← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق علمه ما رأيت فليؤذن (١))، ففعلت فلما سمع عمر الأذان خرج مسرعا يسأل عن الخبر، فقال: (يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ الحمد لله (٢)). وعند أبي داوود قال: (اهتم النبي ﷺ كيف يجمع الناس للصلاة فقيل له: تنصب راية فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه، فذكروا له القبع بموحدة مفتوحة أو مثلثة أو نون ساكنة؛ يعني الشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة المشددة على وزن التنور؛ وهو البوق فلم يعجبه، وقال: هو من أمر اليهود، فذكروا له الناقوس فقال: هو من أمر النصارى (٣)). وساق الحديث. وقوله: بنون ساكنة من إقناع الرأس الذي هو رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وأورد أن رؤيا غير الأنبياء ليست وحيا فلا يثبت بها حكم شرعي، فكيف ثبت الأذان برؤيا عبد الله؟ وأجيب بمقارنة الوحي لذلك. واختلف هل الأذان أفضل أو الإمامة أفضل؟ وقيل: إن كان الإمام توفرت فيه شروط الإمامة فهي أفضل، وإلا فلا، وقيل: هما سواء. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وشهر الأقفهسي أفضلية الإمامة عليه، واختار عبد الحق أفضليته عليها، وهل الأذان أفضل من الإقامة؟ لكونه شعار الإِسلام ووجوبه في المصر، وهو الذي اختاره بعضهم - كما قاله بعض الشيوخ - أو الإقامة أفضل منه؟ لطلبها من الجماعة والفذ، ولبطلان صلاة تاركها على قول. وهذا الثاني يجري مثله في الأذان، فقد قال ابن عرفة: روى الطبري إن تركه أهل مصر عمدا بطلت صلاتهم. انتهى. وقال عبد الباقي: وهو أفضل من الإقامة من حيث كونه شعار الإِسلام ووجوبه في المصر على قول مختار، ولا يعلم في الإقامة قول مختار بوجوبها ولبطلان صلاة أهل المصر بتركه عمدا، ومقاتلتهم عليه إن تركوه. والإقامة أفضل من حيث اتصالها بالصلاة ولبطلان صلاة تاركها على قول، والكلام كله في الأذان السنة لا المندوب والواجب فيما يظهر. انتهى. وقوله: ولبطلان صلاة أهل المصر بتركه الخ، قال الشيخ محمَّد بن الحسن: يأتي له آخر الفصل أن القول بالبطلان غير

стр. 737

معروف في الذهب، وإن كان مرويا عن مالك. وقال الحطاب: لا أعلم في صحة صلاة من ترك الأذان خلافا. انتهى. ابن حجر: اختلف في الجمع بين الأذان والإمامة فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعًا النهي عن ذلك، لكن سنده ضعيف، وقيل: خلاف الأولى، وقيل يستحب، وصححه النووي. انتهى (١)). وقال الشيخ عبد الباقي: نقل النووي عن الترمذي أنَّه ﷺ أذن مرة في السفر راكبًا، وقال فيه وأشهد أن محمدا رسول الله، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنّه جاء في مسند أحمد من الوجه الذي خرج منه الترمذي بلفظ: فأمر بلالًا بالأذان، فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن معنى أذن أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا مع أنَّه إنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه آمرا. انتهى (٢)). نعم قال السيوطي في شرح البخاري: ظفرت بحديث آخر مرسل في سنن سعيد بن منصور عن [ابن (٣)] أبي مليكة قال: (أذن رسول الله ﷺ فقال: حي على الفلاح (٤))، وهذه رواية لا تقبل التأويل. انتهى. ولم يعين كونها في سفر، ولا كونه قال أشهد أن محمدا رسول الله، وقول الهيثمي في شرح المنهاج نقل عنه في تشهد الصلاة أنَّه كان يقول: أشهد أني رسول الله مرة، وأشهد أن محمدا رسول الله مرة أخرى، تبع فيه الرافعي، قال الحافظ في تخريجه: لا أصل للأول كما في المقاصد. انتهى. وقال الشبراخيتي وغيره: وكون النبي ﷺ لم يؤذن لأنه لو قال حي على الصلاة لم يسعهم التخلف، وتركه الخلفاء لاشتغالهم بأمور المسلمين، قال عمر لولا الخلافة لأذنت. وفي الحديث: (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة (٥)) بفتح الهمزة جمع عنق؛ أي تشوفا إلى رحمة الله لأنَّ المتشوف يطول عنقه. وقيل: إذا ألجم الناس العرق طالت أعناقهم، وقيل: معناه الدنو من الله تعالى، وقيل: معناه أنَّه أكثر أتباعا، وقيل: أكثر الناس أعمالا. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بكسر الهمزة أي إسراعا إلى الجنة من سير

стр. 738

العَنق، ومنه الحديث: (كان يسير العنَق فإذا وجد فجوة نص (١))، ومنه الحديث: (لا يزال الرجل معنقا ما لم يصب دمًا (٢))؛ يعني منبسطا في سيره يوم القيامة. قاله الحطاب. وكان رسول الله ﷺ (إذا غزا قوما فإذا سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار (٣)). سن الأذان يعني أن الأذان سنة، وإنما يسن لجماعة طلبت غيرها أي أنَّه يسن في حق الجماعة التي تطلب غيرها بحضر أو سفر بكل مسجد وجامع، ولا يكتفى في متلاصقين أو متقاربين، أو أحدهما فوق الآخر بأذان واحد لهما، وبعرفة ومزدلفة، وبكل موضع جرت العادة بالاجتماع فيه، وكذا العدد الكثير في السفر فيسن في جميع ذلك كفاية؛ وهو في المساجد والجوامع آكد، وإذا كان مسجد بين قوم فلا يجوز لهم أن يقتسموه، فإن ارتكبوا المحظور وضربوا وسطه حائطا فله حكم المسجدين في الأذان والإمام فلا يجزئهم مؤذن واحد، وإنما لم يجز لهم القسم ابتداء لأنَّ ملكهم قد ارتفع بالتحبيس والذي يظهر من المصنف وابن الحاجب أن الأذان سنة مطلقا وأنه لا يجب في المصر. قال الإمام الحطاب: ولم يحك ابن عرفة في وجوبه في المصر خلافا، وجعل محلّ الخلاف وجوبه في مساجد الجماعات؛ وهو الظاهر وقال الشيخ عبد الباقي: تعتري الأذان أحكام خمسة ليس منها الإباحة، بل السنة والوجوب والحرمة والكراهة والندب، فيسن لجماعة طلبت غيرها، ويجب في المصر كفاية، ويحرم قبل الوقت كعلى امرأة على أحد قولين، وكره لها على الآخر، قال الشيخ محمَّد بن الحسن: ويأتي عن الحطاب أن المراد بالكراهة عند من عبر بها المنع؛ لأنَّ صوتها عورة، وأن التعبير بالكراهة وقع للخمي ومن تبعه، فيحمل على ذلك كما صرح به اللخمي نفسه في موضع آخر. انتهى. وفي حاشية الأمير عن شيخه أن الأذان يسن في كل مسجد، ولو لم يكن به جماعة تطلب غيرها. انتهى. وندب لمسافر، أو في فلاة، ولجماعة في فلاة، أو

стр. 739

مسافرين لم يطلبوا غيرهم، وكره للسنن ولو راتبة، ولجماعة مقيمين لم يطلبوا غيرهم، ولفائتة وكذا في ضروري، وفرض كفائي. في فرض يعني أن الأذان إنما يسن في فرض أي في صلاة من الصلوات الخمس التي هي؛ الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكره في السنن ولو راتبة كالعيد. ويكره للنافلة. وقوله: "في فرض"؛ أي عيني فيكره في الكفائي أي صلاة الجنازة. وقتي يعني أن الأذان إنما يسن في الفرض الذي وقت أدائه باق، ولا بد من تقييده بالاختياري، فالفائتة لا يؤذن لها؛ لأنَّ الأذان لها مكروه ووقتها وقت ذكرها، ويكره الأذان في الضروري أي الضروري الذي بعد المختار. وأما ضروري الجمع فيؤذن فيه كما يأتي، ويحرم الأذان إذا خيف به خروج المختار فلو ذكر جماعة صلاة وخافوا إن أذنوا خرج الوقت فلا يؤذنوا، وليقيموا ولو خافوا خروج الوقت بفعل الإقامة سقطت. وقال الشيخ المحقق الأمير: وجب الأذان كفاية في المصر، وقوتلت لتركه؛ لأنه من أعظم شعائر الإِسلام، وسن كفاية لجماعة طلبت غيرها في فرض عيني بوقت جواز بكل مسجد؛ وهو المكان المعد للصلاة وإن تلاصقت أو تراكمت، وندب لفذ وجماعة غير طالبة غيرها إن كانا بفلاة؛ وهو معنى السفر في الأصل فلا يشترط سفر القصر، فإن لم يكونا بفلاة كره لهما كلنفل وجنازة وفائتة، وبوقت منع؛ وهو الضروري. انتهى. وقوله: كلنفل: تشبيه في الكراهة كما نص عليه هو في تقييده. والله سبحانه أعلم. تنبيهات الأوّل: اعلم أن أول الوقت أولى في الأذان كما في الحطاب، وكره مالك أن يؤذن في أذن الصبي المولود، واستحب بعض أهل العلم أن يؤذن في اليمنى ويقام في اليسرى لخبر ابن المسيّب عن الحسين بن علي ﵄: (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم يضره أم الصبيان (١)) انتهى؛ وهي القرينة والعياذ بالله تعالى، وإذا أذن في أذن المحزون ذهب حزنه، وفي أذن سيئ الخلق حسن خلقه، وأنكر ابن الحاج الأذان خلف المسافر، وقال إنه بدعة، وكذا الإقامة.

стр. 740

الثاني: اعلم أن النية معتبرة في الأذان لخبر: (إنما الأعمال بالنيات (١))، فلو بدأ في ذكر الله بالتكبير، تم بدا له أن يؤذن، ابتدأ التكبير، ولا يبني على التكبير الأوّل، ولم يقل أحد إنه يبني على تكبيره الذي لم يقصد به الأذان. قاله في الطراز. والظاهر أن مراده نية الفعل لا نية التقرب، وإن كان خلاف ما في الحطاب عن الذخيرة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. الثالث: قول المصنف لجماعة مقتضاه أن الفذ لا يسن في حقه الأذان ولو طلب غيره، وبذلك صرح السوداني، فقال: قوله: "لجماعة" لا منفرد ولو طلب غيره، ولا جماعة لم تطلب غيرها للصلاة معها كأهل المدارس والرباط. وفي الرسالة: والأذان واجب في المساجد، قال الشاذلي: ظاهره سواء كانت جماعة أو غير جماعة. انتهى. قال مقيده: وهو مخالف لما هنا. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ ميارة: قولهم للجماعة مخرج للمنفرد، فلا يسن في حقه الأذان، إلا إذا سافر أو كان بفلاة لخبر: (إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة (٢))، قاله ﷺ لعبد الله بن زيد، قال أبو سعيد الخدري سمعته من رسول الله ﷺ . انتهى. وفي الموطإ عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان يقول: (من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وصلَّى عن شماله، ملك فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال (٣))، انتهى. نقله الرماصي. وأما المصلي في منزلة وحده فلا يستحب له لأنه ورد في المسافر، ومن في البادية دون الرجل المنفرد في منزلة. قاله في النوادر. نقله الرماصي. الرابع: ما تقدم من أن الفائتة لا يؤذن لها هو المشهور، قال ابن ناجي في شرح المدونة: اختلف هل يؤذن للفوائت على ثلاثة أقوال؟ فقيل: لا يؤذن لها، قاله أشهب. وهو نقل الأكثر وبه الفتوى عندنا بإفريقية، قال في شرح الرسالة: وقيل: يؤذن لأولى الفوائت. حكاه الأبهري رواية عن المذهب، واختار إن رجي اجتماع الناس لها أذن، وإلا فلا. وكلاهما حكاه عياض في الإكمال.

стр. 741

الخامس: استحب الإمام الشافعي أن يقال عند كل صلاة لا أذان لها: الصلاة جامعة. عياض: وهو حسن. السادس: مما جرب لحرق الجن أن يؤذن في أذن المصروع اليسرى سبعا، ويقرأ الفاتحة سبعا، ويقرأ المعوذتين ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وآخر الحشر و ﴿ص﴾ ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ إلى ﴿لَازِبٍ﴾. قاله الشيخ إبراهيم. وإذا قرأ آية الكرسي على ماء ورش به في وجه المصروع فإنَّه يفيق، وفي رياض الصالحين عن أبي حازم أنَّه قال: بلغني أنَّه من قال إذا فرغ من أذانه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له كل شيء هالك إلا وجهه: اللهم أنت الذي مننت علي بهذه الشهادة وما شهدتها إلا لك ولا يتقبلها مني غيرك فاجعلها لي قربة عندك وحجابا من نارك واغفر لي ولوالدي ولكل مؤمن ومؤمنة بك برحمتك إنك على كل شيء قدير. أدخله الله الجنة بغير حساب. انتهى. ولو جمعة يعني أن الأذان الثاني في الجمعة؛ أي الثاني، فعلا الأوّل مشروعية، سنة وهو الأذان الثاني الذي كان بين يديه ﷺ وهو جالس على المنبر، ولم يكن يؤذن لها إذ ذاك على محلّ مرتفع قبل الذي بين يديه، فأحدث عثمان بن عفان ﵁ في خلافته أذانا على المئذنة عند دخول الوقت، وأبقى بعده الأذان الذي كان يفعل بين يديه ﷺ ، وهو على المنبر، فصار ما أحدثه عثمان أولًا في الفعل، وثانيا في الإحداث، والذي بين يديه ﷺ أولًا في المشروعية وثانيا في الفعل. قال الشيخ عبد الباقي: والعمل إلى الآن على فعل عثمان، وقول الرسالة: وهذا الأذان الثاني؛ أي في المشروعية بدليل قوله: أحدثه بنو أمية أي عثمان؛ وهو أول في الفعل. وقول المصنف: "بأذان ثان"؛ أي فعلا، وإن كان هو الأوّل مشروعية وحملت المصنف؛ أي قوله: "ولو جمعة" على الأذان الذي في زمنه ﷺ ؛ لأنَّ الخلاف المشار إليه "بلو" إنما وقع في الأذان الذي في زمنه ﵊، فقد أوجبه ابن عبد الحكم لتعلق وجوب السعي وتحريم البيع به، واستحسنه اللخمي، واختاره ابن عبد السلام، ورد بأن ذلك التعلق يدلّ على مراعاة وجوده، لا على وجوبه واشتراطه. قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: والظاهر أن الوجوب غير شرطي عنده؛ يعني عند ابن عبد الحكم القائل بالوجوب، وأما الأذان الأوّل فعلا الثاني مشروعية؛ وهو أذان عثمان، فقال الشيخ محمَّد

стр. 742

بن الحسن: الحكم عليه بأنّه سنة غير ظاهر؛ لأنه لم يكن في زمن النبي ﷺ ، والظاهر أنَّه مستحب فقط. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: كل منهما سنة، والثاني آكد، ونحوه للشبراخيتي، وزاد: فالمبالغة للرد على المخالف في الثاني، ولدفع التوهم في الأوّل. انتهى. وعلى ما لهما يكون قوله: "ولو جمعة" صادقا بالأذانين، ونحو مالهما للأمير، فإنَّه قال مشبها على السنة كأذاني الجمعة، وسيأتي في الجمعة كيفية الأذان الذي أحدثه عثمان رضي الله تعالى عنه. وهو مثنى بضم ففتح فتشديد؛ يعني أن الأذان بمعنى الكلمات المخصوصة التي هي سبع عشرة في غير الصبح، وتسع عشرة فيه يثنى؛ أي تقال كل جملة منه في محلها مرتين ما عدا الجملة الأخيرة فإنها مفردة؛ أي لا تقال إلا مرة واحدة إشعارا بالوحدانية، فتستثنى من كلامه، وختم بها ليختم بالتوحيد، وباسم الله تعالى كما بدئ به، والمراد بقوله: "سن الأذان" الفعل أي النطق بالكلمات المخصوصة على الوجه المعهود شرعًا، وبقوله: وهو الكلمات المخصوصة نفسها، ففيه استخدام، فإن قلت قوله: "وهو مثنى" ظاهر في غير الشهادتين، فإن كل جملة منهما مربعة، فالجواب أن كل جملة منه مثناة في محلها، فكل جملة من الشهادتين إنما تقال في محلها مرتين لا أكثر، وذلك واضح، ولا يربع التكبير كما يقوله أبو حنيفة والشافعيُّ. وورد في الأحاديث الصحيحة ما يشهد لنا، ولهم ورجح شاهدنا بعمل أهل المدينة والخلفاء، ولوأوتر الأذان أو شفع الإقامة ولو غلطا لم يجزه، ولو أفرد البعض في الأذان أو شفعه في الإقامة، فإن كان ذلك في الأقل لم يضر، وإلا ضر، ولا يعتبر في الأذان ما أصله الإفراد كالتوحيد الأخير. قاله الشيخ الأمير. تنبيهات: الأوّل: اتفق أن كافرا كان يؤذن في مسجد، وكان يقول أجحد أن محمدا مكان أشهد، ثمَّ إن الملك رأى النبي ﷺ ، فقال له: اقتل فلانا المؤذن، فلما أصبح الملك أمر بإحضاره، وأراد قتله فشهد الناس فيه بالخير فتركه، ثمَّ إنه رأى النبي ﷺ ثانيا، فأمره بقتله أيضًا فأحضره وأراد قتله أيضًا فشهد فيه بالخير فتركه، فرآه ثالثة وقال له: لا بد أن تقتله فأحضره، وقال له: لا بد من قتلك، فقال: من يخبرك بقتلي؟ فقال: رسول الله ﷺ ، فعند ذلك تشهد الرجل شهادة الحق وأخبره أنَّه كان كافرا، وأنه كان إذا وصل لقوله أشهد أن محمدا رسول الله قال: أجحد. وكان رجل من النصارى إذا سمع المنادي

стр. 743

ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمه ليلة من الليالي بنار فاحترق هو وأهله. رواه ابن جرير. وابن أبي حاتم. قاله الشيخ إبراهيم. الثاني: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان للإعلام، فكرر ليكون أبلغ في الإعلام، والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها، ولهذا يكون صوته في الإقامة دونه في الأذان. الثالث: الصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان بدعة، أول حدوثها زمن الناصر صلاح الدين يوسف بن أبي أيوب في أذان العشاء ليلة الجمعة، زعم بعض الفقراء أنَّه رأى النبي ﷺ ، وأمره أن يقول للمحتسب أن يأمر المؤذنين أن يصلوا عليه عقب كل أذان فسر المحتسب بتلك الرؤيا، وأمر بذلك واستمر إلى يومنا والصواب أنَّه بدعة حسنة. قاله الشيخ إبراهيم. الرابع: قال في الذخيرة: الأذان سبع عشرة جملة، وقول الأصحاب سبع عشرة كلمة مجاز عبروا بالكلمة عن الكلام، وإلا فكلماته ثمانية وستون كلمة. انتهى. نقله الحطاب. قال: وهذا في غير أذان الصبح، ويزيد أذان الصبح ثماني كلمات. والله سبحانه أعلم. انتهى. الخامس: قال الفاكهاني في شرح الرسالة من صفات الأذان أن لا ينكسه، فإن فعل ابتدأ الأذان؛ إذ لا يحصل المقصود منه إلا بترتيبه، ولأنه عبادة شرعت على وجه فلا يغير. انتهى. وقد مر هذا. والحاصل أن المقدم من كلمات الأذان عن محله كالعدم، فيعاد ليحصل الترتيب، ولا يمنع تقديمه الاتصال. قاله غير واحد. ولو الصلاة خير من النوم يعني أن هذه الجملة المشروعة في نداء الصبح فقط، وهي الصلاة خير من النوم مثناة، خلافا لقول ابن وهب بإفرادها، وخلافا للقول بتركها رأسا لمنفرد بمحل منعزل عن الناس؛ (وهي صادرة عن رسول الله ﷺ كما في الاستذكار، وأبي داوود والنسائي والطبراني وأبي الشيخ عن أبي عمر وابن ماجه (١)). وقول عمر ﵁: (اجعلها في نداء

стр. 744

الصبح (١)) إنكار أن يستعمل شيء من ألفاظ الأذان في غير محله، كما كره مالك التلبية في غير الحج لا أنَّه إنشاء من عمر لحكمها، وموضعها بأذان الصبح قبل التكبير الأخير بينه وبين حي على الفلاح. مرجع الشهادتين يعني أن الأذان ترجع فيه الشهادتان أي تعاد كل كلمة منهما مرتين كما أتى بهما قبل ذلك مثناتين، فقوله: "مرجع" بفتح الجيم مشددا، خبر ثان. كما في الشبراخيتي. وغيره؛ أي وهو مثنى مرجع الشهادتين. والشهادتان هما: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، ومعنى أشهد: أتحقق، وأتيقن ومعنى حي: هلموا؛ بمعنى: أقبلوا وأسرعوا، ومعنى الفلاح: الفوز بالنعيم في الآخرة. وسئل بعض الحكماء عن الحكمة في تعاطف كلمتي الشهادة في التشهد وعدم تعاطفهما في الأذان، فأجاب بأن الجمل في الأذان بينها كمال الاتصال؛ لأنَّ كل جملة من جمل الأذان متضمنة معنى أدعو إلى الصلاة، فكانت كجمل التوكيد، فلهذا لم تتعاطف جمله. والتشهد بخلاف ذلك، وإنما هما فيه للإقرار بالتوحيد والرسالة. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا الذي قاله هذا الفاضل حسن جدًا. والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأوّل: حكم الترجيع السنية فلا يبطل الأذان بتركه، فقول الأبي: مقتضى مذهبنا ركنيته، فيبطل الأذان بتركه، غير ظاهر. الثاني: حكمة الترجيح إغاظة الكفار؛ لأنَّ أبا محذورة ﵁ أخفى صوته بهما حياء من قومه لما كان عليه من شدة بغضه للنبي ﷺ وتهييجه الناس عليه، ولم ينتف بانتفاء سببه كالرمل في الحج. ويطلب من المؤذن المتعدد على المعروف، وحكى المازري عن مالك قولًا أنهم إذا كثروا يرَجَّع الأوّل خاصة. الثالث: إن ترك الترجيع فإن ذكر بالقرب أعاده وما بعده فإن طال صح أذانه ولم يعد شيئًا. وقوله: "مرجع الشهادتين" خالف في ذلك أبو حنيفة محتجا بأن سببه إغاظة المشركين بالشهادتين، وأمره ﵊ أبا محذورة بالإعادة للتعليم، وأنه كان شديد البغض له ﵊، فلما أسلم وأخذ في الأذان ووصل إلى الشهادتين أخفى صوته حياء من

стр. 745

قومه، فدعاه ﵊ وعرك أذنه وأمره بالترجيع وقد انتفى السبب. وجوابه ما تقدم. الرابع: قال الإمام الحطاب: الذي يظهر من كلام أصحابنا أن الترجيع اسم للعَوْد إلى الشهادتين، وكلام ابن الحاجب صريح في ذلك وكذلك قال الأبي وغيره. وللشافعية في ذلك خلاف، فقيل: اسم للعود، وقيل: لما يأتي به أولًا، وفسره بعضهم بأنّه اسم للمجموع؛ وهو ظاهر والله أعلم. انتهى. بأرفع من صوته أولا قوله: "بأرفع" يتعلق بقوله: "مرجع"؛ يعني أن المؤذن يرجع الشهادتين بأعلى من صوته بهما أولًا؛ أي يأتي بهما ثانيا بصوت أعلى من صوته بهما أولًا، فيكون صوته أولًا بهما دون صوته بالتكبير لكن بشرط إسماع الناس، إعلانه بهما أولًا وإلا لم يكن آتيا بالسنة، ويساوي به التكبير على المعتمد لأنه يرفع صوته به منتهاه. وقيل: يكون صوته في الترجيع أرفع من صوته بالتكبير، وعلى هذا يكون صوته بالتكبير مساويا للشهادتين قبل الترجيع. والحاصل أنَّه يرفع صوته بأول الأذان؛ وهو التكبير منتهاه، ثمَّ يخفضه بالشهادتين عن ذلك خفضا يقع معه الإعلام كما يشعر به صيغة أفعل، ثمَّ يرفع صوته بهما ويكون صوته في الترجيع مساويا لصوته في التكبير على المعتمد وإن استُظهر المقابل، ولا بد أيضًا من إسماع الناس بهما أولًا إسماعا يحصل به الإعلام وإلا لم يكن آتيا بالسنة -كما مر- كفعل عوام المؤمنين من إخفائهما جدًا حتى لا يسمع تلفظه بهما. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الحطاب: والكل متفقون على أنَّه ليس بخفض لا يقع به إعلام، وإنما هو رفع دون رفع. تنبيه اسم أبي محذورة الذي أمره النبي ﷺ بالترجيع: سمرة، وقيل: أوس، وقيل: جابر. قاله الشيخ إبراهيم. مجزوم خبر بعد خبر؛ يعني أن الأذان يكون مجزوما؛ أي تكون كل كلمة منه ساكنة الآخر مقطوعة عما بعدها، فالمراد بالجزم الجزم اللغوي. الجوهري: جزم الحرف أسكنه، وعليه سكت. ومقتضى المصنف أن جزم الأذان من الصفات الواجبة وأنه لا يصح بدونه. قال الإمام الحطاب: وليس كذلك. قال ابن عرفة عن المازري: اختار شيوخ صقلية جزم الأذان؛ وشيوخ القرويين إعرابه، والجميع جائز. انتهى. ونقله غيره. انتهى. وقال أبو

стр. 746

علي: والظاهر ما اقتضاه المؤلف من كونه من الصفات الواجبة، قال أبو الحسن: الأذان سمع موقوفًا، ومن حرك فإنما يحرك الله أكبر الأوّل بالفتح. قال عياض في المشارق: ويجوز تحريك الأولى وإسكانها، وفي الثاني السكون لا غير، وكان أبو العباس يحتج بأن الأذان سمع مجزوما غير معرب في مقاطعه كقوله: حي على الصلاه حي على الفلاح، فمن أعرب الله أكبر لزمه أن يعرب الصلاة والفلاح بالخفض، ونحوه لابن يونس، فهذا يدلّ على أن وقفه من الصفات الواجبة؛ لأنه كذلك سمع. ونحوه لابن الفاكهاني، وصاحب البديع، ونحوه قول الحافظ بن حجر: إن الأذان لم يسمع إلا موقوفًا، فتأمل. ونقل ابن فرحون عن ابن رشد أن الخلاف إنما هو في التكبيرتين الأوليين، وأما غيرهما من ألفاظ الأذان فلم ينقل عن واحد من السلف والخلف أنَّه نطق به إلا موقوفًا. انتهى قاله الشيخ محمَّد بن الحسن. وفي الجواهر: يجزم آخر كل جملة من الأذان، ولا يصلها بما بعدها، ويدمج الإقامة للعمل في ذلك. انتهى. قاله الحطاب. وقال ابن فرحون: الإقامة معربة إذا وصل كلمة بكلمة، فإن وقف وقف على السكون. وأما الأذان فإنَّه على الوقف. وقال ابن يونس: قال النخعي، الأذان والتكبير كله جزم. قال غيره: وعوام الناس يضمون الراء من الله أكبر الأوّل، والصواب جزمها؛ لأنَّ الأذان سمع موقوفًا. وقال ابن أبي زمنين: الأذان موقوف. وإنما جعل الأذان موقوفًا لامتداد الصوت فيه، وأعربت الإقامة؛ لأنها لا تحتاج للاجتماع عندها. والسلامة من اللحن في الأذان مستحبة. قاله الشيخ عبد الباقي. بلا فصل يعني أنَّه لا يفصل بين كلمات الأذان أي يكره فصل كلماته كلها أو بعضها، إلا أن يخاف على صبي أو دابة أو أعمى أن يقع في بير مثلا، فيجب الفصل. ولم يأت بهذا الوصف على نمط ما قبل؛ بأن يقول متصلًا لمناسبة. قوله: ولو بإشارة لكسلام يعني أن المؤذن يكره له أن يفصل بين كلمات الأذان أو بعضها بقول من رد سلام، أو ابتدائه، أو تشميت عاطس، أو فعل من أكل أو شرب، أو بإشارة لسلام، أو رده، أو حاجة أو غير ذلك. والكلام الذي لا يجب رده أحرى لا إن وجب لكإنقاذ أعمى، فيتكلم، ويبني إلا أن يطول، فيبتدئ. والملبي مثل المؤذن، ويجب عليهما الرد بعد الفراغ، وإن لم يكن المسلم حاضرا، وأسمعاه إن حضر ولا يكتفى بإشارتهما حال التلبية والأذان فيما يظهر، وتكره الإشارة ولو لم يقع بها فصل. كما نص عليه

стр. 747

الشيخ محمَّد بن الحسن. ويشير المصلي إذا كان المسلم يفهمها لا إن كان أعمى، وإنما أشار لوقع الصلاة في النفس، وحرمة الكلام فيها بخلاف الأذان، فلوأجيز فيه إشارة لربما تطرق للكلام، ولا رد على قاضي حاجة أو مجامع، ولو بقي المسلم لتلبسهما بما ينافي الذكر، بخلاف المؤذن والملبي. نقله الشيخ عبد الباقي. قوله. "ولو بإشارة لكسلام" قال في الكتاب: لا يسلم في أذانه، ولا يرد سلاما. أبو الحسن الصغير: ظاهره لا كلاما ولا إشارة. وفي مختصر الوقار: لا يرد كلاما ولا بأس أن يرد إشارة. قاله الشبراخيتي. وبنى يعني أن من فصل الأذان يبني؛ أي يكمل أذانه سواء فصله عمدا أو سهوا، ومحل تكميله لأذانه. إن لم يطل زمن فصله، وأما إن طال فلا يبني على الأوّل لبطلانه، بل يستأنف أذانه لإخلاله بنظامه والطول ما يحصل به للسامع اعتقاد أنَّه غير أذان واحد، ولو مات ابتدأه غيره، ولا يبني على أذان الأوّل، ولو قرب، والإقامة مثل الأذان في الحكم. قاله الحطاب. ابن فرحون: ولا يفصل المؤذن والمقيم ما شرعًا فيه بسلام ابتداء، ولا برد سلام، ولا بتشميت عاطس، ولا كلام البتة. فإن فرق واحد منهما الأذان أو الإقامة بما ذكر أو بغيره من سكوت أو جلوس أو شرب أو غير ذلك، فإن كان التفريق يسيرا بنى، وإن كان متفاحشا استأنف. قاله الحطاب. ابن عرفة: سمع موسى ابن القاسم: إن رعف مقيم أو أحدث، قطع وأقام غيره، وإن رعف مؤذن تمادى، فإن قطع وغسل الدم ابتدأ. اللخمي: إن قرب بنى. انتهى. وكلام اللخمي تقييد لما قبله. كما صرح به ابن ناجي. قال: وإن أراد غيره أن يبني على أذانه فلا يفعل وابتدأ. انتهى. قاله الحطاب. وفي الطراز: فإن أغمي عليه في بعض الأذان أو جن ثمَّ أفاق بنى فيما قرب. وقاله أشهب. في الإقامة. وإن رعف أو أحدث في الإقامة فليقطع، ويقيم غيره. وقال اللخمي في تبصرته: ولا يتكلم في أذانه، فإن فعل وعاد بالقرب بني على ما مضى. وإن بعد ما بين ذلك استأنفه من أوله، ومثله إن عرض له رعاف أو غير ذلك مما يقطع أذانه، أو خاف تلف شيء من ماله، أو خشي تلف أحد أعمى أو صبي أن يقع، فإنَّه يقطع، ثمَّ يعود إلى أذانه، فيبني إن قرب، ويبتدئ إن بعد. انتهى. قال الحطاب: ولا مفهوم لقوله: ماله، بل وكذلك إن خشي تلف مال غيره لوجوب حفظه. والله أعلم. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصّه: سند وفصله

стр. 748

بالكلام مكروه. انتهى. وبغيره كأكل كذلك فيما يظهر، وقول العمدة: ويمنع الأكل والشرب والكلام ورد السلام يحمل المنع على الكراهة كذا ينبغي. قال أحمد: فإن رعف في أذانه تمادى، وإن قطع وغسل الدم فليبتدئ، ولا يبني غيره على أذانه، بل يستأنف. والفرق بين الأذان والاستخلاف فإن المستخلف يقرأ من حيث انتهى الأوّل، أن المؤذن مأمور بإتمام الأذان وعدم الخروج، فبخروجه يكون معرضا عنه فلا يتمه غيره، بخلاف الإمام فإنَّه مأمور بالخروج وإتمام غيره انتهى باختصار. قوله: يحمل المنع على الكراهة، قال الشيخ محمَّد بن الحسن: تبع في هذا الأجهوري؛ وهو خلاف ظاهر الحطاب؛ لأنه أبقى كلام العمدة على ظاهره من التحريم، ويوافقه كلام الشيخ زروق. فانظره. انتهى. تنبيه: إن نسي شيئًا من الأذان، ففي الطراز: إن ذكر ذلك بالقرب أعاد من موضع نسي إن كان ترك جل أذانه، وإن ترك مثل: حيّ على الصلاة فلا يعيد شيئًا، وإن تباعد لم يعد شيئًا قل أو كثر. قاله ابن القاسم، وأصبغ. ولكن ينبغي إن كان ما ترك كثيرا إعادة الأدان بالأولى من فصله كثيرا -كما مر- وإن كان يسيرا أجزأه. انتهى. والظاهر التعويل على مفهوم قوله: وإن ترك مثل حي على الصلاة، لما عند أهل الأصول من العمل على مفهوم آخر الكلام عند تعارضه مع أوله. قاله الشيخ عبد الباقي. غير مقدم على الوقت قوله: "غير" يصح رفعه على أنَّه خبر بعد خبر، ويصح نصبه على أنَّه حال؛ يعني أن الأذان يحرم تقديمه قبل الوقت، فتجب إعادته، ليعلم من صلى عند الأوّل أن صلاته باطلة، وهذا إذا علموا قبل أن يصلوا. وأما لو صلوا في الوقت ثمَّ علموا أن الأذان قبل الوقت فلا يعاد الأذان. ابن رشد: مخافة أن يقبل الناس إلى الصلاة وقد صليت فيتعبوا لغير فائدة. انتهى. الحطاب: ولأن الأذان إنما هو للاجتماع للصلاة، وهذا إذا وقعت الصلاة في الوقت كما علمت، فإن تبيّن أن الصلاة وقعت قبل الوقت فيعيدون الأذان والصلاة. قال في النوادر: قال مالك: ومن أذن في غير الوقت في غير الصبح، أعاد الأذان. قال عنه ابن نافع في المجموعة: ومن أذن قبل الوقت وصلَّى في الوقت، فلا يعيد. أشهب: وكذلك في الإقامة. قاله الحطاب. وإذا غم

стр. 749

السماء فأذن المؤذن باجتهاده، هل يقبح فعله أم لا؟ جوابه ما قاله ابن هلال: ليس للمؤذن الأذان حتى يتحقق دخول الوقت. انتهى. إلا الصبح بالرفع بدل من الضمير المستتر في مقدم ونصبه عربي جيد؛ يعني أن الصبح لا يحرم تقديم أذانها قبل وقتها، فبسبب ذلك يجوز أن يؤذن لها بسدس الليل الأخير، ويسن لها الأذان عند طلوع الفجر، قال ﷺ : (إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم (١))، وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت وفي العزية: أن الثاني هو السنة، وأن الأوّل مندوب وفي غيرها أن كل واحد منهما سنة، والثاني آكد كأذاني الجمعة. قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: الأوّل سنة، وتقديمه مندوب، والثاني مندوب هذا ما اختاره الرماصي وقيل: كل من الأذانين سنة، واختاره الأجهوري، وقيل: لا يؤذن لها ثانيا. انتهى. وفي الحطاب: ما نصّه وقد رويَ أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر. فأمره ﷺ أن يرجع فينادي: (ألا إن العبد قد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد قد نام (٢)). انتهى وقوله: "إلا الصبح فبسدس الليل" كون كل واحد من الأذانين سنة والثاني آكد، هو الذي ارتضاه الشيخ محمَّد بن الحسن. وقال ابن عرفة: وفي جوازه أي الأذان لها؛ أي للصبح بعد صلاة العشاء، أو نصف الليل، أو لسدسه الآخر ثلاثة للوقار، وابن حبيب، وسحنون مع ابن وهب وابن العربي. انتهى. وفي المدخل: وقد رتب الشَّارع صلوات الله وسلامه عليه للصبح أذانا قبل طلوع الفجر، وأذانا عند طلوعه. انتهى. وفي الجزولي: إنما شرع لها الأذان فقط. وأما غيره من الدعاء والتسبيح، وغيره مما يقوله المؤذنون فغير مشروع. ابن شعبان: بدعة. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وأما التسبيح والتكبير والدعاء والذكر فبدعة حسنة في الثلث الأخير من الليل عند كثير من العلماء. وقال قليل: بدعة مكروهة، وعليه ابن الحاج. انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال في المدخل: ويَنهى الإمام المؤذنين عما أحدثوه من التسبيح باليل، وإن كان ذكر الله حسنًا سرا وعلنا، ثمَّ ذكر أنَّه يترتب على ذلك مفاسد منها التشويش على من في المسجد يتهجد أو يقرأ،

стр. 750

ومنها اجتماع العوام لسماع تلك الألحان فيقع منهم زعقات وصياح عند سماعها، ثمَّ قال: وينهى المؤذنون عما أحدثوه في شهر رمضان من التسحير؛ لأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولا أمر به ولم يكن من فعل من مضى. وذكر اختلاف عوائد الناس في التسحير، فمنهم من يسحر بالآيات والأذكار على المواذن، ومنهم من يسحر بدق الأبواب، ويقولون: قوموا كلوا ومنهم من يسحر بالطار والشبابة. وقال ابن عرفة: ورفع الصوت بالدعاء والذكر بالمسجد آخر الليل مع حسن النية قربة، وفي جوازه بعسعسة الليل بعد مضي نصفه، ومنعه نقلا ابن سهل عن ابن عتاب محتجا بقول مالك بعدم منع صوت ضرب الحديد مع المسيلي وابن دحون مع ابن حرج، محتجين بوجوب الاقتصار على فعل السلف الصالح. وفي النوادر: قال علي بن زياد عن مالك: وتنحنح المؤذن في السحر محدث، وكرهه، وقال البرهان البقاعي الشافعي: إن التسبيح مشروع لانطاق علة الأذان عليه، وهي قوله ﷺ : (لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال من سحوره، فإنَّه يؤذن ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم (١))، وكان ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: (يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه (٢)) رواد أحمد والترمذي، وقال حسن صحيح. والحاكم وصححه. انتهى. ورد عليه الحافظ السخاوي، وقال: إنه ليس في نسخة من الترمذي أن حديثه؛ أي الترمذي صحيح، وقال في تصحيح الحاكم: له منازعة، وفي المدخل: وكذلك ينبغي أن ينهاهم الإمام عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النبي ﷺ عند طلوع الفجر. وقال السخاوي: أحدث المؤذنون الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عقب الأذان للفرائض الخمس، إلا الصبح والجمعة فإنهم يقدمون ذلك قبل الأذان، إلا المغرب فلا يفعلونه لضيق وقتها. وقد أحدث بعض المؤذنين بمكة بعد الأذان الأوّل للصبح أن يقول: يا دائم المعروف، يا كثير الخير، يا من هو بالمعروف معروف، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا. وقال

стр. 751

ابن وهب عن مالك في المجموعة: التثويب بين الأذان والإقامة في الفجر في رمضان وغيره محدث، وكرهه. انتهى. وفي الطراز: التثويب بين الأذان والإقامة ليس بمشروع ولا يعرف إلا الأذان والإقامة فقط، فأما دعاء في آخر الأذان غيرهما فلا. واستحب أبو حنيفة أن يثوب في الصبح بين الأذان والإقامة، وروى عنه أبو شجاع أنَّه قال: التثويب الأوّل في نفس الأذان بين يديه الصلاة خير من النوم، قال والثاني بين الأذان والإقامة. وروى من احتج له في ذلك أن بلالًا كان إذا أتى النبي ﷺ قال: حي على الصلاة حي على الفلاح يرحمك الله، وأنكر ذلك أصحاب الشافعي وروي أن عمر لما قدم مكة جاء أبو محذورة وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح. فقال له عمر: ويحك أمجنون أنت؟ ولو كان سنة لم ينكره إمامنا مالك، فقد أنكر ذلك. قال في العتبية: ليس التثويب بصواب. وروى عنه ابن وهب وابن حبيب أن التثويب بعد الأذان في الفجر في رمضان وغيره مكروه. وروى عنه علي في العتبية أنَّه قال: وتنحنح المؤذن في السحر في رمضان محدث، وكرهه، يريد أنهم كانوا يتنحنحون ليعلم الناس بالفجر فيركعون، فكره ذلك، ورآه مما ابتدع. قال: ولم يبلغني أن السلام على الإمام كان في الزمن الأوّل حدث في زمن معاوية وأقره عمر بن عبد العزيز، ولابن الماجشون في المبسوط جوازه، وذلك أن المؤذن إذا أذن على الصومعة دار إلى الأمير واختصه بأذان ثان، يقول السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله. وأما في الجمعة فيقول: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته قد حانت الصلاة، وعادة أهل المدينة تمنع من ارتكاب شيء من هذه المحدثات. وقول بعض المتأخرين في قول مالك: التثويب ضلال، أنَّه أراد حي على خير العمل ليس الأمر كما قال، وإنما التثويب عند أهل العلم من سائر المذاهب اسم لما ذكرناه، وهو مأخوذ من ثاب إليه جسمه إذا رجع بعد المرض، ومنه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ أي مرجعا يرجعون إليه في كل سنة، وأصله من الإعلام، يقال: ثوب إذا لوح بثوبه. نقله الإمام الحطاب. وساق من النقول في المذهب من كون التثويب ليس بصواب ما فيه كفاية ومقنع، وفيه أنَّه رجح التفسير الأوّل بأن التثويب في اللغة: الرجوع إلى الشيء، يقال: ثاب إلي عقلي: رجع،

стр. 752

وثوب الداعي؛ أي كرر النداء، ومنه قيل للإقامة تثويب؛ لأنها بعد الأذان. قال رسول الله ﷺ : (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون (١)). وقد يقع التثويب على قول المؤذن في الصبح: الصلاة خير من النوم، وقد روي عن بلال قال: قال لي رسول الله ﷺ : (لا تثوبن في شيء من الصلاة إلا صلاة الفجر (٢))، وليس هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم؛ لأنه من سنة الأذان. وبالله التوفيق. انتهى. وإنما قيل لقول المؤذن: الصلاة خير من النوم تثويب؛ لأنه تكرير لمعنى الحيعلتين. وذكر البرزلي مسألة التثويب والتحضير؛ أعني قولهم: الصلاة حضرت، وكذلك التأهب للجمعة؛ أعني قولهم: تأهبوا للصلاة. وأنكر على من قال إن ذلك حرام وقال: هذا لم يقل بالتحريم فيه أحد من علماء الأمة، بل الناس فيه على مذهبين: فمنهم من كرهه، ومنهم من استحسنه، وفي كلامه ميل إلى استحسان ذلك. وكذلك التصبيح؛ يعني قولهم: أصبح ولله الحمد. وذكر كلام ابن سهل في قيام المؤذن بالدعاء والذكر في آخر الليل، وأنه حسن. وذكر أيضًا ما يفعل عندهم من البوق والنقير في المنار في التسحير في رمضان، ومال إلى جواز ذلك. وذكر أن بعض أهل القيروان أنكر ذلك، وقال: إنه معصية في أفضل الشهور وأفضل الأماكن، وأن قاضي القيروان كتب بذلك إلى ابن عبد السلام، فأجابه إن عاد لمثل هذا فأدبه. نقله الحطاب. تم قال بعد هذا: وحاصل كلامه أن جميع ذلك أمور محدثة، منها ما هو حسن كالذكر والدعاء في آخر الليل في المنار والتثويب والتأهب والتصبيح، ومنها ما هو جائز كالأبواق والنقير، وأنه ليس شيء منها حراما، وأن غاية ما يقول المخالف فيها بالكراهة، وقد تقدم في كلام الشيخ أبي عبد الله بن الحاج إنكار ذلك وإنكار الأبواق، والظاهر من مذهب مالك كراهة ذلك كله. انتهى. كلام الحطاب. قال: ومن هذا الباب ما يفعلونه بمكة قبل الأذان الثاني للصبح على سطح زمزم من قول المؤذن، الصلاة رحمكم الله، ويصلي على النبي ﷺ إعلاما بطلوع الفجر، ثمَّ يقول المؤذن قبل الأذان الثاني على حَزْوَرةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ الآيات الثلاث، ثمَّ يقول: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إلى آخر السورة، فمن

стр. 753

أجاز ما تقدم يجيز هذا، ومن كرهه يكرهه. وقد قال في المدخل: إن الإمام ينهى المؤذنين عما أحدثوا من قراءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ عند إرادتهم الأذان للفجر، وإن كانت قراءة القرآن كلها بركة وخير، لكن ليس لنا أن نضع العبادات إلا حيث وضعها صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه. انتهى. وفيه أن من المنكرات أذانهم على حزورة يوم الجمعة عند دخول الإمام إلى المسجد الحرام، فإنَّه بدعة لا أصل لها لا الأذان الثاني بها لسائر الصلوات. وحزورة بالحاء المهملة والزاي على وزن قسورة - هذا هو الصواب -: كان سوق مكة في الجاهلية، وقد أدخل في المسجد الحرام. وفي المدخل: ومما أحدثوه من البدع ما يفعله بعضهم من أنهم يتركون تنظيف البيت وكنسه عقب سفر من سافر من أهله ويتشاءمون بفعل ذلك بعد خروجه، ويقولون: إن ذلك إن فعل لا يرجع المسافر، وكذلك ما يفعلونه حين خروجهم معه إلى توديعه فيؤذنون مرتين أو ثلاثًا ويزعمون أن ذلك يرده إليهم، وهذا كله مخالف للسنة المطهرة، ومن العوائد التي أحدثت بعدها. والمكروهات لا تندفع إلا بالامتثال. انتهى. وقال الناشري من الشافعية: يستحب الأذان لمزدحم الجن، وفي أذن الحزين، والصبي عند ما يولد في اليمنى ويقيم في اليسرى، والأذان خلف المسافر والإقامة. انتهى. نقله الإمام الحطاب. قال: وانظر قوله: لمزدحم الجن، ولعله يشير إلى حديث: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان (١))، وقوله: في أذن الحزين، يشير إلى ما خرجه الديلمي عن علي كرم الله وجهه، قال: (رآني النبي ﷺ حزينا فقال: يا ابن أبي طالب أراك حزينا فمُرْ بعضَ أهلك يؤذن في أذنك فإنَّه دواء للهم، قال: فجربته فوجدته كذلك (٢)). وقال كل من رواته إلى الديلمي إنه جربه فوجده كذلك، وروى الديلمي أيضًا عنه أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : (من ساء خلقه من إنسان أو دابة فأذنوا في أذنه (٣)). انتهى. وذكر الشيخ أبو الليث السمرقندي صاحب تنبيه

стр. 754

الغافلين أن الأذان عند ركوب البحر من البدع. وقال النووي: إذا عرض له شيطان ينبغي أن يتعوذ، ثمَّ يقرأ من القرآن ما تيسر، ثمَّ قال: ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة. فقد روينا في صحيح مسلم عن سهل بن أبي صالح أنَّه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا أو صاحب لنا فناداه مناد من حائط باسمه وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ولكنك إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: (إن الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر (١))، وقال في شرح المهذب: يستحب إذا تغولت الغيلان أن تقول ما رواه جابر أن النبي ﷺ قال: (إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان (٢))، والغيلان طائفة من الجن والشياطين وهم سحرتهم ومعنى تغولت: تلونت في صور. انتهى. والمراد: ادفعوا شرها بالأذان فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر. انتهى. كلام الحطاب. قال: ولم أقف على استحباب ذلك في كلام أهل المذهب، مع أن القصة التي ذكرها عن صحيح مسلم هي في كتاب الأذان منه، ولم يتكلم عليها القاضي عياض ولا القرطبي ولا الأبي. والله أعلم. انتهى. وقد مر أن إمامنا مالكا كره أن يؤذن في أذن الصبي المولود حين يولد، وأنكره. وقال الجزولي في شرح الرسالة: وقد استحب بعض أهل العلم أن يؤذن في أذن الصبي اليمنى ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى. وقد روينا في سنن أبي داوود والترمذي عن أبي رافع قال: (رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة (٣)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروينا في كتاب ابن السني عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان (٤)). انتهى. قال الإمام الحطاب: وقد جرى عمل الناس بذلك فلا بأس بالعمل به. والله أعلم. ولما أنهى الكلام على

стр. 755

صفات الأذان التي قد يخل عدمها بالصحة، وقد لا يخل شرع في شروطه التي يلزم من عدمها عدمه، فقال: وصحته بإسلام يعني أن الأذان إنما يصح من المسلم فلا يصح من كافر ولو عزم على الإِسلام قبل شروعه في الأذان، وفي ابن ناجي صحته مع عزمه. ابن عرفة: ويجب كونه عدلا، وفي العزية أن عدالته من شروط الكمال، وكذا للفاكهاني، فيحمل كلام ابن عرفة على الوجوب ابتداء، وكلام غيره على الصحة بعد الوقوع، ومع كونه لا يصح منه يكون به مسلما، وإنما لم يصح منه مع أنَّه يكون به مسلما؛ لأنَّ ما نطق به قبل الشهادتين لا يقبل فيه إخباره بدخول الوقت لكفره. واعلم أنَّه يكون بأذانه مسلما عند ابن عطاء الله وغيره، وكلام الش والبساطي يقتضي أن فيه خلافا، وليس كذلك، فإن رجع أدب إن لم يوقف على الدعائم، وإلا فمرتد إلا أن يدعي أنَّه أذن لعذر كأن يقصد التخفي بالإِسلام لحفظ ماله مثلا فيقبل إن ظهر وإلا فلا. وأما المسلم الأصلي إذا أذن ثمَّ ارتد فيبطل أذانه. قاله ابن عرفة. وفي النوادر: إن أعادوا أي مع بقاء الوقت فحسن، وإن اجتزوا بد أجزأ. قاله الحطاب. وظاهره أن ما فيها مقابل لما قبله، وينبغي تقييد ما صدر به أيضًا ببقاء الوقت، وإلا لم يعد، وبطل ثواب فاعله كمن ارتد بعد ما صلى ثمَّ عاد للإسلام، فإن عاد ووقتها باق أعادها، وإن عاد بعده لم يعدها وبطل ثوابها. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو ظاهر والله سبحانه أعلم. وما مر من كون الكافر يكون مسلما بالأذان، ظاهره: ولو كان ممن يؤمن برسالة نبينا محمَّد ﷺ كالعيسوي، فيحمل بأذانه على أنَّه آمن بعموم رسالته ﷺ . وعقل يعني أن الأذان لا يصح إلا من العاقل، فلا يصح من مجنون وصبي وسكران لا تمييز لهم ولا خلاف في ذلك. وفي النوادر: وإن أذن لقوم سكران أو مجنون لم يجزهم، فإن صلوا لم يعيدوا. وذكورة يعني أن الأذان إنما يصح من الذكر المحقق الذكورة، فلا يصح من أنثى ولا من خنثى مشكل، ويحرم الأذان على المرأة. وذكر اللخمي وسند والقرافي: كراهة أذان المرأة. قال الحطاب: وليس ما ذكروه من الكراهة بظاهر، بل ينبغي أن تحمل على المنع، والخنثى المشكل كالمرأة. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي التوضيح: وأما الأذان فلا يطلب من النساء اتفاقا، ونص اللخمي على أنَّه

стр. 756

ممنوع، وقال ابن فرحون: وأما الأذان فممنوع في حقهن. قاله اللخمي؛ لأنَّ صوتها عورة. انتهى. واعترضه أبو مهدي بأن الصواب أن يقول: لأنَّ رفع صوتها عورة، لرواية الصحابة عن غير أمهات المؤمنين. قال: وقاله ابن هارون. قال ابن ناجي: لضرورة التعليم وكذلك يجوز بيعها وشراؤها. انتهى. قاله الحطاب. وبلوغ يعني أنَّه يشترط في صحة الأذان أن يكون من بالغ، فلا يصح من صبي مميز ولو لم يوجد غيره؛ وهو مذهب المدونة، وظاهره: ولو كان ضابطا إلا أن يكون تابعا في أذانه لبالغ، وعزاه ابن عرفه للخمي. قال الحطاب: لا ينبغي أن يختلف في هذا. انتهى. والإقامة كالأذان فيما ذكر من الشروط ما عدا الذكورية. قاله ابن عبد السلام. وهذا حيث لم يتحقق حصول الأذان، وإلا فإقامته صحيحة وإن لم يعتمد على إقامة من تعتبر إقامته، ولم يكن ضابطا. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: فلا يصح من صبي مميز إلا أن يعتمد فيه أو في دخول الوقت على بالغ. كما قاله اللخمي. قال الحطاب: لا ينبغي أن يختلف فيه، وكذا يشترط بلوغ المقيم لكن ينبغي صحتها من غيره، وإن لم يكن ضابط وقت، ولا اعتمد على إقامة بالغ حيث لم يأت فيها بخلل. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإنما يصح من مسلم، عاقل، ذكر، عارف بالوقت، أو تابع لعارف، وإن صبيا ميز ويسقط به فرض الكفاية عن البلد لرضاء المكلفين به. انتهى. وقال ابن عرفة: وفي صحته من الصبي المميز. ثالثها: إن لم يوجد غيره، ورابعها: إن كان ضابطا تبعًا لبالغ، لرواية أبي الفرج: ولها، ولرواية أشهب واللخمي. انتهى. وقد صرح صاحب الطراز بأنّه يجوز للصبي أن يؤذن لنفسه. ذكره في التفريق بين المرأة والصبي على القول بأن المرأة لا تقيم. وذكر في أثناء احتجاجه أن ما يخاطب به بعد البلوغ يؤمر به قبله تَمْرِينًا له، فيفهم من هذا أن الصبي المميز إذا سافر يؤمر بالأذان، وكذا لو كان جماعة من الصبيان بموضع والأذان يجمعهم لأمروا بالأذان؛ لأنَّ الجماعة مشروعة في حقهم. ابن بشير: وهل يجوز الأذان للجنب والصبي أو يكره لهما؟ قولان في المذهب. انتهى. وأما إن كان موقتا يعتمد على إخباره بدخول الوقت فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء، وإنما ينبغي أن يكون محلّ الخلاف إذا وقع ذلك وأذن، أو كان هناك من يضبط الأوقات ويأمر الصبي بالأذان، فهل يصح أذانه؟ وتحصل به السنة، ويسقط به

стр. 757

الوجوب على القول بأن الأذان واجب أم لا؟ هذا محلّ الخلاف المتقدم. وبهذا يتحرر الكلام في هذه المسألة. قاله الإمام الحطاب. وفيه بعد جلب نقول ما نصّه: فعلم من هذا أنَّه يشترط في المقيم للجماعة البالغين أن يكون ذكرا بالغا، وأما إذا صلى الصبي لنفسه فإنَّه يقيم. وفي العتبية: لا يؤذن الصبي ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع لا يوجد غيره فليؤذن ويقم. وندب متطهر؛ يعني أنَّه يندب للمؤذن أن يكون متطهرا من الحدث الأكبر والأصغر؛ لأنه داع إلى الصلاة، فيبادر إليها فيكون كالعالم العامل إذا تكلم انتفع بعلمه بخلاف غير المتطهر، وفي الخبر: (لا تؤذن إلا متوضأ (١)) واستحباب الطهارة للمقيم آكد، ويكره الأذان بدون طهارة، والكراهة في الجنب بغير داخل مسجد آكد، وللمقيم أشد. ويستحب للمؤذن والمقيم حسن الهيئة، فلا يؤذن أو يقيم في تبان أو سراويل أو ثوب شعر، وإن وقع لم يعد عند ابن القاسم، خلافا لأشهب. قال: يعيد الأذان والإقامة كمن لم يؤذن وكمن لم يقم. ابن عبد السلام: لا يقيم إلا من يشارك الجماعة في الصلاة التي يصلون أو من يصلي وحده، فإذا لم يكن على طهارة احتاج إلى الطهارة قبل الدخول في الصلاة، وهي تفرقة كثيرة، وقد يفترق حال الكراهة بالقوة والضعف في حق من يخفف الوضوء، أو كان متيمما. انتهى. ففهم من كلامه أن التيمم للصلاة يكون قبل الإقامة، وهو ظاهر. قاله الشبراخيتي. وتفاوت الكراهة يرجع لكثرة الثواب على الترك وقلته، وفي ابن عرفة: وفيها يؤذن غير المتوضي ولا يقيم، وقوله: "متطهر" في بعض النسخ برفعه ورفع الأوصاف بعده، وفي بعضها بنصبه ونصب الأوصاف بعده. فالرفع على حذف مضاف وموصوف أقيمت الصفة مقامه؛ أي وندب أذان شخص متطهر، والنصب على أنَّه خبر لكان المحذوفة مع أن المصدرية؛ أي وندب أن يكون المؤذن متطهرا؛ أي كونه متطهرا. انظر الشبراخيتي. وقال سحنون: لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد. ولابن نافع مثل قول سحنون، ابن ناجي: وبه كان شيخنا الشبيبي يفتي إلى أن مات، وهو الأقرب؛ لأنه ذكر، فكما لا يمنع من الأذكار اتفاقا غير القرآن. فكذا لا يمنع من الأذان. وعلى قول ابن مسلمة: إن الجنب يجوز له أن يدخل

стр. 758

المسجد، ولو كان غير عابر سبيل يجوز له أن يؤذن فيه. وقال الشيخ الأمير: وندب متطهر حسن الهيئة في لباسه ونحوه والفعال كالورع والحلم. صيت؛ يعني أنَّه يستحب في المؤذن أن يكون صيتا أي مرتفع الصوت؛ لأنَّ المقصود من الأذان الإعلام، وإذا كان صيتا كان أبلغ في الإسماع. ويستحب فيه أن يكون حسن الصوت كما في الجواهر، وصرح به صاحب المدخل وابن ناجي. وفي حديث عبد الله بن زيد: (يا بلال ناد بالصلاة فإنك أندى منه صوتا (١))، قيل: أرفع، ويحتمل أن يكون معناه: أحسن، وفي بعض الروايات: (فإنك فظيع الصوت (٢))، ففيه أنَّه يختار للأذان أصحاب الأصوات الندية المرتفعة الحسنة، ويكره في ذلك ما فيه غلظة أو فظاعة أو تكلف قاله الحطاب. وفيه عن بعض العلماء: النفس تخشع للصوت الحسن، ويكره التطريب؛ أي تقطيع الصوت وترعيده ما لم يتفاحش، وإلا حرم. وسمع ابن عمر رجلًا يُطِربُ في أذانه فقال: لو كان عمر حيا فك لحييك. والظاهر أنَّه يرجع في التفاحش لقول أهل المعرفة. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: والظاهر الرجوع في حدّ الفاحش لأهل المعرفة، أو ما يخرجه عن كونه ذكرا، كما قيل في قراءة القرآن بالألحان ويكره أيضًا التحزين بغير تطريب، قال في المواقيت: وقصر الألف الثاني في اسم الله غير جائز، والإسراف في مده مكروه. ابن عرفة: ويستحب كونه من أفضل أهل الحي. قاله الشيخ إبراهيم. وفي التوضيح: روى الدارقطني (أنَّه ﵊ كان له مؤذن يطرب في أذانه، فقال له ﵊: الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا فأذن وإلا فلا (٣)). انتهى. وقال في النوادر: والسنة أن يكون مرسلا معلنا يرفع به الصوت، وعند الشيخ يوسف بن عمر في الصفات المستحبة أن يكون غير لحان، وأن يكون جهير الصوت، وأن يكون يقوم بأمور المسجد، وأن يونس الغريب. وأن لا يغضب على من أذن بموضعه، أو من جلس في موضعه، وأن يكون صادق القول ويحفظ حلقه عن ابتلاع الحرام، وأن يؤذن لله خالصا. انتهى. ومن صفات الأذان أن

стр. 759

يبالغ في رفع الصوت به ما لم يشق عليه، إذ المقصود منه الإعلام، فكلما رفع صوته كان أبلغ في المقصود، وأن يكون مترسلا أي متمهلا من غير تمطيط ولا مد مفرط قاله ابن الفاكهاني. نقله الإمام الحطاب. وقال عمر بن عبد العزيز: لمؤذنه أذِّنْ أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا ولا ينبغي إمالة حروف الأذان والتغني فيه، وقال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنَّه يستحب في المؤذن أن يكون حسن الصوت، ومرتفع الصوت، وأن يرفع صوته، ويكره الصوت الغليظ الفظيع، والتطريب، والتحزين إن لم يتفاحش وإلا حرم. انتهى. وفي المدخل: ويكره التطريب في الأذان، وكذلك التحزين، وتكره إمالة حروفه وإفراط المد فيه. قاله الحطاب. وفيه: عن ابن فرحون والتطريب: مد المقصور وقصر الممدود. انتهى. تنبيهات: الأوّل: في بيان أمور يغلط فيها المؤذنون منها: مد الباء من أكبر فيصير جمع كبر بفتح الباء وهو الطبل فيخرج إلى معنى الكفر، ومنها المد في أول أشهد فيخرج إلى حيز الاستفهام والمراد أن يكون خبرا إنشائيا، وكذلك يصنعون في أول الجلالة، ومنها الوقوف على لا إله وهو كفر وتعطيل، ومنها أن لا يدغم تنوين محمَّد في الراء بعدها؛ وهو لحن خفي عند القراء، ومنها أن لا ينطق بالهاء من الصلاة في قوله حي على الصلاة، ولا بالحاء من قوله حي على الفلاح، فيخرج إلى الدعاء إلى صلا النار في الأولى، والفلا جمع فلاة في الثاني، والفلاة: المفازة نبه على هذه المواضع القرافي والمصنف في التوضيح، وابن فرحون، زاد الشيخ زروق مد همزة أكبر وتسكينَها وفتحَ النون من أن لا إله إلا الله. نقله الإمام الحطاب. وكذا مدُّ أو تسكينُ أو تنوينُ هاء إله، وزيادة هاء بعدها، وضم محمَّد، ومد حي أو تخفيفها، وإبدالُ همزة أكبر واوا، وقد استخفوه في الإحرام فيكون هنا أحرى. قاله الحطاب. وبعضه للشيخ إبراهيم. وقد مر عن المواقيت أن قصر الألف الثاني من اسم الله غير جائز، وأن الإسراف في مده مكروه. نقله الحطاب. وفيه أنَّه إذا وقف على الله كما في آخر الأذان فإنَّه يجوز الإشباع حينئذ لالتقاء الساكنين. وفيه عن ابن الجزري أن العرب تمد عند الدعاء والاستغاثة وعند المبالغة في نفي الشيء، ويمدون ما لا أصل له لهذه العلة. انتهى.

стр. 760

الثاني: قال في الذخيرة: اختلف العلماء في أكبر، هل معناه كبير لاستحالة الشركة بين الله تعالى وغيره في الكبرياء؟ وصيغة أفعل إنما تكون مع الشركة، أو معناه أكبر من كل شيء؛ لأنَّ الملوك وغيرهم في العادة يوصفون بالكبرياء، فحسنت صيغة أفعل بناء على العادة. انتهى. نقله الإمام الحطاب. ومعنى أشهد: أتيقن، وأعلم، والإله: المعبود بالحق، وحي: اسم فعل بمعنى أقبل، يقال بلفظ واحد للواحد، والجمع تقول: حي على الثريد أي أقبل، ويقال هلا على الثريد بمعناه، ويجمع بينهما فيقال: حيهلا بالتنوين وبغير تنوين بسكون اللام أو بتحريكها بالفتح مع الألف، ويعدى بعلى كما في الأذان، وبإلى وبالباء. قاله في الذخيرة. قال: ومنه الحديث: (إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر (١)). والفلاح في اللغة: الخير الكثير، أفلح الرجل إذا أصاب خيرا. انتهى. وقال الجزولي: الفلاح البقاء في الجنة. الزناتي: الفلاح الفوز بالمنى بعد النجاة مما يتقى. انتهى. ولا بد من مضاف أي على سبب الفوز، أو سبب البقاء في الجنة، أو سبب الخير الكثير. وظاهر كلام القرافي أن الأثر المذكور حديث، وإنما وقفت عليه من قول ابن مسعود. كما ذكره القاضي عياض في شرح مسلم في كتاب الأذان، والقرطبي وابن الأثير في النهاية، والحريري في المقامة التاسعة. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. الثالث: قال القرطبي الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية؛ وهو وجود الله تعالى ووجوبه وكماله، ثمَّ ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثمَّ ثلث بإثبات الرسالة، ثمَّ دعا لما أراد من طاعة الله، ثمَّ ضمن ذلك بالفلاح؛ وهو البقاء الدائم فأشعر بأن ثمَّ جزاء ففيه إشارة إلى المعاد، ثمَّ أعاد توكيدا، وأصله للقاضي عياض في الإكمال. قاله الإمام الحطاب. الرابع: قال في المدونة: وإن شاء جعل إصبعيه في أذنيه في أذانه وإقامته، وإن شاء ترك. قاله الإمام في الأذان. وقاس عليه ابن القاسم الإقامة، وقيل: إنه مستحب للمؤذن. قاله أبو محمَّد عن ابن حبيب. وإذا استحب في الأذان استحب في الإقامة، قال في الطراز: وهو يعني قياس ابن القاسم صحيح، فإن الإقامة أحد الأذانين، فإذا جاز ذلك في الأذان جاز في الإقامة، ولم يحك

стр. 761

صاحب الطراز استحبابه إلا عن الشافعي. قال: وما قاله مالك أرجح، فإن ذلك لو كان من المستحسن لاستمر العمل به في مسجد الرسول. انتهى. ونقل عن ابن القاسم أنَّه قال: ورأيت المؤذنين بالمدينة لا يجعلون أصابعهم في آذانهم، وقال في التوضيح عن ابن القاسم إنه قال: رأيت المؤذنين بالمدينة يفعلونه، وتبعه ابن فرحون، وكأنه سقط منه، لا. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. الخامس: قال الشيخ أحمد بن فجلة الزرقاني: اختلفت الشافعية فيما إذا وجد صيت بأجرة وغيره محتسبا، أيهما يقدم؟ وقال ابن شريح بالأول. انتهى. زاد ابن عرفة في مندوباته كونه أفضل أهل الحي، والظاهر الرجوع فيه لأهل المعرفة. قاله الشيخ عبد الباقي. مرتفع؛ يعني أنَّه يستحب للمؤذن أن يؤذن بمحل عال مرتفع عن الأرض ارتفاعا بينا ولو بركوب بأن يكون على منار، أو سطح المسجد، أو حائط غيره من حوائط البلد، أو على دابة أو نحو ذلك، فلا يكفي على طوبة أو حجر مثلا، ويستحب أن يكون الذي يؤذن عليه قريبا من البيوت. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى قوله قريبا من البيوت أنَّه لا يكون عاليا عليها جدًا، كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى. وقال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: تلخص مما تقدم أن أذان المؤذن إما على المنار قريبا من البيوت، أو على سطح المسجد، أو على بابه، وفهم من ذلك أنَّه لا يكون داخل المسجد. انتهى. وفيه: عن التوضيح أن المشروع في الأذان أن لا يكون داخل المسجد. انتهى. ويستثنى ليلة الجمع من ذلك على المشهور. والله أعلم. قاله الحطاب. تنبيهات: الأوّل: الأصل في قوله مرتفع ما أخرجه أبو داوود في سننه عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: (كان بيتي من أطول بيت حول المسجد (١))، فكان بلال يؤذن عليه للفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى ثمَّ قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثمَّ يؤذن، قالت: والله ما علمته كان يتركها ليلة واحدة [أي (٢)] هذه الكلمات. سكت عليه أبو داوود فهو صالح للاحتجاج به، ولم يتعقبه ابن

стр. 762

حجر ولا غيره، وأخرجه ابن سعد في الطبقات عن أم زيد بنت ثابت قالت: (كان بيتي أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بني رسول الله ﷺ مسجده فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره (١)). انتهى. قاله الحطاب. الثاني: قال في المدخل: ومن السنة الماضية أن يؤذن المؤذن على النار، فإن تعذر ذلك فعلى سطح المسجد، فإن تعذر فعلى بابه، وكان النار عند السلف بناء يبنونه على سطح المسجد كهيئته اليوم، لكن هؤلاء أحدثوا فيه أنهم عملوه مربعا على أركان أربعة، وكان في عهد السلف مدورا، وكان قريبا من البيوت خلافا لما أحدثوه اليوم من تعلية المنار، وذلك يمنع لوجوه: أحدها مخالفة السلف، الثاني أن يكشف حريم المسلمين، الثالث أن صوته يبعد عن أهل الأرض ونداؤه إنما هو لهم. انتهى. ويمنع المؤذن من صعود المنار الذي إذا صعد فيه عاين ما في الدور التي يجاورها المسجد وكذا لو بعدت منه البيوت إلا أن يكون البعد الكثير الذي لا يتبين معه الأشخاص والهيئات، ولا الذكران من الإناث فلا يعتبر الاطلاع معه، وسواء في ذلك كانت الدور متقدمة على المنار أو متأخرة عنه. الثالث: قال في المدخل: وينهى الإمام المؤذنين عما أحدثوه من أذان الشباب على المنار؛ لأنه لم يكن من فعل من مضى. وقد تقدم في أوصاف المؤذن أن يكون من أتقاهم، ولا يعرف ذلك في الشباب، وينبغي للمؤذن الذي يصعد على المنار أن يكون متزوجا؛ لأنه أغض لطرفه والغالب في الشباب عدم ذلك، والمنار لا يصعده إلا مأمون الغائلة، وأما على باب المسجد فيجوز ذلك، وكذا سطحه إذا كان لا يكشف أحدا. والله الموفق. قاله الحطاب. واعلم أن المنار في اللغة علم الطريق، وفي الصحاح: والمنارة التي يؤذن عليها، والمنارة أيضًا يوضع فوقها السراج؛ وهي مفعلة بفتح الميم، والجمع المنار، ويقال لها أيضًا المئذنة بكسر الميم ثمَّ همزة ساكنة، ويجوز إبدال الهمزة ياء. وذكر بعضهم أنَّه يقال: مأذنة بفتح الميم. نقله الإمام الحطاب.

стр. 763

قائم. يعني أنَّه يستحب للمؤذن أن يكون قائما في حال أذانه؛ وهو الذي عليه السلف لأنه أقرب إلى التواضع، ولأنه هو وما قبله أبلغ في الإسماع، وأما لوأذن جالسا لغير عذر، فهل يكره؟ وهو المفهوم من كلام أهل المذهب، أو يحرم؟ وهو ما عليه القاضي عياض في الإكمال وابن ناجي لكنه مخالف لكلام المصنف؛ إذ القيام مندوب. قاله الشيخ إبراهيم. وأجاز في المدونة أذان الراكب؛ لأنه في معنى القائم، بل أبلغ في الإسماع، وقال إمامنا مالك: لم يبلغني أن أحدا أذن قاعدا، وأنكر ذلك إنكارا شديدا. وقال النوويّ الشافعي: مذهبنا المشهور أن القيام سنة، فلو أذن قاعدا لغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة، وكذا لوأذن مضطجعا مع قدرته على القيام صح أذانه على الأصح؛ لأنَّ المراد الإعلام وقد حصل. انتهى. وفي التوضيح: وكره أذان القاعد لكونه مخالفا لما عليه السلف، وفي مختصر الواضحة: وكان مالك ينكر أن يؤذن المؤذن قاعدا، ويقول: لم يبلغني عن أحد ممن يقتدى به فعله، فإن عرضت له علة تمنعه من القيام فليدع الأذان، ومن جهل فأذن قاعدا مضى ولم يعد الأذان وتقدم عن المدونة أن أذان الراكب جائز، وأما قول ابن عبد السلام: لا فرق في التحقيق بين الراكب والقاعد فإنَّه معترض، والتحقيق الفرق بينهما؛ لأنَّ الراكب أندى صوتا من القاعد؛ ولا فرق في جواز أذان الراكب بين أن يكون الراكب مسافرا وبين أن يكون حاضرا. انظر الحطاب. إلا لعذره يعني أن المؤذن لا يطلب بالقيام إذا كان ذا عذر كمرض ونحوه، وحينئذ فيؤذن لنفسه لا لغيره يدلّ عليه ما في المدونة، وصرح به اللخمي فقال: قال مالك: ويندب أن يكون قائما إلا لعذر من مرض أو غيره، فيؤذن لنفسه لا للناس. انتهى. وفي شرح الشيخ ميارة: وكره مالك أذان القاعد لمخالفته أذان السلف إلا مريضا لنفسه. انتهى. مستقبل يعني أنَّه يستحب للمؤذن أن يكون مستقبلا للقبلة في حال أذانه، فلا يلتفت ولا يصرف وجهه عنها، قال التونسي: وجائز أن يبتدئ الأذان لغير القبلة. قاله الخرشي. والشبراخيتي. إلا لإسماع. يعني أنَّه يجوز للمؤذن أن يلتفت لغير جهة القبلة إذا كان ذلك لإسماع الأذان، فيدور أي جوازا كما في أول التقرير. وظاهر كلام ابن بشير الاستحباب لقوله: إن قصد به المبالغة في الإسماع؛ فهو مشروع، وقد يقال: المشروعية تستعمل فيما هو أعم كالبيع

стр. 764

والإجارة. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وظاهر كلام المصنف كالمدونة والإرشاد: جواز الدوران حالة الأذان؛ وهو كذلك، وقيل: بعد فراغ الكلمة. وقيل: إن لم ينقص من صوته فالأول، وإلا فالثاني، ورابعها لا يدور إلا عند الحيعلة. قاله الخرشي. والشبراخيتي. وغيرهما. وقال الشيخ عيد الباقي عند قوله: "إلا لإسماع": فيجوز استدبارها ولو بجميع بدنه ويطلب به حينئذ، وقيل: يدير وجهه فقط يمينا وشمالا وخلفه للإسماع، مع بقاء بدنه للقبلة لما روي: (أن بلالًا كان يستقبل في أذانه ثمَّ يستدبر بوجهه وبدنه قائم إلى القبلة، ثمَّ يستقبل في آخر أذانه). انتهى. وقال الشيخ الأمير: ودار للإسماع كيف تيسر. انتهى. وفي المدونة: ولا يدور في أذانه ولا يلتفت وليس هذا من حدّ الأذان إلا أن يريد أن يسمع الناس. انتهى. والدوران لقصد الإسماع قال به أبو حنيفة أيضًا، وروي عن مالك إنكاره كالشافعي، ابن حبيب: روي (أن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يلتفت بوجهه يمينا وشمالا وبدنه إلى القبلة، ونهاه أن يدور كما يدور الحمار (١)). قاله الحطاب. وفي التوضيح: أجاز مالك الدوران والالتفات عن القبلة لقصد الإسماع، وقد مر أنَّه يستحب للمؤذن أن يكون حسن الهيئة كالمقيم، فلا يفعلان في ثياب من شعر أو سراويل. وحكايته لسامعه؛ يعني أنَّه يستحب لمن سمع الأذان أن يحكيه بأن يقول مثله، وسواء سمعه بواسطة كأن سمع الحاكي للأذان أو بغيرها. قاله الشيخ إبراهيم. وفهم من قوله: "لسامعه" أن غير السامع لا تندب له الحكاية، وإن أخبر بالأذان، أو رأى المؤذن، وتندب المتابعة، فإذا لم يتابعه أتى بمستحب وهو الحكاية، وترك مستحبا آخر قاله الشيخ إبراهيم. وفي الذخيرة: قال ابن القاسم في الكتاب: إذا انتهى المؤذن إلى آخر الأذان يحكيه إن شاء، وهذا الفرع أهمله أبو سعيد. انتهى. وقوله: إذا انتهى المؤذن، يفيد أنَّه لا يحكي أذان نفسه قبل فراغه لما فيه من الفصل، وكذا يقال في المؤذن إذا حكى أذان غيره، وإذا تعدد المؤذنون فإنَّه يحكي الأوّل على المشهور إن ترتب الأذان، وإلا حكى أذان واحد قاله الشبراخيتي. ونحوه لعبد الباقي. التتائي: ظاهر كلام المصنف أن المؤذن يحكي مؤذنا آخر سمعه؛ وهو كذلك على أحد قولين. قاله الشيخ

стр. 765

إبراهيم. وقال الشيخ محمَّد بن الحسن: وإن تعدد المؤذنون، فهل يكرر الحكاية؟ اختار اللخمي تكريرها، وقيل: تكفيه حكاية الأوّل فقول الزرقاني على المشهور في عهدته. وقوله: "وحكايته" أي الأذان الواجب أو السنة أو المندوب لا المكروه أو الحرام، فلا يحكى، وقوله: "لسامعه" أي لا غيره كما مر ولو لعارض كصمم، وأشعر قوله: "لسامعه" أنَّه سمعه كله، فإن سمع منه جملة فقط اقتصر على حكايتها، كما يفيده خبر: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول (١))، وأما قوله الآتي، وحكايته قبله فمعناه مع سماعه بقيته، وإذا أتى المؤذن أولًا بالشهادتين سرا أو جهرا ولم يسمعه، فهل يحكي الترجيح بدلا عن المأتي بهما أو يتحرى؟ وظاهر الخبر أن ما لم يسمعه لا يحكيه. كما قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما ندب حكاية الأذان لما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من قوله ﵊: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، وما ذكره المصنف من ندب الحكاية هو المشهور، وقيل: واجبة، قاله الحطاب. لمنتهى الشهادتين يعني أن من سمع الأذان تندب له حكايته إلى منتهى الشهادتين، والشهادتان من جملة المحكي كما أفاد ذلك بقوله: "لمنتهى الشهادتين"، وقيل: يحكيه كله؛ وهو لابن حبيب، وعلى الأوّل فلا يحكي الحيعلتين وما بعدهما من التكبير والتهليل، ولا يبدل الحيعلتين بالحوقلة. قال إمامنا مالك: في الحديث إنما ذلك إلى هذا الموضع أشهد أن محمدا رسول الله فيما يقع في قلبي، ولو فعل ذلك لم أر فيه بأسا قيل لابن القاسم: أرأيت إذا قال المؤذن: حي على الفلاح ثمَّ قال الله أكبر لا إله إلا الله، أيقول مثله؟ قال: هو من ذلك في سعة، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وعلى الثاني يحكيه كله، إلا أنَّه يبدل الحيعلة بالحوقلة، لا الصلاة خير من النوم، ولا الترجيع، بل يحكي أصله فقط. وفي التوضيح: وطريق الشاذ أظهر؛ يعني القول بأنّه يحكيه كله ويبدل الحيعلة بالحوقلة، ويكرر الحوقلة أربعًا على عدد الحيعلة؛

стр. 766

بأن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله أربعًا. كما نص عليه الشيخ إبراهيم. ورجح هذا القول الشيخ الأمير، فإنَّه قال: والراجح لآخره، فيبدل الحيعلة في كل مرة بالحوقلة. وقولهم: الحوقلة، بتقديم القاف على اللام منحوتة من إلا بالله، فلا يقال القياس حولقة. انتهى. وقالوا: حوقل، ومصدره حوقلة على القياس. وقالوا فيه على غير القياس حيقالا بالكسر وحوقالا بالفتح، إذا فتر عن الجماع للكبر. تنبيهات: الأوّل: لا يكفي في الحكاية ما نقل عن سيدنا معاوية ﵁ أنَّه سمع المؤذن يتشهد فقال: وأنا كذلك؛ أي أشهد، بل لا بد من اللفظ بمماثله حملا للحديث على ظاهره. قاله الشيخ الأمير. الثاني: قال ابن عرفة: وفي كونها لآخر التشهدين أو لآخره يعني الأذان معوضا الحيعلة بالحوقلة قولان لها، ولابن حبيب مع رواية ابن شعبان والمازري، وعلى الأوّل في قول التشهد مرة واحدة، ومعاودته إن عاوده المؤذن معه أو قبله، نقلا الباجي عن ابن القاسم، والقاضي والداوودي. وفيها لمالك: الذي يقع في قلبي إلى آخر التشهد، ولو فعل ذلك لم أر به بأسا، الشيخ: أي لو أتم الأذان مع المؤذن. وفيها: إن عجلها يعني الحكاية قبله فلا بأس. وروى علي: أحب إلي بعده. الباجي: إن كان في ذكر أو صلاة فالأول، وإلا فالثاني. انتهى. وقوله: مرة واحدة؛ يعني لا يحكي الترجيع. أشار له الحطاب. الثالث: يستفاد من قوله: "وحكايته لسامعه" أن معنى قوله الآتي: وحكايته قبله مع سماع بقيته. الرابع: يستفاد من قول الكتاب: إذا انتهى المؤذن إلى آخر الأذان يحكيه إن شاء أن حكاية أذان نفسه بعد فراغ أذانه جائزة لا مستحبة. الخامس: ظاهر الحديث أن الحاكي يقتصر على حكاية ما سمعه دون ما لم يسمعه كما تقدم، فلا يتحرى. والله سبحانه أعلم. السادس: إنما أبدل الحيعلة بالحوقلة؛ لأنها ذكر، فيوجر قائلها، ولمناسبتها دعاء المؤذن بالتبري من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله وقوته، وقائل الحيعلة داع إلى

стр. 767

الصلاة، وأجرها للمؤذن دون الحاكي، وإذا حكى أذان نفسه فإنَّه يحكيه بعد فراغه، وكذا مؤذن معه -كما مر-. وقد مر أنَّه تندب المتابعة. مثنى يعني أن الحاكي يحكي الأذان مثنى، فلا يحكي الترجيع، وقيل: يحكيه، وعبارة الحطاب؛ يعني به أي بقوله: "مثنى" أن الحاكي يكرر الشهادة مرتين، ولا يرجع كما يرجع المؤذن. انتهى. وفيه: والظاهر أن من لم يسمع التشهد الأوّل يحكيه في الترجيع، ولم أر فيه نصا ولكنه ظاهر، وفي كلام اللخمي ما يدلّ على ذلك. انتهى. ولا يحكي الصلاة خير من النوم، وقال الشيخ الأمير: قيل بل يقول صدِقت وبرِرت بكسر دال صدقت للمجاورة. قال ابن المرحل في باب فعل بالكسر: وقد صدقت وبررت يا فتى … كأن هذا مثل كذا أتى والظاهر أن المؤذن الذي يربع التكبير يحكي أولياه فقط؛ لأنه إذا ترك حكاية الترجيع المشروع فأولى التكبيرتان الأخيرتان، واستظهر بعضهم الحكاية لعموم: فقولوا مثل ما يقول ولو متنفلا مبالغة في قوله: "وحكايته لسامعه"؛ يعني أن المتنفل أي المصلي ما عدا الفرض يستحب له إذا سمع الأذان أن يحكيه، وإذا حكى ما بعد الشهادتين أبدل الحيعلة بالحوقلة، وإلا بطلت إن فعل ذلك عمدا أو جهلًا، ولفظ الصلاة خير من النوم يبطل الفرض والنفل. لا مفترضة يعني أن المفترض أي الذي يصلي الفرض أصليا أو منذورا كما في الشبراخيتي، تكره له حكاية الأذان ما دام فيها، ويحكيه بعد فراغه منها، وإن حكاه فيها صحت، فإن زاد على الشهادتين أبدل الحيعلة بالحوقلة، وإلا بطلت إن فعل ذلك عمدا أو جهلًا، كما مر في النفل. وقوله: "ولو متنفلا لا مفترضا" هذا هو المشهور فيهما. وعن سحنون: لا يحكيه في صلاة مطلقا. وعن ابن وهب: يحكيه مطلقا، هكذا في النوادر، وابن يونس. قاله الش. وفي ابن عرفة: فلو حيعل في صلاته، ففي بطلانها قولا عبد الحق عن بعض القرويين مع أبي عمر، والأصيلي مع الباجي عن رواية ابن خويزمنداد: أساء وتمت صلاته. تنبيهات: الأوّل: يستحب عند سماع المؤذن أن يقول ما في صحيح مسلم: (من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: رضيت بالله

стр. 768

ربا، وبمحمد رسولا، وبالإِسلام دينا. غفر له ذنبه (١)). وروي: وبمحمد نبيا، فيستحب الجمع بينهما فيقول: نبيا ورسولا، وروي بتقديم: وبالإِسلام دينا. كما في الحطاب. وروي: وأنا أشهد. فينبغي أن يقول مرة أشهد وأخرى وأنا أشهد. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. الثاني: روي عن الخضر ﵇: من قال حين يسمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله: مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمَّد بن عبد الله ﷺ ، ثمَّ يقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه لم يعم ولم يرمد أبدا. الثالث: من فاتته حكاية الأذان بالمتابعة، حكاه بعد الفراغ إن كان قريبا. الرابع: قال في الذخيرة: الحول معناه المحاولة والتحيل، والقوة معناها القدرة، ومعنى الكلام لا حيلة لنا ولا قدرة على شيء إلا بقدرة الله تعالى ومشيئته. انتهى. قال الدميري: وفي الصحيحين عنه ﷺ أنَّه قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من كنوز الجنة (٢))؛ أي أجرها مدخر لقائلها كما يدخر الكنز. وروى البيهقي عن الشعبي عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ ، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال ﷺ : (تدري ما تفسيرها؟ قلت: لا، قال: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. ثمَّ ضرب بيده على منكبي. قال: هكذا أخبرني جبريل ﵊ (٣)). انتهى. وفي قوله ﷺ : كنز من كنوز الجنة، إشارة إلى عظم الثواب الذي يحصل فيها ونفاسته، وإلا فجميع الثواب مدخر في الآخرة. وفي حديث رواه النسائي في اليوم والليلة، وذكره في الإحياء: (أن العبد إذا قالها قال الله تعالى أسلم عبدي واستسلم (٤)). قاله الحطاب.

стр. 769

الخامس: قال الدميري: الحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة إلا أن تؤلف من كلمتين كالحيعلة، ويقال بسمل إذا قال بسم الله، كحيعل وسبحل، إذا قال سبحن الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال جعلت فداءك. قاله المازري. عن المطرز. وزاد الثعلبي الطبلقة إذا قال أطال الله بقاءك، والدمعزة إذا قال أدام الله عزك، وعلى أن الحاكي يحكي الأذان كله، فقال الحطاب: لم أقف على ما يقول في كلام أحد من أهل المذهب إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم، وحكى النووي في ذلك خلافا، فقال: يقول صدقت وبررت أي بكسر الراء الأولى وسكون الثانية، وقيل: يقول: صدق رسول الله ﷺ : الصلاة خير من النوم. حكاه في الأذكار. واقتصر في منهاجه على الأوّل. قال الدميري في شرحه: وادعى ابن الرفعة أن خبرا ورد فيه، ولا يعرف ما قاله. السادس: كان الشيخ نور الدين الخراساني إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله يقبل إبهامي يديه اليمنى واليسرى عند كل تشهد، مرة يبدأ بالمؤق من ناحية الأنف، ويختم باللحاظ من ناحية الصدغ. وقال لمن سأله عن ذلك: إني كنت أفعله من غير رواية حديث، ثمَّ تركته فمرضت عيناي، فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: لم تركت مسح عينيك عند ذكري في الأذان؟ إن أردت أن تبرأ عيناك فعد إلى المسح، أو كما قال، ثمَّ استيقظت ومسحت، فبرئت عيناي، ولم يعاودني مرضهما إلى الآن. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقد مر ما نقل عن الخضر. السابع: يستحب أن يصلي على النبي ﷺ بعد الأذان، وأن يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته (١))، ثمَّ يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثمَّ صلوا علي فإنَّه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثمَّ سلوا لي

стр. 770

الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة (١)). وقوله: مقاما محمودا، كذا ثبت في الصحيح مُنَكَّرًا، وهو موافق للفظ الآية، أعني قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وفي مختصر الواضحة: ويستحب الدعاء عند الأذان وعند الإقامة فمما يستحب للرجل أن يقول إذا سمع المؤذن يقول الله أكبر: لبيك داعي الله سمع السامعون بحمد الله ونعمته، اللهم أفْضِلْ علينا وقِنَا عذاب النار، ثمَّ يقول مثل ما يقول. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يسمع الأذان اللهم رب هذه الدعوة النافعة والصلاة القائمة صل على محمَّد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة والشفاعة حلت عليه شفاعتي (٢))، أي وجبت أو غشيته كما في الحطاب. ووقع في بعض الكتب بعد والفضيلة زيادة: والدرجة الرفيعة، ولا وجود لها في كتب الحديث، وفي بعض زيادة: والدرجة الرفيعة، والكوثر والفضيلة؛ وهي غلط انظر الحطاب. والمراد بالدعوة التامة: الأذانُ، ووصفت الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله ويدعى بها إلى عبادته، وقوله: والصلاة القائمة؛ أي الصلاة التي ستقام وتفعل والوسيلة أصلها ما يتوسل به إلى الشيء، وقد فسرها في الحديث بأنها منزلة في الجنة، والمقام المحمود هو مقام الشفاعة. وقوله: الذي وعدته، بدل من قوله مقاما محمودا، لا نعت على رواية التنكير، ونعت على رواية التعريف. وفي الصحاح: حل العذاب يحل بالكسر: وجب. ويحل بالضم: نزل. وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]، قاله الحطاب. الثامن: يستحب للمؤذن أن يركع ركعتين على أثر أذانه، وليس بلازم قاله في مختصر الواضحة عن عبد الملك. وحدث عن ابن شهاب أنَّه قال: الركعتان من سنة الأذان إلا على أثر أذان صلاة المغرب. انتهى. وهذا في حق المؤذن، وأما من كان جالسا في المسجد فيكره له الركوع عند الأذان؛ أن يُجعَل ذلك سنةً. وأما إن صادف ذلك دخوله المسجد أو تنفله، فلا. قاله الإمام الحطاب.

стр. 771

وسيأتي هذا مع زيادة في فصل الجمعة عند قول المصنف: أو جالس عند الأذان وفي الطراز: ويجوز الكلام والمؤذن يؤذن، وقد كانت الصحابة تفعله. التاسع: إذا قلنا يحكيه في النافلة أو فيها وفي الفريضة فإنما يحكيه إلى التشهدين، ولو قلنا إن الحكاية في غير الصلاة إلى آخر الأذان. قاله الإمام الحطاب. وقد مر أن هذا القول إن فرعنا عليه تبدل الحيعلة بالحوقلة، فيتفق القولان هنا على أنَّه لا يجاوز الشهادتين ولو أبدل الحيعلة بالحوقلة. أشار له الإمام الحطاب. وقد مر الخلاف في بطلان صلاة من لم يبدل الحيعلة بالحوقلة. قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: إن العامد؛ أي لقول حي على الصلاة تبطل صلاته بلا خلاف، وأن الخلاف في الجاهل، المشهور أنَّه كالعامد. وأذان فذ إن سافر يعني أن الفذ المسافر والجماعة المسافرين الذين لم يطلبوا غيرهم، يندب له ولهم الأذان. والمراد بالسفر: السفر اللغوي، فيشمل من في غنمه أو في رعي أو حراسة، أو ذهب لحاجة فأدركه الوقت في البادية، وكذا من كان في فلاة من فذ أو جماعة لم تطلب غيرها. وعبارة الأمير: وندب لفذ ولجماعة غير طالبة إن كانا بفلاة؛ وهو معنى السفر في الأصل. انتهى. والأصل في ذلك ما رواه إمامنا مالك في الموطإ من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة (١)). قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ ، ورواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ، وروي في الموطإ أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان يقول: (من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك فإن أذن وأقام الصلاة أو أقام صلى ورآه من الملائكة أمثال الجبال (٢))، وقوله: في الحديث الأوّل: إني أراك تحب الغنم والبادية، هو من قول أبي سعيد للراوي عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وليس من قول النبي ﷺ لأبي سعيد الخدري، وقوله: مدى صوت المؤذن بفتح الميم مقصور

стр. 772

يكتب بالياء؛ وهو غاية الشيء، والمعنى: لا يسمع غاية صوته الخ. قال ابن حجر، قال البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه منتهى صوته؛ فلأن يشهد له من دنا منه وسمع مبادئ صوته، أولى. انتهى. وظاهر كلام ابن حجر وغيره. أن الشهادة هنا على بابها، ورأيت في حاشية نسخة من الموطإ عن ابن القطان أن الشهادة هنا بمعنى الشفاعة، قال ابن حجر: والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة. قاله ابن المنير. وقال غيره: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما أن الله تعالى يفضح بالشهادة أقواما، فكذلك يكرم بالشهادة آخرين. وفي حديث آخر: (المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس (١))، ورواه النسائي: (المؤذن يغفر له مد صوته (٢)). فعلى رواية مدى صوته، يكون منصوبا على الظرفية، وعلى رواية مد صوته، يكون مرفوعًا على النيابة؛ والمعنى أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته، وقيل: تمد له الرحمة بقدر مد الأذان، وقال الخطابي: المعنى أنَّه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية في المغفرة إذا بلغ الغاية في رفع الصوت. والفرق بين الفذ والجماعة التي لم تطلب في السفر وبينهما في الحضر، أن الأولين بموضع ليس فيه إظهار شعائر الإِسلام فشرع لهما إظهارها وسرايا المسلمين تقصده فاحتاجا للذب عن أنفسهما، بخلافهما في الحضر لاندراجهما في شعائر غيرهما وصيانته. أشار له الحطاب. واستحباب الأذان للفذ المسافر ومن في حكمه منصوص للإمام مالك وابن حبيب، فعزو ابن بشير وابن شأس وابن الحاجب: استحباب ذلك للمتأخرين، قصور. قاله الحطاب. لا جماعة لم تطلب غيرها يعني أن الجماعة الحاضرة التي لا تطلب غيرها، لا يندب لهم الأذان إن لم يتوقف إعلام غيرهم بدخول الوقت على أذانهم، وإلا كان سنة. قاله الشيخ إبراهيم. ولم يعلم منه حكم الأذان لهم، والأولى تركه. قال الإمام الحطاب: فهم من كلام المصنف أن الأذان لا يستحب

стр. 773

للفذ في غير السفر، ولا الجماعة التي لم تطلب غيرها. وإذا قلنا: لا يستحب، فهل هو مكروه أو مباح؟ ظاهر كلامهم أن الأولى تركه. انتهى. وقال الشيخ الأمير: إنه مكروه للفذ بحضر والجماعة بحضر، لم تطلب غيرها. وأما الجماعة المسافرون فقد مر أنَّه يندب لهم إن لم يطلبوا غيرهم، وقال الشيخ أحمد: يسن لهم، وعلى الأوّل فمحله: إن لم يتوقف إعلام غيرهم بدخول الوقت على أذانهم، وإلا سن لهم. كما قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: على المختار يعني به أن ما ذكر من أن الجماعة الحاضرة التي لا تطلب غيرها ليسوا مأمورين بالأذان؛ هو قول ابن حبيب، واختاره اللخمي. ومقابله قائل بندبه لهم. قاله الخرشي. قال ابن عرفة: ابن حبيب: الفذ الحاضر والجماعة المنفردة لا أذان عليهم. مالك: إن أذنوا فَحَسنٌ، ومرة لا أحبه، فقال اللخمي والمازري: خلاف. ورده ابن بشير يحمل نهيه على نفي تأكده كالجماعة، لا على نفي حسنه لأنه ذكر وروى أبو عمر لا أحب لفذ تركه. وبما قررت علم أن قوله: "لا جماعة"، عطف على فذ من قوله: وأذان فذ إن سافر، وأن قوله: "وأذان فذ"، مفهوم قوله: أول الفصل: "سن الأذان لجماعة"، وأن قوله: "لا جماعة لم تطلب"، مفهوم قوله: "طلبت غيرها". وجاز أعمى يعني أنَّه يجوز أن يكون المؤذن أعمى بشرط أن يكون تبعًا لغيره أو لمعرفة من يثق به في الوقت، وهو أفضل من العبد، والعبد أفضل من الأعرابي، والأعرابي أفضل من ولد الزنى. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه للإمام الحطاب. عن أشهب، وزاد: وكل جائز ومؤذنوه ﷺ خمسة، نظمهم بعضهم فقال: عمرو بلال وأبو محذوره … سعد زياد خمسة مشهوره قد أذنوا جميعهم للمصطفى … نالوا بذاك رتبة وشرفا ونظمهم البرماوي بقوله: لخير الورى خمس من الغر أذنوا … بلال ندي الصوت بدءا يعين وعمرو الذي أم [لمكتوم (١)] امه … وبالقرظ اذكر سعدهم إذ يبين وأوس أبو محذورة وبمكة … زياد الصداءي نجل حارث يعلن

стр. 774

وسعد القرظ بالإضافة؛ هو ابن عابد مولى عمار بن ياسر، وكان يلزم التجارة في القرظ فعرف بذلك. والقرظ بالتحريك: ورق السلم، والصدائي بضم الصاد المهملة نسبة إلى صداء كغراب: حي باليمن. قاله الشيخ الأمير. وعمرو أحد قولين في اسم ابن أم مكتوم، وقيل: اسمه عبد الله، وأمه عاتكة المخزومية، وكنيت به لأنها ولدته مكتوم البصر قاله الأمير. وقال الإمام الحطاب: ولا يختلف في جواز أذانه؛ يعني الأعمى إذا كان من أهل الثقة والأمانة، إلا أنَّه لا يرجع في الوقت إلى ما يقع في نفسه دون أن يَسْتَخْير من يثق به ويتثبت في أمره. وأول مؤذن في الإِسلام بلال، ولم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ غير مرة لعمر حين دخل الشام، فبكى الناس بكاء شديدا. وروى ابن أبي شيبة وابن عبد البر أنَّه أذن لأبي بكر إلى أن مات، ولم يؤذن لعمر. وتَعَدُّدُه يعني أنَّه يجوز تعدد المؤذن في المكان الواحد مسجدًا أو مركبا أو محرسا برا أو بحرا، سفرا أو حضرا. ومعنى التعدد أن يكون كل مؤذن بجانب. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "وتعدده"؛ بأن يكون كل مؤذن بجانب من مكان واحد معد للصلاة، ويدخل في كلامه تعدده من مؤذن واحد مرات في المسجد. قاله بعضهم. لكن نص سند على كراهته. انتهى. وقال الخرشي: يعني أنَّه يجوز تعدد المؤذن في المكان الواحد مسجدًا أو مركبا أو محرسا بحرا أو برا، سفرا أو حضرا، فإن قيل المسجد لا يأتي في السفر، ولا في البحر أجيب بأن المراد به ما يُعَد لصلاة الجماعة، فيتأتى فيما ذكر، ويدخل في كلامه تعدده من مؤذن واحد مرات في المسجد. قاله بعضهم. لكن نص سند على كراهته. انتهى. وهذا الذي ذكره هذا البعض إنما يأتي على أن الضمير عائد على الأذان، والظاهر خلافه، وأنه إنما يعود على المؤذن. والله أعلم. وقال الأمير: وجاز تعدده؛ أي الأذان بمسجد، وكره من الواحد واستظهر الحطاب الجواز حيث انتقل لركن آخر منه. انتهى. وسيأتي لعبد الباقي وغيره عند قوله: "كأذانه" أي المعيد لصلاته، أنَّه يجوز لمن أذن بموضع أذانه بموضع آخر للصلاة التي أذن لها؛ يعني ولم يصلها. قال الإمام الحطاب: واعلم أن غالب عبارة أهل المذهب كعبارة المصنف، أن تعدد المؤذنين جائز، ولكن استدلالهم لذلك بتعدد المؤذنين في زمانه ﷺ ، وفي زمن الخلفاء بعده يشعر بأن ذلك مطلوب، خصوصا كلام صاحب المدخل، فإنَّه قال: في صلاة الصبح وقد رتب الشَّارع صلوات الله

стр. 775

وسلامه عليه أذانا قبل طلوع الفجر، وأذانا عند طلوعه، وسيأتي أيضًا من كلامه ما يدلّ على أن ذلك مطلوب. والله أعلم. انتهى. وذكر عبد الوهاب أن الشافعي لا يجيز إلا أربعة، وأنكره ابن الصباغ من الشافعية، وقال لم يذكره غيره من أصحابنا. قال: وظاهر كلام الشافعي جواز الزيادة بأي عدد، إلا أنَّه لا يحب أن ينقص عن اثنين. انتهى. وقال ابن حبيب: رأيت بالمدينة ثلاثة عشر مؤذنا، وكذلك بمكة يؤذنون معا في أركان المسجد كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، وذلك يبين أنهم كانوا لا يراعون العدد اليسير. نقله الحطاب. قال: ولفظه في مختصر الواضحة: ولا بأس أن يؤذن النفر في المسجد الواحد وقد أذن لرسول الله ﷺ بلال، وأبو محذورة، وسعد القرظ، وعبد الله بن أم مكتوم. قال عبد الملك: وقد رأيت مؤذني المدينة ومكة ثلاثة عشر، ورأيتهم يؤذنون في أركان المسجد في كل ركان مؤذنون يندفعون في الأذان معا، إلا أن كل واحد منهم في أذان نفسه. وأما أذانهم واحدا بعد واحد -مثل ما عندنا ببلدنا- فلا بأس أن يؤذن الخمسة إلى العشرة، ونحو ذلك في الظهر والعشاء والصبح؛ لأنَّ وقتها واسع، وفي العصر نحو الثلاثة إلى الخمسة؛ لأنَّ وقتها ليس بواسع، وأما المغرب فلا يؤذن لها إلا واحد لضيق وقتها، يريد: أو جماعة في مرة واحدة. وترتبهم يعني أنَّه إذا قلنا بجواز تعدد المؤذن، فإنَّه يجوز ترتبهم بأن يؤذنوا واحدا بعد واحد؛ أي يؤذن الأوّل ويفرغ، ثمَّ الثاني ويفرغ، وهكذا، وهذا هو الأفضل. وعبارة الأمير: والأفضل ترتبهم إذا لم يفيتوا فضيلة الوقت. ابن عرفة: أو مترتبون كعشرة في الصبح والظهر والعشاء، وخمسة في العصر، وفي المغرب واحد. انتهى. الشبراخيتي: ويكون على حسب سعة الوقت من الخمسة إلى العشرة في الصبح والظهر والعشاء، وفي العصر من الثلاثة إلى الخمسة، فإن كثر عددهم على ذلك وابتغوا الثواب، فالأفضل، ثمَّ الأسبق، ثمَّ اقترعوا. انتهى. إلا المغرب مستثنى من قوله: "وترتبهم"؛ يعني أنَّه لا يجوز الترتب في المغرب فيمنع إن أدى إلى خروج وقتها الاختياري وكذا غيرها، وإلا كره، ويكره في غيرها أيضًا إن أدى إلى تأخيرها عن
следующие страницы →