← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

رشد: في هذا نظر ومقتضى النظر أنه يوقف لصاحبه ولا يمكن منه هذا المباشر. ابن عرفة: الأظهر تمكينه منه. اهـ. قوله في المباشر يرجع على من أكرهه ظاهر لاستقرار المال بيد المكره وتمكنه من الانتفاغ به دون المكره بالفتح، وهذا كالصريح في أنه إن أخذ من المكره بالكسر لا يرجع به على المكره بالفتح. وأما مسألة الاستظهار فالظاهر أن من أغرم منهما رجع على صاحبه بما ينوبه لاشتراكهما في الانتفاع فهما كاللصوص. وقد علمت تراجعهم. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: سحنون: من أكره على رمي مال رجل في مهلكة ففعل ذلك فأذن ربه طائعا فلا شيء عليه ولا على من أكرهه، وإن أكره ربه على الإذن فالفاعل ضامن فإن كان عديما فالضمان على الذي أكرهه، ولا رجوع له على الفاعل إذا أيسر. اهـ المراد منه. وفي المبسوطة عن عبد اللَّه بن عبد الحكم وأصبغ أن المكره المأمور لا شيء عليه، ونحوه لابن سحنون، قال: وإن أكرهه بقطع أو قتل فهو في سعة أن يأخذ ويضمن الآمر دون المأمور، وإن أبى أن يأخذ حتى قتله فهو في سعة. قاله الشارح. أو حفر بئرا تعديا يعني أن من حفر بئرا تعديا كما لو حفرها في أرض غيره أو طريق المسلمين فهلك فيها شيء فإنه يضمنه والكاف في هذا للتشبيه، ومفهوم قوله: "تعديا" أنه لو حفرها في ملكه بلا قصد ضرر فهلك فيها شيء فإنه لا يضمنه، قال عبد الباقي: أو حفر بيرا تعديا بأن حفرها بأرض غيره أو بطريق المسلمين فإنه يضمن. قاله ال تتائي. والظاهر أن حفرها بلصق الطريق بلا حائل كحفرها بها، فلو حفرها لا بقصد معين لم يضمن. اهـ. أي ولا بقصد ضرر كما يدل عليه كلام المص في باب الجراح، فمن التعدي حفرها بملكه لقصد ضرر، كوقوع سارق بها وإن لم يقصد هلاكه، وكوقوع محترم غير آدمي فإن وقع بها آدمي ضمن فيما يظهر في النوعين المذكورين. اهـ كلام عبد الباقي. والظاهر قبول قوله مع يمينه أنه لم يقصد ضررا إن لم تقم قرينة على خلاف ما ادعاه؛ لأن القصد لا يعلم إلا من جهته. انظر الرهوني. وقدم عليه المُرَدِّي يعني أن من حفر بئرا تعديا ورَدَّى فيها شخص شيئا فتلف فإن المرَدِّي يقدم في الضمان على حافر البئر تعديا لأنه مباشر والحافر متسبب والمباشر مقدم على المتسبب كما مر،

стр. 6792

وعلى المص درك لأن الضامن إنما هو المردي كما تراه قريبا. إلا المعين يعني أن محل تقديم المردي في الضمان إذا لم يكن الحافر تعديا قصد ضرر شخص معين، وأما إن قصد معينا وردَّى ذلك المعين شخص آخر في البئر، فإن الحافر والمردي سيان من غير ترتيب، فإن كان المردى بفتح الدال إنسانا مكافئا للحافر والمردي فالقصاص عليهما، وإن كان غير إنسان ضمناه معا كما في الشارح، وهو يفيد أنه إذا كان أحدهما مكافئا والآخر غير مكافئ كما إذا حفرها حر مسلم لعبد معين ورداه عبد مثله فإنه يقتل العبد المردي ولا يقتل الحافر، وهل عليه شيء من قيمة العبد أم لا؟ ويجري مثل هذا في المتسبب مع المباشر، وفي الجماعة إذا قتلوا شخصا وكان بعضهم مكافئا والآخر غير مكافئ. قاله الخرشي. ونحوه لعبد الباقي. وقال: وقيد قوله: "فسيان" بما إذا علم المردي بقصد الحافر وإلا اقتص من المردي فقط كما نقله المواق عن ابن عرفة. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن كان حفرها حر مسلم لعبد معين ورداه عبد مثله قتل المردي دون الحافر وعليه الأدب. اهـ. وقوله: "وقدم عليه المردي" قال البناني: قال ابن عاشر: لفظ التقديم يشعر بأن للحافر نصيبا في الضمان عند عدم المردي وليس كذلك أي فالذي يتعلق به الضمان هو المردي خاصة، ولا ضمان على الحافر سواء كان المردي موسرا أو معسرا فليس كالكره بالكسر ولعله لأن السبب هنا أضعف. اهـ. ولهذا قال الزرقاني: وقدم بمعنى ضمن لأنه مباشر دون الحافر، وكذا قال ابن الحاجب تبعا لابن شأس، ابن عرفة: وكذا نقله الطرطوشي وعارضه ابن عبد السلام بتسوية سحنون بين المكره غيره على أن يخرج له مال رجل من بيته ويدفعه له مع أن الآمر المكره متسبب والمأمور مباشر، وأجاب بأن التسبب بالإكراه أشد من التسبب بالحفر، قلت: إنهما في مسألة سحنون مباشران معا ضرورة مباشرة المكره أخذ المال من مخرجه واستقراره بيده، والآخذ من الغاصب العالم بالغصب غاصب. اهـ. وقول عبد الباقي: وقيد قوله فسيان بما إذا علم لخ. قال البناني: لم يذكر ابن عرفة هذا الكلام في باب الغصب، وإنما ذكره في باب الجنايات ونصه: ابن شاس: ومن حفر بيرا ليقع فيها رجل معين فوقف الرجل على شفيرها فرداه فيها غير الحافر، فقال القاضي أبو الحسن: يقتلان معا للاعتدال، وقال القاضي أبو عبد اللَّه بن هارون: يقتل المردي دون الحافر تغليبا للمباشر، قلت:

стр. 6793

الأظهر إن علم المردي بتقدم فعل الحافر وقصده قتلا معا كبينة الزور مع القاضي العالم بزورها وإلا قتل وحده على رواية ابن القاسم في بينة الزور. انتهى. أو فتح قيد عبد ليلا يأبق يعني أن العبد إذا قيد ليلا يأبق، ففتح شخص قيده فأبق العبد عقب فتح قيده أو بعده بمهلة فإن الفاتح يضمن قيمته لربه، قال عبد الباقي: أو فتح قيد عبد قيد ليلا يأبق فأبق عقب الفتح أو بعده بمهلة ضمن قيمته لربه، فمتعلق الجار والمجرور فعل مقدر لا قيد مفتوح القاف المذكور؛ لأنه اسم آلة بدليل تعلق الفتح به فلا يصح تعلقه بما ذكر كذا قرر، ويرده ما صرحوا به من أن الجار والمجرور يتعلق باسم العين كالآلة هنا، ومثلوه بنحو: أسد علي وفي الحروب نعامة … . . . . . . . . . . . . . . ومفهوم، "ليلا يأبق" أنه لو فتح قيد عبد قيد لنكاله لم يضمن وهو كذلك، والظاهر أن القول لسيده أنه قيد لخوف إباقه لا قول الفاتح إنه لنكاله، ولم تقم قرينة على صدق واحد منهما لأنه لا يعلم إلا من جهته، ومثل ما ذكره المص: من سقَى دابة واقفة ببير لتشرب فذهبت ولو لم يسقها لم تذهب لوجوب سقيها عليه وحفظها لربها، كما يشملها قوله فيما مر: كترك تخليص مستهلك من نفس أو مال بيده ولو فتح قيد حر وذهب بحيث يتعذر رجوعه ضمن ديته، كما يأتي في قوله: "كحر باعه وتعذر رجوعه" من أنه لا مفهوم لباعه بل حيث أدخله في أمر يتعذر رجوعه فإنه يضمن ديته. انتهى. وقال المواق من المدونة: من حل عبدا من قيد قيد به ليلا يأبق فذهب العبد ضمن، ومن حل دواب من مرابطها فذهبت ضمنها، كالسارق يدع باب الحانوت مفتوحا وليس فيه ربه فيذهب ما في الحانوت فالسارق يضمنه. انتهى. أو على غير عاقل يعني أن من فتح بابا مغلقا على حيوان غير عاقل فذهب فإنه يضمن لتعديه بفتحه، قال المواق من المدونة: من فتح باب قفص فيه طير فذهب الطير ضمن، إلا بمصاحبة ربه يعني أن محل ضمان الفاتح على غير العاقل إنما هو حيث لم يكن معه ربه، وأما إن كان ربه مصاحبا له فإنه لا ضمان على الفاتح ولو كان ربه نائما، قال المواق من المدونة: من فتح باب دار فيه دواب فذهبت، فإن كانت الدار مسكونة فيها أهلها لم يضمن، وإن لم يكن فيها أربابها

стр. 6794

ضمن ولو كان فيها ربها نائما لم يضمن، وكذلك السارق يدع الباب مفتوحا وأهل الدار فيها نيام فلا يضمن ما ذهب بعد ذلك، وإنما يضمن إذا ترك البيت مفتوحا ليس أرباب البيت فيه. اهـ. وقوله: "أو على غير عاقل إلا بمصاحبة ربه" هو لابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: إن كانت الدواب التي في الدار مسرحة غير مربوطة ضمنها وإن كان رب الدار فيها واختاره جماعة. قاله الشارح والتوضيح. تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: لو قال سد الباب على بهيمتي فقال قد فعلت ولم يفعل تعمدا للترك حتى ذهبت لم يضمن؛ إذ لا يجب عليه امتثال أمره وحفظ مال الغير إنما يجب حيث لم يكن ربه متمكنا من حفظه، وقوله: فعلت من الغرور القولي، ولو أدخل أجنبي دابة دار صاحبها فقال له ربها أغلق عليها فلم يفعل ضمن إلا أن يكون ناسيا. اهـ. الثاني: قال عبد الباقي عند قوله: "إلا بمصاحبة ربه" ما نصه: وهذا في غير الطير وأما هو فيضمن بفتحه عليه ولو صاحبه ربه غير نائم، والظاهر أن المراد بمصاحبته في مسألة المص أن يكون بمكان هو مظنة شعوره بخروجه وإن بعد عنه يسيرا لا الملاصقة فقط. اهـ. أو حرزا يعني أن من فتح حرزا أو ثقبه فأخذ آخر منه متاعا فالضمان على الفاتح أو الثاقب والآخذ إلا بمصاحبة ربه، فحذف من هذا لدلالة ما قبله عليه، وبقولي تبعا لغيري فأخذ آخر منه متاعا علم أن هذا غير مكرر مع قوله: "أو على غير عاقل"، وإن كان في كل منهما فتح لكن الأول على حيوان غير عاقل فذهب وهنا فتحه فلم يذهب ما فيه بل أخذه الغير. تنبيه: لو فتح زقا فتبدد ما فيه ضمنه لربه. قاله الخرشي. وظاهره ولو حضر ربه وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. المثلي ولو بغلاء بمثله "المثلي" معمول "ضمن" من قوله: "وضمن بالاستيلاء" يعني أن من غصب مثليا فإنه يضمنه بمثله، ولو كان غصبه وقت غلاء وهو وقت القضاء رخيص، فإذا غصب إردبا وهو حين الغصب يساوي عشرين درهما وحين القضاء يساوي عشرة دراهم فإنما له عليه إردب، وقوله: "ولو بغلاء" هو المشهور، ورد بلو القول بلزوم قيمته وقت الغلاء، وقوله: "بغلاء" أي ولو غصبه بغلاء أي بوقت غلاء فالباء بمعنى: في، أو مع غلاء فهي للمصاحبة، وقوله: "بمثله" قال

стр. 6795

الخرشي: متعلق "بضمن"، وقال عبد الباقي: متعلق بمقدر أي وحكم عليه به زمن الرخاء بمثله، وقوله: "بمثله" هذا إذا تعيب أو تلف احترازا عما إذا كان المثلي المغصوب موجودا معه حين القضاء وأراد ربه أخذه وأراد الغاصب إعطاء مثله فلربه أخذه. قاله غير واحد. وقال البناني: أشار بلو لما ذكره في التوضيح، ونصه: أشار اللخمي إلى أن القول بتغريمه القيمة مخرج على أن الغاصب يغرم أعلى القيم. انتهى. وقول غير واحد: فلربه أخذه، قال البناني: أي لما نقله في التوضيح عن ابن بشير من أنهم اتفقوا على أن الدنانير والدراهم تتعين بالنسبة إلى من كان ماله حراما أو كان في ماله شبهة، خلافا لما نقله الجلاب عن ابن القاسم أن للغاصب أن يرد مثلها مع وجودها، قال بعضهم: لم يقل هذا ابن القاسم في الغصب، وإنما قاله في البيع لأن البيع بها واقع على صفة لا تراد بعينها، وأما المغصوب منه فله غرض في أخذ ماله لأنه حلال ومال الغاصب حرام، وذكر الشيخ سليمان البحيري أن ما قاله الجلاب عن ابن القاسم خلاف المشهور. انظر الحطاب. والذي لابن القاسم في البيع هو ما في كتاب السلم فيمن أسلم في طعام ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك في يده فأراد أن يعطيك غيرها فله ذلك، وإن كنت شرطت عليه استرجاعها بعينها. اهـ. قال الحطاب بعد جلب كلام ما نصه: فعلم مما تقدم أنه ليس للغاصب أن يحبس المثلي حيث لم يحصل فيه مفوت ويدفع مثله. واللَّه أعلم. اهـ. وقال الحطاب: قال ابن رشد في أول كتاب الجامع من نوازله: إذا كان الحرام قائما عند آخذه لم يفت رد بعينه إلى ربه ومالكه، وسواء كان للغاصب مال حلال أو لم يكن ولا يحل لأحد أن يشتريه إن كان عرضا ولا يبايعه فيه إن كان عينا ولا يأكله إن كان طعاما، ولا يقبل شيئا منه هبة ولا يأخذه منه في حق كان له عليه، ومن فعل شيئا من ذلك وهو عالم فسبيله سبيل الغاصب في جميع أحواله، وكذلك إذا فات عند الغاصب ولم يذهب بأمر من السماء وبجناية غير غاصب عليه؛ لأن ذلك لا يقطع تخيير صاحبه في أخذه مثل أن يكون شاة فيذبحها أو بقعة فيبنيها دارا أو ثوبا فيخيطه أو يصبغه وما أشبه ذلك، ولوأفاته إفاتة تلزمه بها القيمة أو المثل فيما له مثل وسقط خيار ربها عند بعض العلماء كالفضة يصوغها حليا والصفر يفعل به قدحا والخشب يصنع منه توابيت أو أبوابا والصوف

стр. 6796

والحرير والكتان يعمل من ذلك ثيابا وما أشبه ذلك لما جاز أيضا لأحد أن يشتريه ولا أن يستوهبه، بخلاف من يقول من العلماء إن لرب هذه الأشياء أن يأخذ الفضة مصوغة والصفر معمولا والخشب مصنوعا والثياب منسوجة دون شيء يكون عليه للغاصب، لقول رسول اللَّه ﷺ : (ليس لعرق ظالم حق (١)). انتهى. وصبر لوجوده يعني أن المثلي المغصوب إذا تعذر لعدم إبانه ونحوه فإن المغصوب منه يصبر إلى أن يوجد ذلك المثلي، قال المواق: ابن عرفة: لو فقد المثلي حين طلبه، فقال ابن القاسم: ليس عليه إلا مثله، اللخمي يريد أنه يصبر حتى يوجد. أشهب: يخير الطالب في الصبر أو القيمة. ولبلده يعني أن رب المثلي إذا وجد الغاصب بغير بلد الغصب فإنه يصبر وجوبا حتى يرجع لبلد الغصب، فمن غصب بمكة من رجل قمحا فإنما يأخذ المغصوب منه مثله بمكة لا بمصر مثلا حيث لم يكن المثلي موجودا مع الغاصب، بل ولو صاحبه أي ولو كان الغاصب مصاحبا للمثلي المغصوب بعينه فلا يلزم بدفعه للمغصوب منه، ولا يعارض هذا ما قدمته من أن لرب المثلي أن يأخذه إذا وجده بعينه؛ لأن ذلك فيما إذا لم يحصل مفوت، وهنا حصل فيه مفوت وهو نقله بناء على أنه فوت، ورد المص بلو قول أصبغ وأشهب. ابن عرفة: ومن لقي من غصبه طعاما بغير بلد غصبه والطعام معه ففي كون الواجب مثله في بلد غصبه وتخييره في أخذه أو مثله بالبلد، ثالثها إن لقيه في بلد بعيد عن بلد غصبه فالأول وإلا فالثاني لابن رشد عن ابن القاسم مع سماعه وسماع أصبغ أشهب وقوله. اهـ. قاله الرهوني. وقال الشارح عند قوله "ولو صاحبه": وإلى هذا ذهب ابن القاسم في المدونة، وروى محمد عن أشهب أن ربه مخير بين أخذه وأخذ الغاصب به في مكان الغصب، وكذلك روى أصبغ عن أشهب في الموازية والعتبية، وقال أصبغ: إن كان بعيدا فالقول ما قال ابن القاسم، وإن كان قريبا أخذه، وعلى قول ابن القاسم يجوز أن يتفق معه على أخذ الطعام بعينه أو مثله بموضع نقله فيه أو يأخذ فيه ثمنا بمنزلة بيع الطعام القرض قبل قبضه. وقاله أصبغ. وعن مالك منع أخذ طعام مخالف للطعام المنقول، وكذلك قال العراقيون: إن حكم طعام الاستهلاك حكم طعام

стр. 6797

البيع. اهـ كلام الشارح. وقال عبد الباقي: ولو صاحبه لأن نقله فوت يوجب غرم مثله لا رد عينه، وظاهره وإن لم يكن فيه كلفة بخلاف القوم فإنما يكون نقله فوتا إن احتاج لكبير حمل كما سيقول: "ومعه أخذه إن لم يحتج لكبير حمل" فإن احتاج لم يجب غرم قيمته قطعا، بل يخير ربه كما يأتي والمبيع فاسدا مخالف للمغصوب إذ قدم أنه يفوت بنقل فيه كلفة مثليا أو مقوما، ويجوز للمغصوب منه أن يأخذ عن المثلي الطعام ثمنا على المذهب؛ لأن طعام الغصب يجري مجرى طعام القرض، ويشترط التعجيل ليلا يكون فسخ دين في دين. قاله بعض الشراح. ونظر فيه الأجهوري. واعلم أن فوت المثلي يوجب غرم مثله وفوت المقوم لا يوجب غرم قيمته بل يوجب التخيير. اهـ. قوله: وظاهره وإن لم يكن فيه كلفة، قال الرهوني: هو ظاهر كلام ابن عرفة السابق وابن الحاجب وغيرهما، لكن قال في التوضيح ما نصه: فرأى ابن القاسم في المدونة أن النقل فوت لأن الغاصب غرم على حمله مالا. اهـ. ويفيد أن ما لا كلفة فيه ولا أجرة لا يفوت، وقول عبد الباقي، ونظر فيه الأجهوري معناه أنه نظر في الجواز وعدمه، لا أنه نظر في كلام البعض، ونصر الأجهوري: وانظر إذا فات المثلي وهو طعام هل يجوز أن يأخذ عنه غير مثله ولا يكون من باب بيع الطعام قبل قبضه لأن فواته بمنزلة تلفه؟ أم لا؛ لأن فواته ليس بمنزلة تلفه؟ انتهى. وفي توقفه في ذلك مع شهرة المسألة حتى إنها مذكورة في المواق ما لا يخفى، ففي ابن يونس عن ابن القاسم: إنما له أخذه بمثله حيث غصبه ولو اتفقا على أن يأخذ عينه أو مثله بموضع نقله أو يأخذ فيه ثمنا جاز بمنزلة بيع الطعام القرض قبل قبضه. (١) وقاله أصبغ. وروى ابن القاسم في المجموعة والعتبية: لا يجوز أخذه منه طعاما يخالفه في جنس أو صفة لأنه طعام بطعام مؤخر. انتهى. وفي المدونة ما نصه: ومن غصب من رجل طعاما أو إداما فاستهلكه فعليه مثله بموضع غصبه، فإن لم يجد هناك مثلا له لزمه أن يأتي بمثله إلا أن يصطلحوا على أمر جائز. انتهى. قال ابن ناجي: وقصد بقوله: إلا أن يصطلحوا لخ أن يعطيه دنانير أو دراهم أو عروضا أو طعاما من غير جنسه ولو كان أكثر أو أقل أو من جنسه مثل كيله إن كان ذلك

стр. 6798

معجلا ليلا يدخله فسخ الدين في الدين، قال: وقال أبو إبراهيم: قولها يدل على أن طعام الاستهلاك كطعام القرض في بيعه قبل قبضه وهو مذهب ابن القاسم، وذهب البغداديون إلى أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه كطعام البيع. انتهى. ومنع منه للتوثق يعني أن المغصوب منه المثلي إذا وجد غاصبه بغير بلد الغصب ومعه مثليه بعينه، وقلنا إنه لا يقضى عليه بدفعه له، فإن الغاصب يمنع من التصرف إلى أن يتوثق منه المغصوب منه برهن أو حميل خشية ضياع حق ربه، ومثله القوم حيث احتاج لكبير حمل ولم يأخذه ربه فإن للمغصوب منه أن يمنع الغاصب منه، وإذا منع من التصرف فيما ذكر فتصرفه فيه مردود؛ إذ هو الأصل فيما يمنع فلا يجوز لمن وهب له مع علمه بالغصب قبوله ولا التصرف فيه بأكل ونحوه، وقولهم: الحرام لا يتعدى ذمتين ليس مذهبنا، كما يفيده قوله: "ووارثه وموهوبه إن علما كهو" قال عبد الباقي: ومنه يؤخذ منع أكل ما وهب مما فات عند الغاصب ولزمته قيمته، كهبته شاة ذبحها وطبخ لحمها لشخص حيث علم أن الغاصب لا يدفع لرب الشاة قيمتها، وبه كان يفتي شيخنا القرافي ووافقه غير واحد من مشايخي، وبه يتبين صحة ما قاله صاحب المدخل من منع أكل أطراف الشاة ونحوها مما يؤخذ مكسا، وبه أفتى الناصر وشراؤه لا يبيحه لكن مقتضى ما لابن ناجي وقول المص فيما يأتي: "وغرم قيمته" أنه يجوز الأكل لمن وهب له شيء من المغصوب حيث لزمته القيمة. قاله الأجهوري. وعلى ما لابن ناجي فيجوز شراء رءوس ضأن مشوية مأخوذة مكسا، كلبس سرموجة مغصوب نعلها لا أطراق نيئة غصبت من مدبغ بعد الدبغ باتفاق. ابن ناجي وغيره: وقوله حيث لزمته القيمة أي وعلم أنه لا يردها لربها بشرط حصول المفوت كما هو موضوع المسألة، ولذا كان الأجهوري لا يليس سراميج مصر بل المغربية لعدم تحققه غصب نعلها، بناء على أن الحلال ما جهل أصله، قال: وقد كان شيخنا العارف باللَّه تعالى آخر المسلكين بمصر محمد بن الترجمان يذبح عنزا ملكه ويجعل له منها نعلا. انتهى. قوله: ومنه يؤخذ منع أكل ما وهب حيث علم أن الغاصب لا يدفع لرب الشاة قيمتها لخ، قال البناني: الذي في الحطاب عن نوازل ابن رشد أنه يمنع ولو علم أن الغاصب يدفع لرب الشاة

стр. 6799

مراعاة لمن يقول بتخيير ربها في أخذها حينئذ، نعم لو وقع غرم القيمة بالفعل جاز الأكل كما يأتي. اهـ. قول البناني. الذي في الحطاب عن نوازل ابن رشد أنه يمنع، ولو علم أن الغاصب يدفع القيمة. لخ. قال الرهوني: فيه نظر لأن الحطاب ذكر كلام ابن رشد بالمعنى عند قوله: "أو ذبح" وقدمنا كلامه هناك، وذكره باللفظ عند قوله: "المثلي ولو بغلاء"، وليس فيما نقله عنه في الموضعين تعرض لفوات اللحم بالطبخ أصلا فانظره، نعم يصح الاحتجاج به إذا وجد أحد يقول إن اللحم لا يفوت بالطبخ، ولم أر من ذكر خلافا في اللحم إذا طبخ بأبزار الذي فيه كلام بدر الدين القرافي وناصر الدين اللقاني ومن وافقهما من الشيوخ، فلا يكمل الرد عليهم بكلام ابن رشد هذا. فتأمله بإنصاف. وقول عبد الباقي: لكن مقتضى ما لابن ناجي وقول المص فيما يأتي: "أو غرم قيمته" أنه يجوز الأكل لخ جعله مقتضى كلام المص الآتي مبني على ما شرحه به من أن معنى غرم قيمته أنها لزمته شرعا وإن لم يغرمها بالفعل ولا حكم عليه بها. فيه نظر. اهـ. ولا رد له يحتمل أن معناه "ولا رد له" أي إذا زعم المغصوب منه أن ما بيد الغاصب مثليه أي عين شيئه، فإنه لا يلزم الغاصب أن يرده له وفيه شيء لفهم هذه بطريق الأولى من قوله: "ولو صاحبه" لأنه إذا كان المغصوب منه لا يجاب إلى رد عين شيئه الثابت أنه هو فأحرى أن لا يجاب إلى ما زعم أنه شيئه، ويحتمل أن معناه إذا حكم عليه بالقيمة في المثل لعدم المثل ثم وجد المثل فليس له رد المثل، وفيه شيء لأنه يكون المص حينئذ جاريا على غير المشهور؛ إذ المشهور أنه يصبر لوجوده كما مر ويحتمل وهو الظاهر أو المتعين أن معناه أن المغصوب منه إذا طلب من الغاصب رد عين شيئه الذي صاحبه من المثلي في غير بلد الغصب فلا يلزمه ذلك لما مر من أن نقل المثلي فوت والمثلي مثله يقوم مقامه، وهذا يغني عنه قوله: "ولبلده ولو صاحبه" فهو تكرار لكن أعاده ليشبه به قوله: كإجازته أي كما لا رد للمغصوب منه في إجازته بيعه أي بيع الغاصب الشيء المغصوب، حال كونه معيبا وقت بيع الغاصب، سواء كان العيب طارئا عنده أو كان عند ربه قبل الغصب وزال العيب عند المشتري، وقال المغصوب منه: إنما أجزت بيع الغاصب لظن بقائه أي بقاء العيب وما علمت زواله، وعلله الإمام بأنه لو شاء لتثبت، قال عبد

стр. 6800

الباقي: فلو زال عند الغاصب فباعه سليما ثم أجازه ربه معتقدا أنه إنما باعه معيبا، وقال إنما أجزته لاعتقادي بيعك له معيبا فلا رد له أيضا عند عبد الحق، وظاهر الحطاب ترجيحه على قول بعض القرويين: له الرد، وقوى الرهوني ما لعبد الحق فإنه عزاه لابن يونس أيضا، وقال: وما لابن يونس وعبد الحق عول عليه البرزلي والغبريني، وسلم لهما ذلك تلميذهما ابن ناجي ولم يرتضيا قول ابن يونس عن بعض فقهائنا يعني به التونسي. اهـ. قال الرهوني: وتعليل الإمام بقوله: ولو شاء لم يعجل يدل على أنه لا فرق بين الوجهين؛ يعني زوال العيب عند المشتري من الغاصب وزواله عند الغاصب، وكون المغصوب منه ليس له رد بيع الغاصب في الوجهين هو ظاهر المص. واللَّه تعالى أعلم. كنقرة صيغت النقرة القطعة المذابة من الذهب أو الفضة وهو تشبيه في عدم الرد؛ يعني أن من غصب نقرة وصاغها حليا أو ضربها دراهم أو دنانير فإنه لا يلزم الغاصب ردها للمغصوب منه وإنما يلزمه مثلها، قال عبد الباقي: ولما كان لا تسلط للمالك على عين المثلي إذا وجده بغير بلده مع الغاصب، كذلك لا تسلط له عليه إذا وجده على غير صفته، فذكر ذلك مشبها أيضا بما تضمنه قوله: "ولا رد له" فقال: "كنقرة صيغت" أي صاغها الغاصب حليا أو سبكها وضربها دراهم ونحاس ضرب فلوسا فيلزمه مثل النقرة والنحاس ولا يقضى له بالعين؛ لأن مطلق الصياغة والضرب مفيت بخلاف ما تقدم من قوله: "ونحاس بتور لا فلوس" اهـ ونحوه للخرشي: وقال: فإنه يقضى له بمثلها صفة ووزنا ولا يقضى له بعينها حينئذ لدخول الصنعة فيها؛ لأن القاعدة أن المثلي إذا دخلته صنعة فإنه يقضى فيه بالقيمة ويلحق بالمقومات، ومثل الصياغة النحاس يضرب فلوسا فإنه يلزمه مثل النحاس. اهـ المراد منه. وطين لبن يعني أن من غصب طينا فضربه لبنا فإن رب الطين ليس له اللبن؛ لأن ضربه لبنا فوته على ربه، وإنما له على الغاصب مثل طينه، قال عبد الباقي: وطين لبن أي ضرب لبنا لا يرده بل يضمن مثله إن علم وإلا فقيمته لأن المثلي الجزاف يضمن بالقيمة. اهـ. ونحوه للخرشي ولفظه: وكذلك من غصب طينا معلوم القدر والصفة فضربه لبنا فإنه يغرم لصاحبه مثله إن علم وإلا فقيمته؛ لأن المثلي الجزاف يضمن بالقيمة لأن الطين مما يكال بالقفة وغيرها. انتهى.

стр. 6801

وقمح طحن يعني أن من غصب قمحا فطحنه فإنه لا يلزم الغاصب أن يرد له الدقيق لأن عين شيئه فاتت بالطحن، وإنما له مثل قمحه، قال عبد الباقي: وقمح طحن ودقيق عجن وعجين خبز فيما يظهر ويدل له جعله الطحن هنا ناقلا مفيتا، ولم يجعلوه في باب الربويات ناقلا كالعجن فمنعوا التفاضل بينهما احتياطا للربا، وهنا احتاطوا للغاصب فلم يضيعوا كلفة طحنه فهو وإن ظَلَمَ لا يُظْلَم. اهـ. ونحوه للخرشي. وبذر زرع يعني أن من غصب بذرا -أي حبا فالمراد بالبذر ما يبذر- وزرعه أي ألقاه في وجه الأرض فإنه ليس لمالكه أولا أن يأخذه وإنما له مثل حبة، وقوله: "زرع" أي ألقي بالأرض كما قررت، وأولى إن غطى وجه الأرض، قال عبد الباقي في "وبذر": أي ما يبذر كحب زرع فيلزمه لربه مثله، فبذر اسم لا مصدر إذ هو مصدرًا إلقاء الحب على الأرض وهو الزرع، فلا معنى لقوله: "زرع" ولا يحمل زرع على غطى لاقتضائه أن فوات البذر يتوقف على تغطيته وليس كذلك، ومن غصب نخلا أو شجرا صغيرين فقلعها وغرسها بأرض فكبرت فلربها قلعها وأخذها كحيوان صغير كبر ذكره في المدونة، وظاهرها كانت تنبت بأرض أخرى أم لا، وقيدها سحنون بما إذا كانت تنبت بأخرى أي وإلا أخذ قيمتها على أنها لا تنبت. اهـ. قوله: وقيدها سحنون بما إذا كانت تنبت لخ هذا خلاف ظاهر كلام ابن رشد في سماع عبد اللَّه بن عمر بن غانم من كتاب الجامع، فإنه إنما ذكر قيد سحنون فيمن أخذ من شجرة غيره ملوخا فغرسه، ونصه: وإن فعل ذلك غصبا وتعديا بلا إذن من صاحبه ولا دلالة عليه ممن يستوجب الدلالة فله أن يقلعه ويأخذه، وإن كان قد علق إلا أن يكون بعد طول زمان وبعد نماء وزيادة بينة، فلا يكون له أن يأخذه بعينه ويكون له قيمته يوم امتلخه من شجره عودا ميتا مكسورا، وإن كان قد أضربا لشجرة كان عليه في ذلك قيمة ما نقص من الشجر. هذا قول أصبغ في الواضحة. وقال سحنون: إنما يكون أولى بغرسه إذا كان إن قلعه وغرسه ينبت، وأما إن كان لا ينبت إن قلعه وغرسه فإنما له قيمته ولا سبيل له إلى قلعه، ثم ذكر ما إذا اقتلع غرسا من بستان غيره فغرسه في أرضه على وجه الدلالة وبين حكمه، ثم قال ما نصه: ولو كان اقتلعه غصبا غير مدل

стр. 6802

لكان صاحب الغرس أحق بغرسه، وإن كان ثبت في أرضه وطال زمانه وتبينت زيادته لأنه شيئه بعينه أخذه حيا فنما وزاد وشب فهو كالصغير يغتصب أو يسرق ثم يجده صاحبه وقد كبر وشب ونما وزاد، فهو أبدا أحق به وسواء كان مما ينبت إن غرس بعد قلعه من أرض الغاصب أو مما لا ينبت وهو أحق به إلا أن يشاء أن يسلمه ويأخذ قيمته نابتا، فيكون ذلك له حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ. وباللَّه التوفيق. ونقله الحطاب مستوفى آخر هذا الباب. فتأمله تجده شاهدا لما قلناه، لكن يشهد للزرقاني كلام ابن يونس وابن ناجي، ففي المدونة ما نصه: ومن غصب وديا صغارا من نخل أو شجرا صغارا فقلعها وغرسها في أرضه فصارت بواسق فلربها أخذها كصغير من الحيوان يكبر. اهـ منها بلفظها. قال ابن ناجي قلت وظاهره كانت تنبت في أرض أخرى أم لا وهو كذلك عند أصبغ وقال سحنون معناها إذا قلعت نبتت في أرض أخرى وكلاهما حكاه ابن يونس. اهـ. وحكى الرهوني كلام ابن يونس نحو هذا، ثم قال: لكن يرد على الزرقاني اقتصاره على قول سحنون وهو يفيد أنه المذهب، وليس في كلام ابن يونس وابن ناجي ما يفيد ذلك، بل صرح ابن ناجي بأن ما لأصبغ هو ظاهرها وصدق في ذلك، ويقويه كلام ابن رشد السابق لإتيانه به كأنه المذهب، ولم يذكر تقييد سحنون في هذه بل فيما امتلخه، وظاهره أن تقييد سحنون لا يجري في هذا كما رأيته وقد سلمه الحطاب وذلك يدل على رجحانه خلاف ما أفاده كلام الزرقاني. والله أعلم. وقول عبد الباقي: وإلا أخذ قيمتها على أنها لا تنبت فيه نظر، بل الواجب له قيمتها نابتة بأرض مالكها يوم قلعت هذا هو القياس وهو الذي تقدم في نقل ابن رشد وابن يونس عن أصبغ إذا اختار ربها تغريمه، وكذلك يقول سحنون، والخلاف بينهما عند من جعله خلافا في هذا الموضوع إنما هو [في] (١) تخيير ربها في قلعها إذا كانت لا تنبت وعدم تخييره، فإذا تحتم عليه أخذ القيمة عند سحنون فالحكم ما قاله أصبغ إذا اختار أخذ القيمة. فتأمله. واللَّه أعلم. وقول المدونة وديا هو بالدال المهملة بوزن غني وهو صغار النخل التي تنقل للغرس والبواسق الطوال. قاله ابن ناجي عن عياض. قلت: وهو اسم جنس جمعي واحدته ودية. اهـ. قاله الرهوني. وقال المواق من المدونة: قال مالك: إن عمل الغاصب من الخشبة بابا أو غصب ترابا

стр. 6803

فعمل منه بلاطا أو غصب حنطة فزرعها وحصد منها حبا كثيرا أو غصب سويقا فلتَّه بسمن أو غصب فضة فصاغها حليا أو ضربها دراهم فعليه في هذا كله مثل ما غصب في صفته ووزنه أو القيمة فيما لا يكال ولا يوزن وكذلك السرقة، قال ابن القاسم: من غصب قمحا فطحنه ضمن مثله ولا يمكن رب القمح من أخذ الدقيق خلافا لأشهب واتفقا إن طحن القمح سويقا أو لته أن ليس لرب القمح أخذه. اهـ. وبيض أفرخ يعني أن من غصب بيضا ثم أفرخ ذلك البيض عند الغاصب فعليه مثل البيض والفراخ للغاصب، قال المواق: قال أشهب من غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة له فعليه بيضة مثلها، كغاصب القمح يزرعه فعليه مثل القمح والزرع خلافا لسحنون لا ما باض إن حضن يعني أن من غصب دجاجا ثم باض عنده ثم أفرخ فإن الفراخ تكون لرب البيض لا للغاصب، بشرط أن يكون الطير المغصوب يحضن وأولى إن باضت عند ربها فغصبها ببيضها فأفرخت عنده فلربها الفراخ، والتقييد في النص بباضت عند الغاصب نص على المتوهم، وكذا إذا غصب من شخص واحد دجاجة وبيضا ليس منها وحضنه تحتها فإن الفراريخ لربها وعليه أجرة مثله في تعبه فيها، فإن كانا شخصين فلرب البيض بيضه والفراريخ للغاصب، ولرب الدجاجة دجاجته وكراء مثلها في حضنها وما نقصها إلا أن يتفاحش، وشمل قوله: "إن حضن" ما استقل بالحضن أو شاركه فيه غيره، وهذا إن كان المغصوب أنثى فإن كان ذكرا يحضن مع أنثى عند الغاصب فإنما عليه كراؤه. وانظر لو غصب حمامة من رجل وذكرا من آخر وباضت وشاركها الذكر في الحضن وأفرخ، فهل على رب الحمامة أجرة في مقابلة حضن الذكر لأنه ليس للغاصب أم لا؟ اهـ. قاله عبد الباقي. قوله: ولرب الدجاجة دجاجته وكراء مثلها في حضنها وما نقصها، قال البناني: كذا في الموازية وتعقبه الشيخ كما في ابن عرفة، ونصه: قال في الموازية: وله كراء مثل حضانتها وما نقصت. الشيخ: في قوله وما نقصت نظر إلا أن يكون نقصا بينا فيخير في أخذ قيمتها يوم الغصب. اهـ. ومفهوم قوله: "إن حضن" أنه لو حضن بيضها تحت دجاجة غيرها أو حضن تحتها غير بيضها

стр. 6804

فلا شيء من الفراريخ للمستحق، فليس له إلا دجاجته وأجرة مثلها فيما حضنت من بيض غيرها كما في الخرشي. تنبيه: لو مات حيوان حامل فأخرج رجل ما في بطنه من الحمل وعاش فالولد لرب الحيوان، وعليه أجرة علاج المخرج. اهـ. وانظر هل مثله من أخرج بيضة من ميتة ووضعها تحت دجاجة حتى أفرخت فتكون الفراخ لربها، ويدل له ما يأتي من غصب خمر مسلم فتخلل فالخل للمسلم أم لا، وهو الظاهر لأن من غصب بيضة حتى أفرخت عند الغاصب فإنه لا يكون الفرخ لربها فأولى بيضة الميت، والفرق بينها وبين الجنين أنه بخروجه حيا يملكه رب البهيمة لطهارته، بخلاف هذه فإن رب الدجاجة لا يملكها لنجاستها، والفرق بينها وبين الخمر تتخلل أن الخمر يملكه ربه بتخلله، وأما ما أفرخه البيض فإنما يملكه صاحب من حضنه. اهـ. وعصير تخمير يعني أن من غصب عصيرا أي ماء عنب ثم تخمر فإنه يلزم الغاصب عصير مثله لانقلابه لما لا يجوز تملكه إن علم كيله وإلا فقيمته، وظاهر كلام المص ولو كان لذمي مع أنه يملك الخمر وينبغي في هذه الحالة أن يخير كما إذا تخلل خمره. قاله عبد الباقي وغيره وإن تخلل خير يعني أن من غصب عصيرا ثم تخلل فإن رب العصير يخير بين أن يأخذ الخل وأن يأخذ مثل عصيره، وقوله: "تخلل" أي العصير ابتداء، وكذا بعد تخمره فيما يظهر، قال عبد الباقي: وإن تخلل العصير ابتداء وكذا بعد تخمره فيما يظهر خير ربه في أخذه خلا، ومثل عصيره إن علم قدرُه فإن جهل فقيمته كان لمسلم أو لذمي بدليل قوله: كتخللها لذمي يعني أن من غصب خمرا لذمي ثم تخللت فإن الذمي المغصوب منه يخير في أخذ الخل، وقيمة الخمر يوم الغصب بمعرفة المسلمين أو الذميين، فالتشبيه في مطلق التخيير في مثل الخمر المغصوبة وأخذ الخل، وقوله: "لذمي" اللام فيه على بابها أي حال كون الخمر كائنة لذمي، وفي شرح عبد الباقي أنه بمعنى: من. اهـ. أي كتخللها مغصوبة من ذمي. وتعين لغيره أي غير الذمي بمعنى مطلق الكافر؛ لأن المعاهد والمستأمن كالذمي في التخيير المذكور، ومعنى كلامه أن من غصب خمرا لمسلم ثم تخللت فإن المسلم ليس له إلا أخذ الخل،

стр. 6805

فالضمير في قوله له وتعين للخل أي يتعين في حقه أخذ الخل، قال عبد الباقي: والضمير في غيره راجع للذمي بوصف الكفر لا بوصف كونه ذميا. اهـ المراد منه. فرع: في ثمانية أبي زيد ما نصه من تعدى على جرة عصير فكسرها، فإن دخله عرق خل ولم يتخلل غرم قيمته على الرجاء والخوف بمنزلة الثمرة، وإن ظهر أنه خمر ولم يدخله عرق خل فلا شيء عليه لأنه كسره في حين لو علم به صاحبه لم يحل له إمساكه. اهـ. وإن صنع بصاد مهملة فنون فعين؛ يعني أنه إذا غصب خمر من مسلم ثم تخللت فإنه يتعين على المسلم أخذ الخل كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يتسبب الغاصب في تخليلها وأن لا يتسبب هذا هو المعتمد، صرح بذلك ابن عرفة ونصه: ففي كونها بتخللها عند الغاصب له أو لربها، ثالثها إن تسبب في تخليلها لتخريج عبد المنعم والمعروف ومفهوم تعليل الشيخ. اهـ. ونقله المواق وابن غازي في تكميله معبرا عن الشيخ بأبي محمد وابن ناجي في شرح المدونة وسلماه. قاله الرهوني. المواق: أشهب: إن غصب مسلم خمرا لذمي فخللها خير في أخذها خلا وقيمتها يوم الغصب، قال مالك: لو استهلك مسلم لذمي خمرا غرم قيمتها. اهـ. قوله: "وإن صنع" هو كذلك في نسخة، وفي نسخة: وإن ضيع بتشديد الياء مصدره التضييع ومفعوله ما بعده من قوله كغزل وحلي وغير مثلي فقيمته يوم غصبه يعني أن من غصب المثلي بعد أن دخلته صنعة قوية كالغزل والحلي أو غصب غير المثلي وهو المقوم، فضيع ما ذكر أي أتلفه فإنه يضمن قيمة ذلك يوم غصبه لا يوم ضيعه، واعلم أن المثلي هو المكيل والموزون والمعدود، فإذا دخلته صنعة قوية صار من المقومات، واحترز بذلك من الصنعة غير القوية كضرب الذهب والفضة دراهم أو دنانير والنحاس فلوسا. وقوله: "فقيمته" إما بالرفع مبتدأ حذف خبره أي فقيمته لازمة له يوم غصبه، أو خبر حذف مبتدؤه أي فاللازم له قيمته يوم غصبه، وإما بالنصب على أنه مفعول لمقدر أي فيغرم قيمته يوم غصبه، وقوله: "وغير مثلي" بالنصب على نسخة وإن ضيع إن لم يكن مبنيا للمجهول، وكذا على نسخة وإن صنع ويكون معمولا لمقدر أي وإن غصب غير مثلي. وقوله: "كغزل وحلي" مثالا له على التقديم والتأخير. انظر البناني.

стр. 6806

وعلم مما قررت أن قوله: "فقيمته" جواب لقوله: "وإن ضيع" على أنه من التضييع، وأما على أنه صنع بالصاد والنون فيكون قوله: "فقيمته" لخ جوابا لشرطٍ مقدر أي وإن غصب غير مثلي كغزل لخ فقيمته يوم غصبه. واللَّه تعالى أعلم. وما ذكره المص من أن القوم تلزم فيه القيمة هو المعروف من المذهب، ووجد في المنتقى رواية عن مالك أنه يضمن القوم بالمثل كالمثلي كمذهب الشافعي وأبي حنيفة. المازري: وهو وهم من الرواة الذين ذكروا ذلك عنه، وفي المجموعة عن مالك أن ما استهلك من الحيوان والرقيق والعروض فالقيمة فيه أعدل، وهو يدل على أنه لو حكم فيها بالمثل لما كان به بأس. قاله الشارح. وفي شرح حلل ابن الخطيب لابن لب فويق باب يقوم ببيان العلة أن الأرض التي لا دراهم فيها ولا دنانير القيمة فيها الجلود والعروض وكل ما غلب به التعامل؛ لأن الأصل في كون الدراهم والدنانير قيم المتلفات غلبة التعامل بها. اهـ من خط من عزاه لذلك الكتاب. ولا أفتي بهذا قبل أن أنظره في الكتاب المعزو له. وإن جلد ميتة لم يدبغ مبالغة في الضمان؛ يعني أن من غصب جلد ميتة لم يدبغ وتلف فإنه يضمن قيمته، قال البناني: لو عبر بلو بدل إن كان أولى لرد الخلاف، قال ابن رشد في سماع عيسى: قال في المدونة من غصب جلد ميتة فعليه قيمته دبغ أو لم يدبغ، وقال في المبسوط: لا شيء عليه دبغ أو لم يدبغ؛ لأنه لا يجوز بيعه، وقيل إنه لا شيء فيه إلا أن يدبغ فيكون فيه القيمة، وقيل إن دبغ لم يكن عليه إلا قيمة ما فيه من الصنعة، والصواب أنه يلزمه في ذلك كله قيمة الانتفاع به. اهـ. أو كلبا يعني أن من غصب كلبا مأذونا في اتخاذه ككلب صيد أو ماشية أو حراسة فأتلفه ضمن قيمته يوم غصبه وإن لم يجز بيعه، قياسا على الغرة في الجنين وإن كان لا يجوز بيع الجنين، وأما من قتل كلبا لم يأذن الشرع في اتخاذه وإن اتخذه شخص جهلا فإنه لا يلزم قاتله فيه شيء ولا يحتاج لتقييد المص الكلب بالمأذون؛ لأن غيره خرج بقوله: "الغصب أخذ مال" وغير المأذون ليس بمال. قاله غير واحد.

стр. 6807

ولو قتله تعديا مبالغة في لزوم القيمة يوم الغصب لا يوم قتله تعديا والضمير في قتله للشيء المغصوب، قال عبد الباقي: وبالغ على قوله: "فقيمته يوم غصبه" بقوله: "ولو قتله" أي قتل الغاصب الشيء المغصوب تعديا بعد غصبه فقيمته يوم غصبه لا يوم قتله، فليس قتل الغاصب كقتل الأجنبي، وفي بعض النسخ: بعد ظرفا مبنيا على الضم أي بعد غصبه وهي موافقة للنسخة المذكورة معنى، وفي بعضها بعداء بباء الجر والمد أي غصبه ثم قتل أي الشيء المغصوب بسبب عدائه عليه أي على الغاصب وإن لم يقدر على دفعه إلا بقتله وإن وجب عليه لحفظ نفسه؛ لأن الغاصب ظالم بغصبه فهو المسلط له على نفسه والظالم أحق بالحمل عليه، ولأن أسباب الضمان إذا تعددت من فاعل واحد فإنما يعتبر أولها عند ابن القاسم وأشهب، ولابن القاسم في أحد قوليه: وسحنون له أخذ القيمة يوم القتل كالأجنبي؛ لأن القتل فعل ثان ومن حجة ربه أن يقول لا أواخذه بوضع اليد وإنما أواخذه بالقتل. ابن راشد (١): وهو أقيس. اهـ من عبد الباقي بمخالفة قليلة. وعليه رد المص بلو واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: ابن القاسم: من غصب أمة فزادت قيمتها عنده أو نقصت ثم قتلها فإنما عليه قيمتها يوم الغصب فقط. اهـ. وقال البناني: بالغ على اعتبار القيمة وما ذكره هو قول ابن القاسم وأشهب خلافا لسحنون وابن القاسم في أحد قوليه، وأما الأجنبي فيأتي اعتبار القيمة في حقه يوم القتل فيفهم منه الفرق بين إتلاف الغاصب والأجنبي ولا خصوصية للقتل، بل لو عبر المص بالإتلاف كابن الحاجب لكان أعم، وكلام المص كما قال ابن غازي راجع لقوله: "فقيمته يوم غصبه"، قال: ورده للكلب كما في الشامل ليس بشيء. انتهى. وهو ظاهر؛ لأن التعدي أنسب بالضمان، فكيف يبالغ عليه في جانب الضمان؟ واعتراض ال تتائي على ابن غازي لا يخفى سقوطه. اهـ. وخير في الأجنبي يعني أن من غصب شيئا فقتله أجنبي فإن المغصوب منه يخير في اتباع الغاصب أو الأجنبي، قال عبد الباقي: وخير المغصوب منه في قتل الأجنبي للمغصوب عند غاصبه حيث قتله الأجنبي عند عدائه عليه قادرا على دفعه بغير القتل، وإلا فلا شيء لربه في قتله. قاله الأجهوري. أي لا شيء على الجاني وإنما يتبع الغاصب لما تقدم أن الغاصب يضمن

стр. 6808

السماوي وجناية الأجنبي؛ وإذا قتله الأجنبي بقيده فيخير ربه بين أن يتبع الغاصب أو الأجنبي. فإن تبعه أي تبع المغصوب منه الغاصب بقيمته يوم غصبه تبع هوأي الغاصب الجاني بقيمته يوم الجناية ولو زادت على قيمته يوم الغصب، وتكون له الزيادة، ولا يقال: الغاصب لا يربح فكيف ربح هنا؟ لأنا نقول لما غرم قيمته لربه يوم الغصب ملكه فلا كلام لربه في الزيادة، وأبرز الضمير لجريان الجواب على غير من هو له إذ ضمير الشرط لرب المغصوب وضمير الجواب للغاصب. فإن تبع المغصوبُ منه الجاني فإنما يتبعه بقيمته يوم الجناية ولو زادت على قيمته يوم الغصب، فإن كانت قيمته يوم الجناية أقل من قيمته يوم الغصب وأخذ ربه أي أخذ رب الشيء المغصوب من الجاني أقل من قيمته يوم الغصب لكون القيمة يوم الجناية أقل من قيمته يوم الغصب، فله أي فللمغصوب منه الزائد على قيمته يوم الجناية من قيمته يوم الغصب، وإنما يأخذه من الغاصب فقط لا من الجاني؛ لأن الجاني لا يلزمه إلا غرم قيمته يوم الجناية ولو نقصت عن قيمته يوم الغصب، وقد علمت أن هذا الذي قررت إنما هو في القتل أي الإتلاف، وأما إن عيبه الأجنبي فيخير ربه بين أن يضمن الغاصب قيمة جميع المغصوب فيرجع الغاصب على الجاني بأرش الجناية يومها، وبين أخذ الشيء المغصوب ويتبع الجاني بأرش الجناية، وليس له أخذه وأخذ أرش الجناية من الغاصب. هذا ما تفيده المدونة. ففي دعوى أحمد شمول كلام المص لهذا أيضا شيء لاختلاف التخيير في التلف والجناية؛ لأنه لا يجري فيه: "فإن أخذ ربه أقل" لخ، ولأنه يؤدي للتكرار مع قوله الآتي: "وإن تعيب وإن قل ككسر نهديها" لخ. وله هدم بناء عليه قال الخرشي: يعني أن من غصب عمودا أو خشبة أو حجرا فبنى على ذلك بنيانا فللمالك أن يأمره بهدمه وله إبقاؤه وأخذ قيمته، وإن أخذ ثوبا وجعله ظهارة جبة فلربه أخذه أو يضمنه قيمته، قال أبو محمد: ويفتق الجبة ويهدم البناء والفتق والهدم على الغاصب، وكأنه أفاته ذلك رضى منه بالتزام القيمة، فقوله: "عليه" أي على الشيء المغصوب ولا يدخل في كلامه الأرض لأن حكمها مخالف للخشبة والعمود ونحوهما، ويأتي للمص وفي بنائه في أخذه ودفع قيمته لخ، ولذا لم يذكرها في المدونة مع الحجر والخشبة. قاله البناني. وقوله: "وعليه" من

стр. 6809

باب أولى لو غصب أنقاضا فبناها فالتوقف فيه لا محل له. اهـ. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي نحوه ة وقال: ولا يلتفت لقول الغاصب أنا أهدم بناءي ولا أغرم القيمة خلافا لابن القصار، وإذا اختار أخذ شيئه فعلى الغاصب أجرة الهدم كما مر. مسألة: قال المواق: ومن درة الغواص في ثور احتبس رأسه بين أغصان زيتونة أنه يحكم على صاحب الثور بقيمة ما يقطع من أغصان الزيتونة حتى يتخلص رأسه منها. قاله الداودي. وإذا استحقت خشبة: قال مالك: ليس لربها قلعها إذا كان الباني غير غاصب. اهـ. وغلة مستعمل يعني أن الغاصب إذا استعمل الشيء المغصوب فإنه يرد غلة ما استعمله، وقررت المص بأنه شامل للعقار وغيره كالحيوان تبعا لغير واحد، قال الخرشي: يعني أن من غصب رقبة عبدا أو دابة أو دارا أو غير ذلك فاستعمله بنفسه أوأكراه فإنه يضمن للمالك ما استعمله ومفهوم مستعمل أنه لو لم يستعمل فلا يضمن شيئا كالدار يغلقها والدابة يحبسها والأرض يبورها والعبد لا يستخدمه، ولا ينافي هذا قوله الآتي: وغيرهما بالفوات أي وإن لم يستعمل لأنه فيما إذا غصب المنفعة فقط وحينئذ لا تعارض. اهـ. اهـ باقتصار. ونحو ما قرره الخرشي للشارح وال تتائي، فإنهما جعلا ما هنا شاملا للعقار والحيوان تبعا لتشهير المازري وابن العربي وابن الحاجب وغيرهم. قاله عبد الباقي. قال البناني: قال ابن عاشر: حمل كلام المص على هذا هو الظاهر وعليه حمل الحطاب كلام المص، قال في التوضيح: صرح المازري وصاحب المعين وغيرهما بتشهيره وشهره ابن الحاجب، وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح عند ابن العربي وغيره من المتأخرين. اهـ. ابن عاشر: وهذا المشهور هو الذي يأتي عليه قوله الآتي: "وما أنفق في الغلة" إذ لو لم تلزمه الغلة لما صح قوله: "في الغلة" اهـ. وهذا الذي مشى عليه المص هنا في المدونة، ومقابله في المدونة أيضا وهو الذي صدر به عبد الباقي وحمل عليه المص، فإنه حمله على العقار خاصة، فإنه قال: وله غلة عقار مغصوب ذاته مستعمل، لا حيوان مستعمل نشأ عن استعماله غلة كما يأتي في قوله عاطفا على ما لا كراء فيه ولا قيمة "أو رجع بها من سفر" أي فلا قيمة ولا كراء إلا ما نشأ عن غير استعماله كسمن ولبن وصوف

стр. 6810

فللمغصوب منه، وقرر قوله: "أو رجع بها من سفر" على أنه لا يضمن قيمة ولا كراء والمعتمد أن عليه الكراء كما شهره المازري وابن العربي وابن الحاجب، وسيأتي نحوه عن أحمد. اهـ. تنبيهات: الأول: قال الرهوني عند قوله: "مستعمل" ما نصه: احترز به عما إذا عطله أصلا فلا شيء عليه على المشهور، وشمل المستعمل ما استعمله بنفسه وما أكراه أو واجره لغيره أو يقصر على الأول ويؤخذ منه الثاني بالأحرى؛ لأن من يقول برد الغلة في الأول يقول به في الثاني ولا عكس. الثاني: قال الرهوني: تواطأت عبارتهم هنا على أن كون الغاصب يرد غلة المستعمل محله إذا كان المستعمل عقارا فقط، قالوا: وهو مذهب المدونة وأن المشهور خلاف مذهبها وفيه نظر وإن تواطأت عليه عبارتهم بل المدونة فيها القولان، فما عزوه لها هو في كتاب الغصب، وفي كتاب اللقطة والضوال: وما عزوه لغيرها وشهروه هو في كتاب الاستحقاق منها، وفي كتاب الجعل والإجارة، وقد نقل المواق عنها ذلك عند قوله: "وصيد عبد"، وعند قوله: "لا سماوي وغلة"، وعند قوله: "وإلا بدئ بالغاصب" فراجعه. وتأمل. وقد نبه على ذلك أبو الحسن وابن ناجي، فإنه قال عقب كلامها في كتاب الغصب ما نصه: ومثله في اللقطة والضوال، وقال في الاستحقاق: يرد كراء الرقيق، وفي كتاب الجعل والإجارة يرد كراء الدابة. اهـ منه بلفظه. ونحوه لأبي الحسن، ونقل أبو علي كلام أبي الحسن وسلمه، قلت: وكلامهم يدل على أنه لم يذكر في الاستحقاق رد كراء الدابة ولا غلة استعماله الرقيق والدابة بنفسه وليس كذلك، ففيها في كتاب الاستحقاق ما نصه: ولو أن الغاصب بنفسه اغتل العبد وأخذ كراء الدابة لزمه أن يرد الغلة والكراء للمستحق، ولو مات الغاصب وترك هذه الأشياء ميراثا فاستغلها ولده كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق. اهـ. وبه تعلم أن ما شهروه أحد قولين منصوصين فيها لا أنه خلاف مذهبها. واللَّه الموفق. اهـ. الثالث: قال الخرشي: ونحوه لعبد الباقي عند قوله: "وغلة مستعمل" ما نصه: وسواء هلك المغصوب أم لا، فيأخذ المغصوب منه الغلة وقيمة الرقبة وهذا لفظ الخرشي، وعبارة عبد الباقي: وظاهر قوله "غلة مستعمل": ولو فات المغصوب ولزمت فيه القيمة فيأخذ الغلة وقيمة المغصوب،

стр. 6811

ونحوه في ال تتائي عن الكافي وهو المعتمد وهو قول مالك وعليه جمهور أهل المدينة من أصحابه وغيرهم، قيل: وهو الصحيح، وقال ابن القاسم: لا كراء له إذا أخذ القيمة. انظر ابن وهبان. انتهى. قوله: والمعتمد وهو قول مالك وعليه جمهور أهل المدينة من أصحابه لخ، قال البناني: هكذا عزا هذا القول أبو عمر في الكافي لكنه غير معتمد لأنه خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة، ففيها: وما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل من الحيوان أو جز من الصوف أو حلب من اللبن فإنه يرد ذلك كله مع ما غصب وما أكل رد المثل فيما له مثل والقيمة فيما لا يقضى فيه بالمثل، فإن ماتت الأمهات وبقيت الأولاد وما جز وما حلب خير ربها، إن شاء أخذ قيمة الأمهات ولا شيء له فيما بقي من ولد وصوف ولبن ولا في ثمنه إن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان أو ثمن ما بيع من صوف ولبن ونحوه، وما أكل الغاصب أو انتفع به من ذلك فعليه المثل فيما له مثل والقيمة فيما يقوم ولا شيء عليه من قبل الأمهات، ألا ترى أن من غصب أمة فباعها فولدت عند المبتاع ثم ماتت فليس لربها أن يأخذ أولادها وقيمة الأمة من الغاصب وإنما له أخذ الثمن من الغاصب أو قيمتها يوم الغصب، أو يأخذ الولد من المبتاع ولا شيء عليه ولا على الغاصب في قيمة الأم، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن؟ اهـ. نقله مصطفى، واقتصر ابن رشد في بيانه ومقدماته على هذا وكذا ابن عرفة، ولم يعرج ابن عرفة على ما في الكافي على أن صاحب الكافي معترف بأن ما نقله خلاف مذهب ابن القاسم. اهـ. وقال عبد الباقي: واحترز بقوله "مستعمل" عما إذا عطل ولا يخالف ما يأتي من قوله: "وغيرهما بالفوات" لأنه في غصب المنفعة وما هنا في غصب الذات، فإذا غصبه أرضا وبوَّرها فإن علم أنه قصَدَ غصْبَ ذاتها فلا كراء عليه في تبويرها أو منفعتِها فقط فعليه الكراء، وانظر إذا لم يعلم قصده أو تنازع مع ربها في قصده. الرابع: قال الحطاب من غصب منفعة دار واستأجر منه رجل تلك المنفعة فلربها أخذ الأجرة من الغاصب أو من المستأجر عالما كان أو جاهلا، كما لو غصب طعاما وباعه واستهلكه المشتري فلرب الطعام أن يضمن من شاء منهما، بخلاف ما إذا غصب الرقبة وأكراها. انتهى.

стр. 6812

قال مقيده عفا الله تعالى عنه: قوله بخلاف ما إذا غصب الرقبة لخ، مقتضاه أنه إنما يرجع على الغاصب فقط. واللَّه تعالى أعلم. الخامس: اعلم أنه لا خلاف بينهم أن رب الحيوان المغصوب إذا ولد عند الغاصب يأخذ الحيوان والولد إن وجدهما قائمين، وأما الغلة المتولدة منه كثمرة النخل ولبن الماشية وصوفها وجبنها ونحو ذلك فقد مر أنه للمغصوب منه وقيل إنه للغاصب بالضمان، فلا يرده لقوله ﵊: (الغلة بالضمان (١)) وعلى الأول يلزمه ردها إن كانت قائمة وعوضها إن فاتت مع رد عين الشيء المغصوب لخ. انظر الشارح. وصيد عبد يعني أن من غصب عبدا واصطاد ذلك العبد صيدا فإن الصيد يكون لرب العبد بلا خلاف، وجارح يعني أن من غصب جارحا كباز وكلب وما أشبه ذلك فاصطاد به صيدا فإن ذلك الصيد يكون لرب الجارح على المشهور، وقيل للغاصب إلحاقا له بالآلات التي لا تصرف لها، قال عبد الباقي: وللمغصوب منه عبد أو جارح صيد عبد وجارح باز أو كلب أي مصيدهما وللغاصب أجرة تعبه ولربهما أن لا يأخذ المصيد ويلزم أجرتهما للغاصب. اهـ. وقال المواق: ابن بشير: إن كان المغصوب عبدا وأمره بالصيد فلا خلاف أن الصيد للعبد، وإن كان آلة كالسيف والرمح فلا خلاف أن الصيد للغاصب وعليه أجرة ما انتفع به، وإن كان فرسا فقد ألحقوه بالآلة، وإن كان جارحا كالبازي والكلب فهل يلحق بالعبد قولان؟ وقال ابن رشد: اختلف في الذي يتعدى على كلب رجل أو بازيه فيصيد به، والأظهر قول ابن القاسم أن محمله محمل الذي تعدى على العبد فيرسله يصيد له؛ لأن جل العمل إنما هو للبازي والكلب لأنهما هما اتبعا الصيد وهما أخذاه فلهما سببان، الاتباع والأخذ، وليس للمتعدي فيه إلا التحريض. اهـ المراد منه. وكراء أرض بنيت يعني أن من غصب أرضا فبنى فيها بيتا واستغله أو سكنه فإن عليه كراءها براحا وهل ينظر لكرائها لمن يعمرها كما في مسألة مركب نخر أو ينظر لكرائها مع قطع النظر عن ذلك وهو ظاهر كلامهم، والفرق بينها وبين السفينة أن الأرض ينتفع بها مع عدم البناء والسفينة مظنة لعدم الانتفاع بها حيث كانت نخرة. قاله الخرشي. وقوله: "بنيت" وأما كراء البناء فهو

стр. 6813

للغاصب قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وله كراء أرض بنيت واستعملت وإلا فلا شيء له انظر المواق والشارح وال تتائي. وذكر الناصر أن بناءها استعمال، وهو خلاف النقل وعليه كراؤها مع قطع النظر عمن يعمرها كما هو ظاهر إطلاقهم؛ لأنها ينتفع بها مع عدم البناء، وقال المواق: اللخمي: لا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضا فبناها ثم سكن أو استغل أنه لا يغرم سوى غلة القاعة، وقال ابن المواز: إذا غصب خرابا لا يسكن إلا بإصلاح فأصلح وسقف ورم ثم استغل، قال: للمستحق جميع الغلة وكراء ما سكن وللغاصب قيمة ما لو نزع كان له ثمن. اهـ. وقول عبد الباقي: واستعملت وإلا فلا شيء له، قال الرهوني: اعترضه أبو علي بأنه ليس في المواق ولا في الشارح التصريح بقوله لا شيء له، وإنما اقتصر على نقل كلام اللخمي. انظر بقيته إن شئت. قلت: وكذا ال تتائي في صغيره وكبيره، وكأن الزرقاني أراد أنه يدل عليه كلامهم بالمفهوم، لكن في استعماله إذ ذاك هذه العبارة ما لا يخفى. واللَّه أعلم. اهـ. وقال البناني عند قوله: "وكراء أرض بنيت": هذا إن كانت الأرض كلها له، وأما إن كانت مشتركة وبنى أو غرس أحد الشريكين فانظرها فيما يأتي في الاستحقاق عند قول المص: "وإن غرس أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته (١) قائما" لخ، وقول عبد الباقي: واستعملت وإلا فلا شيء له يريد أن مجرد بنائها لا يعد استعمالا بحيث يجب عليه كراء الأرض بل حتى يسكن مثلا، قال اللخمي: لا أعلمهم اختلفوا فيمن غصب أرضا فبناها ثم سكن أو اغتل أنه لا يغرم سوى غلة القاعة. اهـ. وفهم منه ومن المص أنه إنما يلزمه كراء الأرض براحا لا كراؤها مبنية وهذا متفق عليه، وكذا قوله: كمركب نخر أي من غصب مركبا نخرا وأصلحه واستغله فإن على الغاصب كراءه غير مصلح ممن يصلحه، ومعنى نخر محتاج للإصلاح، وقوله: "كمركب نخر" هذا قول أشهب وأصبغ. اللخمي: وهو أبين، وقال محمد: عليه كراء جميعه مصلحا. انظر ابن غازي. قاله البناني.

стр. 6814

وقال عبد الباقي: كمركب بفتح الكاف نخر بكسر الخاء المعجمة أي محتاج لإصلاح فرمه الغاصب، وأصلحه فللمالك كراؤه فينظر فيما كان يؤجر به ممن يصلحه فيغرمه الغاصب لعدم الانتفاع به دون إصلاح، وما زاد على ذلك للغاصب والربع الخرب كالمركب النخر كما في الشارح وال تتائي لعدم الانتفاع به بخلاف الأرض، وهذا الذي ذكر في المركب النخر بالنسبة للماضي، وأما بالنسبة لوقت القيام على الغاصب فله أخذه منه كما قال: وأخذ مالا عين له قائمة يعني أن المغصوب منه مركب نخر إذا رمه الغاصب وأصلحه وقام عليه ربه فإنه يأخذ الركب وما أصلح به مما لا عين له قائمة والمراد ما لا منفعة فيه بعد قلعه سواء أمكن انفصاله أم لا، قال عبد الباقي: وإذا أخذ المالك المركب أخذ أي ملك مما أصلحت به ما لا عين له قائمة أي ذاتا لا يمكن انفصالها عنه فلا ينافي أنه مشاهد بحاسة البصر كزفت دون ماله عين قائمة كحبال فلمصلحها. انتهى. قوله: أي ذاتا لا يمكن انفصالها لخ، قال البناني بل المراد ما لا منفعة فيه بعد قلعه سواء أمكن انفصاله أم لا. انظر المواق. اهـ. وقال عبد الباقي: ثم ما له عين قائمة إن كان مسمرا بها أو كان هو المسامير فرب المركب مخير في إعطائه قيمته منقوضا أوأمرد بقلعه، وإن كان غير ذلك كصواري وحبال ومجاذيف بجيم وذال معجمة ونحوها فللغاصب أخذه إلا بموضع لا غنى عنها، أو مما لابد للمركب في سيره منها كما في ال تتائي، فيخير رب الركب بين إعطاء قيمته بموضعه كيف كان، أو يسلمه للغاصب. اهـ. ومقتضى قوله: أو مما لابد منها للمركب أنها لو كانت تسير بدونها سيرا بطيئا وبه بسرعة فليس لربه أخذه جبرا على الغاصب، ولو قال المص: وترك ما لا قيمة له بعد قلعه لكان أحسن؛ إذ نحو المشاق والزفت القديم يترك له وإن كان له عين قائمة. اهـ. وصيد شبكة صيد بالجر عطف على أرض أي كراء صيد شبكة؛ يعني أن من غصب شبكة فاصطاد بها فإن لرب الشبكة كراء المثل في اصطياده بها والصيد للغاصب، ومثل الشبكة الشرك والرمح والنبل والسيف ونحو ذلك من الآلات والصيد هنا بمعنى الاصطياد، وقوله فيما مر: "وصيد عبد" بمعنى المصيد، ومثل الآلات الفرس كما مر، وفي بعض النسخ: وله صيد شبكة أي

стр. 6815

للغاصب صيد شبكة، وعليها فصيد بمعنى مصيد ويلزم تشتيت الضمير ولا يستفاد منه على هذه النسخة أن عليه كراءها. وما أنفق في الغلة يعني أن الغاصب إذا طولب بالغلة فطالب بما أنفق على الشيء المغصوب فإن ما أنفق يكون في الغلة، وكلامه في معنى الحصر أي والذي أنفق الغاصب محصور في الغلة وليست الغلة محصورة في النفقة، فإن كانت النفقة مثل الغلة تقاصا فيها فلا طالب ولا مطلوب، وإن زادت النفقة فلا رجوع للغاصب على المغصوب منه لأنها محصورة في الغلة، وإن زادت الغلة تقاصا في المماثل ورجع المغصوب منه بالزاند على الغاصب، فإذا أنفق الغاصب على المغصوب المحتاج للنفقة كالشجر والدواب وما أشبه ذلك مما لابد للمغصوب منه فتكون نفقته في عين الغلة؛ لأنه وإن ظلم لا يظلم. وعلم مما قررت أنه إذا لم يكن للمغصوب غلة فإن الغاصب لا يرجع بشيء، قال عبد الباقي: وما أنفق الغاصب على المغصوب كعلف دابة ومؤنة عبد وكسوته وسقي أرض وعلاجها وقيام بشجر مما لابد منه في الغلة، والواو في قوله: "وما أنفق" للاستئناف، "وما مبتدأ"، و"في الغلة" خبره. اهـ المراد منه. وقال البناني: قال في التوضيح: هذا مذهب ابن القاسم في المدونة، وحاصله أنه يرجع بالأقل مما أنفق والغلة. وقاله ابن القاسم في الموازية. ثم رجع في الموازية وقال: لا شيء للغاصب واختاره ابن المواز، والأول أظهر لأن الغاصب وإن ظلم لا يظلم، وهذا في كل ما ليس للمغصوب منه بد كطعام العبد وكسوته وعلف الدابة، وأما الرعي وسقي الأرض فإن كان يستأجر له لو كان في يده فكذلك، وإن كان يتولاه بنفسه أو بمن عنده فلا شيء عليه. وقاله أصبغ في سقي الشجر وحرث الأرض. اهـ باختصار. ومثله نقله ابن عرفة عن اللخمي. تنبيه: قال المواق: ابن يونس: وقد اختلف أيضا فيما سقى وعالج بوجه شبهة كالمشتري والموهوب له، فقال ابن القاسم: لا يأخذ المستحق حتى يدفع قيمة السقي والعلاج وهذا هو الأصوب. اهـ. قال عبد الباقي: ولما قدم أن على الغاصب قيمة المقوم يوم الغصب إذا تلف أفاد هنا أن هذا مخصوص بغير ما أعطاه فيه متعدد عطاء، بقوله: واختلف الشيوخ هل يلزم الغاصب إذا أتلف القوم الذي غصبه الثمن فقط؟ إن أعطاه أي أعطى رب المغصوب فيه أي في الشيء

стр. 6816

المغصوب القوم متعددٌ من الناس فاعل أعطى، ومفعوله الأول ضمير النصب في أعطاه، والثاني قوله: كطاءً واحدا لكنه متعدد تصريحا أو ضمنا، كإعطاء واحد عشرة، وآخر خمسة عشر فالعشرة متعددة ضمنا. قاله عبد الباقي. فيلزم الغاصب به بذلك الثمن المتعدد أو يلزم الغاصب في التعدد المذكور بالأكثر منه أي من العطاء المتعدد ومن القيمة فأيهما أكثر لزمه. وقوله: تردد مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تردد، والحاصل أن الإمام مالكا قال: إن من أتلف سلعة وقفت على ثمن دفعه فيها غير واحد أنه يلزمه ذلك الثمن الذي أعطاه فيها أكثر من واحد؛ لأنه لو شاء أن يبيع به باع، فظاهر كلام العتبي وابن يونس أن المستهلك لا يضمن إلا ما أعطي فيه سواء زاد على القيمة أو نقص، وابن رشد قيد قول الإمام بقول عيسى: يلزم المتلف الأكثر من الثمن والقيمة، فأشار بالتردد إلى اختلاف هؤلاء الأشياخ في فهم كلام الإمام فهو تردد في النقل، فابن رشد ليس في المسألة عنده إلا قولان، قول سحنون أنه لا يضمن إلا قيمتها وإن أعطاه فيها متعدد عطاء واحدا، والثاني قول الإمام المقيد بقول عيسى وابن يونس. وعلم مما قررت أن الخلاف جار في متلف سلعة وقفت على ثمن واحد وإن لم يتعلق بها غصب، قال عبد الباقي والخلاف المذكور جار أيضا فيمن أتلف مقوما وقف على ثمن وإن لم يتعلق به غصب، وأما إذا وقف المغصوب على ثمن وفات عند الغاصب بغير تلف فإن الغاصب يضمن قيمته ولو أعطاه فيه متعدد عطاء واحدا هكذا يفيده ما تقدم من جعل الخلاف المذكور في كلام المص فيما أتلف. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وإن غصب مقوم ثم وجد المغصوب منه غاصبه أي غاصب ذلك القوم بغيره الضمير للشيء المغصوب والباء للملابسة؛ أي وإذا وجد المغصوب منه الغاصب متلبسا بغير المغصوب أي ليس المغصوب القوم عنده ووجد الغاصب في غير محله أي محل الغصب، فله أي للمغصوب منه تضمينه أي الغاصب القيمة، قال الخرشي وعبد الباقي: وله أن يكلفه أن يخرج هو أو وكيله ليدفعه للمغصوب منه، واستعمل المص الباء في معنى الملابسة في الأول والظرفية في الثاني، قال عبد الباقي: وإنما كان له تضمينه هنا بخلاف المثلي لأن الذي يغرم في المثلي هو المثل، وربما

стр. 6817

يزيد في غير بلد الغصب والذي يغرم في المقوم هو القيمة يوم الغصب في محله، ولا فرق بين أخذها في بلد الغصب وغيره؛ لأنه لا زيادة فيها. قاله أحمد. قال مقيده عفا الله تعالى عنه: هذا ظاهر إن فات المقوم، وإن كان قائما فمقتضى صنيع الخرشي وعبد الباقي المتقدم أنه يخير في أن يضمنه القيمة هنا وفي أن يكلفه بدفع المغصوب له فيخرج إليه هو أو وكيله، وكلام المص كالصريح في ذلك، وقال البناني: ولو قال المص وإن وجد غاصبه بدونه بدل قوله بغيره كان أولى؛ لأن قوله بغيره يقتضي أنه مصاحب لغيره وليس بمراد. انتهى. وقوله: "وإن وجد غاصبه بغيره وغير بلده فله تضمينه"، قال البناني: هذا في القوم وكذا في المثلي الذي هو جزاف يقضى فيه بالقيمة لا بالمثل، وكذا إذا علم قدر المثلي لكن تعذر الوصول لبلد الغصب على خلاف في هذا. انظر كلام البرزلي في الحطاب. انتهى. وقد مر قول المص: "وصبر لوجوده ولبلده" وهذا لا يجري عليه. واللَّه تعالى أعلم. ومعه أخذه إن لم يحتج لكبير حمل يعني أن المغصوب منه إذا وجد الغاصب في غير محل الغصب والشيء المغصوب المقوم معه، فإنه يتعين عليه أخذه أي بحيث لا يكون له إلزام الغاصب القيمة، هذا إذا لم يكن الشيء المغصوب محتاجا لكبير حمل أي إلى مؤنة وكلفة كبيرة تصرف إليه إلى أن يصل إلى محل الغصب، وأما إن احتاج إلى ذلك فإن المالك يخير حينئذ بين أن يأخذ متاعه أو يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه، ولا فرق بين احتياجه لكبير حمل في ذهاب الغاصب له وفي رجوعه به، والحاصل أن القوم إذا احتاج إلى كبير مؤنة من كراء في الحيوان والرقيق وكلفة ومؤنة في السلع فذلك فوت يوجب الخيار بين أخذ ذلك وتضمينه القيمة. هذا محصل ابن رشد على قول مالك وأما إن لم يحتج ما ذكر إلى ذلك كالرقيق الذي لا يحتاج إلى الكراء والدواب التي إنما تركب أو تكرى والسلع حيث لم تحتج لكبير حمل فيتعين أخذ ذلك، وهذا خلاف قول سحنون: إن نقل القوم ليدر بفوت فليس لربه إلا أخذ ذلك الشيء بعينه، وعبارة عبد الباقي: فإن احتاج ربه لكبير حمل في رجوعه عرضا أو رقيقا خير بين تركه وتضمينه القيمة وبين أخذه بدون أجرة حمله كما هو ظاهر كلامهم؛ لأن خيرته تنفي ضرره، وإنما خير ربه إذا احتاج لكبير حمل؛ لأنه لا انضم لفعل الغاصب الاحتياج صار بمنزلة حدوث عيب فيه في الجملة، وإنما لم

стр. 6818

يجعلوا النقل هنا فوتا تتعين فيه القيمة بخلاف البيع الفاسد [لأنه] (١) فيه نقله على أنه ملكه وهنا نقله على أنه ملك الغير فهو متعد بالنقل. انتهى. لا إن هزلت جارية راجع لقوله: "كإن فات" يعني أن من غصب جارية فهزلت الجارية فإن ذلك لا يفيتها، فيأخذها ربها وإن لم تعد لسمنها على المعتمد، وقوله: "هزلت" بالبناء للمجهول. قال الرهوني: قال في المصباح هزلت الدابة أهزلها من باب ضرب هزلا كقفل: أضعفتها بإساءة القيام عليها، والاسم الهزال وهزلت بالبناء للمفعول فهي مهزولة. انتهى. وفي القاموس: والهزال بالضم نقيض السمن هُزِلَ كعُنِى هزالا وهَزَل كنصر هزلا ويضم وهزلته أهزله وهزلته وأهزلوا هزلت إبلهم. انتهى. أو نسي عبد صنعة ثم عاد يعني أن من غصب عبدا أو جارية وكل منهما له صنعة يعرفها فنسيها ثم عاد إلى صرفة صنعته فإنه لا يفوت، فيأخذه المغصوب منه، ومفهوم قوله: "ثم عاد" أنه إن لم يعد فإنه يفوت، قال عبد الباقي: أو نسي عبدٌ أو جارية صنعة ثم عاد العبد لمعرفتها فلا يفوت فإن لم يعد فات. أو خصاه فلم ينقص يعني أن من غصب عبدا فخصاه فلم ينقصه الخصاء فإنه ليس لربه إلا أخذه، فإن نقصه أخذ مع ما نقصه، قال المواق: ابن شأس: إذا غصب عبدا فخصاه ضمن ما نقصه فإن لم ينقصه ذلك أو زادت قيمته لم يضمن شيئا وعوقب. انتهى. وفهم من المص أن الخصاء ليس بمثلة مفسدة وإلا لعتق العبد، والحاصل أن المثلة إن أفسدت منافع الرقيق أو جلها وجب العتق بها مطلقا في رقيقه وفي رقيق الأجنبي، وإن كانت غير مفسدة لم توجب العتق إلا في رقيقه كما يأتي في كلام المص الآتي في القسم الثاني، وكلام المدونة في الأولى فلا معارضة بينهما، وفي التوضيح عن ابن القاسم: تمثيله بعبد ولده بمنزلة مثلته بعبد خيره من الأجنبي لا يعتق عليه إلا أن تبطل منافعه. أو جلس على ثوب غيره في صلاة يعني أن من جلس على ثوب غيره في الصلاة فقام صاحب الثوب فانقطع ثوبه فإنه لا ضمان عليه، قال المواق: ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: من جلس على ثوب رجل في الصلاة فيقوم صاحب الثوب المجلوس عليه وهو تحت الجالس فينقطع فلا يضمن، وهذا مما لا يجد الناس منه بدا في صلواتهم ومجالسهم. انتهى. وقال

стр. 6819

عبد الباقي: أو جلس على ثوب غيره في صلاة وقام صاحب الثوب فانقطع، قال عبد الملك: لا شيء عليه لأنه مما تعم به البلوى في الصلوات والمجالس، وعلى هذا فلا خصوصية لقوله: "في صلاة". قاله ال تتائي. وعلل المص أيضا بأن صاحب الثوب هو المباشر لقطع ثوبه والجالس متسبب سببا ضعيفا والمباشر مقدم على ذي السبب الضعيف، بخلاف القوي فإن الضمان عليهما معا كما يأتي في الجراح من قوله: "والمتسبب مع المباشر كمكره ومكره" وظاهر قوله: "في صلاة" ولو كان كل منهما عاصيا بها كتنفل كل وعليه فريضة ذاكرا لها، وهذا بخلاف من وطئ على نعل غيره فمشى صاحب النعل فانقطع فيضمنه الواطئ أي يضمن المقطوعة مع نقص الأخرى فيما يظهر، والفرق أن الصلاة ونحوها يطلب فيها الاجتماع دون الطريق؛ إذ لا حق له في مزاحمة غيره، ومثل وطء النعل قطع حامل حطب ثياب مار بطريق كما في المدونة وشرحها، وقول ال تتائي: إنها تقاس على واطئ النعل قصور، وظاهره ولو مع الإنذار وينبغي عدم الضمان معه كما هو مذهب الشافعي، ومثل المص في عدم الضمان عند ابن رشد ما إذا أسند جرة زيت مثلا إلى باب رجل ففتح الباب فانكسرت، فقد سئل عنها ابن رشد فقال لا أذكر في هذه نصا لأحد ويجري فيها على أصولهم قولان: تضمين رب الدار وعدمه، وبه كنت أقضي. ابن عرفة: ونقل ابن سهل في رجل وضع جرة زيت حذاء باب رجل، ففتح الرجل بابه ولا علم له بالجرة وقد كان مباحا له وغير ممنوع أن يفتح بابه ويتصرف فيه فانكسرت الجرة فضمنه مالك ليس هو مسألة ابن رشد؛ لأن قوله حذاء باب رجل مع قوله أخيرا أن يفتح بابه ويتصرف فيه ظاهر في أن الجرة لم توضع على خشبة الباب بل بقربه، ولذا قال ابن رشد: لا أعرف فيها أي في مسألته نصا فتأمله، وفرق بعض الشيوخ بين فتحه الباب العهود فتحه فلا يضمن وبين فتحه العهود عدم فتحه فيضمن. ذكره ال تتائي عند قوله: "أو حرزا"، واختار ابن أبي زيد في مسألة ابن رشد الضمان وهو ظاهر؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، زاد ابن أبي زيد: وهذا بخلاف من بنى تنورا بداره لخبزه فاحترقت منه الدور وبيوت الجيران فلا ضمان عليه كما في المدونة، والفرق على ما لابن أبي زيد مع أن كلا فعل ما يجوز له أن فتح الباب وكسر الجرة

стр. 6820

جناية واحدة فهو مباشر، والثاني كان أول فعله جائزا لا جناية فيه وإنما نشأت بعد ذلك فليست بمباشرة. انتهى. قوله: وليس هو مسألة ابن رشد لخ، فرق ابن عرفة: هذا ليس بظاهر والظاهر ما لأبي الحسن أنهما سواء، ويدل له ما ذكره عبد الباقي نفسه عن ابن أبي زيد ونقله الوانوغي، ونصه: سئل أبو محمد عن الفرق بين الذي يجعل جرة على باب رجل فيفتح الباب فتكسر الجرة أنه ضامن، وبين الذي بنى تنورا في داره لخبزه فاحترقت منه الدور وبيوت الجيران أنه لا ضمان عليه حسبما في كراء الدور، وكل منهما فعل ما يجوز له من فتح الدار والوقيد، فقال: الفرق أن فاتح الباب كان فتحه له وجنايته في فور واحد فهو مباشر، والباني أول فعله جائز ولا جناية فيه، وإنما نشأت بعد ذلك فليس بمباشر فافترقا. الوانوغي: فلم يقف ابن رشد على ما حكينا عن ابن أبي زيد، وقد ذكره ابن سهل رواية عن مالك. انتهى. وقول عبد الباقي في النعل مع نقص الأخرى فيما يظهر. انظر ما يأتي عند قوله: "وإن لم يفته فنقصه". أو دل لصا يعني أن من دل لصا أو غاصبا أو محاربا لا يضمن ما أتلفه اللص أو الغاصب أو المحارب أو فوته، قال عبد الباقي: أو دل لصا أو غاصبا أو محاربا والمعتمد أن عليه في ذلك الضمان، بل جزم به ابن رشد ولم يحك فيه خلافا، ومثل دلالته ما لو حبس متاعا عن ربه حتى أخذه اللص ونحوه، والظاهر رجوع الدال حيث ضمن على اللص. انتهى. وقال البناني عند قوله: "أو دل لصا" ما نصه: هذا خلاف المعتمد الذي اختاره أبو محمد وجزم به ابن رشد ولم يحك فيه خلافا، واعلم أنه على القول المعتمد يكون للمالك غريمان يخير فيهما. انتهى. وقال الحطاب: انظر كيف مشى هنا على أنه لا يضمن مع أن الذي جزم به ابن رشد أنه يضمن ولو أكره على ذلك، وهو الذي اختاره أبو محمد. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: والذي به الفتوى في قوله: "أو دل لصا" الضمان وجزم به ابن رشد، والظاهر رجوع الدال حيث ضمن على اللص. انتهى. مسألة: يضمن من أقر بالرق لغيره وباعه وهو ساكت لأنه أتلف الثَّمن على المشتري بسكوته إلا أن يكون صغيرا أو نحوه. قاله الشارح. ونحوه للخرشي فإنه قال: قال ابن رشد: من اتفق مع

стр. 6821

رجل أن يقر له بالرق ليبيعه ويقسمان الثمن ففعل وهلك البائع ضمن؛ لأنه أتلف الثمن على المشتري بسكوته إلا أن يكون صغيرا أو نحوه. انتهى. أو أعاد مصوغا على حاله يعني أن من غصب مصوغا أي حليا مصوغا فكسره ثم أعاده على حالته التي كان عليها فإنه لا شيء عليه على المشهور، وهو قول ابن القاسم وأشهب: يأخذه بلا غرم، ومقابل المشهور هو قول ابن يونس: الصواب غرم قيمته وإن عاد لهيئته؛ لأن هذه الصياغة غير تلك. انتهى. ومفهوم قوله: "على حاله" أنه إن لم يعد على حاله لم يكن لربه أخذه، وإنما له القيمة، قال المواق: ابن المواز: وإن صاغه على غير صيغته لم يأخذه ولم يكن له إلا قيمته يوم غصبه، ولهذا قال: وإن أعاده على غيرها أي غير الحالة التي كان عليها، فعلى الغاصب قيمته يوم غصبه وليس لربه أخذه لفواته، قال عبد الباقي: أو أعاد مصوغا غصبه فكسره ثم أعادهُ على حاله فلا شيء عليه ولا يرجع بقيمة الصياغة، وأما لو باعه الغاصب فكسره المشتري وأعاده على حاله لم يأخذه إلا بدفع أجرة الصياغة لعدم تعديه. قاله ال تتائي. أي يأخذ الأجرة من المغصوب منه، ويفهم من تعليله أن ذلك في مشترٍ غير عالم بالغصب وإلا فكالغاصب، وينبغي في الأول أن يرجع المغصوب منه على الغاصب بما دفعه للمشتري من أجرة الصياغة، وربما يدل له رجوع الغاصب على الأجنبي بأرش الجناية حيث غرم القيمة لربه، وإن أعاده على صياغة غيرها أي مغايرة لها أو مثلها لكن أزيد أو أنقص مما كان فقيمته متعينة وليس له أخذه لفواته، والفرق بينه وبين ما تقدم من تخييره مع الفوات في مسألة ما إذا احتاج لكبير حمل أن هذا غير شيئه حكما، وما تقدم عين شيئه. انتهى. ككسره تشبيه في لزوم القيمة يعني أن من غصب حليا مصوغا وكسره فإنه يلزمه قيمته يوم الغصب وقاله ابن القاسم ورجع إليه بعد أن كان أولا يقول: إنما يلزمه الصياغة ويأخذ عين شيئه: وقال أشهب: يصوغه إن قدر على صياغته فإن لم يقدر فعليه ما نقصه، وما ذكر واضح في المباح، وأما غيره فيأخذه مكسورا إذ الصياغة المحرمة لا يجوز بقاؤها. انتهى؛ يعني واللَّه تعالى أعلم كآنية النقد ونحوها مما لا يجوز كتحلية المرآة.

стр. 6822

أو غصب منفعة فتلفت الذات يعني أن من غصب منفعة دار ونحوها مما لا ينقل فتلفت الذات فإنه لا يضمن قيمة الذات وإنما يضمن قيمة المنفعة أي قيمة ما استولى عليه منها ولو جزءا يسيرا من الزمن، كغصبه دارا لقصد انتفاعه بها كسكنى من غير قصد تملك الذات فتلفت بسماوي لا سبَبَ للمتعدي فيه، وبهذا فارقت مسألة تعدي المستعير والمستأجر إذا زادا في المسافة؛ لأن الدابة لما تعدى عليها بزيادة المسافة فمهما طرأ عليها شيء ولو صاعقة من السماء قلنا له تعديك عليها بزيادتك لذلك الموضع هو الموجب لهلاكها فلا يعلم كونه قط بغير سببه، وفرض ابن الحاجب هذه المسألة في غصب الدار لأنها التي يتحقق فيها التلف من غير سبب المتعدي، بخلاف الدابة كما عرفت. قال الرهوني: وقد وجد ما يقوي نقل ابن الحاجب وهو نقل ابن يونس عن ابن القاسم نصا وإتيانه به فقها مسلما، مع أن ابن عرفة نقل ما هو شاهد لابن الحاجب، ونصه: قال الشيخ في الواضحة عن الأخوين: من غصب سكنى دار دون أصلها فانهدمت من غير فعله فلا شيء عليه إلا كراء ما سكن، وإن انهدمت من فعله خير ربها في قيمتها يوم الغصب ولا كراء له وفي كرائها وله البقعة ولا شيء له من قيمة الهدم وإن شاء فله النفقة وقيمة الهدم، ولا شيء له من الكراء، قلت: فقولهم في هذه المسألة واضح في التفرقة بقصد الملك وعدمه. انتهى. فكلامه هذا وحده كاف في أن الصواب ما لابن الحاجب لا ما لابن شأس، ثم ذكر عن تعاليق أبي عمران ما يشهد لابن الحاجب أيضا ونحوه لأبي عمر في الكافي، ثم قال: فكلام أهل المذهب مخالف لابن شأس. انتهى كلام الرهوني. وكلام ابن شأس الذي أشار إليه هو قوله: فأما لو غصب السكنى فقط فانهدمت الدار إلا موضع سكناه لم يضمن ولو انهدم مسكنه لغرم قيمته. انتهى. وأعرض ابن الحاجب عن كلام ابن شأس، فغاصب منفعة الدار لا يضمن إلا ما كان من سبب الغاصب عند ابن الحاجب، وعند ابن شأس يضمن ما سكن ولو بسماوي. واللَّه تعالى أعلم. أو أكله مالكه ضيافة يعني أن من غصب طعاما فقدمه لربه وأكله فإنه لا ضمان على الغاصب لأن ربه أكله، قال عبد الباقي: أو غصب طعاما فقدمه لربه وأكله مالكه ضيافة أو بغير إذن الغاصب

стр. 6823

أو أكرهه على أكله فلا ضمان على الغاصب، قال في الذخيرة: وكيف يليق أن ينتفع الإنسان بطعامه ويضمنه لغيره. انتهى. وسواء علم مالكه أنه له أم لا لأن ربه باشر إتلافه، وهذا مقيد بما إذا كان ذلك الطعام يناسب حال مالكه وإلا ضمنه الغاصب لربه ويسقط من قيمته الذي انتفع به ربه أن لو كان من الطعام الذي شأنه أكله. قاله ابن عبد السلام بلفظ ينبغي. كما إذا كان الطعام يساوي عشرة دنانير ويكفي مالكه من الطعام الذي يليق به نصف دينار، فإن الغاصب يغرم له تسعة دنانير ونصفا، وينبغي إذا أكله بغير إذنه أن يقيد بما إذا أكله قبل فوته عند الغاصب، ولزمته قيمته وإلا رجع على الآكل بقيمته لأنه أكل ملك الغاصب ويرجع هو عليه بقيمة المغصوب، وقد تختلف القيمتان أشار له أحمد. انتهى. أو نقصت للسوق يعني أن من غصب سلعة ولم تتغير عن حالها إلا أنها نقصت قيمتها لأجل تغير الأسواق فإن ربها يتعين عليه أخذها وليس له أن يلزم الغاصب القيمة هذا هو المشهور ولا شيء له على الغاصب، وسواء طال زمانها عند الغاصب أم لا، قال عبد الباقي: أو نقصت السلعة المغصوبة بمعنى نقصت قيمتها للسوق أي لأجل تغيره من غير تغير ذاتها، فيأخذها ربها ولا شيء له لعدم اعتبار تغير السوق في هذا الباب بخلاف المستأجر والمستعير، ولعل الفرق أن جعل حوالة السوق هنا مفيتة فيه إعانة للغاصب على ما قصده من ملك الذات والمستأجر والمستعير إنما تعديا على المنفعة ولم يقصدا تملك الذات. انتهى. وفي نسخة: أو نقصت السوق بلا لام والسوق مرفوع فاعل نقصت، وفي نسخة: لا لسوق ومعناها أن السلعة نقصت في بدنها لا لأجل تغير سوقها، ويكون معطوفا على ما تضمن فيه القيمة وهو قوله: "وعلى غيرها فقيمته ككسره". قاله الخرشي وغيره. أو رجع بها من سفر قوله: "بها" أي بالدابة المغصوبة يعني أن من غصب دابة فمسافر بها ثم رجع بها ولم تتغير في بدنها فوجدها ربها، فإنه يأخذها ولا شيء له من القيمة، وأما الكراء فيضمنه كما مر تشهيره عند قول المص: "وغلة مستعمل"، ولو بعد يعني أنه إذا رجعت من السفر سالمة ولم تتغير في بدنها فإنه لا يضمن قيمتها كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يكون

стр. 6824

السفر قريبا وبعيدا وهذا هو المشهور، ومقابل المشهور في هذا والذي قبله أن ربها يخير في أخذها أو أخذ قيمتها. كسارق يعني أن من سرق دابة فوجدها ربها سالمة في بدنها فإنه ليس لربها سواها، وظاهر كلام الشارح أن التشبيه تام فلا يعتبر تغير سوقها. قاله عبد الباقي. وقال ابن القاسم: ما اغتصب من دواب أو رقيق أو سرقهُ وَطال مكثه بيده فليس لربها أن يلزمه قيمتها إذا كانت على حالها. قاله المواق. وقال الخرشي: قال ابن القاسم: ولولا ما قاله مالك لجعلت على السارق كراء ركوبها وأضمنه قيمتها إذا حبسها عن أسواقها كالمكتري. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: هذا واللَّه أعلم مبني على ما مر عن المدونة في أن قوله: "وغلة مستعمل" خاص بالعقار. واللَّه تعالى أعلم. وعبارة الشارح بعد أن ذكر معنى قوله: "ورجع بها من سفر ولو بعد" ما نصه: وكذلك حكم السارق. وله في تعدي كمستأجر كراء الزائد إن سلمت يعني أن من استأجر دابة أو استعار دابة إلى مكان كذا أو ليحمل عليها قدرا معلوما إلى مكان كذا، فتعدى وزاد عليها في المسافة المشترطة زيادة يسيرة كالبريد واليوم ورجعت الدابة سالمة فليس لربها إلا كراء الزائد مع الكراء الأول في حالة الكراء أو كراء الزائد فقط في حالة العارية، وإلا أي وإن لم تسلم بأن عطبت أو تعيبت أو زاد في المسافة عن بريد أو يوم خير المالك فيه أي في كراء الزائد مع الكراء الأول في مسألة الكراء، وفي كراء الزائد فقط في مسألة العارية ولا شيء له من القيمة. وفي أخذ قيمتها أي الدابة وقته أي وقت التعدي، قال الخرشي: ثم إنها إذا تعيبت واختار كراء الزائد فإنه يراعى في كراء الزائد ما هي عليه من العيب، فيأخذ كراء الزائد على أنها معيبة في بعض المسافة الزائدة إذا تعيبت في بعضها أو معيبة كلها إذا تعيبت في أولها، فيقال: ما كراؤها في هذه المسافة الزائدة على أنها معيبة في كلها أو في بعضها. انتهى. وقال عبد الباقي: وما ذكرناه من تخييره في زائد المسافة الكثيرة لا ينافي ما يأتي في الإجارة من أنها إذا سلمت ليس له إلا كراء الزائد لحمله على ما إذا كانت يسيرة، وما هنا في الكثيرة. انتهى. وقال البناني: لم يفرقوا هنا في زائد المسافة بين ما تعطب به وما لا تعطب به، وفرقوا بينهما في زيادة الحمل كما

стр. 6825

تقدم في العارية في قوله: "وإن زاد ما تعطب به" لخ، ومثل ذلك عند ابن يونس، ونصه في كتاب العارية: وإن استعار دابة إلى مسافة فجاوزها فتلفت فربها مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم تعدى أو كراء التعدي فقط، قال بعض فقهاء القرويين: لم يراع إذا جاوز المسافة هل جاوزها بما تعطب به في مثله أم لا تعطب في مثله كما قاله في زيادة الحمل؟ ابن يونس: الفرق بينهما أن الذي زاد في المسافة تعدى على جملة الدابة فأشبه الغاصب لها، والذي زاد في الحمل ما لا تعطب في مثله علمنا أن عطبها ليس من أجل الزيادة، فإنه لم يزد عليها شيئا وقد هلكت في موضع أذن له في سيرها فيه فافترقا. انتهى. قوله: لم يفرقوا هنا في زائد المسافة بين ما تعطب به لخ، قال الرهوني: هو كذلك بلا نزاع إذا هلكت قبل رجوعه إلى المحل المأذون فيه وإلا ففيه خلاف، ففي المنتقى ما نصه: ولو لم يعطب البعير إلا بعد أن رجع إلى المسافة التي أكري لها وخرج سالما من مسافة التعدي، فقد روى ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون أنه إن كان لم يجاوز المسافة إلا باليسير مما لا خيار فيه لصاحبها مع سلامتها فليس له إلا كراء الزيادة، وقال ابن القاسم يضمنها وإن كانت الزيادة يسيرة، وروي عن مالك. انتهى. مسألة: قال ابن يونس: قال ابن القاسم: وإذا أمرت من يضرب عبدك عشرة أسواط فضربه أحد عشر سوطا أو عشرين سوطا فمات من ذلك، فإن زاد زيادة أعانت على قتله ضمن، وقال سحنون: يضمن ولو زاد سوطا واحدا. ابن يونس: رأى سحنون أن الزائد على الضرب كالزائد على المسافة وهو أقيس، وابن القاسم رأى هذا كزيادة في الحمل فعطبت. قاله البناني. وفيه بعد كلام ما نصه: وبه تعلم أن كلامه هنا خاص بزيادة المسافة، وأن مسألة الحمل لا تدخل هنا وأنَّ إدخال الزرقاني لها هنا غير صحيح. انتهى. وقول غير واحد: وإذا تعيبت واختار كراء الزائد روعي فيه ما هي عليه من العيب؛ يعني ويعطى مع الكراء أرش العيب كما يفيده ابن يونس. قاله البناني. وجلب كلام ابن يونس. وإن تعيب يعني أن الشيء المغصوب إذا تعيب بسماوي حيث كثر العيب، بل وإن قل فإن المغصوب منه يخير في أخذ شيئه بلا أرش نقص وفي تضمين الغاصب القيمة، ومثل للقليل السماوي بقوله: ككسر نهديها كسر هنا بمعنى انكسار؛ لأن الواقع على النهدين انكسار لا

стр. 6826

كسر، أو جنى هو يعني أن الغاصب إذا جنى على الشيء المغصوب فعيبه فإن المغصوب منه يخير بين أن يأخذ شيئه مع أرش نقصه من الغاصب وأن يأخذ قيمته يوم الغصب ولا شيء له، أو أجنبي يعني أن الشيء المغصوب إذا جنى عليه أجنبي أي غير الغاصب والمالك فعيبه، فإن المغصوب منه يخير بين أن يأخذ المغصوب ويتبع الجاني بأرش الجناية وأن يتبع الغاصب بقيمته يوم الغصب، وإذا اتبع الغاصب بالقيمة يوم الغصب فلا شيء له غيرها، ويتبع الغاصب الجاني بأرش الجناية. وعلم مما قررت أن قوله: خير أي المغصوب منه فيه أي في أخذ الشيء المغصوب بعينه وأخذ قيمته جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الثلاث: التعييب بالسماوي، وبجناية الغاصب وبجناية الأجنبي، قال البناني: "خير فيه" يعني يخير المغصوب منه في الشيء المغصوب يريد وفي قيمته في ثلاث مسائل: الأولى إذا تعيبت بسماوي وليس له فيها إلا أخذه بغير أرش أو أخذ القيمة كما في المدونة، الثانية: إذا تعيبت بجناية الأجنبي يخير في أخذ شيئه وأخذ أرش الجناية من الجاني أو تضمين الغاصب القيمة ويتبع الغاصب الجاني كما في المدونة أيضا، وذكر ابن الحاجب هاتين الصورتين ولم يحك فيهما خلافا، الثالثة إذا تعيبت بجناية الغاصب فيخير أيضا فيها بين أخذ شيئه مع أرش الجناية من الغاصب وبين أخذ القيمة منه هذا مذهب المدونة. وذكر ابن الحاجب فيها قولين وعزا هذا لابن القاسم، ومقابله لأشهب وهو أنه ليس له إلا أخذها بغير أرش أو أخذ القيمة وجعل البساطي هذا الثاني هو المذهب، قال الحطاب: وفيه نظر؛ لأن الأول مذهب المدونة كما علمت، ولم أر من رجح الثاني ولا من شهره. واللَّه أعلم انتهى. وتعقب مصطفى قوله، ولم أر من رجحه بما في الشارح والتوضيح وابن عبد السلام وابن عرفة من أن قول أشهب اختاره محمد. انتهى كلام البناني. وقال عبد الباقي: وإن تعيب المغصوب ذاته القوم بسماوي أو غيره ومنه غيبته على العلية دون الوخش، ثم قال: وقولي المغصوب ذاته تحرز عما تقدم من أنه إذا تعيب المستعار أو المستأجر من فعل من استاجر أو استعار، فإن ربها يخير في أخذ قيمتها أو كراء الزائد وأخذها لأنه في التعدي، وما هنا في غصب الذات كما علمت. انتهى. قوله: تحرز عما تقدم لخ، قال البناني: يقتضي أن ما تعيب في زائد المسافة في الإجارة

стр. 6827

والعارية واختار ربه أخذه إنما فيه كراء الزائد دون أرش النقص، وقد تقدم رده بكلام ابن يونس فراجعه. انتهى. قوله: ومنه الغيبة على العلية هو صريح أو كالصريح في أنه يخير في تضمين الغاصب القيمة أو أخذها مع أرش نقص الغيبة عليها. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. والقول بتضمين القيمة للأخوين وهو خلاف قول ابن القاسم لا ضمان عليه. انتهى. أي إنما لربها أخذها ولا شيء له، وقوله: "وإن قل" قال الخرشي: وأشار بالمبالغة لرد قول ابن الجلاب إنه لا يضمن ذلك بحدوث العيب القليل وإن رجحه بعض المتأخرين. مسألة: قال الحطاب: فلو غصب أشياء مختلفة فنقصت في يده فلربها تضمينه قيمتها يوم الغصب أو أخذها ناقصة ولا شيء له وله أخذ بعضها [بنقصه] (١) وقيمة باقيها. انتهى. كصبغه تشبيه في التخيير؛ يعني أن من تعدى على ثوب شخص فصبغه، فإن مالكه يخير في أخذ قيمته أي قيمة الثوب أبيض يوم الغصب، وفي أخذ ثوبه ودفع قيمة الصبغ للمتعدي يوم الحكم ولا يكونان شريكين، قال غير واحد: ومحل التخيير إذا زاده الصبغ عن قيمته أبيض أو لم يزد ولم ينقص كما في التوضيح، وهو مذهب المدونة خلافا لا في البساطي. انظر أحمد. فإن نقصه الصبغ عن قيمته أبيض خير في أخذ قيمته أبيض أو أخذه مجانا كما في الجلاب، وقال أبو عمران: يخير كالتخيير الذي ذكره المص ولو نقصه الصبغ، فقوله: "كصبغه" أي كتخييره في مسألة صبغه بحذف حرف الجر لتقدم نظيره. وقوله: "في قيمته" بدل اشتمال من قوله: "كصبغه" والصبغ هنا بالمعنى المصدري، وقوله: "ودفع قيمة الصبغ" بالكسر بمعنى المصبوغ به. قاله عبد الباقي وغيره. قوله: وهو مذهب المدونة لخ، قال البناني: هذا راجع للتخيير المذكور لا بقيد أن الصبغ زاد أو لم يزد ولم ينقص؛ لأن الذي في المدونة أنه إن أخذ الثوب غرم قيمة الصبغ وأطلقت في ذلك، ومقابله قول أشهب: لا شيء عليه في الصبغ وليس فيها تقييد بالزيادة والمساواة، وإنما التفصيل في التوضيح وغيره عن الجلاب. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: ومن غصب ثوبا فصبغه خير ربه في أن يأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه أو يعطيه قيمة صبغه ويأخذ ثوبه ولا يكونان شريكين فيه. انتهى. ولو سقط ثوب في قدر صباغ فانصبغ الثوب، قالوا: يكونان شريكين فيه، هذا بقيمة ثوبه وهذا بقيمة صبغه. انتهى.

стр. 6828

وفي بنائه في أخذه ودفع قيمة نقضه يعني أن من غصب عرصة وبنى فيها أو غرس فإن المغصوب منه يخير في أخذ البناء والغرس ودفع قيمة البناء منقوضا والغرس مقلوعا، وفي أن يأمر الغاصب بقلع بنائه وتسوية الأرض، وإذا اختار أخذ البناء والغرس ودفع قيمة ذلك الشيء منقوضا أو مقلوعا فإنما يدفعها بعد سقوط كلفة أي يدفع قيمة البناء منقوضا والغرس مقلوعا بعد أن يسقط من ذلك كلفة النقض والقلع، وهذا إن لم يتولها أي الكلفة الغاصب أي لم يكن من شأنه توليها بنفسه أو خدمه، وأما إن كان شأنه أن يتولاها بنفسه أو خدمه فإنه لا يسقط من قيمة النقض ومقلوع الغرس شيء أي فيدفع للغاصب قيمة ذلك منقوضا أو مقلوعا بتمامها، ويؤخذ من الغاصب في الحالتين أجرة الأرض زمن غصبه كما قدمه بقوله: "وغلة مستعمل" فيسقط ذلك أيضا من قيمة النقض إذا أخذ المغصوب منه البناء وهذا حيث استغل بعد البناء والغرس. تنبيه: قال عبد الباقي: إن أزال الغاصب ما يأخذه المغصوب بلا شيء كجص وحمرة غرم قيمته قائما للمغصوب. انتهى. الرهوني: قال ابن ناجي عند قول المدونة وكل ما لا منفعة فيه للغاصب بعد القلع كالجص والنقش فلا شيء فيه ما نصه: يريد وإذا أزاله فإنه يغرم قيمته وعرضته على غير واحد ممن لقيناه فارتضى ذلك، وقول عبد الباقي: أو غرسه ظاهره أنه يخير ولو كان الغرس ينبت بأرض أخرى وهو ظاهر المدونة وغيرها، وقيده اللخمي بما إذا كان لا ينبت وإلا فللغاصب أخذها، قال أبو الحسن: ولم أره لغيره. فرع قال الحطاب: قال ابن عرفة: وفي تضمين الصناع منها ولك أخذ ما خاطه الغاصب بلا غرم أجر الخياطة لتعديه، قلت: الفرق بينهما أن الصبغ بإدخال صنعة في المغصوب فأشبه البناء والخياطة مجرد عمل فأشبه التزيين. انتهى. وضمن منفعة الحر والبضع بالتفويت يعني أن من غصب امرأة أو حرا واستعملهما بأن وطئ بضع المرءة واستخدم الحر فإنه يضمن منفعة البضع والحر، فالمراد بالتفويت الاستيفاء فعليه في بضع الحرة صداق المثل، وفي بضع الأمة ما نقصها علية كانت أو وخشا، فإن لم يستوف البضع بالوطء ولا استعمل الحر بالاستخدام بل عطل كلا عن العمل والوطء فلا شيء عليه.

стр. 6829

كحر باعه وتعذر رجوعه يعني أن من غصب حرا فباعه وتعذر رجوعه فإنه يلزمه أن يؤدي ديته لأهله سواء تحقق موته أو ظن أو شك فية، قال الحطاب: ويضرب ألف سوط ويحبس سنة، وكذا لو فعل به ضياعا تعذر رجوعه به وإن لم يبعه، فإن رجع فإنه يرجع للبائع ما غرمه. قاله عبد الباقي. سحنون: من غصب أم ولد فماتت عنده لا ضمان عليه فيها، كالحرة يغتصبها فتموت عنده. ابن رشد: قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن أم الولد أحكامها كالقن حتى يموت سيدها أصح فلا تشبه الحرة، ألا ترى أن الحرة لا يضمنها بالنقل؟ بخلاف الأمة ومن فيها بقية رق. قاله المواق. ومنفعة غيرهما بالفوات يعني أن من غصب منفعة غير الحر والبضع بأن لم يقصد تملك الذات وإنما قصد غصب المنفعة فقط، فإنه يضمن تلك المنفعة وإن لم يستعملها ولا استغل، قال عبد الباقي: وضمن منفعة غيرهما بالفوات وإن لم يستعمله ولا استغله كدار غلقها وعبد ودابة حبسهما ولم يستعملهما، وهذا إذا غصب المنفعة فلا يخالف قوله فيما تقدم: "وغلة مستعمل" لأنه في غصب الذات. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن من تعدى على منفعة غير منفعة الحر والبضع لا يضمنها إلا بالفوات، سواء استعمل أو عطل كالدار يغلقها والدابة يحبسها والعبد لا يستخدمه، ولا يخالف هذا ما مر من قوله: "وغلة مستعمل" إلى آخر ما مر. وهل يضمن شاكيه لمغرم زائدا على قدر أجرة الرسول، قوله: "لمغرم" بضم الميم وفتح الراء مشددة ومخففة متعلق "بيضمن"، وبكسرها مشددة ومخففة متعلق بشاكيه، ومعنى كلام المصنف أن من تعدى على شخص بأخذ مال منه أو بمنعه حقا له عليه فشكا ذلك الشخص المتعديَ إلى من غرمه أكثر مما يستوجبه المشكوُّ، فإنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أن الشاكي يضمن الزائد على ما يستوجبه المشكو أي يغرم جميعه للمشكو إن ظلم الشاكي في شكوه بأن قدر على أن ينتصف من المطلوب بدون شكواه، فتعدى بشكوه إلى المشكو إليه فغرمه ما لا يجب عليه فيغرم جميعه أي قدر ما يستأجر به الشاكي رسولا لو فرض أنه استأجره وما زاد على ذلك، وعلى هذا القول إن لم يظلم الشاكي بل كان هو المظلوم فقط فإن الشاكي يغرم للمشكو قدر أجرة الرسول لو

стр. 6830

فرض هناك رسول، وتحقيق هذا القول أن الشاكي يغرم جميع الزائد إن كان ظالما في شكواه، فإن لم يظلم فإنما يغرم للمشكو قدر أجرة الرسول. ثانيها أشار إليه بقوله: أو الجميع يعني أن من الشيوخ من قال: إن الشاكي يضمن للمشكو جميع الزائد إن كان الشاكي ظالما في شكواه أي يضمن أجرة الرسول والزائد عليها إن ظلم، وأما إن لم يظلم الشاكي فلا يغرم للمشكو شيئا لا زائدا ولا غيره، وتحقيق الفرق بين هذين القولين أنهما متفقان على أن الشاكي يضمن الجميع إن ظلم ومختلفان إن لم يظلم، فالأول يوجب غرم قدر أجرة الرسول فقط لا غير، والثاني لا يوجب غرم شيء لا أجرة ولا غيرها. ثالثها أشار إليه بقوله: أولا يعني أن من الشيوخ من قال: إن الشاكي لا غرم عليه فلا يغرم زائدا ولا غيره، وسواء كان الشاكي ظالما أو مظلوما وإنما عليه الأدب فقط. وقوله: أقوال مبتدأ حذف خبره أي في ذلك ثلاثة أقوال: الأول لبعض شيوخ ابن يونس، والثاني لبعض الأشياخ، قال عبد الباقي: المفتى به بمصر الثاني وهو الموافق لقول ابن عاصم في أجرة الرسول: وأجرة العون على طالب حق … ومن سواه إن ألد تستحق فقد جعل الأجرة على المطلوب إن كان ملدا وهو بلدده ظالم فشاكيه غير ظالم، كما أنه إذا كان غير ملد يقتضي كون شاكيه ظالما، وظاهر كلامهم جريان هذه الأقوال سواء قدر المظلوم على الرجوع على الظالم أم لا. انتهى. والثالث عزاه ابن يونس للكثير، قال عبد الباقي: وهو يشعر بترجيحه. انتهى. قال البناني: فيه نظر، بل الذي يدل على ترجيحه ما في الحطاب من عزوه لأكثر الأصحاب. انتهى. قوله وهل يضمن شاكيه لخ لا يختص بالغاصب كما نص عليه غير واحد. وملكه إن اشتراه يعني أن الغاصب يملك الشيء المغصوب إذا اشتراه من ربه أو وهب له أو حصل نحو ذلك، قال عبد الباقي: وملكه أي الغاصب إن اشتراه من ربه أو ممن يقوم مقامه، وهذا معلوم أن كل من اشترى شيئا ملكه، ونبه عليه ليرتب عليه قوله: ولو غاب يعني أن الغاصب إذا اشترى المغصوب يملكه ولا فرق في ذلك بين كون الشيء المغصوب حاضرا وغائبا، قال عبد
следующие страницы →