يضمن له يريد لأنه صدقه في الوكالة ولا يبرأ الغريم يريد على القولين. انتهى منه بلفظه. ونقل الرهوني غير هذا، ثم قال: وبذلك كله تعلم ما في توقفهم في ذلك. والله الموفق. انتهى.
وإن تنازعت مع شخص بعثت إليه بمال فقال المبعوث إليه المالُ: تصدقت يا باعث به أي بالمال المبعوث به علي وأنكرت أيها الباعث أنك تصدقت به على المبعوث إليه، وقلت: هو وديعة، فالرسول المبعوث معه المال شاهد على قول الباعث، ومعنى شاهد أنه يعمل بقول الرسول وإنما عمل بقوله لأنه شاهد على قول الباعث لا على قول نفسه، والفرض أن المبعوث له مصدق على القبض، فإن شهد بموافقة المبعوث إليه حلف معه وأخذه، فإن نكل فالقول لربه دون يمين لتمسكه بالأصل ونكول المبعوث إليه، وإن شهد بموافقة الباعث أخذه بغير يمين لشهادته له وتمسكه بالأصل، وهو قبول قول المالك في إخراج ملكه على وجه خاص، وإن قال الشاهد: لا أدري فالقول لرب المال أيضا لكن مع يمينه؛ لأن الأصل كالشاهد الواحد بخلاف التي قبلها فيها شاهد وأصل كشاهد فلم يحتج فيها ليمين.
قال عبد الباقي: قال شيخنا اللقاني: قوله "شاهد" أي يصدق وإن لم توجد فيه شروط الشهادة لرضى الباعث بالبعث معه وفيه شيء إذ يصدق ذلك بالرقيق والذمي. انتهى. قوله: قال شيخنا اللقاني، قوله: "شاهد" أي يصدق وإن لم توجد فيه شروط الشهادة، قال الرهوني سكتوا عنه وفيه نظر؛ بل ظاهر كلام المدونة وغيرها أنه لا بد من كونه عدلا، وصرح بذلك اللخمي ونصه: إن صدقه أنه أذن له أن يدفعها إليه، كان القول قول ربها إذا كان الرسول غير عدل، واختلف في جواز شهادته إذا كان عدلا فأجازها ابن القاسم، وقال أشهب في مدونته وعبد الملك في المبسوط: لا تجوز شهادته. انتهى.
وقوله: فالرسول شاهد" قد علمت أنه قول ابن القاسم، واختلف الشيوخ فيه هل هو باق على ظاهره وعليه فالرسول شاهد مطلقا كان المال المبعوث باقيا بيد المرسل إليه أو بيد الرسول لم يدفعه، أو لم يبق بيد واحد؟ قال: وهذا التأويل لإسماعيل مع ظاهر كلام اللخمي وهو قول عبد الله بن عبد الحكم، وعلى هذا فهو مخالف لأشهب. أو قول ابن القاسم إن الرسول شاهد إنما هو إن كان المال المبعوث به باقيا بيده أي بيد المرسل إليه أو بيد الرسول لم يدفعه، وكذا لو لم يبق
стр. 6722
المال المبعوث به بيد المبعوث إليه ولكنه ملي، وأما إن لم يبق بيده وهو معدم فلا يكون الرسول شاهدا، وهذا التأويل لسحنون ومحمد وابن أبي زيد مع عياض عن بعضهم، واختلف على هذا التقييد هل يكون قول ابن القاسم خلافا لأشهب وهو لسحنون ومن وافقه أو خلافا له وهو تأويل ذكره ابن يونس. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره، وأطلق على التأويلات الثلاث تأويلان باعتبار الإطلاق والتقييد. والله تعالى أعلم.
قال الرهوني بعد كلام: فتحصل أن في حمل قول ابن القاسم على الإطلاق وتقييده بما إذا كان المال قائما مع جعله وفاقا لأشهب أو خلافا له تأويلين لإسماعيل مع ظاهر كلام اللخمي، وسحنون ومحمد وابن أبي زيد مع عياض عن بعضهم، ونقل ابن يونس. والله أعلم. انتهى.
تنبيهات: الأول: في تبيين اختلاف مقيدي قول ابن القاسم في جعل ذلك التقييد خلافا لأشهب أو موافقا له، وذلك أن القاضي عياضا قال في التنبيهات: ظاهر المدونة جواز شهادته بكل حال وعلى هذا تأولها القاضي إسماعيل واللخمي وهو قول عبد الله بن عبد الحكم؛ لأنه لم يتعد لإقرار ربها أنه أمرد بالدفع إلى من ذكر، وذهب سحنون إلى أن معنى ذلك أن المال في يد الرسول بعد لم يدفعه أوأنهما حاضران والمال حاضر، ولو أنفقه المبعوث إليه لم تجز شهادة الرسول لأنه يسقط الضمان عن نفسه. وقال أشهب: لا تجوز شهادة الرسول لأنه يدفع عن نفسه الضمان، وتأول أبو محمد مذهب أشهب على قريب من مذهب سحنون أن التصدق عليه عديم وقد أتلف المال ولا بينة للرسول على الدفع، وأما وهو ملي أو قامت للرسول بينة على الدفع فشهادته جائزة، وجعل بعضهم قول ابن القاسم وأشهب وفاقا على نحو ما ذهب إليه سحنون، وتأوله ابن أبي زيد وهو مفهوم كتاب محمد. انتهى.
فعلم أن التأويل الأول لإسماعيل واللخمي، والثاني لسحنون ولبعضهم وابن أبي زيد ومحمد، ونقل ابن يونس هو الذي جعله خلافا وذلك أن ابن يونس قال بعد أن ذكر كلام ابن [أبي (١)] زيد الذي مر قريبا ما نصه: محمد بن يونس: وعلى هذا التأويل يكون قول أشهب وفاقا لابن القاسم،
стр. 6723
وكذلك علل محمد قول ابن القاسم وعلل غيره قول أشهب بأنه إنما لم تجز شهادته لأنه دفع دفعا لم يؤمر به، وذلك أن الآمر إنما أمره أن يدفع على جهة الإيداع فدفع على جهة التمليك فلا تجوز شهادته ولا يؤخذ الآمر بغير ما أمر به من الدفع، قال: وابن القاسم إنما أجاز شهادته لأنه أذن له في الدفع والمال حاضر فلم يستهلك بدفعه على باب التمليك شيئا. انتهى. قال الرهوني: فوافق هذا التأويل تأويل سحنون ومن وافقه في تقييد قول ابن القاسم، وخالفه في جعله خلافا لقول أشهب، وحمل المص على هذا صحيح فيكون في كلامه التأويلات الثلاثة ولا يمنع منه التثنية. فتأمله. انتهى.
الثاني: قال الرهوني: في ابن يونس ما نصه: ومن العتبية روى عيسى عن ابن وهب في المستودع يأذن له ربها أن يدفعها إلى من جاءه بأمارة ذكرها له فجاءه رجل بالأمارة فدفع إليه المال ثم مات ربه وقاهـ ورثته على الرسول الذي قبض المال بالأمارة، فقال صنعت به ما أمرني به ربه، قالوا: وما الذي أمرك به؟ قال: ليس علي أن أخبركم، فقال: يحلف أنه صنع ما أمره به ويبرأ. وقاله ابن القاسم. انتهى منه بلفظه. قلت: ظاهر كلامه أن إذن ربها بذلك ثابت ولو لم يثبت بإقرار الورثة أو بالبينة لما سقط عنه الضمان كما تقدم عن النوادر وغيرها. والله أعلم. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: لو مات المودع وادعى المودع أنه أمره بدفعها إلى فلان فإنه يضمن ويحلف الورثة على العلم، قال في المدونة في كتاب الصدقة: ولو دفعت في الصحة مالا لمن يفرقه في سبيل الله أو في الفقراء ثم متَّ أنت قبل إنفاذه، فإن أشهدت أنه ينفذ ما فات وما بقي فهو من رأس المال، فإن لم تشهد فالباقي لورثتك ولو فرق باقيه بعد موتك ضمن البقية لوارثك. انتهى.
الرابع: قال في الشهادات من المدونة: ومن أودعك وديعة فشهدت عليه أنه تصدق بها على فلان أوأقوله بها حلف فلان مع شهادتك واستحقها إن كان حاضرا، وإن غاب لم تجز شهادتك إن كانت غيبته تنتفع أنت في مثلها، قال أبو الحسن: فإن كانت غيبته لا ينتفع بمثلها جازت الشهادة لارتفاع التهمة، قال في النكت: سألت بعض شيوخنا من أهل بلدنا، فقلت: أرأيت إن قال للسلطان خذها من يدي لا أريد إمساكها؟ فقال: إن كان قال ذلك حين أتى يشهد، قال للحاكم إن فلانا أودعني كذا وكذا وقد تصدق به على فلان الغائب فخذه فشهادته جائزة، وإن
стр. 6724
شهد ولم يذكر ذلك ثم أتى يقول هذا فيتهم أن يكون قال هذا لينفي عنه الظنة (١) التي أبطلت شهادته. انتهى.
قال أبو الحسن: ولو قدم الغائب فأراد أن يقوم بشهادته، قال ابن شعبان: لأنه قد ردت شهادته. قاله الحطاب.
وبدعوى الرد على وارثك يعني أن المودع بالكسر إذا مات فادعى المودع بالفتح أنه رد الوديعة إلى ورثة المودع بالكسر فإنه لا يصدق في ذلك ويضمن الوديعة إلا أن تقوم بينة على الرد، قال الحطاب: قال ابن الحاجب: ولو ادعى الرد على الوارث لم يقبل وكذلك دعوى وارث المودع لأنهما لم يأتمناه كاليتيم. ابن عبد السلام؛ وإذا كان الحكم كذلك في الصورتين فأحرى أن يكون ذلك لو مات المودع ورب الوديعة معا وادعى وارث المودَع رد الوديعة إلى وارث ربها. انتهى. وقال عبد الباقي: وضمن المودع بالفتح أو وارثه بدعوى الرد لها من كل منهما على وارثك لأنه دفع لغير يد المؤتمن، وكذلك دعوى وارث المودع بالفتح أنه رد إليك فالضمان كما في الحطاب عن الجواهر، وكذا إن ادعى أن أباه دفعها لوارثك لا إن ادعوا عليك أو على وارثك أن أباهم ردها إليك فلا ضمان عليهم في هاتين الصورتين، بخلاف الأربع قبلها. فَتَحَصَّلَ أن صاحب اليد المؤتمنة إذا ادُّعِيَ الدفعُ [منه (٢)] لليد الذي ائتمنته فلا ضمان عليه، سواء كانت الدعوى من ذي اليد المؤتمنة أو من وارثه على ذي اليد التي ائتمنته أو على وارثه، وفيما عدا ذلك الضمان. انتهى.
قوله إذا ادعي الدفع بالبناء للمفعول، وأل خلف عن الضمير. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. وقال المواق: ابن شاس: أما دعواه الرد على غير من ائتمنته (٣) كدعوى الرد على وارث المالك أو وكيله فلا يقبل إلا ببينة، وكذلك دعوى وارث المالك يفتقر إلى البينة أيضا، وسواء كان القبض في جميع هذه الصور ببينة أو بغير بينة. في الموازية: إن قال المودع أو العامل رددت المال لوصي الوارث
стр. 6725
لموت رب المال لم يصدقا إلا ببينة أو إقرار الوصي، ولو كان قبضها بغير بينة لأنهما دفعا إلى غير من قبضاها منه.
أو المرسل إليه المنكر هذا عطف على "وارثك" أي وتضمن بدعوى الرد على المرسل إليه المنكر والرد هنا مجاز عن الدفع. قاله البناني. وقال غير واحد: المراد بالرد أي الإخراج من اليد الشامل للرد حقيقة ولدفع الرسول للمرسل إليه مالًا يتصدق به عن المرسل؛ يعني إذا أرسلت مالا مع رسول فادعى الرسول أنه أوصله للمرسل إليه وأنكر المرسل إليه أنه أوصله له، فإن الرسول يضمن ولا يصدق إلا ببينة على أنه أوصله له، قال المواق من المدونة: من دفعت إليه مالا ليدفعه إلى رجل فقال دفعته إليه وأنكر ذلك الرجل، فإن لم يأت الدافع إليه ببينة ضمن قبض ذلك منه ببينة أو بغير بينة، كالوصي يدعِي الدفع إلى الأيتام ولو شرط الرسول أن يدفع المال إلى من أمرته بغير بينة لم يضمن وإن لم تقم بالدفع بينة إذا ثبت هذا الشرط، لقوله ﵇ (المومنون عند شروطهم (١))، عبد الحق: وهذا بخلاف لو شرط أن لا يمين عليه، وسيأتي هذا عند قوله: "ولم يفده شرط نفيها"، وعند قوله: "لا إن شرط الدفع" فالفرعان معا من تمام هذه المسألة. انتهى.
مسألة: في الحطاب عن المدونة ما نصه: إن أمرته بصدقة على قوم معينين فإن صدقه بعضهم ضمن حصة من كذبه، ولو أمرته بصدقة على غير معينين صدق مع يمينه وإن لم يأت ببينة. ابن يونس: وإنما يحلف إذا كان متهما ونقله أبو الحسن. انتهى. وهذه الصورة لا يشملها كلام المص لأنه لا يتصور فيها إنكار. فتأمله. نقله البناني.
واعلم أن انتقال المال إما من ذمة إلى ذمة ومن أمانة لأمانة ومن ذمة لأمانة ومن أمانة لذمة، والوديعة أمانة والذمة قرض أو سلم، فمتى قبض من أمانة لمثلها ففي براءة الدافع بإقرار القابض بقبضها وعدم براءته قولان، ومن أمانة لذمة برئ الدافع بتصديق القابض إن كان مليا، وهل كذا إن أعسر؟ ورواه عيسى عن ابن القاسم أولا قولان ومن ذمة لمثلها برئ الدافع بتصديق القابض الملي لا المعسر، ومن ذمة لأمانة لم يبرأ الدافع بتصديق القابض مطلقا. قاله عبد الباقي.
стр. 6726
قوله: "من ذمة إلى ذمة" كأمر زيد عمرا أن يدفع ماله في ذمته إلى خالد سلفا مثلا، وقوله: ومن أمانة إلى أمانة كأمره له بأن يدفع ماله عنده وديعة إلى خالد لتكون عنده وديعة، وقوله: ومن ذمة لأمانة كأمره له بأن يدفع ماله في ذمته لخالد لتكون وديعة عنده، ومن أمانة لذمة كأمره له بأن يدفع ماله بيده وديعة لخالد سلفا، وقد ذكرها وأحكامها ابن رشد في كتاب الوديعة من مقدماته واستوفى الكلام. ونقل كلامه ابن عرفة مختصرا وسلمه ونقله الحطاب أيضا وقال عقبه ما نصه: انتهى مختصرا لكنه بلفظه. وقد لخص ذلك التاودي نظما هنا فقال ما نصه:
تصديق قابض لدافع برا … من ذمة لمثلها إن أيسرا
ومن أمانة لها قولان … منها لذمة له وجهان
في يسر قابض يصدق وفي … عُدْمِهِ قولان بحكمه تفي
من ذمة لعكسها لم يبر … تصديق قابض ولو ذا يسر
انتهى. لكنه أطلق ﵀ في البيت الأخير فظاهره ولو كان القابض وكيلا مفوضا إليه، وكذا أطلق ابن رشد ولكن لا بد من تقييده بغير المفوض، كما قاله الحطاب وهو مأخوذ من كلام المص في الوكالة، وسوى أيضا بين القولين في تصديق القابض من أمانة لمثلها وهما معا قولان لابن القاسم في المدونة والموازية، ولكن من المعلوم المقرر أنه لا يعدل عن قوله في المدونة غالبا، ولذلك ذيلت نظمه بقولي:
ما لم يكن مفوضا فيبري … تصديقه وإن يكن ذا عسر
ومذهب الكتاب في الأمانه … لمثلها الإبراء خذ بيانه
وقول البناني: وهذه الصورة لا يشملها لفظ المؤلف؛ لأنه لا يتصور فيها إنكار، فيه نظر بل يتصور بما صورة به ابن ناجي عند نص المدونة الذي ذكره هو، ونصه: قلت ولو ميز لمن أعطى في غير المعينين فأنكروا فإنه بتعيينه يكونون كالمعينين إذا أنكروا على ما يتبادر للذهن. انتهى
стр. 6727
وهو ظاهر. انتهى وقوله: "المنكر" مفهومه لو أقر لبرئ الدافع. قاله الحطاب عن أبي الحسن الصغير في شرحه الكبير. وفي المدونة: ومن بعث معه بمال ليدفعه إلى فلان صدقة أو صلة أو سلفا أو من ثمن مبيع أو ليبتاع لك بها سلعة، فقال: دفعته إليه وكذبه الرجل لم يبرأ إلا ببينة.
تنبيه. قال الحطاب: إطلاق المص هنا في الضمان مع عدم الإشهاد هو المشهور، ومقابله أنه إذا كان العرف عدم الإشهاد صدق المودع كما تقدم في الوكالة.
كعليك إن كانت له بينة به مقصودة الضمير في "له" لرب الوديعة، وفي "به" للإيداع وفي كلامه التفات من الحضور إلى الغيبة، وحذف متعلق مقصودة وهو للتوثق والتشبيه في الضمان؛ يعني أن المودع إذا أخذ الوديعة ببينة مقصودة للتوثق ثم ادعى أنه ردها إلى ربها فإنه لا يصدق في ذلك ويضمن الوديعة لربها، وبينة التوثق هي التي يقصد المودع بالكسر بإشهادها أن المودع لا يقبل منه دعوى ردها إليه بدون بينة، ويشترط أن يعلم المودع بالفتح أن قصد المودع بالإشهاد أن لا تقبل دعواه الرد إلا ببينة كما في الحطاب وغيره، فإن كانت لخوف موت المودع بالفتح ليأخذها من تركته أو يقول المودع بالفتح: أخاف أن تقول هي سلف فأشهد لي أنها وديعة وما أشبه ذلك مما يعلم أنه لم يقصد بها التوثق بالمعنى المتقدم فإنه يصدق في دعوى الرد كما إذا تبرع المودع بالفتح بالإشهاد على القبض، كما قال عبد الملك: وقال ابن زرب: لا يبرأ إلا بالإشهاد لأنه ألزم نفسه حكم الإشهاد. قاله عبد الباقي. ونحو ما لعبد الملك لابن يونس كما نقله عنه الرهوني، ونص ابن يونس: ولا يصدق في دعواه الرد إذا كان قبضه ببينة إلا ببينة بالرد، ومن أخذ الوديعة بمحضر قوم ولم يقصد إشهادهم عليه فهو كقبضه بلا بينة حتى يقصد الإشهاد عليه، ثم قال: ومن كتاب ابن الماجشون فيمن في يديه مال وديعة أو دين فأشهد بذلك على نفسه قوما ورب المال لا يعلم بإشهاده ثم ادعى رد الوديعة وقضاء الدين، فقال: هو مصدق في الوديعة وعليه البينة في الدين. انتهى. وتوضيح تركيب معنى المص أن تقول كما يضمن المودَع إن ادعى الرد عليك يا مودع بالكسر حيث كانت لك بينة بالإيداع مقصودة للتوثق.
وقال المواق: من المدونة: من بيده وديعة أو قراض لرجل، فقال له: رددت ذلك إليك فهو مصدق إلا أن يكون قبض ذلك ببينة فلا يبرأ إلا ببينة، ولو قبض ببينة فقال ضاع مني أو سرق صدق،
стр. 6728
وقال ابن رشد: الأمانات التي بين المخلوقين أمرهم الله فيها بالتقوى والأداء ولم يأمرهم بالإشهاد كما فعل في مال اليتيم، فدل ذلك أنهم مؤتمنون في الرد إلى من ائتمنهم دون إشهاد، فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة مع يمينه إن كذبه المودع كما تصدق المرأة فيما ائتمنها الله عليه من ما خلق في رحمها من الحيضة والحمل إلا أن يكون دفعها إليه بإشهاد فتبين أنه إنما ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ردها، فيصدق في الضياع الذي ائتمنه عليه ولا يصدق في الرد الذي استوثق منه ولم يأتمنه عليه هذا قول مالك وجميع أصحابه. انتهى.
وقال الحطاب: قال في معين الحكام: إذا كانت الوديعة ببينة فادعى المودع رد الوديعة فعليه البينة وإلا ضمن بعد يمين ربها ولربها رد اليمين. انتهى. وفي الوثائق المجموعة: فإن زعم المستودع عنده المشهود عليه بالوديعة أنه رد الوديعة إلى ربها فعليه البينة بما زعمه وله اليمين على ربها، فإن حلف ربها أنه لم يقبضها غرمها المودع عنده، وإن نكل ربها عن اليمين ردت اليمين على المودع، فإن حلف برئ وإن نكل غرم. انتهى.
لا بدعوى التلف يعني أن المودع بالفتح إذا ادعى تلف الوديعة فإنه يصدق في ذلك ولا ضمان عليه، ولو أخذها ببينة مقصودة للتوثق. ومن المدونة: قال مالك: إذا قبض قراضا أو وديعة ببينة لا يبرأ بقوله: رددت، ويصدق إذا قال: ضاع مني. انتهى قال المواق. أو عدم العلم بالتلف أو الضياع يعني أن المودع إذا قال: لا أدري أتلفت الوديعة أو ضاعت فإنه لا يضمنها لأنه ادعى أحد أمرين هو مصدقما فيهما، والتلف كالحرق والغرق والضياع كالسرقة هكذا في كثير من النسخ، وعليها فلا ضمان على المودع ولو أخذ الوديعة ببينة للتوثق وفي بعضها أو عدم العلم بالرد أو الضياع، ومعناها أن المودع بالفتح إذا قال لا أدري أتلفت أم رددتها فإنه يضمنها إن أخذها ببينة للتوثق وإلا لم يضمن. وهي نسخة المواق.
وحلف المتهم يعني أن المودع المتهم إذا ادعى رد الوديعة وكذبه ربها فإنه يحلف أنه ردها إليه. وكذا يحلف إن ادعى أنها تلفت أو ضاعت وكذا يحلف إن قال لا أدري أتلفت أو ضاعت وهي الثانية من صورتي المص، وكذا يحلف إن قال لا أدري أتلفت أم رددتها أو قال لا أدري أضاعت أم رددتها وهي نسخة المواق، ومفهوم قوله: "المتهم" أن غير المتهم ليس كذلك والحكم أن فيه
стр. 6729
تفصيلا وهو أنه يحلف في دعوى التلف أو الضياع إذا حقق عليه رب الوديعة أنها لم تتلف ولم تضع، وإن لم يحقق عليه الدعوى فلا يحلف، وأما في دعوى الرد فلا فرق بين المتهم وغيره، والفرق بين دعوى الرد والضياع أن رب الوديعة في دعواه الرد يدعي يقينا أنه كاذب فيحلف المودع متهما أم لا، وفي دعوى الضياع لا علم له بحقيقة دعواه وإنما هو معلوم من جهة المودع. قاله ابن يونس. نقله المواق. ويفيد البناني أن قوله لا أدري أتلفت أم رددتها أو لا أدري أضاعت أم رددتها من جملة دعوى الرد فيحلف فيها المتهم وغيره. والله أعلم.
والحاصل أن المتهم يحلف مطلقا في دعوى التحقيق وغيره وفي دعوى التلف ودعوى الرد وأما غير المتهم ففي دعوى الرد يحلف، وأما إن كانت الدعوى دعوى تلف أو ضياع فيحلف إن حقق عليه رب الوديعة الدعوى أنها باقية ولا يحلف إن لم يحقق ذلك، قال الحطاب عند قوله: "وحلف المتهم" ما نصه هذا فيما إذا ادعى التلف ولم يحقق ربها عليه الدعوى أنها باقية فإن نكل غرم ولا ترد اليمين تنبيه قوله وحلف المتهم قال عبد الباقي وهل هو أي المتهم من يشار له بما ادعي عليه به من التساهل في الوديعة أو من لم يكن من أهل الصلاح قولان كما يأتي أول الغصب. انتهى.
ولم يفده شرط نفيها يعني أن المودع إذا شرط أن لا يمين عليه في دعوى التلف أو الضياع أو الرد فإنه لا يفيده شرطه بل تتوجه عليه اليمين كما لو لم يقع منه شرط نفيها، فإن نكل حلفت يعني أنه إذا توجهت اليمين على المودَع وقد علمت أنه لا يفيده شرط نفيها ونكل عنها، فإن المودع بالكسر يحلف وهو المراد بتاء الخطاب، فإن حلف المودع بالكسر غرم المودع بالفتح وإن نكل برئ المودع بالفتح؛ لأن النكول بعد النكول تصديق للناكل الأول وهذا في دعوى التحقيق، وأما في دعوى الاتهام فيغرم المودع بمجرد نكوله لأن يمين التهمة لا ترد.
والحاصل أن رب الوديعة يحلف في دعوى الرد بعد نكول المودع من غير تفصيل، وأما في دعوى التلف فكذلك إن حقق بقاء الوديعة وإلا غرم المودع بمجرد نكوله. والله تعالى أعلم. هذا ما لعبد الباقي وغيره، ونحوه قول المواق: ما نقل ابن يونس في المتهم إذا نكل إلا عدم اليمين. انتهى. وهو الجاري على القاعدة أن يمين التهمة لا تنقلب فيحمل كلام المص على خصوص دعوى
стр. 6730
التحقيق، والذي في التوضيح وابن عبد السلام وابن راشد أن يمين التهمة تنقلب هنا على المشهور وأصله للبيان، وعليه فيحمل المص هنا على يمين التهمة كما هو ظاهرة وأحرى غيرها، واعتراض مصطفى عَلَى الأجهوري ساقط بنقل المواق. قاله البناني.
ولا إن شرط الدفع للمرسل إليه بلا بينة قد علمت مما سبق عن المواق أن هذا الفرع والذي قبله من قوله: "ولم يفده شرط نفيها" من تتمة قوله: "أو الرسل إليه المنكر" يعني أن من أرسلت معه مالا ليدفعه إلى فلان وديعة أو صدقة أو صلة أو سلفا أو من ثمن مبيع أو ليبتاع لك به سلعة، فقال دفعته إليه وكذبه المرسَل إليه فإن الرسول يضمن ولا يبرأ إلا ببينة إلا أن يشترط الرسول على رب المال أنه يصدقه في أنه دفعه للمرسَل إليه من دون بينة، ويحلف أنه دفعه له ولا يفيده شرط نفي اليمين كما عرفت؛ لأن اليمين إنما ينظر فيها حين تعلقها فكأنه شرط إسقاط أمر لم يكن.
والحاصل أن الرسول إذا اشترط أنه يصدق في الدفع للمرسل إليه من دون بينة وأنه لا يمين عليه، ثم ادعى الدفع للمرسل إليه وأنكر المرسل إليه فإنه يعمل بشرط تصديقه في الدفع دون شرط أن لا يمين عليه، فيحلف أنه دفعه إليه كما يفيده المواق. والله تعالى أعلم. وعمم عبد الباقي والخرشي قوله: "ولم يفده شرط نفيها"، وعبارة عبد الباقي: وإنما لم يعمل بشرط المودع بالفتح أن لا يمين عليه كما مر؛ لأن اليمين إنما ينظر فيها حين وجوب تعلقها، فمشترط سقوطها كمشترط سقوط أمر قبل وجوبه بخلاف مشترط ترك الإشهاد. ذكره عبد الحق. انتهى.
وهذا التعميم هو الظاهر وهو الذي قررت به قوله: "ولم يفده شرط نفيها" أولا، وقال عبد الباقي أيضا: وانظر هذا مع قولهم: إذا شرط رب الدين على الدين أنه مصدق في دعوى عدم الرد بلا يمين فإنه يوفى له بذلك. انتهى. قوله: وانظر هذا مع قولهم إذا شرط رب الدين لخ، قال الرهوني: فيه نظر لأنه يفيد أن ذلك فقه مسلم وليس كذلك، ففي التزامات الحطاب بعد أن قال ما نصه: فحاصل كلام ابن رشد أن الذي يختاره أن مسألة اشتراط التصديق في اقتضاء الدين دون يمين المنصوص فيها أن ذلك لا يفيد، واليمين لازمة كما تقدم في سماع ابن القاسم من كتاب
стр. 6731
المديان، وكما قال في الواضحة، وأنه ليس في ذلك خلاف منصوص، وأنه يتخرج الخلاف في ذلك من مسألة إسقاط الحق قبل وجوبه. انتهى.
وبقوله تلفت قبل أن تلقاني بعد منعه دفعها يعني أن المودع إذا طلبه رب الوديعة أن يدفعها له فامتنع من دفعها له، ثم قال بعد ذلك لرب الوديعة: تلفت قبل أن تلقاني فإنه يضمنها إلا أن يدعي أنه إنما علم بالتلف بعد لقيه فلا ضمان ويحلف إن اتهم، قال عبد الباقي: وتضمن بقوله أي المودع بالفتح تلفت قبل أن تلقاني بعد منعه دفعها ولو لعذر اعتذر به كشغل كما هو ظاهره ولوأثبته؛ لأن من حجة ربها أن يقول له سكوتك عن أنها تلفت لا سيما مع اعتذارك دليلٌ على بقائها، إلا أن يدعي أنه إنما علم بالتلف بعد لقيه فلا ضمان ويحلف إن اتهم. انتهى. ونحوه للخرشي. ومن عبارته ما نصه: ثم إن محل كلام المؤلف ما لم يدع أنه إنما علم بالتلف بعد ما لقيه، فإن ادعى ذلك حلف حيث كان متهما ولا ضمان عليه. انتهى.
وقال المواق: روى أصبغ عن ابن القاسم فيمن له مال عند رجل وديعة فطلبه منه فاعتذر بشغل وأنه يركب إلى موضع كذا فلم يقبل عذره، فتصايحا فحلف أن لا يعطيه الليلة فلما كان في غد قال ذهبت قبل أن تلقاني ضمن؛ لأنه أقر بها، وإن قال لا أدري متى ذهبت حلف ولا ضمان عليه، قال أصبغ: ويحلف ما علم بذهابها حين منعه. انتهى.
كقوله بعده بلا عذر يعني أن المودع بالفتح إذا طلبه المودع بالكسر أن يدفع له وديعته فامتنع من ذلك، ثم قال له بعد ذلك تلفت بعد أن تلقاني (١) فإن المودع بالفتح يضمنها حيث كان امتناعه من دفعها بلا عذر، وأما إن كان امتناعه من دفعها لعذر فإنه لا ضمان عليه، قال عبد الباقي: كقوله تلفت بعده وامتنع من الدفع بلا عذر ثابت، فإن امتنع لغير عذر بالكلية أو لعذر محتمل فإنه يضمنها، فإن كان امتناعه لعذر ثابت لم يضمن. وعلم مما قررنا أن فيه حذف متعلق الجار والمجرور وصفته، وإذا امتنع من دفعها وقد قال تلفت قبل أن تلقاني وأقام بينة على التلف وادعى أنه إنما وعد بالإتيان لكونه نسي تلفها فلا تقبل؛ لأنه مكذب لها حيث ذكر أنها باقية والنسيان لا يعذر به. قاله أحمد. انتهى.
стр. 6732
وقال المواق: قال ابن القاسم: إن قال ذهبت بعد ما حلفت وفارقتك ضمنها لأنه منعها إياه إلا أن يكون كان على أمر لا يستطيع فيه أن يرجع ويكون عليه فيه ضرر فلا يضمن، قال ابن عبد الحكم: إذا قال أنا مشغول إلى غد فرجع إليه فقال تلفت قبل مجيئك الأول أو بعده فلا ضمان عليه، وكذلك لو قال لا أدفعها إليك إلا بالسلطان فترافعا إليه فضاعت بين سؤاله إياه وبين إتيانه السلطان فلا ضمان عليه؛ لأن له في ذلك عذرا يقول خفت شغبه وأذاه. انتهى. والشغب ويحرك الشر قوله قبل مجيئك الأول أو بعده حمله ابن رشد على الوفاق لقول ابن القاسم لأن قوله قبل مجيئك الأول معناه أنه لم يعلم بذلك إلا بعده، ومعنى قوله أو بعده إذا كان له في منعه عذر. قاله الشارح. والله تعالى أعلم.
لا إن قال لا أدري متى تلفت يعني أن المودع بالفتح إذا طلبه رب الوديعة وديعته فامتنع من دفعها له، ثم قال له بعد ذلك لا أدري متى تلفت أقبل أو بعد فإنه لا ضمان عليه امتنع لعذر أم لا، ويحلف المتهم. قاله الأجهوري. وإنما لم يضمن حملا على أنها تلفت قبل ولم يعلم به إلا بعد، وفي خط جد الأجهوري أن الموضوع أنه امتنع من دفعها لعذر. قاله الهاروني في شرحه الذي اختصره من البساطي، وأصله للشارح وتبعه التتائي قاله عبد الباقي. قوله: وامتنع من دفعها لعذر لخ قال الرهوني: هذا هو المتعين لأن منع دفعها بلا عذر موجب للضمان في جزمه بأنها تلفت بعده، فكيف هنا؟ وكلام ابن رشد وغيره يدل على ما قلناه فتأمله، وقوله: لا إن قال لا أدري متى تلفت هو من كلام ابن القاسم أيضا كما مر.
وبمنعها حتى يأتي الحاكم بالرفع والنصب يعني أن المودع بالفتح إذا طلبه رب الوديعة أن يدفع إليه وديعته فمنعه منها حتى يأتي الحاكم فيدفعها له عنده فتلفت، فإن المودع يضمنها لأنه متسبب في ضياعها إذ لا عذر له لأنه مصدق في دعوى ردها لربها، وهذا إن لم تكن هناك بينة مقصودة للتوثق، وأما إن كان أخذها منه ببينة مقصودة للتوثق فإنه لا يضمن لأنه معذور إذ لا يقبل حينئذ قوله في ردها لربها، والرهن كالوديعة في ذلك فإذا طلب ربه فكاكه وامتنع المرتهن من دفعه حتى يأتي الحاكم فتلف قبل إتيانه فإنه يضمنه. قاله الخرشي وعبد الباقي. وما مر عليه المص لابن القاسم في العتبية هو أحد أقوال ثلاثة، ثانيها: لا ضمان عليه وإن قبضها بغير
стр. 6733
بينة لأن له في ذلك عذرا؛ لأنه يقول خفت سفهه وأذاه وهو قول ابن عبد الحكم، ثالثها أنه ضامن وإن قبضها ببينة لأنه متعد في منعه حتى يأتي الحاكم؛ لأن له أن يشهد عليه بالرد، وإلى هذا ذهب ابن دحون. قاله الشارح. وفي الرهوني ما يفيد تقوية أنه إذا أخر للإشهاد من دون حاكم لا يضمن، قال: وهو المنصوص عليه في الموازية، ونقله الشيخ أبو محمد في نوادره واللخمي وغيرهما وسلموه كما سلمه أبو الحسن. انتهى.
لا إن قال ضاعت من سنين وكنت أرجوها يعني أن المودع بالفتح إذا قال ضاعت الوديعة من سنين ولم يكن يذكر ذلك لأحد لكنه قال: كنت أرجوها وأطلبها فلم أجدها فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه أمين سواء كان صاحب الوديعة حاضرا أو غائبا، والواو في قوله: "وكنت أرجوها" واو الحال أو واو العطف، وهو معطوف على ضاعت. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: لا أن قال عند طلبها منه: ضاعت من سنين وكنت أرجوها فلا يضمنها. ولو حضر صاحبها أي كان حاضرا بالبلد، قال أحمد: ويحتمل أن يقال إن ذكر هذا أي وكنت أرجوها لا بد منه وأنه لو لم يذكره لضمن، وذلك لأن ربها يقول له: لو أعلمتني لكنت أفتش لكن يلزم على هذا أنه لو قال: تلفت من سنين أن يكون ضامنا وينبغي نفيه هنا. انتهى. وفي نسخة: منذ سنين، قال عبد الباقي: ومفهوم سنين أن أقل منها أولى بهذا الحكم، ولكن انظر هل يقيد بقوله: "وكنت أرجوها"؟ أو يقال: إذا مضت مدة يمكنه فيها الإعلام ولم يعلمه؟ فإن قال: إنما سكت لأني كنت أرجوها قبل منه وإلا لم يقبل. انتهى. وقوله: "لا إن قال ضاعت من سنين" لخ رواه أصبغ عن ابن القاسم، وقال أصبغ: هو ضامن إذا لم يعرف منه طلب لأحد ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره، وسماع وحضور ربها آكد. انتهى. نقله الشارح.
كالقراض قال الخرشي: تشبيه فيما قبله من عدم الضمان؛ يعني أن مال القراض إذا نض ثم طلبه ربه، فقال له: ضاع منذ سنين وكنت أرجوه فلا ضمان عليه، ويحتمل أن يكون مشبها بالمسائل السابقة من قوله: "وبقوله تلفت قبل أن تلقاني" وكل صحيح. انتهى. وقال عبد الباقي: تشبيه تام في قوله: "وبقوله تلفت" إلى هنا، فحكم عامل القراض حكم المودع بالفتح في هذه المسائل، إلا أن جريان قوله: "وبقوله تلفت" لخ فيه إنما يتأتى إذا نض المال أو حكم الحاكم بنضوضه لطلب
стр. 6734
ربه، فقال له ضاع منذ سنين وكنت أرجوه فلا ضمان، وأما قبل ذلك فامتناعه من قسم المال أو من إحضاره للقسم، وقوله: "تلفت قبل أن تلقاني" لا يوجب عليه ضمانا. انتهى.
تنبيهان: الأول: قال الحطاب: قال في النوادر في أواخر كتاب الوديعة من كتاب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم، قالا: ومن أودعته وديعة ثم أقررت أنها لزيد الغائب ثم طلبت قبضها فلك ذلك بالحكم، وليس إقرارك أنها لزيد يمنعك من قبضها في غيبة زيد؛ لأنك الذي أودعتها وكذلك ما أودعت عند سفرك من وديعة أو مال أنت فيه وكيل وأنت مقر أن ذلك لفلان فلك أخذه. وكذلك لو كانت دارا فدفعتها إليه فهدمها وأتلف نقضها فلا ضمان عليك إن جاء ربها لأنك غير متعد فيما فعلت. انتهى.
الثاني: قال في المسائل الملقوطة: إذا دعا الزوج زوجته لحاجته ودعاها من له عندها وديعة فالزوج مقدم. قاله الحطاب.
وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها يعني أن من أودع عند شخص وديعة أو باعه شيئا أو اشترى منه شيئا أو عامله في شيء من الأشياء فخانه فيه أو في بعضه، ثم إن هذا الخائن أودع وديعة عند صاحب الوديعة الأول أو باع منه أو اشترى فإنه لا يجوز له أن يأخذ من هذه الوديعة أو مما عامله فيه نظير ما ظلمه الأول فيه، على ما قاله المؤلف لعموم قوله ﵊: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (١))؛ لأن الأصح في اللفظ العام إذا ورد على سبب خاص أن يبقى على عمومه ولا يقصر على سببه كما سن الرمل في طواف القدوم لكل حاج من المذكور، وإن ورد على سبب خاص وقد زال وهو إغاظة الكفار حيث نسبوا لأصحاب رسول الله ﷺ الضعف، وسواء كانت الوديعة عينا أو عرضا عليه بينة بالدفع أم لا، أمكن أن يطلع عليه أم لا. قاله الخرشي. قوله لأن الأصح في اللفظ العام لخ؛ يعني أن هذا الحديث ورد على سبب خاص وهو أنه ﵊ سئل عمن أراد وطء امرأة ائتمنه عليها رجل قد كان هو ائتمن على امرأة ذلك الرجل السائل فخانه فيها ووطئها، فقال له: أد الأمانة إلى من انتمنك لخ، قوله: "له" خبر "ليس" و"الأخذ" اسمها و"منها" متعلق "بالأخذ" و"من" للتبعيض
стр. 6735
و"لمن" حال من الهاء" وبمثلها" متعلق "بظلمه" أي ليس للمودع بالفتح أن يأخذ من وديعته الكائنة لمن ظلمه بأخذ مثلها مثل ما ظلمه به، والباء للسببية وبعدها مضاف مقدر كما قررت. والله تعالى أعلم.
تنبيهان: الأول. قال عبد الباقي: ثم ما ذكره المص هنا ضعيف والمذهب أن له ذلك؛ يعني أنه يباح له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها وهو الموافق لظاهر ما يأتي له في مسألة الظفر المذكورة في الشهادات بقيدها هناك إن يكن غير عقوبة وأمن فتنة ورذيلة، وبدليل قوله تعالى؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ولخبر هند بنت عتبة بن ربيعة لما شكت إليه ﵊ أن زوجها أبا سفيان لا يعطيها طعاما يكفيها وولدها فقال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (١))، وأما خبر: أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك فأجيب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها لابن رشد أن معنى ولا تخن لخ أي لا تأخذ أزيد من حقك فتكون خائنا، وأما من أخذ حقه فليس بخائن، ثانيها لابن رزق أنه ورد على سبب وهو أنه ﵊ سئل عمن أراد وطء امرأة ائتمنه عليها رجل قد كان هو ائتمن على امرأة ذلك الرجل السائل فخانه فيها ووطئها، فقال له: أد الأمانة لخ، ورده تلميذه ابن رشد بأن الأصح من قولي مالك عند أكثر أصحابه العراقيين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثالثها أنه لا يصلح للاحتجاج به لكثرة المقال فيه وإن خرجه الترمذي وغيره، ففي نكت البسيلي على التفسير عن شيخه ابن عرفة في صحته نظر، قال الشيخ أحمد بابا عقبه: وهو كما قال فهو على جميع طرقه واه، بل قال أحمد بن حنبل: إنه باطل لا أعرفه من وجه يصح، وقال الشافعي: ليس بثابت وابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه. انظر تخاريج (٢) أحاديث الرافعي للحافظ ابن حجر. اهـ. وفيه نظر، فقد قال السخاوي عقب أحاديث نحو هذا بانضمام طرقه يقوى. اهـ. فالصواب جواب ابن رشد. اهـ.
стр. 6736
قوله: أحدها لابن رشد أن معنى أد الأمانة لخ، قال الرهوني: هذا ذكره ابن رشد في المقدمات، ونصها: وأظهر الأقوال إباحة الأخذ؛ لأن رسول الله ﷺ أباح ذلك لهم بقوله ﷺ لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) معناه أن تأخذ مقدار ما يجب لها ولا تتعدى فتأخذ أكثر مما يجب لها، وكذلك يتأول قوله ﷺ : (ولا تخن من خانك) أي لا تتعدَّ فتأخذ أكثر من الواجب فتكون خنته آخرا كما خانك هو أولا. اهـ. فليس نصا في أنه له من عند نفسه، وقد نقله اللخمي ولم يعين قائله، وقوله: وفيه نظر فقد قال السخاوي نحو هذا بانضمام طرقه يقوى لخ، لهذا -والله أعلم- حسنه الترمذي، فقد قال أبو الحسن بعد أن ذكره ما نصه: أخرجه الترمذي، وقال فيه: حديث حسن غريب، وقد عزاه في الجامع الصغير لجماعة من الأئمة عن عدة من الصحابة ومن جملة ذلك الدارقطني عن أبي بن كعب، فقال المنوي ما نصه: بسند جليل القدر والمتن حسن اتفاقا. انتهى.
الثاني. قوله: "وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها" قال المواق عنده ما نصه: وحاصل كلام اللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري ترجيح الأخذ.
ولا أجرة حفظها يعني أن المودع لا يستحق أجرا في حفظه الوديعة؛ لأن العادة قاضية بذلك، قوله: "ولا أجرة حفظها" إلا أن يكون مثله ممن يكري نفسه للحراسة فله أن يأخذ الأجرة، ومثله إذا جرى العرف بذلك وأولى من اشترطه. قاله الخرشي وغيره. وقال عبد الباقي عند قوله: "ولا أجرة حفظها" ما نصه: لأن الحفظ من نوع الجاه وهو لا يؤخذ عليه أجرة إن لم يأخذها مثله أو يشترطها أو [يجرِ (١)] بها عرف. اهـ. قوله: لأن الحفظ من نوع الجاه، مثله في الخرشي، قال البناني: غير صحيح لاقتضائه أنهما لو اتفقا عليه لم تجز وليس كذلك، ونص ابن عبد السلام: أما أجرة الحفظ فقد جرت العادة باطراحها وأن المودع لا يطلب أجرة ذلك، وبهذا الوجه سقطت الأجرة لا لأن الحفظ لا يجوز الأجرة عليه لأن المذهب جواز الأجرة على الحراسة. اهـ. ونحوه للتاودي. والله تعالى أعلم.
стр. 6737
بخلاف محلها يعني أن المودع إذا طلب أجرة المحل الذي توضع فيه الوديعة فإنه يجاب إلى ذلك فله الأجرة، قال المواق: ابن رشد: لا أجر للمودع على حفظه الوديعة وإن كانت مما يشغل منزلة فطلب أجر الموضع الذي كانت فيه فذلك له، وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فذلك على ربها، وقيد ابن عبد السلام وجوب أجرة المحل بكون طالبها ممن يقتضي حاله ذلك، وعدم أجرة حفظها بنقيضه، واحتج بقولها: من ركب دابة رجل إلى بلد وقال: إنما أعاره إياها، وقال ربها: بل بكراء قبل قوله إلا أن يكون مثله ليس يكري الدواب لشرفه وقدره. اهـ. وقال عبد الباقي: بخلاف محلها الكائنة فيه فقط من المنزل فله أجرته إن كان مثله يأخذ إلا أن يشترط المودع عدمه أو يجري به عرف. انتهى.
ولكل تركها يعني أن الوديعة عقدها من العقود الجائزة من الجانبين، فلرب الوديعة أن يأخذها من المودع بالفتح وإن لم يرض وللمودع بالفتح أن يدفعها للمودع بالكسر وإن لم يرض، قال عبد الباقي: ولكل من ربها والمودع تركها فلربها أخذها وللمودع ردها لأنها جائزة من الجانبين بالنظر لذاتها لا لما يعرض لها من وجوب وحرمة وغيرهما من بقية الأحكام الخمسة كما نقله التتائي أول الباب. اهـ. وقال المواق: ابن شاس: الوديعة من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها لخائف فقدها الموجب لهلاكه أو فقره إن لم يودعها مع وجود قابل لها يقدر على حفظها. ابن عرفة: وتعرض حرمتها كإيداع مغصوب لا يقدر القابل على جحده (١) ليرده على ربه، كنقل عياض: من قبل وديعة من مستغرق ذمة ثم ردها إليه ضمن للفقراء قيمتها. انتهى المراد منه.
وأن أودع صبيا أو سفيها أو أقرضه أو باعه فأتلف لم يضمن يعني أن الصبي إذا استودع شيئا فأتلفه فإنه لا يضمنه، وكذلك من أودع سفيها فأتلف ما أودعه لم يضمن، وكذلك من باع سلعة لسفيه وصبي فأتلف كل منهما ما بيع له فإنه لا ضمان عليهما ويرد الثمن للصبي أو للسفيه، وكذا من أقرض صبيا أو سفيها فأتلفا ما أقرضاه فلا ضمان عليهما ولا ينتفعان بشيء، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من أودع صبيا صغيرا وديعة بإذن أهله أو بغير إذنهم فضاعت لم
стр. 6738
يضمن، يريد وكذلك السفيه لأن أصحاب ذلك سلطوا يده على إتلافه. قال مالك: ومن ابتاع منه سلعة ودفع إليه الثمن فأتلفه فالمبتاع ضامن للسلعة ولا شيء له قبل الصبي من الثمن. اللخمي: ولا تباعة على الصبي والسفيه إلا أن يثبت أنهما أنفقا ذلك فيما لا غنى لهما عنه فيتبعان في المال الذي صوناه، فإن ذهب ذلك المال وأفادا غيره لم يتبعا فيه. ومن نوازل البرزلي: أفتى الشيخ أبو محمد بن أبي زيد بضمان رجل أعطاه صبي مالًا وديعة ثم رده عليه لأنه رده لمن لا يجوز أن يعطاه. اهـ. وقوله: "وإن أودع صبيا أو سفيها" لخ هو مفهوم قوله: "وضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه" ثم عدم الضمان مقيد بما إذا لم ينصبه في حانوته، فإن نصبه فيه ضمن ما أتلفه مما اشتراه أي لأنه لما نصبه للبيع والشراء وقبول القرض والوديعة فقد أطلق له التصرف فيضمن كذا علله اللقاني، والمراد يضمن وليه الناصب له لا الصبي، ومحله أيضا في الثلاثة الأقسام أن لا يصون الصبي أو السفيه ماله بما أخذه فيضمنه في المال الذي صونه دون غيره، فإذا تلف المال الذي صونه به فلا ضمان عليه ولو استفاد غيره. قاله عبد الباقي.
وقوله إن بإذن أهله راجع للوديعة فقط يعني أن من أودع صبيا أو سفيها فأتلف ما أودعه له فإنه لا ضمان عليه سواء أودعه بإذن أهله أو بغير إذن أهله، قال البناني: الذي حرره أبو علي رجوع الإغياء للوديعة فقط كما يفيده لفظ المدونة في المواق، والذي حصله الحطاب أول البيوع فيما باضه المحجور بحضرة وليه وسكوته قولان: أحدهما أن ذلك كفعل الولي وهو الذي قاله أبو إبراهيم وأفتى به ابن عرفة، ووقع الحكم به بتونس وبه أفتيت. والثاني أنه غير لازم، وعلى الأول فإن كان صوابا ومصلحة لزم المحجور، وإن كان غير مصلحة نقض ما دام المبيع قائما بيد المشتري، فإن فات رجع على المشتري بكمال القيمة على ما أفتى به ابن رشد. اهـ.
وقال الحطاب عن المشدالي: وقعت مسألة في وصي دفع مركبا له لمولى عليه في حجره وصرفه إلى الأسكندرية، فمضى به المولى عليه ورجع فغصب في رجوعه، فقال الوصي: إنما أمرتك أن تصرفه وتبقيه فغررت ورجعت فعليك الضمان، قال أبو عمران: لا ضمان عليه لأن من أطلق يد سفيه على ماله أو باعه أو أودعه وديعة فتعدى السفيه عليه فلا شيء عليه، فقيل جناية الصبي لازمة إلا فيما أطلق يده عليه والوصي يقول إنما أطلقت يده في الوصول فقط فيه، فبنفس الوصول انقطع
стр. 6739
تسليطي عليه فهو متعد، فقال أبو عمران: هذا وإن كان كما قلت فقد بقي بيده كأنه أودعه إياه حتى يبقيه، وقد قال مالك فيمن جعل للسفيه جعلا في آبق فباعه إلى آخر ما في المدونة. اهـ المراد منه.
وتعلقت بذمة المأذون عاجلا يعني أن العبد المأذون إذا أتلف وديعته فإنها تكون في ذمته عاجلا فتؤخذ مما بيده الذي له ولا تتعلق برقبته، قال عبد الباقي: وتعلقت بذمة المأذون له في التجارة عاجلا قبل عتقه لا برقبته ولا بالمال الذي بيده للتجارة إن كان لسيده، فإن كان له تعلقت به وليس للسيد فسخ ذلك عنه. انتهى. وقال المواق من المدونة: ما أتلفه المأذون له في التجارة من وديعة بيده فذلك في ذمته لا في رقبته؛ لأن الذي أودعه متطوع وليس للسيد أن يفسخ ذلك عنه. انتهى.
وبذمة غيره إذا أعتق يعني أن العبد الذي لم يؤذن له إذا أودع وأتلف ما أودع له فإن الوديعة تتعلق بذمته إذا أعتق وقبل ذلك لا يطالب بها، قال عبد الباقي: وتعلقت بذمة غيره أي غير المأذون فيتبع بها إذا أعتق لا برقبته لأنها ليست جناية كسائر الجنايات. اهـ. وقال الشارح: وقال بعض أصحابنا: إن استهلكها فهي جناية في رقبته كسائر الجنايات. انتهى. إن لم يسقطه السيد يعني أن محل كونه في ذمة غير المأذون إذا أعتق إنما هو إذا لم يسقط السيد تعلقها بذمته في رقه، وأما إن أسقط ذلك وهو في الرق فإنه لا يتبع بها إذا أعتق، قال عبد الباقي: وظاهر كلامه يعني المص تعلقها بذمة العبد وإن أذن سيده بالإيداع وهو كذلك ولا شيء على السيد وإنما كان له الإسقاط لأنه يعيبه. اهـ. قال البناني: معنى كون الدين عيبا في العبد أنه ينقص من ثمنه إذا أراد بيعه مثلا؛ لأن مشتريه يريد أنه إذا مات بعد أن أعتقه وله مال ولا وارث استبد بمال مولاه ولا يأخذد غرماؤه. والله أعلم. اهـ.
وقال الشارح: قال أشهب: ومن أراد أن يودع رجلا وديعة فقال له ادفعها إلى عبدي ففعل فاستهلكها العبد فهي في ذمته، قلت: وإن غره السيد من العبد قال لا شيء على السيد بكل حال، قال محمد بن عبد الحكم: ولا تكون في ذمته بإقراره أنه استهلكها حتى تقوم بينة باستهلاكه. اهـ. وقال الشارح: قال أشهب في العبد المحجور عليه يتلف الوديعة التي أودعها:
стр. 6740
فإن كان مثله يستودع فهي في ذمته رق أو عتق، وقال سحنون: قال أشهب في العبد يتاجر الناس بغير إذن سيده: فإن كان فارها مثله يتاجر الناس فذلك في ذمته والعبد الوغد لسيده أن يبطل ما أتلف من أمانة لأنه لم يأذن له في أخذ الودائع ومثله لا يودع. ابن يونس: وإذا أتى العبد المحجور عليه إلى رجل فقال له: سيدي أمرني أن أستعير منك كذا فصدقه ودفع إليه ما ذكر فأنكر سيده، فقال للسيد أن يطرح ذلك عن ذمة العبد بعد يمينه أنه ما بعثه، وقيل إن ذلك دين في ذمته لا يطرحه عنه سيده والأول أشبه لأن الذين صدقوهم أتلفوا مستعارهم إذ لم يتثبتوا وما تعمد أخذه فذلك جناية في رقبته. اهـ. فإن قلت ما الفرق بين العبد والصبي والسفيه حيث تعلقت بذمة العبد إذا أعتق والآخران لا تتعلق بذمتهما إذا رشدا؟ فالجواب أن العبد محجور عليه لحق غيره بخلافهما فإنهما محجور عليهما لحق أنفسهما، فلذلك لم يلزمهما. قاله الخرشي.
وإن قال هي لأحدكما ونسيته تحالفا وقسمت بينهما يعني أن من عنده وديعة وادعاها شخصان، فقال المودع بالفتح هي لأحدكما ونسيته فلا أدري الآن من هي له منكما، فإنهما يتحالفان وتقسم الوديعة بينهما، وكذا الحكم لو نكلا ويقضى للحالف على الناكل، قال عبد الباقي والخرشي: خلاف الدين فإنه يغرم لكل واحد قدر ما عليه لأنه في ذمته والوديعة أمانة، ولو قال: ليست الوديعة لأحد كما لم يقبل وكانت بينهما بعد حلفهما. اهـ. قوله: ولو قال ليست الوديعة لأحدكما لخ يعني بعد قوله أولا هي لأحدكما لخ، وأشار بذلك إلى ما في النوادر وابن يونس وغيرهما، وقد نقل ابن عرفة كلام النوادر مختصرا وسلمه، ونصه: فإن رجع وقال أحلف أنها ليست لواحد منهما فلا بد من غرمه مائة يقتسمانها، وكذلك لو كانت المائة عليه دينا، وهذا التفصيل الذي ذكره بين الوديعة والدين هو لابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح، وقيل إنه يغرم لكل واحد منهما ما أقربه في الدين والوديعة، فإذا قال هذه المائة لأحدكما ونسيته غرم لكل واحد منهما مائة في الوديعة والدين وهو اختيار ابن المواز، ومحل ذلك إذا تمادى على قوله هي لأحدكما ونسيته فإن رجع المودع فقال أنا أحلف أنها لهذا الواحد
стр. 6741
منهما فذلك له، وقيل لا يلزمه إلا مائةٌ واحدة في الوديعة والدين، وتكون بينهما بعد أيمانها فهذه ثلاثة أقوال.
وهنا مسألة أخرى وهي: من استودع مائة دينار فأتى رجلان يدعيانها فقال رددتها إلى أحدكما، قال ابن يونس عن محمد: فإن لم يثبت أيهما هو فإنه ضامن لكل واحد منهما مائة؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه أودعه فلم يقطع بتكذيبه، كقول المدعي لا أدري هل أودعتني فهو كالنكول، فيحلف المدعي ويضمنه وكذلك لو كانوا عشرة، وقال ابن عبد الحكم: أما في الدين فيضمن لكل واحد مائة، وأما في الوديعة فلم أرها مثل الدين، قال محمد: وهما عندي سواء، قال في كتاب الإقرار: ويحلف كل واحد منهما ويحكم له بمائة ومن نكل لم يكن له شيء وكانت لمن حلف، فإن نكلا جميعا لم يكن على المقر إلا مائة واحدة يقتسمانها بينهما بلا يمين عليه؛ لأنه هو الذي أبى اليمين وردها بعد أن ردت عليه. اهـ.
ونقل ابن عبد السلام كتاب (١) كلام الموازية بزيادة بيان، فبين أن المراد لمحمد في قوله قال محمد هما عندي سواء هو ابن المواز، وأن المراد بكتاب الإقرار كتاب الإقرار من الموازية، ونصه: قال محمد بن المواز: هما عندي سواء، زاد في كتاب الإقرار من كتابه ويحلف كل واحد لخ، قوله: لأنه هو الذي أبى اليمين لخ مجاز وهو مشبه بالناكل بدليل قوله: لا أدري هل أودعتني فهو كالنكول. اهـ. وقوله: وردها بعد أن ردت عليه فيه إشكال لأن يمين الرد لا ترد.
والحاصل أن المسألتين غير مختلفتين كما عرفت. والله تعالى أعلم. فلا فرق بين بقاء المائة بيده ونقلها عنه، قال عبد الباقي: وأشر قوله: "وإن قال هي لأحدهما" لخ أنه حي وهو كذلك، فإن مات وقال وارثه لا أدري هي لمن منكما إلا أن أبي كان يذكر أنها وديعة فإنه لا يكون الحكم كذلك وهو كذلك، والحكم أنها توقف أبدا حتى يستحقها أحدهما بالبينة. اهـ. وإذا أيس من مرفة صاحبها بالكلية تصدق بها عن ربها في الفقراء، وقوله: "وإن قال هي لأحدكما ونسيته" لخ وقع تمثيل هذا بما إذا اتحد العدد، فإن اختلف بأن أودعه واحد مائة والآخر خمسين ونسِيَ
стр. 6742
من صاحب كل وادعى المائة كل منهما، فقال سحنون: يحلفان على المائة ويقتسمانها مع الخمسين كما في النوادر، ونقله ابن عرفة وابن عبد السلام والشامل. قاله البناني.
وإن أودع اثنين جعلت بيد الأعدل يعني أن المودع بالكسر إذا كان مودعا لاثنين وغاب وتنازعا فيمن تكون الوديعة بيده منهما، فإنه يجعلها الشرع بيد الأعدل منهما، قال عبد الباقي عند قوله: "بيد الأعدل" ما نصه: فإن حصل فيها ما يقتضي الضمان كان ممن هو (١) بيده، ويحتمل من الآخر أيضا لكونه مودعا أيضا من ربها، فإن تساويا عدالة جعلت بأيديهما، قال في الشامل: لا ضمان إن اقتسماها. اهـ. فلو كانا غير عدلين فهل توضع عند غيرهما كالوصيين أو تبقى بأيديهما؟ الأول هو ظاهر المدونة، والثاني جزم به عياض وعزاه لسحنون والقاضي، وجزم به أحمد ونقل كلام عياض. قاله البناني. وقول المص: "بيد الأعدل" وأولى عدل مع فاسق، وقولي: وغاب ظاهر إذ مع حضوره الكلام له لا للحاكم ولا لغيره. قاله عبد الباقي. وقال الرهوني: سحنون والقاضي إسماعيل وإن اتفقا على أنها تبقى بأيديهما اختلفا إذا اقتسماها، فسحنون قال: لا ضمان عليه وبه قال أشهب، وقاله أشهب وابن عبد الحكم ويحيى في الوصيين، وقال إسماعيل في المودعين: يضمنان بالقسم، وقاله ابن حبيب في الوصيين كذا في ابن يونس. فانظره. والله أعلم. اهـ.
وقال الرهوني أيضا: ظاهر كلام البناني أن الخلاف المذكور سواء علم المودع بعدم عدالتهما أو لم يعلم وهو كذلك، والظاهر إذا علم عدم عدالتهما هو قول سحنون ومن وافقه؛ لأنه رضي بهما على تلك الحالة، وإذا قال الأخوان وأصبغ إنه لا يعزل الوصي إذا علم الموصي بعدم عدالته ويجعل معه غيره، فكيف بالمودع؟ وقد قال أبو الحسن عند نص المدونة الذي هنا عند غير واحد من الشراح ما نصه: والفرق بين المودعين والوصيين أن السلطان ليس له خلعهما بخلاف الوصيين؛ لأن المال انتقل إلى الورثة وليس له أن يوصي به إلى غير عدل. وفي الوديعة للحي أن يودع ماله حيث شاء والمودعان والوصيان حكمهما واحد إلا في الصلح خاصة. أبو علي: ويدل للفرق المذكور أن من أودع إلى غير عدل لا يتعرض له وهو ظاهر. والله أعلم. وفي الحطاب عن الذخيرة أن
стр. 6743
الإيداع يكون عند البر والفاجر. اهـ. قوله: "وإن أودع اثنين جعلت بيد الأعدل" قال الرهوني: قيد ابن شبلون جعلها بيد الأعدل بما إذا لم يكن ربها دفعها للآخر ففي (١) المعيار، قال أبو القاسم: ابن شبلون: وذلك إذا لم يكن رب الوديعة دفعها إلى أحدهما وأما لو دفعها إلى أحدهما كانت بيده دون الآخر. اهـ.
ولما أنهى الكلام على الوديعة أتبعه بالكلام على العارية لأنهما من الأمانات، فقال:
стр. 6744
باب: في العارية بالتشديد فعلية بفتح العين من التعاور بمعنى التداول، أو فاعولة من عراه يعروه عرض له وقصده، أو فعلية من عراه على القلب أو فاعولة من التعاور على القلب أيضا، وقول الجوهري: إنها منسوبة إلى العار أي لأن طلبها عار أنكر عليه؛ لأنه لو كان كذلك لقالوا يتعيرون لأن العار عينه ياء وهم يقولون هم يتعورون العواري بينهم، ومثل العارية العارة. ابن سيدة: تعورنا العواري وتعاورنا الشيء تداولناه، وقيل العارية من الياء لأنها عار على صاحبها وقد تعيروها بينهم. اهـ. وهذا يرد ما تقدم من الرد على الجوهري. والله تعالى أعلم. ابن عرفة: وهي مصدرا تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض، فتدخل العمرى والإخدام لا الحبس، واسما مال ذو منفعة موقتة ملكت بغير عوض والعرف استعمالها اسما وهو الشيء المعار. انتهى. وأورد على التعريف أنه صادق على منفعة دار مثلا ورثت ممن اكتراها مع أن ذلك لا يقال فيه عارية، وأجاب ابن عرفة بأن عموم نفي العوض لأنه نكرة في سياق النفي يخرجه، قال البناني: لا يحتاج إليه لأن لفظة تمليك لا يشملها إذ الإرث ملك لا تمليك. فتأمله.
وانظر من أين أخرج الحبس؟ فإن أخرجه من لفظ منفعة كما فهمه الرصاع قائلا: لأن فيه ملك الانتفاع لا المنفعة ففيه نظر من وجهين، أحدهما ما ذكره في التوضيح من أن المحبس عليه يملك المنفعة بدليل أنه يؤاجر لغيره، الثاني أن حمل المنفعة على ما فهمه من المعنى الأخص يخرج العارية التي شرط ربها على المستعير أن ينتفع بنفسه فقط فيكون التعريف غير جامع. فتأمله. وإن أخرج الحبس بقوله مؤقتة وهو الظاهر ورد عليه أن الحبس لا يشترط فيه التأبيد إلا أن يقال إن المؤقت من أفراد العارية وهو ظاهر. اهـ. قاله البناني. والله تعالى أعلم.
وأركان العارية أربعة: المعير والمستعير أي آخذ العارية والشيء المستعار وما به العارية أشار المؤلف إلى حكمها وإلى المعير بقوله: صح وندب إعارة مالك منفعة يعني أن من ملك منفعة شيء يندب له أن يعيره وذلك يستلزم أن إعارته صحيحة، ولكنه عبر بصح وندب مع أن الندب يستلزم الصحة لأجل المخرجات الآتية، قال عبد الباقي: صح وندب إعارة مالك منفعة بملك أو إجارة أو عارية كما سيذكر، وعبر بندب ليفيد حكمها هنا ولم يعبر في غيرها من العقود بحكمه غالبا، بل يقتصر فيه على الصحة كقوله: وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل لأن الأصل فيما
стр. 6745
صح الإباحة بخلاف هذه لما خالف حكمها الأصل في الصحة نص عليه، وعبر بصح مع أن الندب يتضمنه لإفادة عدم الصحة في المخرجات. اهـ. وقال المواق: العارية مندوب إليها لقوله ﷺ : (كل معروف صدقة (١)).
ابن عرفة: يعرض وجوبها كغني عنها لمن يخشى بعدمها هلاكه وحرمتها ككونها على معصية.
اهـ. ونحوه للحطاب وزاد: وكراهتها ككونها معينة على مكروه. اهـ. وقال الرهوني: قال اللخمي: والعواري بين الأقارب والجيران والإخوان مندوب إليها، لقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾، ولأنها داعية التواد والتواصل، وداخلة في قوله ﵊ (تهادوا تحابوا (٢))، وهي فيما قل قدره آكد لقول الله في ذم قوم: ﴿ويمنعون الماعون﴾، وممنوعة ممن يعلم أنه يستعملها فيما لا يجوز. انتهى.
قال الحطاب: واستدلاله بقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ إنما يصح على ما روي عن ابن مسعود ومن وافقه، وهو خلاف مذهب مالك والجمهور، ففي المقدمات ما نصه: إعارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتداولوا ذلك بينهم ويتعاملوا به ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشح به فلا إثم عليه ولا حرج، إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار لئيمها ومذمومها لقول رسول الله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه. والماعون الذي توعد على منعه في قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ إنما هو الزكاة المفروضة، هذا الذي ذهب إليه مالك وجمهور أهل العلم، وقد روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: هو عارية متاع البيت الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وأشباه ذلك. اهـ.
ونقله أبو الحسن أيضا وما نسبه للجمهور نسبه ابن عطية لعلي وابن عمر ﵄، ثم ذكر قول ابن مسعود وقال ما نصه وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك. اهـ.
стр. 6746
وهذا هو الذي استظهره ابن رشد فقال بعد ما قدمناه عنه بقريب ما نصه: فالآية نزلت في المنافقين والوعيد تعلق بهم على مذهب مالك، ومن رأى الماعون الزكاة على النفاق ومنع الزكاة ويتعلق في مذهب من جعل الماعون عارية متاع البيت على النفاق، ومنع العارية من المسلمين بغضا لهم وهو الأظهر؛ لأن المنافقين كفار في الدرك الأسفل من النار، ومن كان بهذه الحالة لا يلتمس منه الزكاة. انتهى. وفي الحطاب: وهي من حيث ذاتها مندوب إليها لأنها إحسان والله يحب المحسنين. اهـ. ولأنه ﵊ استعار وكذا الصحابة رضوان الله عليهم، وقوله: "إعارة" يتنازعه "صح" و"ندب". وقوله: "منفعة" أخرج به الفضولي.
وقوله: بلا حجر حال من مالك أو صفة له؛ أي صح وندب إعارة مالك غير محجور عليه واحترز بذلك عما لو كان محجورا عليه فإنه لا تصح إعارته، قال الحطاب عند قوله: "بلا حجر" ما نصه: مراده هنا بالحجر أعم من الحجر المتقدم في بابه ليشمل ما إذا منع المعير المستعير من الإعارة فإنه ليس له الإعارة، قال ابن سلمون: العارية مندوب إليها وتصح من كل مالك المنفعة، وإن كان ملكه لها بإجارة أو عارية ما لم يحجر عليه ذلك، ومن استعار شيئا لمدة أو اكتراه فله أن يعيره لمثله في تلك المدة أو يكريه إلا أن يشترط عليه أن لا يفعل ذلك. اهـ. وقال عبد الباقي عند قوله: "بلا حجر" ما نصه: فالمحجور عليه لا تصح إعارته كمريض بأكثر من ثلثه، بدليل قوله: وإن أجيز فعطية وأما إعارة الزوجة أكثر من ثلثها فصحيح، وللزوج رد الجميع إن تبرعت بزائد كما تقدم فهو صحيح حتى يرده. اهـ. قوله: وأما إعارة الزوجة أكثر من ثلثها لخ انظر هل يعتبر في ذلك قيمة المنفعة أو قيمة الذات، واختار أحمد الأول لأن المنفعة هي المتبرع بها قاله البناني.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا وجه للتوقف فيما قاله أحمد.
وإن مستعيرا مبالغة في الصحة فقط لا في الندب؛ لأن المستعير لا يندب له أن يعير، ومعنى كلامه أن من ملك المنفعة بإعارة تصح إعارته لذلك الشيء المستعار ولا تجاوز إعارته له مدة الإعارة الأولى، قال عبد الباقي عند قوله: "مستعيرا" ما نصه: مبالغة في الصحة إذ يكره للمستعير ثوبا أو كتابا إعارته لغيره، وكذا إذا استعار دابة للركوب كما في الإجارة والصحة لا تنافي الكراهة،
стр. 6747
ومحل الصحة ما لم يمنعه المالك من إعارته، فقوله: "بلا حجر" أي شرعي كالصبي والعبد ولو مأذونا له في التجارة؛ لأنه إنما أذن له في التصرف بعوض ولم يؤذن له في نحو العارية إلا فيما كان استيلافا للتجارة، أو جعلي من المالك، فإنه إذا منعه من الإعارة لا يعير فلا يريد حجر المال فقط، ولا فرق في الحجر الجعلي بين أن يكون صريحا أو بقرينة، كقوله: لولا إخوتك أو ديانتك أو صداقتك ما أعرتك. اهـ. قوله إذ يكره للمستعير لخ، قال البناني: الذي في عبارة ابن الجلاب الجواز واقتصر عليه ابن شأس وابن الحاجب، وقبله ابن هارون وابن عبد السلام، ونقل ابن عرفة عن المدونة ما يقتضي المنع والجواز والكراهة. انظر ابن غازي. قلت: والظاهر جمعا بين المواضع الثلاثة حمل كل من الجواز والمنع على الكراهة مع الصحة كما قرر به الزرقاني وهو ظاهر، وقوله: إلا ما كان استيلافا للتجارة تقدم في باب الحجر عن المدونة أن المأذون يمنع من العارية ولو لاستيلاف فانظره. اهـ كلام البناني.
لا مالك انتفاع يعني أن مالك الانتفاع ليس كمالك المنفعة فليست له الإعارة، ومالك الانتفاع قال البناني: هو الذي شرط فيه المحبس خصوص سكنى من قام به الوصف كبيوت المدرسة. اهـ. وقال عبد الباقي: وهو من ملك أن ينتفع بنفسه فقط ولا يؤجر ولا يهب ولا يعير، ومالك المنفعة من له تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه، والفرق بينهما أن مالك الانتفاع تقصد ذاته مع وصفه كإمام أو خطيب أو مدرس ببيت وقف عليه بالوصف المذكور، وكمستعير منع من أن يعير بخلاف مالك المنفعة فإنما يقصد الانتفاع بالذات لأي منتفع كمستعير لم يمنع من إعارة. اهـ. قوله: كإمام أو خطيب أو مدرس لخ، قال البناني: الظاهر أن المملوك لهؤلاء هو المنفعة لا الانتفاع فقط، وأن مالك الانتفاع هو الذي شرط فيه المحبس لخ، قول البناني: الظاهر أن المملوك لهؤلاء هو المنفعة لخ، قال الرهوني: يصح كلام الزرقاني بحمله على ما إذا كان الإمام أو الخطيب مثلا ببيت يجلس فيه كالمقصورة، فإنه لا يجوز له أن يكريه ويكون بمنزلة بيت المدرسة. واللَّه أعلم. فتأمله. اهـ.
وقال عبد الباقي: ثم إن من ملك الانتفاع وأراد أن ينفع به غيره فإنه يسقط حقه منه، ويأخذه الغير على أنه من أهله حيث كان من أهله كما وقع للبرزلي في سكنى خلوة الناصرية ممن كان
стр. 6748
يملك الانتفاع بها، وأما غير ذلك فليس له أن يعير كسكنى بيت المدارس والزوايا والرباط والجلوس في المساجد والأسواق، ويستثنى من ذلك ما جرت به العادة من إنزال الضيف المدارس والربط مدة يسيرة، فلا يجوز إسكان بيت المدارس دائما ولا إيجاره إذا عدم الساكن ولا الخزن فيه، ولا بيع ماء الصهاريج ولا استعماله فيما لم تجر العادة به إلا الشيء اليسير، وليس للضيف بيع الطعام ولا إطعامه ولا يباع زيت الاستصباح ولا يتغطى ببسط الوقف ونحو ذلك، والخلو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع، والخلو اسم لا يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي دفع في مقابلتها الدراهم، ولذا يقال أجرة الوقف كذا وأجرة الخلو كذا. قاله الأجهوري. وقال الدسوقي: وشرط الخلو احتياج الوقف لعدم الريع، وذلك بأن تكون أرض براحًا موقوفة على جهة أو دار متخربة موقوفة على جهة، وليس في الوقف ريع يعمر به فيدفع إنسان دراهم لجهة الوقف ويأخذ تلك الأرض والدار على جهة الاستئجار ويجعل عليها أجرة يدفعها كل سنة تسمى حكرا ويبنيها، فالمنفعة الحاصلة ببنائه تسمى خلوا، فإذا كانت تلك الدار تؤاجر كل سنة بعشرة بعد البناء وكانت الأجرة المجعولة كل سنة دينارا واحدا كانت التسعة أجرة الخلو والدينار أجرة الوقف. اهـ. وقال عبد الباقي: وقد أفتى الشيخ شمس الدين اللقاني وأخوه ناصر الدين بأن الخلو المذكور معتد به لكون العرف جرى به. اهـ.
وفي البناني: قول الزرقاني: وقد أفتى الشيخ شمس الدين لخ: بمثل ما ذكره وقعت الفتوى من شيوخ فاس من المتأخرين كالشيخ القصار وابن عاشر وأبي زيد الفاسي وسيدي عبد القادر الفاسي وأضرابهم، ويعبرون عن الخلو المذكور بالجلسة جرى بها العرف لما رأوه فيها من المصلحة وهي عندهم كراء على التبقية. اهـ.
وقال أحمد: قوله: "لا مالك انتفاع" أي فإنه لا تصح إعارته، ومثل ذلك إجارته ومن هذا النزول عن الوظائف بشيء يأخذه فلا يصح؛ لأن من بيده الوظيفة مالك للانتفاع، وأما ما أخذ مما في قسم الزوجات من الجواز، فقد قال ابن فرحون: إنه ضعيف، ومن ملك الانتفاع ما سئل عنه بعض شيوخنا من أن من استعار كتابا هل له أن يعيره؟ فأجاب بأنه ليس له ذلك لأنه مالك الانتفاع فقط وهو حسن. اهـ. والضمير في إنه ضعيف للجواز ويحتمل الأخذ. اهـ المراد منه. قوله:
стр. 6749
ومن هذا النزول عن الوظائف بشيء يأخذه فلا يصح لخ، قال البناني: هذا هو مقتضى الفقه، لكن ذكر البرزلي في نوازله بعد أن نقل عن ابن رشد جواز الأخذ على رفع الأيدي في المعدن ما نصه: هذا ونحوه يدل على ما يفعل اليوم في البلاد المشرقية من بيع وظيفة في حبس ونحوه من مرتبات الأجناد، فإنه يرفع يده عنها خاصة، وقد كان يمضي لنا عن أشياخنا أن هذا لا يجوز لوجهين: أحدهما أنه لا يملك إلا الانتفاع لا المنفعة فلا يجوز له فيها بيع ولا هبة ولا عارية، الثاني على جواز تسليم بيعها هي مجهولة لا يُدرَى بقاؤها فيها ولا قدر ما يستحقه، وتقدم في الجعائل في كتاب الجهاد أنه ليس بمعاوضة حقيقة، ومن شرطه أن يكون من أهل حبسه وديوانه، ثم ذكر ما وقع له في الديار المصرية فانظره. واللَّه أعلم. اهـ. وقول عبد الباقي: وليس للضيف بيع الطعام ولا إطعامه، قال التاودي: قال ال تتائي: وسلمه محشيه ولا يجوز للضيف بيع الطعام وله إطعام السائل والهر. انتهى.
من أهل التبرع عليه متعلق "بإعارة"، قال عبد الباقي: "ومن" بمعنى اللام كذا قال بعض شيوخنا، وقال: إنه لم يقف على كون من بمعنى اللام، قاله أحمد. ويقدح فيه قول الكرماني: مجيء من بمعنى اللام شاذ ذكره الأجهوري. انتهى. وقال البناني: هو متعلق بإعارة ومن للتعدية؛ لأن أعار يتعدى بمن كما صرح به في القاموس، فلا حاجة لدعوى كون من بمعنى اللام، ولا لما ادعاه ال تتائي من تضمين أعار معنى وهب، ونص القاموس: أعاره الشيء وأعاره منه وعاوره إياه وتعور واستعار طلبها واستعار منه طلب إعارته. انتهى. ومعنى كلام المص أن العار وهو المستعير لابد أن يكون متأهلا لأن يعار له ذلك الشيء الذي أعير له بخصوصه، فعلم أن المص حذف متعلق التبرع وهو بذلك الشيء، ويتعلق بالتبرع مع ذلك قوله عليه وخرج بالمتعلق المحذوف إعارة المسلم للذمي فلا تصح كما سيذكره المص، ولا يرد أن هبة ذات المسلم للكافر جائزة كما في المدونة، أو ممنوعة ابتداء وماضية بعد الوقوع كما حمل كلامها عليه أبو الحسن؛ لأنه لما أجبر على إخراجه كما تقدم لم يستقر عليه ملك، بخلاف هبة منفعته أو إعارته فإنه يغلب فيه قصد الإذلال؛ إذ الغالب إعارته للاستخدام فلذا منعت. انتهى.
стр. 6750
وقولي إن المصنف حذف بذلك الشيء بخصوصه نحوه لعبد الباقي، قال البناني: لابد منه في كلام المص وبمثله قيد ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب الذي هو كعبارة المص، وقبله في التوضيح، وقال ابن عرفة: قول ابن الحاجب المستعير أهل للتبرع عليه قاصر؛ لأن الكافر أهل للتبرع عليه، وجواب ابن عبد السلام بأن مراده بزيادة بالمستعار بخصوصه يرد بأن كل كلام لا يصح كذلك لصحة تقييده بما به يصح. انتهى. قال البناني: قلت إنما يقال هذا حيث لا قرينة على القيد والقرينة هنا موجودة في كلام المص وابن الحاجب، وهي تعقيبه بقوله لا كذمي مسلما. انظر ابن غازي. انتهى. وقال الخرشي: يعني أنه يشترط في المستعير أن يكون من أهل التبرع عليه بذلك الشيء المعار بخصوصه، فلا تجوز إعارة المسلم للكافر وكذلك لا تجوز إعارة سلاح لمن يقاتل به المسلمين، وما في معنى ذلك مما لازمه أمر ممنوع. انتهى.
وأشار إلى المعار بقوله: عينا لمنفعة مباحة "عينا" مفعول إعارة، واللام في "لمنفعة" تعليلية، ومعلولها هو الإعارة لا الندب، "وعينا" هي المفعول الثاني، والأول "من أهل" يعني أن الذي تصح إعارته إنما هو عين لأجل أن تستوفى منها المنفعة، وتلك المنفعة لابد أن يكون استعمالها مباحا، وأسقط ابن الحاجب لفظ عين فالمعار عنده هو المنفعة، لقوله: المستعار منفعة مع بقاء العين وما فعله المص هو الظاهر لحديث أبي داوود عن يعلى بن أمية، قال لي رسول اللَّه ﷺ : (إذا أتتك رسلي فادفع لهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا (١))، فقلت يا رسول اللَّه: أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال بل مؤداة، وما أنشده الجوهري:
إنما أنفسنا عارية … والعواري قصارى أن ترد
وقصاري هنا بالضم لا بالفتح لأنها هنا بألف، وإنما يصح الفتح لو كان بغير ألف. الجوهري: قصاراك أن تفعل كذا بالضم، وقصارك أن تفعل كذا بالفتح أي غايتك وآخر أمرك. انتهى. ونحوه في القاموس مع زيادة، ونصه: وقصرك أن تفعل وقصارك ويضم وقصيراك وقصاراك بضمهما جهدك وغايتك.
стр. 6751
لا كذمي مسلما هذا محترز قوله: "من أهل التبرع عليه" يعني أنه لا يجوز لك أن تعير الكافر عبدا مسلما، وتحقيق المص أن تقول: لا يصح ما هو كإعارة ذمي مسلما من إضافة المصدر إلى مفعوله الأول والمفعول الثاني مسلما، وعلم مما قررت أن هذا محترز القيد الأول، ومحترز الثاني قوله: "وجارية توطء" خلافا لا في الخرشي، فإنه قال: يعني أن المسلم لا تجوز إعارته للذمي لا فيه من إذلال المسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فهو مثال أي لمقدر أي لا منفعة غير مباحة كإعارة ذمي مسلما، وأما إعارة الذمي منفعة المسلم حيث كانت غير محرمة كالخياطة على ما يأتي في الإجارة فينبغي فيه الجواز كما في الإجارة. انتهى.
وقال عبد الباقي: أي لا تجوز إعارة المسلم للذمي ولا إعارة مصحف لكافر وسلاح لمن يغزو به المسلمين وأواني لمستعمليها في كخمر ودواب لمن يركبها لإذاية مسلم، ونحو ذلك مما لازمه ممنوع، فالكاف داخلة على "ذمي" وعلى "مسلما"، وظاهر جعل المص لها غير صحيحة أنه لا يؤاجر عليه، وظاهره أيضا منع إعارة المسلم للذمي ولو ليخيط له بحانوته أي بحانوت المسلم ولا يستبد بعمله مع أن هذا جائز في الإجارة فتقاس العارية عليها، وكذا يقال في بقية أقسام الإجارة الأربعة كما لابن رشد، ثانيها حانوت الصانع لكن يستبد بعمل الذمي وكجعله مقارضا أو مساقًى تحت يده فيكره، ثالثها محظورة وهي خدمته ببيته أو للإرضاع له فيه فإن وقعت فسخت فإن فاتت مضت وله الأجرة، رابعها حرام كحمل الخمر ورعي الخنزير ويفسخ فإن فاتت تصدق بالأجرة.
قوله: وظاهر جعل المص لها غير صحيحة أنه لا يؤاجر عليه فيه نظر، بل الظاهر أنه يمضي ويؤاجر عليه مثل ما تقدم في هبة العبد المسلم الذميِّ وصرح بهذا الشبراخيتي، ويدل لصحته ما ذكره بعده في خدمة لغير المحرم، وصرح به اللخمي في قوله: فإذا نزل ذلك بيعت تلك الخدمة من امرأة أو مأمون. نقله ابن عرفة. وكذا قول المص فيما بعده وهي لها، فهذا كله يدل على الصحة بعد الوقوع ولكنها تؤاجر للغير، وحينئذ يرد على المص الاعتراض في إخراج هذه الأمور من حكم الصحة. واللَّه أعلم. انتهى.
стр. 6752
تنبيهات: الأول: قال القرطبي: من الغلول منع الكتب من أهلها، قال الشيخ أحمد بابا: الظاهر أن معناه أن يأخذ الرجل الكتاب ويمنعه من ربه فلا يرده له. قاله الشيخ إبراهيم. قال التاودي: قلت بل المراد الإبطاء بها. انتهى. الثاني: قال الحطاب: وانظر ما يستعار ليتجمل به هل هو من باب التشبع بما ليس له. انظر الأبي في باب الإيمان (١) في حديث: (من ادعى دعوى كاذبة (٢)). انتهى. وقال عبد الباقي: وقال القرطبي: من الغلول منع الكتب من أهلها وكذلك غيرها. انتهى. أي غير الكتب. انتهى.
الثالث: قال عبد الباقي: قال اللخمي: تجوز عارية العين على بقاء عينها لصيرفي ليظهرها لأن يقصد بالشراء ومن قل ملاؤه. ابن عرفة: هذا إذا كان ليعامل بالنقد، وأما إلى أجل فغرور ولا يجوز الإعانة عليه. انتهى. وفي التوضيح عقب كلام اللخمي: وينبغي أن يمنع هذا لوجهين: أحدهما بالقياس على إجارتها أي فإنها لا تصح، والثاني أن فيها إيهاما للناس وتغريرا وهو الظاهر عندي. انتهى. وقال المواق: ابن شاس: من شرط المستعار أن يكون الانتفاع به مباحا، فلا يستعار الجواري للاستمتاع، ويكره استخدام الإماء إلا من المحرم والنسوان أو لن لم يبلغ الإصابة من الصبيان. انتهى.
وجارية لوطء يعني أنه لا تجوز إعارة الجواري ليطأهن المستعار (٣) بل ولا للتمتع بهن بغير الوطء، قال عبد الباقي: وجارية لوطء أو تمتع بدونه فتحرم إعارتها لأدائه إلى إعارة الفروج، وينبغي أن تكون إعارتها للوطء كتحليلها له في عدم الحد، وفي التقويم وإن أبيا وغيرهما. أو خدمة لغير محرم يعني أنه لا تجوز إعارة الجارية لأجل أن تخدم غير محرم، قال الشارح: وقد نص اللخمي في باب الإجارة على أن إجارة المرأة للرجل الأعزب لا تجوز كان مأمونا أم لا، لقوله ﵊: (لا يخلو رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم (٤))، وإن كان له أهل وهو مأمون جاز، وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن تكون متجالة لا أرب للرجال فيها أو هو شيخ
стр. 6753
فَانٍ ونص أيضا في باب العارية على صحة هبة خدمة الجارية للأجنبي المأمون إذا كان له أهل، فإن كان غير مأمون أو مأمونا (١) وليس له أهل لم يجز للحديث السابق، واحترز بغير المحرم عما إذا كان أعارها لمحرم فإنه يجوز للأمن من الاستمتاع، ومثل ذلك إعارتها للصبي والمرأة، ومثل ذلك ما إذا أعارها لمن لا يحل له الاستمتاع بها من أقاربه كما إذا كان هو قد أصابها ثم أراد أن يعيرها لولده أو ولد ولده أو أبيه أو جده؛ لأنها تصير من ذوات المحارم. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو خدمة لغير محرم فلا يجوز، وإن نزل ذلك بيعت تلك الخدمة من امرأة أو مأمون إلا أن يكون قصد المعير نفس المعار فترد الأمة له وتبطل العارية، ثم محل عدم الجواز ابتداء إلا أن يكون مأمونا وله أهل فيجوز. قاله اللخمي. واقتصر عليه المواق والشارح، وفي أحمد أنه معول عليه وذكره ال تتائي على وجه يوهم أنه مقابل. انتهى.
أو لمن تعتق عليه يعني أنه لا يجوز إعارة جارية لأجل أن تخدم من تعتق عليه، ومثلها العبد لمن يعتق عليه، وسواء كان هذا الذي يعتق عليه من أعير له للخدمة ذكرا أو أنثى، وإذا أعيرت الجارية لمن تعتق عليه فهي أي منفعة الأمة المعارة لها أي للأمة المعارة لا للمعير ولا للمعار له، فقوله: "وهي لها" خاص بالفرع الأخير، وقد علمت أن مثل الأمة العبد، قال عبد الباقي: فإن آجرت نفسها زمنها فالظاهر أنه ليس لسيدها منعها ولا له نزع أجرتها، قال الخرشي قياسا على مسألة الشهادة ثم رجع عنها. انتهى. قال التاودي: هي قول المص في باب الشهادات: وإن كان برق لحر لخ. وهذا القياس غير ظاهر للفرق بأن السيد فيها يدعي أن ما يأخذه العبد ظلم لادعائه الرقية وعدم صحة الرجوع عنها، وأما هنا فما يأخذه كهبة لها فللسيد انتزاعه. انتهى. ونحوه للبناني. واللَّه تعالى أعلم.
قال عبد الباقي: ومثل العارية في ذلك الإجارة، فإذا وقعت إجارة العبد أو الأمة لمن تعتق عليه، فقياس مسألة العارية أن تكون المنفعة للعبد أو الأمة وتضيع الأجرة على المستأجر؛ لأن ملك المنفعة كملك الذات، فكما أن الذات إذا ملكها تعتق عليه فكذا المنفعة، ثم إن هذا بالنسبة للأرقاء، وأما لو كان لشخص أب حر مثلا فهل له أن يستأجره أم لا؟ وينبغي أن يكون له ذلك
стр. 6754
لأنه في هذه المسألة راض وفي تلك مرغم قاله أحمد. قوله: وينبغي لخ في المدونة في خصوص الرضاع: لا بأس أن يؤاجر الرجل أمه أو أخته أو ذات رحم على رضاع ولده. انتهى.
وظاهره شموله للحرة والأمة، وعليه فإن حمل قول المص: "أو لمن تعتق عليه" على عمومه في الرضاع وغيره كانت العارية مخالفة للإجارة وإن خص بإعارتها لغير الإرضاع، وأما له فيستوي حكم العارية والإجارة في الجواز، فلعل الفرق أن الرضاع أخف امتهانا من غيره، ويحتمل أن كلام المدونة في الحرة وأما الأمة فكما ذكر المص، والفرق بينهما ما أبداه أحمد. انتهى. قوله: ويحتمل أن كلام المدونة في الحرة لخ، قال البناني: هذا هو المتعين والاحتمال الأول غير صحيح. واللَّه أعلم. ثم بعد هذا وقفت على كلام ابن عرفة ونصه: وفيها لا بأس أن يؤاجر الرجل أمه أو أخته أو ذات محرم منه على رضاع ولده، ولا ينافيه نقل اللخمي في العارية منع استخدام الولد والده لأن الإرضاع خفيف. انتهى منه في باب الإجارة. وهو يدل على أنه لا فرق بين الرقيق والحر في منع استخدام الولد والده في غير الرضاع، وتفريق أحمد غير ظاهر لمخالفته ذلك. انتهى. فرع: قال ابن ناجي: قال شيخنا أبو مهدي: لا نص في خلوة الرجل مع خادم زوجته، والظاهر أنه بحسب الأشخاص، فإذا وثق بنفسه جاز ولا ينقض بالحرة لأن النفس مجبولة على الميل إليها وإن كانت كبيرة. انتهى. قاله البناني.
ولما ذكر أن المستعار إنما يكون عينا تستوفى منفعتها وتبقى ذاتها، أشار إلى ما إذا لم يكن ذلك كذلك بقوله: والأطعمة والنفود قرض يعني أن الأطعمة والنقود إنما ينتفع بها مع ذهاب عينها، فإذا دفعت إلى شخص بلفظ العارية فإنها تكون قرضا لا عارية، وفائدة ذلك ضمانها ولو قامت بينة على هلاكها، قال عبد الباقي: ولما تقدم أن شرط صحة العارية الانتفاع بها مع بقاء عينها ذكر ما ينتفع به مع ذهاب عينه، بقوله: "والأطعمة والنقود قرض" لا عارية، وفائدته ضمانها. ولو قامت بينة على هلاكها ولو وقعت بلفظ العارية. انتهى. ونحوه للخرشي، وقال الشارح: لما ذكر أن المقصود من العارية إنما هو المنفعة مع رد العين إلى ربها، نبه على أن الانتفاع متى استلزم ذهاب العين كما في الأطعمة والنقود لم يكن ذلك عارية بل هو قرض، وقد أشار اللخمي إلى صحة إعارة الدنانير والدراهم لمن لا يذهب أعيانها كالصيرفي يجعلها عنده ليراها الناس
стр. 6755
فيرغبون في الصرف منه، وكذلك الرجل عليه دين يقل ما بيده فيستعيرها لذلك. الشيخ: وينبغي أن يمنع هذا لوجهين، أحدهما بالقياس على إجارتهما أي فإنها لا تصح، والآخر أن فيه إيهاما للناس وتغريرا وهو الظاهر عندي. انتهى.
قال عبد الباقي: ولما كان أركان العارية أربعة: المعير والمستعير والشيء المستعار وقدم هذه الثلاثة أشار للركن الرابع بقوله: بما يدل عرفا متعلق بمقدر أي تكون أو تحصل؛ يعني أن العارية تكون بما يدل عليها عرفا من قول أو فعل ولو إشارة، وتكفي المعاطاة فهي تحصل بكل ما دل على تمليك المنفعة بلا عوض، قال الشارح: هذا هو الركن الرابع وهو ما يكون به الإعارة ولا فرق فيما يدل على معنى العارية بين الفعل والقول نص عليه ابن شاس، فكل ما دل على تمليك المنفعة بغير عوض كفى في تحصيل ذلك. انتهى.
وجاز أعني بغلامك لأعينك يعني أنه يجوز هذا العقد وهو أن تقول لشخص: أعني بغلامك على حرثي أو غيره لأعينك بغلامي أو دابتي أو نفسي على حرثك أو غيره، ولذا حذف متعلقة للتعميم، ويكون ذلك إجارة لا عارية لأنها بغير عوض، وهذا بعوض اتحدت المنفعة أم لا، تساوى زمنهما أم لا، تماثل المعان به وعليه أم لا، كحرث وبناء وغلام وثور، فلا يشترط اتحاد المنفعة ولا ما تستعمل فيه، قال عبد الباقي: وإنما يشترط قرب زمن المنفعتين كشهر فلا يجوز "أعني بغلامك" هذا على أن أعينك بغلامي بعد شهر لأنه نقد في منافع يتأخر قبضها، وهذا يوافق قوله. فيما تقدم: "وأجير تأخر شهرا"، ولكن ذكروا هنا في مسألة [دولة] (١) النساء على أن يغزلن كل يوم لواحدة أنه لا يجوز إذا كان يتأخر لإحداهن عشرة أيام، ويفسخ على ما لابن سراج، ولعل الفرق قوة الغرر في مسألتهن بتعددهن، فطرو المانع لهن أو لبعضهن أكثر من مسألة الغلامين، وذكر هذه هنا مع أنها ليست عارية بل إجارة كما قال نظرا إلى قوله: "أعني" والإعانة معروف. اهـ.
ونحوه للخرشي، قوله: وإنما يشترط قرب زمان المنفعتين كشهر لخ فيه نظر، والصواب المنع إذا تأخر الشروع في المنفعة أكثر من نصف شهر، ولا فرق بين غزل النساء وغيره، وتقدم اعتراض
стр. 6756
قول المص في الخيار وأجير تأخر شهرا، وإنما منع ذلك في دولة النساء إذا كان يتأخر لإحداهن عشرة أيام: لأن ذلك يستلزم تأخر الشروع في غزل الثالثة عشرين يوما مع منع تأخر نصف شهر. فتأمله. وقد جمع ابن غازي في غير هذا الموضع الشروط الثلاثة المعتبرة في دولة النساء في بيت، فقال:
شرط طريحة النسا قرب المدا … وصفة الغزل وذكر الابتدا
وضمن المغيب عليه يعني أن المستعير إذا كان الذي استعاره مما يغاب وادعى رده لربه أو تلفه فإنه لا يصدق في ذلك ويضمن قيمته أو مثله، قال عبد الباقي: وضمن المغيب عليه أي ما يعد مغيبا عليه في الاصطلاح وهو ما يمكن إخفاؤه ومنه سفينة سائرة. انتهى. قوله: "وضمن المغيب عليه" قال الرهوني: فإن اتفقا على صفته فواضح، وإن اختلفا جرى فيه ما تقدم في الرهن مما يمكن هنا حيث قال: وإن اختلفا في قيمة تالف تواصفاه لخ، وقال اللخمي ما نصه: وإن اختلفا في صفة العارية وقد ضاعت كان القول قول المستعير مع يمينه ما لم يأت بما لا يشبه. اهـ منه بلفظه.
فرع: قال اللخمي متصلا بما سبق عنه، وقال مالك في امرأة أعارت حليا فضاع فسئلت ما فيه لتحلف عليه، فقالت استعملته منذ زمان طويل وقد نقص لطول الزمان، قال تحلف أن أصل ما دفعت إلى من عمله كذا وكذا وإنما أخذته على ذلك يريد ويحط ما يرى أنه نقص في تلك المدة اهـ.
إلا لبينة يعني أن محل ضمان المستعير للعارية التي يغاب عليها إنما هو إذا لم تقم بينة على هلاكها بغير تفريط منه، وأما إن قامت البينة على تلفها بغير تفريط منه فلا يضمنها، وهل يضمن المستعير ما يغاب عليه؟ وإن كان قد شرط نفيه أي شرط المستعير على المعير نفي الضمان إذا ادعى تلفه ولم تقم عليه بينة؛ لأن الضمان عليه بطريق الأصالة فلا ينفعه شرطه أو لا يضمن حيث شرط نفي الضمان، وينفعه شرطه لأن إسقاط الضمان معروف، فالأول وهو الضمان عزي في المدونة لابن القاسم وله ولأشهب في العتبية، وهو أي الضمان لابن رشد في المقدمات، قال: يبطل
стр. 6757
الشرط والضمان ثابت، والثاني وهو عدم الضمان للخمي والمازري وغيرهما، قال الشارح: حكى اللخمي والمازري في شرح التلقين وغيرهما أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على إفادة الشرط هنا، بخلاف الرهن لأن العارية باب معروف وإسقاط الضمان معروف ثان لا مانع منه. اهـ.
وقوله: تردد مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تردد، وعلم مما قررت أن التردد هنا لتردد المتأخرين في النقل، فبعضهم حكى اتفاق ابن القاسم وأشهب على الضمان، وبعضهم اتفاقهما على عدم الضمان، راجع ما مر عند قوله: "وبالتردد" لتردد المتأخرين في النقل، قال عبد الباقي عند قوله "تردد" ما نصه: وعلى القولين لا يفسد العقد وقيل يفسد ويكون للمعير أجرة ما أعاره له، قال في الشامل: وحيث ضمن المستعير أي في جميع مسائل باب العارية بأن رأته البينة عنده فلآخر رؤية، وإلا فلربه الأكثر من قيمته يوم قبضه أو تلفه ولو تلف قبل الاستعمال غرم قدر ما بقي منه ويسقط عنه قدر استعماله في مدة الإعارة؛ أي أن لو استعمله ولو باعه المعير قبل استعمال المستعير يكون المستعير شريكا معه في الثمن بقدر الاستعمال. اهـ بإيضاح.
وقال اللخمي: ويختلف إذا أهلكه المعير بعد قبضه منه هل يغرم قيمته ويستأجر للمستعير من القيمة مثل الأول؟ أو يشترى له قيمة تلك المنافع، قياسا على من أخدم أمة ثم أولدها ثم قال وقيمة المنافع أحسنها، قال: ويختلف إذا أهلكها قبل القبض، فعلى قول ابن القاسم كمن قبض، وعلى قول أشهب لا يغرم شيئا، كمن وهب له ثوبا فباعه قبل أن يقبضة منه. اهـ. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وإذا وجب على المستعير ضمان العارية فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضا صاحبها، فإن استعملها في غير ما أذن له فيه فيضمن ما زاد على ما أذن فيه، فإن عطبت ضمن قيمتها يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها المعارة له، فإن أراد رب العارية أن يأخذ منه قيمة ما استعمله فيه بعد أن يطرح من ذلك قيمة إجارة ما كان له أذن فيه لم يكن له ذلك في قول إن كانت أكثر من قيمتها وفي قول يكون له ذلك، وأما إن كان أقل من قيمتها لم يمنع من ذلك. اهـ.
стр. 6758
قوله عن المقدمات: يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية لخ ما ذكره من هنا إلى آخر المسودة كله كلام ابن رشد نقله أبو الحسن وابن عرفة وغيرهما، وقول ابن رشد: يوم انقضاء أجل العارية لخ خلاف ما قدمه عن الشامل، وقد ذكر ابن عرفة نحو ما ذكره في الشامل، وذكر بعده كلام ابن رشد ولم ينبه على مخالفة بينهما، قال بعضهم: والمذهب ما لابن رشد، وقوله: فيضمن ما زاد على ما أذن فيه لخ أي يضمن ما نقصها الاستعمال الذي لم يؤذن فيه، ويسقط عنه ما نقصها الاستعمال المأذون فيه. قاله أبو الحسن. اهـ. قاله البناني.
لا غيره يعني أن العارية إذا كانت مما لا يغاب عليه كعقار وحيوان وسفينة بمحل مرسى، فإن المستعير يصدق في تلفها إلا أن يظهر كذبه، وكذلك يصدق في ردها لربها. الحطاب: يعني أنه لا يضمن ما لا يغاب عليه، قال الجزولي في شرح الرسالة: ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة وهو مصدق في هلاكه، ويحلف متهما أم لا. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: العارية مضمونة فيما يغاب عليه من ثوب أو غيره من العروض، فإن ادعى المستعير أن ذلك هلك أو سرق أو تخرق أو انكسر فهو ضامن، وعليه فيما أفسد فسادا يسيرا ما نقصه وإن كان كثيرا ضمن قيمته إلا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه، ومن المدونة ولا يضمن ما لا يغاب عليه من حيوان أو غيره وهو مصدق في تلفه ولا يضمن شيئا مما أصابه عنده إلا أن يكون بتعديه. اهـ.
تنبيهان: الأول: اعلم أنه إذا لم يضمن الحيوان فإنه يضمن سرجه ولجامه ونحوهما بخلاف كسوة العبد، قال اللخمي: ويضمن ما على الدواب من سرج ولجام ولا يضمن ما على العبد من كسوة لأنه حائز لما عليه. نقله البناني. ونقله الحطاب عن التوضيح عن اللخمي.
الثاني: قال البناني: قال ابن يونس عن ابن حبيب: ومن استعار دابة لركوب أو حمل ثم ردها مع عبده أو مع أجيره فعطبت أو ضلت فلا يضمن؛ لأن شأن الناس على هذا وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول وهو مأمون أو غير مأمون فذلك سواء. اهـ من أبي الحسن في شركة المفاوضة. انتهى.
ولو بشرط يعني أن العارية التي لا يغاب عليها لا يضمنها المستعير كما عرفت، وسواء اشترط المعير على المستعير الضمان أم لا، وهذا قول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل وليس عليه
стр. 6759
الضمان حاشى مطرفا، فإنه قال: إن كان شرط عليه الضمان لأمر يخافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه واشترط من أجله، وإن هلكت بغير ذلك لم يضمن. اهـ. وعليه رد المص "بلو"، وعلى أنه لا يضمن مع الشرط المذكور فقيل يمضي على العارية فلا شيء لربها، وقيل تنقلب العارية مع الشرط المذكور إجارة فاسدة تفسخ مع القيام وفيها أجرة المثل مع الفوات قال اللخمي: قال ابن القاسم في كتاب الرهن من المدونة فيمن استعار دابة على أنه غير مصدق في تلفها: شرطه باطل يريد أنها تمضي على أحكام العارية ولا ضمان عليه ولا أجر. وقال أشهب: عليه أجرة المثل فيما استعملها فيه ورءاه إجارة فاسدة، فعلى قوله: ترد قبل الاستعمال، ويجري فيها قول ثالث أن المعير قبل الاستعمال بالخيار، فإن أسقط الشرط وإلا ردت، فإن فاتت في الاستعمال لم يغرم له شيئا؛ لأنه لم يدخل على إجارة وإنما هو واهب منافع. اهـ المراد منه.
وحلف فيما علم أنه بلا سببه كسوس أنه ما فرط يعني أن المستعير إذا ادعى فيما شأنه أن يعلم أنه وقع بلا سببه في العارية كالسوس وقرض الفار أن ذلك وقع بلا تفريط منه، فإنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما فرطت، وبهذا التفسير يندفع الاعتراض عليه بأنه يقال إذا علم أنه بلا سببه فالتفريط منتف عنه، فكيف يحلف أنه ما فرط، وقوله: "وحلف فيما علم أنه بلا سببه" لخ كان مما يغاب عليه أم لا، وإذا نكل حيث توجهت عليه اليمين فإنه يغرم ولا ترد لأنها يمين تهمة، قال عبد الباقي: ويؤخذ من هذه المسألة أنه يجب عليه تفقد العارية، وكذا يجب على المودع والمرتهن ونحوهم تفقد ما في أمانتهم مما يخاف بترك تفقده حصول العيب ونحوه فيه لأن ما هنا من باب صيانة المال، فإن لم يفعل ذلك تفريطا ضمن وهذا ظاهر وقد وقع التصريح به في بعض هذه المسائل، وحيث ضمن فيضمن ما بين قيمته سليما وقيمته بما حدث فيه، وسواء كان ذلك كثيرا أو قليلا، وفي بعض التقارير أنه إن فات المقصود ضمن قيمة جميعه وإلا ضمن ما بين قيمته سليما ومعيبا. اهـ. قوله: وفي بعض التقارير لخ، قال البناني: هذا هو المنصوص عليه في المدونة، ونصها: وعليه فيما أفسد فسادا يسيرا ما نقصه وإن كان كثيرا ضمن قيمته كله إلا أن
стр. 6760
يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه فلا يضمن إلا أن يكون منه تضييع أو تفريط بيِّن فيضمن، ونحوه في تضمين الصناع.
وفي كتاب الغصب: ثم قال: وكان مالك يقول: يغرم ما نقص ولا يفرق بين قليل ولا كثير. قاله أبو إسحاق. فظهر ترجيح الأول وأن عزوه لبعض التقارير قصور، وتحصل أن المستعير للمغيب عليه إذا أتى بالبينة على الهلاك بلا تفريط منه لم يضمن، فإن لم يأت بالبينة فما شأنه أن يعلم أنه بلا سببه يحلف فيه ويبرأ، وإلا لم يبرأ إلا بالبينة على تلفه، ومثلوا لما شأنه أن يعلم أنه بلا سببه بالسوس وقرض الفار، وأما حَرْق النار فالراجح فيه أنه ليس من ذلك بل لابد فيه من معاينة البينة، وساوى اللخمي بين الفار والسوس وحرق النار في الضمان خلاف ما مر عليه المص. وبرئ في كسر كسيف إن شهد له أنه معه في اللقاء يعني أن المستعار إذا كان آلة حرب كسيف ونحوه إذا انكسر وادعى المستعير أنه ضرب به ضرب مثله، فإنه يبرأ من ضمانه بشرط أن تشهد له بينة أن السيف معه أي المستعير في اللقاء، وإن لم تعاين البينة أنه ضرب به ضرب مثله، ومثل البينة القرينة بأن تنفصل القتلى ويرى على السيف أثر الدم وما أشبه ذلك من القرائن. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. قوله: ومثل البينة قيام القرينة لخ، قال البناني: عبارة المدونة: ومن استعار سيفا ليقاتل به فضرب به فانكسر لم يضمن لأنه فعل ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت له بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء وإلا ضمن. اهـ. فقولها: إذا كانت له بينة أي على أنه فعل به ما أذن له فيه، وقوله: أو عرف يشمل بظاهره قيام القرينة كما قال أحمد، وزعم مصطفى أن المراد بقولها: عرف ثبوته بالبينة فقط، ولذا عبر ابن رشد بذلك وعزاه لها، ونصه على نقل ابن عرفة. ابن رشد: ثالثها قولها في السيف لا يصدق إلا ببينة أنه كان معه في اللقاء. اهـ. وفيه نظر. انتهى.
أو ضرب به ضرب مثله يعني أن المستعير إذا ضرب بالشيء المستعار سيفا أو فأسا أو غيره ضرب مثله فانكسر فإنه لا ضمان عليه لأنه فعل المأذون له فيه، وجعل ال تتائي أو في كلام المص بمعنى الواو فيكون في مسألة كسيف لا يبرأ إلا بأمرين، يثبت بالبينة أنه معه في اللقاء، وأنه ضرب به ضرب مثله وهذا قول سحنون، ولكن قال فيه ابن رشد: إنه أبعد الأقوال، وفي بعض