الجارية بطرحها خوفا منه، فلما رجعت قدم الزوج من السفر فصادف الجارية في أثناء الطريق فسألها عن الخروج في هذا الوقت فحكت له القصة، فأمرها أن تأتي بها فلما رجعت لها وجدت معها بنتا أخرى، فسئل عنها ابن القاسم فأجاب بأنه لا تلحق به واحدة منهما. قاله الخرشي. وقال المواق من كتاب ابن ميسر: من حلف لزوجته إن ولدت جارية لأغيبن عنك غيبة طويلة، فولدت في سفره جارية فبعثت بها خادمها في جوف الليل لتطرحها على باب قوم، ففعلت فقدم زوجها فوافق
стр. 6670
الخادم خارجة فأنكر خروجها حينئذ وحقق عليها فأخبرته، فردها لتأتي بالصبية فوجدت صبيتين فأتت بهما فأشكل على الأم أيتهما هي منهما؟ قال ابن القاسم: لا تلحق به واحدة منهما. وقاله محمد. وقال سحنون: تدعى لهما القافة وبه أقول. انتهى.
وإنما تعتمد القافة على أب لم يدفن يعني أن القافة إنما تعتمد في معرفة الأنساب بالشبه على أب لم يدفن، وكذا لو دفن وكانت القافة تعرفه قبل موته معرفة تامة فإنها تعتمد على ذلك أيضا، فلو قال على أب لم تجهل صفته لكان أشمل، ويكفي واحد على المشهور وقيل لابد من اثنين. قال غير واحد. وعبارة عبد الباقي: ويكفي قائف واحد على المشهور خلافا لظاهر تعبيره بالجمع ولم يتعرض لكون الولد حيا، وذكر ابن عرفة فيه خلافا كما في أحمد، فقال: وفي قصرها على الولد حيا وعمومها حيا وميتا سماع أصبغ. ابن القاسم: إن وضعته تاما ميتا لا قافة في الأموات، ونقل الصقلي عن سحنون: إن مات بعد وضعه حيا دعيت له القافة، ويحتمل ردهما إلى وفاق لأن السماع فيمن ولد ميتا، وقول سحنون فيمن ولد حيا ولم أقف لابن رشد على نقل خلاف فيها، وعلل اللخمي كلام سحنون بأن الموت لا يغير شخصه، قال: إلا أن يفوت الولد. انتهى. قوله: علل اللخمي كلام سحنون لخ فيه نظر، بل العلة من كلام سحنون كما نقله ابن عرفة لا من كلام اللخمي، ونص ابن عرفة: ولما نقل اللخمي قول ابن القاسم، قال: وخالفه سحنون في كتاب ابنه، فقال: إن وضعته بعد ستة أشهر حيا ثم مات دعي له القافة؛ لأن الموت لا يغير شخصه إلا أن يفوت الولد. انتهى. قاله البناني.
فرع: قال الحطاب: قال البرزلي في مسائل النكاح والطلاق: إذا فرض عدم القافة فإنه إذا كبر الولد يوالي أيهما شاء بمنزلة ما إذا أشكل الأمر، فإن مات قبل ذلك ورثاه وإن ماتا ورثهما معا. انتهى. ومفهوم قوله: "أب" أن القافة لا تعتمد على شبه غير الأب من الأقارب، قال المواق: سحنون وعبد الملك: لا تلحق القافة الولد إلا بأب حي، فإن مات فلا قول للقافة في ذلك من جهة قرابته إذ لا تعتمد على شبه غير الأب. انتهى. وقد مر عن سحنون فيما إذا اختلط الولدان من زوجة رجل وأم ولده أن النسب ثابت لهما على الأب وأن القافة تلحق كلا بأمه وهو مخالف
стр. 6671
لعموم هذا الكلام، ويمكن أن يوافق بينهما بأن كلام سحنون هذا حيث لم يثبت نسبه على الأب، وما مر فيما إذا تحقق نسبه. والله تعالى أعلم. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه.
وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسب يعني أنه إذا أقر عدلان بثالث عمان أو أخوان أو ابنا عم أو غيرهما، فإنه يثبت النسب لذلك المقر به ويثبت له الإرث أيضا بثبوت النسب كلما هو واضح، واقتصر على ثبوت النسب لثبوت الإرث بذلك إن لم يكن مانع إذ قد يثبت الإرث ولا يثبت النسب كما في المسألة التي بعد هذه، قال عبد الباقي: وإن أقر عدلان أخوان أو عمان أو ابنان بثالث ثبت النسب للمقر به، فإن كانا غير عدلين فللمقر به ما نقص من حصة المقر، وظاهر هذا أن إقرار اثنين أو أكثر من غير العدول لا يثبت به نسب المقر به ولو كان من أقر به محيطا بالإرث. ابن يونس: إجماع أهل العلم: لا يصح نسب بغير عدول، وللمازري عن ابن القصار ثبوته بإقرارهما إن كانوا ذكورا وحازوا الميراث كله، ولم يتكلم على ما إذا كن نساء حزنه كزوجة وبنت وأخت لعدم ثبوت النسب بشهادتهن فلا يقبل إقرار اثنتين منهن ولا أكثر بوارث. انتهى. قوله: "وإن أقر عدلان" قال الخرشي: ومراده بالإقرار الشهادة؛ لأن النسب لا يثبت بالإقرار لأنه قد يكون بالظن، فلو كانا غير عدلين فللمقر به ما نقص من حصة المقر بالإقرار. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسب" ما نصه: ابن عرفة: عبر عنه ابن شأس والحوفي بلفظ: إن شهد وارثان وهو أصوب؛ لأن الإنسان يجوز إقراره بما يظنه دون تحقيق ولا يشهد بذلك.
وعدل يحلف معه ويرث ولا نسب قال الخرشي: فاعل يحلف المقر به، وضمير معه للمقر؛ يعني أن العدل إذا أقر بوارث فإن المقر به يحلف مع المقر العدل، ويرث من غير ثبوت نسب على ما للباجي والطرطوشي وابن الحاجب وابن شاس والذخيرة وابن عبد السلام، مع أنه قال في توضيحه: المذهب خلافه على ما نقله العلماء قديما وحديثا أن العدل كغيره، وليس للمقر به إلا ما نقص من حصة المقر بسبب الإقرار من غير حلف كما هو ظاهر كلام المؤلف في باب الفرائض، حيث قال: "وإن أقر أحد الورثة فقط بوارث فله ما نقصه الإقرار" فما ذكره هنا خلاف المذهب،
стр. 6672
فإن أقر وارث بمن يحجبه أعطي جميع ماله كما لو أقر أخ بابن. انتهى. وقال ابن غازي: سلم في التوضيح أن هذا خلاف المعروف من المذهب وهو كذلك. انتهى المراد منه.
وإلا يكن المقر عدلا فحصة المقر بكسر القاف غير العدل كالمال أي كأنها هي المال المتروك، فإذا كانا ولدين أقر أحدهما بثالث فحصة المقر هي النصف بين ثلاثة، فينوب المقر به ثلثها وهو سدس جميع المال، والسدس الآخر ظلمه به المنكر، ثم محل كون حصة المقر كالمال إذا كان الإقرار قبل القسمة أو بعدها والمال عين، فإن كان بعدها والال عرض فإن المقر يدفع للمقر به ما يصيبه من العرض الذي بيده، ويضمن له ما باع من العرض الذي أسلم للورثة لأنه لا يصدق على نقض البيع، مثاله لو ترك ابنين أخذ أحدهما دارا والآخر أرضا ثم أقر آخذ الدار بأخ ثالث فيدفع له ثلث الدار، قال أهل المدينة وأهل البصرة: ويضمن له سدس قيمة الأرض لأنه لو أقر به وبيده نصف الأرض ونصف الدار لدفع له ثلث ذلك فلما باعه ضمن قيمته. وقال أحمد بن ميسر: يخير المقر به بين أن يضمنه سدس قيمة الأرض أو يأخذ سدس الدار فيكون له نصفها وللمقر نصفها. انتهى. وبه تعلم أن كلام الزرقاني وقع فيه نقص والله أعلم. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: ثم إن قول المص: "يحلف معه ويرث" ضعيف، والمذهب أن للمقر به ما نقص من حصة المقر بسبب الإقرار، سواء كان المقر عدلا أو غير عدل وهو ظاهر إطلاقه في باب الفرانض، حيث قال: وإن أقر أحد الورثة فقط بوارث فله ما نقصه الإقرار وهذا إذا كان المقر رشيدا، فإن كان سفيها لم يؤخذ من حصته شيء، قال أحمد: وإنما لم يكن المذهب الحلف مع الشاهد؛ لأن ذلك بمثابة ما إذا قام شاهد على أن فلانا وارث فلان فإنه لا يعتبر الشاهد هنا؛ لأن أخذ المال بالإرث فرع ثبوت النسب وهو لا يثبت بالشاهد واليمين ولم يعتبر فيما نحن فيه. انتهى.
تنبيه: أشعر قوله: "ويرث" أنه إن أقر بمن يحجبه أعطي جميع ماله كما لو أقر أخ بابن كما في التلمسانية مع زيادة أن الإقرار قد يجر غير المقر به أيضا في قضية تسمى: العقرب تحت طوبة، وإزا أقر أحد الورثة بدين أخذ من نصيبه بقدره عند ابن القاسم، وعند أشهب: يؤخذ جميع
стр. 6673
نصيبه لأنه لا إرث إلا بعد وفاء الدين. انظر الحطاب. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: كما في التلمسانية، نص التلمسانية:
فصل فإن ألحق من قد يحجبه … فكل ما بيده يستوجبه
كعاصب وأخوات شتى … أثبتت التي للام بغتا
ولم يوافق غيرها فتدفع … لها الذي بيدها وتمنع
وقد يجر غيرها الإقرار … فيقع الحصاص لا الإنكار
وذاك في قضية منسوبه … تعرف بالعقرب تحت طوبه
الستياني: هي فريضة امرأة تركت زوجا وأما وأختا لأم أقرت الأخت ببنت فالإنكار من ستة، للزوج النصف وللأم الثلث وللأخت السدس، والإقرار من اثني عشر للزوج الربع وللأم السدس وللبنت النصف، وتسقط الأخت ويبقى للعاصب نصف السدس، والعاصب ليس هو في فريضة الإنكار، ولا أقرت الأخت له بشيء ولكن الإقرار تضمنه وهو وشيك بأن يغفل عنه: ولذا سميت: عقربا تحت طوبة. انتهى.
وحينئذ فسهم الأخت في الإنكار وهو السدس يقسم على سهم البنت في الإقرار وهو ستة، وسهم العاصب وهو واحد فيكون للبنت ستة أسباعه وللعاصب سبعة. وقوله: "وإلا فحصة المقر كالمال" ما قررته به هو الذي قرره به غير واحد، وقرره الحطاب على أن قوله: "وإلا فحصة المقر" ينتهي عندها الكلام أي وإن لم يكن المقر عدلا، فإنما يرث المقر به من حصة المقر فقط ولم يبين ما يأخذه منها اعتمادا على ما يقوله في باب الفرائض حيث يقول: "وإن أقر أحد الورثة فقط بوارث فله ما نقصه الإقرار"، وقوله: "كالمال" تشبيه في أصل المسألة أي إن شهد عدلان من
стр. 6674
الورثة بمال في ذمة الميت ثبت، وإن شهد عدل حلف معه وثبت وإن لم يكن عدلا، فقال في كتاب الشهادات من المدونة: وتجوز شهادة الوصيين أو الوارثين بدين على الميت، فإن شهد لصاحب الدين في لك واحد من الورثة حلف معه إن كان عدلا واستحق حقه، فإن نكل أخذ من شاهده قدر ما يصيبه من الدين وإن كان سفيها لم تجز شهادته ولم يرجع عليه في حصته بشيء. انتهى.
قال أبو الحسن: قال عياض: قالوا ظاهره اشتراط الرشد في العدالة وهو قول أشهب إن شهادة السفيه لا تجوز وإن كان عدلا في نفسه وأجازها مالك، وفي كتاب التفليس في باب الشهادة على الميت بدين: قبول شهادته وإن كان سفيها، وتكررت هذه المسألة هنا في الشركة وفي المديان والوصايا، وهذه المسألة لا تخلوا من أربعة أوجه: عدل رشيد يؤخذ منه ويؤخذ بشهادته، عكسه سفيه مسخوط لا يؤخذ منه لأنه سفيه ولا يؤخذ به لأنه مسخوط، عدل سفيه لا يؤخذ منه وهل يؤخذ به قولان؟ رشيد غير عدل يؤخذ منه ولا يؤخذ به ولم أو فيه خلافا. انتهى كلام أبي الحسن. والذي مشى عليه المص في باب الشهادات أن شهادة السفيه لا تجوز. قاله الحطاب والله تعالى أعلم.
وهذا أخي بل هذا فلأول نصف إرث أبيه وللثاني نصف ما بقي يعني أنه إذا مات شخص عن وارث واحد كابن مثلا، فقال الابن لأحد شخصين معينين هذا أخي ثم قال لا بل هذا لشخص آخر، فإن الذي أقر به أولا يأخذ نصف التركة لاعترافه له بذلك إذ إضرابه عنه لا يسقط حقه، ويأخذ المقر به ثانيا نصف ما بيد المقر وهو ربع التركة، ولو قال لثالث بل هذا أخي لكان له نصف ما بقي بيده وهو ثمن التركة. واعلم أنه إذا كان العطف للإضراب كما هنا فلا فرق بين أن يكون بمهلة وأن يكون بالفور، وإنما التفصيل بين المهلة والفور إذا كان العطف للتشريك، مثل هذا أخي، وهذا أخي فإن كان بمهلة فهو على ما ذكر وإن كان في فور واحد فهو بينهم، فإن قيل ما الفرق بين هذه وما تقدم من أن من قال غصبته من فلان لا بل من آخر فإنه للأول وللثاني قيمته وكان المناسب عليه أن يكون النصف جميعه للثاني؟ فالجواب أن الغاصب لما كان
стр. 6675
متعديا لم يعذر بخطئه، بخلاف الوارث فإنه عذر هنا بالخطإ. انظر التوضيح. اهـ. وهو حسن إذ قوله لم يعذر بخطئه أي لعدم ملكه، وقوله فإنه عذر بالخطإ أي لأنه في ملكه. قاله عبد الباقي. وقال الرهوني: وهذا أخي بل هذا لخ هذا قول سحنون في نوازله من كتاب الاستلحاق. ونصه قيل له فلو أنه أقر لثلاثة نفر أجنبيين، فقال لأحدهم: هذا أخي لا بل هذا أخي لا بل هذا أخي، قال: فيكون للأول المقر له نصف ما ورث عن أبيه، ويكون للثاني نصف النصف الذي بقيَ في يديه فيصير له منه الربع، ويكون للثالث نصف الربع الذي يبقى في يديه. قال سحنون: وقد قال فيها بعض أصحابنا: إنه يغرم للثاني مثل ما صار للأول، ويغرم للثالث مثل ما صار للأول لأن كل واحد يقول أنت أتلفت علي مورثي من هذا، قال القاضي: القول الذي حكاه سحنون عن بعض أصحابه أصح في النظر من قوله للعلة التي ذكرها من أنه قد أتلف على كل واحد منهما حقه بإقراره به لغيره، وعدل المص عن القول الثاني مع تصحيح ابن رشد له لتصدير ابن الحاجب بالأول وحكايته الثاني بقيل مع قول ابن يونس إنه الجاري على قول ابن القاسم وكذا قال ابن عبد السلام. انتهى المراد منه.
وإن ترك أما وأخا فأقرت بأخ فله منها السدس قد علمت أنه إذا أقر أحد الورثة بوارث فللمقر به ما نقص المقر إقراره به وهذا من ذلك، فإذا هلك هالك وترك أما وأخا فأقرت الأم بأخ فإن الأخ المقر به له منها أي من نصيب الأم الذي تستحقه في الإنكار السدس؛ أي لها في حال الإنكار الثلث والثلثان للأخ الثابت النسب، فلما أقرت الأم بالأخ لم يكن لها إلا نصف الثلث وهو السدس؛ أي سدس جميع التركة، وتدفع للأخ المقر به نصف الثلث وهو سدس جميع التركة فقد أخذ السدس من نصيبها، ولو تعدد الأخ الثابت لم يكن للمقر به شيء؛ إذ إقرارها لا ينقصها عن السدس، فلا شيء معها تعطيه للمقر به وظاهر المص ولو كان الأخ الثابت شقيقا والمقر به لأب؛ لأنه إنما يأخذه بإقرارها لا بالنسب. وقوله: "فله منها السدس" ولا شيء للأخ المنكر من السدس المقر به لاعترافه أن الأم ترث معه الثلث، وإن أقر ميت أطلق عليه ميتا باعتبار ما يئول إليه مع قوله ذلك عند حضور موته.
стр. 6676
وعلق بقوله: "أقر" قوله: بأن فلانة جاريته بدل مما قبله أو عطف بيان وخبر أن قوله: ولدت منه فلانة مفعول "ولدت" ولها أي للجارية التي ولدت فلانة ابنتان أيضا من غيره، والحال أنه نسيتها أي الجارية الولودة له الورثة فاعل نسيتها، والبينة أي نسيتها البينة كما نسيتها الورثة أي نسي الجميع اسمها، وجواب الشرط هو قوله: فإن أقر بذلك أي بنحو ما شهدت به البينة الورثة العقلاء البالغون مع نسيانهم كالبينة اسم البنت المقر بها أنها منه فهن أي أولاد الجارية الثلاثة أحرار على المعتمد ولهن ميراث بنت يقسم بينهن ولا نسب لواحدة منهن. قاله عبد الباقي. وقال ما نصه: والفرق بين ثبوت ميراث [بنت] (١)، لهن هنا وبين عدمه في قوله: لأولاد أمته أحدهم ولدي مع تحقق الولدية في المسألتين لشخص واحد أن كل من احتمل ثبوت الولدية لها في هذه المسألة ليس له مانع الميراث، بخلاف مسألة أحدهم ولدي فإن ببعضهم المانع وهو الرق وببعضهم وهو من تحرر جميعه الشك في ولديته. انتهى المراد منه.
قوله: والفرق بين ثبوت ميراث بنت لهن لخ، قال البناني: في هذا الفرق نظر بل لا يفيد لأن كون المانع قائما ببعضهم إنما هو مبني على تسليم ما سبق وفيه الكلام وعنه السؤال فالمطلوب الفرق بين عتق الجميع هنا وعدمه هناك، والصواب أنهما مسألة واحدة ولذلك عارض ابن رشد بينهما في نوازل سحنون، فقال إقرار الورثة بذلك كقيام البينة على قوله: إحدى هذه الثلاث ابنتي ولم تسمها فالشهادة جائزة اتفاقا، وقوله: يعتقن كلهن خلاف قوله في السابقة. انتهى. وقال ابن عبد السلام: عتقهن كلهن جار على قول ابن عبد الحكم في المسألة السابقة: يعتق الجمهيع. انتهى. نقله مصطفى. فلو كان بينهما فرق لذكره.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: رأيت معزوا لأبي علي ما نصه: قال أبو علي قد يجاب عنه بأن الميت لم يمت حتى عين والورثة فرطوا حيث نسوا، بخلاف ما تقدم فإن الإبهام من الميت ولا تفريط من الورثة فشدد عليهم هنا لتفريطهم لاسيما على أن العتق لا يكون بالشك فروعي هنا للتفريط، وإنما لم تعتق الصغرى على كل حال عند إنكار الورثة؛ لأن الشهادة بطلت من أصلها حتى في واحدة لأجل النسيان، ولا كذلك فيما تقدم لأن واحدا حر على كل حال. انتهى.
стр. 6677
وإلا تقر الورثة بما شهدت به البينة مع نسيان البينة اسمها لم يعتق منهن شيء لا شقص ولا غيره؛ لأن شهادتها حينئذ كالعدم؛ لأن الشهادة إذا بطل بعضها بطل كلها والفرق بين هذا وبين عتق الأصغر في المسألة السابقة على كل حال هو ما قدمته قريبا، وهو أن الشهادة هنا بطلت لوقوع النسيان في بعضها بخلاف السابقة فالإبهام فيها وقع من الميت، بقوله أحدهم ولدي وهم شهدوا على قوله فثبتت الشهادة قاله البناني وهو الذي قدمته عن أبي علي ومفهوم قوله: ونسيتها البينة أنها إن لم تنس اسمها فهي حرة فقط، ولها الميراث أنكر الورثة أو اعترفوا.
وإن استلحق ولدا ثم أنكره ثم مات الولد فلا يرثه يعني أن من استلحق ولدا يلحق به، فإن أنكره بعد ذلك بأن قال ما هو ولدي ثم مات الولد، فإن الأب لا يرث الولد المذكور لأنه أنكر انتسابه إليه. وعلم مما قررت أن الولد مات قبل موت المستلحق الذي نفاه، وإذا مات الولد وقلنا إن المستلحق بالكسر لا يرثه وقف بالبناء للمفعول ماله أي مال الولد الميت إلى موت الأب أو قيام الغرماء عليه أي على الأب كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى، فإن مات الأب فالمال الموقوف يدفع لورثته أي ورثة الأب لأن إنكار الأب بعد استلحاقه لا يقطع حق ورثة، وقضي به دينه أي وإذا مات الولد ووقف ماله فإنه يقضى به دين الأب الذي مات، وإن قام غرماؤه أي غرماء الأب وهو أي الأب حي أخذوه أي مال الولد الموقوف، فإن بقي منه شيء بعد قضاء دين الأب وقف حتى يموت الأب، فإن مات الأب أولا أي قبل موت الولد ورثه الولد بالإقرار الأول وهو الاستلحاق لثبوت نسبه بذلك الاستلحاق فلا يسقط بإنكاره، ثم إن مات الابن بعد موت الأب ورثه عصبته من قبل أبيه المستلحق. قاله ابن رشد.
وهذه المسألة يلغز بها من وجهين: أحدهما أن يقال أب له ولد وليس بأحدهما مانع من موانع الميراث ويرث الولد أباه إذا مات ولا يرث الأب اليولد إذا مات، ثانيهما شخص له مال يوفى منه دينه ويأخذه غرماؤه ووارثه وليس له التصرف فيه مع أنه غير محجور عليه. قاله عبد الباقي.
تنبيهات: الأول: قال في المغني: إذا استلحق الرجل رجلا لحق به نسب أولاد المستلحق، ومن نفى ولده ثم استلحقه ثبت نسبه منه. انتهى. قاله الحطاب.
стр. 6678
الثاني: يجتمع لحوق الولد والحد في مسائل، إحداها: الرجل تكون عنده الأمة فتلد منه فيقر بعد الولادة أنه غصبها فيلحق به الولد لأنه يتهم على قطع نسبه ويلزمه الحد، الثانية: من اشترى جاريتين على أن له الخيار في إحداهما فأقر أنه اختار واحدة ثم وطئ الأخرى فإنه يحد ويلحق به الولد، الثالثة: من اشترى أمة فولدت منه ثم استحقت بحرية فذكر أنه يعلم أنها كانت حرة ووطئها بعد ذلك فيحد ويلحق به الولد، الرابعة: من اشترى جارية فوطئها فخاصمه ربها فقال ادفع ثمن جاريتي التي بعت منك، فقال الواطئ إنما تركتها عندي أمانة ووديعة فإنه يحد ويلحق به الولد.
الثالث: قال السهيلي في شرح السيرة في حديث الإسراء: ومروره على النساء التي أدخلن على الرجال ما ليس منهم من الأولاد فإن بلغ الصبي وتابت أمه فأعلمته أنه لغير رشده ليستعفف عن ميراثهم ويكف عن الاطلاع على عوراتهم أو علم ذلك بقرينة حال وجب عليه ذلك، وإلا كان شر الثلاثد كما جاء في الحديث في ابن الزنى أنه شر الثلاثة، وقد تؤول على وجوه هذا أقر بها إلى الصواب. انتهى. وقيل في تأويله إذا عمل بعمل أبويه، وفيءاخر باب الزنى من النوادر عن كتاب ابن حبيب قال الشعبي: ولد الزنى خير الثلاثة إذا اتقى الله، قيل له فقد قيل إنه شر الثلاثة؟ قال: هذا شيء قاله كعب، لو كان شر الثلاثة لم ينتظر بأمه أن تضع. وقال ابن عباس: هو عبد من عبيد الله إن أحسن جوزي وإن أساء عوقب، وقال عمر: أعتقوا أولاد الزنى وأحسنوا إليهم واستوصوا بهم. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: ولما أنهى الكلام على الإقرار وهو يكون بالوديعة وغيرها أتبعه بالكلام على الوديعة، فقال:
стр. 6679
باب: ذكر فيه الوديعة وأحكامها وما يتعلق بها، وهي مأخوذة من الودع وهو الترك، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي ما ترك عادة إحسانه إليك في الوحي لأن المشركين ادعوا ذلك لما تأخر الوحي، وهي لغة الأمانة وتطلق على الاستنابة في الحفظ وذلك يعم حق الله وحق الآدمي، وعرف ابن عرفة الوديعة بقوله: الوديعة إذا كانت بمعنى الإيداع فهي نقل مجرد حفظ ملك ينقل فيدخل إيداع ذكر الحقوق، ويخرج حفظ الإيصاء والوكالة لأنهما لأزيد منه وحفظ الربع لأنه لا ينقل، وقول ابن الحاجب كابن شأس تابعين للغزالي استنابة في حفظ المال يبطل عكسه ما دخل وطرده ما خرج، وإذا كانت اسما فهي متملك نقل مجرد حفظه وهو المستعمل في عرف الفقهاء ولا يتناوله لفظ ابن شأس. انتهى. وإخراجه لفظ الربع من الوديعة اعترضه الوانوغي بقول المدونة في الهبات: إلا أن يكون له في يدك أرض أو دار أو رقيق بكراء أو عارية أو وديعة. انتهى. بناء على أن الثلاثة ترجع لكل واحد من الثلاثة، فيقتضي أن حفظ ربع غيره وعقاره وديعة. قال الوانوغي: وادعاء اللف والنشر في هذا المقام بعيد. انتهى. قال ابن غازي. في تكميله: وليس ببعيد. انتهى.
وقال الحطاب مؤيدا للوانوغي: ولم يذكر أحد إخراج العقار من الوديعة. انتهى. قال الرهوني: قول البناني عن ابن غازي وليس ببعيد قد سلم المشدالي ما قاله الوانوغي من أنه بعيد، وسلمه بقوله: لكونه خلاف الظاهر ولا دليل يعرف منه فوجب الوقوف عنده. انتهى. وسلمه الحطاب وهو حقيق بالتسليم، قلت: كلامهم يقتضي أنهم لم يقفوا على نص يشهد لإطلاق الوديعة على الربع إلا هذا النص الزي تنازعوا فيه مع أنه صرح في النوادر نقلا عن كتاب ابن المواز وابن عبد الحكم بتسمية الدار وديعة، وقد نقل الحطاب نفسه كلامه في الفرع الأول عند قول المص بعد "وبمنعها حتى يأتي الحاكم"، وأغفل الاحتجاج به هنا لا صوبه من كلام الوانوغي، ووقع أيضا صريحا في كلام اللخمي، ونصه: وإن قال في الدار وديعة منذ سنة ولم يثبت ذلك له يقبل قوله لإمكان أن تكون من شهر. انتهى منه بلفظه.
تنبيهات: الأول: قال ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب وهي جائزة من الجانبين ما نصه: وربما يعرض لها اللزوم من وجه آخر كما لو كان ربها عاجزا عن حفظها فيتعين عليه الإيداع
стр. 6680
(لنهيه ﷺ عن إضاعة المال (١))، فإن لم يجد من يحفظها له إلا واحدا تعين عليه قبولها وحفظها لوجوب إغاثة الملهوف. انتهى. ولا يعارض هذاما في المقدمات من قوله: ولا يلزم من استودع قبض الوديعة وجد المودع من يودعه أو لم يجد، قال ذلك ابن شعبان. فأما إذا وجد من يودع غيره فبين أنه لا يلزمه قبولها؛ لأن الله تعالى إنما أمره بالأداء ولم يأمر بالقبول، وأما إذا لم يجد من يستودعه إياه فينبغي أن يلزمه القبول قياسا على من دعيَ أن يشهد على شهادة أنه يلزمه ذلك إن لم يكن في البلد من يشهد غيره، فحمل كلام ابن شعبان على ما إذا لم يخف عليها: وظاهر كلام ابن عبد السلام سواء كان الخوف من تلفها بكحرق أو من أخذ غاصب مثلا ووجوب قبولها ظاهر في الوجهين معا، وكذا وجوب إيداعها على المالك في الوجه الأول لما علله ابن عبد السلام، وأما في الوجه الثاني فلا إذ لا إضاعة فيه لانتفاع الآخذ بذلك إن وقع حسبما يستفاد مما تقدم في الصلح عند قوله: "وعلى الافتداء من يمين" فراجعه متأملا. والله أعلم. انظر الرهوني.
الثاني: قال في كتاب الغصب من المدونة من غصب شيئا ثم أودعه فهلك عند المودع فليس لربه تضمين المودع إلا أن يتعدى. قاله الحطاب.
الثالث: ذكر عياض في مداركه عن بعض الشيوخ أن من قبل وديعة من مستغرق ذمة ثم ردها إليه ضمنها للفقراء. قاله الحطاب: وفي نقله عن بعض العلماء أنه أتاه رجل يشاوره أن أحدا من هؤلاء القوم -يعني الولاة أو الغصاب- أراد أن يستودعه مائة دينار وذكر أنه لا يجد منه بدا، فقال: إن كنت تقدر على غرمها فتأخذها منه وتتصدق بها على المساكين، فإن سألك فيها غرمتها له ثم ذكر له أن أصحاب سحنون سئلوا عن رجل ذهب له شيء وذهب فيما ذهب له ثوب ديباج فرآه يوما في يد جندي، قال: فلم يشك أنه ثوبه فاشتراه منه بسبع دنانير ثم مضى بالثوب، فلما فتحه إذا هو غير ثوبه، قال: فرجع إلى الجندي فقال يا هذا إنما ظننت أنه ثوبي فلذلك اشتريته، فقال لا عليك فرد الجندي يده إلى منطقته فصب منها دنانير فعد منها سبعة فأعطاها له وانصرف، قال: فلم يختلف عليه أصحاب سحنون أن عليه أن يتصدق بالدنانير وبقيمة الثوب
стр. 6681
أيضا، قال الشيخ: لأنه رد الثوب إلى غير مالكه ويجب حفظ الوديعة من التلف ولو أذن ربها في التلف.
وعرف المؤلف الإيداع بقوله: الإيداع توكيل بحفظ مال يعني أن الإيداع هو أن توكل شخصا على مجرد حفظ مال، قال عبد الباقي: الإيداع توكيل أي نوع خاص منه أي فمن جاز له أن يوكل جاز له أن يودع، ومن جاز له أن يتوكل جاز له أن يقبل الوديعة، وبقولنا نوع لخ دخل العبد المأذون له في التجارة، فإن له قبول الوديعة بغير إذن سيده، مع أنه لا يجوز له أن يتوكل إلا بإذن سيده. انتهى. قال البناني: قول الزرقاني في العبد المأذون مع أنه لا يجوز له أن يتوكل إلا بإذن لخ أصله للتوضيح، وتبعه الشارح وغيره واعترضه مصطفى قائلا: لم أو من قال ذلك. ونقل ابن عبد السلام وابن فرحون ما يفيد أن المأذون لا يتوقف توكله على إذن. انظر مصطفى. انتهى. والباء في قوله: "بحفظ مال" إما للملابسة أي توكيل متلبس بحفظ مال أو بمعنى على كما وقع له التصريح بذلك في باب القراض حيث، قال: "توكيل على تجر"، أو للظرفية بتضمين توكيل معنى استنابة كما صرح بذلك ابن الحاجب، وخرج الإيصاء لأنه ليس لمجرد الحفظ بل له معه النظر فيه، كما أشار إلى ذلك ابن عرفة. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال: ثم ظاهر قوله: "توكيل" أنه لا يشترط الايجاب والقبول وهو كذلك، فمن ترك متاعه عند جالس فسكت فضاع ضمنه لأن سكوته حين وضعه ربه رضى بالإيداع. انتهى.
قوله: ظاهر قوله توكيل أنه لا يشترط لخ فيه نظر، بل التوكيل يشترط فيه الإيجاب والقبول فكذلك الإيداع؛ لأنه نوع منه وصورة الحطاب لا نسلم خلوها منهما لأنهما يكونان باللفظ أو ما يقوم مقامه كالبيع، قال ابن عرفة: قال ابن شعبان: من سئل قبول وديعة ليس عليه قبولها وإن لم يوجد غيره. ابن عرفة: ما لم يتعين عليه قبولها بهلاكها إن لم يقبلها مع قدرته على حفظها. انتهى. فهذا صريح في توقفها على القبول. انتهى. قال عبد الباقي ودخل في قوله: "بحفظ مال" إيداع ذكر الحقوق. انتهى.
قال البناني: فيه نظر لأن ذكر الحقوق ليس بمال، وقد تقدم أن ابن عرفة اعترض تعريف ابن شأس الذي هو كتعريف المص بأنه يبطل عكسه ما دخل وطرده ما خرج، ويعني بما دخل ذكر
стр. 6682
الحقوق وبما خرج حفظ الرباع، لكن قد يجاب عن ذكر الحقوق بأنه لكونه قد يتضمن المال ويحفظ لأجله، كان مالا مجازا فصح دخوله، وأما ما قاله في الرباع فقد مر أنه غير مسلم، ويدخل في تعريف المص أيضا كابن عرفة الإجارة على حفظ المال كما جزم ابن عبد السلام بدخوله في الحد المذكور والتوضيح وابن فرحون والشارح، خلافا لل تتائي. انتهى.
تنبيه: قال عبد الباقي ما نصه: وخرج بقوله: "مال" إيداع الأب ولده لمن يحفظه لانتفاء لوازم الوديعة من الضمان، والأمة المواضعة لأن القصد إخبار الأمين بحالها لا حفظها. انتهى. ونحوه للخرشي.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: مقتضى قوله لانتفاء لوازم الوديعة من الضمان أن من ترك صبيا أودعه أبوه له ليحفظه ولم يضمه إليه فهلك بأمر سماوي لا يضمن ديته، وانظر ما الحامل على الإتيان بهذا اللفظ؛ أعني قوله: لانتفاء لوازم الوديعة من الضمان لأنه لا يظهر تعميمه، وقوله: الإيداع توكيل، قال ابن عاشر: مقتضاه أن الإيداع يتوقف على صحة التوكيل والتوكل وليس كذلك. انظر التوضيح وابن عرفة. ونص ابن عرفة: والأظهر أن شرطها باعتبار جواز فعلها وقبولها حاجة الفاعل وظن صونها من القابل، فتجوز من الصبي الخائف عليها إن بقيت بيده وكذا العبد المحجور عليه، ويجوز أن يودع ما خيف تلفه بيد مودعه إن ظن صونه بيد أحدهما لاحترامهما وثقتهما، قال: وشرطها باعتبار ضمان القابل عند موجب الضمان ونفيه عند نفيه عدم حجره وحجر الفاعل. انتهى قاله البناني. قال عبد الباقي: وأجاب المص عن سؤال تقديره إذا كان الإيداع ما ذكر فهو أمانة، والأصل فيها عدم الضمان عند التلف إلا لتفريط فما الذي يوجبه (١) ضمانه بقوله: تضمن الوديعة بسقوط شيء من المودَع بفتح الدال عليها أي على الوديعة المفهومة من دلالة تعريفه عليها؟ وفي بعض النسخ: فتضمن بالفاء سواء كان الساقط عليها لغيره أم له، وإذا كان الساقط عليها لغيره وأذن له في تقليبه فلا ضمان عليه في الساقط لإذنه له في تقليبه، والشريك في حصة الشريك كالودع في أنه أمين إلا أن يتعدى. قاله عبد الباقي.
стр. 6683
وقال الخرشي: قد علمت أن الوديعة أمانة والأصل فيها عدم الضمان إذا تلفت إلا أن يحصل تفريط فتضمن، فإذا سقط عليها شيء من يد المودع بفتح الدال فأتلفها أو سقط عليها شيء بسببه فإنه يضمنها لأن ذلك جناية خطإ وهي والعمد في أموال الناس سواء، قال أشهب: لو أتى شخص لصاحب فخار أو زجاج، فقال له: قلب ما يعجبك فأخذ شيئا يقلبه فسقط من يده فانكسر فلا ضمان عليه فيه؛ لأنه مأذون له في ذلك، ولو سقط على شيء فأتلفه فإنه يضمن الأسفل لأنه جناية خطإ وهي كالعمد في أموال الناس. وحيث عطف المؤلف بالباء فمراده ضمان الوديعة وحيث أخرج بلا فمراده عدم الضمان. انتهى.
وقال المواق: أشهب وعبد الملك: من أودع جرارا فيها إدام أو قوارير فيها دهن فنقلها من موضع في بيته إلى موضع فانكسرت في موضعها ذلك لم يضمنها، ولو سقط عليها من يده شيء فانكسرت أو رمى في بيته بشيء يريد غيرها فأصابها فانكسرت ضمنها. انتهى. وليس في هذا النص أنه نقلها نقل مثلها، قال ابن عرفة: وزاد هذه الزيادة ابن الحاجب وهي زيادة حسنة موافقة للأصول، كالراعي يضرب الشاة إن ضربها ضرب مثلها لم يضمن. قال شهاب الدين: وإن كان الله سبحانه أذن له في حمل الوديعة فلم يأذن له صاحبها فالإذن العام لا يسقط الضمان نظيره الاضطرار لأكل طعام الغير أوجب الشارع عليه تناوله وأذن له في ذلك بخلاف ربه فيغرم له قيمته على الصحيح من القول. انتهى المراد منه.
لا إن انكسرت في نقل مظلها يعني أن الموديعة إذا نقلها المودع بالفتح من مكان لآخر فتلفت بغير تفريط منه، فإنه لا يضمنها إذا نقلها نقل مثلها. قاله الخرشي وغيره. وقوله: "لا إن انكسرت في نقل مثلها" قال الخرشي وعبد الباقي: هذا حيث احتيج إليه وإلا فيضمن. انتهى. قال عبد الباقي: ونقل مثلها هو الذي يرى الناس أنه غير متعد به، ويضمنها في كنقل غير مثلها احتيج إليه أم لا، فالصور أربع لا ضمان في صورة المص، ويدل لتقييدها بالاحتياج في نقل مثلها ما في النوادر من سماع أشهب: من أتى إلى صاحب فخار، فقال له قلب ما يعجبك إلى آخر ما مر، قال الرهوني: تأمل ما وجه الدليل منه فإنه لم يظهر. انتهى.
стр. 6684
قال عبد الباقي: قال الحطاب: لا يجوز للمودع إتلاف الوديعة ولو أذن له ربها في إتلافها، فإن فعل ضمن كمن قال لرجل اقتلني أو ولدي. قاله في كتاب الاستغناء. قلت: أما الحرمة فلا شك فيها، وأما الضمان أي ضمان المودع للوديعة ففيه نظر، والظاهر دخول الخلاف فيه كمن أذن لرجل في قطع يده. انتهى. قلت: ذكر الشارح في باب الإجارة عدم ضمانه في قوله اقطع يدي أو أحرق مالي. انتهى المراد منه. قوله عن الحطاب قاله في كتاب الاستغناء لخ يقتضي أنه في الاستغناء جزم بذلك، ونحوه في نقل ابن سلمون عنه، ولكن الذي في نقل ابن عات عنه في طرره هو ما نصه: المحتج لو قال رب الوديعة ألقها في البحر أو في النار ففعل ضمنها في قول بعضهم؛ (لنهي النبي ﷺ عن إضاعة المال (١) كالقتل في الذي يقول له اقتلني وولدي ففعل. انتهى من الاستغناء. ونقله ابن غازي في تكميله، وزاد ما نصه: وأغفله ابن عرفة، والمحتج في اصطلاح صاحب الاستغناء هو ابن الهندي وبالفه التوفيق. انتهى. فأنت تراه لم يجزم به ولم يسقه على أنه المذهب، وبحث الحطاب فيه ظاهر ويشهد لعدم الضمان فيه ما تقدم للمص وغيره في إتلاف المحجور ما أمن عليه؛ إذ عللوه بأنه هو سلطه عليه لا لحجره فتأمله بإنصاف وقول عبد الباقي: ويمكن الفرق بأن الوديعة بإيداعها وجب عليه حفظها لخ لا معنى له. فتأمله. انتهى. قاله الرهوني. والله تعالى أعلم.
وبخلطها يعني أن الوديعة تضمن بخلطها بغيرها أي تضمن بمجرد الخلط وإن لم يحصل فيها تلف حيث تعذر التمييز أو تعسر. قاله غير واحد. قوله: بمجرد الخلط وإن لم يحصل تلف لخ، قال البناني: هذا الذي يفيده اللخمي ونقله المواق والحطاب.
إلا كقمح بمثله يعني أن المودع بالفتح إذا خلط الجنس المودع عنده بالجنس المماثل له في الجنسية والصفة كما إذا خلط القمح المودع عنده بقمح مثله جنسا وصفة لأجل الإحراز والرفق، فإنه لا ضمان عليه، قال الخرشي: فلو خلط قمحا بمثله جنسا وصفة فلا ضمان عليه إذا فعل ذلك لأجل الإحراز، وإلا ضمن لأنه يمكن أن لو بقيَ كل على حدته أن يوجد أحدهما دون الآخر. انتهى.
стр. 6685
أو دراهم بدنانير يعني أن من أودع دراهم فخلطها بدنانير فتلف ذلك فإنه لا ضمان عليه إذا فعل ذلك للإحراز والرفق، وعلم مما قررت أن قوله: للإحراز أي للحفظ راجع للمسألتين، أما رجوعه للأولى فمسلم وأما رجوعه للثانية فهو الذي مر عليه المص، لكن اعترضه ابن غازي، قال البناني: كلام ابن غازي هو الصحيح؛ لأن الذي في المدونة مسألتان: خلط الدراهم أو الدنانير بمثلها، وخلط الحنطة بمثلها، والأولى منهما وهي خلط الدراهم أو الدنانير بمثلها قيدها أبو عمران وأبو الحسن، قال أبو الحسن عقب قولها في الأولى منهما ومن أودعته دراهم فخلطها بمثلها ما نصه: الشيخ: يعني على وجه الإحراز والرفق لا على وجه التملك. قاله أبو عمران. انتهى. والثاثية وهي خلط الحنطة بمثلها مقيدة فيها وهما معا داخلتان في الأولى عند المص، أعني قوله: "إلا كقمح بمثله" إذ المراد به كل جنسه بمثله صفة، وأما الثانية في كلام المص وهي خلط الدراهم بالدنانير فقال البناني: لم أو من ذكر القيد المذكور فيها غير المص فصح اعتراض ابن غازي، وقوله: الشيخ، هو: أبو الحسن. انتهى كلام البناني.
والحاصل أن المص استثنى مسألتين، إحداهما خلط الجنس بمثله في الجنسية والصفة أيا كان ذلك الجنس، الثانية خلط الجندر بغير جنسه ولكن يمكن تمييزه منه بسهولة، واشترط فيهما أن يكون ذلك الخلط على وجه الإحراز والرفق، فإن لم يكن على وجه الإحراز والرفق كما إذا كان على وجه التملك ضمن المودع بالفتح، وما قبل الاستثناء شامل لخلط الجنس بمثله في الجنسية لا في الصفة، ولخلط الجنسى بغير مثله وليعسر تمييغ منه ولخلط الجنس بمثله في الصفة وبغير جنسه ويسهل تمييزه منه لكن لا على وجه الإحراز فيهما. وقد علمت أن البناني اعترض اشتراط الإحراز في خلط الجنس بغير جنسه ويتيسر تمييزه منه. هذا هو تحرير المسألة. والله تعالى أعلم. ثم إن تلف بعضه فبينكما هذا من تتمة خلط ما لا ضمان فيه؛ يعني أنه إذا تلف بعض ما خلط في الموضع الذي لا ضمان فيه على المودع ولم يتميز التالف من غيره كالقمح بمثله في الصنفية والجودة أو الرداءة أو بينهما، فإن ما بقي يكون بينكما يا مودع ويا مودع على حسب نصيب كل واحد منكما فإن كان الذاهب واحدا من ثلاثة لأحدهما واحد وللآخر اثنان فعلى صاحب الواحد
стр. 6686
ثلثه وعلى صاحب الاثنين ثلثاه، فلصاحب الواحد من الاثنين الباقيين ثلث من كل واحد منهما، وللآخر الثلثان الباقيان من كل منهما، فللأول ثلثا دينار وللثاني دينار وثلث دينار.
إلا أن يتميز يعني أن محل كون الباقي بينهما على قدر ما لكل إنما هو إذا لم يتميز الباقي من التالف، رأما إن تميز فيكون الباقي لمن هو له كمسألة الدنانير والدراهم وكالدراهم المسكوكة بسكة مختلفة وكل منهما معلومة سكة دراهمه، وقولي: فبينكما على قدر ما لكل هو المعتمد ومقابله هو ما ذكره في المدونة في تضمين الصناع، ونصه: قال مالك: ومن اختلط له دينار مع مائة دينار لغيره ثم ضاع من الجملة دينار فهما فيه شريكان، صاحب الدينار بجزء من مائة جزء وجزء وصاحب المائة بمائة جزء من مائة جزء وجزء، قال ابن القاسم وابن أبي سلمة: لصاحب المأئة تسعة وتسعون ويقتسمان الدينار الباقي، قال ابن يونس: يريد ولو لم يبق إلا دينار واحد لقسم بينهما نصفين على قوليهما؛ لأن كل واحد يدعيه لنفسه. انتهى. وقال المشدالي في حاشيته على هذا المحل: قال ابن سهل: ابن القاسم وابن أبي سلمة: وكذلك الشاة تختلط بغنم فتبهم. انتهى. قاله الحطاب.
واعلم أن المعتمد الذي مرَّ ذكره هو قول مالك والليث بن سعد وابن كنانة وابن وهب ومطرف وأصبغ وأشهب وابن حبيب، ومقابله لابن الماجشون وابن أبي سلمة وابن القاسم، فلو أودع رجل شخصا ثلاثة دنانير وآخر دينارين وآخر دينارا فخلطها المودع ثم ذهب منها دينار، فعلى ما لابن القاسم وابن الماجشون وعبد العزيز بن أبي سلمة: يأخذ صاحب الثلاثة من الخمسة الباقية ثلاثة إلا ربعا وصاحب الاثنين دينارين إلا ربعا وصاحب الدينار نصف دينار، وذلك لأنه يقال لصاحب الدينار: أنت لا تدعي من الخمسة إلا دينارا فيعزل ويبقى الأربعة، فصاحب الاثنين يدعي فيها اثنين فيعزلان ويبقى اثنان لا يدعيهما إلا صاحب الثلاثة فيأخذهما ثم يرجع إلى الثلاثة المعزولة فيجد صاحب الدينار لا يدعي فيها إلا واحدا فيعزل ويبقى اثنان، فيقال لصاحب الثلاثة الآخذ لاثنين: أنت لا تدعي في هذين إلا دينارا فيعزل فيبقى دينار لا يدعيه إلا صاحب الاثنين، ثم يرجع إلى الدينارين المعزولين فصاحب الدينار يدعي فيهما دينارا ويبقى دينار، فيقسم بين صاحب الثلاثة وصاحب الاثنين نصفين لأن كل واحد يدعي جميعه، ويقسم الدينار
стр. 6687
الباقي بينهم يكون لصاحب الدينار الواحد نصفه لأنه يدعيه جميعه، ويكون لصاحب الثلاثة رالانجن نصفه فبينهما، وعلى ما لمالك وموافقيه يقسم الدينار التالف بينهم على الأجزاء، يكون على صاحب الثلاثة ثلاثة أجزاء وعلى صاحب الاثنين جزءان وعلى صاحب الدينار جزء واحد، فلصاحب الثلاثة اثنان ونصف ولصاحب الاثنين واحد وثلثان ولصاحب الواحد نصف وثلث وذلك خمسة أسداس، وقد مر أنه يضمن بمجرد الخلط وإن لم يحصل تلف حيث يضمن بالخلط، كما إذا خلط الجيد بالردي أو القمح بالشعير مع عسر التمييز فيهما، فيضمن له ذلك الذي عسر تميزه من غيره، قال اللخمي: وإذا كان عند رجل وديعتان قمح وشعير فخلطهما ضمن لكل واحد مثل ما خلط له. قاله الحطاب.
وبانتفاضه بها يعني أن المودع بالفتح إذا انتفع بالوديعة انتفاعا تعطب به عادة فعطبت من ذلك الانتفاع، فإن المودع بالفتح يضمنها ومن المدونة: ومن أودعك عبدا فبعثته في سفر أو في أمر يعطب في مثله ضمنته، وأما إن بعثته لشراء بقل أو غيره من حاجة تقرب من منزلك لم تضمن؛ لأن الغلام لو خرج في مثل هذا لم يمنعه منه. ابن ناجي: أراد بقوله يعطب في مثله أي غالبا، والمراد هلك بسبب ما بعثته فيه وهذا لا خلاف في ضمانه، وأما إن كان فيما يعطب فيه نادرا فالصحيح أنه لا يضمن، واختلف إذا هلك في استعماله بأمر من الله تعالى، فقال سحنون: يضمنه، وقال ابن القاسم: لا يضمنه بناء على أنه بالعداء كغاصب واعتبار غالب السلامة، والظاهر أن هذا التفصيل خاص بالرقيق وهو الذي يفيده تعليل المدونة. والله أعلم. قاله البناني. وقال التاودي: الظاهر أنه يضمن مهمى انتفع بها، كانت تعطب بمثله أو لا، تلفت بسماوي أو لا لتعديه في الجميع كما قاله ابن عاشر. انتهى. وقال الرهوني: قول عبد الباقي: فإن انتفع بها انتفاعا لا تعطب بمثله عادة وتلفت بسماوي أو غيره فلا ضمان. انتهى. أصله لل تتائي، فقال ابن عاشر ما نصه: هذا التفصيل لم أره لابن عرفة ولا يناسب تعليل الضمان بمطلق التعدي. انتهى منه بلفظه. ولهذا قال التاودي: الظاهر أنه يضمن مطلقا لتعديه كما قاله ابن عاشر، قلت: هو ظاهر نقل ابن يونس وهو ظاهر كلام ابن شأس وابن الحاجب وشروحه وابن عرفة فيجب التعويل عليه، لكنه مقيد بغير ما جرت العادة بالتسامح في مثله كما دل عليه كلام ابن ناجي
стр. 6688
الذي نقله البناني هنا وغيره، وقول البناني: إنه خاص بمسألة العبد لتعلين المدونة وإن كان ظاهرا خلاف ما لأبي علي من أن ركوب الدابة للسوق ونحو ذلك مثله قائلا ما نصه: وهذا لا تعدي فيه لجري العادة بالسامحة في هذا. انتهى منه بلفظه. انتهى.
وقال عبد الباقي: وبانتفاعه بها كدابة يركبها انتفاعا تعطب به عادة وعطبت كما يدل عليه الاستثناء ولو بسماوي، فإن انتفع بها انتفاعا لا تعطب به عادة وتلفت بسماوي أو غيره فلا ضمان " فإن تساوى الأمران فالأظهر كما يفيده أول كلام ابن ناجي الضمان ولم بسماوي، وكذا إن جهل الحال. قاله الأجهوري. انتهى.
أو سفره إن قدر على أمين يعني أن المودع بالفتح إذا سافر بالوديعة وهو قادر على أمين يودعها عنده أو على ردها لربها فتلفت، فإنه يضمنها، قال عبد الباقي: أو سفره بهـ إن قدر على أمين يودعها عنده أو على ردها لربها، كما يفيده مفهوم قوله الآتي: "أو لسفر عند عجز الرد" أي وعند عدم القدرة على أمين ففيه احتباك حذف من الأول ما دل عليه مفهوم لثاني، ومن الثاني ما دل عليه مفهوم الأول. انتهى.
إلا أن ترد سالمة راجع للمسألتين قبله؛ يعني أنه إذا انتفع بالوديعة فإنه ضمنها إلا أن ترد سالمة في ذاتها وصفتها وسوقها، وكذلك إذا سافر بها مع قدرته على أمين يوا عها عنده أو على ردها لربها إلا إذا ردها سالمة في ذاتها وصفتها وسوقها، قال الخرشي: ولا فرق في السفر بين سفر النقلة بالأهل أو سفر التجارة أو سفر الزيارة، وقوله: "سالمة" أي في ذاتها وصفتها وسوقها، فإن تغيرت في شيء من ذلك فسيأتي في كلامه، وقوله: "إلا أن ترد سالمة" راجع جمع لمسألتي الانتفاع والسفر، وإذا ردت سالمة من الانتفاع بها فهل عليه أجرة أم لا؟ فسيأتي للحالاب في أول الغصب أن عليه الأجرة لكن ينبغي أن يقيد بما إذا كان ربها يليق به ذلك وإلا فلا أجرة. انتهى.
وقال عبد الباقي: إلا أن ترد إلى موضع إيداعها في الأول وفي سفره بها سالمة م تلفت فلا ضمان عليه، والقول قوله أنها ردت سالمة، ومفهوم الشرط أنه إذا لم يقدر على أمين وخاف عليها إن تركت فلا ضمان عليه إذا صحبها فتلفت. انتهى. وقال المواق من المدونة: من، أودعته دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها لم يضمن إلا ما استهلك أولا، ولو كان
стр. 6689
رد ما استهلك لم يضمن شيئا إن ضاعت وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ منها كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها، وكذلك لو تسلف جميعها ثم رد مثلها مكانها لبرئ انتهى.
وحرم سلف مقوم يعني أن الوديعة إذا كانت مقومة فإنه يحرم على المودع بالفتح أن يتسلفها مليا كان أو معدما والمصدر مضاف إلى مفعوله، ومعدم من إضافة المصدر إلى فاعله عكس ما قبله؛ يعني أن المودع بالفتح إذا كان معدما فإنه يحرم عليه أن يتسلف وديعته كانت الوديعة مقومة أو مثلية، وإنما حرم سلف القوم على الملي لأن مثله ليس كعينه لاختلاف الأغراض في المقوم، فأشبه بيع الفضولي وشراءه من حيث إنه تصرف في ملك الغير بما هو مظنة عدم رضاه، وحرم سلف المعدم لتضرر المودع بالكسر بعدم الوفاء.
وكره النقد والمثلي من عطف العام على الخاص، وهذا مفهوم قوله: "وحرم سلف" لخ يعني أن الوديعة إذا كانت نقدا أو مثليا فإنه يكره للمودع بالفتح اللي أن يتسلفها ولم يحرم لأن مثله كعينه، فالتصرف الواقع فيه كلا تصرف أوأنه تصرف بما هو مظنة أن لا يأباه ربه، فلما لم يرد لذاته كان أخف من المقوم، وهذا ما لم يكثر اختلافه ولا يتحصل أمثاله كلؤلؤ أو كتان في بعض الأماكن فكالمقوم، ودخل في معدم من عنده مثل الوديعة أو ما يزيد عليها بيسير كما استظهره في الشامل، وأصله لابن عبد السلام بغير استظهار، وينبغي أن يكون مثل ذلك سيء القضاء والظالم ومن ماله حرام. قاله علي الأجهوري. ومن تقريره أن مثل المودع في تفصيل المص ناظر الوقف وجابيه والربح لكل. انتهى. ثم محل كراهة النقد والمثلي حيث لم يبح له ربه ذلك أو يمنعه بأن جهل وإلا أبيح في الأول ومنع في الثاني، وشمل تفصيل المصنف سلف الفضولي لثمن وديعة عنده باعها فليس كبيعه للغير؛ إذ هو حرام وإنما كان هذا سلف فضولي لأنه تسلف مما عنده بغير إذن ربه. انتهى.
تنبيه: قال المواق: إقدام المرء على شيء بتأويل ليس كمن أقدم عليه مجاهرا، ومن أكل حراما يعتقد أنه حلال أثيب على قصده ولا يعاقب على فعله ولا يظلم به قلبه، ومن أقدم على حلال صرف يعتقد شبهته قسا قلبه وأظلم، وإن كان معتقدا حرمته كان ذلك جرحة فيه وعليه درك المخالفة مع كون ذلك الشيء في نفسه حلالا. انتهى. وقال الحطاب عند قوله "وحرم سلف مقوم
стр. 6690
ومعدم وكره النقد والمثلي" ما نصه: عن اللخمي وأرى أن ينظر إلى المودع فإن كان يعلم منه أنه لا يكرد ذلك فيما بينه وبين المودع أو معه كرم طبع جاز، وان كان يعلم منه الكراهية لم يجز. انتهى.
كالتجارة تشبيه تام يعني أن التجارة في الوديعة كالسلف للوديعة، فتحرم في المقوم والمعدم وتكره في النقد والمثلي؛ لأن التجر فيها يتضمن سلفها، وما قررت به المص من أن التشبيه تام هو الصواب ونحوه لابن عاشر، وأما ما في المدونة من الكراهة ونصها: ومن أودعته مالا فتجر به فالربح له وليس عليه أن يتصدق بالربح وتكره التجارة بالوديعة. انتهى. فإنما هي في وديعة المال أي النقد لأنه موضوعها لا مطلقا.
والربح له يعني أن الوديعة إذا كانت عينا وتجر فيها المودع بالفتح فربم فيها فإن الربح يكون للمودع بالفتح ويرد رأس المال للمودع بالكسر، وكذا الغاصب فإن كانت الوديعة غير عين بأن كانت طعاما أو عرضا وباع المودع بالفتح ذلك فربها مخير بين إمضاء البيع وأخذ ما بيع به شيئه ورده، وأخذ متاعه مع القيام وأخذ الثمن والقيمة أو المثل مع الفوات، قال الحطاب: قال في الرسالة: وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي، قال الجزولي وغيره: وإن كان مكيلا أو موزونا فربه مخير في المثل أو الثمن، وقال ابن يونس في كتاب الوريعة: ولو كانت الوديعة طعاما أو سلعة فرب الوديعة مخير إن شاء أغرمه مثل طعامه وقيمة سلعته إن فات ذلك، فإن لم يفت أخذه بعينه وإن شاء أخذ ما أخذ فيها من ثمن أو جارية أو غيره. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله "والربح له" ما نصه" ثم إن كانت الوديعة دنانير أو دراهم فواضح، فإن كانت عروضا فإن باعها بعرض ثم باع العرض بعرض وهلم جَرًّا فلا ربح له وله الأجرة، وإن باعه بدراهم أو دنانير فإن كان قائما خير ربها بين الإجازة وأخذ ما بيع به والرد، وإن فات خير ربها بين الإجازة وأخذ ما بيع به وتضمينه القيمة، ومثل المودع بالفتح الوصي إذا اتجر بمال يتيم لنفسه لكنه ممنوع من ذلد ابتداء بكل حال. انتهى المراد منه. قوله: لكنه ممنوع من ذلد ابتداء لخ نحوه في المواق عن الباجي، قال البناني: والظاهر أن فيه تفصيل الوديعة كما