← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

ثلثه وعلى صاحب الاثنين ثلثاه، فلصاحب الواحد من الاثنين الباقيين ثلث من كل واحد منهما، وللآخر الثلثان الباقيان من كل منهما، فللأول ثلثا دينار وللثاني دينار وثلث دينار. إلا أن يتميز يعني أن محل كون الباقي بينهما على قدر ما لكل إنما هو إذا لم يتميز الباقي من التالف، رأما إن تميز فيكون الباقي لمن هو له كمسألة الدنانير والدراهم وكالدراهم المسكوكة بسكة مختلفة وكل منهما معلومة سكة دراهمه، وقولي: فبينكما على قدر ما لكل هو المعتمد ومقابله هو ما ذكره في المدونة في تضمين الصناع، ونصه: قال مالك: ومن اختلط له دينار مع مائة دينار لغيره ثم ضاع من الجملة دينار فهما فيه شريكان، صاحب الدينار بجزء من مائة جزء وجزء وصاحب المائة بمائة جزء من مائة جزء وجزء، قال ابن القاسم وابن أبي سلمة: لصاحب المأئة تسعة وتسعون ويقتسمان الدينار الباقي، قال ابن يونس: يريد ولو لم يبق إلا دينار واحد لقسم بينهما نصفين على قوليهما؛ لأن كل واحد يدعيه لنفسه. انتهى. وقال المشدالي في حاشيته على هذا المحل: قال ابن سهل: ابن القاسم وابن أبي سلمة: وكذلك الشاة تختلط بغنم فتبهم. انتهى. قاله الحطاب. واعلم أن المعتمد الذي مرَّ ذكره هو قول مالك والليث بن سعد وابن كنانة وابن وهب ومطرف وأصبغ وأشهب وابن حبيب، ومقابله لابن الماجشون وابن أبي سلمة وابن القاسم، فلو أودع رجل شخصا ثلاثة دنانير وآخر دينارين وآخر دينارا فخلطها المودع ثم ذهب منها دينار، فعلى ما لابن القاسم وابن الماجشون وعبد العزيز بن أبي سلمة: يأخذ صاحب الثلاثة من الخمسة الباقية ثلاثة إلا ربعا وصاحب الاثنين دينارين إلا ربعا وصاحب الدينار نصف دينار، وذلك لأنه يقال لصاحب الدينار: أنت لا تدعي من الخمسة إلا دينارا فيعزل ويبقى الأربعة، فصاحب الاثنين يدعي فيها اثنين فيعزلان ويبقى اثنان لا يدعيهما إلا صاحب الثلاثة فيأخذهما ثم يرجع إلى الثلاثة المعزولة فيجد صاحب الدينار لا يدعي فيها إلا واحدا فيعزل ويبقى اثنان، فيقال لصاحب الثلاثة الآخذ لاثنين: أنت لا تدعي في هذين إلا دينارا فيعزل فيبقى دينار لا يدعيه إلا صاحب الاثنين، ثم يرجع إلى الدينارين المعزولين فصاحب الدينار يدعي فيهما دينارا ويبقى دينار، فيقسم بين صاحب الثلاثة وصاحب الاثنين نصفين لأن كل واحد يدعي جميعه، ويقسم الدينار

стр. 6687

الباقي بينهم يكون لصاحب الدينار الواحد نصفه لأنه يدعيه جميعه، ويكون لصاحب الثلاثة رالانجن نصفه فبينهما، وعلى ما لمالك وموافقيه يقسم الدينار التالف بينهم على الأجزاء، يكون على صاحب الثلاثة ثلاثة أجزاء وعلى صاحب الاثنين جزءان وعلى صاحب الدينار جزء واحد، فلصاحب الثلاثة اثنان ونصف ولصاحب الاثنين واحد وثلثان ولصاحب الواحد نصف وثلث وذلك خمسة أسداس، وقد مر أنه يضمن بمجرد الخلط وإن لم يحصل تلف حيث يضمن بالخلط، كما إذا خلط الجيد بالردي أو القمح بالشعير مع عسر التمييز فيهما، فيضمن له ذلك الذي عسر تميزه من غيره، قال اللخمي: وإذا كان عند رجل وديعتان قمح وشعير فخلطهما ضمن لكل واحد مثل ما خلط له. قاله الحطاب. وبانتفاضه بها يعني أن المودع بالفتح إذا انتفع بالوديعة انتفاعا تعطب به عادة فعطبت من ذلك الانتفاع، فإن المودع بالفتح يضمنها ومن المدونة: ومن أودعك عبدا فبعثته في سفر أو في أمر يعطب في مثله ضمنته، وأما إن بعثته لشراء بقل أو غيره من حاجة تقرب من منزلك لم تضمن؛ لأن الغلام لو خرج في مثل هذا لم يمنعه منه. ابن ناجي: أراد بقوله يعطب في مثله أي غالبا، والمراد هلك بسبب ما بعثته فيه وهذا لا خلاف في ضمانه، وأما إن كان فيما يعطب فيه نادرا فالصحيح أنه لا يضمن، واختلف إذا هلك في استعماله بأمر من الله تعالى، فقال سحنون: يضمنه، وقال ابن القاسم: لا يضمنه بناء على أنه بالعداء كغاصب واعتبار غالب السلامة، والظاهر أن هذا التفصيل خاص بالرقيق وهو الذي يفيده تعليل المدونة. والله أعلم. قاله البناني. وقال التاودي: الظاهر أنه يضمن مهمى انتفع بها، كانت تعطب بمثله أو لا، تلفت بسماوي أو لا لتعديه في الجميع كما قاله ابن عاشر. انتهى. وقال الرهوني: قول عبد الباقي: فإن انتفع بها انتفاعا لا تعطب بمثله عادة وتلفت بسماوي أو غيره فلا ضمان. انتهى. أصله لل تتائي، فقال ابن عاشر ما نصه: هذا التفصيل لم أره لابن عرفة ولا يناسب تعليل الضمان بمطلق التعدي. انتهى منه بلفظه. ولهذا قال التاودي: الظاهر أنه يضمن مطلقا لتعديه كما قاله ابن عاشر، قلت: هو ظاهر نقل ابن يونس وهو ظاهر كلام ابن شأس وابن الحاجب وشروحه وابن عرفة فيجب التعويل عليه، لكنه مقيد بغير ما جرت العادة بالتسامح في مثله كما دل عليه كلام ابن ناجي

стр. 6688

الذي نقله البناني هنا وغيره، وقول البناني: إنه خاص بمسألة العبد لتعلين المدونة وإن كان ظاهرا خلاف ما لأبي علي من أن ركوب الدابة للسوق ونحو ذلك مثله قائلا ما نصه: وهذا لا تعدي فيه لجري العادة بالسامحة في هذا. انتهى منه بلفظه. انتهى. وقال عبد الباقي: وبانتفاعه بها كدابة يركبها انتفاعا تعطب به عادة وعطبت كما يدل عليه الاستثناء ولو بسماوي، فإن انتفع بها انتفاعا لا تعطب به عادة وتلفت بسماوي أو غيره فلا ضمان " فإن تساوى الأمران فالأظهر كما يفيده أول كلام ابن ناجي الضمان ولم بسماوي، وكذا إن جهل الحال. قاله الأجهوري. انتهى. أو سفره إن قدر على أمين يعني أن المودع بالفتح إذا سافر بالوديعة وهو قادر على أمين يودعها عنده أو على ردها لربها فتلفت، فإنه يضمنها، قال عبد الباقي: أو سفره بهـ إن قدر على أمين يودعها عنده أو على ردها لربها، كما يفيده مفهوم قوله الآتي: "أو لسفر عند عجز الرد" أي وعند عدم القدرة على أمين ففيه احتباك حذف من الأول ما دل عليه مفهوم لثاني، ومن الثاني ما دل عليه مفهوم الأول. انتهى. إلا أن ترد سالمة راجع للمسألتين قبله؛ يعني أنه إذا انتفع بالوديعة فإنه ضمنها إلا أن ترد سالمة في ذاتها وصفتها وسوقها، وكذلك إذا سافر بها مع قدرته على أمين يوا عها عنده أو على ردها لربها إلا إذا ردها سالمة في ذاتها وصفتها وسوقها، قال الخرشي: ولا فرق في السفر بين سفر النقلة بالأهل أو سفر التجارة أو سفر الزيارة، وقوله: "سالمة" أي في ذاتها وصفتها وسوقها، فإن تغيرت في شيء من ذلك فسيأتي في كلامه، وقوله: "إلا أن ترد سالمة" راجع جمع لمسألتي الانتفاع والسفر، وإذا ردت سالمة من الانتفاع بها فهل عليه أجرة أم لا؟ فسيأتي للحالاب في أول الغصب أن عليه الأجرة لكن ينبغي أن يقيد بما إذا كان ربها يليق به ذلك وإلا فلا أجرة. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن ترد إلى موضع إيداعها في الأول وفي سفره بها سالمة م تلفت فلا ضمان عليه، والقول قوله أنها ردت سالمة، ومفهوم الشرط أنه إذا لم يقدر على أمين وخاف عليها إن تركت فلا ضمان عليه إذا صحبها فتلفت. انتهى. وقال المواق من المدونة: من، أودعته دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها لم يضمن إلا ما استهلك أولا، ولو كان

стр. 6689

رد ما استهلك لم يضمن شيئا إن ضاعت وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ منها كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها، وكذلك لو تسلف جميعها ثم رد مثلها مكانها لبرئ انتهى. وحرم سلف مقوم يعني أن الوديعة إذا كانت مقومة فإنه يحرم على المودع بالفتح أن يتسلفها مليا كان أو معدما والمصدر مضاف إلى مفعوله، ومعدم من إضافة المصدر إلى فاعله عكس ما قبله؛ يعني أن المودع بالفتح إذا كان معدما فإنه يحرم عليه أن يتسلف وديعته كانت الوديعة مقومة أو مثلية، وإنما حرم سلف القوم على الملي لأن مثله ليس كعينه لاختلاف الأغراض في المقوم، فأشبه بيع الفضولي وشراءه من حيث إنه تصرف في ملك الغير بما هو مظنة عدم رضاه، وحرم سلف المعدم لتضرر المودع بالكسر بعدم الوفاء. وكره النقد والمثلي من عطف العام على الخاص، وهذا مفهوم قوله: "وحرم سلف" لخ يعني أن الوديعة إذا كانت نقدا أو مثليا فإنه يكره للمودع بالفتح اللي أن يتسلفها ولم يحرم لأن مثله كعينه، فالتصرف الواقع فيه كلا تصرف أوأنه تصرف بما هو مظنة أن لا يأباه ربه، فلما لم يرد لذاته كان أخف من المقوم، وهذا ما لم يكثر اختلافه ولا يتحصل أمثاله كلؤلؤ أو كتان في بعض الأماكن فكالمقوم، ودخل في معدم من عنده مثل الوديعة أو ما يزيد عليها بيسير كما استظهره في الشامل، وأصله لابن عبد السلام بغير استظهار، وينبغي أن يكون مثل ذلك سيء القضاء والظالم ومن ماله حرام. قاله علي الأجهوري. ومن تقريره أن مثل المودع في تفصيل المص ناظر الوقف وجابيه والربح لكل. انتهى. ثم محل كراهة النقد والمثلي حيث لم يبح له ربه ذلك أو يمنعه بأن جهل وإلا أبيح في الأول ومنع في الثاني، وشمل تفصيل المصنف سلف الفضولي لثمن وديعة عنده باعها فليس كبيعه للغير؛ إذ هو حرام وإنما كان هذا سلف فضولي لأنه تسلف مما عنده بغير إذن ربه. انتهى. تنبيه: قال المواق: إقدام المرء على شيء بتأويل ليس كمن أقدم عليه مجاهرا، ومن أكل حراما يعتقد أنه حلال أثيب على قصده ولا يعاقب على فعله ولا يظلم به قلبه، ومن أقدم على حلال صرف يعتقد شبهته قسا قلبه وأظلم، وإن كان معتقدا حرمته كان ذلك جرحة فيه وعليه درك المخالفة مع كون ذلك الشيء في نفسه حلالا. انتهى. وقال الحطاب عند قوله "وحرم سلف مقوم

стр. 6690

ومعدم وكره النقد والمثلي" ما نصه: عن اللخمي وأرى أن ينظر إلى المودع فإن كان يعلم منه أنه لا يكرد ذلك فيما بينه وبين المودع أو معه كرم طبع جاز، وان كان يعلم منه الكراهية لم يجز. انتهى. كالتجارة تشبيه تام يعني أن التجارة في الوديعة كالسلف للوديعة، فتحرم في المقوم والمعدم وتكره في النقد والمثلي؛ لأن التجر فيها يتضمن سلفها، وما قررت به المص من أن التشبيه تام هو الصواب ونحوه لابن عاشر، وأما ما في المدونة من الكراهة ونصها: ومن أودعته مالا فتجر به فالربح له وليس عليه أن يتصدق بالربح وتكره التجارة بالوديعة. انتهى. فإنما هي في وديعة المال أي النقد لأنه موضوعها لا مطلقا. والربح له يعني أن الوديعة إذا كانت عينا وتجر فيها المودع بالفتح فربم فيها فإن الربح يكون للمودع بالفتح ويرد رأس المال للمودع بالكسر، وكذا الغاصب فإن كانت الوديعة غير عين بأن كانت طعاما أو عرضا وباع المودع بالفتح ذلك فربها مخير بين إمضاء البيع وأخذ ما بيع به شيئه ورده، وأخذ متاعه مع القيام وأخذ الثمن والقيمة أو المثل مع الفوات، قال الحطاب: قال في الرسالة: وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي، قال الجزولي وغيره: وإن كان مكيلا أو موزونا فربه مخير في المثل أو الثمن، وقال ابن يونس في كتاب الوريعة: ولو كانت الوديعة طعاما أو سلعة فرب الوديعة مخير إن شاء أغرمه مثل طعامه وقيمة سلعته إن فات ذلك، فإن لم يفت أخذه بعينه وإن شاء أخذ ما أخذ فيها من ثمن أو جارية أو غيره. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "والربح له" ما نصه" ثم إن كانت الوديعة دنانير أو دراهم فواضح، فإن كانت عروضا فإن باعها بعرض ثم باع العرض بعرض وهلم جَرًّا فلا ربح له وله الأجرة، وإن باعه بدراهم أو دنانير فإن كان قائما خير ربها بين الإجازة وأخذ ما بيع به والرد، وإن فات خير ربها بين الإجازة وأخذ ما بيع به وتضمينه القيمة، ومثل المودع بالفتح الوصي إذا اتجر بمال يتيم لنفسه لكنه ممنوع من ذلد ابتداء بكل حال. انتهى المراد منه. قوله: لكنه ممنوع من ذلد ابتداء لخ نحوه في المواق عن الباجي، قال البناني: والظاهر أن فيه تفصيل الوديعة كما

стр. 6691

يفيده نقل الحطاب عن أبي الحسن، وقد نقل الحطاب في باب الوصية عن مالك وغيره أنه لا باس بذلك إذا كان للوصي مال يوفى منه حيث يضيع له منه شيء. انتهى. ويمكن أن يحمل ما في المواق عن الباجي على الوصي المعدم. والله أعلم. انتهى. قوله: ويمكن أن يحمل ما في المواق عن الباجي على الوصي العدم، قال الرهوني: فيه نظر لأنه بعد أن ذكر الخلاف في الوديعة قال: وهذا بخلاف تسلف الوصي مال اليتيم فإنه آثم. انتهى. فإنه يفيد أن مراده الوصي الملي إذ الخلاف في الوديعة محله في الملي وإلا حرم اتفاقا كما يفيده كلام اللخمي وغيره، وصرح به ابن الحاجب وسلمه ابن عبد السلام وغيره. فتأمله. انتهى. وقال الحطاب: ونص المدونة: ومن أودعته مالا فتجر فيه فالربح له وليس عليه أن يتصدق به، ويكره التجارة بالوديعة. انتهى. قال أبو الحسن: وكذا الوصي يتجر بمال الأيتام أن الربح له بخلاف المبضع معه والمقارض إنما دفع المال إليهما على طلب الفضل، والمودع إنما أراد حفظ ماله فله أصل المال دون الربح. انتهى. وكذا الوصي أيضا إنما عليه حفظ المال، وفي المنتقى: ولم يختلف أصحابنا أن المبضع معه المال يبتاع به لنفسه أن صاحب المال مخير أن يأخذ ما ابتاع به لنفسه أو يضمنه رأس المال؛ لأنه إنما دفع المال إليه على النيابة عنه في غرضه وابتياع ما أمره به فكان أحق بما ابتاعه، وهذا إذا ظفر بالأمر قبل بيع ما ابتاعه، فإن فات ما ابتاعه به فإن ربحه لرب المال وخسارته على المبضع معه. انتهى. تنبيه: تحصل مما مر عن عبد الباقي أن الوديعة إذا كانت عرضا وباعها المودع بدراهم أو بدنانير وباع الدراهم أو الدنانير بعرض أنه ليس لرب الوديعة مع فواتها إلا قيمتها؛ يعني إن كانت مقومة وإلا فمثلها أو أخذ الدنانير والدراهم وأنها إن كانت عرضا وباعه بعرض وباع العرض الثاني بدراهم أو بدنانير فإنه مخير بين العرض العين مع القيام وعوض العرض والعين مع الفوات. والله تعالى أعلم. فانظره متأملا. وقال المواق من المدونة: قال مالك: إذا استودع الرجل مالا فابتاع به لنفسه وربح فيه فإن ذلك الربح له لأنه ضامن للمال حتى يؤديه لصاحبه. أبو عمران: وهذا قول مالك والليث وأبي يوسف؛ لأنه إذا رد المال طاب الربح غاصبا كان للمال أو مستودعا عنده وتعدى فيه. الباجي: قوله فإن ذلك الربح له يريد إن كانت الوديعة عينا وهذا

стр. 6692

مبني عندي على أن الدنانير والدراهم لا تتعين بالغصب، ولذلك قال: إذا كانت الوديعة طعاما فباعه بثمن فإن صاحبه مخير بين إمضاء البيع وأخذ الثمن أو يضمنه مثل طعامه. انتهى المراد منه. وقال المواق عند قوله: "والمثلي"ما نصه" تقدم للخمي أن مثل الكتان لا يجوز سلفه، قال: وأما القمح والشعير ونحوه فهل يجوز سلفه كالدراهم؟ ظاهر المدونة أنه مثلها، وقال الباجي: الأظهر عندي المنع ويجيء على قول القاضي أبي محمد أنه يبرأ برد مثله إباحة ذلك. انتهى. انظر عزو هذا للقاضي وهو نص المدونة. انتهى. وبرئ إن رد غير المحرم يعني أن المودع إذا تسلف الوديعة ثم ادعى ردما تسلفه إلى محله ثم ضاعت بعد ذلك فإن المودع يبرأ منها ويصدق فيما ادعاه بيمينه حيث كان تسلفه مكروها وهو تسلف المثلي والنقد للملي، وسواء أخذ الوديعة من ربها ببينة أم لا. قاله الخرشي. وأما التسلف المحرم فلا بد من الشهادة على رده لربه ولا تكفي الشهادة على رده لمحل الوديعة هذا ظاهر المص. وقال البناني عند قوله: "وبرئ إن رد غير المحرم" ما نصه: غير المحرم مخرج للعرض يعني القوم وهو ظاهر ومخرج للنقد والمثلي للمعدم. ونظر ابن عبد السلام والتوضيح في هذا بأن المعدم إنما منع من سلفها خشية أن لا يردها، فإذا ردها فقد انتفت العلة التي لأجلها منع من تسلفها. انظر الحطاب. فلو قال المصنف: وبرئ إن رد غير القوم كان أولى. انتهى. وقوله: "وبرئ إن رد غير المحرم" قال الخرشي: هو مقيد بما إذا ادعى رد صنف ما تسلفه فإن ادعى رد غير صنفه لم يبرأ، قال ابن عرفة: ولو أودعه دنانير فتسلفها وردها دراهم لم يبرأ اتفاقا. انظر ال تتائي. انتهى. وقال عبد الباقي: وبرئ متسلف الوديعة إن ادعى رد غير المحرم بعينه وصنفه ثم تلف فلا ضمان عليه، ويحلف على الرد لمحله فإن نكل لم تقبل دعواه الرد، فإن ادعى رد غير صنفه كما لو كانت دنانير فرد دراهم أو عكسه لم يبرأ. قاله ال تتائي. وكقمح عن شعير كما في ابن وهبان كما لو ادعى رد المحرم فلا يبرأ برد عينه ولا عوضه لمحل الوديعة ولو أشهد بذلك، وإنما يبرئه رد عينه أو عوضه لربه ببينة كما لأبي الحسن، وإذا أودعه له ثانيا وتلف بغير سببه لم يضمن. انتهى.

стр. 6693

قوله: "وبرئ إن رد غير المحرم" هو المشهور من قول مالك، وأخذ به ابن القاسم وأصبغ وأشهب وابن عبد الحكم ومذهب المدونة، وقيل لا يبرأ وهو لمالك وهو قول أهل المدينة من أصحابه وروايتهم عنه ورواه عنه المصريون ولم يقولوا به، وقيل يبرأ إن ردها بإشهاد وإلا لم يبرأ وهو لمالك أيضا وبه أخذ ابن وهب، وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ إلا بردها إلى ربها، وقوله: "وبرئ إن رد غير المحرم" قد علمت أنه هو المشهور وعليه فلا يصدق إلا بيمين. قاله أشهب. وكذلك هو في الموازية. انتهى. ابن عرفة: وعلى براءته في تصديقه في ردها دون يمين أو بها، ثالثها: إن تسلفها بغير بينة صدق بغير يمين وإلا لم يصدق لقول الشيخ: لم يذكر في المدونة يمينا مع قول الباجي ظاهرها نفيها والشيخ عن محمد مع ابن الماجشون في المنثورة والموازية، وذكر اللخمي الثالث اختيارا له. قاله الحطاب والشارح والعزو له دون الحطاب في مسألة المص. وأما مسألة اليمين فمن الحطاب، وقال الحطاب: قال في المدونة: ولو كانت الوديعة ثيابا فلبسها حتى بليت أو استهلكها ثم رد مثلها لم تبرأ ذمته من قيمتها؛ لأنه إنما لزمه قيمة ذلك. انتهى. أبو الحسن: مفهومه لو رد القيمة لبرئ وليس كذلك فإن ذمته لا تبرأ سواء وقف القيمة أو المثل. انتهى والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي وغيره: ولما كان غير المحرم شاملا للمكروه والجائز مع أن المراد هو الأول فقط، وأما الجائز كالمأخوذ بإذن ربها فلا يقبل قوله في رده استثناه، فقال: إلا بإذن يعني أن المودع إذا أذن للمودع في تسلف الوديعة كلها أو بعضها إذنا مطلقا أي لم يقيده باحتياج ولا بغيره فتسلفها ثم ادعى رد مثلها وضياعه فإنه لا يصدق في ذلك ويضمن عوض الوديعة لربها، أو يقول إن احتجت فخذ يعني أن المودع بالكسر إذا أذن للمودع بالفتح في تسلف الوديعة إذنا مقيدا كأن يقول له إن احتجت إلى الأخذ فخذ فتسلفها ثم ادعى ردها إلى محلها وضياعها فإنه لا يصدق في ذلك ويضمنها لربها، قال عبد الباقي: إلا بإذن مطلق في التسلف منها أو كلها أو مقيد كأن يقول إن احتجت فخذ فلا يبرأ إلا برد ما أخذه منها لربه؛ لأن ما أخذه سلف له من مالكها فانتقل من أمانته لذمته فصار كسائر الديون، ومثل المص بمثالين ليشمل الإذن المطلق والمقيد كما مر،

стр. 6694

والأولى رجوع الاستثناء لأقسام السلف والتجارة، وإذا تسلفها وأخذ ثمنها في الإذن المقيد بالحاجة بدونها لم يبرأ برده لمكانه على المعتمد، خلافا لبحث الشارح. انتهى. وقال الخرشي: أي أنه إذا تسلفها أو تسلف منها شيئا بعد الإذن ثم رده إلى موضعه فضاع بعد ذلك لم يبرأ منه، ولا يبرأ إلا بردها إلى صاحبها كالمحرم لأنه صار في الذمة كالديون الثابتة في الذمم، ثم إن الأولى رجوع قوله: "إلا بإذن" للجميع؛ أي "وحرم سلف مقوم ومعدم وكره النقد والمثلي كالتجارة" "إلا بإذن" فلا يحرم ولا يكره "وبرئ إن رر غير المحرم" إلا بإذن فلا يبرأ إلا بررما أخذه منها لربه. انتهى. وضمن المأخوذ فقط يعني أنه إذا أخذ من الوديعة بإذن مطلق أو مقيد ثم ادعى تلف ما لم يأخذ منها فإنه يصدق في ذلك ولا ضمان عليه، وإنما يضمن المأخوذ فقط فلا يصدق في أنه رده إلى محله بل لا يبرأ إلا برره لربه، قال عبد الباقي: وإذا أخذ من الوديعة بإذن مطلق أو مقيد وضاع الباقي ضمن المأخوذ فقط ولا يبرئه دعوى الرد ولا ضمان عليه فيما لم يأخذه، ووجه تعرضه لذلك أنه ربما يتوهم أنه لما تسلف البعض فكأنه تسلف الجميع، فإذا تلف ما لم يأخذه فكأنه تلف على ملكه. قال عبد الباقي: وما قررنا به قوله: "وضمن" لخ من أنه خاص بمسألتي الإذن نحوه لل تتائي، وذكر بعض أنه يرجع أيضا للسلف بغير إذن بأنواعه المتقدمة للمص ولمسألة الربح، خلافا لقصر ال تتائي له على السلف بإذن. انتهى. وهذا الذي قاله هذا البعض هو المتعين لما مر عن المدونة، ففيها: من أودعته دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها لم يضمن إلا ما استهلك أولا، ولو كان رد ما استهلك لم يضمن شيئا. انتهى المراد منه. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. أو بقفل بنهي يعني أن من أودع وديعة عند شخص، وقال له اجعلها في صندوق مثلا ولا تقفل عليها فخالف وقفل عليها ثم سرقت بعد ذلك فإن المودع يضمنها لأنه سلط السارق عليها، والباء في بنهي بمعنى مع، وقوله: "أو بقفل" عطف على قوله: "بسقوط شيء"، قال المواق: قال ابن عبد الحكم: من قال لمن أودعه وديعة اجعلها في تابوتك ولم يقل غير ذلك لم يضمن إن قفل عليها، ولو قال: لا تقفل عليها ضمنها لأن السارق برؤية القفل أطعع، قوله: "أو بقفل بنهي"،

стр. 6695

قال عبد الباقي: فسرقت فيضمن لطمع السارق ولا يضمن غير السرقة عند ابن القاسم لقوله: لا يضمن إلا إذا تلفت بالوجه الذي قصد الاحتراز من أجله، فإذا تلفت بغير السارق لم يضمن خلافا للشارح. قاله الوالد. ومفهوم قوله: "بنهي" أنه لو قفل عليها حيث لم ينهه فلا ضمان، وأنه لو ترك القفل عليها مع عدم النهي وعدم الأمر به لا ضمان، وقد ذكر ابن راشد في مذهبه أنه إذا جعلها في بيته من غير قفل وله أهل قد عرف خيانتهم أنه يضمن لخالفته العرف. انتهى. انظر ال تتائي. وظاهره ولو علم ربها بذلك لما مر من وجوب حفظها ولو شرط المودع بالكسر خلافه لأنه شرط مناقض بحقيقتها. انتهى. قوله: وقد ذكر ابن راشد في مذهبه لخ ما عزا لابن راشد سبق إليه اللخمي مع زيادة، ونصه: إن وضعها في بيته أو صندوقه ولم يقفل عليها وكان لا يتصرف إليه أحد وله أهل لا يخافهم عليها لم يضمن، وإن كان يخافهم ضمن إلا أن يقفل عليها، وان كان عهد منهم الخيانة بعد القفل ضمن وإن قفل. انتهى منه بلفظه. أو بوضع بنحاس في أمره بفخار يعني أن المودع بالكسر إذا أمر المودع بالفتح أن يضع الوديعة في الفخار أي إناء الطين فخالف ووضعها في قدر نحاس أو إنائه فتلفت فإن المودع يضمنها، قال المواق: ابن عبد الحكم: لو قال اجعلها في شكل فخار فجعلها في شكل نحاس ضمن، وفي العكس العكس. انتهى. وقال عبد الباقي: أو بوضع بنحاس في أمره بوضع بفخار، فإن لم يأمر بوضعه بشيء لم يضمن إن وضعه بمحل أمن وإلا ضمن. انتهى بتغيير قليل. لا إن زاد قفلا يعني أنه إذا أمره أن يقفل عليها قفلا واحدا فقفل عليها قفلين فلا ضمان عليه إذا تلفت، إلا إن كان فيه إغراء للص. أو عكس في الفخار يعني أنه إذا قال له اجعلها في نحاس فخالف وعكس فوضعها في الفخار فإنه لا ضمان على المودع إذا تلفت، وقوله: "أو عكس في الفخار" وكذا لو وضعه في مثل ما أمره به في الإحراز، ففي اللخمي: لو قال اجعلها في هذا السطل فجعلها في مثله لم يضمن. نقله أبو الحسن على المدونة. كذا في كريم الدين وفي ذكر الأجهوري له بحثا قصور. انتهى. والحاصل أنه لا يضمن إلا إذا تلفت بالوجه الذي قصد الاحتراز من أجله.

стр. 6696

أو أمر بربط بكم فأخذ باليد يعني أن المودع بالكسر إذا أمر المودع بالفتح أن يربط الوديعة في كمه فجعلها المودع -بالفتح- في يده فضاعت أو أخذها منه غاصب فإنه لا ضمان على المودع لأن اليد أحفظ من الكم إلا أن يكون أراد إخفاءها عن عين الغاصب فرآها لما جعلها في يده فيضمن كما قاله ابن شأس نقله غير واحد. كجبيبه يعني أن المودع بالكسر إذا أمر المودع بالفتح أن يربط الوديعة في كمه فخالف ووضعها في جيبه فضاعت أو أخذت منه، فإنه لا ضمان على المودع وقيل يضمن والأول هو اختيار اللخمي، ولهذا قال: علي المختار. قاله الشارح. وقال البناني: لعل صوابه على الأحسن يعني لقول ابن عبد السلام: الأقرب سقوط الضمان في الجيب فإن الجيب أصون منها، ونقل عن اللخمي ما لا يفيد ما قاله المص، ونص ما نقله عن اللخمي يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وجعل بعضهم الخلاف في حال، فقال: قيل يضمن لأن الكم أحفظ، وقيل: لا يضمن لأن الجيب أحفظ. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا ينتج أنه لو تحقق أن أحدهما أحفظ ووضعها في الأحفظ مع الأمر بربطها في غيره لم يضمن اتفاقا، ونقل البناني عن اللخمي ما نصه: اللخمي: ولو لقيه في غير بيته فقال اجعلها في وسطك فجعلها في كمه أو جيبه ضمن، وإن لم يشترط حيث يجعلها فجعلها في كمه أو عمامته لم يضمن، وفي جعلها في الجيب نظر. ابن عرفة: لا يختلف في عدم ضمانه اليوم لأنه الأغلب من حال الناس، وفي الزاهي: لو جعل الوديعة في جيب قميصه ضمنها، وقيل لا والأول أحوط. ابن رشد: واختياره صحيح لأن الجيب ليس من العادة أن ترفع فيه الودائع وجاعلها فيه متعرض لتلفها. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "كجيبه على المختار" ما نصه: وظاهره كان بصدره أو بجنبه وهو مقتضى كلام الشارح، ولو جعلها في وسطه وقد أمر بجعلها بعمامته لم يضمن. وبنسيانها في موضع إيداعها يعني أن المودع إذا نسي الوديعة في موضع إيداعها وأولى في غيره فضاعت فإنه يضمنها؛ لأن نسيانه لها جناية عليها. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وبنسيانها في موضع إيداعها وأولى غيره، كمن حمل بضاعة لرجل فجاء لموضع خوف في طريق فحبسها بيده

стр. 6697

ثم نزل (١) يبول فوضعها بالأرض ثم قام ونسيها فضاعت ولم يدر محل وضعها، كما أفتى به ابن رشد وابن الحاج (٢) عصريه لأن نسيانه جناية عليها خلافا لفتوى الباجي وتبعه العبدوسي بعدم الضمان. هـ. وقال المواق: أصبغ عن ابن وهب: من استودع وديعة في المسجد أو في المجلس فجعلها على نعليه فذهبت فلا ضمان عليه، قلت: ألم يضيع إذا لم يربطها؟ قال: يقول لا خيط معي، قلت له: يربطها في طرف ردائه، قال: يقول ليس علي رداء، قلت: فإن كان عليه رداء؟ قال: لا يضمن كان عليه رداء أم لا. قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وإن نسيها في موضع دفعت إليه فيه وقام ضمنها؛ لأن ذلك جناية وليس كذلك كسقوطها من كمه أو يده بغير نسيان لأخذها هذا لا ضمان عليه. ابن يونس: نسيانها من كمه أو يده كنسيانه لأخذها ويجب أن لا يضمن، قال: وأما لو أودعها وكانت في بيته فأخذها يوما فأدخلها في كمه وخرج بها يظنها (٣) دراهمه فسقطت فإنه يضمن. ابن يونس: أما هذه فصواب لأنه غير مأذون له في التصرف، فنسيانه في ذلك كعمده لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وأما وضعها على نعليه وحملها من موضع أودعها فيه إلى داره في يده أو كمه فهو غير متعد في ذلك، فنسيانه إياها في موضعه أو نسيانه إياها في كمه حتى سقطت أمر يعذر به كالإكراه على أخذها منه. وبدخوله الحمام بها يعني أنه إذا أودعه شخص وديعة فدخل بها الحمام أو الميضأة ليرفع حدثا أصغر أو أكبر فتلفت فإنه يضمنها حيث يمكن وضعها بموضعه أو عند أمين، ولو كان المودع غريبا في البلد لقدرته على سؤاله فيها عن أمين وجعلها عنده حتى يرفع حدثه، وإلا لم يضمن ثم قبوله لها وهو داخل السوق كقبوله لها وهو يريد دخول الحمام، وينبغي ما لم يعلم ربها أنه ذاهب للسوق. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: وكذلك يضمنها المودع إذا دخل بها الحمام فتلفت حيث لم يكن وضعها بموضعه أو عند أمين، فإذا ساغ له السفر بها واحتاج للحمام ولم يجد أمينا فدخل بها فلا ضمان ولا مفهوم للحمام، بل ولو قبلها وهو قاصد السوق مثلا فضاعت

стр. 6698

لضمن وينبغي ما لم يعلم ربها بأنه ذاهب للسوق أو للحمام. هـ. وقال المواق: سحنون: من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها فإنه ضامن، ابن يونس إنما ضمنه بدخول الحمام، وقوله: "الحمام" مفعول لدخول وهو مصدر أضيف إلى فاعله، وبها متعلق بدخوله والباء للمعية أو للإلصاق. وبخروجه بها يظنها له فتلفت يعني أن المودع بالفتح إذا خرج بالوديعة يظنها له أي لنفسه فتلفت فإن المودع يضمن لأن ذلك جنابة منه عليها، لا إن نسيها في كمه فوقعت يعني أن المودع بالكسر إذا أمر المودع بالفتح أن يجعل الوديعة في كمه فجعلها فيه فنسيها فيه فوقعت أي سقطت فإنه لا ضمان على المودع، وقيد بأن تكون غير منثورة في كمه وإلا ضمن لأنه ليس بحرز حينئذ. ولا إن شرط عليه الضمان يعني أن المودع إذا شرط على المودع ضمان الوديعة في محل (١) لا يضمن فيه إذا تلفت، فإنه لا ضمان على المودع بالفتح إذا حصل التلف، فلو قال له حين أودعه: إن تلفت هذه الوديعة فإن ضمانها منك ولو تلفت بغير تفريط منك ثم إنها تلفت بغير تفريط من المودع، فإنه لا ضمان عليه. وفاعل شرط ضمير يعود على رب الوديعة، والضمير المجرور بعلى عائد على المودع بالفتح، وإنما لم يضمن لأن الوديعة محض الأمانة والأصل فيها عدم الضمان، قال الشارح عند قوله: "ولا إن شرط عليه الضمان" ما نصه: ولا ضمان إذا شرط رب الوديعة على المودع الضمان إذا ضاعت وهو ظاهر. انتهى. قال عبد الباقي: ولا إن شرط عليه الضمان في محل لا يضمن فيه فلا ضمان عليه إذا تلفت لأنها من الأمانات: فشرط ضمانها يخرجها عن حقيقتها ويخالف ما يفيده (٢) الحكم. انتهى. وبإيداعها يعني أن المودع بالفتح إذا أودع الوديعة لغير من يذكر فتلفت فإنه يضمنها لأنه ممنوع من الإيداع؛ لأن ربها لم يأتمن إلا إياه بخلاف الملتقط فله الإيداع. المواق: ابن عرفة: (٣) يوجب ضمانه الوديعة تصرفه فيها بغير إذن عادي أو جحدها فيها مع غيرها إيداعه إياها إلا لعذر في

стр. 6699

غيبة ربها يوجب ضمانه إياها. انتهى. وإن بسفر الباء بمعنى: في؛ يعني أن رب الوديعة إذا أودعها لمسافر فتلفت فإن المودع المسافر يضمنها وهو قول المدونة: وإن أودع مسافر مالا في سفره فأودعه غيره فضاعت ضمن. انتهى. ونص المصنف على هذا ليلا يتوهم أن الإيداع في السفر مظنة إباحة الايداع وللتنصيص على الفروع لأنه في المدونة. والله تعالى أعلم. قاله البناني. قال: وهذا التقرير للمواق والحطاب وكلام المواق الذي أشار إليه هو ما نصه: ومن المدونة وإن أودعت لمسافر مالا فأودعه في سفره فضاع ضمن. انتهى ونحوه للخرشي فإنه قال: يعني أن المودع يضمن الوديغة إذا أودعها عند غيره في حضر أو سفر من غير ضرورة فضاعت أو تلفت وإن كان قد أخذها في سفر وإن كان الغير أمينا إذا لم يرض ربها إلا بأمانته، قال فيها: وإن أودعت لسافر مالا فأودعه في سفره فضاع (١) ضمن انتهى. وإنما بالغ في السفر ليلا يتوهم أنه لما قبلها في السفر كان هذا مظنة الإذن في الإيداع. انتهى. وفي تقرير عبد الباقي هنا وتسليم الرهوني له وتصحيحه له نظر، والصواب ما قررته به تبعا لغير واحد. والله تعالى أعلم. مسألة في الحطاب: من أودع معه وديعة لبلد فعرضت له إقامة في الطريق قصيرة كاليوم أو طويلة كالسنة أو متوسطة كالشهرين، فإن بعثها في القصيرة ضمنها، وإن حبسها في الطويلة ضمنها، وفي المتوسطة مخير. هذا الذي ارتضاه ابن رشد وجمع به بين أقوال مالك وأصحابه. انتهى. وفي النوادر: من كتاب ابن المواز: من أبضع معه بضاعة فليس له أن يودعها غيره ولا أن يبعث بها مع غيره، إلا أن تحدث له إقامة في بلده ولا يجد صاحبها (٢) ويجد من يخرج إلى حيث أمر صاحبها فله توجيهها، ثم قال: قال مطرف: ولو قال الآمر أمرتك أن لا تخرج من يدك ولا تدفعها إلى غيرك وأنكر ذلك الأمور فالأمور مصدق. وقاله ابن الماجشون وأصبغ. وقال: قال مطرف: ولو اجتهد أنه أمين فإذا هو غير أمين فلا ضمان عليه. انتهى.

стр. 6700

لغير زوجة وأمة اعتيدا بذلك المجرور باللام متعلق بقوله: "بإيداعها" والمجرور بالباء متعلق باعتيدا، وذكر الضمير في اعتيدا باعتبار الشخصين، وقوله: "بذلك" أي بالإيداع يعني أن محل ضمان المودع بالفتح بالإيداع إذا أودعها لغير زوجة اعتيد إيداع الزوج لها أو لغير أمته التي اعتيد إيداعه لها، وأما إن أودعها لزوجته التي اعتيد إيداعه لها ولأمته التي اعتيد إيداعه لها فتلفت فلا ضمان عليه، قال عبد الباقي: وبإيداعها وإن بسفر ومحل ضمانه إن أودعها لغير زوجة وأمة وعبد وأجير في عياله كما في المدونة، ولغير ابنته كما في الكافي، فإن أودعها لمن ذكر لم يضمن حيث اعتيدا أي الزوجة والأمة ومن أشبههما مما مر بذلك، بأن طالت إقامتهما عنده ووثق بهما. فإن لم يعتادا بذلك بأن جعلها عندهما بإثر تزوجه وشراء الأمة ضمن. قال في الشامل: وصدق في الدفع لأهله وحلف إن أنكرت الزوجة الدفع إن اتهم وقيل مطلقا، فإن نكل غرم إلا أن يكون معسرا فله تحليفها. انتهى. وضمير قوله فله للمودع بالكسر لا للزوج، وسواء كانت موسرة أو معسرة ودخل في قوله: "لغير زوجة وأمة الزوج" فتضمن الزوجة إذا وضعت الوديعة التي تحت يدها عنده على أحد قولين كما في التتائي وعزاه الحطاب لظاهر المدونة، ولعل الفرق عليه أن شأن النساء الحفظ لعدم احتياجهن غالبا للنفقة على أنفسهن باستغنائهن بالقيام عليهن ولا كذلك على الرجال لاحتياجهم لما ينفقون منه، فهن من هذه الحيثية غير خائنات، وينبغي أن يجري مثل هذا الخلاف في وضع الأمة عند سيدها ما وضع عندها، ودخل في غيرها أيضا إيداعها عند مودع بالفتح للمودع بالكسر شيئا آخر كما ذكر الشارح في باب القراض. تنبيه: قال الغرياني: عورضت هذه المسألة بما في كتاب الشركة من أنه (١) إذا أودعها عند شريكه المفاوض ضمن، وتدفع العارضة بأن قيد الاعتياد في الزوجة ومن يشبهها معتبر والمعاوض ليس كذلك اهـ. انتهى. كلام عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: ومن أودعته مالا فدفعه إلى زوجته أو خادمه لترفعه له في بيته ومن شأنه أن ترفع له لم يضمن ما هلك، وهذا مما لا بد منه وكذا إن دفعه إلى عبده أو أجيره الذي في عياله أو رفعه في صندوقه أو بيته ونحوه لم يضمن، قال: ويصدق أنه دفعه إلى أهله أو أنه أودعه على

стр. 6701

هذه الوجوه التي ذكرنا أنه لا يضمن فيها وإن لم تقم له بينة. ابن يونس: وكأن المودع على ذلك أودعه فصار كالإذن له في ذلك ولو لم يكن من شأنه أن ترفع له زوجته أو أمته وأنه كان لا يثق بماله إليهم فرفع الوديعة إليهم فإنه يضمن، وقد قال محمد: إن لم يكن شيء من هذه ورفعها عند غير من يكون عنده ماله والقيام له به ضمن. انتهى. فرع: رجل طلع إلى سقف فقال لصاحب الحانوت: احبس لي هذا الفرو حتى أهبط، فاحتاج صاحب الحانوت إلى القيام إلى حاجة، فقال لرجل آخر انظر الحانوت والفرو حتى آتي فضاع الفرو، فأجاب الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد: على صاحب الحانوت الضمان. قاله الحطاب. إلا لعورة حدثت مستثنى من قوله: "وبإيداعها وإن بسفر" يعني أن محل ضمان المودع بالفتح للوديعة إذا أودعها لغير من ذكر من زوجة وأمة إنما هو إذا لم يكن الإيداع لأجل عورة أي اختلال في منزل المودع بالفتح أو جار سوء أو نحو ذلك حدثت بعد الإيداع من المودع بالكسر، وأما إن أودع المودع بالفتح لأجل عورة أي عذر حدثت في منزلة أي طرأت بعد الإيداع فإنه لا يضمن حينئذ بالإيداع لغير من ذكر حيث عجز عن ردها لربها، قال المواق: اللخمي: إذا خاف المودع عورة منزلة أو جار سوء وكان ذلك أمرا حدث بعد الإيداع جاز له أن يودعها ولا ضمان عليه، وإن كان ذلك الخوف متقدما قبل الإيداع والودع عالم لم يكن له أن يودعها فإن فعل ضمن. انتهى. وقال عبد الباقي: ويستثنى من قوله: "وبإيداعها وإن بسفر" قوله: "إلا أن يودع لعورة حدثت" عند المودع بالفتح بعد الإيداع، كطرو جار سوء، فإن كانت قبل الإيداع وعلم ربها فليس للمودع بالفتح إيداعها لغيره، فإن أودع ضمن، فإن أودع بشرطه وأنكرها المودع عنده لم يضمنها الأول. ابن يونس: والأصل أنه يضمن فإن سافر بها حيث يجوز له ذلك فغشيه لصوص فطرحها ثم لم يجدها، أو أودعها لمن يظن أنه ينجو بها من راكب أو حاكم أو صالح لم يضمن، كما إذا ابتلعها فلم تخرج من جوفه. انتهى. قوله: إن كانت قبل الإيداع وعلم ربها لخ، مفهومه لو كانت قبل الإيداع ولم يعلم ربها، فقال اللخمي: يضمن المودع ضاعت عنده أو عند غيره إلا أن يكون ضياعها عنده، ولم يكن من السبب الذي يخاف منه. انتهى. ابن عرفة: كذا وقع في غير نسخة من اللخمي، وكذا نقله ابن عبد السلام وقبله، والصواب إن كانا عالمين بالخوف فهو

стр. 6702

لغو لدخولهما عليه ومقابله عذر، وإلا فالأظهر اعتبار حال الفاعل لا القابل لأنه ملك التصرف بالذات. أو لسفر عطف على المستثنى فهو في حيز الاستثناء؛ يعني أن المودع بالفتح إذا أودع لغير من ذكر وضاعت الوديعة وكان إيداعه لأجل إرادة سفر وعجز عن ردها لربها، فإنه لا يضمن بإيداعه حينئذ، قال الخرشي مفسرا للمص: وكذلك لا ضمان على من عنده الوديعة إذا طرأ له السفر وعجز عن ردها إلى ربها بأن كان ربها مسافرا مثلا، فإنه يجوز له أن يودعها ولا ضمان عليه إذا تلفت أو ضاعت. وعلم مما قررت أن قوله: عند عجز الرد قيد في المسألتين، وبالغ على جواز الإيداع لمن هي عنده بقوله: وإن أودع بسفر؛ يعني أن الإيداع لأجل عورة حدثت أو لأجل سفر عند عجز المودع بالفتح عن ردها لربها جائز، وإن كان المودع أخذ الوديعة في السفر وبالغ على ذلك ليلا يتوهم أنها لما أودعت عنده في السفر لا يجوز له إيداعها إذا أراد سفرا وإن وجد ما يسوغ الإيداع له؛ لأن ربها رضي أن تكون معه. قاله الخرشي وغيره. ووجب الإشهاد بالعذر يعني أن المودع بالفتح لا يصدق في دعوى العذر الذي أودع لأجله، بل لا بد من ثبوته بالبينة فلذلك يجب عليه الإشهاد بالعذر بأن يري البينة العذر، ولا يكفي أن يقول اشهدوا أني أودعت لعذر، وظاهر المص أنه لو شهدت بينة بمعاينة العذر ولم يشهدها أنه لا يكتفى بذلك مع أنه يكتفى بذلك، كما أشار له الشارح. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن المودع لا يصدق في أنه خاف عورة منزلة أوأنه أراد سفرا، بل لا بد من ثبوت ذلك بالشهود بأن يشهدهم على العذر، ولا يكفي أن يقول اشهدوا أني أودعت لعذر وظاهره أنه لو شهدت بينة بالعذر ولم يشهدها أنه لا يكتفى لخ، فلو قال: ولا بد من ثبوت عذر الإيداع لكان أحسن. انتهى. وقال المواق: ومن المدونة: لا يصدق في إرادة السفر أو خوف عورة المنزل إلا ببينة. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: سفره وخوف عورة منزلة عذر. أبو محمد: ولا يضمنها ولو دفعها بغير بينة. ابن يونس: كدفعه لزوجته وخادمه، وينبغي على أصولهم إن لم تقم له بينة أن يضمن لأنه دفع إلى غير من دفع إليه لكنهم لم يضمنوه للعذر، ومن المدونة: إن أراد سفرا أو خاف عورة منزلة وربها غائب فليودعها ثقة. ابن عرفة: ظاهره ولو كان دونه في ثقته. انتهى.

стр. 6703

وبرئ إن رجعت سالمة يعني أن المودع بالفتح إذا خاطر وسلم بأن أودع الوديعة لغير عذر ثم رجعت الوديعة من إيداعها المذكور سالمة ثم ضاعت فإن المودع بالفتح يبرأ من ضمانها، ومن المدونة: من أودع وديعة يعني وديعة عنده عند غيره ثم استردها منه فضاعت لم يضمن، كقول مالك: إن أنفق منها ثم رد ما أنفق لم يضمن. انتهى. وعلم مما قررت أن هذا غير مكرر مع قوله: "إلا أن ترد سالمة" أي من السفر. تنبيهات: الأول: قال اللخمي في تبصرته: وليس على المودع أن يسلم الوديعة بأمارة المودع ولا بكتابته، وإن اعترف المودع أنه خطه إلا أن يثبت الرسول عند الحاكم أنه خط المودع؛ لأن صاحب الحق لو كان حاضرا لم يجب له أخذها حتى يشهد له بذلك. انتهى منها بلفظها. ونقله ابن يونس في الموازية وسلمه ولم يحك خلافه، ونقله أبو الحسن فقها مسلما وزاد عقبه ما نصه: قال في النوادر: ولا يلزم الدافع أن يدفعها إليه أصلا ولو أمره صاحبها بلسانه خيفة أن يموت فينكر الورثة. انتهى منه بلفظه. الثاني: اعلم أن المودع إذا حدثت له عورة فإنه يجب عليه أن يودعها، فإن لم يودعها ضمن كما مر ما يفيده. قال ذلك الرهوني. الثالث: قال ابن يونس في كتاب حريم البئر ما نصه: قال أصبغ في العتبية، ولو قال دفنتها فضل عني موضعها فهو ضامن لأنه فرط، إلا أن يقول دفنتها في بيتي وحيث يجوز له دفنها فطلبتها في ذلك الوضع بعينه ولم أجدها فلا يضمن. انتهى منه بلفظه. وفي المفيد ما نصه: ومن أحكام ابن أبي زمنين في العتبية قيل لأصبغ فيمن استودع وديعة فدفنها في موضع فلما طلبت منه قال دفنتها في موضع ولا أدري أين هو، قال: هو لها ضامن، بخلاف ما لو قال دفنتها في هذا الوضع ثم لم يجدها فيه؛ لأنه هاهنا بمنزلة ما لو قال سقطت مني. انتهى منه بلفظه. وفي الجواهر ما نصه: وكذلك لو أودع الأرض ما استودع وكان ذلك جهده فهو حرز لا يضمن ما ضاع منه. انتهى. قال مقيده عفا الله تعالى عنه: وهذا لا يخالف ما قبله كما يظهر ذلك بالتأمل. والله تعالى أعلم.

стр. 6704

وعليه استرجاعها إن نوى الإياب قال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن المودع بفتح الدال إذا أودع ما عنده من الوديعة لأمر سائغ له فإنه يجب عليه إذا عاد من سفره أن يأخذها ممن هي عنده حيث نوى الرجوع عند إيداعها لأنه التزم حفظها لربها ولا يسقط عنه إلا القدر الذي يسافر فيه، وإن لم ينو الإياب عند إيداعها بل سافر منتقلا أو لا نية له ثم عاد فإنه لا يجب عليه استرجاعها ممن هي عنده، لكن يستحب له أن يأخذها وإذا طلبها ومنعها منه حيث نوى الإياب قضي عليه بالدفع. قاله بعض بلفظ: ينبغي. انتهى قوله: بلفظ ينبغي فيه قصور كما في الحطاب عند قول المص: "وبمنعها حتى يأتي الحاكم: ونصه: قال في النوادر ومن كتاب ابن المواز وابن عبد الحكم: قال ومن أودعته وديعة ثم أقررت أنها لزيد الغائب ثم طلبت قبضها فلك ذلك بالحكم، وليس إقرارك أنها لزيد يمنعك من قبضها في غيبة زيد لأنك الذي أودعتها. قاله البناني. وإذا ترك طلبها حين نوى الإياب وتلفت عند من أودعها عنده ضمنها بمنزلة إيداعها ابتداء من غير ضرورة، وأفتي به وكلام المؤلف فيما إذا أودعها بوجه سائغ وإلا فعليه استرجاعها مطلقا، سواء نوى الإياب أم لا انتهى قاله الخرشي. قال مقيده عفا الله تعالى عنه: وظاهر ما نقله البناني عن ابن المواز وابن عبد الحكم أنه يقضى أي للمودع بالفتح بالدفع أي بأن يدفع له المودع الثاني الوديعة نوى الإياب أم لا، وقال المواق: من رأى العدو فألقى الوديعة في شجرة فضاعت فلا ضمان عليه. وببعثه بها يعني أن المودع بالفتح إذا بعث الوديعة مع غيره إلى ربها فضاعت فإنه يضمنها، قال عبد الباقي: وتضمن الوديعة ببعثه بها لربها بغير إذنه فتتلف أو يأخذها اللصوص ويدعي إذن ربها وينكر ذلك وعليه اليمين. انظر التتائي. ومثله في ضمانه ذهابه هو بها بغير إذن ربها كما في التوضيح. انتهى. قوله: ومثله في ضمانه ذهابه هو بها لخ، قال البناني: هذا هو الذي يدل عليه ما في التوضيح في الوصي بالاسكندرية يرسل إلى الورثة بالمدينة فلم يأته خبر عنهم، فسافر بها إليهم فضاعت أنه ضامن. انتهى. ونص المدونة: قال مالك في امرأة ماتت بالأسكندرية فكتب وصيها إلى ورثتها وهم بالمدينة فلم يأت عنهم خبر فخرج بتركتها إليهم فضاعت في الطريق: فهو ضامن لها حين خرج بها بغير أمر أربابها. انتهى. وأقره أبو الحسن على ظاهره، والذي في

стр. 6705

الخرشي أنه إن ذهب بها لم يضمن. وانظر من أين أتى به؟ ونقل عن المسناوي أن الحق التفصيل وهو أنه إذا غربها بأن جاء في وقت مخوف فالضمان وإلا فلا، وظاهر ما في التوضيح والمدونة إطلاق الضمان وهو الظاهر. انتهى. قوله: وانظر من أين أتى به، قال الرهوني: كأنه لم يقف على كلام الرجراجي الذي نقله أبو علي، ونصه: فإن خرج بها في طلب صاحبها فضاعت هل يضمن أم لا؟ فال مذهب على قولين: أحدهما أنه ضامن وهو نص قول مالك في المدونة، والثاني أنه لا ضمان عليه وهو قوله في المبضع معه تحدث له إقامة حيث جوز له أن يبعث بالمال إلى ربه، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب في جواز توجيه القاضي مال الأيتام، وهذا القول قائم من المدونة في كتاب الجهاد، لكن ما اقتصر عليه مرجوح، والحق في تقرير كلام المص ما قاله أبو علي، ونصه: وقول المتن وببعثه بها كأنه قصد ﵀ أنه إذا ذهب معها فهو سفر بها فيدخل في ما تقدم ويجري على تفصيله وبه يسقط الاعتراض عليه. انتهى منه بلفظه. وهو حسن بسن والله أعلم. انتهى. قوله: فيجري فيه تفصيله؛ يعني أن محل ضمانه إن ذهب حيث قدر على أمين. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. قوله: وببعثه بها، قال عبد الباقي: ويستثنى من كلامه من دفع له مال في السفر ليحمله إلى بلد فعرضت له إقامة بغيرها فله أن يبعثه مع غيره ولا ضمان، وينبغي أن يصدق في أنه بعثها مع غيره كما في الدفع للزوجة ونحوها ممن اعتيد بذلك، والفرق بينه وبين مبتدئ السفر بها بعد دفع المال إليه أن هذا قد أذن له بالسفر بها في الجملة فلم يتعد بدفعها إلى غيره مع الضرورة، بخلاف الحاضر مبتدئ السفر، والفرق بين هذه وبين من أودعت عنده أثناء السفر أنه إنما أودعها معه لتبقى عنده فلم يدفعها ليحملها لشخص لبلد آخر، ومثل بعث المودع في الضمان الوصي يبعث المال لورثة المودع بالكسر، وكذا القاضي يبعث ذلك لورثة المودع عند ابن القاسم خلافا لقول أصبغ في عدم ضمانه وإن مضى عليه غير واحد. وبإنزائه عليها فمتن يعني أن المودع إذا أنزى الفحل على الحيوان المودع عنده الإناث فماتت الإناث المنزى عليهن من الإنزاء، بل وإن متن من الولادة فإن المودع يضمن حيث أنزى بغير إذن المودع بالكسر، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وإذا كانت الوديعة نوقا أو شياها أو نحو ذلك فإنه

стр. 6706

يضمن بإنزائه عليها بغير إذن ربها، والقول قوله في عدم الإذن فمتن من الإنزاء بل وإن من الولادة. انتهى. كأمة زوجها فماتت من الولادة تشبيه في الضمان؛ يعني أن من أودع أمة فزوجها بغير إذن ربها فماتت من الولادة، فإن المودع المزوج لها يضمنها أي يضمن قيمتها لربها، قال المواق من المدونة: من أودعته بقرا أو نوقا فأنزى عليهن فحملن فمتن من الولادة، أو كانت أمة فزوجها فحملت فماتت من الولادة فهو ضامن، وكذلك لو عطبت تحت الفحل. انتهى. وقال عبد الباقي: وشبه من يعقل لعدم اتصافه بالإنزاء، فقال كأمة زوجها المودع بغير إذن ربها فماتت من الولادة، وكذا لو ماتت من الوطء فلو اقتصر على ماتت لشمل المسألتين، فيضمن كالزوج إن علم بتعديه وخير ربها في اتباع أيهما شاء، فإن لم يعلم بالتعدي بدئ بالمودع لأنه المسلط له عليها، فإن أعدم اتبع الزوج فيما يظهر قياسا على مسلة الرديف في العارية، كما سيقول فيها: واتبع به إن أعدم ولم يعلم بالإعارة ولو كانت الوديعة ذكر بهيمة فلم يحفظه حتى نزا على بهيمة ضمنه إن تلف لتقصيره، ولو كانت الوديعة عبدا فزوجه خير سيده بين أخذه وتضمينه القيمة، ولو ختنه المودع مسلما فمات ضمنه إن كان لا يطيقه وإلا لم يضمن ولو على المشهور من أنه سنة لا واجب لعدم تعديه، ولا يشكل على هذا ما يأتي للمصنف في باب الشرب من أنه من ختن عبدا بإذنه أي العبد ضمن ما نشأ عن ذلك لأن إذن العبد غير معتبر، بخلاف المودع إذ هو مأذون له في الجملة وأفرد أولا ضمير عليها نظرا للفظ؛ لأن لفظ الوديعة مفرد وجمعه ثانيا نظرا للمعنى لأنه يصدق على متعدد. قوله: "وبإنزائه عليها فمتن من الولادة كأمة زوجها فماتت من الولادة"، ما ذكره في هاتين المسألتين هو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها، ونقل اللخمي عن مالك نفي الضمان إن متن بالولادة، وقال في النوادر: وقال أشهب: لا ضمان عليه في شيء من ذلك. انتهى المراد منه. قاله الشارح. ويأتي للمص في باب الإجارة عاطفا على ما فيه الضمان ما نصه: "أوأنزى بلا إذن" فالمص مشى على ضمان المودع بالإنزاء وعلى ضمان الراعي به، والضمان في البابين لابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: لا يضمن. قاله الشارح. ومثله لابن يونس في باب جامع القول في إجارة الراعي، ونصه: ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإن أنزى الراعي على الإبل والرمك والبقر والغنم

стр. 6707

بغير إذن أهلها ضمن، وقال غيره: لا يضمن. انتهى منه بلفظه. والغير هو أشهب. نقله ابن عرفة في باب الإجارة. وزاد متصلا به ما نصه: قلت إن تقرر عرف بالمنع والإذن فلا اختلاف وإلا فالقولان، وينبغي إن كان الفحل لغير رب الأنثى أن يضمنه اتفاقا. انتهى منه بلفظه. قاله الرهوني. تنبيه: قد مر قول عبد الباقي ولو كانت الوديعة عبدا لخ، قال البناني: فيه نظر، ففي مصطفى عن النوادر أنه لا ضمان على المودع أصلا لأن لربه أن يجيز أو يرد، فإن أجاز فكابتداء فعله وإن فسخ رجع العبد بحاله بلا نقص. انتهى. قوله: رجع العبد بحاله بلا نقص، قال الرهوني: هو ظاهر إن وقع الفسخ قبل الدخول، وأما بعده فعلى أحد الأقوال الثلاثة المتقدمة في قول المص، وفي زواله بموت الزوجة أو طلاقها لخ لا على القولين الآخرين. انتهى. وبجحدها يعني أن المودع إذا جحد الوديعة ثم أقر بها أو قامت عليه بينة بها فادعى ردها أو ضياعها فإنه يضمنها ولا يقبل دعواه، قال عبد الباقي: وضمن المودع بجحدها من أصلها إن اعترف بها بعد أو قامت عليه البينة وإلا فلا ضمان. قاله التتائي. فلا تقبل دعواه الرد، ثم إن أقر بها بعد الجحد أو قامت عليه بينة فأقام بينة على ردها، في قبول بينة الرد وعدم قبولها خلاف في التشهير، صرح في المدونة هنا بالضمان، وصرح ابن شأس بأنه المشهور ونصه: فإن كانت صيغة جحوده إنكار الوديعة من أصلها لم يقبل قوله بغير بينة، وفي قبوله مع البينة خلاف المشهور نفيه لتناقض كلاميه. انتهى منه بلفظه. وتبعه ابن الحاجب. والقول بقبول بينته لمالك من سماع ابن القاسم، قال اللخمي: وهو أحسن، وقال ابن زرقون: إنه المشهور، قال ابن ناجي في شرح المدونة ما نصه: وقيد محمد بن أبي الحسن القيرواني قول مالك بالجاهل الذي لا يعرف أن الإنكار يضره، وأما العالم الذي يعلم أنه يضره فلا عذر له، وقال شيخنا أبو مهدي: قيل هو متفق عليه وقيل هو خلاف. انتهى منه بلفظه. وعلى أنه تقييد حمله الحطاب عند قوله في الوكالة: "أو أنكر القبض فقامت البينة فشهدت بينة بالتلف" لخ فإنه قال هنالك ما نصه: وينبغي أن يقيد ذلك أيضا بما قاله الرعيني، وهو أن يكون المدعى عليه يعرف أن الإنكار يضره، وأما إن كان ممن يجهل ذلك ولا يفرق بين قوله ما أسلفتني

стр. 6708

وما أودعتني، وبين قوله مالك عندي سلف ولا وديعة فيعذر بالجهل لخ، ثم قال بعد ما نصه: وما قاله الرعيني ظاهر. انتهى. قلت: على إعذار الجاهل عول أبو القاسم بن محرز، فإنه لما ذكر إنكار الزوج قذف زوجته فأقامت عليه بينة فأراد أن يلاعن، وقال: إنما أنكرت لأني قصدت الستر عليها أنه يعذر بذلك عند مالك وابن القاسم، وقال غيره: لا يقبل رجوعه، قال ما نصه: هذد المسألة أصل لمن ادعِي عليه بحق فجحده ثم قامت عليه بينة فادعى القضاء، فعلى مذهب الغير لا يعكن من إقامة البينة، وعلى قول مالك وابن القاسم يعتبر جحوده وينظر على أي وجه كان، فإن كان له عذر بجهله أو جهل من يحكم عليه وسطوته فرأى أن إنكاره أسلم له فينبغي أن يمكن من ذلك. انتهى. ونقله المتيطى في باب اللعان من نهايته، وصاحب المعين في باب اللعان أيضا، وابن هلال في الدر النثير في مسائل الوديعة، ونقل ابن فرحون كلام المتيطى في الباب السادس والخمسين في القضاء بموجب الجحود، وقبلوه وهو منصوص لابن القاسم حسبما نقله أبو الأصبغ بن سهل، ونصه: وقال عيسى بن دينار عن ابن القاسم إذا كان له عذر من غيبة بينته أو كان ممن يعذر بالجهالة فلا يضره إنكاره وتقبل بينته وإن كانت حاضرة، ونقله ابن فرحون وابن هلال في المحلين المذكورين ءانفا وقبلاه وبه شاهدنا الفتوى، وسمعت التاودي يقول: إنه جرى به العمل فتعين التعويل عليه لوجوه. انتهى. قاله الرهوني. تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: ثم في قبول بينة الرد خلاف مشهور، هل تقبل لأنه أمين كما في عامل القراض يجحده ثم يقيم بينة على رده فإنها تنفعه على المشهور فيه أولا لأنه أكذبها بجحده أصل الوديعة وهو قول ابن القاسم وجماعة. انتهى. قوله كما في عامل القراض يجحده لخ، قال البناني: الذي يقتضيه نقل المواق في باب الوكالة استواء الوديعة والقراض والبضاعة، وأن من قال بالضمان قاله في الجميع. انتهى. الثاني: قال عبد الباقي: والفرق بين جريان الخلاف هنا وجزمه في الدين بعدم قبول بينته كما قال المص "وإن أنكر مطلوب العاملة بالبينة ثم لا تقبل بينة بالقضاء" أنه في الذمة والأصل بقاء ما فيها والوديعة أمانة فتجاذبها طرفا ترجيح؛ لأن طرف الأمانة مرجح للقبول وطرف الجحد

стр. 6709

مرجح لعدم القبول. انتهى. البناني: في نقل المواق وغيره ما يدل على أنه لا فرق بين الإقرار وإقامة البينة في جريان الخلاف ونحوه في تبصرة ابن فرحون ونقله الحطاب. انتهى. وهذا هو الذي قررت به المص عند قوله "ثم" خلاف ما لعبد الباقي من جعله موضوع المص أنه قامت بينة على الوديعة بعد الجحد، قال: وذلك يقتضي أنه لوأقر بعد الجحد ثم قامت بينة بالرد أنه تقبل بينته. اهـ. وقد علمت أنه لا فرق بين الإقرار بالوديعة بعد الجحد وإقامة البينة فيها بعد الجحد. والله تعالى أعلم. الثالث: قال عبد الباقي وأشعر قوله: "بينة الرد" أن بينة التلف لا تقبل لخ، قال البناني: قصور، وقد جمع في التوضيح بينة الرد وبينة التلف، وحكى فيهما الخلاف ونصه: وحكى صاحب البيان في باب الصلح وابن زرقون في باب القراض فيمن أنكر مائة ثم ادعى ضياعها أو ردها لما قامت عليه البينة ثلاثة أقوال: الأول لمالك من سماع ابن القاسم يقبل قوله فيهما، الثاني لمالك أيضا لا يقبل قوله فيهما، الثالث لابن القاسم يقبل قوله في الضياع دون الرد. اهـ. قال المواق عقبه: المشهور أنه إن أقام بينة على ضياعها أوردها فإن تلك البينة تنفعه بعد إنكاره. اهـ. وعلى المشهور الآخر جرى المص في الوكالة. انتهى. الرابع: قال ابن وهبان: ابن عرفة: وإن قال أودعتني مائة درهم ثم قال لم أقبضها لم يصدق، فلو قال اشتريت منك ثوبا ولم أقبضه قبل قوله مع يمينه؛ لأن أودعتني يدل على القبض والشراء يقع على العقد. اهـ. الخامس: في طرر ابن عات: من ادعى أنه أودع ثيابا عند رجل فأنكر ثم قامت عليه بينة أنه أودعه أعكاما لا يعرفون ما فيها ويظنونها ثيابا أنه يسجن ويهدد، فإن أقر بشيء حلف وكان القول قوله، وإن تمادى على إنكاره حلف صاحب الوديعة على ما يشبه أنه يملك مثله ويأخذه بذلك، والظالم أحق من يحمل عليه، وقد قيل إنه يحلف إذا لم تعين البينة شيئا بعد أن يستبرأ أمره بالسجن والتضييق عليه والتشديد إذا تمادى على إنكاره ولا شيء عليه، وبالأول القضاء. من الاستغناء. اهـ منها بلفظها. ونقله ابن غازي في كتاب الوديعة من تكميله، والونشريسي في باب الوديعة والعارية من معياره وسلماه. والله أعلم. قاله الرهوني.

стр. 6710

وبموته ولم يوص ولم توجد يعني أن المودع إذا مات ولم توجد الوديعة في تركته ولم يوص بها فإنه يضمنها فتؤخذ من تركته، قال الخرشي: يعني أن من أخذ وديعة بغير بينة ثم مات فلم توجد في تركته ولم يوص بها عند موته فإنها تؤخذ من تركته ويحمل على أنه تسلفها، وسواء كانت عينا أو عرضا أو طعاما. اهـ. وقال عبد الباقي: وبموته ولم يوص ولم توجد في تركته فإنه يضمنها أي يؤخذ عوضها من تركته؛ لأنها لو ضاعت لتحدث بها فيحمل على أنه تسلفها، قال الرهوني في المعيار عن المازري ما نصه: المشهور في المذهب أنها إن لم توجد بعينها تعلقت بذمته، وقيل لا تعلق لها بذمته لاحتمال ضياعها وهو القياس عند شيوخنا. اهـ. وفيه أيضا عن المازري ما نصه: النظر يقتضي أن الأمانة لا تتعلق بذمة الميت، لكن في المدونة وهو المشهور عن جماعة الأئمة وغيرهم: تعلقها بتركة الميت وعلله حذاق الأصحاب بأنه يحمل على أنه تسلفها. اهـ. وفي ابن عرفة ما نصه: وفيها مع آخر قراضها من هلك وقبله قراض وودائع ولم توجد ولم يوص بها فذلك في ماله، ويحاص بذلك غرماؤه، ومثله سمع ابن القاسم، ابن رشد صحيح لا أعلم فيه خلافا، ثم قال في زاهي ابن شعبان: من هلك وعنده وديعة ولم توجد وعليه دين فماله بينهما بالحصص. قاله الشعبي وداوود بن هند. وعن النخعي فيها قولان: هذا، والآخر أن الوديعة أولى. وقال الحارث العكلي: الدين أولى، وقال ابن أبي ليلى: إن لم تعرف فليس لصاحبها شيء وبالأول أقول. انتهى. والحاصل أن المنصوص في المذهب قولان: تعلقها بذمته والمحاصة بها، وصرح المازري وغيره بأنه المشهور وهو نص المدونة في غير ما موضع منها، ونص قول مالك في سماع ابن القاسم، وقال ابن رشد: إنه لا يعلم فيه خلافا، وعدم تعلقها بالذمة أصلا، فالمصيبة من ربها ذكره المازري وغيره، ولم يبينوا قائله ومع كونه شاذا فهو الظاهر، كما أشار له غير واحد وتوجيه المشهور بما نقله المازري عن حذاق الأصحاب بأنه يحمل على أنه تسلفها لا يخلو من نظر، وقوله: "وبموته ولم يوص" اعلم أنه لا بد للمودع بالكسر من يمين القضاء كما صرح بذلك في المعيار وهو ظاهر ومأخوذ أيضا من يمين القضاء في الديون بالأحرى. قاله الرهوني. ومفهوم قوله: "إن لم يوص" أنه إن أوصى بها لم يضمنها، فإن كانت باقية أخذها ربها وإن تلفت فلا ضمان، ويدخل في إيصائه بها

стр. 6711

ما لو قال هي بموضع كذا فلم توجد فلا يضمنها كما قال أشهب، وتحمل على الضياع لأنه كقوله: هي بموضع كذا كأنه ذكر أنه لم يتسلفها. اهـ. قاله عبد الباقي. واعلم أن تردد ابن وهبان الذي ذكره عبد الباقي قصور. إلا لكعشر سنين يعني أن محل ضمان المودع للوديعة إذا مات ولم يوص ولم توجد في تركته فتؤخذ منها إنما هو حيث لم يطل الأمد من يوم الإيداع كعشر سنين، وأما إن طال الأمد بأن كان بين الوقت الذي أخذ فيه الوديعة وموته كعشر سنين فإنه لا يضمنها، ويحمل على أنه ردها لربها، والكاف استقصائية فالعشر طول إن كانت الوديعة ثابتة بإقرار المودع، وأما ببينة حين الإيداع مقصودة للتوثق أو ببينة عليه بها بعد إنكاره فلا يسقط الضمان، ولو بأزيد من العشر أو استمر المودع حيا. هذا ملخص ما لابن عرفة الذي في التتائي. قاله عبد الباقي. وعلم من كلامهم هنا أنه إذا مات المودع ولم يعلم منه إقرار ولا إنكار، وأقام المودع بينة أنه أودعه وهي غير مقصودة للتوثق ولم يوص ولم توجد فإنها تؤخذ من تركته إلا لكعشر سنين، فالمص شامل لهذه الصورة أيضا. قاله مقيده عفا الله عنه. تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: مثل الوديعة من تصدق على ابنه الصغير بثياب وأراها الشهود وحازها بيده لابنه، ثم مات فلم توجد في تركته فيقضى له بقيتها (١) من التركة إلا لكعشر. هذا هو الصواب كما قاله ابن سهل. الثاني قال عبد الباقي: إذا فقد صاحب الوديعة بقيت للتعمير، وينبغي بعده أن يجري فيها ما جرى في اللقطة بعد السنة، والظاهر سواء فقد بأرض الشرك أو بأرض الإسلام. اهـ. قوله: إذا فقد صاحب الوديعة بقيت للتعمير أي بقيت بعينها إن أمكن وإلا بقي ثمنها، وقوله: وينبغي بعده أن يجري فيها ما جرى في اللقطة لخ يقتضي أنه لم يقف على حكمها بعد التعمير، مع أنه قال في آخر كتاب الوديعة من المدونة ما نصه: ومن أودعك وديعة ثم غاب فلم تدر موضعه أو حي أو ميت ولا من ورثته؟ فإنك تتأنى بها، فإن طال الزمان ويئست منه فينبغي أن تتصدق بها عنه، قال أبو الحسن ما نصه: قوله يئست منه يعني بمضي مدة التعمير، وقوله: فينبغي أن

стр. 6712

تتصدق بها عنه هو على بابه، وانظر إذا كان يخشى عليها التغيير كالثياب والطعام هل يبيعه أو حتى يدفع ذلك إلى الإمام. اهـ منه بلفظه. قلت: سيأتي عند قوله: "وإن قال لأحدكما ونسيته" الخ عن ابن الحاج ما يفيد أنه لا بد من رفعه للحاكم. فانظره والله أعلم. قاله الرهوني. ومفهوم قوله: "لم توجد" أنه إذا وجد المودع بالكسر وديعة في التركة أخذها أي الوديعة بشرط أشار إليه بقوله: إن ثبت بالبينة الشرعية، وقوله: بكتابة متعلق بأخذ والباء سببية، وقوله: "إن ثبت" جملة معترضة بين العامل ومعموله، وقوله: عليها صفة "لكتابة" فهو متعلق بالكون أو الاستقرار، والضمير فيه عائد على الوديعة والضمير المستتر في خطه عائد على المالك المودع أنها له، معمول "كتابة" أو بدل منها أو بيان لها إن كانت بمعنى المكتوب، والضمير في "أنها" عائد على الوديعة، وفي "له" عائد على رب الوديعة، وفاعل ثبت قوله: أن ذلك الخط خطه أي خط رب الوديعة، أو ثبت بالبينة الشرعية أنه خط الميت بأيهما ثبت كان للمالك أخذه به، قال عبد الباقي: وأخذها أي الوديعة مالكها إن ثبت بكتابة عليها أو على صرتها والجار مع مجروره متعلق بأخذها، "وإن ثبت" جملة معترضة بين العامل ومعموله، "وعليها" صفة كتابة "وأنها له" معمول "لكتابة" أو بدل منها أو بيان لها إن كانت بمعنى مكتوب أن ذلك خطه أي مالكها، "أو خط الميت" فاعل "ثبت" ولو وجدت أنقص مما عينه مما كتب عليها ويكون النقص في ماله، وهذا إذا علم أنه يتصرف في الوديعة وإلا لم (١) يضمن. اهـ. وقال المواق: سمع أبو زيد ابن القاسم يقول: من هلك وترك ودائع ولم يوص فتوجد صرر فيها وديعة فلان وفيها كذا وكذا دينارا ولا بينة أنه استودعها إياه إلا بقوله، ووجدها عند الهالك كما ادعى لا شيء له منها. ابن رشد: لا يقضى لمن وجد اسمه عليها إن لم تكن بخطه ولا بخط المودع، فإن كان بخط المتوفى الذي وجدت عنده فهي لمن وجد اسمه عليها اتفاقا، إلا على من لا يرى الشهادة على الخط، وإن كان بخط مدعي الوديعة فقال أصبغ: إنه يقضى له بها مع كونها في حوز المستودع، وقال ابن دحون: لا يقضى له بها لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له فكتب عليها اسمه وأخذ منه على ذلك جعلا. انتهى.

стр. 6713

وبسعيه بها لمصادر عطف على ما فيه الضمان، قال الخرشي: يعني أن من عنده وديعة إذا سعى بها لظالم أو عشار ليأخذ عشرها وما أشبه ذلك فإنه يضمنها، فقوله: "لمصادر" بكسر الدال الظالم الذي هو أعم من المكاس ونحوه، والمراد بالسعي هنا الإغراء والدلالة، ويجوز فتح الدال ومعناه أن رب الوديعة إذا صادره ظالم فحين المصادرة ذهب المودع ودفعها بحضرة الظالم عالما بذلك فأخذها الظالم فإنه يضمنها المودع بسبب ذلك؛ لأنه يجب عليه حفظها، وأما حمله يعني المص على ما إذا دفعها لأجنبي مصادر فغير جيد لأنه يضمن بمجرد دفعها للأجنبي وإن لم يصادر. انتهى. فمعنى المص على ما للخرشي ويضمن المودع بالفتح بسبب إغرائه للص أو دلالته على الوديعة فأخذها، فالمصادر على هذا بكسر الدال وهو الظالم، وعلى فتح الدال فالسعي على حقيقته أي يضمن المودع بذهابه بالوديعة إلى ربها المصادر بفتح الدال أي المظلوم؛ أي ذهب بها إلى ربها ومعه مصادر له أي ظالم فأخذها الظالم فإن المودع يضمنها ونحو هذا لعبد الباقي، وزاد: ولا يقال قد يدفعها لعذر لأنا نقول إذا حصل له عذر فعليه أن يدفعها لغير مصادر بالفتح. انظر أحمد. انتهى. وقال البناني: إن الصواب هو ضمان اللص بالدلالة، وقول المص فيما يأتي: "أو دل لصا" عطفا على ما لا ضمان فيه سيأتي اعتراضه. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: "وبسعيه بها لمصادر" ما نصه: يفهم منه أنه إن أخذها الغاصب من غير تسبب من المودع أصلا فلا ضمان عليه وهو ظاهر. انتهى. مسألة: في ابن يونس ما نصه قال عيسى فيمن أودع عنده متاع فعدا عليه عاد فأغرمه عليه مالا فلا شيء على رب الوديعة. انتهى منه بلفظه. وظاهره أنه لعيسى من قوله: وفي مجالس المكناسي ما نصه: قال عيسى عن ابن القاسم: لا شيء على صاحب المتاع، قال ابن رشد: وقد قيل إن له أن يرجع على صاحب الوديعة بما غرم، وقد قال سحنون في الرفاق في أرض العرب يعرض لهم اللصوص فيريدون أكلهم فيقدم بعض أهل الرفقة فيصالح اللصوص على مال عليهم وعليه وعلى من غاب من أصحاب الأمتعة، قال: إن كان ذلك مما قد عرف من سنة تلك البلاد أن إعطاء

стр. 6714

المال يخلصهم وينجيهم فإن ذلك يلزمهم حاضرهم وغائبهم ممن له أمتعة في تلك الرفقة، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم يلزمهم ذلك انتهى منها بلفظها. وفي المعيار ما نصه: وسئل عن الذي يستودع المتاع فتعدى عليه وأغرم بسببه أنه لا شيء على صاحب الوديعة: فقيل للقاضي: أتذكر في هذا اختلافا؟ فأجاب بأن قال: لا، إلا أن هذه المسألة وشبهها نزلت منذ سنين فأفتيت فيها بهذه الرواية، وأخبرت بأن الزيتوني فقيه فاس أفتى أن على صاحب الوديعة أن يغرم ذلكَ للمستودع وأخبرت عنه أنه وجدها رواية، وأما أنا فلم أر فيها اختلافا. انتهى منه بلفظه. انتهى قاله الرهوني. وبموت المرسل معه لبلد إن لم يصل إليه قال الخرشي: هذه المسألة لا تتقيد بالوديعة بل فيها وفي غيرها؛ يعني أن من أرسل إلى شخص وديعة عنده بإذنه أو مالا له عنده أو بضاعة ليتجر فيها، ثم إن المرسل معه مات قبل أن يصل إلى بلد المرسل إليه، فإن ما أرسل به يكون في تركة الرسول، وإن مات بعد الوصول إلى بلد المرسل إليه وأنكر المرسل إليه أن يكون أوصل له شيئا فإنه لا يقبل منه ذلك، ويحمل على أنه دفع ما أرسل به إليه وأنه أشهد على ذلك، ولا يكون للمرسل إليه شيء في تركة الرسول، لكن له اليمين على من يظن به العلم من ورثة الرسول أنه لا يعلم له سببا، وحينئذ فلا كلام للمرسل إليه في الوديعة ولا في المال الذي له عليه، ثم قال الخرشي: والحاصل أن الرسول إن كان رسول رب المال فإن المرسل له يبرأ بالدفع إليه، سواء مات الرسول قبل الوصول للمرسل إليه أو بعده، ويرجع حينئذ الكلام بين ورثة الرسول وبين من أرسله، فإن مات قبل الوصول رجع في تركته وإن مات بعد الوصول لم يرجع، ويحمل على أنه أوصله له وأما إن كان رسول مرسل المال فإن المرسل لا يبرأ من حق المرسل إليه، سواء مات الرسول قبل الوصول أو بعده، ويرجع الكلام بين المرسل وورثة رسوله، فإن مات قبل الوصول رجع في تركته، وإن مات بعده فلا رجوع له في تركته ولو لم يمت الرسول وادعى الدفع وأكذبه المرسل إليه لم يصدق الرسول إلا ببينة. انتهى. ونحوه لعبد الباقي فإنه قال: وتضمن بموت المرسل معه أي رسول رب الوديعة لبلد إن لم يصل إليه أي إلى بلد المرسل، ومثل ذلك الدين المبعوث لربه من مدين، وتسلم الرسول ذلك ومات قبل

стр. 6715

وصوله بلد ربه فيضمن الرسول ذلك في تركته فالضامن هنا الرسول، فإن مات بعد وصولها ولم توجد في تركته فلا ضمان ويحمل على أنه أوصله بإشهاد كما لا ضمان على المودع والمدين بالدفع لرسول ربها المذكور، مات قبل الوصول أو بعده، ويرجع الكلام بين المرسل وورثة رسوله، فإن مات قبل الوصول رجع في تركته وإن مات بعده فلا، فيصح حمل كلام المص على رسول رب الوديعة كما قدمنا وعليه اقتصر أحمد وعلى رسول المودع؛ لأن تفصيله في ضمان الرسول جار فيهما، ومفهوم قوله: "بموت" أنه إن لم يمت وكذبه المرسل له لم يصدق إلا ببينة ولا يعمل بتصديق المودع بالفتح له ويضمن هو أيضا إن دفع له بغير إشهاد على الدفع؛ لأنه لما دفع إلى غير اليد التي ائتمنته كان عليه الإشهاد فلما تركه صار مفرطا. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: وإن بعثت بمال إلى رجل ببلد فقدمها الرسول ثم مات بها وزعم الرجل أن الرسول لم يدفع إليه شيئا فلا شيء لك في تركة الرسول، ولك اليمين على من يجوز أمره من ورثته أنه ما يعلم لك شيئا، ولو مات الرسول قبل أن يبلغ البلد فلم يوجد للمال أثر فإنه يضمنه ويؤخذ من تركته. اللخمي: وجه هذا أنه في الطريق مودع وهو يقول في الوديعة إذا مات المودع ولم توجد الوديعة إنها في ماله، وبعد الوصول وكيل على الدفع ومحصوله أنه امتثل ما وكل عليه، وقد يخفى على ورثته من كان أشهد على دفعها فلا يضمن بالشك. وبكلبس الثوب وركوب الدابة يعني أن المودع إذا لبس الثوب حتى أبلاه أو ركب الدابة حتى عطبت فإنه يضمنها، وتقدم أنه قال: وبانتفاعه بها فهو أعم من هذا، وإنما أعاده ليرتب عليه قوله: والقول له أنه ردها سالمة. قاله الخرشي؛ يعني أن القول قول المودع أنه رد الدابة سالمة بحالها، وكذا يكون القول قوله إنه رد الثوب سالما أي بحاله مع يمينه. إن أقر بالفعل أي العداء في اللبس والركوب أي لم يعلم ذلك إلا بقوله وعليه الكراء حينئذ، ومفهوم الشرط أنه لو قامت عليه بينة بالفعل أي بركوب الدابة ولبس الثوب بعد إنكاره فادعى أنه ردها سالمة لم يقبل قوله، وهو كذلك: قال عبد الباقي: ولا يخالف منطوقه هنا قوله: "وبرئ إن رد غير المحرم"، وأما المحرم فلا يبرأ إلا بشهادة بينة برده لأن ما هنا انتفاع بها حال كونها وديعة، وما تقدم انتفاع بها بعد أن تسلفها، فما هنا باق في أمانته وما تقدم خرج من أمانته لذمته. انتهى.

стр. 6716

قوله: وأما المحرم فلا يبرأ إلا بشهادة بينة برده، قال البناني: أي برده لربه كما تقدم لا برده بحاله فلا يبرأ بذلك. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: لو هلك ما لبسه المودع من ثوب أو ركبه من دابة، ففي تصديقه مع يمينه أنه هلك بعد رده إن ثبت وإن أنكر وقامت به بينة وتضمينه مطلقا إلا ببينة أنه نزل عنها وهي سالمة، ثالثها: يضمن حتى يردها لمحمد قائلا هو قول أصحابنا، وكتاب ابن سحنون وبعض أصحاب ابن يونس. انتهى. وقال الشارح: يعني فإن ادعى أنه رد ذلك بحاله فالقول له يريد مع يمينه إن كان هو الذي أقر بالفعل. انتهى. وإن أكراها أي المودع بالفتح الدابة أو العبد أو السفينة المودعة لمكة مثلا بغير إذن ربها، والحال أنها رجعت بحالها أي سالمة كما كانت عليه قبل الإيداع بلا نقص، إلا أنه أي المودع حبسها أي الوديعة المكراة عن أسواقها أي لم يرجع بها حتى تغيرت أسواقها بنقص. هذا هو المراد. وإن كانت للقنية كما يفيده تشبيه هذه في المدونة بمسألة الكراء كما في أحمد، لا ما يقتضيه لفظه من أنها إذا كانت للقنية فليس له إلا كراؤها كما تمسك به إبراهيم اللقاني. قاله عبد الباقي. وجواب الشرط وإن أكراها هو قوله: فلك يا مودع بالكسر قيمتها أي الوديعة المكراة يوم كرائه أي إكراء المودع بالفتح للوديعة؛ لأنه يوم التعدي أي لك الخيار في أخذ قيمتها يوم التعدي وهو يوم الكراء، وإذا أخذت القيمة يا مودع بالكسر فلا كراء لك فلا تجتمع القيمة والكراء، أو أخذه أي أخذ الكراء وأخذها أي الوديعة فالكراء إنما يجتمع لك مع الوديعة نفسها، فإن شئت أخذته معها وإن شئت أخذت القيمة فقط. قال المواق: من المدونة: قال ابن القاسم: من أودعته إبلا فأكراها إلى مكة ورجعت بحالها إلا أنه حبسها عن أسواقه ومنافعك بها، فأنت مخير في تضمينه قيمتها يوم تعديه ولا كراء لك، أو تأخذها وتأخذ كراءها وكذلك المستعير يزيد في المسافة والمكتري. انتهى. وما قررت به المص من أنه شامل لما إذا كانت الوديعة للقنية ولما إذا كانت للتجارة تبعا لعبد الباقي، قال البناني: صحيح خلاف ما وقع في الخرشي تبعا للقاني من أن قوله: "حبسها عن أسواقها" يفيد أنها للتجارة ولو كانت للقنية فليس له إلا كراؤها إن لم تتلف أو قيمتها إن تلفت يوم التعدي. انتهى. قال مصطفى: وهذا شيء لم يقله غيره ولا عرَّج عليه أحد فيما علمت. انظر

стр. 6717

تمامه. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "أو أخذه وأخذها" ما نصه: وينبغي حينئذ أن عليه نفقتها وليس له إن زادت على الغلة أخذ الزيادة كالغاصب، وحكم المستعارة والمكتراة يتعدى بهما المسافة المشترطة كذلك. انتهى. قوله: وينبغي حينئذ أن عليه لخ الضمير في عليه للمودع بالكسر، والضمير في قوله وليس له للمودَع بالفتح، فلو صرح به لسلم من تشتيت الضمير. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي: ومفهوم "رجعت" أنها إن هلكت فقيمتها يوم الكراء لأنه يوم التعدي ولا كراء لها ولو أكثر من القيمة ورضي به بدلها إلا برضى المودع. انتهى. قوله: ولا كراء لها ولو أكثر من القيمة، لخ قال الرهوني: قال التاودي: إذا رضي ربها بأخذ الكراء فقط فلا ينبغي أن يشك أن ذلك له، ولو لم يرض المتعدي إذ حاصله أنه متعد وفضولي أجاز المالك فعله فلا كلام له. والله أعلم. انتهى منه بلفظه. وما قاله متعين، فإن الزرقاني قد صرح هنا بأنه كالغاصب، وقد تقدم نص المدونة بأن الغاصب إذا باع الشيء المغصوب وتعذر رجوعه فإن لربه أخذ الثمن أو تضمينه القيمة، ولا فرق بين بيع الذات وبيع المنفعة كما هنا. راجع ما قدمناه عند قوله صدر البيوع: "وملك غيره على رضاه" انتهى. وقال عبد الباقي: ومفهوم "بحالها" أنها إن رجعت بنقص وحبسها عن أسواقها خير بين أخذ أرش النقص ولا كراء، وبين أخذ قيمتها. قاله أحمد. وقال كريم الدين: إن رجعت بنقص خير كالتخيير الذي في المص حبسها عن أسواقها أم لا، وإنما نص المص على المتوهم فيه عدم التخيير انتهى وعذا كحو الظاهر الموافق لقول المص في الغصب: "وله في تعدي كمستأجر كراء الزائد إن سلمت وإلا خير فيه وفي قيمتها وقته"، وما في أحمد لم يدعمه بنقل، وإنما قاسه على جناية الغاصب المفيتة للمقصود المشار إليها بقول المص: "فإن أفات المقصود" إلى قوله: "فله أخذه ونقصه أو قيمته"، ومفهوم "إلا أنه حبسها" أنها إن رجعت سالمة ولم يحبسها فله الأكثر مما أكراها به وكراء المثل. انتهى. وبدفعها مدعيا أنك أمرته به وحلفت حال من المودع بالفتح أي وضمن المودع بدفعه الوديعة لزيد حال كونه مدعيا أنك يا مودع أمرته بالدفع لزيد، والحال أنك حلفت يا مودع أنك لم تأمره

стр. 6718

بالدفع لزيد أو منصوب بنزع الخافض على ما لعبد الباقي، أو على المفعولية أي على أنه مفعول لدفع، مضمن إعطاء على ما للرهوني؛ يعني أن المودع بالفتح يضمن الوديعة إذا دفعها لشخص ادعى ذلك الشخص أن المودع بالكسر أمره به أي بأخذ الوديعة، والحال أنك يا مودع حلفت أنك لم تأمره بالأخذ، وتحقيق هذا على سبيل الاختصار أن تقول: وضمن المودع بسبب إعطاء الوديعة لشخص ادعى أن المودِع بالكسر أمرد بأخذ الوديعة، وإنما يضمن إذا حلف المودع بالكسر على أنه لم يأمره بالأخذ. وإلا تحلف يا مودع حلف الودَع بالفتح وبرئ من الضمان، وذكر مستثنى من الضمان قبل "وإلا" بقوله: إلا ببينة تشهد على الأمر أي على أنك أمرته بالأخذ فلا يضمن المودع بالفتح، فهو مستثنى من الضمان المتعلق به. قوله: "وبدفعها" أي وضمن بدفعها لمدع إلا أن تشهد بينة على الأمر المذكور فلا يضمن، وقوله: "على الأمر" بسكون الميم أو بالمد وكسر الميم اسم فاعل. ورتب على ما قبل: "وإلا" قوله: ورجع على القابض يعني أن المودع إذا دفع الوديعة بغير مسوغ كما في قوله: "وبدفعها مدعيا" لخ فإنه يرجع على القابض أي الذي أخذ منه الوديعة بما دفعه له، سواء كانت الوديعة قائمة بيده أم لا، قال الخرشي: وحيث ضمن المودع بفتح الدال وغرم فإنه يرجع على القابض، قوله: "أنك أمرته" بلا واسطة بأن يقول له أنت أمرتني بالدفع له، أو بواسطة بأن يقول جاءني كتابك أو رسولك أو أمارتك، وقوله: "وحلفت" أي وغرم المودع ولا رجوع له على القابض فيما ادعى أنك أمرته به قولا واحدا؛ لأنه يعلم أن الآمر قد كلمه فلا يظلم هو القابض ولا في الكتاب والأمارة، وزعْمِ الإرسال إن صدق تصديق تحقيق بأن يعلم أن الكتاب أو الإمارة حق، وأن الرسول على حق والمودع ظالم في إنكاره وإن صدق تصديق ركون وائتمان أي حسن ظن بالكتاب والأمارة أو الرسول رجع عليه. وقوله: "وإلا حلف وبرئ" ويرجع الآمر على القابض في جميع الصور لقبضه من غير مسوغ، فإن نكل غرم وتقدم الرجوع وعدمه، والمراد بالبينة الشاهدان أو شاهد ويعين. انتهى. واعلم أن التقرير الأول لا يترتب عليه قوله: "ورجع على القابض" على ما قررته به، وإنما يترتب عليه على التقريرين الأخرين، ويترتب عليه على التقريرات الثلاثة على ما نقله الرهوني عن بعض القرويين

стр. 6719

من أن المودع بالفتح يرجع على القابض، ولو قال أنت أمرتني بالدفع له أو حقق أن الأمارة والكتاب والرسول حق وهو يرد على قول الخرشي ولا رجوع له على القابض فيما ادعى أنك أمرت به قولا واحدا. انتهى. ويترتب عليه على التقرير الأول أيضا فيما إذا كانت الوديعة بيد القابض أو أتلفها لا إن تلفت بسماوي. وقال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: لا يجوز دفع الوديعة بأمارة أو بكتابة، فإن فعل وجاء المودع فأنكر حلف ما أمره ولا كتب بذلك إليه وأنه لا حق له عليه وضمنه مثلها أو قيمتها، ثم يرجع المودع على القابض منه ولا يمنعه من ذلك تصديقه فيما أتى به ولا معرفته بصحة ما جاء به وشهادته بذلك قاله ابن سهل في كتاب الإقرار. وذكر المسألة في موضع ثان، ثم قال: وكذلك المحال عليه والوكيل حكمه كذلك ولا يجبروا على الدفع إلا ببينة على المرسل. انتهى. وقال اللخمي: وليس على المودع أن يسلم الوديعة بأمارة المودع ولا بكتابة، وإن اعترف المودع أنها خطه إلا أن يثبت الرسول عند الحاكم أنه خط المودع؛ لأن صاحب الحق لو كان حاضرا لم يجب له أخذها حتى يشهد له بما يبرأ به، يريد أن من حقه الإبراء والشهادة على القابض؛ لأنه لا يبرأ إذا جحد المودع إلا أن يعرف المودع أنه رضي لصاحبها بتسليمها بذلك أو رضي الآن بتسليمها فيلزم ما رضِيَ به، وإن رضي أن يدفعها إلى الرسول بغير أمارة ولا كتاب والوديعة عين والمودع موسر جاز رضاه وألزم ما ألزم نفسه من ذلك، فإن أنكر المودع أن يكون أرسله قام المودع بالمثل ولم يكن على صاحبها في ذلك ضرر، وإن كانت عرضا أو غير ذلك مما لا يقضى على مثله بالمثل أو عينا والمودع معسر لم يجز، ورد رضاه لأن في ذلك ضررا على صاحبها إن قال لم أبعث إلا أن يكون الرسول ثقة مأمونا ممن يغلب على الظن صدقه فيمكن من قبضها ويلزم الآخذ ما رضي به، وإذا وقع الدفع بأمارة أو بكتاب من غير ثبت أو بقول الرسول خاصة ثم قدم المودع فأنكر أن يكون بعثه، كان القول قوله مع يمينه أنه لم يبعثه ولا كتب، ثم يكون بالخيار بين أن يغرم الرسول أو المودع. واختلف إذا أغرمها المودع هل يرجع بها على الرسول؟ فقال ابن القاسم في المدونة: إذا صدق الرسول ودفع إليه ثم قدم الغائب وأنكر وأغرم المودع كان له أن يرجع على الرسول، وقال أشهب

стр. 6720

في مدونته: لا يرجع بها، ثم قال عن ابن المواز: وإن قال المودع أمرتني أن أدفعها إلى فلان وصدقه عليه وأنكر صاحبها ذلك وأن يكون أذن له في خروجها من يده كان القول قوله مع يمينه، ثم يغرمها أيهما أحب، فإن رجع صاحبها على متلفها لم يرجع به الغارم على الرسول، وقال البناني: في نوازل ابن سهل ما نصه: ولابن القاسم في المدونة: إن أتى المودع من زعم أن رب الوديعة أمره بأخذها فصدقه ودفعها إليه فضاعت ضمن الذي دفع ثم له أخذها من القابض، وقال أشهب في كتابه: لربها أخذها ممن شاء منهما ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر. انتهى. وفي النوادر عن ابن المواز قانلا: ولا يمنعه من ذلك أي الرجوع تصديقه فيما أتى به ولو عرف صحة ما جاء به وأنه يشهد بذلك، ونحوه لابن سهل. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وانظر من ادعى دفع الدين لمن لم يثبت وكالته ولا حوالته وقد ادعى الدافع أن رب الدين وكله أوأحاله وادعى القابض ذلك، هل يخير رب الدين في الرجوع على الدافع أو على القابض؟ لخ، قال الرهوني: انظر توقفهم في الدين مع أن المسألة منصوصة لغير واحد، وقد ذكرها ابن رشد في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب العارية، فذكر خلافا في تصديق القابض في دعوى الوكالة مع يمينه ويبرأ ويرجع رب الدين على الدين ثم لا رجوع له على القابض، وقيل لا يصدق وهو ضامن يحلف صاحب المال ما وكله ويرجع بماله على من شاء منهما، فإن رجع على الغريم رجع الغريم على الوكيل، وإن رجع على الوكيل لم يكن للوكيل أن يرجع على أحد. انتهى. وقال ابن رشد في المقدمات: فإذا قلنا إن القول قول الموكل ويضمن الوكيل وهو الذي يأتي على ما في كتاب الوديعة من المدونة، وعلى قول أشهب وابن القاسم في سماع سحنون من كتاب العارية: فإن رجع الموكل عليه لم يكن له رجوع على أحد، وإن رجع على الغريم كان للغريم الرجوع عليه. انتهى. وعدم تصديق القابض في الوكالة فيجب عليه الغرم هو المعتمد، ولذلك اقتصر عليه المتيطى إلا أنه ذكر قولين في رجوع الغريم على القابض إذا أغرمه رب الحق، ونصه على اختصار ابن هارون: واختلف فيمن عليه دين فقال له رجل فلان أرسلني لاقتضائه منك فصدقه ودفعه إليه فضاع وكذبه صاحب الدين، فقال ابن القاسم: يضمن الرسول أي للغريم، وقال أشهب: لا

стр. 6721

يضمن له يريد لأنه صدقه في الوكالة ولا يبرأ الغريم يريد على القولين. انتهى منه بلفظه. ونقل الرهوني غير هذا، ثم قال: وبذلك كله تعلم ما في توقفهم في ذلك. والله الموفق. انتهى. وإن تنازعت مع شخص بعثت إليه بمال فقال المبعوث إليه المالُ: تصدقت يا باعث به أي بالمال المبعوث به علي وأنكرت أيها الباعث أنك تصدقت به على المبعوث إليه، وقلت: هو وديعة، فالرسول المبعوث معه المال شاهد على قول الباعث، ومعنى شاهد أنه يعمل بقول الرسول وإنما عمل بقوله لأنه شاهد على قول الباعث لا على قول نفسه، والفرض أن المبعوث له مصدق على القبض، فإن شهد بموافقة المبعوث إليه حلف معه وأخذه، فإن نكل فالقول لربه دون يمين لتمسكه بالأصل ونكول المبعوث إليه، وإن شهد بموافقة الباعث أخذه بغير يمين لشهادته له وتمسكه بالأصل، وهو قبول قول المالك في إخراج ملكه على وجه خاص، وإن قال الشاهد: لا أدري فالقول لرب المال أيضا لكن مع يمينه؛ لأن الأصل كالشاهد الواحد بخلاف التي قبلها فيها شاهد وأصل كشاهد فلم يحتج فيها ليمين. قال عبد الباقي: قال شيخنا اللقاني: قوله "شاهد" أي يصدق وإن لم توجد فيه شروط الشهادة لرضى الباعث بالبعث معه وفيه شيء إذ يصدق ذلك بالرقيق والذمي. انتهى. قوله: قال شيخنا اللقاني، قوله: "شاهد" أي يصدق وإن لم توجد فيه شروط الشهادة، قال الرهوني سكتوا عنه وفيه نظر؛ بل ظاهر كلام المدونة وغيرها أنه لا بد من كونه عدلا، وصرح بذلك اللخمي ونصه: إن صدقه أنه أذن له أن يدفعها إليه، كان القول قول ربها إذا كان الرسول غير عدل، واختلف في جواز شهادته إذا كان عدلا فأجازها ابن القاسم، وقال أشهب في مدونته وعبد الملك في المبسوط: لا تجوز شهادته. انتهى. وقوله: فالرسول شاهد" قد علمت أنه قول ابن القاسم، واختلف الشيوخ فيه هل هو باق على ظاهره وعليه فالرسول شاهد مطلقا كان المال المبعوث باقيا بيد المرسل إليه أو بيد الرسول لم يدفعه، أو لم يبق بيد واحد؟ قال: وهذا التأويل لإسماعيل مع ظاهر كلام اللخمي وهو قول عبد الله بن عبد الحكم، وعلى هذا فهو مخالف لأشهب. أو قول ابن القاسم إن الرسول شاهد إنما هو إن كان المال المبعوث به باقيا بيده أي بيد المرسل إليه أو بيد الرسول لم يدفعه، وكذا لو لم يبق

стр. 6722

المال المبعوث به بيد المبعوث إليه ولكنه ملي، وأما إن لم يبق بيده وهو معدم فلا يكون الرسول شاهدا، وهذا التأويل لسحنون ومحمد وابن أبي زيد مع عياض عن بعضهم، واختلف على هذا التقييد هل يكون قول ابن القاسم خلافا لأشهب وهو لسحنون ومن وافقه أو خلافا له وهو تأويل ذكره ابن يونس. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره، وأطلق على التأويلات الثلاث تأويلان باعتبار الإطلاق والتقييد. والله تعالى أعلم. قال الرهوني بعد كلام: فتحصل أن في حمل قول ابن القاسم على الإطلاق وتقييده بما إذا كان المال قائما مع جعله وفاقا لأشهب أو خلافا له تأويلين لإسماعيل مع ظاهر كلام اللخمي، وسحنون ومحمد وابن أبي زيد مع عياض عن بعضهم، ونقل ابن يونس. والله أعلم. انتهى. تنبيهات: الأول: في تبيين اختلاف مقيدي قول ابن القاسم في جعل ذلك التقييد خلافا لأشهب أو موافقا له، وذلك أن القاضي عياضا قال في التنبيهات: ظاهر المدونة جواز شهادته بكل حال وعلى هذا تأولها القاضي إسماعيل واللخمي وهو قول عبد الله بن عبد الحكم؛ لأنه لم يتعد لإقرار ربها أنه أمرد بالدفع إلى من ذكر، وذهب سحنون إلى أن معنى ذلك أن المال في يد الرسول بعد لم يدفعه أوأنهما حاضران والمال حاضر، ولو أنفقه المبعوث إليه لم تجز شهادة الرسول لأنه يسقط الضمان عن نفسه. وقال أشهب: لا تجوز شهادة الرسول لأنه يدفع عن نفسه الضمان، وتأول أبو محمد مذهب أشهب على قريب من مذهب سحنون أن التصدق عليه عديم وقد أتلف المال ولا بينة للرسول على الدفع، وأما وهو ملي أو قامت للرسول بينة على الدفع فشهادته جائزة، وجعل بعضهم قول ابن القاسم وأشهب وفاقا على نحو ما ذهب إليه سحنون، وتأوله ابن أبي زيد وهو مفهوم كتاب محمد. انتهى. فعلم أن التأويل الأول لإسماعيل واللخمي، والثاني لسحنون ولبعضهم وابن أبي زيد ومحمد، ونقل ابن يونس هو الذي جعله خلافا وذلك أن ابن يونس قال بعد أن ذكر كلام ابن [أبي (١)] زيد الذي مر قريبا ما نصه: محمد بن يونس: وعلى هذا التأويل يكون قول أشهب وفاقا لابن القاسم،

стр. 6723

وكذلك علل محمد قول ابن القاسم وعلل غيره قول أشهب بأنه إنما لم تجز شهادته لأنه دفع دفعا لم يؤمر به، وذلك أن الآمر إنما أمره أن يدفع على جهة الإيداع فدفع على جهة التمليك فلا تجوز شهادته ولا يؤخذ الآمر بغير ما أمر به من الدفع، قال: وابن القاسم إنما أجاز شهادته لأنه أذن له في الدفع والمال حاضر فلم يستهلك بدفعه على باب التمليك شيئا. انتهى. قال الرهوني: فوافق هذا التأويل تأويل سحنون ومن وافقه في تقييد قول ابن القاسم، وخالفه في جعله خلافا لقول أشهب، وحمل المص على هذا صحيح فيكون في كلامه التأويلات الثلاثة ولا يمنع منه التثنية. فتأمله. انتهى. الثاني: قال الرهوني: في ابن يونس ما نصه: ومن العتبية روى عيسى عن ابن وهب في المستودع يأذن له ربها أن يدفعها إلى من جاءه بأمارة ذكرها له فجاءه رجل بالأمارة فدفع إليه المال ثم مات ربه وقاهـ ورثته على الرسول الذي قبض المال بالأمارة، فقال صنعت به ما أمرني به ربه، قالوا: وما الذي أمرك به؟ قال: ليس علي أن أخبركم، فقال: يحلف أنه صنع ما أمره به ويبرأ. وقاله ابن القاسم. انتهى منه بلفظه. قلت: ظاهر كلامه أن إذن ربها بذلك ثابت ولو لم يثبت بإقرار الورثة أو بالبينة لما سقط عنه الضمان كما تقدم عن النوادر وغيرها. والله أعلم. انتهى. الثالث: قال الحطاب: لو مات المودع وادعى المودع أنه أمره بدفعها إلى فلان فإنه يضمن ويحلف الورثة على العلم، قال في المدونة في كتاب الصدقة: ولو دفعت في الصحة مالا لمن يفرقه في سبيل الله أو في الفقراء ثم متَّ أنت قبل إنفاذه، فإن أشهدت أنه ينفذ ما فات وما بقي فهو من رأس المال، فإن لم تشهد فالباقي لورثتك ولو فرق باقيه بعد موتك ضمن البقية لوارثك. انتهى. الرابع: قال في الشهادات من المدونة: ومن أودعك وديعة فشهدت عليه أنه تصدق بها على فلان أوأقوله بها حلف فلان مع شهادتك واستحقها إن كان حاضرا، وإن غاب لم تجز شهادتك إن كانت غيبته تنتفع أنت في مثلها، قال أبو الحسن: فإن كانت غيبته لا ينتفع بمثلها جازت الشهادة لارتفاع التهمة، قال في النكت: سألت بعض شيوخنا من أهل بلدنا، فقلت: أرأيت إن قال للسلطان خذها من يدي لا أريد إمساكها؟ فقال: إن كان قال ذلك حين أتى يشهد، قال للحاكم إن فلانا أودعني كذا وكذا وقد تصدق به على فلان الغائب فخذه فشهادته جائزة، وإن

стр. 6724

شهد ولم يذكر ذلك ثم أتى يقول هذا فيتهم أن يكون قال هذا لينفي عنه الظنة (١) التي أبطلت شهادته. انتهى. قال أبو الحسن: ولو قدم الغائب فأراد أن يقوم بشهادته، قال ابن شعبان: لأنه قد ردت شهادته. قاله الحطاب. وبدعوى الرد على وارثك يعني أن المودع بالكسر إذا مات فادعى المودع بالفتح أنه رد الوديعة إلى ورثة المودع بالكسر فإنه لا يصدق في ذلك ويضمن الوديعة إلا أن تقوم بينة على الرد، قال الحطاب: قال ابن الحاجب: ولو ادعى الرد على الوارث لم يقبل وكذلك دعوى وارث المودع لأنهما لم يأتمناه كاليتيم. ابن عبد السلام؛ وإذا كان الحكم كذلك في الصورتين فأحرى أن يكون ذلك لو مات المودع ورب الوديعة معا وادعى وارث المودَع رد الوديعة إلى وارث ربها. انتهى. وقال عبد الباقي: وضمن المودع بالفتح أو وارثه بدعوى الرد لها من كل منهما على وارثك لأنه دفع لغير يد المؤتمن، وكذلك دعوى وارث المودع بالفتح أنه رد إليك فالضمان كما في الحطاب عن الجواهر، وكذا إن ادعى أن أباه دفعها لوارثك لا إن ادعوا عليك أو على وارثك أن أباهم ردها إليك فلا ضمان عليهم في هاتين الصورتين، بخلاف الأربع قبلها. فَتَحَصَّلَ أن صاحب اليد المؤتمنة إذا ادُّعِيَ الدفعُ [منه (٢)] لليد الذي ائتمنته فلا ضمان عليه، سواء كانت الدعوى من ذي اليد المؤتمنة أو من وارثه على ذي اليد التي ائتمنته أو على وارثه، وفيما عدا ذلك الضمان. انتهى. قوله إذا ادعي الدفع بالبناء للمفعول، وأل خلف عن الضمير. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. وقال المواق: ابن شاس: أما دعواه الرد على غير من ائتمنته (٣) كدعوى الرد على وارث المالك أو وكيله فلا يقبل إلا ببينة، وكذلك دعوى وارث المالك يفتقر إلى البينة أيضا، وسواء كان القبض في جميع هذه الصور ببينة أو بغير بينة. في الموازية: إن قال المودع أو العامل رددت المال لوصي الوارث

стр. 6725

لموت رب المال لم يصدقا إلا ببينة أو إقرار الوصي، ولو كان قبضها بغير بينة لأنهما دفعا إلى غير من قبضاها منه. أو المرسل إليه المنكر هذا عطف على "وارثك" أي وتضمن بدعوى الرد على المرسل إليه المنكر والرد هنا مجاز عن الدفع. قاله البناني. وقال غير واحد: المراد بالرد أي الإخراج من اليد الشامل للرد حقيقة ولدفع الرسول للمرسل إليه مالًا يتصدق به عن المرسل؛ يعني إذا أرسلت مالا مع رسول فادعى الرسول أنه أوصله للمرسل إليه وأنكر المرسل إليه أنه أوصله له، فإن الرسول يضمن ولا يصدق إلا ببينة على أنه أوصله له، قال المواق من المدونة: من دفعت إليه مالا ليدفعه إلى رجل فقال دفعته إليه وأنكر ذلك الرجل، فإن لم يأت الدافع إليه ببينة ضمن قبض ذلك منه ببينة أو بغير بينة، كالوصي يدعِي الدفع إلى الأيتام ولو شرط الرسول أن يدفع المال إلى من أمرته بغير بينة لم يضمن وإن لم تقم بالدفع بينة إذا ثبت هذا الشرط، لقوله ﵇ (المومنون عند شروطهم (١))، عبد الحق: وهذا بخلاف لو شرط أن لا يمين عليه، وسيأتي هذا عند قوله: "ولم يفده شرط نفيها"، وعند قوله: "لا إن شرط الدفع" فالفرعان معا من تمام هذه المسألة. انتهى. مسألة: في الحطاب عن المدونة ما نصه: إن أمرته بصدقة على قوم معينين فإن صدقه بعضهم ضمن حصة من كذبه، ولو أمرته بصدقة على غير معينين صدق مع يمينه وإن لم يأت ببينة. ابن يونس: وإنما يحلف إذا كان متهما ونقله أبو الحسن. انتهى. وهذه الصورة لا يشملها كلام المص لأنه لا يتصور فيها إنكار. فتأمله. نقله البناني. واعلم أن انتقال المال إما من ذمة إلى ذمة ومن أمانة لأمانة ومن ذمة لأمانة ومن أمانة لذمة، والوديعة أمانة والذمة قرض أو سلم، فمتى قبض من أمانة لمثلها ففي براءة الدافع بإقرار القابض بقبضها وعدم براءته قولان، ومن أمانة لذمة برئ الدافع بتصديق القابض إن كان مليا، وهل كذا إن أعسر؟ ورواه عيسى عن ابن القاسم أولا قولان ومن ذمة لمثلها برئ الدافع بتصديق القابض الملي لا المعسر، ومن ذمة لأمانة لم يبرأ الدافع بتصديق القابض مطلقا. قاله عبد الباقي.
следующие страницы →