قول المص في الخيار وأجير تأخر شهرا، وإنما منع ذلك في دولة النساء إذا كان يتأخر لإحداهن عشرة أيام: لأن ذلك يستلزم تأخر الشروع في غزل الثالثة عشرين يوما مع منع تأخر نصف شهر. فتأمله. وقد جمع ابن غازي في غير هذا الموضع الشروط الثلاثة المعتبرة في دولة النساء في بيت، فقال:
شرط طريحة النسا قرب المدا … وصفة الغزل وذكر الابتدا
وضمن المغيب عليه يعني أن المستعير إذا كان الذي استعاره مما يغاب وادعى رده لربه أو تلفه فإنه لا يصدق في ذلك ويضمن قيمته أو مثله، قال عبد الباقي: وضمن المغيب عليه أي ما يعد مغيبا عليه في الاصطلاح وهو ما يمكن إخفاؤه ومنه سفينة سائرة. انتهى. قوله: "وضمن المغيب عليه" قال الرهوني: فإن اتفقا على صفته فواضح، وإن اختلفا جرى فيه ما تقدم في الرهن مما يمكن هنا حيث قال: وإن اختلفا في قيمة تالف تواصفاه لخ، وقال اللخمي ما نصه: وإن اختلفا في صفة العارية وقد ضاعت كان القول قول المستعير مع يمينه ما لم يأت بما لا يشبه. اهـ منه بلفظه.
فرع: قال اللخمي متصلا بما سبق عنه، وقال مالك في امرأة أعارت حليا فضاع فسئلت ما فيه لتحلف عليه، فقالت استعملته منذ زمان طويل وقد نقص لطول الزمان، قال تحلف أن أصل ما دفعت إلى من عمله كذا وكذا وإنما أخذته على ذلك يريد ويحط ما يرى أنه نقص في تلك المدة اهـ.
إلا لبينة يعني أن محل ضمان المستعير للعارية التي يغاب عليها إنما هو إذا لم تقم بينة على هلاكها بغير تفريط منه، وأما إن قامت البينة على تلفها بغير تفريط منه فلا يضمنها، وهل يضمن المستعير ما يغاب عليه؟ وإن كان قد شرط نفيه أي شرط المستعير على المعير نفي الضمان إذا ادعى تلفه ولم تقم عليه بينة؛ لأن الضمان عليه بطريق الأصالة فلا ينفعه شرطه أو لا يضمن حيث شرط نفي الضمان، وينفعه شرطه لأن إسقاط الضمان معروف، فالأول وهو الضمان عزي في المدونة لابن القاسم وله ولأشهب في العتبية، وهو أي الضمان لابن رشد في المقدمات، قال: يبطل
стр. 6757
الشرط والضمان ثابت، والثاني وهو عدم الضمان للخمي والمازري وغيرهما، قال الشارح: حكى اللخمي والمازري في شرح التلقين وغيرهما أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على إفادة الشرط هنا، بخلاف الرهن لأن العارية باب معروف وإسقاط الضمان معروف ثان لا مانع منه. اهـ.
وقوله: تردد مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تردد، وعلم مما قررت أن التردد هنا لتردد المتأخرين في النقل، فبعضهم حكى اتفاق ابن القاسم وأشهب على الضمان، وبعضهم اتفاقهما على عدم الضمان، راجع ما مر عند قوله: "وبالتردد" لتردد المتأخرين في النقل، قال عبد الباقي عند قوله "تردد" ما نصه: وعلى القولين لا يفسد العقد وقيل يفسد ويكون للمعير أجرة ما أعاره له، قال في الشامل: وحيث ضمن المستعير أي في جميع مسائل باب العارية بأن رأته البينة عنده فلآخر رؤية، وإلا فلربه الأكثر من قيمته يوم قبضه أو تلفه ولو تلف قبل الاستعمال غرم قدر ما بقي منه ويسقط عنه قدر استعماله في مدة الإعارة؛ أي أن لو استعمله ولو باعه المعير قبل استعمال المستعير يكون المستعير شريكا معه في الثمن بقدر الاستعمال. اهـ بإيضاح.
وقال اللخمي: ويختلف إذا أهلكه المعير بعد قبضه منه هل يغرم قيمته ويستأجر للمستعير من القيمة مثل الأول؟ أو يشترى له قيمة تلك المنافع، قياسا على من أخدم أمة ثم أولدها ثم قال وقيمة المنافع أحسنها، قال: ويختلف إذا أهلكها قبل القبض، فعلى قول ابن القاسم كمن قبض، وعلى قول أشهب لا يغرم شيئا، كمن وهب له ثوبا فباعه قبل أن يقبضة منه. اهـ. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وإذا وجب على المستعير ضمان العارية فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضا صاحبها، فإن استعملها في غير ما أذن له فيه فيضمن ما زاد على ما أذن فيه، فإن عطبت ضمن قيمتها يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها المعارة له، فإن أراد رب العارية أن يأخذ منه قيمة ما استعمله فيه بعد أن يطرح من ذلك قيمة إجارة ما كان له أذن فيه لم يكن له ذلك في قول إن كانت أكثر من قيمتها وفي قول يكون له ذلك، وأما إن كان أقل من قيمتها لم يمنع من ذلك. اهـ.
стр. 6758
قوله عن المقدمات: يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية لخ ما ذكره من هنا إلى آخر المسودة كله كلام ابن رشد نقله أبو الحسن وابن عرفة وغيرهما، وقول ابن رشد: يوم انقضاء أجل العارية لخ خلاف ما قدمه عن الشامل، وقد ذكر ابن عرفة نحو ما ذكره في الشامل، وذكر بعده كلام ابن رشد ولم ينبه على مخالفة بينهما، قال بعضهم: والمذهب ما لابن رشد، وقوله: فيضمن ما زاد على ما أذن فيه لخ أي يضمن ما نقصها الاستعمال الذي لم يؤذن فيه، ويسقط عنه ما نقصها الاستعمال المأذون فيه. قاله أبو الحسن. اهـ. قاله البناني.
لا غيره يعني أن العارية إذا كانت مما لا يغاب عليه كعقار وحيوان وسفينة بمحل مرسى، فإن المستعير يصدق في تلفها إلا أن يظهر كذبه، وكذلك يصدق في ردها لربها. الحطاب: يعني أنه لا يضمن ما لا يغاب عليه، قال الجزولي في شرح الرسالة: ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة وهو مصدق في هلاكه، ويحلف متهما أم لا. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: العارية مضمونة فيما يغاب عليه من ثوب أو غيره من العروض، فإن ادعى المستعير أن ذلك هلك أو سرق أو تخرق أو انكسر فهو ضامن، وعليه فيما أفسد فسادا يسيرا ما نقصه وإن كان كثيرا ضمن قيمته إلا أن يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه، ومن المدونة ولا يضمن ما لا يغاب عليه من حيوان أو غيره وهو مصدق في تلفه ولا يضمن شيئا مما أصابه عنده إلا أن يكون بتعديه. اهـ.
تنبيهان: الأول: اعلم أنه إذا لم يضمن الحيوان فإنه يضمن سرجه ولجامه ونحوهما بخلاف كسوة العبد، قال اللخمي: ويضمن ما على الدواب من سرج ولجام ولا يضمن ما على العبد من كسوة لأنه حائز لما عليه. نقله البناني. ونقله الحطاب عن التوضيح عن اللخمي.
الثاني: قال البناني: قال ابن يونس عن ابن حبيب: ومن استعار دابة لركوب أو حمل ثم ردها مع عبده أو مع أجيره فعطبت أو ضلت فلا يضمن؛ لأن شأن الناس على هذا وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول وهو مأمون أو غير مأمون فذلك سواء. اهـ من أبي الحسن في شركة المفاوضة. انتهى.
ولو بشرط يعني أن العارية التي لا يغاب عليها لا يضمنها المستعير كما عرفت، وسواء اشترط المعير على المستعير الضمان أم لا، وهذا قول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل وليس عليه
стр. 6759
الضمان حاشى مطرفا، فإنه قال: إن كان شرط عليه الضمان لأمر يخافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه واشترط من أجله، وإن هلكت بغير ذلك لم يضمن. اهـ. وعليه رد المص "بلو"، وعلى أنه لا يضمن مع الشرط المذكور فقيل يمضي على العارية فلا شيء لربها، وقيل تنقلب العارية مع الشرط المذكور إجارة فاسدة تفسخ مع القيام وفيها أجرة المثل مع الفوات قال اللخمي: قال ابن القاسم في كتاب الرهن من المدونة فيمن استعار دابة على أنه غير مصدق في تلفها: شرطه باطل يريد أنها تمضي على أحكام العارية ولا ضمان عليه ولا أجر. وقال أشهب: عليه أجرة المثل فيما استعملها فيه ورءاه إجارة فاسدة، فعلى قوله: ترد قبل الاستعمال، ويجري فيها قول ثالث أن المعير قبل الاستعمال بالخيار، فإن أسقط الشرط وإلا ردت، فإن فاتت في الاستعمال لم يغرم له شيئا؛ لأنه لم يدخل على إجارة وإنما هو واهب منافع. اهـ المراد منه.
وحلف فيما علم أنه بلا سببه كسوس أنه ما فرط يعني أن المستعير إذا ادعى فيما شأنه أن يعلم أنه وقع بلا سببه في العارية كالسوس وقرض الفار أن ذلك وقع بلا تفريط منه، فإنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما فرطت، وبهذا التفسير يندفع الاعتراض عليه بأنه يقال إذا علم أنه بلا سببه فالتفريط منتف عنه، فكيف يحلف أنه ما فرط، وقوله: "وحلف فيما علم أنه بلا سببه" لخ كان مما يغاب عليه أم لا، وإذا نكل حيث توجهت عليه اليمين فإنه يغرم ولا ترد لأنها يمين تهمة، قال عبد الباقي: ويؤخذ من هذه المسألة أنه يجب عليه تفقد العارية، وكذا يجب على المودع والمرتهن ونحوهم تفقد ما في أمانتهم مما يخاف بترك تفقده حصول العيب ونحوه فيه لأن ما هنا من باب صيانة المال، فإن لم يفعل ذلك تفريطا ضمن وهذا ظاهر وقد وقع التصريح به في بعض هذه المسائل، وحيث ضمن فيضمن ما بين قيمته سليما وقيمته بما حدث فيه، وسواء كان ذلك كثيرا أو قليلا، وفي بعض التقارير أنه إن فات المقصود ضمن قيمة جميعه وإلا ضمن ما بين قيمته سليما ومعيبا. اهـ. قوله: وفي بعض التقارير لخ، قال البناني: هذا هو المنصوص عليه في المدونة، ونصها: وعليه فيما أفسد فسادا يسيرا ما نقصه وإن كان كثيرا ضمن قيمته كله إلا أن
стр. 6760
يقيم بينة أن ذلك هلك بغير سببه فلا يضمن إلا أن يكون منه تضييع أو تفريط بيِّن فيضمن، ونحوه في تضمين الصناع.
وفي كتاب الغصب: ثم قال: وكان مالك يقول: يغرم ما نقص ولا يفرق بين قليل ولا كثير. قاله أبو إسحاق. فظهر ترجيح الأول وأن عزوه لبعض التقارير قصور، وتحصل أن المستعير للمغيب عليه إذا أتى بالبينة على الهلاك بلا تفريط منه لم يضمن، فإن لم يأت بالبينة فما شأنه أن يعلم أنه بلا سببه يحلف فيه ويبرأ، وإلا لم يبرأ إلا بالبينة على تلفه، ومثلوا لما شأنه أن يعلم أنه بلا سببه بالسوس وقرض الفار، وأما حَرْق النار فالراجح فيه أنه ليس من ذلك بل لابد فيه من معاينة البينة، وساوى اللخمي بين الفار والسوس وحرق النار في الضمان خلاف ما مر عليه المص. وبرئ في كسر كسيف إن شهد له أنه معه في اللقاء يعني أن المستعار إذا كان آلة حرب كسيف ونحوه إذا انكسر وادعى المستعير أنه ضرب به ضرب مثله، فإنه يبرأ من ضمانه بشرط أن تشهد له بينة أن السيف معه أي المستعير في اللقاء، وإن لم تعاين البينة أنه ضرب به ضرب مثله، ومثل البينة القرينة بأن تنفصل القتلى ويرى على السيف أثر الدم وما أشبه ذلك من القرائن. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. قوله: ومثل البينة قيام القرينة لخ، قال البناني: عبارة المدونة: ومن استعار سيفا ليقاتل به فضرب به فانكسر لم يضمن لأنه فعل ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت له بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء وإلا ضمن. اهـ. فقولها: إذا كانت له بينة أي على أنه فعل به ما أذن له فيه، وقوله: أو عرف يشمل بظاهره قيام القرينة كما قال أحمد، وزعم مصطفى أن المراد بقولها: عرف ثبوته بالبينة فقط، ولذا عبر ابن رشد بذلك وعزاه لها، ونصه على نقل ابن عرفة. ابن رشد: ثالثها قولها في السيف لا يصدق إلا ببينة أنه كان معه في اللقاء. اهـ. وفيه نظر. انتهى.
أو ضرب به ضرب مثله يعني أن المستعير إذا ضرب بالشيء المستعار سيفا أو فأسا أو غيره ضرب مثله فانكسر فإنه لا ضمان عليه لأنه فعل المأذون له فيه، وجعل ال تتائي أو في كلام المص بمعنى الواو فيكون في مسألة كسيف لا يبرأ إلا بأمرين، يثبت بالبينة أنه معه في اللقاء، وأنه ضرب به ضرب مثله وهذا قول سحنون، ولكن قال فيه ابن رشد: إنه أبعد الأقوال، وفي بعض
стр. 6761
النسخ وفي كسر كسيف من دون برئ وهي نسخة المواق، قال مفسرا للمص ما نصه: مضمنه وحلف فيما علم أنه بلا سببه وفي كسر كسيف، قال عبد الباقي: واحترز بقوله: "كسر" عن الثلم والحفا أي أتى بالسيف مثلوما والرحى حفيا فلا ضمان عليه. اهـ.
وقال الحطاب عند قول المص: "أو ضرب به ضرب مثله" ما نصه: هذا قول آخر حكاه ابن رشد أنه لا يصدق إلا أن يكون له بينة أنه ضرب في اللقاء ضربا يجوز له، قال: وهوأبعد الأقوال ولا يحتاج إليه على القول الأول الذي صدر به المص وهو مذهب المدونة. اهـ. فمعنى المص على هذا برئ المستعير بأحد أمرين: أحدهما أن يشهد له أنه معه في اللقاء، ثانيهما أن يشهد له أنه ضرب به ضرب مثله، وهذا لا يحتاج إليه إن ذهبنا على القول الأول؛ لأن الثاني يستلزم أنه معه في اللقاء فيبرأ، ولو لم يشهد له أنه ضرب به ضرب مثله، وفسرت المص تبعا لغير واحد بما مر وهو حسن إلا أنه يكون في عبارة المص قلق. واللَّه تعالى أعلم.
وفعل المأذون يعني أن المستعير له أن يستعمل العارية فيما أذن له أن يستعملها فيه، قال عبد الباقي: وفعل المأذون أي أبيح له فعله، ومثله يعني أن المستعير له أن يستعمل العارية في مثل ما استعارها له، كما لو استعارها ليحمل عليها أرادب معينة، فإنه يجوز له أن يحمل عليها أرادب مثلها صفة، أو اكتراها لحمل قمح فحمل عليها عدسا، أو قطنٍ فحمل عليها بزا مثلا، قال عبد الباقي: ومثله زنة أو كيلا كمسافة على الأرجح من قولين هنا بخلاف الإجارة، كما سيقول فيها عاطفا على ما يمنع: أو ينتقل لبلد وإن ساوت إلا بإذن، والفرق أن في الإجارة فسخ دين في دين. انتهى. قوله: كمسافة على الأرجح لخ، قال البناني: تبع فيه الأجهوري، واعترضه مصطفى بأن ما منع في الإجارة فأحرى هنا، وقد قال ابن رشد في آخر سماع ابن القاسم من الجعل والإجارة: اختلف فيمن استعار دابة إلى موضع فركبها إلى موضع مثله في الصعوبة والسهولة فهلكت، فروى علي لا ضمان عليه، وقاله عيسى بن دينار في المبسوطة: وقال ابن القاسم في المبسوطة: ضامن، وقال في سماع سحنون: قول ابن القاسم هو الآتي على قول المدونة في الرواحل: من أكرى دابة لبلد ليس له أن يركبها إلى غيره، وإن ساواه. نقله ابن عرفة. قال مصطفى: فأنت ترى أن
стр. 6762
الضمان هو قول ابن القاسم، وهو الجاري على مذهب المدونة. اهـ. وحينئذ فالظاهر حمل كلامه هنا على الحمل فقط. انتهى.
ودونه يعني أن المستعير له أن يستعمل العارية فيما هو دون ما استعارها له، كما لو استعارها ليحمل عليها إردبا فحمل عليها أقل من إردب، لا أضر يعني أن المستعير لا يجوز له أن يستعمل العارية فيما هو أضر مما استعارها له، ولو كان هذا الأضر دون ما استعارها له في القدر والثقل فإنه لا يباح، كما لو استعار دابة ليحمل عليها قمحا فحمل عليها حجارة دونه في الثقل. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: من استعار دابة ليحمل عليها حنطة فجعل (١) عليها حجارة، فكل ما حمل مما هو أضر بها مما استعارها له فعطبت به فهو ضامن، وإن كان مثله في الضرر لم يضمن، كحمله عدسا في مكان حنطة أو كتانا، أو قطنا في مكان بز. وكذلك من اكتراها لحمل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما اكتراها له فعطبت لم يضمن، وإن اكتراها لحمل حنطة فركبها فعطبت، فإن كان ذلك أضر وأثقل ضمن وإلا لم يضمن. انتهى.
وإن زاد ما تعطب به فله قيمتها أو كراؤه يعني أنه إذا استعار دابة ليحمل عليها شيئا معلوما فزاد على ذلك، فإن كان الذي زاده تعطب به عادة وعطبت فإنه يخير المعير بين أن يضمن المستعير قيمة الدابة وقت الزيادة إذ هو وقت التعدي، وبين كرائه أي كراء الزائد فقط لأن خيرته تنفي ضرره، ومعرفة ذلك أن يقال كم يساوي كراؤها فيما استعارها له؟ فإذا قيل: عشرة، قيل: وكم يساوي كراؤها فيما حمل عليها؟ فإذا قيل: خمسة عشر دفع إليه الخمسة الزائدة على كراء ما استعيرت له. قاله عبد الباقي، وغيره.
قال البناني: اعلم أن الصور ست؛ لأنه إذا زاد ما تعطب به فتارة تعطب وتارة تتعيب وتارة تسلم، فالأولى منطوق قوله: "وإن زاد ما تعطب به" لخ، والثانية لم يتكلم عليها ولا تدخل تحت "وإلا"، وحكمها أن ربها يأخذ من المتعدي الأكثر من كراء الزائد وأرش العيب، والثالثة داخلة في قوله: "وإلا فكراؤه"، وإن زاد ما لا تعطب به ففيه الصور الثلاث، وكلها مأخوذة من قوله: "وإلا فكراؤه". واللَّه أعلم. اهـ.
стр. 6763
كرديف يعني أن من استعار دابة فتعدى عليها بأن أردف معه رديفا فعطبت فإن ربها مخير كالتي قبلها، فإن شاء أخذ كراء الرديف فقط من المستعير أو قيمة الدابة هذا إذا كان المستعير موسرا، وأما إن كان معسرا فهو ما أشار إليه بقوله: واتبع به إن أعدم يعني أنه إذا أعدم الردف فإن الرديف يتبع بما ذكر من كراء الرديف فقط أو قيمة الدابة، والحال أن الرديف لم يعلم بالإعارة، وأما إن علم الرديف بالتعدي بأن علم بأن الدابة ليست للمردف وإنما هي عارية عنده فإنهما متعديان، فللمعير الرجوع على أيهما شاء. وقوله: "ولم يعلم" إما حال كما قررت وإما عطف على قوله: "أعدم"
والحاصل أن الرديف إذا علم بالتعدي فحكمه حكم المستعير أي المردف، فللمعير تضمين أيهما شاء، وإن لم يعلم بالتعدي فإن كان المستعير معدما فإن الرديف يتبع لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء وحيث تعلق الضمان بهما، فاختلف هل تفض القيمة على قدر ثقلهما أو نصفين لأن قتلها كان من اجتماعهما ولو انفرد كل لم تهلك، قال عبد الباقي: كرديف ولو عبدا أو صبيا أو سفيها إلى أن قال: وما ذكرناه من أنه إذا استعارها ليركبها فأردف معه رديفا حتى عطبت فربها مخير كالتي قبلها، وأنه شامل لكون الرديف عبدا أو صبيا أو سفيها صحيح بالنسبة إلى تخيير ربها، ولكن لا يجري في العبد والصبي والسفيه قوله: "واتبع به إن أعدم" لخ؛ لأنهم ذوو شبهة بمنزلة قوله المار: "وإن أودع صبيا" لخ، ولذا قال ابن يونس: لو كان الرديف عبدا فلا شيء عليه من ذلك في رقبته ولا في ذمته؛ لأنه ركبها بوجه شبهة. اهـ.
قوله: ولكن لا يجري في العبد والسفيه والصبي لخ، قال الرهوني: فيه نظر، بل الجاري على قوله: إنها بمنزلة قول المص: "وإن أودع صبيا" لخ تعلقها بذمة المأذون عاجلا وبذمة غيره إذا عتق، ولا حجة له فيما نقله عن ابن يونس؛ لأن ابن يونس لم ينقله على أنه المذهب، بل نقله عن أشهب مع تصريح بأنه خلاف قول ابن القاسم، ومع ذلك فأشهب القائل بأنه لا شيء عليه إن كان عبدا، يقول أيضا: لا شيء عليه إن كان حرا رشيدا، ونص ابن يونس: قال أشهب في كتابه: ولا يلزم الرديف شيء وإن كان المستعير عديما، وقد أخطأ من ألزمه كراء الرديف في عدم
стр. 6764
المستعير وإن كان الرديف عبدا له أو لغيره لم يكن شيء من ذلك في رقبته ولا في ذمته؛ لأنه ركب بوجه شبهة.
محمد بن يونس: وقال بعض شيوخنا: هذا خلاف لابن القاسم بل عليه الكراء في عدم المستعير، كمن غصب سلعة فوهبها فهلكت أن الموهوب يضمن في عدم الغاصب. اهـ كلام الرهوني. ونحوه في الشارح، وزاد عقب قوله: يضمن في عدم الغاصب ما نصه: قال: وهذا إذا لم يعلم الرديف. اهـ. وقال البناني عند قوله: "كرديف واتبع به إن أعدم" ما نصه: هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب: أخطأ من قال: يضمن الرديف إذا كان المستعير معدما، وإنما يكون ضمان الدابة على من تعدى وهذا لم يتعد. اللخمي: يريد أن الرديف لم يعلم فيكون بمنزلة من قتل خطئا، وقد اختلف فيه وهذا إذا كان يرى أنها لا تهلك من الرديف فهلكت منه، وإن كان يرى أنها تهلك منه إذا ركباها جميعا وكان المستعير معسرا ضمن الرديف، بمنزلة من قتل عمدا ثم يختلف هل تفض القيمة على قدر ثقلهما أو نصفين لأن قتلها كان من اجتماعهما. انتهى.
وإلا بأن زاد ما تعطب به وسلمت أو زاد ما لا تعطب به وعطبت أو تعيبت وسلمت، فعليه كراؤه الزائد أي فإنما على المستعير كراء الزائد في الصور الأربع، فإن زاد ما تعطب به ولم تعطب لكنها تعيبت فقد مر أن على المستعير الأكثر من كراء الزائد وقيمة العيب، قال عبد الباقي: وكلام المص في زيادة الحمل كما يفيده كلام غير واحد من شراحه، فإن عطبت بزيادة مسافة ضمن قيمتها كانت تعطب بمثلها أم لا، فإن تعيبت بها فله الأكثر من كراء الزائد وقيمة العيب، فإن انتفيا فكراء الزائد. هذا هو الظاهر قياسا على ما يأتي في الإجارة، والظاهر تقييد قوله: "وإلا فكراؤه" بما إذا لم تطل المدة بحيث تكون مظنة تغير الأسواق، فإن طالت فله الكراء معها أو قيمتها. انتهى.
وفي بعض النسخ: وإلا فكمردفه أي وإلا بأن علم الرديف بالإعارة فحكمه حكم مردفه فلربها أن يضمن من شاء منهما إما القيمة وإما الكراء، قال الخرشي: ومن غرم منهما لا رجوع له على الآخر. انتهى. قال الخرشي: وأخذ من تراجع الحملاء تراجع اللصوص وهو كذلك عند مالك، إذا وجد بعضهم معدما رجع على الأملياء لأن كل واحد ضامن لجميع ما أخذوا. اهـ. وعلم مما
стр. 6765
مر أن الرديف إذا كان عبدا أو سفيها أو صبيا وعلم بالإعارة يكون كمردفه، فيضمن العبد في رقبته والصبي والسفيه في مالهما. اهـ كلام مقيده عفا الله تعالى عنه.
ولزمت المقيدة بعمل أوأجل لانقضائه يعني أن العارية إذا قيدت بعمل كزراعة أرض أو بأجل فإنها تلزم إلى أن ينقضي ذلك العمل أو الأجل الذي قيدت به؛ أي ليس للمعير أن يأخذها من المستعير حتى ينقضي العمل أو الأجل الذي قيدت به، قال عبد الباقي: ولزمت المقيدة بعمل كزراعة أرض بطنا فأكثر مما لا يخلف، كقمح أو مما يخلف كقصب أو بأجل كسكنى دار شهرا لانقضائه على الأصح. اهـ. قوله: كزراعة أرض لخ، قال الرهوني: ظاهره أنه لا رجوع له ولو قبل أن يزرعها وعليه حمل المدونة غير واحد، وإن كان خلاف ظاهرها ففيها ما نصه: وإن أعرته أرضك للزرع فزرعها فليس لك إخراجه حتى يتم الزرع. اهـ منها بلفظها. قال ابن ناجي ما نصه: ظاهر قوله: فزرعها أنه لو لم يزرعها لكان له منعه، وعلى ذلك حملها شيخنا حفظه اللَّه تعالى، وقال ابن يونس عن بعض أصحابنا عن غير واحد من شيوخنا: ليس له منعه لأن مقدار الزراعة معلوم، فهو كضرب الأجل. اهـ منه بلفظه.
وبهذا جزم أبو الحسن فقال ما نصه: قوله وإن أعرته أرضك للزرع فزرعها، وكذلك لو لم يزرعها لأن الإبان كالأجل، ثم ذكر كلام ابن يونس ثم قال اللخمي: ومحمله على مرة واحدة. اهـ منه بلفظه. وقوله عن اللخمي ومحمله على مرة واحدة معناه عند الإطلاق، ونص اللخمي: ومن أعار أرضا لتزرع لزمه وكان محمله على مرة واحدة. اهـ منه بلفظه. وقول عبد الباقي: لانقضائه على الأصح يقتضي أن مقابل الأصح يقول بعدم اللزوم ولو بعد القبض وفيه نظر؛ إذ لم يذكر اللخمي ولا غيره هذا القول أصلا، وإنما ذكروا هذا الخلاف قبل القبض، وما عبر عنه الزرقاني بالأصح قال فيه في التوضيح ما نصه: واللزوم هو أصل المذهب كالهبة وهو قول ابن القصار. اهـ. وعبر عنه في الشامل بالمشهور ونصه: ولزم ما عين ولو لم يقبض على المشهور بعمل أوأجل لانتهائه. اهـ.
فرع: إن اختلفا في قدر الأجل كان القول قول من شهد له العرف كان المعير أو المستعير فإن لم يشهد لواحد منهما فالجاري على القواعد أن يكون القول قول ربها. واللَّه أعلم. وفي طرر ابن عات
стр. 6766
ما نصه: إن ادعى معير العرصة أنه أعارها رجلا خمسة أعوام وقال المستعير عشرة فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أقرب إلى ما يشبه إرفاق الناس في ذلك البنيان لأجل النفقة التي تقوم عليها فيها، وقد أقر له المعير بأجل وأنكره المدة فربها مدع وعليه البينة. من الاستغناء. اهـ منها بلفظها. وشهادة العرف لربها معتبر بالأحرى، فإن لم يشهد لواحد منهما لخ. انظر الرهوني.
وإلا أي وإن لم تقيد العارية بمدة ولا أجل فاللازم لربها فيها المعتاد، فليس له أن يأخذها من المستعير حتى يمضي مقدار ما تعار له عادة، وفي المسألة ثلاثة أقوال هذا أحدها وهو الذي رجحه ابن يونس، قال البناني: ابن عرفة: قال اللخمي: إن أجلت العارية بزمان أو انقضاء عمل لزمت إليه، وإن لم تؤجل كقوله: أضرتك هذه الأرض أو الدابة أو الدار أو هذا العبد أو الثوب، ففي صحة ردها ولو بقرب قبضها ولزوم قدر ما تعار له، ثالثها: إن أعار ليسكن ويبني فالثاني وإلا فالأول، والقول الأول لابن القاسم فيها مع أشهب، والثاني لغيرهما والثالث لابن القاسم في الدمياطية اهـ فقول المص: "وإلا فالمعتاد" مخالف بظاهره للمدونة إلا أن ابن يونس صوبه.
وقوله: وله الإخراج موافق للمدونة فكلامه متناقض، فلو قال: وإلا فالمعتاد على الأرجح وفيها وله الإخراج لخ لأجاد. قاله ابن غازي. قال الحطاب: وكلام ابن غازي صحيح لا غبار عليه، لكن حاول الأجهوري تبعا للبساطي تقريره بما ذكره عبد الباقي ليوافق المدونة، ولم يرتضه الحطاب لاحتياجه إلى تقدير كثير. اهـ كلام البناني.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: حاصل ما مر عليه المص هو القول الذي صوبه ابن يونس فيما عدا قوله: "وله الإخراج في كبناء" إلى آخره، فإنه مر في هذه المسألة على قول المدونة، وتقرير عبد الباقي الذي أشار إليه البناني هو قوله: "وإلا فالمعتاد" لازم في مثلها بالقول لأن العرف كالشرط وهذا فيما أعير لبناء أو غرس وحصل لا إن لم يحصل ولا في معار لغيرهما على المذهب كدابة لركوب وعبد لخدمة، ثم ذكر ما هو كالاستثناء من قوله: "وإلا فالمعتاد"، فقال: "وله الإخراج في كبناء". اهـ المراد منه.
ومعنى قول المص: "وله الإخراج" في كبناء إن دفع ما أنفق أنه إذا أعاره أرضه يبني فيها بنيانا أو يغرس فيها غرسا، فلما غرس أو بنى أراد المعير إخراجه من الأرض فإن له ذلك ولو بقرب
стр. 6767
الإعارة لتفريطه حيث لم يقيد، وإنما يكون للمعير أن يخرج المستعير من أرضه إن دفع للمستعير ما أنفقه وتكلفه على ذلك البنيان أو الغرس، فيتملك هو أي المعير البناء والغرس.
وفيها أيضا قيمته يعني أنه وقع في المدونة أيضا ما يخالف هذا الذي وقع فيها وهو أن المعير له الإخراج إن دفع قيمته أي قيمة المنفق عليه وهو البناء والغرس قائما على التأبيد لا قيمة ما أنفق من المفردات التي بنى بها وإن كان ذلك ظاهره فليس بمراد، وإنما المراد ما قررته به إذا دفع له قيمة البناء والغرس قائما فللمعير تملك ذلك البناء والغرس. أبو الحسن: قالوا وإذا أعطاه قيمته قائما فعلى التأبيد بخلاف مسألة أول كتاب الاستحقاق، فإنه إذا أعطاه قيمته قائما فإنه لتمام المدة في الاستحقاق من يد المكتري، قالوا: والفرق بينهما أن ما في الاستحقاق المستحق لم يأذن له وإنما أذن له غيره وهذه الإذن من رب الأرض. اهـ. وما ذكره من قيمته لتمام المدة في الاستحقاق إنما هو على ما لعبد الحق، والذي لابن يونس أنه يعطى قيمة ما يبني به هذا البناء، وصوبه ابن عرفة وقال: إنه جار على أصل المذهب وحينئذ لا فرق بين العارية والاستحقاق، ولا يمكن تحديده بمدة ويأتي إن شاء اللَّه في الاستحقاق بيان ذلك. قاله البناني.
واختلف الشيوخ فيما في الموضعين من المدونة هل هو خلاف؟ فمن قال خلاف اكتفى بظاهر اللفظ أو وفاق، قال الخرشي: ومن قال إنه وفاق قال محل إعطاء القيمة إذا أخرج المستعير المؤن كالجير ونحوه من عنده، وأما لو أخرج ثمنا من عنده فاشترى به المؤن فإنه يدفع له ما أنفق وهذا تأويل عبد الحق، فإنه قال يحتمل التوفيق بثلاثة أوجه وهذا أحدها، وإليه أشار المص بقوله: قيمته إن لم يشتره أي إنما يعطي القيمة إن لم يكن المستعير اشترى ما يبنى به، وأما إن اشتراه فإنه يدفع ما أنفق وهو الدراهم مثلا، ثانيها أشار إليه بقوله: أو إن طال أي محل القيمة إذا طال الزمان، وعلى هذا إن لم يطل الزمان فإن المعير يدفع للمستعير ما أنفق، الثالث أشار إليه بقوله: أو اشتراد بغبن كثير أي محل دفع ما أنفق إذا لم يشتر ما يبني بغبن كثير بأن اشتراه بغير غبن أو بغبن يسير أو لم يشتره، وأما إن اشتراه بغبن كثير فإنه يدفع القيمة، وقال عبد الباقي: أو اشتراه أي ما غرسه وآلة البناء بغبن كثير لخ، وصريح كلام الخرشي أن هذه المقالات الثلاثة لعبد الحق موفقا بها بين الموضعين في المدونة. وقال البناني: ظاهر المص أن هذا التأويل الثالث
стр. 6768
على وجه الوفاق كاللذين قبله وكذلك ذكره ابن رشد، والذي لعبد الحق أنه تأويل خلاف ونحوه لابن يونس. اهـ المراد منه. وهو صريح في خلاف ما للخرشي واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي عند قوله: "إن طال" ما نصه: وثمنه إن لم يطل زمنه، وعلى هذا تعتبر قيمته الآن على حاله من البلى والقدم كما صدر به ابن عرفة عن ابن رشد لا يوم تمامه، خلافا لعبد الحق. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، واحد بالخلاف وتأويل الوفاق بأوجهه، وفي بعض النسخ: تأويلات بصيغة الجمع، واحد بالخلاف وثلاثة بالتوفيق. والله ولي المؤمنين.
وإن انقضت مدة البناء أو الغرس فكالغاصب هكذا في بعض النسخ وفي بعضها: "فكالغصب" ومعنى المص من استعار أرضا للبناء أو للغرس لمدة كعشر سنين مثلا فغرس فيها أو بنى وانقضت المدة التي أعيرت لها الأرض، فإن المستعير يكون كالغاصب الذي غصب الأرض وبنى فيها أو غرس، فإن المالك للأرض بالخيار بين أن يأمر الغاصب بقلع بنائه أو غرسه مع تسوية الأرض، وبين أن يعطيه قيمة بنائه أو غرسه مقلوعا، وتسقط منه أجرة من يتولى نقضه ويتملك البناء والغرس، فكذلك المعير إذا انقضت مدة العارية فله أن يأمر المستعير بقلع بنائه له أو غرسه مع تسوية الأرض، وله أن يعطيه قيمة ذلك مقلوعا بعد إسقاط أجرة من يتولى قلعه من تلك القيمة. قال عبد الباقي: وإن انقضت مدة البناء أو الغرس المعتادة أو المشترطة فكالغصب، وإن كان مأذونا له فيهما لدخوله على ذلك بتحديده بزمن قد انقضى فيخير المعير بين أمره بهدمه وقلع شجره مع تسوية الأرض كما كانت، وبين دفع قيمته منقوضا إن كانت له قيمة منقوضا، ويسقط منها أجرة من يتولى النقض بتقدير نقضه ومن يتولى تسوية الأرض، فإن لم تكن له منقوضا قيمة أخذه مجانا وعليه فلا يرجع على المستعير بقيمة الهدم والقلع وتسوية الأرض فيما يظهر بخلاف الغاصب، ثم محل إسقاط الكلفة إذا كان المستعير لا يتولى ذلك بنفسه أو بعبيده، فإن تولى ذلك بما ذكر لم يسقط المعير ما يقابل ذلك من القيمة بل يدفعها للمستعير بتمامها، ثم إذا حكم للمعير بأخذه قائما مع دفع قيمته منقوضا فهدمه أو قلعه المستعير فعليه للمعير قيمته قائما فإن فعل قبل
стр. 6769
الحكم فانظره، وهذا إذا انقضت مدة البناء والغرس، فإن هدم أو قلع المستعير قبل انقضائها لم يكن للمعير كلام عليه فيما يظهر.
وشبه مسألة المستعير بمسألة الغاصب المشار لها في باب الغصب بقوله: "وفي بنائه في أخذه ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة لم يتولها" وإن لم يتقدم لها ذكر لشهرتها انتهى كلام عبد الباقي، قوله: فإن فعل قبل الحكم فانظره، قال الرهوني: سكت عنه التاودي والبناني مع أن ما توقف فيه مصرح بحكمه في المدونة وغيرها، قال أبو الحسن عند قول المدونة: فلك أن تعطيه قيمة البناء أو الغرس فقام بعد لخ ما نصه: ولو بادر فقام بذلك قبل الحكم لم يكن عليه شيء. قاله في كتاب القسمة. اهـ. ومثله في الدر النثير قبيل مسائل القضاء، ونص ما فيها في كتاب القسمة: وإن كان بين رجلين نقض دون القاعة جاز أن يقتسماه على التراضي أو بالقيمة والسهم، ويجبر من أباه منهما لمن أراده منهما فإن أراد هدم النقض ورب العرصة غائب رفعا ذلك إلى الإمام، فإن رأى اشتراء ذلك للغائب بقيمة النقض منقوضا فعل وإلا ترك ولزم الغائب ما فعل السلطان، قيل فمن أين يدفع الثمن على الغائب؟ قال: هو أعلم بذلك، فإن نقضا البناء دون الإمام فلا شيء عليهما ويقتسمان النقض. اهـ. وقول عبد الباقي: فإن هدم أو قلع المستعير قبل انقضائها لم يكن للمعير كلام فيما يظهر، مأخوذ من مسألة المدونة بالأحرى فلا حاجة إلى قوله: فيما يظهر. فتأمله. واللَّه أعلم. اهـ.
وإن ادعاها الآخذ والمالك الكراء فالقول له بيمين يعني أن من أخذ دابة أو ثوبا أو آنية أو غير ذلك، فادعى الآخذ أن ذلك عارية وادعى المالك أنه أكراه له فالقول للمالك بيمين أنه أكراه له من حيث الأجرة لا من حيث لزوم العقد؛ لأن القول لمنكره وهذا إذا ادعى أجرة تشبه وإلا رد لأجرة المثل كما في التوضيح، فإن نكل للمستعير بيمين فإن نكل غرم الكراء بنكوله. قاله عبد الباقي وغيره.
إلا أن يأنف مثله يعني أنه إذا كان مثل المالك يأنف عن أخذ الكراء فإنه لا يكون القول قول المالك في الكراء، بل يكون القول للمستعير في أنه عارية، قال عبد الباقي: إلا أن يأنف مثله أي يتعاظم بحسب عادة أمثاله عن أن يأخذ كراء فالقول للمستعير بيمين، فإن نكل حلف المالك
стр. 6770
وأخذ الكراء الذي زعمه فإن نكل أخذ كراء المثل، ونحوه للشارح عن أشهب على وجه يقتضي أنه مقابل، وقال أحمد: إذا نكل المالك لا شيء له هذا هو الجاري على القواعد. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من ركب دابة رجل إلى بلد وادعى أنه أعاره إياها، وقال ربها: بل أكريتها منه فالقول قول ربها. ابن يونس: لأنه ادعى عليه معروفا، قال ابن القاسم: إلا أن يكون مثله ليس يكري الدواب لشرفه وقدره. اهـ. وقال البناني: ظاهر كلام المدونة في قولها ومن ركب دابة رجل إلى بلد وادعى أنه أعاره إياها لخ أن هذا الحكم محله إذا وقع التنازع بعد الانتفاع أما لو تنازعا قبله فالقول للآخذ في نفي عقد الكراء؛ لأن القول لمنكر العقد إجماعا وترد إلى ربها وهو ظاهر، وقول عبد الباقي: عن أحمد إذا نكل المالك فلا شيء له لخ هذا وإن كان هو الجاري على القواعد كما ذكره، لكن ما قاله الشارح هو المنصوص في النوادر عن أشهب، ونصها: إن كانت الدابة للشريف العظيم الذي يأنف مثله من كراء الدابة صدق الراكب مع يمينه، فإن نكل حلف رب الدابة وأخذ الكراء الذي زعم، فإن نكل أخذ كراء المثل. اهـ. قوله: "وإن ادعاها الآخذ والمالك الكراء" لخ هو شامل لدار السكنى، فالقول للمالك بيمين إلا أن يأنف مثله، وأما دار غير دار سكناه فالقول له أنه أكراها ولا يراعى كون مثله ذا قدر ورفعة أم لا.
تنبيهات: الأول: في المنتخب ما نصه وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم عن الرجل أتى الرجل فقال له: هات ثمن الثوب الذي بعتكه، فقال: ما بعتنيه ولكن أمرتني أن أبيعه لك، فالقول قول صاحب الثوب ويحلف أنه باعه منه، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر وبرئ، قلت: فإن حلف صاحب الثوب أنه باعه واختلفا في الصفة؟ فقال: يقال لمشتري الثوب صفه فإذا وصفه حلف على صفته ثم قومه أهل البصر وغرم القيمة، قلت: فإن نكل؟ قال: يقال لصاحب الثوب صفه فإن وصفه قومت صفته وغرم المشتري، قلت: فإن أتيا جميعا بما يستنكر في صفة الثوب ونكلا عن اليمن؟ قال: القول قول مشتري الثوب، قلت: قيمة الثوب أدنى من الثمن الذي باعه به، قال: يقال للذي باع الثوب اتق اللَّه وانظر إن كان قولك في الثوب حقا أنه أمرك ببيعه فادفع له بقية ثمن ثوبه ولا تحبسه ولا يقضى عليه بذلك لأن صاحب الثوب يدعي أنه باعه منه. نقله الرهوني.
стр. 6771
قال: ومن هذا يؤخذ حكم مسألة وقعت بالقصر الكبير، وهي أن رجلا ادعى على آخر أنه باع له ثوبا فأجابه بأنه لم يبعه له ولكنه دفعه له ليوصله إلى رجل كان طلب من رب الثوب أن يرسل إليه ثوبا ليشتريه منه، وأنه دفعه له فلم يصلح له ورده إليه ليرده إلى ربه فسرق، فاختلف فيها وأفتى بعضهم بأن القول قول رب الثوب، ونقل عن اللباب أنه إذا اختلف في شيء فقال ربه بعته لك، وقال الآخر أعرته لي فالقول قول ربه، فلما رفعت إلي النازلة استغربت هذا النقل لأن ظاهره أن القول قول ربه فيحلف ويثبت البيع بالثمن الذي ادعاه، كما أن ظاهره أن الحكم ما ذكره ولو لم يفت الثوب وذلك مخالف لقاعدة أن القول لمنكر العقد إجماعا، وحضر بعض حذاق علماء فاس ورباط الفتح فتكلمت معهم في ذلك فكلهم ظهر له ما ظهر لي ولم أكتب في المسألة بشيء، ثم وقفت على ما تقدم ومنه يعلم أنه يحلف ربه ويجب على الآخر غرم قيمته، ثم إن اتفقا على صفته أو قامت بها بينة فذلك وإلا فعل ما تقدم عن المنتخب. فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى.
الثاني: قال الرهوني: ما ذكره المص تبعا للمدونة وغيرها ظاهر إن كان الشيء قائما أو قامت على هلاكه بينة أو كان مما لا يغاب عليه ولم تقم بينة بأنه تلف بتفريط ممن هو بيده، وانظر إذا كان مما يغاب عليه ولم تقم بينة، ومقتضى كون القول قول ربه إن كان مثله لا يأنف ذلك لزوم الكراء وسقوط الضمان: والغالب أن المالك إنما يدعي الكراء في هذه الصورة إذا كان أكثر من قيمة ذلك الشيء، فإن تساويا فالمئال واحد ويظهر أنه لا يمين على المالك إذ ذاك لأنه قادر على أخذ ذلك بإقرار منازعه، وإن كان الكراء أقل فلا يدعيه غالبا وعلى تقدير ادعائه ذلك فعدم الحلف أحرى من صورة المساواة. اهـ.
الثالث: قال الرهوني: سكت المص ومن تكلم عليه ممن وقفنا على كلامه عن عكس هذه المسألة، وفي نوازل الوديعة والعارية من المعيار ما نصه: وسئل ابن الحاج عن امرأة استعارت حليا من امرأة فضاع عندها فقالت استأجرته، وقالت صاحبته بل أعرته إياك ولم أكره منك؟ فأجاب: إن كانت صاحبته ممن تكري الحلي فالقول قول التي ضاع عندها أنها أكرته لها ويسقط عنها الضمان، وإن كانت ممن لا تكري الحلي فيكون القول قولها لأنه لا يؤاخذ أحد بأكثر مما يقر به
стр. 6772
على نفسه، والذي أقول به ويصح عندي أن الوجه الأول أن القول قول التي ضاع عندها الحلي إنه مستأجر، وأما الوجه الثاني فهو على قول أشهب، وأما على قول ابن القاسم فإن القول قول صاحبة الحلي، كمن قال: قرض، وقال الآخر: قراض. انتهى.
الرابع: قال الرهوني عند قول المص وإن "ادعاها الآخذ والمالك الكراء" لخ ما نصه: مثله في المدونة، ونقله ابن عرفة، وقال متصلا به ما نصه: وفي أكرية الدور: ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء فادعى أنك أسكنته بغير كراء فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك، قال غيره: على الساكن الأقل من دعواك أو كراء المثل بعد أيمانهما، ويناقض ما في العارية لعدم تقييد هذه بقولها في العارية إلا أن يكون رب الدابة ممن لا يكري الدواب لشرفه، ويجاب باقتضاء العرف أن كراء الدواب نقص في بعض الناس وكراء الربع ليس نقصا في أحد من الناس وهذا في سكنى الربع استقلالا، ولو أسكنه بيتا في داره معه لكان ذلك كمسألة الدابة وكذا الثياب والآنية لخ.
كزائد المسافة إن لم يزد يعني أن المعير والمستعير إذا اختلفا في المكان المعار إليه، فقال المعير: من مصر إلى غزة مثلا، وقال المستعير: بل من مصر إلى دمشق البعيدة وكان تخالفهما عند بلوغ غزة أو قبله فإن القول قول المعير بيمينه، فيردها المستعير إلى ربها ولا يجاوز بها غزة؛ لأن المستعير مدع زيادة الأَصْلُ عدمها ولا تسلم له الدابة إلا بتوثق إن خشي تعديه.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي هنا ما نصه: فقال المعير من مصر مثلا إلى غزة وقال المستعير من مصر إلى دمشق، وكان تخالفهما عند بلوغ غزة، ثم قال ولا تسلم له الدابة إلا بتوثق. اهـ. قال الرهوني: تأمله فإن الموضوع منه أنه بلغ غزة إلا أن يحمل على أنه أعاره ذهابا وإيابا. اهـ. وما قاله ظاهر غاية. واللَّه تعالى أعلم. ومعنى قول المص: "إن لم يزد" أي لم يركب المستعير زائد المسافة الذي ادعاه وهو من غزة إلى دمشق في المثال المذكور، وهو صادق بصورتين كما قررت: تنازعا قبل الوصول إلى غزة فيبلغها عليها، تنازعا بعد أن وصلا غزة فتنزع من المستعير وترد إلى ربها.
إلا بأن ركب المستعير الزائد أو بعضه، فالقول للمستعير في نفي الضمان إن عطبت الدابة، وفي نفي الكراء إن سلمت، والحاصل أنه إذا كان تنازعهما بعد الوصول لدمشق فلا شيء على
стр. 6773
المستعير من ضمان الدابة إن عطبت ولا من كراء الزائد فيما إذا سلمت، فإن ركب بعض الزائد ولم يبلغ دمشق في المثال المذكور فالقول له فيما زاده فلا ضمان عليه ولا كراء، ولا يقبل قوله بالنسبة لما بقي من المسافة فترد إلى ربها، قال عبد الباقي: ثم إنما يكون القول للمستعير في نفي الضمان والكراء إن أشبه وإلا فللمعير كما إذا كان اختلافهما قبل ركوب المسافة المتفق عليها أو بقيتها، قال اللخمي: إلا أن يخشى منه التعدي بها فلا تسلم له إلا بتوثق منه ليلا يتعدى؛ أي بأن يركب ما ادعاه. انتهى.
وقال البناني في التوضيح: وإن ركب إلى الغاية، فقال ابن القاسم في المدونة: القول للمستعير إن ادعى ما يشبه بيمينه، واعلم أنه في المدونة لم يذكر أن ابن القاسم قال بهذا، بل قال: وجدت في مسائل عبد الرحيم عن مالك ذلك نعم ظاهره أنه قائل بذلك. انتهى. وذكر ابن يونس أن مقتضى قول ابن القاسم أن القول قول المستعير في سقوط الضمان والكراء، وأن سحنونا وأشهب قالا: القول للمستعير في سقوط الضمان فقط لخ، والقول للمعير في الكراء يحلف المستعير ليسقط الضمان عنه ويحلف المعير ويأخذ الكراء. انتهى.
وإن برسول مخالف مبالغة فيما بعد الكاف من المسألتين؛ يعني أن القول قول المعير حيث لم يركب المستعير الزائد وإن كان الرسول الذي أتى بالعارية إلى المستعير مخالفا للمعير وموافقا للمستعير: بأن قال: أعرته من مصر لدمشق في المثال المذكور فلا يسمع قول الرسول، وإن ركب الزائد أو بعضه فالقول للمستعير في نفي الضمان إن هلكت، وفي نفي الكراء إن سلمت وإن كان الرسول موافقا للمعير مخالفا للمستعير بأن قال أعرته لغزة في المثال المذكور، قال المواق: قال أشهب: من بعث رسولا إلى رجل ليعيره دابة إلى برقة فأعاره فركب المستعير إلى برقة فعطبت، فقال المعير: إنما أعرتك إلى فلسطين، وقال الرسول: بل إلى برقة فشهادة الرسول هاهنا لا تجوز للمستعير ولا عليه لأنه إنما يشهد على فعل نفسه، ويحلف المستعير أنه ما استعارها له إلا إلى برقة وسقط عنه الضمان. انتهى.
وقال البناني: قال ابن القاسم في المدونة فيمن بعث رسولا إلى رجل ليعيره دابة إلى برقة فقال الرسول إلى فلسطين فعطبت الدابة عند المستعير واعترف الرسول بالكذب: ضمنها وإن قال بذلك
стр. 6774
أمرتني وأكذبه المستعير فلا يكون الرسول شاهدا لأنه خصم وتمت المسألة هنا في أكثر الروايات، وعليه اختصر البرادعي وزاد ابن أبي زيد في مختصره، والمستعير ضامن إلا أن تكون له بينة على ما زعم، وصحت هذه الزيادة في رواية يحيى بن عمر، ثم قال البناني: وبه تعلم أن ما درج عليه المص هو قول ابن القاسم في المدونة على رواية عدم زيادة الضمان التي عزاها ابن عبد السلام والتوضيح للأكثر، وهي الموافقة لقول أشهب، ولا يقال جرى على قول أشهب كما قاله ال تتائي والشارح، ونحوه للمواق لأنه لا يتأتي ذلك مع قوله في نفي الكراء والضمان إذ المبالغة فيه وأشهب لا يقول بذلك. قاله مصطفى. انتهى.
قوله: وأشهب لا يقول لخ صحيح، قال الشارح عند قوله في نفي الضمان والكراء ما نصه: ابن شاس: وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: القول قول المستعير في طرح ضمان الدابة إن هلكت، والقول قول المعير في الكراء لأنه لا يؤاخذ بغير ما أقر به وهو أيضا قول سحنون وابن حبيب. انتهى. قوله: وقال ابن القاسم في المدونة فيمن بعث رسولا إلى رجل ليعيره دابة إلى برقة البعيدة، وقوله: فقال الرسول إلى فلسطين أي القريبة أي قال ذلك عند التنازع، وقوله: واعترف الرسول بالكذب أي اعترف بأن المالك أعار لفلسطين القريبة وبأنه كاذب في قوله للمستعير أعارك لبرقة وهذه وافق الرسول المعير واعترف بالعداء، وقوله: وإن قال بذلك أمرتني أي وافق الرسول المعير وأكذب المستعير بأن قال أنت أمرتني بأن أقول له يعيرك لفلسطين وقلت لك ذلك وأنت الذي تعديت بمسيرك إلى برقة، وقول المدونة: واعترف الرسول بالكذب ضمنها قال عبد الحق فإن كان معدما رجع رب الدابة على المستعير، ويرجع المستعير بما يغرم على الرسول فيطالبه به لإقراره بالتعدي، فإن قامت للمستعير بينة بما أمره به سقط الضمان عنه وضمن الرسول. انتهى. قوله: رجع رب الدابة على المستعير.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: هو مخالف لعموم قول المص في نفي الضمان والكراء، وقوله: "برسول مخالف" فيه رد على رواية يحيى بن عمر، وهي تضمين المستعير حيث أكذبه الرسول إن لم يأت ببينة على ما زعم. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6775
والفرق بين قوله: "وإن برسول مخالف"، وقوله: "فالرسول شاهد" أنه هنا خصم بخلاف السابقة، وقد مر هذا عن ابن القاسم، وفرق بينهما أشهب بأنه في السابقة ليس شاهدا على فعل نفسه، وإنما شهادته على صفة خاصة للقبض من كونه صدقة أو وديعة؛ لأن المبعوث إليه مقر بالقبض بخلاف ما هنا فإنه كشهادة على فعل نفسه لأنه بقبضه إياها من المعير كأنه هو المستعير تقديرا، وإن كان فعل نفسه إنما هو استعارتها أو مجيئه بها من عند ربها إلى المستعير وما شهد به إنما هو زائد المسافة، وقوله: "كزائد المسافة إن لم يزد مثل ذلك ما إذا ادعى الآخذ طريقا وعرة وادعى المالك طريقا سهلة، أو قال أعرتك هذا الثوب يوما وقال الآخر شهرا مثلا، فإن ركب الأصعب وحلف ربها على السهل كان له كراء الأصعب. انظر الشارح.
كدعواه رد ما لم يضمن يعني أن المستعير إذا ادعى أنه رد العارية إلى ربها وهي مما لا يضمنه المستعير بأن كانت مما لا يغاب عليه، فإنه يصدق في ذلك ولا ضمان عليه، قال عبد الباقي: وشبه في عدم الضمان قوله: "كدعواه رد ما لم يضمن" من عارية ما لا يغاب عليه إن لم يقبضه ببينة مقصودة كما في المواق خلافا للشامل، وأما دعواه رد ما يضمن فلا يصدق بيمين وإن قبض بار بينة على المنصوص. قاله في الشامل. انظر أحمد. فإن قيل: لِمَ لَمْ يضمن هنا ما لا يغاب عليه حيث قبضه ببينة مقصودة على ما للشامل، وإن كان ضعيفا كما مر عن المواق قيل لما كانت العارية معروفا اغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها، فجعلوا قبول قوله من تمام المعروف. انتهى.
وقال البناني: قال ابن رشد في المقدمات في كتاب تضمين الصناع ما نصه: وكل موضع يصدق فيه القابض في دعوى الضياع مثل الوديعة والقراض ورهن ما لا يغاب عليه وعارية ما لا يغاب عليه فإنه يصدق في دعوى الرد إذا قبضه بغير بينة، فإن قبضه ببينة لم يصدق في دعوى الرد هذا هو المشهور من قول ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، وقد روى أصبغ عن ابن القاسم أنه يصدق في دعوى الرد وإن قبضه ببينة، فإذا صدق في دعوى الرد فإنه يحلف على كل حال من غير تفصيل، وأما في دعوى الضياع فلا يحلف إلا أن يكون متهما، ثم قال: وكل موضع لا يصدق فيه في دعوى الضياع لا يصدق فيه في دعوى الرد، هذا هو المشهور المعلوم من قول مالك وجميع أصحابه ابن القاسم وغيره: وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب الوديعة ما يدل على أنه
стр. 6776
يصدق في رد الرهن إذا قبضه بغير بينة مثل الوديعة وهو بعيد. انتهى. فقول الشامل: وصدق بيمين في رد ما لا يضمن وإن قبض ببينة لا فيما يضمن وإن قبض بلا بينة على المنصوص. انتهى. جارٍ على رواية أصبغ وهو خلاف المنصوص المشهور. انتهى.
وإن أتى شخص إلى شخص آخر وزعم أي قال أنه مرسل أي أرسله زيد مثلا لاستعارة حلي فدفعه له المبعوث إليه، وبعد ذلك زعم الرسول وهو المرسل أنه تلف منه فلا يخلو ذلك من أن يصدقه زيد المرسل له أو لا، فإن صدقه كان الضمان منه كما قال ضمنه مرسله إن صدقه في أنه أرسله لاستعارة الحلي وبرئ الرسول، وإلا بأن كذبه وقال لم أرسله لذلك حلف المرسل باللَّه الذي لا إله إلا هو ما أرسلته، وإذا حلف برئ ثم إذا حلف المرسل حلف الرسول وإذا حلف برئ وتكون العارية هدرا لا ضمان على واحد منهما، ومفهوم قوله: "زعم" أنه تلف أنه لو ثبت تلفه وقد صدقه المرسل على الإرسال فلا ضمان لانتفائه في العارية حيث ثبت التلف، ومفهوم "حلي" أنه لو كان المستعار مما لا يغاب خليه كدابة فلا ضمان على المرسل ولا على الرسول إن لم يعترف بالعداء، وإن اعترف الرسول أي أقر بالعداء أي أقر بأنه أخذ العارية بغير إرسال وأنه كاذب في دعواه أنه مرسل وتلفت العارية منه ضمن الرسول الحر البالغ الرشيد عاجلا، ضمن الرسول العبد لا عاجلا بل يتبع بذلك في ذمته إن عتق وللسيد إسقاطه عنه كما في النقل، ونظر فيه أحمد لعدم وقوفه عليه ولا ضمان على صبي وسفيه لتفريط المعير بالدفع للصبي ولعدم اختبار حال السفيه. قاله عبد الباقي.
قال: وظاهر قوله: "والعبد في ذمته إن عتق" أي لا في رقبته ولو مأذونا له في التجارة وهو مشكل، والذي ينبغي أن المأذون كالحر في أنه يضمنها في ذمته عاجلا كما مر في الوديعة. انتهى. وإن قال أوصلته لهم فعليه وعليهم اليمين يعني أنه إذا زعم شخص أنه مرسل لاستعارة حلي أو غيره فبعث به المرسل إليه معه لمن أرسله، وقال الرسول: أوصلت الشيء المعار إلى الذين أرسلوني فكذبوه وأنكروا الإرسال والإيصال وقد تلف الحلي مثلا، فعلى الرسول اليمين أنه أوصله إليهم وأنه رسولهم وعليهم اليمين أنهم لم يرسلوه ولم يصل إليهم بشيء ولا شيء عليه ولا عليهم وتكون العارية هدرا، قال عبد الباقي: ويبدءون بالحلف لأنهم يبدءون بالضمان، فكان
стр. 6777
الأولى أن يقول: فعليهم ثم عليه اليمين، فإن نكلوا ونكل فالغرم عليه وعليهم، وإن حلف ونكلوا فالغرم عليهم وعكسه عليه فقط. قال أحمد: وأما إن أقروا بكونه رسولا لضمنوا كما في المسألة الأولى. انتهى. أي قوله: وإن زعم أنه مرسل لخ.
وقوله: كما لخ يقتضي أن هذه ليست مفهوم الأولى، وتحرير الفرق بينهما أن الثانية قال الرسول أوصلته لهم، والأولى قال تلف، هذا ما يقتضيه لفظ المص، ولا ينافيه قول الأجهوري هنا هذا إذا تعذر أخذ المعار بعينه لتلف أو لغير ذلك. انتهى. لأن الرسول لم يدع هنا التلف بل الإيصال وإن كان تلفها مشاهدا إذ لم يقل تلف مني. انتهى. وقال الرهوني بعد جلب كثير من النقول ما نصه: وبتأمل ذلك كله مع الإنصاف يظهر أن الصواب ما للمصنف، وأن تسليم الحفاظ المحققين له من شراحه ومحشيه كالمواق وابن غازي والحطاب والأجهوري وأتباعه وابن عاشر وأبي علي هو الصواب، وأن اعتراض مصطفى عليه وإن اعتمده البناني لا يعول عليه.
ومؤنة أخذها على المستعير يعني أن مؤنة أخذ العارية أي أجرة نقلها لمكان المستعير على المستعير كردها يعني أن أجرة رد العارية إلى المعير على المستعير وقيل على المعير، قال ابن رشد: والأول أظهر، ولهذا قال: على الأظهر وفي علف الدابة قولان مبتدأ وخبره الجار والمجرور قبله؛ يعني أنه اختلف في علف الدابة المعارة بفتح اللام وهي عند المستعير، فقيل على المعير وقيل على المستعير، قال عبد الباقي: واختلف في علف الدابة المستعارة وهي عند المستعير هل عليه أو على المعير؛ إذ لو كانت على المستعير لكان كراء وربما كان علفها أكثر من الكراء فتخرج العارية إلى الكراء في ذلك قولان، والعلف بفتح اللام أي ما يعلف به، وأما بالسكون وهو تقديم العلف للدابة فهو على المستعير قولا واحدا، ولا مفهوم لدابة بل كل ما يحتاج للإنفاق كذلك، وظاهر المص جري القولين ولو طالت المدة وهو كذلك خلافا لقول بعض المفتين هو على المعير في الليلة والليلتين، وعلى المستعير في المدة الطويلة والسفر البعيد. انتهى.
تنبيهات الأول: قال ابن عاصم:
وأجرة الراعي لما قد منحا … على الذي بمنحة قد سمحا
стр. 6778
وجائز لمانح فيها الشرا … بما يرى ناجزا أو مؤخرا
قال الشيخ ميارة: يعني أن أجرة الراعي الذي يرعى الحيوان الممنوح غلته تكون على المانح الذي سمح بهبتها لا على الممنوح، ويجوز للمانح شراء منحته من الممنوح بما يتفقان عليه من ناجز أو مؤخر كما سبق في العمرى، قال في الوثائق المجموعة: والرعاية على رب المنحة ولصاحب المنحة أن يبتاعها من الممنوح إذا اتفقا على ذلك بطعام يدفعه له حالا، ويجوز له شراء منحته بما شاء من الدنانير والدراهم والعروض والطعام حالا، ويجوز إلى أجل ويسترجع منحته، ولا يدخله بيع اللبن المجهول بالطعام أو الطعام بالطعام ليس يدا بيد؛ لأن ذلك كله معروف يصنعه المعطي إلى المعطى فأرخص له فيه ولا يجوز ذلك لغيره ويجانس ذلك العرية، وهذا الحكم -واللَّه أعلم- يجري في الإخدام فتكون نفقة المخدم على سيده، ويجوز لسيده شراء خدمته من المخدم. انتهى.
الثاني: قال الحطاب: من استعار دابة ليحمل عليها شيئا فوكل من يحمله عليها أو حمله عليها شريكه لم يضمن هو ولا شريكه بخلاف لو تعدى أجنبي وحمل عليها ما استعيرت له فإن الأجنبي يضمن. قاله في كتاب الشركة من المدونة. انتهى.
الثالث: قال ابن حبيب: من استعار دابة لركوب أو حمل ثم ردها مع عبده أو غلامه فعطبت أو ضلت فلا يضمن؛ لأن شأن الناس على هذا وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول وهو مأمون أو غير مأمون ذلك سواء ولا يضمن. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: ولما أنهى الكلام على العارية وقد جرى فيها ذكر الغصب في قوله: "فكالغصب" أشار إلى حقيقة الغصب وما يتعلق به، فقال:
стр. 6779
باب: في الغصب، وهو لغة: أخذ الشيء ظلما، قال الجوهري: غصبه منه وعليه سواء والاغتصاب مثله. قاله الحطاب. وقال: قال في الذخيرة: قال صاحب المقدمات: التعدي على رقاب الأموال سبعة أقسام لكل قسم منها حكم يخصه وهي كلها مجمع على تحريمها، وهي: الحرابة والغصب والاختلاس والسرقة والخيانة والإدلال والجحد. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: قال ﵊ في خطبة ثاني النحر: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (١))، فورد سؤال وهو أن المشبه يجب أن يكون أخفض من المشبه به وهو هنا منحط عنه في نظر الشرع بكثير، وجوابه أن التشبيه وقع بحسب اعتقادهم فإنهم كانوا يعظمون البلد ويحتقرون الأمور المذكورة. انتهى بالمعنى من الذخيرة انتهى. وفي البخاري: خطبنا رسول اللَّه ﷺ يوم النحر قال: (أتدرون أي يوم هذا) لخ.
الثاني: من أدلة تحريم الغصب قوله ﷺ : (من غصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين) (٢) متفق عليه، قال البغوي: قيل طوقه أي كلف حمله يوم القيامة لا طوق التقليد، وقيل تخسف الأرض به فتصير البقعة المغصوبة في حلقه كالطوق وهذا أصح، ودليل الأصحية هو قوله ﷺ : (من أخذ في الأرض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين (٣))، ومن أدلة الغصب أيضا قوله ﷺ : (من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق (٤))، يروى بالتنوين في عرق على النعت وبعدمه على الإضافة، وفي النكت: عرق الظالم ما يحدثه في المغصوب، قال ابن شعبان: العروق أربعة: ظاهران البناء والغرس، وباطنان في الأرض الآبار والعيون. انتهى قاله الحطاب.
الثالث: قال الحطاب: قال العلماء: لم يرد في السمعيات ما يدل على تعدد الأرض إلا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وهذا الحديث. انتهى. البغوي:
стр. 6780
وحديث البخاري هذا دليل أيضا على تعدد الأرضين؛ يعني قوله ﷺ : (من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين).
وقد تقدم أن الغصب هو أخذ الشيء ظلما فهو أعم منه شرعا المشار إليه بقول ابن عرفة: أخذ مال غير منفعة ظلما قهرا لا بخوف قتال، فيخرج أخذه غيلة إذ لا قهر فيه لأنه بموت مالكه حرابة، قوله: غير منفعة أخرج به التعدي، وقوله: ظلما أخرج به أخذه عن طيب نفس، وقوله قهرا خرج به السرقة، وقوله لا بخوف قتال أخرج به الحرابة، وظاهر كلام الشارح أنه أخرج به الغيلة. قاله الخرشي.
وعرف المص الغصب بقوله: الغصب أخذ مال المراد بالأخذ الاستيلاء على المال وإن لم يحزه لنفسه بالفعل، فإذا استولى الظالم على مال شخص بأن حال بينه وبين ماله ولو أبقاه بموضعه الذي وضعه فيه ربه كان غاصبا، وقوله: "أخذ مال" كالجنس، وقوله: قهرا أخرج به ما يؤخذ لا على القهر بل على سبيل الاختيار كأخذ الإنسان وديعة ونحو ذلك فإن ذلك لا يسمى غصبا، وقوله: تعديا أخرج به ما إذا أخذ ماله من المحارب ونحوه فإنه وإن كان قهرا لكنه ليس تعديا والمتعدي هو الذي ليس له مستند شرعي.
ولما كانت هذه القيود تشمل الحرابة وتنطبق عليها أخرجها بقوله: بلا حرابة لأنها أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث فافترقا فأحكامها مخالفة لأحكام الغصب من حيث الجملة، وإلا فهي الغصب بلا شك. قاله الخرشي. قال الخرشي: ونحوه لعبد الباقي، وكلام المؤلف لا يشمل أخذ الأب مال ولده أو مال ولد ولده لأن له فيه شبهة، فلا يصدق عليه أنه أخذه تعديا إذ المتعدي هو الذي ليس له مستند شرعي. انتهى. أي لقوله عليه الصلاة السلام: (خير ما يملك الإنسان من كسبه وولده من كسبه (١))، ولخبر: (أنت ومالك لأبيك) (٢) وعبارة عبد الباقي: وخرج عن الحد أخذ الأب الغني مال ولده لقوة شبهته في مال ولده ولذا لم يقطع فيه كما يأتي، وفي ال تتائي عن صاحب المقدمات: يستوي في حكم الغصب المسلم والذمي البالغ والأجنبي والقريب إلا
стр. 6781
الوالد من ولده والجد للأب في حفيده، قيل: لا يحكم له بحكم الغصب لخبر: (أنت ومالك لأبيك). اهـ.
وأخذ الأب والجد للأب خارج بقوله: تعديا إذ المتعدي من لا شبهة له شرعية. اهـ. قوله: والجد للأب في حفيده لخ هكذا في نقل الحطاب عن المقدمات بتقييد الجد بكونه للأب، وبعضهم نقل عن المتيطى والمقدمات إطلاق الجد وهو ظاهر. اهـ. قاله البناني. قوله: ولبعضهم عن المتيطى والمقدمات إطلاق الجد لخ، قال الرهوني: فيه نظر، فإن الذي وجدته في المقدمات موافق لنقل الحطاب عنها، وما نقله عنها هو نصها بحروفه، وكذا هو عن المتيطى كما نقله عنه أبو علي وكما في اختصار ابن هارون، ثم قال: نعم الظاهر من جهة المعنى الإطلاق لمساواة الجد للأم الجد للأب في كثير من الأبواب، ومنها عدم القطع في السرقة وسيقول المص فيها: "إلا الجد ولو لأم" وهو نص المدونة. واللَّه أعلم. اهـ.
وقال الحطاب عن ابن عرفة عن المازري: أحسن ما يميز التعدي عن الغصب أن التعدي الانتفاع بملك الغير بغير حق دون قصد تملك الرقبة أو إتلافه أو بعضه دون قصد تملكه. انتهى. ابن عرفة: قلت: وحاصل مسائل التعدي الانتفاع بمال الغير دون حق فيه خطؤه كعمده والتصرف فيه بغير إذنه أو إذن قاض أو من يقوم مقامه لفقدهما، فيدخل تعدي المقارض وسائر الأجراء والأجانب. اهـ. وقال بعد كلام ما نصه: ويؤخذ منه أن من تعدى على دابة وديعة وركبها فعليه أجرتها. اهـ. ويرد على حد المص أنه غير مانع لشموله لأخذ المنافع قهرا، وهو ليس بغصب بل تعد. انظر الحطاب.
وأدب مميز يعني أن الغاصب المميز يؤدب وجوبا باجتهاد الحاكم، ويؤخذ منه ما غصبه بل ولو عفا عنه المغصوب منه لحق اللَّه لا للتحريم بل لرفع الفساد واستصلاح حاله كضرب الدابة لذلك، وقيل لا يؤدب الصبي المميز حتى يحتلم، قال ابن رشد في المقدمات: ويجب على الغاصب لحق اللَّه تعالى الأدب والسجن على قدر اجتهاد الحاكم ليتناهى الناس عن حرمات اللَّه، ولا يسقط ذلك عنه عفو المغصوب منه، فإن كان صغيرا لم يبلغ الحلم سقط عنه الأدب لحديث: (رفع القلم
стр. 6782
عن ثلاث (١))، فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم، وقد قيل إن الإمام يؤدبه كما يؤدب الصغير في الكتب. اهـ. وحكى ابن عرفة القولين عن ابن رشد واللخمي وابن شعبان وغيرهم، قال ابن ناجي بعد ذكر القولين: ولم يحك ابن الحاجب غير الثاني ولم يتحقق ابن عبد السلام وجود الأول، بل قال: أظن أني وقفت عليه لبعض الشيوخ. اهـ.
قلت: ولهذا اقتصر المص على الثاني. قاله البناني. وكون أدب الغاصب لحق اللَّه لا نزاع فيه، فلذا لم يسقط عنه الأدب بعفو المغصوب منه، وما نسب للمتيطى من سقوط الأدب عنه بعفو المغصوب منه عنه وهم، فإن الذي في المتيطية هو ما نصه: يجب تعزير الغاصب بالأدب والسجن بحسب اجتهاد الحاكم ولا يسقط ذلك عفو المغصوب منه. اهـ. قاله الجنوي. قال الرهوني: وما قاله جلي وكون الأدب لحق اللَّه لا لحق المخلوق لا نزاع فيه. انتهى المراد منه. وفي الرهوني تقوية ما مشى عليه المص من قوله: "وأدب مميز" وذكر كلاما ثم قال بعده: وبه ينقض ما ذكره أبو الوليد ابن رشد ومن تبعه وإن غفلتهم عن ذلك لمن أغرب الغريب إلى آخر كلامه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث الذي استدل به ابن رشد إنما فيه رفع الإثم، وفي الذخيرة: وإنما أدب دفعا للفساد بين العباد لا للتحريم وكذا على الزنى والسرقة وغيرهما؛ لأن العقوبات تتبع المفاسد دون التحريم تحقيقا للاستصلاح وتهذيبا للأخلاق، وكذلك البهائم تضرب إصلاحا وتهذيبا لأخلاقها. اهـ المراد منه. ومفهوم مميز عدم أدب غير المميز، وأما البالغ فيؤدب اتفاقا.
كمدعيه على صالح تشبيه في الأدب يعني أن من ادعى الغصب على شخص صالح يؤدب، والمراد بالصالح من لا يشار إليه بالغصب لا الصالح العرفي وهو القائم بحقوق اللَّه تعالى وحقوق العباد بحسب الإمكان. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: "كمدعيه" أي كأدب مدعي الغصب على صالح، وهل هو من لا يتهم به أو من هو من أهل الخير والدين تفسيران؟ وليس المراد الصالح العرفي وهو القائم بحقوق اللَّه لخ، وقال البناني: ابن عرفة عن آخر سرقتها: فإن كان من أهل الفضل وممن لا يشار إليه بهذا أدب الذي ادعَى عليه ذلك.
стр. 6783
قلت: ظاهره أنه يؤدب مطلقا وإن لم يكن على وجه المشاتمة، وفي النوادر: وإنما يؤدب المدعي على غير المتهم بالسرقة إذا كان على وجه المشاتمة، أما على وجه الظلامة فلا. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: "كمدعيه على صالح": يجب تقييده بما قاله الإمام المازري في شرح مسلم عند تكلمه على حديث الحضرمي، وقوله للنبي ﷺ في خصمه الكندي: يا رسول اللَّه إن الرجل فاجر لا يبالي ما حلف لخ، ونقله أبو الفضل في الإكمال والأبي في إكمال الإكمال وسلمه: ونص الإكمال عنه: وكذا القول فيمن ادعى على رجل لا بأس به إن كان غصبه في حال كان فيها فاسقا ظالما إذا كان غصبه وظلمه معلوما. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من ادعى على رجل غصبا وهو ممن لا يتهم بذلك عوقب المدعي، وإن كان متهما بذلك نظر فيه الإمام وأحلفه، فإن نكل لم يقض عليه حتى يرد اليمين على المدعي كسائر الحقوق. اهـ.
وفي حلف المجهول قولان مبتدأ وخبره في حلف؛ يعني أن من ادعى الغصب على مجهول الحال وهو من لا يعرف بخير ولا بشر اختلف فيه على قولين: أحدهما أنه يحلف لرد دعوى المدعي، ثانيهما أنه لا يحلف. قال عبد الباقي: وفي حلف المجهول حاله وهو من لا يعرف بخير ولا شر مُدَّعًى عليه بالغصب أنه ما غصب، فإن نكل حلف المدعي واستحق، فإن نكل فلا شيء له وعدم حلفه قولان، والثاني أظهر لقاعدة أن كل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، والغصب من باب التجريح وهو إنما يثبت بعدلين. اهـ.
ابن يونس: على القول بعدم حلفه لا يلزم راميه أدب. اهـ. ويفهم منه أنه على القول بحلفه لا يلزم راميه الأدب من باب أحرى. قاله البناني. فإن ادعي على من يليق به الغصب هدد المدعى عليه وسجن لعله يخرج عين المغصوب، فإن لم يخرج شيئا حلف وبرئ، فإن نكل حلف المدعي واستحق. قاله عبد الباقي. وقال: وقولي لعله يخرج عين المغصوب أي إذا كان مما يعرف بعينه، وأما ما لا يعرف بعينه فلا فائدة في تهديده بالنظر إليه إذ لو أخرج بالتهديد ما لا يعرف بعينه لم يؤخذ منه حتى يقر آمنا. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: "وفي حلف المجهول قولان" ما نصه: الأول قال الباجي: إنه ظاهر المذهب، ونقله عبد الحق عن بعض شيوخ بلده، والثاني عزاه الباجي لمقتضى الواضحة وبه جزم اللخمي وابن يونس والرجراجي وابن جزي في قوانينه
стр. 6784
وساقه كأنه المذهب، وبه تعلم أن قول البناني: لو قال المص تردد لوافق اصطلاحه فيه نظر، بل ما قاله المص هو الصواب، ويظهر من النقول أن الثاني في كلام المص أقوى، ويؤيد ذلك كونه ظاهر المدونة ففيها آخر كتاب السرقة ما نصه: ومن ادعى على رجل أنه سرقه لم أحلفه إلا أن يكون متهما يوصف بذلك فإنه يحلف ويهدد ويسجن وإلا لم أعرض له. اهـ منها بلفظها.
قال ابن ناجي ما نصه: ظاهره أن مجهول الحال لا يحلف لأن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر وهو كذلك عند ابن يونس، قال: لا يمين عليه ولا أدب على المدعي ذكره في كتاب الغصب، وقال عبد الحق في النكت: يحلف. اهـ بلفظه. واللَّه أعلم. اهـ. وقال البناني: قال الرجراجي في مناهج التحصيل ما نصه: المدعى عليه بالغصب له أربعة أحوال: الأول أن يكون معروفا بالخير والصلاح وهذا لا يمين عليه، وفي أدب المدعي قولان، قال ابن القاسم في المدونة: يؤدب: وقال أشهب: لا أدب عليه، والثاني أن يكون مستور الحال هذا لا يمين عليه أيضا ولا أدب على المدعي لذلك، والثالث أن يكون ممن يشار إليه بذلك ولم يشتهر به فهذا يحلف ولا أدب على المدعي فإن نكل حلف المدعي واستحق، والرابع أن يكون معروفا مشهورا بذلك وهذا يحلف ويضرب ويهدد ويسجن، فإن تمادى على الجحود ترك فإن اعترف بعد التهديد فهل يؤخذ بإقراره أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن لا يؤخذ به ولو عين الشيء المدعى فيه لأنه مكره وهو قول ابن القاسم في المدونة في كتاب القطع من السرقة، الثاني أنه إن عين الشيء أخذ بإقراره وإن لم يعينه لم يؤخذ به، والثالث أنه يؤخذ بإقراره في كل حال من غير تفصيل بين أن يعين أولا يعين وهو قول سحنون، قال: ولا يعرف ذلك إلا من ابتلي به يريد القضاة، قال: لأن ذلك كان بوجه جائز. اهـ المراد منه.
وضمن بالاستيلاء يعني أن الغاصب المميز يضمن بمجرد الاستيلاء على الشيء المغصوب، والاستيلاء عليه هو أن يحول بينه وبين مالكه ولو أبقاه بموضعه الذي وضعه فيه ربه، ومعنى قوله: "ضمن" تعلق الضمان به لأنه لا يحصل الضمان بالفعل إلا إذا حصل فيه مفوت ولو بسماوي أو جناية غيره، وفائدة تعلق الضمان به بمجرد الاستيلاء أنه يضمن قيمته حيث حصل المفوت يوم الاستيلاء لا يوم حصول المفوت، والكلام هنا في ضمان الذات ويأتي الكلام على الغلة.
стр. 6785
تنبيهان: الأول: لا شيء على مجتهد أتلف شيئا بفتواه وضمن غيره إن انتصب وإلا فقولان، وأغلظ الحاكم على غير المجتهد وإن أدبه فأهل إلا أن يكون تقدم له اشتغال فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا. قاله المازري. نقله عبد الباقي.
الثاني: قال الحطاب: سئلت عن رجل غصب بعيرا أو سرقه ثم إنه ضل منه فجعل جعلا لمن يأتيه به فأتاه به شخص فأخذه وغاب، فهل لرب الجمل مطالبته الذي أتى بالجمل بعد هروبه أم لا؟ فأجبت بأنه إذا كان عالما بأنه غصبه أو سرقه فهو ضامن وإن لم يعلم بذلك فلا ضمان عليه. اهـ المراد منه. قوله: وإن لم يعلم فلا ضمان لخ انظره، فإن فيه مخالفة للقاعدة المقررة العمد، والخطأ والإكراه في أموال الناس سواء فيجب ضمانها في زلك فلا يشترط فيه التكليف ولا العلم، وقوله: "وضمن" فاعل ضمن المميز كها قررت، وقوله: "وضمن بالاستيلاء" كان المغصوب عقارا أو غيره كما هو ظاهره، قال البناني: ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين العقار وغيره وهو كذلك خلافا لابن الحاجب في أن غير العقار لا يتقرر فيه الضمان بمجرد الاستيلاء بل حتى ينقل وإلا فلا يضمن وسلمه شارحوه، واعترضه ابن عرفة بأن المذهب ليدى كذلك بل مجرد الاستيلاء يوجب الضمان مطلقا، فلو غصب أمة كائنة ببقعة فاستولى عليها بالتمكن من التصرف فيها دون ربها ضمنها وروايات المذهب واضحة بهذا، قال ابن غازي: وعبارة ابن الحاجب وابن شأس منسوجة على منوال وجيز الغزاليِّ في هذا المحل وكلام المص سالم من ذلك. وقول عبد الباقي: وإلا فقولان لخ أي وإلا يكن منتصبا للفتوى وهو مقلد، ففي ضمانه قولان وهما جاريان على الخلاف في الغرور بالقول والمشهور فيه عدم الضمان. اهـ.
وقال المواق: ابن عرفة: مجرد الاستيلاء هو حقيقة الغصب يوجب الضمان، وقال أيضا: مجرد حصول المغصوب في حوز الغاصب يوجب ضمانه بسماوي أو جناية غيره أو كان دارا فانهدمت، قال مالك: من غصب عبدا فمات من وقته بغير سببه ضمنه، وقال ابن القاسم فيمن غصب دارا فلم يسكنها حتى انهدمت غرم قيمتها. ابن عبدوس: وقاله أشهب وذلك كله في العروض وغيرها. اهـ.
стр. 6786
وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية أي وإن لم يكن الجاني مميزا فتردد أي طريقتان: طريقة تحكي الخلاف في ضمانه وعدمه، وطريقة تحكي الخلاف في سنة الذي يضمن فيه، قال عبد الباقي عند قوله "فتردد" ما نصه: أي طريقان طريقة تحكي الخلاف فيما يضمنه هل المال في ماله والدية على عاقلته إن بلغت الثلث، وإلا ففي ماله؟ واستظهره المص أو لا يضمن المال، وإنما تكون الدية على عاقلته إن بلغت الثلث، أو لا يضمن مالا ولا دية ويكون هدرا والمجنون كذلك، وطريقة تحكي الخلاف في حد سنة الذي يضمن فيه، فقيل ابن سنتين وقيل ابن سنة وقيل غير ذلك إلا ابن شهر أو بنته فلا يضمن. هذا تحرير محل التردد. وبعد ذلك لا وجه لذكره هنا؛ لأن المذهب أن الضمان للمال في ماله والدم في ماله أيضا إن لم يبلغ الثلث، فإن بلغ الثلث فعلى عاقلته. والتمييز لا يحد بسنٍّ وهو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، والمراد بفهم الخطاب أنه إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه وأحسن الجواب عنه لا أنه إذا دعي أجاب، وقد اقتصر أول الحجر على ما يفيد أن الصغير يضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه وظاهره مميزا أم لا، ولفظ أفسد ربما يقتضي التمييز وعليه اقتصر البرزلي فإن أمِّنَ فاقتصر في آخر الوديعة على أنه لا يضمن، حيث قال: "وإن أودع صبيا أو سفيها" لخ. اهـ المراد منه.
وقولي: وإن لم يكن الجاني مميزا تبعت فيه عبد الباقي: قال وإنما قلت وإن لم يكن الجاني مميزا ولم أقل وإن لم يكن الغاصب مميزات لأن غير المميز لا يتصور منه غصب. اهـ. وقد مر الكلام على ضمان غير المميز في الحجر فراجعه إن شئت.
كإن مات مثال للمفوت المقدر بعد قوله: "وضمن بالاستيلاء" أي حيث حصل مفوت فمثل له بقوله: كإن مات وما عطف عليه؛ يعني أن الغاصب يضمن بالسماوي وغيره، فلذلك لو غصب شيئا حيا عبدا أو دابة فمات بسماوي وأحرى بغيره فإنه يضمن لأنه يتعلق ضمانه للمغصوب بالاستيلاء، قال عبد الباقي: وأشار بقوله كإن مات المغصوب عند الغاصب إلى أن الغاصب يضمن بالسماوي. اهـ. ونحوه للخرشي، قال: وهذا يدل على أن معنى قوله: "وضمن بالاستيلاء" خوطب بالغرم بالاستيلاء. انتهى.
стр. 6787
أو قتل عبد قصاصا هذا أيضا من أمثلة المفوت كما مر؛ يعني أن من غصب عبدا فقتل شخصا بعد الغصب فقتل به قصاصا فإن الغاصب يضمنه لحصول المفوت فيه، ولو قتله قبل الغصب فقتل به قصاصا لم يضمن كما قيد به ال تتائي المص، قال البناني: ما قيد به ال تتائي المص من كون العبد جنى بعد الغصب، قال مصطفى: هو الذي قرر به ابن فرحون كلام ابن الحاجب وهو ظاهر؛ إذ لو كانت الجناية عند المغصوب منه فلا وجه لضمان الغاصب، ففي النوادر عن محمد: لو جنى العبد قبل الغصب جناية وبعده أخرى على رجلين، فقال أشهب: يخير ربه فإن أسلمه لهما تبع الغاصب بنصف قيمته يوم الغصب إلا أن تكون أكثر من أرش الجناية على الثاني، وإن شاء فداه بالأرشين وتبع الجاني بالأقل من أرش الجناية ونصف قيمته يوم الغصب. انتهى، ونقله ابن عرفة فهذا يدل على أن الجناية الكائنة عند المغصوب منه لا يؤاخذ بها الغاصب، فتوقُّفُ الزرقاني تبعا للأجهوري وأحمد في القتل السابق على الغصب، هل يضمنه أم لا؟ قصور. اهـ.
قوله: وتبع الجاني أي الغاصب. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. قال عبد الباقي: ومثل القصاص الحرابة والارتداد ونحوهما، وكذا يضمن ما دون النفس إذا كان القصاص ينقص القيمة، ولو أبدل عبد برقيق كان أولى. اهـ.
أو ركب يعني أن الغاصب إذا ركب الدابة فعطبت فإنه يضمنها، واستشكل ذكره للركوب هنا لأن كلامه هنا في المفيت للمغصوب بعد تقرر الضمان بالاستيلاء والركوب ليس بمفيت، فإن عنى أن الركوب به يتقرر الضمان فقد ذكره في غير محله مع مناقضته لقوله: وضمن بالاستيلاء. قاله ابن غازي. فمجرد الاستيلاء سواء كان بالركوب أو غيره موجب لتعلق الضمان فلا فائدة في ذكر الركوب، وهذا يرد جواب عبد الباقي الأول، ويرد جوابه الثاني بأنها إذا عطبت بعد الركوب فلزوم القيمة إنما هو بالعطب لا بالركوب. انظر البناني. وقال الخرشي: ونحوه لعبد الباقي، ولا شك أن مدخول الكاف في قوله: "كإن مات" وما عطف عليه، منه ما هو مثال للمفيت للمغصوب، ومنه ما ليس من الغصب وإنما هو مشارك له في الضمان كجحد الوديعة والأكل بلا علم وفتح قيد العبد والفتح على غير
стр. 6788
عاقل وغير ذلك، فتكون الكاف بالنسبة لبعض هذه الأمور كالموت والقتل للتمثيل، وبالنسبة لبعضها للتشبيه فهو من باب استعمال المشترك في معنييه عند من أجازه. اهـ.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: وبهذا أي بجعل الكاف للتشبيه في قوله: "أو ركب" يندفع الإشكال في قوله: "أو ركب" ويكون معناه أن من تعدى على دابة فركبها فإنه يضمن منفعتها أي يكون عليه الكراء للركوب، فيكون الركوب موجبا لضمان المنفعة والحال أنها لم تهلك لأن الكاف فيه للتشبيه على ما سبق عن الخرشي، وهذا الذي قلته في قوله: "أو ركب" صرح به الخرشي في كبيره عن بعض الشراح. واللَّه تعالى أعلم.
أو ذبح يعني أن الغاصب إذا ذبح الشيء المغصوب فإنه يضمن قيمته لربه، وكلام المص كالصريح في أن الذبح مفيت، فليس لرب الشيء المغصوب حينئذ إلا قيمته ويحل للغاصب أكله حينئذ وهو للجلاب لكنه ضعيف، قال عبد الباقي عند قوله: "أو ذبح" ما نصه: والمذهب أنه ليس بمفيت. اهـ. قوله: والمذهب أنه ليس بمفيت، قال البناني: أي خلاف ما يقتضيه كلام المص حيث عده في المفوتات تبعا لابن الحاجب وابن شأس، وقبله ابن عبد السلام وأصله لابن الحاجب، وتعقب ذلك ابن عرفة قائلا: لا أعرفه نصا. اهـ. زاد الرهوني بعد قوله نصا ما نصه: بل تخريجا يعني على ما روي عن ابن القاسم أن طحن القمح المغصوب مفيت وهو منتقد لأن القمح مثله يقوم مقامه بخلاف الشاة المذبوحة مثلا، ولأن الطحن ينقل عن التسمية بخلاف الذبح، ونص ابن الجلاب: من غصب شاة فذبحها ضمن قيمتها وكان له أكلها. اهـ. وظاهره يقتضي أن الذبح مفيت، وما نقله الحطاب يدل على أن المذهب في ذبح الشاة تخيير ربها في أخذها مذبوحة دون أرش أو تركها وأخذ قيمتها. اهـ.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وحاصل ما نص عليه غير واحد أن المعتمد فيما ذبح أنه لا يحل أكله، ولا يجوز شراؤه لأنه لم يفت بالذبح وأن ربه مخير بين أخذه مذبوحا ولا شيء له معه وتركه وأخذ قيمته، وقول غير واحد: إن المذهب أن لربها أخذها مذبوحة مع أرش نقصها أو أخذ قيمتها خلاف المعتمد، وإنما المعتمد ما ذكرته لك من أنه إذا أخذها مذبوحة لا يأخذ معها شيئا هذا هو الذي حصلته بعد جهدي في البحث عن ذلك وهو للخمي، ونحوه في النوادر
стр. 6789
وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى. قاله البناني. الرهوني عن اللخمي: وهو قول مالك وأصحابه وأخذ به سحنون في المجموعة وقاله ابن القاسم، وإنما القائل إنه يخير في أخذها مذبوحة مع نقصها أو قيمتها محمد بن مسلمة فقط، والأول المعتمد. قاله أشهب أيضا. ابن المواز: وهو أحب إلي، وقد علمت أن القول بأن الذبح مفيت مخرج وقد مر نقد ذلك التخريج. واللَّه تعالى أعلم.
أو جحد وديعة يعني أن من جحد وديعة ثم أقر بها بعد ذلك أو قامت عليه بها بينة ثم ادعى ردها أو تلفها وأقام بذلك بينة، فإنه يضمنها ولا تقبل دعواه ولا بينته والكاف في هذا للتشبيه، وقد مر هذا في باب الوديعة. ابن رشد: هذا بين إن ادعي عليه الغصب أو الإيداع فأنكر ثم ماتت الدابة فأقام المدعي البينة بعد موتها بما ادعاه أو أقر بذلك ولو تداعيا فيها ولم يدع أحدهما غصبا ولا إيداعا فماتت ثم أثبت أنها له ولم يثبت غصبا ولا إيداعا لم يلزمه ضمانها باتفاق، ولو ادعي عليه الغصب أو الإيداع فأنكر ثم ماتت فأقام البينة أنها له ولم يقم البينة على ما ادعاه من الغصب أو الإيداع لتخرج ذلك على قولين فقف على افتراق هذه الوجوه الثلاثة. نقله البناني.
أو أكل بلا علم يعني أن المغصوب إذا وهبه الغاصب أو بعضه لشخص فأكله أو أكل بعضه والحال أن الموهوب له لم يعلم بأنه مغصوب، فإنه يضمن لربه بقدر ما أكل كما أنه يضمن له بقدر ما وُهِبَ له، قال عبد الباقي: أو أكل شخص مغصوبا وهبه له غاصب بلا علم من الآكل بأن ما وهب له غصب وبدِّئ بغاصب، فإن أعسر فعلى الموهوب قدر أكله أو ما وهب له فقط، فإن اعسر اتبع أولهما يسارا ومن أخذ منه شيء لا يرجع به على الآخر وأما بعلم فهو والغاصب سواء، وسيذكر المص أكل مالكه ضيافة. اهـ. وقوله: "أو أكل بلا علم" سواء أكله بهبة أو ضيافة والكاف في هذا للتشبيه.
أو أكره غير على التلف يعني أن من أكره غيره على إتلاف شيء فإن المكره والمكره يضمنان ذلك الشيء، ويقدم المباشر لإتلافه في الضمان فلا يتبع المكره بالكسر إلا إذا كان المكره بالفتح عديما، والحاصل أن المتسبب والمباشر يضمنان لكن يقدم المباشر فلا يضمن المتسبب إلا إذا أعدم المباشر، وأما لو أكره غيره على أن يأتيه بمال الغير فسيان في الضمان من غير ترتيب، قال عبد الباقي: أو أكره شخص شخصا على التلف ظاهره أن الضمان على المكره بالكسر والمذهب أنه على كل
стр. 6790
منهما، ولكن المكره بالفتح مقدم لمباشرته على المكره بالكسر لتسببه فلا يتبع إلا أن أعدم المكره بالفتح، ومفهوم على التلف أنه لو أكرهه على أن يأتيه بمال الغير فسيان في الضمان من غير ترتيب على المذهب. اهـ بالمعنى.
قوله: ولكن المكره بالفتح مقدم، قال البناني: هذا هو الذي في النوادر عن سحنون ونقله ابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة، وبه قرر الحطاب، وقال إنه المذهب فحَمْلُ ال تتائي المص على ظاهره ليس بصواب، وقوله: فسيان في الضمان لخ، قال البناني: هذا الذي نص عليه سحنون وفرق ابن عرفة بينهما بأن هذه كلاهما فيها مباشر بخلاف الأولى، فلم يقع من المكره بالكسر إلا الإكراه فلذلك قدم عليه المباشر. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن مثل هذه التي هما سيان فيها المسألة المشتهرة عند العوام، سواء الكاعم والناحر لأنهما مباشران هذا بعطفه الرقبة وهذا بنحره، كما أن هذه باشر أحدهما بالإتيان بالمال والآخر باشر بالأخذ من عنده أو بالإتلاف. اهـ كلام مقيده. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: العمد والخطأ والإكراه في أموال الناس سواء يجب ضمانها وهو من خطاب الوضع، فلا يشترط فيه التكليف ولا العلم، فلا فرق في الإتلاف بين الصغير والكبير والجاهل والعالم ولا يلتفت للضرب والحبس وغير ذلك من أنواع التهديد والإكراه في مال نفسه ينفعه الرجوع فيه. انتهى.
الثاني: قال الحطاب: قال النووي: اتفق العلماء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبا فسأل عن ذلك وجب على من علم إخفاؤه وإنكاره العلم به. انتهى. وذكر الباجي في باب جمل من الفرائض أن الكذب الواجب هو الذي لإنقاذ مسلم أو ماله. اهـ.
الثالث: قال المواق: سئل سحنون في نوازله عن رجل من العمال أكره رجلا أن يدخل بيت رجل يخرج منه متاعا يدفعه إليه فأخرجه إليه ودفعه إليه ثم عزل ذلك العامل الغاصب، فللمغصوب منه طلب ماله ممن شاء منهما فإن أخذه من المباشر فله الرجوع به على من أكرهه، ولهذا المباشر أن يطلب العامل إن كان المغصوب منه غائبا؛ لأنه يقول: أنا المأخوذ به إذا جاء صاحبه. ابن
стр. 6791
رشد: في هذا نظر ومقتضى النظر أنه يوقف لصاحبه ولا يمكن منه هذا المباشر. ابن عرفة: الأظهر تمكينه منه. اهـ. قوله في المباشر يرجع على من أكرهه ظاهر لاستقرار المال بيد المكره وتمكنه من الانتفاغ به دون المكره بالفتح، وهذا كالصريح في أنه إن أخذ من المكره بالكسر لا يرجع به على المكره بالفتح. وأما مسألة الاستظهار فالظاهر أن من أغرم منهما رجع على صاحبه بما ينوبه لاشتراكهما في الانتفاع فهما كاللصوص. وقد علمت تراجعهم. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. واللَّه تعالى أعلم.
وقال المواق: سحنون: من أكره على رمي مال رجل في مهلكة ففعل ذلك فأذن ربه طائعا فلا شيء عليه ولا على من أكرهه، وإن أكره ربه على الإذن فالفاعل ضامن فإن كان عديما فالضمان على الذي أكرهه، ولا رجوع له على الفاعل إذا أيسر. اهـ المراد منه. وفي المبسوطة عن عبد اللَّه بن عبد الحكم وأصبغ أن المكره المأمور لا شيء عليه، ونحوه لابن سحنون، قال: وإن أكرهه بقطع أو قتل فهو في سعة أن يأخذ ويضمن الآمر دون المأمور، وإن أبى أن يأخذ حتى قتله فهو في سعة. قاله الشارح.
أو حفر بئرا تعديا يعني أن من حفر بئرا تعديا كما لو حفرها في أرض غيره أو طريق المسلمين فهلك فيها شيء فإنه يضمنه والكاف في هذا للتشبيه، ومفهوم قوله: "تعديا" أنه لو حفرها في ملكه بلا قصد ضرر فهلك فيها شيء فإنه لا يضمنه، قال عبد الباقي: أو حفر بيرا تعديا بأن حفرها بأرض غيره أو بطريق المسلمين فإنه يضمن. قاله ال تتائي. والظاهر أن حفرها بلصق الطريق بلا حائل كحفرها بها، فلو حفرها لا بقصد معين لم يضمن. اهـ. أي ولا بقصد ضرر كما يدل عليه كلام المص في باب الجراح، فمن التعدي حفرها بملكه لقصد ضرر، كوقوع سارق بها وإن لم يقصد هلاكه، وكوقوع محترم غير آدمي فإن وقع بها آدمي ضمن فيما يظهر في النوعين المذكورين. اهـ كلام عبد الباقي. والظاهر قبول قوله مع يمينه أنه لم يقصد ضررا إن لم تقم قرينة على خلاف ما ادعاه؛ لأن القصد لا يعلم إلا من جهته. انظر الرهوني.
وقدم عليه المُرَدِّي يعني أن من حفر بئرا تعديا ورَدَّى فيها شخص شيئا فتلف فإن المرَدِّي يقدم في الضمان على حافر البئر تعديا لأنه مباشر والحافر متسبب والمباشر مقدم على المتسبب كما مر،
стр. 6792
وعلى المص درك لأن الضامن إنما هو المردي كما تراه قريبا. إلا المعين يعني أن محل تقديم المردي في الضمان إذا لم يكن الحافر تعديا قصد ضرر شخص معين، وأما إن قصد معينا وردَّى ذلك المعين شخص آخر في البئر، فإن الحافر والمردي سيان من غير ترتيب، فإن كان المردى بفتح الدال إنسانا مكافئا للحافر والمردي فالقصاص عليهما، وإن كان غير إنسان ضمناه معا كما في الشارح، وهو يفيد أنه إذا كان أحدهما مكافئا والآخر غير مكافئ كما إذا حفرها حر مسلم لعبد معين ورداه عبد مثله فإنه يقتل العبد المردي ولا يقتل الحافر، وهل عليه شيء من قيمة العبد أم لا؟ ويجري مثل هذا في المتسبب مع المباشر، وفي الجماعة إذا قتلوا شخصا وكان بعضهم مكافئا والآخر غير مكافئ. قاله الخرشي. ونحوه لعبد الباقي. وقال: وقيد قوله: "فسيان" بما إذا علم المردي بقصد الحافر وإلا اقتص من المردي فقط كما نقله المواق عن ابن عرفة. انتهى.
وقال عبد الباقي: فإن كان حفرها حر مسلم لعبد معين ورداه عبد مثله قتل المردي دون الحافر وعليه الأدب. اهـ. وقوله: "وقدم عليه المردي" قال البناني: قال ابن عاشر: لفظ التقديم يشعر بأن للحافر نصيبا في الضمان عند عدم المردي وليس كذلك أي فالذي يتعلق به الضمان هو المردي خاصة، ولا ضمان على الحافر سواء كان المردي موسرا أو معسرا فليس كالكره بالكسر ولعله لأن السبب هنا أضعف. اهـ. ولهذا قال الزرقاني: وقدم بمعنى ضمن لأنه مباشر دون الحافر، وكذا قال ابن الحاجب تبعا لابن شأس، ابن عرفة: وكذا نقله الطرطوشي وعارضه ابن عبد السلام بتسوية سحنون بين المكره غيره على أن يخرج له مال رجل من بيته ويدفعه له مع أن الآمر المكره متسبب والمأمور مباشر، وأجاب بأن التسبب بالإكراه أشد من التسبب بالحفر، قلت: إنهما في مسألة سحنون مباشران معا ضرورة مباشرة المكره أخذ المال من مخرجه واستقراره بيده، والآخذ من الغاصب العالم بالغصب غاصب. اهـ.
وقول عبد الباقي: وقيد قوله فسيان بما إذا علم لخ. قال البناني: لم يذكر ابن عرفة هذا الكلام في باب الغصب، وإنما ذكره في باب الجنايات ونصه: ابن شاس: ومن حفر بيرا ليقع فيها رجل معين فوقف الرجل على شفيرها فرداه فيها غير الحافر، فقال القاضي أبو الحسن: يقتلان معا للاعتدال، وقال القاضي أبو عبد اللَّه بن هارون: يقتل المردي دون الحافر تغليبا للمباشر، قلت:
стр. 6793
الأظهر إن علم المردي بتقدم فعل الحافر وقصده قتلا معا كبينة الزور مع القاضي العالم بزورها وإلا قتل وحده على رواية ابن القاسم في بينة الزور. انتهى.
أو فتح قيد عبد ليلا يأبق يعني أن العبد إذا قيد ليلا يأبق، ففتح شخص قيده فأبق العبد عقب فتح قيده أو بعده بمهلة فإن الفاتح يضمن قيمته لربه، قال عبد الباقي: أو فتح قيد عبد قيد ليلا يأبق فأبق عقب الفتح أو بعده بمهلة ضمن قيمته لربه، فمتعلق الجار والمجرور فعل مقدر لا قيد مفتوح القاف المذكور؛ لأنه اسم آلة بدليل تعلق الفتح به فلا يصح تعلقه بما ذكر كذا قرر، ويرده ما صرحوا به من أن الجار والمجرور يتعلق باسم العين كالآلة هنا، ومثلوه بنحو:
أسد علي وفي الحروب نعامة … . . . . . . . . . . . . . .
ومفهوم، "ليلا يأبق" أنه لو فتح قيد عبد قيد لنكاله لم يضمن وهو كذلك، والظاهر أن القول لسيده أنه قيد لخوف إباقه لا قول الفاتح إنه لنكاله، ولم تقم قرينة على صدق واحد منهما لأنه لا يعلم إلا من جهته، ومثل ما ذكره المص: من سقَى دابة واقفة ببير لتشرب فذهبت ولو لم يسقها لم تذهب لوجوب سقيها عليه وحفظها لربها، كما يشملها قوله فيما مر: كترك تخليص مستهلك من نفس أو مال بيده ولو فتح قيد حر وذهب بحيث يتعذر رجوعه ضمن ديته، كما يأتي في قوله: "كحر باعه وتعذر رجوعه" من أنه لا مفهوم لباعه بل حيث أدخله في أمر يتعذر رجوعه فإنه يضمن ديته. انتهى. وقال المواق من المدونة: من حل عبدا من قيد قيد به ليلا يأبق فذهب العبد ضمن، ومن حل دواب من مرابطها فذهبت ضمنها، كالسارق يدع باب الحانوت مفتوحا وليس فيه ربه فيذهب ما في الحانوت فالسارق يضمنه. انتهى.
أو على غير عاقل يعني أن من فتح بابا مغلقا على حيوان غير عاقل فذهب فإنه يضمن لتعديه بفتحه، قال المواق من المدونة: من فتح باب قفص فيه طير فذهب الطير ضمن، إلا بمصاحبة ربه يعني أن محل ضمان الفاتح على غير العاقل إنما هو حيث لم يكن معه ربه، وأما إن كان ربه مصاحبا له فإنه لا ضمان على الفاتح ولو كان ربه نائما، قال المواق من المدونة: من فتح باب دار فيه دواب فذهبت، فإن كانت الدار مسكونة فيها أهلها لم يضمن، وإن لم يكن فيها أربابها
стр. 6794
ضمن ولو كان فيها ربها نائما لم يضمن، وكذلك السارق يدع الباب مفتوحا وأهل الدار فيها نيام فلا يضمن ما ذهب بعد ذلك، وإنما يضمن إذا ترك البيت مفتوحا ليس أرباب البيت فيه. اهـ. وقوله: "أو على غير عاقل إلا بمصاحبة ربه" هو لابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: إن كانت الدواب التي في الدار مسرحة غير مربوطة ضمنها وإن كان رب الدار فيها واختاره جماعة. قاله الشارح والتوضيح.
تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: لو قال سد الباب على بهيمتي فقال قد فعلت ولم يفعل تعمدا للترك حتى ذهبت لم يضمن؛ إذ لا يجب عليه امتثال أمره وحفظ مال الغير إنما يجب حيث لم يكن ربه متمكنا من حفظه، وقوله: فعلت من الغرور القولي، ولو أدخل أجنبي دابة دار صاحبها فقال له ربها أغلق عليها فلم يفعل ضمن إلا أن يكون ناسيا. اهـ.
الثاني: قال عبد الباقي عند قوله: "إلا بمصاحبة ربه" ما نصه: وهذا في غير الطير وأما هو فيضمن بفتحه عليه ولو صاحبه ربه غير نائم، والظاهر أن المراد بمصاحبته في مسألة المص أن يكون بمكان هو مظنة شعوره بخروجه وإن بعد عنه يسيرا لا الملاصقة فقط. اهـ.
أو حرزا يعني أن من فتح حرزا أو ثقبه فأخذ آخر منه متاعا فالضمان على الفاتح أو الثاقب والآخذ إلا بمصاحبة ربه، فحذف من هذا لدلالة ما قبله عليه، وبقولي تبعا لغيري فأخذ آخر منه متاعا علم أن هذا غير مكرر مع قوله: "أو على غير عاقل"، وإن كان في كل منهما فتح لكن الأول على حيوان غير عاقل فذهب وهنا فتحه فلم يذهب ما فيه بل أخذه الغير.
تنبيه: لو فتح زقا فتبدد ما فيه ضمنه لربه. قاله الخرشي. وظاهره ولو حضر ربه وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم.
المثلي ولو بغلاء بمثله "المثلي" معمول "ضمن" من قوله: "وضمن بالاستيلاء" يعني أن من غصب مثليا فإنه يضمنه بمثله، ولو كان غصبه وقت غلاء وهو وقت القضاء رخيص، فإذا غصب إردبا وهو حين الغصب يساوي عشرين درهما وحين القضاء يساوي عشرة دراهم فإنما له عليه إردب، وقوله: "ولو بغلاء" هو المشهور، ورد بلو القول بلزوم قيمته وقت الغلاء، وقوله: "بغلاء" أي ولو غصبه بغلاء أي بوقت غلاء فالباء بمعنى: في، أو مع غلاء فهي للمصاحبة، وقوله: "بمثله" قال
стр. 6795
الخرشي: متعلق "بضمن"، وقال عبد الباقي: متعلق بمقدر أي وحكم عليه به زمن الرخاء بمثله، وقوله: "بمثله" هذا إذا تعيب أو تلف احترازا عما إذا كان المثلي المغصوب موجودا معه حين القضاء وأراد ربه أخذه وأراد الغاصب إعطاء مثله فلربه أخذه. قاله غير واحد.
وقال البناني: أشار بلو لما ذكره في التوضيح، ونصه: أشار اللخمي إلى أن القول بتغريمه القيمة مخرج على أن الغاصب يغرم أعلى القيم. انتهى. وقول غير واحد: فلربه أخذه، قال البناني: أي لما نقله في التوضيح عن ابن بشير من أنهم اتفقوا على أن الدنانير والدراهم تتعين بالنسبة إلى من كان ماله حراما أو كان في ماله شبهة، خلافا لما نقله الجلاب عن ابن القاسم أن للغاصب أن يرد مثلها مع وجودها، قال بعضهم: لم يقل هذا ابن القاسم في الغصب، وإنما قاله في البيع لأن البيع بها واقع على صفة لا تراد بعينها، وأما المغصوب منه فله غرض في أخذ ماله لأنه حلال ومال الغاصب حرام، وذكر الشيخ سليمان البحيري أن ما قاله الجلاب عن ابن القاسم خلاف المشهور. انظر الحطاب. والذي لابن القاسم في البيع هو ما في كتاب السلم فيمن أسلم في طعام ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك في يده فأراد أن يعطيك غيرها فله ذلك، وإن كنت شرطت عليه استرجاعها بعينها. اهـ.
قال الحطاب بعد جلب كلام ما نصه: فعلم مما تقدم أنه ليس للغاصب أن يحبس المثلي حيث لم يحصل فيه مفوت ويدفع مثله. واللَّه أعلم. اهـ. وقال الحطاب: قال ابن رشد في أول كتاب الجامع من نوازله: إذا كان الحرام قائما عند آخذه لم يفت رد بعينه إلى ربه ومالكه، وسواء كان للغاصب مال حلال أو لم يكن ولا يحل لأحد أن يشتريه إن كان عرضا ولا يبايعه فيه إن كان عينا ولا يأكله إن كان طعاما، ولا يقبل شيئا منه هبة ولا يأخذه منه في حق كان له عليه، ومن فعل شيئا من ذلك وهو عالم فسبيله سبيل الغاصب في جميع أحواله، وكذلك إذا فات عند الغاصب ولم يذهب بأمر من السماء وبجناية غير غاصب عليه؛ لأن ذلك لا يقطع تخيير صاحبه في أخذه مثل أن يكون شاة فيذبحها أو بقعة فيبنيها دارا أو ثوبا فيخيطه أو يصبغه وما أشبه ذلك، ولوأفاته إفاتة تلزمه بها القيمة أو المثل فيما له مثل وسقط خيار ربها عند بعض العلماء كالفضة يصوغها حليا والصفر يفعل به قدحا والخشب يصنع منه توابيت أو أبوابا والصوف