لا الأخيرة يعني أن الظهرين لا يدركان بفضل ركعة عن الأخيرة؛ أي لا يدركهما المعذور الذي زال عذره بذلك، وإنما يدركهما بفضل ركعة عن الأولى -كما مر-، وكذا العشاءان لا يدركان بفضل ركعة عن الأخيرة، وإنما يدركان بفضل ركعة عن الأولى. -كما مر- أيضًا. وقال ابن عبد الحكم، وابن الماجشون، وابن مسلمة، وسحنون: تدرك الصلاتان في المسألتين بفضل ركعة عن الأخيرة فقط؛ لأنه إذا ضاق الوقت فالذي يجب عليه الأخيرة اتفاقا، فيجب التقدير بها. قالوا: ولم تظهر فائدة الخلاف في النهاريتين لاتحاد ركعاتهما حضرا وسفرا. وأجيب بأنّه تظهر فيما إذا كانت الأولى جمعة. والله سبحانه أعلم. فلو تطهرت وهي مقيمة لأربع قبل الفجر، فعلى الأوّل تصليهما معا، وعلى الثاني تصلي العشاء فقط، ولثلاث يتفق القولان على سقوط المغرب، ولخمس فأكثر يتفقان على وجوبهما.
كحاضر سافر وقادم تشبيه لبيان ما يدرك به القصر والإتمام. كما شرحه به المواق، واختاره ابن عاشر والشيخ ميارة ونصه: ومعنى كلام المص أنَّه كما تدرك الصلاتان معا بفضل ركعة عن إحداهما، وإلا أدركت الثانية فقط، كذلك يدرك حكم السفر والحضر بفضل ركعة عن إحداهما، وإلا أدركت الثانية فيقصرها من سافر، ويتمها من قدم من سفره. انتهى. ابن الحاجب: ولو سافر لثلاث قبل الغروب فسفريتان، ولما دونها فالعصر سفرية، ولو قدم لخمس فحضريتان، ولما دونها فالعصر حضرية. انتهى. وهذا ظاهر قول المص: "سافر". وما في الأجهوري ومن تبعه تكلف. قاله الشيخ محمَّد بن الحسن.
وأثم يعني أن من أوقع الصلاة أو شيئًا منها في الضروري يأثم، وإن كان مؤديا، بناء على أن المختار إلا يدرك إلا بإيقاع جميع الصلاة فيه. كما قاله ابن راشد. وابن عبد السلام. وقال ابن هارون: يدرك بركعة، واختاره المص، وذكر صاحب التهذيب أنَّه يدرك بالإحرام، فتلك أقوال ثلاثة. ونقل اللخمي الإجماع على تأثيم المؤخر للضروري. وفي ابن عرفة: وغير ذي العذر يؤخر إليه، قال ابن محرز: ابن القاسم يكره، وأثَّمَه مؤديا، وبه فسر أشهب وابن وهب والداوودي
стр. 702
حديث: (من تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهله وماله (١))، وفسره سحنون والأصيلي والباجي بالتأخير عنه، ونقل المازري عن ابن القصار: لا يلحقه وعيد لكنه مسيء. ونقل أبو عمر عدم تأثيمه عن إسحاق والأوزاعي وغيرهما، وفي شرط جواز التأخير بالعزم على الأداء قولا القاضي مع الباقلاني، والباجي مع غيره. زروق: ورجح ابن العربي عدم الاشتراط. قاله ابن عرفة.
وفي الحطاب: اتفق أصحاب مالك على أنَّه لا يجوز تأخير الصلاة عن الوقت المختار إلى ما بعده من وقت الضرورة؛ وهو القامة في الظهر والقامتان أو الاصفرار في العصر، ومغيب الشفق في المغرب على مذهب من رأى أن لها وقتين، وانقضاء نصف الليل في العشاء الأخيرة، والإسفار في الصبح على مذهب من رأى أن لها وقتَ ضرورة فمن فعل ذلك فهو مضيع لصلاته مفرط فيما أمره الله به من حفظها ورعايتها آثم لتضييعه وتفريطه وإن كان مؤديا لها غير قاض، وأما تركها حتى يخرج وقتها فهو من الكبائر. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية. وإضاعتها على ما قال أكثر أهل العلم بالتأويل تأخيرها عن مواقيتها، والغَيُّ بير في قعر جهنم يسيل فيه صديد أهل النار. وقيل: الخسران. وقيل: الشر. انتهى.
فائدة: في الموطإ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله (٢)). انتهى. روي بنصب اللامين ورفعهما، والنصب هو الصحيح المشهور على أنَّه مفعول ثان نحو: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، والرفع على ما لم يسم فاعله. ومعنى وُتِرَ نقص، قال الخطابي وغيره: نقص أهله وماله وسلبهم وبقي وترا بلا أهل ولا مال، واختلف في معنى الفوات في هذا الحديث، فقال ابن وهب: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقيل: بغروب الشمس. وفي موطإ ابن وهب: قال مالك: تفسيره ذهاب الوقت؛ وهو محتمل للمختار وغيره، وقال الأوزاعي: فواتها أن تدخل الشمس صفرة، وقال المهلب ومن تبعه: إنما أراد فواتها في الجماعة، وقيل: إن هذا فيمن فاته صلاة العصر ناسيا، والعامد أحرى لحصول الإثم مع فوات الثواب. وقال الداوودي: إنما هو في العامد. وقوله: صلاة العصر، يحتمل أن الحديث خرج جوابا لسائل عمن
стр. 703
تفوته صلاة العصر، ولو سئل عن غيرها لأجاب بمثل ذلك، ويحتمل أن الله تعالى يخص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة، نقله سيدي محمَّد الزرقاني.
إلا لعذر يعني أن إثم من أوقع الصلاة أو بعضها في الضروري على ما مر مقيد بأن لا يكون معذورا، وأما إن كان معذورا فلا إثم عليه، واللام في قوله: "لعذر" تعليلية، وفي الحطاب أن العذر إنما يسقط الإثم خاصة لا أن فعل العبادة في وقتها وفعلها بعده سواء في الثواب، ولا إشكال أن من نام واسترسل عليه النوم أو غلبه السهو حتى مضى وقت الصلاة بالكلية أنَّه يقضي، ولا يكون أجره كأجر من صلاها في وقتها، وهذا لا نزاع فيه. انتهى. وفيه أن الحيض عقوبة على النساء في منعهن بسببه من الصلاة بالكلية، ومن الصيام في وقته. والله تعالى أعلم. انتهى. وبين المص العذر بقوله: بكفر "الباء" للسببية، يعني أن من كان كافرا وأسلم في الضروري، فإنَّه يجب عليه أن يأتي بالصلاة ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري؛ لأنه معذور بسبب الكفر الذي كان متلبسا به نسأل الله السلامة. واعلم أن المانع له في الحقيقة من الإثم إنما هو الإِسلام؛ لأنَّ الإِسلام يجب ما قبله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وإن بردة يعني أنَّه لا فرق في العذر بالكفر المذكور بين أن يكون الكفر أصليا، وبين أن يكون طارئا. - نعوذ بالله من ذلك - وجعل الكفر عذرا وإن كان أعظم من السكر ترغيبا له في الإِسلام الذي يجب ما قبله، فإذا ارتد وراجع الإِسلام في الضروري فإنَّه يأتي بالصلاة حيث كان يدرك من الوقت ركعة فأكثر، ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري.
وصِبى بالكسر والقصر، وإذا فتح مد وهو معطوف على قوله: "بكفر"؛ يعني أن الصبي إذا بلغ في الضروري فإنَّه يأتي بالصلاة حيث كان يدرك من الوقت ركعة فأكثر، ويأتي بالمشتركتين حيث كان يدرك ركعة بعد إتيانه بإحداهما على نحو ما مر في قوله: "وتدرك فيه الصبح بركعة لا أقل والكل أداء والظهران والعشاءان بفضل ركعة عن الأولى لا الأخيرة" ولا إثم على الصبي لكونه صلى في الضروري؛ لأنه معذور بالصِّبَى.
واعلم أن الصبي يجب عليه من الصلوات بالبلوغ ما أدرك وقته منها، فإذا بلغ لزمه بقدر ما بقي من الوقت ولو صلى قبل ذلك على المشهور، ولو نوى حين صلاها صبيا الفرض، خلافا للشيخ
стр. 704
عبد الكافي، فإن بلغ في أثنائها بكإنبات كملها نافلة ثمَّ صلاها فرضا إن اتسع الوقت، وإلا قطع وابتدأها. وظاهر ما في أحمد عن القرافي: القطع وإن اتسع الوقت، ولا يعيد الوضوء حيث لم ينتقض قطعا؛ لأنَّ البلوغ بكإنبات ليس من نواقض الوضوء؛ وهو ظاهر كصحة صلاة فرض من مكلف بوضوء نفل، قاله الشيخ عبد الباقي. ابن القاسم: من احتلم بعد العصر صلى الظهر والعصر وإن كان قد صلاهما. ابن رشد؛ لأنهما قبل بلوغه نفل. ابن عرفة: نَقْلُ ابنِ بشير عدم إعادتهما على المذهب لا أعرفه. انتهى. قال الحطاب: نقله ابن شاس عن السليمانية فلينظر. والله أعلم. انتهى.
وإغماء عطف على قوله: "بكفر"؛ يعني أن المغمى عليه يجب عليه أن يصلي ما أفاق في وقته، فإذا أفاق في الضروري ولم يكن صلى فإنَّه يصلي ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري لعذره بالإغماء - نسأل الله العافية - ويجري فيه ما تقدم من قوله: "وتدرك فيه الصبح بركعة لا أقل والكل أداء والظهران والعشاءان بفضل ركعة عن الأولى لا الأخيرة"، ويجري ذلك كله أيضًا في قوله: وجنون يعني أن المجنون إذا أفاق في الضروري ولم يكن صلى فإنه يصلي، ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري لعذره بالجنون. نسأل الله السلامة.
ونوم يعني أن النائم إذا استيقظ من نومه في الضروري فإنَّه يصلي، ولا إثم يلحقه من صلاته في الضروري لعذره بالنوم، وتحقيق ذلك أنَّه لا إثم على النائم قبل الوقت ولو خشي الاستغراق للوقت؛ لأنها لم تجب. وفي الحديث: (إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد (١))، وحمله مالك وجماعة على صلاة الليل لغلبة ذلك فيه، فإن جرى ذلك في صلاة الفرض وفي الوقت سعة لما يذهب نعاسه أو معه من يوقظه فليرقد، فإن ضاق وعلم فواته إن رقد صلى ما أمكنه واجتهد في تصحيح صلاته، ثمَّ إن تيقن أنَّه أدى فرضه برئ، وإلا قضاها. والظاهر أن حكم من اتسع وقته أو كان معه من يوقظه وصلى ناعسا، كذلك قاله غير واحد. ويطلب إيقاظ النائم للصلاة بمسجد أو غيره: (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي وعائشة راقدة فإذا أراد أن يوتر أيقظها
стр. 705
لتوتر (١))، قال في المواهب: فيه استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة ولا يختص بالمفروضة ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع ذلك لإدراك الجماعة وإدراك الوقت وغير ذلك من المندوبات. القرطبي: ولا يبعد أن يقال واجب في الواجب، ومندوب في المندوب؛ لأنه وإن لم يكن مكلفا مانعه سريع الزوال فهو كتنبيه الغافل واجب؛ أي فيما يجب عليه لو لم يكن غير غافل. ولم يجزم بالوجوب في النائم مع ضيق الوقت لرفع القلم عن النائم، فلو علم مريد الإيقاظ بنوم النائم بعد دخول الوقت وخشي استغراقه، وجب إيقاظه عند الشافعية. قال الشيخ علي الأجهوري: ينبغي الرجوع لمذهبهم في ذلك، ففي الرملي عن المنهاج: يسن إيقاظ النائمين للصلاة لا سيما عند ضيق الوقت، فإن عصى بنومه وجب على من علم بنومه إيقاظه، وكذا يستحب إيقاظه إذا رآه نائما أمام المصلين، أو في الصف الأوّل، أو محراب المسجد، أو على سطحه؛ أي خوف الوقوع، أو بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس؛ لأنَّ الأرض تعج إلى الله من نومه، أو بعد صلاة العصر، أو خاليا في بيت وحده؛ فإنَّه مكروه، أو نامت امرأة مستلقية وجهها إلى السماء، أو نام رجل مضطجع على وجهه؛ فإنها ضجعة يبغضها الله تعالى. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.
وفي الحطاب: وقد اختلف قول مالك فيمن يحيى الليل كله فكرهه مرة، وقال لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول الله أسوة حسنة، كان يصلي أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه. وإذا أصابه النوم فليرقد، ثمَّ رجع فقال: لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة، قال مالك: إن كان يأتيه الصبح وهو ناعس فلا يفعل، وإن كان إنما يدركه فتور وكسل فلا بأس به. انتهى. ابن رشد: أما قيام جل الليل إذا لم يوجب ذلك على الشخص أن يغلبه النوم في صلاة الصبح فذلك من المستحب المندوب إليه. واختلف قول مالك في قيام جميعه، وأما إن كان لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب عليه فذلك مكروه، قام الليل كله أو جله قولًا واحدا، لقول رسول الله ﷺ : (إذا نعس أحدكم (٢)) الحديث، فيحصل بين أمرين: إما أن يصلي على هذه الحال التي قد نهي عنها، أو يرقد فتفوته صلاة الصبح في الجماعة. وقد قال عثمان؛ لأنَّ أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب
стр. 706
إلي من أن أقوم ليلة وذلك لا يصدر إلا عن توقيف. انتهى. وقال الشيخ زروق في قيام الليل كله: قال المشايخ: واتخاذ ذلك عادة من غير حالة غالبة ليس شأن السلف. انتهى. وهذا إن أدى لفوات الجماعة فيكره، وأما إن أدى لفوات الوقت فالظاهر أنَّه يحرم، أو تشتد الكراهة. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. البرزلي: سئل عز الدين عمن لا يمكنه قرب أهله إلا بليل وإذا فعل أخر أهله الصلاة عن وقتها لتكاسلها، فهل يجوز له فعل ذلك - وإن أدى إلى إخلالها بالصلاة - أم لا؟ فأجاب بأنّه يجوز له أن يجامع أهله ليلًا، ويأمرها بالصلاة في وقت الصبح، فإن أطاعت فقد سعد وسعدت، وإن خالفت فقد أدى ما عليه. نقله الإمام الحطاب. وقال: قوله: ليلًا، يحتمل أن يكون لفظا مقصودا؛ إذ لا يجب عليها حينئذ غسل ولا صلاة فلا يترك ما وجب له لما لم يجب عليها، كما ذكره الباجي؛ أنَّه يجوز للإنسان أن ينام بالليل، وإن جوز أن نومه يبقى حتى يخرج وقت الصبح وعلى هذا فلو كان بعد الفجر فلا يمكن من ذلك حتى يخرج وقتها أو يصليها، ويكون كقوله في المدونة: ولا يطأ المسافر أهله حتى يكون معهما من الماء ما يكفيهما، ويحمل على الوجوب أو الندب. انتهى. وفهم مما تقدم أنَّه لا يجب طلاقها إذا كانت تترك الصلاة بالكلية، أو حتى يخرج وقتها الضروري؛ وهو كذلك إلا على ما لابن حبيب المكفر بترك الصلاة. وغفلة يعني أن من نسي الصلاة ولم يذكرها حتى خرج وقتها، أو ذكرها في الضروري؛ فإنَّه يصلي ولا إثم عليه لكونه صلى في الضروري أو بعده لعذره بالنسيان. واعلم أن الغفلة والنوم يمنعان من تعلق الإثم، ولا يمنعان من وجوب القضاء، بخلاف غيرهما من الأعذار، فإنَّه يمنع من وجوب القضاء. وختم الأعذار بالشرعي الحقيقي، ولشرفه بتلقيه من الشارع جعله أصلًا، فشبه به ما قبله. فقال: كحيض يعني أن إيقاع الصلاة في الضروري بسبب ارتفاع عذر من هذه الأعذار فيه لا يمنع لأنها كالحيض يرتفع عن المرأة في الضروري فتوقع الصلاة فيه، ولا إثم عليها في ذلك لعذرها بالحيض.
وفي حكم الحيض النفاس لتآخيهما في الأحكام، وليس مدخولا للكاف؛ لأنها للتشبيه. والمدخل إنما هي كاف التمثيل، وإنما كانت هذه المذكورات أعذارا لعدم تسبب المكلف في غالبها؛ وهو ما عدا الكفرَ، فلذا لا يعذر بما هو سببه، كما أشار إلى ذلك بقوله: لا سكر يعني أن من سكر بحرام
стр. 707
ولم يَصْحُ من سكره إلا في الضروري وصلَّى فيه، فإنَّه يأثم لكونه لم يوقع الصلاة إلا في ضروريها؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، ومثل السكر كل محرم مزيل للعقل. وأما الداخل عليه السكر غلبة؛ كمن شرب مباحا كلبن مثلا فسكر، فإنَّه يعذر ولا إثم عليه، فهو كالمجنون، وهذا يقتضي أنَّه لو استغرق به الوقت أنَّه تسقط عنه صلاة ذلك الوقت. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الخرشي: وأما الداخل عليه السكر غلبة كغير العالم فكالمجنون. انتهى.
والمعذور غير كافر يقدر له الطهر يعني أن ذا العذر إذا ارتفع عذره - وقلنا إنه يصلي بقدر ما أدرك من الوقت بعد زوال عذره كما مر - فإنَّه يقدر له الطهر بالماء لأصْغَرَ أوْ أكْبَرَ إن كان من أهله: وإلا فبالصعيد فإذا بلغ الصبي أو أفاق المغمى عليه أو المجنون، أو طهرت الحائض، فإنَّه ينظر، فإن بقي من الوقت قدر ما يسع ركعة أو ركعتين مع الطهارة اللازمة له، لزمته تلك الصلاة كانت صبحا أو عشاء أو عصرا، وإن بقي ثلاث ركعات بعد الطهر ففي الظهرين تلزمه الصلاتان معا إن كان مسافرا، وفي العشاءين تلزمه العشاء الآخرة فقط على المشهور، وعلى مقابله تلزمه المغرب والعشاء؛ إذ الفرض أنَّه مسافر، ولو كان مقيما لا يلزمه إلا العشاء الآخرة باتفاق القولين، وإن بقي أربع ركعات لزمته الصلاتان معا اتفاقا، فإن كان حاضرا وبقي قبل الفجر ما يسع أربع ركعات مع الطهارة اللازمة له، فعلى المشهور تلزمه المغرب والعشاء، وعلى مقابله إنما يصلي العشاء الآخرة. وقد تقدم هذا بأبسط مما هنا. والمعذور الذي يقدر له الطهر عند زوال العذر، إنما هو الصبي والمغمى عليه والمجنون والحائض والنفساء، وأما الغافل والنائم فقد مر أنهما لا يسقط عنهما وجوب قضاء الصلاة، وأما الكافر فلا يقضي إلا ما أسلم في وقته لكنه لا يقدر له الطهر؛ لأنَّ زوال المانع بيده، فإذا أسلم، وقد بقي من الوقت ركعة بلا تقدير طهارة، تخلدت الصلاة في ذمته، وسواء كان الكفر أصليا أو ردة. وقوله: "يقدر له الطهر" سواء تطهر أم لا. وقوله: "يقدر له الطهر" إنما قُدِّرَ له الطهر بالماء بقيده مع وجوب تيمم من خاف باستعماله خروج الوقت؛ لأنَّ هذا لم يتحقق هل يخاطب بالصلاة أم لا؟ ولذا إذا تحقق ذلك بأن قدر بالطهارة المائية، وعلم ما يلزمه، ثمَّ خشي خروج الوقت باستعمال الماء، فإنَّه يتيمم، ولا تعتبر طهارة الخبث مع ضيق الوقت. وقوله: "يقدر له الطهر"؛ أي فلا يقدر له استقبال، ولا ستر
стр. 708
عورة، ولا استبراء واجب فيستبرئ وإن خرج الوقت. ويصلي ما قُدِّر له إدراكه قبل الاستبراء، ولا يقدر له الطهر في مسألة الحاضر إذا سافر، والمسافر إذا قدم خلافا للخمي والقرافي وأبي الحسن. كما قاله غير واحد.
وإن ظن إدراكهما يعني أن من زال عذره في مشتركتي الوقت فتطهر، وظن أنَّه يدركهما معا فأحرم بالأولى منهما فلما ركع منها ركعة، أو مضى قدرها ولم يكن أحرم فخرج الوقت بغروب شمس أو طلوع فجر، أضاف إليها أخرى وخرج عن شفع وقضى الصلاة الأخيرة في مسألة المصنف، وكذا يقضي الأخيرة في المسألة التي زدتها. وقوله: "قضى الأخيرة" أي فقط، وكذا الحكم لو ظن إدراكهما فأحرم بالأولى، فلما عقد ثالثتها خرج الوقت، فإنَّه يأتي برابعة ويقضي إِلأخيرة فقط؛ لأنَّ الوقت إذا ضاق يختص بالثانية، ويشمل المصنف المسألة التي زدتها إذا قلنا إن المراد ركع حقيقة أو حكما؛ بأن يمضي مقدار ذلك ولم يكن أحرم. وهذا الذي مشى عليه المصنف هو رواية عيسى عن ابن القاسم، خلافا لأشهب وابن حبيب أن له القطع.
واعلم أن هذا الحكم؛ أي كونه يقضي الأخيرة فقط ثابت، ولو خرج الوقت عقب ما صلى الأولى بتمامها أو مضى قدر ما يسعها بتمامها، فالمدار على ما بان فهو المعمول عليه. ابن عرفة: سمع سحنون أشهب: لو قدرت خمسًا فصلت الظهر فغربت الشمس قضت العصر، ولو غربت لصلاتها ركعة أو ثلاثا ففي تشفيعها بنية النفل ثمَّ تصلي العصر، وسعة قطعها على وتر نقل الشيخ سماع عيسى عن ابن القاسم، وقول أصبغ، وإن ظن إدراك العصر فقط، فلما فرغ منه بقيت فضلة صلى الظهر، واختلف هل يعيد العصر أو لا، والذي في العتبية عدم الإعادة. قاله الشيخ محمَّد بن الحسن. ولو علم قبل خروج الوقت أنه إن كمل ما هو فيه خرج الوقت، وجب القطع وصلى الثانية بلا خلاف، والظاهر أنَّه يخاطب بالثانية إن ظن إدراك إحداهما وشك في إدراك الأخرى، فإن بان أنه يخاطب بالأولى أتى بها ولا إثم عليه فيما إذا أتى بها بعد خروج الوقت، ولو شك هل يدرك واحدة أو لا يدرك شيئًا؟ فالظاهر أنَّه يصبر، ولو خرج الوقت حتى يتبين له شيء فيعمل عليه، ولا إثم عليه إذا تبين أنَّه يلزمه شيء بعد خروج الوقت لأنه معذور. قاله الشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الباقي. ولما قدم المصنف أن المعذور يقدر له الطهر، كان مظنة سؤال وهو:
стр. 709
هل يقدر له الطهر ولو تكرر؟ فأجاب عن ذلك بمسألتين، وجمع معهما ثالثة تشاركهما في الحكم. فقال: وإن تطهر فأحدث يعني أن من تطهر من ذوي الأعذار بعد أن زال عذره فأحدث غلبة أو نسيانا أو عمدا فتطهر ثانية، ثمَّ شرع في الصلاة فخرج الوقت فإنَّه يقضي بقدر ما فاته بالتطهر الثاني؛ لأنَّ العبرة بالتقدير الأوّل.
أو تبين عدم طهورية الماء يعني أنَّه إذا زال عذره فتطهر فلما تطهر تبيّن عدم طهورية الماء، فإنَّه يلزمه ما يدركه بعد استعمال ذلك الماء الذي تبيّن عدم طهوريته، فإذا تطهر ثانيا فخرج الوقت، فإنَّه يقضي ما فاته بهذا الطهر الثاني؛ لأنَّ العبرة بالتقدير الأوّل. هذا قول سحنون ابن الحاجب: وهو الأصح، وقال ابن القاسم: لا قضاء عليه، وصدر به ابن شأس، ولم يذكر في توضيحه ترجيحا، وتبعه في الشامل فذكر القولين بغير ترجيح، ودرج هنا على ما صححه ابن الحاجب.
أو ذكر ما يرتب يعني أن من زال عذره فتطهر، فلما تطهر ذكر ما يجب ترتيبه مع الحاضرة التي أدركها بعد زوال العذر؛ وهو يسير الفوائت كما يأتي، فلما أتى به خرج الوقت، فإنَّه يلزمه القضاء بقدر ما أفاته فعل يسير الفوائت، فقوله: فالقضاء جواب عن المسائل الثلاث؛ أي يجب عليه القضاء على حسب التقدير الأوّل، ولا عبرة بما استغرق الوقت من طهارة ثانية في المسألتين الأوليين أو يسير الفوائت في الثالثة. وقد تقدم أنَّه يتيمم إن ضاق الوقت عن استعمال الماء بعد أن عرف ما يلزمه في التقدير.
وأسقط عذر حصل يعني أنَّه إذا طرأ عذر من الأعذار المتقدمة الممكن طروها كالكفر بالردة والإغماء والجنون والحيض، لا كالصبا؛ فإنَّه يسقط من الصلاة بقدر المدرك عند زوال العذر، فإذا حصل الإغماء أو الجنون أو الحيض أو الردة - نعوذ بالله منها ومن الجميع - بقدر ما يسع ركعة أو ركعتين، سقطت تلك الصلاة المدرك ذلك من وقتها، وإن بقي أكثر مما توقع فيه الأخيرة من المشتركتين بركعة فأكثر سقطتا معا. والحاصل أن إتيان العذر في وقت مشترك يسقطهما معا، وأن إتيانه في وقت مختص يسقط الثانية، وأما الأولى فتتقرر في الذمة فتجب بعد زوال العذر وهذا في المشتركتين، وأما الصبح فيسقطها إتيان العذر حيث بقي من وقتها قبل طلوع الشمس ما يسع
стр. 710
ركعة فأكثر. وبالله تعالى التوفيق. غير نوم يعني أن النوم لا يسقط به وجوب قضاء صلاة ولو استغرق الوقت بل ولو نام دهرا طويلًا.
ونسيان أي وكذا لا يسقط وجوب قضاء الصلاة بنسيانها، ولو نسي صلوات سنين كثيرة؛ فإنَّه يلزمه قضاؤها. وبما قررت علم أن قوله: المدرك مفعول قوله: "وأسقط". قال الشيخ عبد الباقي: ويقدر الطهر في جانب السقوط على المذهب، كما يقدر في جانب الإدراك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع في هذا الأجهوري، وتعقبه الرماصي بأن تقدير الطهر في جانب السقوط إنما هو اختيار اللخمي، ولما نقله في التوضيح قال: لم أره لغيره، وكذا قال ابن فرحون: ولم يذكره ابن شأس ولا ابن الحاجب ولا ابن عرفة، فكيف يكون المذهب ما اختاره اللخمي فقط؟ وقد قال عياض: للخمي اختيارات خرج بكثير منها عن المذهب. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وذكر الأجهوري تقدير الطهر في جانب السقوط أيضًا وَرُدَّ. انتهى. وإنما كان النوم والنسيان لا يسقطان وجوب قضاء الصلاة لقوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، ولخبر: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها فذلك وقتها (١))، وقوله: "وأسقط عذر حصل" الخ؛ يعني ولو أخر ذو العذر الصلاة عامدا حتى حصل العذر كما يقصر المسافر، ولو أخر الصلاة عامدا.
ولما أنهى الكلام على الأوقات وعلى إثم المؤخر عن الاختياري لغير عذر إلى الضروري وأولى عنهما، وكان الإثم فرع التكليف، كان مظنة سؤال سائل: هذا حكم المكلف فما حكم غيره؟ فأجاب بقوله: وأمر صبي بها لسبع يعني أن الصبي يندب لوليه أن يأمره بالصلاة عند الدخول في السنة السابعة، وذلك وقت الإثغار، هذا هو المشهور، ومقابله أنَّه يجب على الوليّ أن يأمره بها. وقوله: "بها" أي بالصلاة المفروضة، ويحتمل قوله: "وأمر صبي" أن معناه أمر الشارع بالصلاة، كما أمر الولي أن يأمره. ومبنى ذلك هل الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء أو لا؟ الصحيح الأوّل كما قال القرافي، واختار ابن الحاجب وابن السبكي الثاني؛ إذ هو الحقيقة. والأول تجوز، وعليه فالشارع أمر الوليّ أن يأمر الصبي بما ذكر.
стр. 711
وقد مر أن الصحيح أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء؛ وهو الذي اختاره ابن رشد، فقال: والصواب أن الوليّ والصبي مندوبان مأجوران لقوله ﷺ : (للمرأة الخثعمية التي أخذت بضبعي الصبي وقالت: ألهذا حج؟ قال نعم، ولك أجر (١)). انتهى. وقال القرافي: الحق أن البلوغ ليس شرطا في الخطاب بالندب والكراهة خلافا لمن زعمه، إنما هو شرط في التكليف بالوجوب والحرمة. انتهى. واستدل من قال المأمور الوليّ فقط بالخبر: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع (٢)). فقال: لا ثواب للصبي على فعله. وإنما أمر بالعبادة على سبيل الإصلاح كرياضة الدابة لحديث: (رفع القلم عن ثلاث (٣))، وعليه فقيل: ثوابه لوالديه، قيل: على السواء، وقيل: ثلثاه للأم. الجزولي: ويرده حديث: (إن الصبيان يتفاوتون في الدرجات في الجنة على قدر أعمالهم في الدنيا كما تتفاوت الكبار))، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. انتهى. ابن راشد: الصحيح من الأقوال أن الصغير لا تكتب عليه السيئات، وتكتب له الحسنات. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "لسبع" اللام بمعنى: عند؛ أي عند الدخول فيها كما مر.
وضرب لعشر يعني أن الوليّ يندب له أن يضرب الصبي على الصلاة عند الدخول في السنة العاشرة، واللام في قوله: "لعشر" بمعنى عند، كاللام في قوله: "لسبع"، فلا يعتبر وسط السنة ولا آخرها، بل يضرب عند الدخول فيها كما علمت. هذا هو الصحيح في المسألة. وهي نظير قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي عند مَيَلَانِهَا عن كبد السماء. وفيه: صلاة الظهر وصلاة العصر، وقال الزرقاني في قوله: لسبع؛ أي عند تمامها. وقوله: "وضرب لعشر"؛ أي ضربا مؤلما غير مبرح من ضربة إلى ثلاث إلى عشر، أو أزيد لاختلاف حال الصبيان في الانزجار إن ظن إفادته وإلا ترك؛ لأنَّ الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع، وَعُدِمَ انزجاره بوعيد أو
стр. 712
تقريع بغير شتم وإلا فلا يضرب، ومنع بشتم، وفي الحديث عنه ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع (١)) رواه أبو داوود، وفي رواية الترمذي: (علموا الصبي الصلاة ابن سبع واضربوه عليها ابن عشر (٢))، وعن شبرة بن معبد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها (٣)). رواه أبو داوود، وشبرة بفتح الشين المعجمة وسكون الموحدة، والجهني بضم الجيم نسبة إلى جهينة. وروى أبو داوود: (يؤمر بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله (٤))، وروى ابن وهب أن النبي ﷺ قال: (مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع (٥)). انتهى. وفي المدونة: ويؤمر الصبيان بالصلاة إذا أثغروا. انتهى. ويقال: أثغر الصبي بسكون المثلثة إذا سقطت أسنانه، وإذا نبتت، والمراد هنا المعنى الأوّل؛ لأنه هو الذي يقع عند الدخول في سبع سنين كما علمت. واختلف في الوقت الذي يؤمر فيه بالصلاة فقال يحيى بن عمر: إذا عرف يمينه من شماله. وسبب الخلاف: اختلاف الأحاديث، والتفرقة مندوبة عند العشر على الراجح، وإن كان لابن وهب: وقيل عند السبع، فالراجح أنها راجعة لآخر الحديث، وقيل: لأوله، وهو لابن القاسم، وهي مطلوبة، ولو بين أخوين أو أختين، أو أخ وأخت، وكذا بين صبي مطلقا وأبويه، وهل تحصل وعلى كل واحد ثوب حائل؟ ولو كانوا على فراش واحد؛ وهو لابن حبيب، أو يفرش لكل واحد فراش على حدة، وهو يقتضي أن يكون لكل واحد غطاء؛ وهو للخمي. وعبارة الخرشي: ومعنى التفرقة عند ابن حبيب أن لا يتجرد أحد منهم مع أبويه ولا مع إخوته ولا مع غيرهم إلا وعلى كل واحد منهم ثوب حائل. وعند اللخمي: يفرش لكل واحد فراش على حدة سواء كانوا ذكورا أو إناثا أو مختلفين. الشادلي: والتفرقة بينهم على جهة الاستحباب مخافة ما
стр. 713
يقع من الالتذاذ، ويأنسوا بذلك بعد بلوغهم، وكذلك بين الولد وأمه إذا بلغ عشرة أعوام ذكرا كان أو أنثى. انتهى.
وقال عبد الباقي: وكره لولي تركهما وجعلهما متلاصقين بعورتيهما، وظاهره: ولو مع قصد لذة أو وجودها؛ لأنَّ لذتهما كلا لذة. انتهى. وقال الشيخ محمَّد بن الحسن: فيه نظر، بل الظاهر أنَّه يجب على وليه منعه حينئذ، كما يجب عليه منعه من أكل الميتة، وكل ما هو معصية في حق البالغ كشرب الخمر. قاله أبو علي، وغيره. انتهى. ويحرم تلاصق بالغين بعورتيهما بغير حائل مطلقا؛ قصدا اللذة، أو وجداها، أو قصدا ووجدا، أو لا قصدا ولا وجدا. فتلك أربع صور. كبحائل مع قصد لذة أو وجودها، ولو من أحدهما، وتختص به الحرمة لا بدون قصد، ووجود فمكروه. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: بل الظاهر الحرمة للمظنة ويكره أيضًا تلاصقهما بغير عورتيهما مع غير حائل إلا لقصد أو وجدان فيحرم فيما يظهر، وجاز بحائل، والنظر حرام، ولا فرق بين الرجلين والمرأتين؛ لأنَّ عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل على المذهب. والأصل في ذلك خبر أبي داوود عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم -: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد (١)). وظاهر الحديث جواز اجتماع الرجلين أو المرأتين في كساء واحد حيث يكون وسط الكساء حائلا بينهما حيث لم ير واحد منهما عورة صاحبه ولا مسها، ومن هذا يؤخذ جواز اجتماع الرجلين في ماء مستحم واحد حيث لم ير واحد منهما عورة صاحبه ولا مسها، ويأتي في ستر العورة، "فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين". قاله الشيخ عبد الباقي. وجعل ابن ناجي في شرح المدونة القول بأنّه يؤمر بها إذا أثغر مغايرا للقول بأنّه يؤمر بها لسبع، قال: لأنهم ذكروا مغايرتهما في باب التفرقة بين الأم وولدها. قال الإمام الحطاب: والظاهر من كلامهم هنا أنهما قول واحد. فتأمله. انتهى. وقد مر أن البلوغ ليس شرطا في الندب
стр. 714
ولا في الكراهة، وأما التمييز فهو شرط في جميع الأحكام إجماعا، فالصبي قبل التمييز كالبهيمة لا يخاطب بإباحة فضلا عن غيرها. قاله الحطاب.
واعلم أن التكليف هو إلزام ما فيه كلفة، وفي الحطاب الخلاف في المراهق، فقيل: إنه لا يؤاخذ بذنب ولا يثاب على طاعة، وقيل: إنه يثاب على الطاعة. انتهى. وقد علمت أن الراجح أنَّه تكتب له الحسنات ولا يعاقب على الذنوب، وفي الحطاب أنَّه اختلف في ثواب صلاة الصبي، فقيل: له، وقيل: لوالديه وله، وقيل: لوالديه ويكون بينهما نصفين، وقيل: الثلث للأب والثلثان للأم، وقيل: إنما يكون للصبي. والحديث يرد على من يقول إنه لوالديه؛ لأنه قال في الحديث: (إن الصبيان يتفاوتون في الدرجات في الجنة على قدر أعمالهم في الدنيا كما يتفاوت الكبار))، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. انتهى. وقد مر أن تأديب الصبيان يعتبر فيه حالهم، وقال بعضهم: يضربون على الصلاة ثلاثة أسواط، وعلى الألواح خمسة. وعلى السب سبعة، وعلى الهرب عشرة، ويكون ذلك بسوط لين، زاد الشيخ يوسف بن عمر: فإن زاد اقتص منه. نقله الإمام الحطاب. وقد مر الحديث: يؤمر بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله، فقيل: بظاهره، وقيل: إذا ميز الحسنات؛ لأنَّ كاتب الحسنات عن يمينه، وكاتب السيئات عن شماله. ذكر التأويلين التادلي. قاله الإمام الحطاب. وروي عن مالك أنهم يضربون لسبع؛ وهو في سماع أشهب، وتأول بعضهم الحديث على أنهم يؤدبون بغير الضرب قبل العشر، وعند العشر يضربون. وقال أشهب: فإن زاد المؤدب عن ثلاثة اقتص منه.
تنبيه فإن تلاصق بالغ وغيره بعورتهما من غير حائل أو بحائل، فإنَّه يجري الحكم في البالغ على ما مر ولا حرمة على غيره، وإنما يكره له ذلك إن كان ممن يؤمر بالتفرقة. قاله الشيخ الخرشي. والشبراخيتي، وقال الشيخ الأمير: وكره تلاصقهم؛ أي الصبيان، وإن بلذة بالعورة فإنهم يخاطبون بها، وبالندب على التحقيق، والظاهر حرمة إقرارهم من الولي؛ لأنه يجب عليه إصلاح حالهم كبالغ، وإن بعورة فوق حائل بدون لذة، وإلا حرم. انتهى. قوله: "كبالغ" تشبيه في الكراهة، وقوله: وإن بعورة فوق حائل، ما قبل المبالغة غير العورة كالصدر لا اليد مطلقا؛ أي بحائل أو بغيره، وقوله: وإلا معناه بأن كان بلذة أو بعورة مباشرة. قاله في تقييده.
стр. 715
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن كلامه أعني؛ قوله: كبالغ، حيث كان في الذكرين فقط أو الأنثيين فقط. والله سبحانه أعلم. ولما أنهى الكلام على أوقات الصلاة الخمس - وسيأتي أنَّه يجوز إيقاعها في كل وقت كما سيأتي في باب قضائها - أشار إلى الأوقات التي يمنع فيها النفل بقوله: ومنع نفل وقت طلوع شمس يعني أنَّه يمنع النفل الشامل للسنن المؤكدة عند طلوع الشمس؛ أي يمنع من الوقت الذي يبدو فيه أدنى جزء منها إلى أن يبدو جميعها، فينتهي المنع، وتخلفه الكراهة إلى أن ترتفع قيد رمح كما يأتي. والمراد بالنفل ما قابل الفرض الوقتي فيشمل الجنازة، وقضاء النفل المفسد، وكذا المنذور قيد نذره بوقت منع أو كراهة، لقوله: وإنما يلزم به ما ندب أو أطلقه أو نذر صلاة يوم بعينه فيمنع نفله وقت منع، ولا قضاء عليه. كما قاله ابن عرفة. ومقتضى ما ذكره الزرقاني أن المنذور لا يصليه في وقت المنع، ويصليه في وقت الكراهة. وسيأتي أن السجود البعدي تلافيه بحسب ما ترتب عنه.
وغروبها أي وكذلك يمنع النفل بالمعنى المذكور عند غروب الشمس؛ أي بعد غيبوبة أدنى جزء منها ويستمر المنع لغيبوبة جميعها، فإذا غاب جميعها انتهى وقت المنع، وتعود الكراهة إلى أن تُصلَّى المغرب. كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: (إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب (١))، وفيه: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع على قرن شيطان وتغرب على قرن شيطان (٢))، ومعنى قرنه: قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا الأمر؛ أي مطيق له قوي عليه، وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات، وقيل: قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس، وقيل: إن الشيطان يقابلها عند طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه؛ وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له. انظر شرح سيدي محمَّد الزرقاني.
стр. 716
وخطبة جمعة يعني أن النفل بالمعنى المتقدم يمنع وقت الشروع في خطبة الجمعة، وسيذكر منعه قبله أيضًا بقوله عاطفا على الممنوع: وابتداء صلاة بخروجه وإن لداخل، والمراد بالخطبة الجنس فيشمل الخطبتين، وانظر لو جلس على المنبر قبل الزوال، هل يحرم النفل بدخول وقت الخطبة، أو بالقيام لها، أو بالأذان؟ والظاهر الحرهة بمجيء الوقت الذي يخرج فيه لو كان بمحل آخر. ومفهوم قوله: "جمعة" أن النفل وقت خطبة غير الجمعة لا يمنع وهو كذلك، فيكره فيما يظهر. ويأتي في العيد أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام تندب له إقامتها؛ أي صلاة العيد، فإن جاء والإمام يخطب جلس ولم يصلها وقت الخطبة، وسواء كان في المصلى أو في المسجد. وقال الإمام مالك: وليس من تكلم فيها؛ أي في خطبة العيد كمن تكلم في خطبة الجمعة، ويمنع النفل أيضًا عند ابتداء إقامة، وضيق وقت عن فرض، وتذكر فائتة. وإنما منع النفل عند خطبة الجمعة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ولخبر: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت فقد لغوت (١))؛ أي أثمت، مع كونه أمرًا بمعروف لاشتغاله عن سماع الخطبة فالصلاة أولى، ولخبر الرجل الذي تخطى رقاب الناس عند دخوله وهو ﷺ يخطب، فقال له: (اجلس فقد آذيت (٢))، ولم يأمره بركوع. هذا هو الذي عليه عمل أهل المدينة. وقيل: إن الركوع للداخل أولى، واستدل له بقضية سليك الغطفاني: (إذ أمره ﵊ بالركوع (٣)).
وكره بعد فجر يعني أن النفل بالمعنى المتقدم يكره بعد انصداع الفجر، ولو لداخل مسجد، وأجازه اللخمي لداخله إلى أن تقام الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: لم يخصصه اللخصي بالداخل ونصه ولا بأس بالتنفل بعد غروب الشمس إلى أن تقام الصلاة وكذلك بعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة أيضًا. نقله الحطاب. انتهى. والمراد بالنفل هنا ما
стр. 717
يشمل الجنازة، وقضاء النفل المفسد، والنفل المنذور قيده بوقت منع أو كراهة أو أطلقه، وكذا لو نذر صلاة يوم بعينه، ويلحق السجود البعدي بأصله، فإن كان من فرض فعل بوقت نهي، وإن كان من نفل اتقي بوقت نهي رعيا لأصله.
وفرض عصر يعني أن من صلى العصر يكره له أن يتنفل بعدها لا بعد أذانه، ولا بعد صلاة غيره للعصر. كما أفاد ذلك بقوله: "فرض" فقد علمت أنَّه لا بأس بالنفل لمن لم يصل العصر، والحال أند قد صلاه غيره. والله سبحانه أعلم.
إلى أن ترتفع قيد رمح راجع لقوله: "بعد فجر"؛ يعني أن النفل يكره بعد انصداع الفجر، وتستمر الكراهة إلى أن يبدو أدنى جزء من الشمس، فيحرم النفل عند بدو ذلك الجزء، وتستمر الحرمة إلى أن يكتمل طلوع الشمس بحيث تبدو كلها، فإذا بدا جميعها عادت الكراهة، وتستمر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح؛ أي يكون بينها وبين المحل الذي طلعت منه قدر رمح من رماح العرب في رأي العين. والرمح من رماح العرب اثنا عشر شبرا بشبر متوسط، وفي بعض الأحاديث: (وتزول منها الحمرة (١))، وهو تفسير لارتفاعها قيد رمح.
وتصلى المغرب راجع لقوله: بعد فرض عصر؛ يعني أن من صلى العصر يكره له التنفل بعدها إلى أن يغيب أدنى جزء من الشمس بخروج الغاية؛ أي فيحرم النفل بعد غيبة ذلك الجزء، وتستمر الحرمة حتى تغيب كلها، فإذا غاب جميعها عادت الكراهة إلى أن تصلى المغرب، وفي وقوف داخل مسجد بعد الغروب، وقبل الإقامة حتى تقام الصلاة خروجا من الخلاف، وجلوسه قولان مرجحان، والمعتمد جواز صلاة الجنازة، وسجود التلاوة بعد الغروب وقبل صلاة المغرب، صرح بالأول في المدونة، وبالثاني أحمد عن ابن بشير. وفي الشبراخيتي عن القرطبي ما نصه: ويذكر أن مالكا ﵀ دخل المسجد بعد صلاة العصر فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ قم فاركع، فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهبه، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. انتهى. وقال الأمير: ومنع دخول على غير الخمس ولو نذرا أو قضاء نفل مفسد بطلوع وغروب وتوجه خطيب للمنبر. انتهى. قال في تقييده عند قوله: ومنع دخول لا تشفيع من أمر بقطع فريضة؛ لأنه لم يدخل على النفل.
стр. 718
إلا ركعتي الفجر استثناء من قوله: "وكره بعد فجر"؛ يعني أنَّه يكره التنفل بعد انصداع الفجر إلا ركعتي الفجر وإلا الشفع والوتر، ولا يشترط فيهما ما يشترط في الورد. والوِرْدَ عطف على قوله: "إلا ركعتي الفجر"، مستثنى من قوله: "وكره بعد فجر" أيضا؛ يعني أن الورد الليلي لا بأس بإيقاعه بعد الفجر، قبل صلاة الفرض يعني الصبح. وكون الورد الليلي يفعل قبل صلاة الصبح وبعد انصداع الفجر، إنما هو لنائم عنه أي لمن عادته تأخيره ونام عنه غلبة، ولم يخش به فوات جماعة ولا إسفارا فيفعله بهذه الشروط الأربعة، وتعقب ظاهر المدونة من فعله بعد الإسفار، ومثل النوم النسيان، فلوأخره عمدا لم يصله على المشهور، وكذا لو خشي بتشاغله به فوات الجماعة.
وجنازة عطف على قوله إلا ركعتي الفجر إلا أنَّه مستثنى من المسألتين، أعني قوله بعد فجر وفرض عصر، يعني أن صلاة الجنازة التي لم يخش تغيرها لا تكره بعد الفجر ولا بعد صلاة العصر.
وسجود تلاوة يعني أن سجود التلاوة لا يكره بعد الفجر، ولا بعد صلاة العصر. قبل إسفار يعني أن صلاة الجنازة التي لم يخش تغيرها، وسجود التلاوة إذا قلنا إنهما لا يكرهان بعد انصداع الفجر فإنما ذلك فيما قبل الإسفار، وأما في الإسفار فإنهما يكرهان. ويرجع قوله: "قبل إسفار" للورد أيضًا.
واصفرار يعني أن الصلاة على الجنازة التي لم يخش تغيرها، وسجود التلاوة وإن قلنا إنهما لا يكرهان بعد صلاة العصر فإنما ذلك فيما قبل الاصفرار، وأما في الاصفرار فإنهما يكرهان. فتحصل من هذا أن فعلهما في الإسفار والاصفرار مكروه لا ممنوع، وأما فعلهما عند الطلوع وعند الغروب وعند خطبة الجمعة فهو ممنوع، ولو صلى على جنازة بوقت كراهة لم تعد مطلقا كبوقت منع عند أشهب؛ وهو أبين. قاله في الطراز. وقال ابن القاسم: تعاد إن لم تدفن، ومحل منعها وكراهتها وقتَهما إن لم يخف تغيرها بالتأخير، وإلا جازت الصلاة عليها بلا خلاف فتلك ثمان صور: أربع منها لا تعاد فيها وأربع لا تعاد في ثلاث منها، والرابعة اختلف فيها. كما علمت. وظاهر ما تقدم أن الصلاة على الجنازة التي لم يخف تغيرها وسجود التلاوة يكرهان بعد
стр. 719
الغروب، وقبل صلاة المغرب. قال الشبراخيتي: وقد صرح ابن بشير بجواز سجود التلاوة حينئذ، ولم ينبه المصنف على النفل بعد صلاة الجمعة، وظاهر المذهب الكراهة؛ وهي لكل مصل إلى أن ينصرف على المنصوص. فلو كان غريبا، أو لا بيت له، أو يريد انتظار صلاة العصر، فهل إلى خروجه من باب ودخوله من آخر، أو انتقاله من مكانه، أو طول مجلسه، أو حديثه بما يسوغ الكلام به؟ أقوال، ولا تكره الصلاة وقت الاستواء على المشهور. قاله الشيخ إبراهيم.
قال جامعه عفا الله عنه: ومراده بوقت الاستواء، الوقت الذي تتوسط الشمس فيه كبد السماء، وهو وقت القيلولة. وفي الحطاب عند قول المصنف: وإسراع تجهيزه إلا الغرق، ما نصّه: وفي النسائي من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب (١)). وقال سيدي محمَّد الزرقاني: قال الجمهور والأئمة الثلاثة بكراهة الصلاة عند الاستواء، وقال مالك بالجواز مع روايته الحديث الذي فيه: (إذا استوت قارنها (٢))، للعمل الذي ذكره أنَّه أدرك الناس وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار.
وقطع محرم بوقت نهي يعني أن الشخص إذا أحرم بالنافلة في وقت نهي فإنَّه يقطع وجوبا إن أحرم بوقت منع، وندبا إن أحرم بوقت كراهة قال الشيخ الأمير: وتعبيري بالقطع المشعر بالانعقاد تبع للأصل. وبنى عليه بعضهم الثواب من غير جهة المنع؛ أي من حيث كونها عبادة، لا من حيث وقوعها في زمن المنع. وقيل: لا ينعقد، وهذا في المحرم بوقت منع. وأما المحرم بوقت كراهة فهي منعقدة في حقه اتفاقا. كما قاله الشبراخيتي. وقوله: "وقطع محرم بوقت نهي"؛ أي لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بما نهى عنه، ولا قضاء عليه لأنه مغلوب على قطعها. قال الشيخ عبد الباقي: وشمل قوله: "محرم" إحرامه فيها عامدا أو جاهلا أو ساهيا، ثمَّ تذكر وعلم فيها بأنّه وقت نهي؛ وهو كذلك في سائر الأوقات، إلا من دخل يوم جمعة والإمام يخطب
стр. 720
فأحرم بنفل جهلًا أو نسيانا، فلا يقطعه لقوة الخلاف في أمر الداخل والإمام يخطب بالنفل، وزاد العذرَ بخلاف غير الجمعة. انتهى.
وقوله: "وقطع محرم" الخ؛ يعني بنفل مدخول عليه، وإلا فلا كمن ذكر أنَّه صلى العصر بعد انعقاد ركعة منها فإنَّه يضيف إليها ركعة، ويخرج عن شفع، وان تذكر قبل انعقاد ركعة قطع. وقوله: "بوقت نهي" ظاهره، ولو بعد ركعة كما هو البخاري على التعليل. وأما بعد ركعتين فلا ينبغي شموله له لخفة الأمر بالسلام، ولو قال: وقطع مصل، لشمل سجود التلاوة مع أنَّه يشمله كلامه؛ لأنَّ المراد بالمحرم هنا من دخل في حرمات العبادة، لا من كبر تكبيرة الإحرام. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير: ومن أحرم فدخل وقت النهي أتم بسرعة.
تنبيهات: الأوّل: علم من كلام المصنف أن أوقات النفل ثلاثة أقسام وقت تحريم، ووقت كراهة، ووقت جواز، وبين القسمين الأولين، فعلم أن الثالث ما عداهما. وعلم من كلامه أيضًا أن الفرض لا يمنع في هذه الأوقات، وهو كذلك، فمن ذكر صلاة فرض صلاها متى ما ذكرها، ولو كان ذلك عند طلوع الشمس أو عند غروبها، وكذلك إذا ذكر منسية والإمام يخطب فإنَّه يصليها، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله - في فصل الجمعة. قاله الإمام الحطاب.
الثاني: كلام أهل المذهب صريح - كما علمت - في أن النفل يجوز وقت القائلة، وقد مر قريبا عن الإمام الحطاب عن النسائي من حديث عقبة بن عامر الجهني قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب (١)). وقد مر ما يفيد الجواب عنه.
الثالث: إن قيل لِمَ لمْ يذكر المصنف في الأوقات التي تحرم فيها النافلة ما إذا أقيمت الصلاة المفروضة؟ فالجواب - والله أعلم - أنَّه إنما لم يذكره لأنَّ المنع من النافلة حينئذ ليس لخصوصية الوقت، وإنما هو لأمر آخر؛ وهو الاشتغال بالصلاة المفروضة التي أقيمت، وليلا يؤدي إلى الطعن
стр. 721
على الإمام. ألا ترى أن المنع ليس خاصا بالنافلة، بل يحرم حينئذ الاشتغال بغير الصلاة التي أحرم بها الإمام؟ ومثل هذا تنفل من أخر الصلاة حتى خاف خروج وقتها، وتنفل من عليه فوائت فالمنع من النفل ليس راجعا إلى الوقت، وإنما هو لأمر آخر فإن قيل وكذلك المنع في خطبة الجمعة ليس لخصوصية الوقت وإنما هو لأجل الاشتغال عن سماع الخطبة؟ فالجواب - والله أعلم - أنَّه لما كان وقت خطبة الجمعة منه منضبطا متكررا في كل جمعة، وكان المنع فيه من النفل فقط، أشبه الوقت الذي يمنع فيه النفل. فتأمله. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
الرابع: يستثنى من المنع في الأوقات المذكورة من قرب للقتل على أحد القولين، فروى الوليد بن مسلم عن مالك الجواز، وروى عنه ابن نافع المنع. قاله الإمام الحطاب. وكان ابن عرفة رحمه الله تعالى يصلي بعد صلاة العصر، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أفعله يوم يفوتني معتادي من صلاة النهار. قاله الحطاب.
الخامس: وقع في شرح الشيخ عبد الباقي أن قول المصنف: "قبل إسفار" يرجع للشفع والوتر، قال كما ينص عليه بقوله: "وإن لم يتسع الوقت إلا لركعتين" الخ؛ وهو وهم أو تصحيف؛ لأنَّ ما يأتي حجة عليه لا له. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن.
ولما أنهى الكلام على الأزمنة، أتبعه بالكلام على الأمكنة. فقال: وجازت بمربض بقر يعني أن الصلاة تجوز بمربض البقر؛ أي مراحه. والمربض كمقعد ومجلس؛ فهو بفتح الباء وكسرها. أو غنم أي وكذلك تجوز الصلاة بمربض الغنم، لخبر البخاري: (كان ﷺ يصلي في مرابض الغنم (١))، وفيه استعمال المربض للغنم، ونحوه للجوهري، فقول ابن دريد: يقال في الغنم مراح لا مربض، والمربض للبقر مردود بالخبر وبما للجوهري، قاله الشيخ عبد الباقي. والمربض اسم مكان من الربوض؛ بمعنى البروك. ابن هلال: ويجوز المرور في الأرض المغصوبة والصلاة فيها إن كانت فحصا غير محدَّق عليها بجدار ونحوه، وإلا لم يجز، ولو لزم ترك الصلاة في الفحوص
стр. 722
المغصوبة وجب على المصلي أن يستأمر أربابها إن لم تغصب، والصلاة في أرض المسلمين بغير إذنهم بلا خلاف. انتهى.
كمقبرة تشبيه في الجواز؛ يعني أن الصلاة تجوز في المقابر وإن لم يجعل بينه وبينها حائلًا. وفي المدونة: وجائز أن يصلي في المقبرة وعلى الثلج وفي الحمام إذا كان مكانه طاهرا، وجائز أن يصلي في مرابض البقر والغنم. قال ابن ناجي: ظاهره وإن كانت مقابر الكفار وهو كذلك، ويريد ما لم تظهر أجزاء الموتى؛ لأنَّ مذهبه نجاسة الميت. واختلف في المسألة فقيل: تجوز الصلاة فيها مطلقا إذا أمن أجزاء الموتى وهو المشهور، وقيل: تكره مطلقا. رواه أبو مصعب. وقال عبد الوهاب: تكره بالجديدة ولا تجوز بالقديمة إن نبشت إلا أن يبسط طاهرا عليها، وتكره في مقابر المشركين من غير تفصيل، وقيل: لا بأس بالجديدة، وتكره القديمة. قاله ابن الجلاب. وقيل: تجوز بمقابر المسلمين، وتكره بمقابر المشركين. قاله الحطاب. وفيه: وما ذكره من جواز الصلاة في الحمام إذا كان مكانه طاهرا هو المشهور، وقيل: إنها مكروهة. والمقبرة مثلثة الباء: موضع الإقبار؛ أي الدفن، وتجوز الصلاة بالمقبرة. ولو كان القبر بين يديه، أو كانت لمشرك وأشار "بلو" لرد القول بعدم الجواز في مقبرتهم، وعلى القول بالتفصيل بين مقبرة المسلمين ومقبرة الكفار، فهل العلة كونها حفرة من حفر النار أو النجاسة؟ لأنهم يزورون قبورهم، ولا يتحفظون من النجاسة. وقوله: "ولو لمشرك" استدلوا له بأنّه ﷺ : (أمر بنبش قبور المشركين وجعل مسجده موضعها (١)). وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي رجحه المواق اجتناب مقابر المشركين. قال: وبحث أبو علي وغيره في الاستدلال بهذا الحديث؛ بأن الموضع إذا نبش ووطئ وبنيَ محله ولا سيما إذا جعل عليه تراب آخر ليس كالمقبرة الباقية الأجساد بها.
ومزبلة يعني أن الصلاة تجوز بالمزبلة بفتح الميم وتضم باؤها وتفتح: موضع طرح الزبل ومحجة يعني أن الصلاة تجوز بالمحجة، والمحجة: جادة الطريق؛ أي وسطها، وأما قارعة الطريق فهي أعلاها أي جانبها. والحكم فيهما سواء، وإنما نص على المتوهم.
стр. 723
ومجزرة بفتح الميم وكسر الزاي؛ بمعنى موضع الذبح والنحر؛ يعني أن الصلاة تجوز بالمجزرة أي المحل المعد للذبح أو النحر بتمامه، فيعدل عن محلّ الذبح، ويصلي. قال الشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الباقي: وتفسير المزبلة بما ذكر، وكذا المجزرة هو الذي يوافق الحكم بالإعادة في الوقت. وأما من فسر المزبلة بأنها موضع طرح القمامة، والمجزرة موضع تقطيع اللحم، فيرد عليه أنَّه لا إعادة في هاتين في حالة الشك لا في وقت ولا في غيره.
إن أمنت من النجس يعني أن محل جواز الصلاة بهذه الأربع من المقبرة، وما بعدها حيث تحقق أن موضع الصلاة منها ليس به نجاسة كموضع بها عال لا تصله نجاسة ولا دواب، لخبر: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل (١)). وبما قررت علم أن قوله. "إن أمنت" المراد به أمن الموضع الذي صلى فيه لا جميع المكان من موضع الصلاة وغيره كما في الشبراخيتي.
وإلا أي وإن لم تؤمن نجاسة هذه الأربع، فإنَّه لا إعادة على من صلى بها على القول الأحسن عند ابن بشير وغيره، ومقابل الأحسن قول ابن حبيب: يعيد العامد والجاهل أبدا، والناسي في الوقت. قاله الشيخ إبراهيم وإتيانه بقوله على الأحسن يقتضي أن مقابله حسن وليس كذلك. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن المنفي بقوله: "فلا إعادة" إنما هو الإعادة الأبدية، وأما الإعادة في الوقت فثابتة إلا صلاته بمحجة طريق إذا صلى فيها لضيق ونحوه، فلا تندب إعادته، والصلاة بهذه المواطن الأربعة في حالة الشك مكروهة. قاله الشيخ إبراهيم. ومحل عدم الإعادة الأبدية فيها: إن لم تحقق النجاسة بها، وإلا أعيدت. وتحصل من هذا أن الصلاة بهذه المواطن الأربعة على ثلاثة أقسام: إن أمنت من النجس جازت الصلاة بها، وإن شك في نجاستها كرهت الصلاة بها، وأعاد في الوقت، خلافا لقول ابن حبيب: يعيد العامد والجاهل أبدا، والناسي في الوقت. ووجه الإعادة في الوقت في حالة الشك موافق لما تقدم أن من شك في طهارة البقعة ونجاستها يوجب له ذلك، إما نضحها اتفاقا، أو غسلها اتفاقا. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 724
القسم الثالث: ما إذا تحققت النجاسة بهذه المواضع الأربعة فيعيد أبدا من صلى بها عامدا أو جاهلا بالحكم؛ لأنَّ من صلى على مكان نجس عامدا أَو جاهلا بالحكم يعيد أبدا - كما عرفت - والله سبحانه أعلم. وفي ابن غازي عند قول المصنف: "ومزبلة ومحجة ومجزرة"، عن التوضيح: إن تيقنت النجاسة أو الطهارة في الثلاث فواضح، وإن لم تتيقن فالمشهور أنَّه يعيد في الوقت بناء على الغالب. وهذا إذا صلى في الطريق اختيارا، وأما إن صلى فيه لضيق المسجد فإنَّه يجوز، نص على ذلك في المدونة وغيرها. وروى الترمذي وغيره من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ (نهى عن الصلاة في سبعة مواضع: المجزرة، والمزبلة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله الحرام (١)). قال الشاذلي: فأما النهي عن الصلاة في المزبلة وعن الصلاة في المجزرة؛ وهي المكان المعد للذبح والنحر، فنهي كراهة إن لم تؤمن من النجاسة، وإلا جازت. انتهى. وحيث قيل بالكراهة وصلى فيهما، أعاد في الوقت على المشهور عامدا أو غيره كما عرفت، وقال أيضًا: وأما النهي عن الصلاة في محجة الطريق؛ وهي قارعتها؛ وهي من إضافة الشيء إلى نفسه، فنهي كراهة. وقال عند قول الشيخ أبي محمَّد: ومقبرة المشركين، وأما النهي عن الصلاة في مقبرة المشركين فنهي كراهة لكن ليس في الحديث ذكر المشركين كما وقفت عليه، فإن كانت غير منبوشة، وأمن موضع الصلاة من شيء من أجزاء المقبورين، فالمشهور الجواز، وإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي، هل يتنجس بالموت أم لا؟ هذا في مقابر المسلمين، وأما مقبره الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها؛ لأنها حفرة من حفر النار، لكن من صلى فيها، وأمن من النجاسة لا تفسد صلاته، وإن لم تؤمن كان مصليا على نجاسة. انتهى.
وقال عند قول الشيخ أبي محمَّد: وفي الحمام حيث لا يوقن منه بطهارة وأما النهي عن الصلاة في الحمام وهو معروف وهو مذكر فنهي كراهة حيث لا يوقن منه بطهارة. ابن ناجي: ظاهر كلامه أنَّه إذا أيقن بطهارته فالصلاة فيه جائزة؛ وهو كذلك على المشهور في المذهب. وقال أيضًا: وأما
стр. 725
النهي عن الصلاة على ظهر بيت الله الحرام؛ أي الكعبة فنهي تحريم على المشهور، فمن صلى على ظهره فرضا أعاد أبدا. ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أن الصلاة في جوف الكعبة جائزة؟ وهو كذلك سواء كانت فرضا أو نفلا. قاله اللخمي. والمشهور جواز النفل دون الفرض. انتهى.
وكرهت بكنيسة يعني أن الصلاة في الكنائس مكروهة لورود النهي عن الصلاة فيها. والكنيسة بفتح الكاف وكسر النون: موضع تعبد الكفار، فيشمل البيعة؛ وهي للنصارى، والكنيسة لليهود، ومثلهما بيت النار للمجوس. قال الشادلي: والنهي عن الصلاة فيها نهي كراهة. انتهى.
ولم تعد يعني أن من صلى بالكنيسة وشبهها من بيعة وبيت نار، لا إعادة عليه، لا أبدا، ولا في وقت حيث صلى بالدارسة مطلقا، كعامرة اضطر للنزول بها إن صلى بها على فراش طاهر، وإلا أعاد بوقت عند سند والقرافي. واستفيد من هذا أن كراهة الصلاة لا تستلزم إعادتها. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: ولم تعد في وقت ولا في غيره حيث كانت دارسة، وكذا العامرة حيث اضطر للنزول بها، وكذا إن لم يضطر لذلك حيث لم يتحقق أنَّه صلى على نجس، وإلا جرى على حكمه. انتهى. وقوله: "وكرهت بكنيسة"؛ محله إن لم يضطر للنزول بها، فإن اضطر للنزول بها كمسافر يلجئه إليها مطر أو برد أو حر أو نحو ذلك، لم تكره الصلاة بها دارسة أو عامرة على ما يفهم من المدونة. قال الشيخ عبد الباقي: وكرهت بالعامرة على ما يظهر من ابن رشد. انتهى. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: تبع في هذا الأجهوري، واعترضه بعض الشيوخ قائلا: لم أر من ذكر ذلك عن ابن رشد؛ إذ لم يذكره ابن الحاجب ولا شراحه، ولا ابن عرفة ولا غيرهم، وكيف يقول ابن رشد بالكراهة مع الاضطرار، أو يكون ذلك ظاهرا من كلامه، والمضطر يغتفر له ما هو أعظم من هذا فكيف؟ ومالك قال في المدونة بالجواز؟ هذا في غاية البعد. وقوله: "ولم تعد"، قال الشيخ محمَّد بن الحسن: حاصله يعني كلام الشيخ عبد الباقي أنها إنما تعاد في الوقت في صورة واحدة؛ وهي إن كانت عامرة، ونزلها اختيارا، وصلى بأرضها دون بسط ثوب طاهر عليها. هذا قول مالك في سماع أشهب. وعليه حمل ابن رشد المدونة. انتهى. وقال سحنون: يعيد في الوقت مختارا كان أو مضطرا، وقال ابن حبيب: يعيد الجاهل؛ أي والعامد كما في الحطاب أبدا. وغيره في الوقت وإن اضطر. قاله ابن غازي. وفي الشبراخيتي ما نصّه:
стр. 726
وذكر سند أن النزول بالكنيسة والصلاة بها مكروهة سواء كانت عامرة أو دارسة، ولا إعادة على من صلى بها في وقت ولا غيره. انتهى. وهو يوافق ما للمصنف وقوله: "وكرهت بكنيسة": إما للصور أو للتأسيس على غير التقوى، أو لأنها مأوى الشياطين أو لأنهم لا يتحفظون من النجاسة. وبمعطن إبل يعني أن الصلاة تكره في معاطن الإبل لنهيه ﵊ عن الصلاة فيها، وكراهة الصلاة بها ثابتة، وإن بسط طاهرا وصلى عليه. والمعاطن: مبارك الإبل عند الماء لتشرب عللا؛ وهو الشرب الثاني بعد النهل؛ وهو الشرب الأوّل. ولا خصوصية للمنهل بذلك، بل وكذلك محلّ مبيتها وقيلولتها، وحينئذ فالمراد به محلّ بروكها مطلقا. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: وتكره الصلاة بمعطن الإبل أي موضع مباركها عند الماء. قاله المازري. ثمَّ قال: ويفهم منه أن موضع مبيتها ليس بمعطن، ولا تكره الصلاة فيه. انتهى وفي الشبراخيتي وغيره ما نصّه: وخص ابن الكاتب الكراهة بالمعطن المعتاد، وأما لو باتت؛ يعني ليلة كما لابن عرفة في بعض المناهل لجازت الصلاة به؛ لأنه ﵊ صلى إلى بعيره في السفر (١))، ونحو ما للخرشي في الحطاب، فإنَّه قال: معاطن الإبل مباركها عند الماء. قاله المازري. انتهى. فيفهم منه أن موضع مبيتها ليس بمعطن، ولا تكره الصلاة فيه انتهى. كلام الحطاب. وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن تقييد ابن الكاتب جار في تفسير المعطن بمحل بروكها مطلقا؛ أي سواء كان بين شربها عللا أو نهلا أم بغير ذلك. انتهى. وذكر الحطاب ما لابن الكاتب على وجه يفيد أنه مقابل. قاله غير واحد. وقال ابن عرفة: قلت لعله يعني صلاته ﷺ إلى بعيره في السفر في غير معطن. انتهى. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
ولو أمن يعني أن الصلاة تكره بمعطن الإبل بكسر الطاء؛ واحد المعاطن، ولو تحققت طهارته أي المحل الذي تصلى فيه الصلاة، وقوله: "ولو أمن" أي لأن النهي تعبد، وقيل: إن الكراهة معللة، وعليه فقيل: لأنَّ أهلها يستترون بها عند قضاء الحاجة، وقيل: لشدة نفورها، وقيل: لسوء رائحتها وحسنُها مأمور به. ولذلك تبخر المساجد، أو لأنها خلقت من الشياطين، والصلاة
стр. 727
تبعد عن مواضعهم، والأولى أن النهي للتعبد. قاله الشيخ إبراهيم. ورد المصنف "بلو" رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: لو سلم من أن يخرج الناس فيه فلا بأس بالصلاة فيه.
وفي الإعادة قولان يعني أن من صلى في معطن الإبل يعيد. واختلف في كيفية تلك الإعادة فقال ابن حبيب: إن كان عامدا أو جاهلا أعاد أبدا، وإن كان ناسيا أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يعيد في الوقت مطلقا، وفي إثبات المصنف القول بالإعادة أبدا مع الجزم بالكراهة، إشكال ظاهر، والمناسب لها الإعادة في الوقت أو عدم الإعادة بالكلية، مع أن النقل هو الأوّل. قاله أحمد ويجاب بأن لفظ الأبدية يطلق عندهم على ما يعاد استحبابا. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: فيه نظر، وقد صرح في التوضيح قبيل الاستقبال بأن القاعدة في الإعادة المستحبة إنما تكون في الوقت. انتهى.
تنبيه: تكره الصلاة في أربعة عشر موضعا، أحدها: قال في الكتاب: لا بأس بالصلاة وأمامه جدار مرحاض، قال صاحب الطراز: إن كان ظاهره لا يرشح فلا يختلف في صحة الصلاة، وإن كانت مكروهة ابتداء؛ لأنَّ المصلي ينبغي أن يكون على أحسن الهيئات مستقبلا أحسن الجهات لأنه يناجي الله تعالى، وقد قال ابن القاسم في العتبية: إذا كان أمامه مجنون أو صبي فليتنح عنه وكذلك الكافر، فإن كان ظاهره يرشح، فيختلف فيه المذهب أن صلاته صحيحة بغير إعادة. وقال ابن حبيب: من تعمد الصلاة إلى نجاسة أمامه أعاد، إلا أن تبعد جدًا، أو يواريها عنه شيءٌ. فقاس المصلَّى إلَيْهِ على المصلَّى عَلَيه. ونحن نقيسها على ما على يمينه أو يساره أو خلفه. قال الشيخ زروق في شرح قول الرسالة: والمريض إذا كان على فراش ما نصّه: والمشهور في استقباله محلّ النجس الكراهة إن بعد عن مسه وهو في قبلة. انتهى. وثانيها: الثلج قال في الكتاب: لا بأس بالصلاة على الثلج، قال صاحب الطراز: يكره لفرط برودته المانعة من التمكن في السجود كالمكان الحرج. وثالثها: المقبرة، ورابعها: الحمام، قال في الكتاب: إذا كان موضعه طاهرا فلا بأس به، وكرهه الشافعي والقاضي عبد الوهاب، ومنعه ابن حنبل مع سطحه، وخامسها: معاطن الإبل، وسادسها: الكنائس، وسابعها: قارعة الطريق، قال صاحب الطراز: والطريق القليلة الخاطر في الصحاري تخالف ذلك، وكذلك لو كان في الطريق مكان مرتفع لا تصل إليه
стр. 728
الدواب، وقد قال مالك في النوادر في مساجد الأفنية يمشي عليها الدجاج والكلاب وغيرها: لا بأس بالصلاة فيها. وفي البخاري عن ابن عمر: (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وأنا شاب عزب، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (١)). قال الشيخ زروق في شرح قول الرسالة: ومحجة الطريق: وهذا إذا صلى في الطريق اختيارا، وأما لضيق المسجد فيجوز. انتهى.
وقد تقدم الكلام على الحمام في مسائل الطهارة، قال: ولا خلاف في طهارة الدارسة العافية من آثار أهلها مزبلة كانت أو مجزرة أو كنيسة، وإنما الكلام في غيرها. انتهى. نقله الحطاب. وثامنها: المجزرة، وتاسعها: المزبلة، وعاشرها: في الجواهر وبطن الوادي؛ لأنَّ الأودية مأوى الشياطين. ابن عبد البر في شرح الحديث الثالث والأربعين لزيد بن أسلم: القول المختار عندنا أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ما لم تكن فيها نجاسة متيقنة تمنع من ذلك، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان، وموضع ملعون لا يحب أن تقام فيه الصلاة؛ لأنا لا نعرف الموضع الذي ينفك من الشياطين، ولا الموضع الذي لا تحضره الشياطين. انتهى. وقال ابن عرفة: ورد النهي عنها بالوادي، ونقله ابنُ الحاجب عن المذهب لا أعرفه فيه. انتهى. وفي التوضيح: قيل إن المصنف انفرد به. انتهى. قلت ذكره ابن شأس لما تكلم على الأماكن التي تكره الصلاة فيها. ونقله عنه صاحب الذخيرة، وقبله قاله الحطاب والحادي عشر: القبلة تكون فيها التماثيل، فإن كان في ستر على جدار الكعبة، فأصل المذهب الكراهة، وقال أشهب: لا أكرهه وكره في الكتاب الصلاة بالخاتم فيه تمثال؛ لأنه من زي الأعاجم، والثاني عشر: الصلاة إلى حجر منفرد في الطريق أو غيره بخلاف الحجارة لشبهه بالأصنام، والثالث عشر: قال في الكتاب: لا يستند المريض لحائض ولا لجنب، والرابع عشر: من صلى في بيت نصراني أو مسلم لا يتنزه عن النجاسة أعاد أبدا. انتهى. من الذخيرة. قاله
стр. 729
الحطاب. قال: ويأتي للمصنف عد بعض هذه الأماكن، وينبغي أن يزاد خامس عشر وهو: المكان الشديد الحر لعدم تمكنه من السجود عليه قياسا على الثلج، وفي النوادر قال ابن حبيب: ولا أحب الصلاة في بيت من لا يتنزه عن الخمر والبول، فإن فعل أعاد أبدا، وأكره الصلاة على حصير أو بساط مبتذل يمشي عليه الصبي والخادم ومن لا يتحفظ، وليتخذ الرجل في بيته موضعا يصونه لصلاته أو حصيرا نقيا، فإن لم يفعل وصلَّى حيث شاء من بيته ولا يوقن فيه بنجاسة لم يعد. وقال الشيخ زروق لما تكلم على الحمام: ولابن رشد المقعد الذي يوضع فيه الثياب منه بخارجه محمول على الطهارة، وخفف أبو عمران ما يقطر من عرق الحمام وإن أوقد تحته بالنجاسة. انتهى. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وليس من الأماكن المنهي عنها الصلاة بديار ثمود وأرض بابل. قاله أبو عمر بن عبد البر. قاله الشيخ إبراهيم. وقال عن ابن رشد: داخل الحمام محمول على النجاسة، وخارجه على الطهارة حتى يتحقق خلاف ذلك فيهما.
ومن ترك فرضا أخر يعني أن المكلف إذا ترك فرضا أي صلاة من الصلوات الخمس مقرا بوجوبه، وامتنع من أدائه، فإنه لا يقر على ذلك، ويطلب منه فعلها، فإن أبى هدد بالقتل وضرب بالفعل، ويؤخره الإمام أو نائبه وجوبا؛ أي لا يعاجله بالقتل، بل ينظر لبقاء قدر ركعة بسجدتيها من غير اعتبار قراءة فاتحة، ولا طمأنينة، ولا اعتدال على الأرجح صونا للدماء ما أمكن. من الضروري يعني أنَّه يؤخر المختار كله والضروري إلا ما يسع ركعة من الضروري من غير اعتبار تقدير قراءة فاتحة ولا طمأنينة ولا اعتدال - كما تقدم - صونا للدماء، وهذا إن كان عليه واحدة كما هو ظاهره، فإن كان عليه صلاتان أخر لبقاء خمس ركعات في الظهرين حضرا، ولثلاث فيهما سفرا، ولأربع في الليليتين حضرا أو سفرا، ولا يعتبر في الصلاة الأولى طمأنينة ولا اعتدال مطلقا، ولا قراءة فاتحة سوى ركعة مراعاة للقول بأنها إنما تجب بركعة، وكذا لا يعتبر في الركعة الأولى من الصلاة الثانية طمأنينة ولا قراءة ولا اعتدال، وتقدر له الطهارة لأنه لا يؤمر أن يصلي محدثا فلا بد من تقديرها. هذا هو المتعين. قاله الشيخ محمَّد بن الحسن. وتقدر له الطهارة المائية لأنه مطلوب في سعة الوقت مع وجود الماء وقدرته عليه، وسيأتي أن من قال: لا أتوضأ، مثل من قال: لا أصلي، وإذا قدرت الطهارة المائية وخيف باستعمالها فوات الركعة،
стр. 730
فينبغي فيه جريان الخلاف السابق. وتقدم أن الراجح القول بالتيمم وإذا لم يبق من الضروري إلا قدر ركعة. قتل إن كان ماء وصعيد، وإلا فلا يقتل. ومحل قوله: "قتل" حيث طلب بفعله بسعة الوقت ولو ضروريا طلبا مكررا كما يشعر بالطلب، وكونه بسعة الوقت قوله: "أخر"، فإن لم يطلب بسعة الوقت وإنما طلب بضيقه لم يقتل، وقوله: "قتل" خلافا لمن قال: يسجن حتى يصلي أو يموت، وقوله: بالسيف متعلق بقوله: "قتل"؛ يعني أنَّه تضرب عنقه بالسيف كما في سماع أشهب، خلافا لقول ابن العربي. قال متأخرو علمائنا؛ لا يقتل ضربة بالسيف، ولكنه ينخس بالحديد حتى تفيظ نفسه، أو يقوم بالحق الذي عليه من فعلها، قال: وبهذا أقول. انتهى. قاله ابن غازي. وفهم من قوله: أو يقوم بالحق الذي عليه من فعلها، أنَّه متى قام بذلك يترك قتله؛ أي فلا يقال إنه استوجب القتل حدا بخروج الوقت. حدا يعني أنَّه إذا قتل فإنما يقتل حدا؛ أي تكفيرا لامتناعه من الصلاة. وليس امتناعه من الصلاة بموجب لكفره، حتى يقال إنه قتل لكفره، فقوله: "قتل"؛ أي من غير استتابة، وقوله: "حدا" حال من نائب فاعل "قتل"؛ أي قتل حال كونه محدودا لا مرتدا؛ أي قتل وهو على الإِسلام، لكون الشرع أمر بقتله، لا أنَّه يقتل لكونه كافرا، وهذا هو المشهور. ومقابله يقتل كفرا؛ وهو لابن حبيب بناء على مذهبه من تكفير تارك الصلاة. وروي عن الإمام أحمد كابن حبيب أنَّه يكفر بتركها كسلا. وحكى أن الشافعي قال له: إذا كفرته بتركها وهو يقول لا إله إلا الله، فبأي شيء يرجع للإسلام؟ فقال: بفعل الصلاة، فقال له: إسلامه مرتب عليها؛ أي يحصل بعد فعلها، فتكون واقعة في زمن الكفر، فلا تصح وإن لم يرتب عليها لم يدخل بها فسكت، ولو قيل إنه يحصل بالتوجه إليها فلا إشكال. وفي حكم من قال: لا أصلي، من قال لا أتوضأ، أو لا أغتسل من جنابة، أو لا أصوم رمضان، فيؤخر إلى قدر ما يوقع فيه النية قبل الفجر، فإن لم يفعل، قتل. كما هو منصوص عليه. والظاهر أنَّه يراعى بالنسبة للغسل والوضوء قدر ما يسعهما مع الركعة، وحينئذ يقتل. أشار له الشيخ عبد الباقي. ويقتل التارك المذكور إذا قال لا أفعل، وقيده بالأبد أو بالوقت، بل ولو قال مع تماديه على الترك: أنا أفعل أي أنا آتي بالصلاة ولم يفعل. وظاهره أنَّه إذا شرع في الفعل لا يقتل، قاله الشيخ إبراهيم، ورد المصنف "بلو" قول ابن حبيب: لا يقتل، فالمبالغة راجعة
стр. 731
لقوله: وقتل، والمشهور هو ما مشى عليه المصنف، وإذا وجب قتله فحصل توان حتى خرج الوقت، فإنه يقتل كما هو المنصوص، ولا يقال لا يقتل لأنها فائتة؛ لأنَّ المراد بالفائتة في قوله: لا فائتة، الفائتة التي لم يطلب بها في سعة وقتها على ما سأبينه إن شاء الله تعالى.
وصلى عليه غير فاضل؛ يعني أن هذا الشخص المذكور إذا قتل لترك الصلاة، فإنَّه يصلى عليه وجوبا، ولكن يصلي عليه غير أهل الفضل ردعا لأمثاله، وتكره صلاة الفاضل عليه إمام أو غيره كعالم أو صالح، وقوله: "وصلى عليه" أتى به المصنف ردا على من يقول: لا يصلى عليه؛ لأنه كافر، وما ذكره المصنف هو الصحيح لأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة، وهو مما يجب اعتقاده. قال أبو الحسن عند قوله في الرسالة إنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة: الفاكهاني: وما قاله هو مذهب جميع أهل السنة سلفا وخلفا، خلافا للخوارج حيث قالوا: كل ذنب كبيرة وكل كبيرة محبطة للعمل، ومرتكبها كافر وخلافا للمعتزلة حيث قالوا كل كبيرة محبطة للعمل، ومرتكبها له منزلة بين المنزلتين لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، وإنما يقال فيه فاسق. انتهى. دمر الله تعالى الجميع. وقال فيما روي عن الإمام أحمد من تكفير تارك الصلاة: وفي صحة هذا عن أحمد نظر.
ولا يطمس قبره يعني أن هذا التارك الذي قتل لا يطمس قبره؛ أي لا يخفى كراهة. قال السوداني: أي لا يمحى قبره ولا يستأصل أمره، بل يسنم كغيره من قبور المسلمين، ويدفن في مقابر المسلمين، وترثه ورثته وتؤكل ذبيحته، وقال الشيخ الأمير: وكره تغيير قبره عن المسلمين بطمس أو غيره. لا فائتة بالنصب: عطف على قوله: "فرضا" باعتبار وصفه؛ أي فرضا حاضرا لا فائتة؛ يعني أن من عليه صلاة فات وقتها لا يقتل لأجل تركها، وهذا إذا لم يطلب بفعلها مع سعة وقتها، فإن طلب بها فيه وأخر وحصل توان عن قتله حتى خرج الوقت، قتل لوجود طلبها. أشار له البساطي. قاله الشيخ عبد الباقي.
على الأصح يعني أن كونه لا يقتل بالفائتة هو القول الأصح، والأولى أن يقول: على المقول؛ لأن ترجيح هذا القول إنما هو للمازري، ومقابل الأصح أنَّه يقتل لترك الفائتة. وقد نص ابن عرفة على أن ترك الصوم وجحده كالصلاة، ففي قول أحمد: فالظاهر أنَّه يؤخر إلى قبل طلوع الفجر بقدر ما يدرك فيه النية، فإن لم يفعل قتل. انتهى. قصور. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 732
والجاحد كافر يعني أن الجاحد لمشروعية الصلاة أي لوجوبها أو ركوعها أو سجودها أو لشيء من واجباتها كافر اتفاقا، بل إجماعا كما لعياض، وقيده ابن عرفة وغيره بغير حديث عهد بالإِسلام، ومعنى كونه كافرا أنَّه مرتد، يستتاب ثلاثة أيام على ما يأتي في باب الردة.
تنبيهات: الأوّل: قد تقدم الكلام على من امتنع من النطق بالشهادتين - نسأل الله العافية - وتكلم المصنف هنا على من امتنع من أداء فرض من الصلوات الخمس كما علمت، وقد مر أن مثل من ترك صلاة من الصلوات الخمس، من قال لا أصوم فيؤخر إلى ما ينوي فيه الصوم قبل الفجر، ويقتل حدا إن لم يفعل، ومن ترك الزكاة أخذت منه كرها، وإن بقتال كما يأتي، ومن ترك الحج فالله حسيبه أي لا يتعرض له وقد علمت أن الجاحد للدعائم الأربع؛ أعني الصلاة والصوم والزكاة والحج كافر، فهو من قبيل المنكر للرسالة. والعياذ بالله تعالى، وقد مر تقييد ابن عرفة وغيره قريبا فراجعه إن شئت.
الثاني: جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة وهو ما يعرفه الخواص والعوام من غير قبول التشكيك، فالتحق بالضروريات كوجوب الصلاة، والصوم، وحرمة الزنى، والخمر كافر إجماعا، فقول المصنف: والجاحد الخ؛ أي للمجمع عليه كالصلاة التي الكلام فيها لا الجاحد للإجماع على وجوبها وما تقدم من قتل تارك الصلاة والصوم حدا إنما هو في التارك الآبي خاصة، فإن انضم إلى ذلك بعض الاستهزاء كما يقول بعض الأشقياء إذا أمر بها: إذا دخلت الجنة فأغلق الباب خلفك، فإن أراد أن الصلاة لا أثر لها في الدين فلا يختلف في كفره، وإن أراد صلاة المنكر عليه خاصة، وأنها لم تنهه عن الفحشاء والمنكر فهو مما اختلف فيه. قاله ابن عبد السلام. قاله الحطاب. ونحوه للشبراخيتي. وزاد ما نصّه: أي مما اختلف في قبول نيته، وإلا فهو ليس كافرا قطعا.
الثالت: اختلف إذا صلى في حال تهديده فقال ابن التلمساني: ينبغي أن يعيد الصلاة التي صلاها مكرها، وقد قال ابن شعبان: لو أكره الجنب على الغسل لم يجزه الغسل، قال ابن أبي زيد في نوادره: ومن قول أصحابنا أن من توضأ مكرها لم يجزه. انتهى. ونقل عن ابن العربي عن أصحابنا أن من يترك الطهارة يقتل بها كالصلاة، وعندي أنَّه يوضأ مكرها، ويقال له صل فإن
стр. 733
من العلماء من قال إن الوضوء يجزئ بغير نية. انتهى. وكأن هذا الخلاف ضعيف فلم تراعه الأصحاب. والله تعالى أعلم. قاله الإمام الحطاب. الرابع: سئل ابن أبي زيد عن الرجل يكون معروفا بترك الصلاة فيوعظ ويخوف بالله فيصلي اليوم واليومين، ثمَّ يرجع إلى تركها فيعاد عليه الكلام، فيقول: إن الله غفور رحيم، وإني مذنب، ويموت على ذلك، فهل يكون إماما وتجوز شهادته أم لا؟ وهل يصلى عليه إذا مات ويسلم عليه إذا لُقِىَ وتؤكل هديته، ولا يفرق بينه وبين امرأته؟ وكيف لو كان هذا حال امرأته، هل يسع زوجها المقام عليها؟ فأجاب بأنّه يصلى عليه وتؤكل هديته، ولا يفرق بينه وبين امرأته، ولا يصلى خلفه، ولا تجوز شهادته، وإن كان هذا حال زوجته فيستحب له فراقها. قيل له: فالرجل ينقر صلاته وهو أكثر شأنه ولا يتم ركوعها وسجودها فيعاتب على ذلك فينتهي ثمَّ يعود، فقال: لا تجوز شهادته، ولا إمامته، ويسلم عليه. انتهى. قاله الحطاب.
الخامس: قال ابن عبد الحكم: يجوز أن يستأجر عن الميت من يصلي عنه ما فاته من الصلوات، والمشهور أنَّه لا يقبل النيابة. وقال أبو الفرج في الحاوي: لو صلى إنسان عن غيره؛ يعني (١) أن يشركه في ثواب صلاته لجاز ذلك. انتهى. قاله الحطاب. ونحوه للشيخ إبراهيم.
السادس: اعلم أن الحديث المروي عن أبي هريرة: (من تهاون بصلاته عاقبه الله بخمس عشرة خصلة ستة في الدنيا؛ وهي نزع البركة من رزقه، ونزعها من حياته، ورفع سيما الصالحين من وجهه، وعدم حظه من دعاء الصالحين، وعدم أجره على كل عمل يعمله من أعمال البر، وأن لا يرفع دعاؤه إلى السماء. وثلاث عند الموت؛ وهي موته ذليلا جائعا عطشانا ولو سقي ماء الدنيا لم يروه، وثلاث في القبر؛ وهي: إزعاج ملك إلى يوم القيامة، وجعل الوحشة والظلمة في قبره، وثلاث في القيامة؛ وهي توكيل ملك يسحبه في عرصات القيامة على حر وجهه، وحسابه حسابا طويلا، ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. ثمَّ تلا ﷺ : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. انتهى. حديث منكر. قال
стр. 734
صاحب الميزان: باطل، وفي لفظ ظاهر البطلان. قاله الشيخ إبراهيم. ولما أنهى الكلام على الأوقات، أتبعه بالكلام على ما يعلم به دخول الوقت، فقال:
стр. 735
فصل في الأذان ؛ وهو لغة الإعلام بأي شيء كان، وهو مشتق من الأذن، بفتحتين وهو الاستماع الناشئ من الأذن بالضم: آلة السمع كأنه يلقي الشيء فيها، أو مشتق من الأذن بالضم كأنه أودع ما علمه أذن صاحبه، قال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، وقال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وشرعا: الإعلام بدخول وقت الصلاة بكلمات مخصوصة، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص، فلو نكس ابتدئ كما في الجواهر لإحالته عن وجهه. وقال أشهب في المجموعة: إن بدأ بأشهد أن محمدا رسول الله قبل أشهد أن لا إله إلا الله فليقل بعد ذلك: أشهد أن محمدا رسول الله، ويجزئه، ويقال: أذان وتأذين وأذين قال:
فلم نشعر بضوء الصبح حتى … سمعنا في مساجدنا الأذينا
وقال:
قد بدا لي وضح الصبح المبين … فاسقنيها قبل تكبير الأذين
ويقال: أذن بالتشديد: إذا أعلم، وأذن في الشيء بكسر الذال إذا أباحه والأصل فيه من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ومن السنة حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، لا عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب حديث الوضوء الذي وصف فيه وضوء رسول الله ﷺ ، قال: (لما أمر رسول الله ﷺ بضرب الناقوس ليعمل حتى يضرب ليجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس، فقال: ما تصنع به. قلت: ندعو به للصلاة، فقال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان والإقامة، فلما أصبحت أتيت النبي ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال:
стр. 736
إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق علمه ما رأيت فليؤذن (١))، ففعلت فلما سمع عمر الأذان خرج مسرعا يسأل عن الخبر، فقال: (يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ الحمد لله (٢)). وعند أبي داوود قال: (اهتم النبي ﷺ كيف يجمع الناس للصلاة فقيل له: تنصب راية فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه، فذكروا له القبع بموحدة مفتوحة أو مثلثة أو نون ساكنة؛ يعني الشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة المشددة على وزن التنور؛ وهو البوق فلم يعجبه، وقال: هو من أمر اليهود، فذكروا له الناقوس فقال: هو من أمر النصارى (٣)). وساق الحديث. وقوله: بنون ساكنة من إقناع الرأس الذي هو رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وأورد أن رؤيا غير الأنبياء ليست وحيا فلا يثبت بها حكم شرعي، فكيف ثبت الأذان برؤيا عبد الله؟ وأجيب بمقارنة الوحي لذلك. واختلف هل الأذان أفضل أو الإمامة أفضل؟ وقيل: إن كان الإمام توفرت فيه شروط الإمامة فهي أفضل، وإلا فلا، وقيل: هما سواء. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وشهر الأقفهسي أفضلية الإمامة عليه، واختار عبد الحق أفضليته عليها، وهل الأذان أفضل من الإقامة؟ لكونه شعار الإِسلام ووجوبه في المصر، وهو الذي اختاره بعضهم - كما قاله بعض الشيوخ - أو الإقامة أفضل منه؟ لطلبها من الجماعة والفذ، ولبطلان صلاة تاركها على قول. وهذا الثاني يجري مثله في الأذان، فقد قال ابن عرفة: روى الطبري إن تركه أهل مصر عمدا بطلت صلاتهم. انتهى. وقال عبد الباقي: وهو أفضل من الإقامة من حيث كونه شعار الإِسلام ووجوبه في المصر على قول مختار، ولا يعلم في الإقامة قول مختار بوجوبها ولبطلان صلاة أهل المصر بتركه عمدا، ومقاتلتهم عليه إن تركوه. والإقامة أفضل من حيث اتصالها بالصلاة ولبطلان صلاة تاركها على قول، والكلام كله في الأذان السنة لا المندوب والواجب فيما يظهر. انتهى. وقوله: ولبطلان صلاة أهل المصر بتركه الخ، قال الشيخ محمَّد بن الحسن: يأتي له آخر الفصل أن القول بالبطلان غير
стр. 737
معروف في الذهب، وإن كان مرويا عن مالك. وقال الحطاب: لا أعلم في صحة صلاة من ترك الأذان خلافا. انتهى. ابن حجر: اختلف في الجمع بين الأذان والإمامة فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعًا النهي عن ذلك، لكن سنده ضعيف، وقيل: خلاف الأولى، وقيل يستحب، وصححه النووي. انتهى (١)). وقال الشيخ عبد الباقي: نقل النووي عن الترمذي أنَّه ﷺ أذن مرة في السفر راكبًا، وقال فيه وأشهد أن محمدا رسول الله، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنّه جاء في مسند أحمد من الوجه الذي خرج منه الترمذي بلفظ: فأمر بلالًا بالأذان، فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن معنى أذن أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا مع أنَّه إنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه آمرا. انتهى (٢)). نعم قال السيوطي في شرح البخاري: ظفرت بحديث آخر مرسل في سنن سعيد بن منصور عن [ابن (٣)] أبي مليكة قال: (أذن رسول الله ﷺ فقال: حي على الفلاح (٤))، وهذه رواية لا تقبل التأويل. انتهى. ولم يعين كونها في سفر، ولا كونه قال أشهد أن محمدا رسول الله، وقول الهيثمي في شرح المنهاج نقل عنه في تشهد الصلاة أنَّه كان يقول: أشهد أني رسول الله مرة، وأشهد أن محمدا رسول الله مرة أخرى، تبع فيه الرافعي، قال الحافظ في تخريجه: لا أصل للأول كما في المقاصد. انتهى. وقال الشبراخيتي وغيره: وكون النبي ﷺ لم يؤذن لأنه لو قال حي على الصلاة لم يسعهم التخلف، وتركه الخلفاء لاشتغالهم بأمور المسلمين، قال عمر لولا الخلافة لأذنت. وفي الحديث: (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة (٥)) بفتح الهمزة جمع عنق؛ أي تشوفا إلى رحمة الله لأنَّ المتشوف يطول عنقه. وقيل: إذا ألجم الناس العرق طالت أعناقهم، وقيل: معناه الدنو من الله تعالى، وقيل: معناه أنَّه أكثر أتباعا، وقيل: أكثر الناس أعمالا. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بكسر الهمزة أي إسراعا إلى الجنة من سير
стр. 738
العَنق، ومنه الحديث: (كان يسير العنَق فإذا وجد فجوة نص (١))، ومنه الحديث: (لا يزال الرجل معنقا ما لم يصب دمًا (٢))؛ يعني منبسطا في سيره يوم القيامة. قاله الحطاب. وكان رسول الله ﷺ (إذا غزا قوما فإذا سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار (٣)).
سن الأذان يعني أن الأذان سنة، وإنما يسن لجماعة طلبت غيرها أي أنَّه يسن في حق الجماعة التي تطلب غيرها بحضر أو سفر بكل مسجد وجامع، ولا يكتفى في متلاصقين أو متقاربين، أو أحدهما فوق الآخر بأذان واحد لهما، وبعرفة ومزدلفة، وبكل موضع جرت العادة بالاجتماع فيه، وكذا العدد الكثير في السفر فيسن في جميع ذلك كفاية؛ وهو في المساجد والجوامع آكد، وإذا كان مسجد بين قوم فلا يجوز لهم أن يقتسموه، فإن ارتكبوا المحظور وضربوا وسطه حائطا فله حكم المسجدين في الأذان والإمام فلا يجزئهم مؤذن واحد، وإنما لم يجز لهم القسم ابتداء لأنَّ ملكهم قد ارتفع بالتحبيس والذي يظهر من المصنف وابن الحاجب أن الأذان سنة مطلقا وأنه لا يجب في المصر. قال الإمام الحطاب: ولم يحك ابن عرفة في وجوبه في المصر خلافا، وجعل محلّ الخلاف وجوبه في مساجد الجماعات؛ وهو الظاهر وقال الشيخ عبد الباقي: تعتري الأذان أحكام خمسة ليس منها الإباحة، بل السنة والوجوب والحرمة والكراهة والندب، فيسن لجماعة طلبت غيرها، ويجب في المصر كفاية، ويحرم قبل الوقت كعلى امرأة على أحد قولين، وكره لها على الآخر، قال الشيخ محمَّد بن الحسن: ويأتي عن الحطاب أن المراد بالكراهة عند من عبر بها المنع؛ لأنَّ صوتها عورة، وأن التعبير بالكراهة وقع للخمي ومن تبعه، فيحمل على ذلك كما صرح به اللخمي نفسه في موضع آخر. انتهى. وفي حاشية الأمير عن شيخه أن الأذان يسن في كل مسجد، ولو لم يكن به جماعة تطلب غيرها. انتهى. وندب لمسافر، أو في فلاة، ولجماعة في فلاة، أو
стр. 739
مسافرين لم يطلبوا غيرهم، وكره للسنن ولو راتبة، ولجماعة مقيمين لم يطلبوا غيرهم، ولفائتة وكذا في ضروري، وفرض كفائي.
في فرض يعني أن الأذان إنما يسن في فرض أي في صلاة من الصلوات الخمس التي هي؛ الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكره في السنن ولو راتبة كالعيد. ويكره للنافلة. وقوله: "في فرض"؛ أي عيني فيكره في الكفائي أي صلاة الجنازة.
وقتي يعني أن الأذان إنما يسن في الفرض الذي وقت أدائه باق، ولا بد من تقييده بالاختياري، فالفائتة لا يؤذن لها؛ لأنَّ الأذان لها مكروه ووقتها وقت ذكرها، ويكره الأذان في الضروري أي الضروري الذي بعد المختار. وأما ضروري الجمع فيؤذن فيه كما يأتي، ويحرم الأذان إذا خيف به خروج المختار فلو ذكر جماعة صلاة وخافوا إن أذنوا خرج الوقت فلا يؤذنوا، وليقيموا ولو خافوا خروج الوقت بفعل الإقامة سقطت. وقال الشيخ المحقق الأمير: وجب الأذان كفاية في المصر، وقوتلت لتركه؛ لأنه من أعظم شعائر الإِسلام، وسن كفاية لجماعة طلبت غيرها في فرض عيني بوقت جواز بكل مسجد؛ وهو المكان المعد للصلاة وإن تلاصقت أو تراكمت، وندب لفذ وجماعة غير طالبة غيرها إن كانا بفلاة؛ وهو معنى السفر في الأصل فلا يشترط سفر القصر، فإن لم يكونا بفلاة كره لهما كلنفل وجنازة وفائتة، وبوقت منع؛ وهو الضروري. انتهى. وقوله: كلنفل: تشبيه في الكراهة كما نص عليه هو في تقييده. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات الأوّل: اعلم أن أول الوقت أولى في الأذان كما في الحطاب، وكره مالك أن يؤذن في أذن الصبي المولود، واستحب بعض أهل العلم أن يؤذن في اليمنى ويقام في اليسرى لخبر ابن المسيّب عن الحسين بن علي ﵄: (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم يضره أم الصبيان (١)) انتهى؛ وهي القرينة والعياذ بالله تعالى، وإذا أذن في أذن المحزون ذهب حزنه، وفي أذن سيئ الخلق حسن خلقه، وأنكر ابن الحاج الأذان خلف المسافر، وقال إنه بدعة، وكذا الإقامة.
стр. 740
الثاني: اعلم أن النية معتبرة في الأذان لخبر: (إنما الأعمال بالنيات (١))، فلو بدأ في ذكر الله بالتكبير، تم بدا له أن يؤذن، ابتدأ التكبير، ولا يبني على التكبير الأوّل، ولم يقل أحد إنه يبني على تكبيره الذي لم يقصد به الأذان. قاله في الطراز. والظاهر أن مراده نية الفعل لا نية التقرب، وإن كان خلاف ما في الحطاب عن الذخيرة. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
الثالث: قول المصنف لجماعة مقتضاه أن الفذ لا يسن في حقه الأذان ولو طلب غيره، وبذلك صرح السوداني، فقال: قوله: "لجماعة" لا منفرد ولو طلب غيره، ولا جماعة لم تطلب غيرها للصلاة معها كأهل المدارس والرباط. وفي الرسالة: والأذان واجب في المساجد، قال الشاذلي: ظاهره سواء كانت جماعة أو غير جماعة. انتهى. قال مقيده: وهو مخالف لما هنا. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ ميارة: قولهم للجماعة مخرج للمنفرد، فلا يسن في حقه الأذان، إلا إذا سافر أو كان بفلاة لخبر: (إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة (٢))، قاله ﷺ لعبد الله بن زيد، قال أبو سعيد الخدري سمعته من رسول الله ﷺ . انتهى. وفي الموطإ عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان يقول: (من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وصلَّى عن شماله، ملك فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال (٣))، انتهى. نقله الرماصي. وأما المصلي في منزلة وحده فلا يستحب له لأنه ورد في المسافر، ومن في البادية دون الرجل المنفرد في منزلة. قاله في النوادر. نقله الرماصي.
الرابع: ما تقدم من أن الفائتة لا يؤذن لها هو المشهور، قال ابن ناجي في شرح المدونة: اختلف هل يؤذن للفوائت على ثلاثة أقوال؟ فقيل: لا يؤذن لها، قاله أشهب. وهو نقل الأكثر وبه الفتوى عندنا بإفريقية، قال في شرح الرسالة: وقيل: يؤذن لأولى الفوائت. حكاه الأبهري رواية عن المذهب، واختار إن رجي اجتماع الناس لها أذن، وإلا فلا. وكلاهما حكاه عياض في الإكمال.