أو أرض لعشر، يعني أنه يجوز له أن يبيع أرضه ويستثني منفعتها عشر سنين ويقبضها المشتري بعد ذلك. قال الخرشي: قال في المدونة وكذلك يجوز له أن يبيع أرضه ويستثني منفعتها عشرة أعوام ويقبضها المشتري بعد ذلك لقوة الأمن. قاله في التوضيح عن ابن القاسم. اهـ. وقال عبد الباقي: وبيع أرض واستثناء البائع منفعتها لعشر من السنين على أن تقبض بعدها لقوة الأمن فيها، فاغتفر فيها بيع معين يتأخر قبضه، وأما الحيوان فلا يجوز استثناء منفعته أكثر من عشرة أيام لسرعة التغير فيه كذا لبعض. اهـ. قال التاودي: مقتضاه جواز استثناء عشرة أيام في الحيوان، ويأتي للمص: وبيعها واستثناء ركوبها الثلاثَ لا جمعة لخ، اهـ. وقال عبد الباقي ما نصه: وقال أحمد: المشهور جواز العقد على منفعة عبد أو دابة لتقبض بعد شهر، وإنما يمنع بشرط النقد خاصة. انتهى. قال محشيه محمد بن الحسن: ما قاله أحمد هو قول المدونة ونصها: وأما إن اكترى الراحلة بعينها على أن لا يركبها إلى ثلاثين يوما ونحوها فلا يجوز الكراء بالنقد ويجوز بغير النقد. اهـ. وقال عبد الباقي: ولم يذكر المص هنا إيجار دار على أن تقبض بعد عام يستثنيه المؤجر لأنه داخل في قوله قبل "واستئجار مؤجر أو مستثنى منفعته" ويجوز النقد في ذلك، فإن أوجرت لتقبض بعد أكثر من عام جاز العقد لا النقد، وضمانها في مدة الاستثناء الجائز وما زيد عليها من المشتري؛ لأن الضمان منه في الصحيح بالعقد، وفي الممنوع من البائع؛ لأنه بيع فاسد لم يقبض، وعلم مما قررنا أن اللام في لعشر بمعنى بعدَ، ويصح جعلها بمعنى إلى، وعلى كل فهو معطوف على بعد عام المعمول لتقبض، كما أن قوله: أوأرض بالجر عطف على دار ففيه العطف على معمولي عاملين مختلفين وهو لا يجوز على الصحيح. اهـ.
تنبيهان: الأول: وجه ذكر هاتين المسألتين هنا أنه إذا باع الدار مثلا بمائة لتقبض بعد عام فقد باعها بالمائة والانتفاع بالدار تلك المدة، ولا شك أن الانتفاع من الإجارة فهي لها ارتباط بهذا الباب، ويقال مثل ذلك في قوله أو أرض لعشر. الثاني: قال عبد الباقي: قال أحمد: فإن انهدمت الدار في مدة الاستثناء فلا رجوع للبائع فيما اشترطه من السكنى في قول ابن القاسم إلا أن يبنيها المبتاع في أثناء المدة فيسكنها البائع إلى تمام السنة، ومثل هذا الدابة تباع ويشترط البائع ركوبها اليوم واليومين، فإن تلفت الدابة فمصيبتها من المبتاع ولا يرجع البائع على
стр. 7282
المشتري بما ينوب الركوب. اهـ. ومن الممنوع شراء شيء بعينه على أن لا يقبضه المبتاع إلا إلى أجل إلا ما له وجه، كبيع دار واستثناء سكناها شهرا، أو دابة يستثني ركوبها يومين، أو زرع يبس على كيل يتأخر خمسة عشر يوما، أو تمر كذلك. قال مالك: ومن اشترى طعاما بعينه على شرط أن يكتاله إلى يومين أو ثلاثة لا بأس بذلك. قال ابن القاسم: وكذلك السلع كلها عندي وهو فيها أبين. انتهى.
واسترضاع؛ يعني أن الإجارة على الاسترضاع جائزة لنص القرآن العزيز وللضرورة الداعية إلى ذلك، فلا يدخل في قوله الآتي: بلا استيفاء عين قصدا، وسواء كانت أجرة الظئر نقدا أو عرضا أو طعاما، ولا يكون من بيع الطعام بالطعام إلى أجل، وقوله: واسترضاع.
قال مفيده عفا الله عنه: الظاهر أنه في الآدمي وغيره، قال عبد الباقي: ولو كان الرضيع محرم الأكل جاز أن تكون (١) له حمارة ترضعه للضرورة. اهـ. ونحوه في الخرشي وغيره. وقال بناني عند قول عبد الباقي: ولا يكون من بيع الطعام بالطعام ما نصه: قال في المدونة: وكذلك إن اشترطت عليهم طعامها وكسوتها. ابن يونس: ولا يدخل في ذلك طعام بطعام إلى أجل؛ لأن النهي إنما ورد في الأطعمة التي جرت عادة الناس أن يقتاتوا بها ويأتدموها، وأما الوضاع فقد جرى العمل على جوازه في مثل هذا ولا خلاف فيه، ولأن اللبن الذي يرضعه الصبي لا قدر له من الثمن، وإنما أكثر الإجارة لقيامها بالصبي وتكلفها مؤنته، فكان اللبن في جانب ذلك لا قدر له. انتهى. وقال المواق: من المدونة قال مالك: لا بأس بإجارة الظئر على رضاع الصبي حولا وحولين بكذا، وكذلك إن شرطت عليهم طعامها وكسوتها فهو جائز. ابن حبيب: وذلك معروف على قدرها وقدر هيئتها وقدر أبي الصبي في غناه وفقره. ابن يونس: ولا يدخل في ذلك طعام بطعام إلى أجل، إلى آخر ما مر.
والعرف في كغسل خرقه، مبتدأ وخبره؛ يعني أن العرف يتبع في غسل خرق الصبي وشبهه، فإن جرى العرف بذلك على أحد كان عليه، وإن لم يكن عرف كان ذلك على الأب، قال عبد
стр. 7283
الباقي: والعرف معتبر أو يعتبر أو يحملان عليه في كغسل خرقه وحميمه ودق ريحانه ونحو ذلك إن وجد عرف، وإلا فعلى الأب على المعتمد. انتهى. وقوله: وحميمه، قال بناني: قال عياض: تحميم الصبيان غسلهم بالحميم وهو الماء الحار. اهـ. وقال الخرشي: وأما غسل خرقه وجسمه ودهنه ودق ريحانه فيحمل ذلك على عرف الناس، فإن لم يكن عرف فليس عليها غير الرضاع إلا لشرط، وقوله: واسترضاع، قال اللخمي: هذا إذا كان الولد حاضرا لترى سنة وتعلم قوة رضاعة، فإن كان غائبا فإنك لا يجوز إلا بعد معرفة سنة، وتجوز الإجارة بالدنانير والدراهم والعروض والطعام. اهـ. وقال المواق: من المدونة: ويحملون فيما يحتاج إليه الصبي من المؤنة في غسل خرقه وحميمه ودهنه ودق ريحانه وطيبه على ما تعارفه الناس. اهـ. وقال التتائي: والعرف عند الناس يحملان عليه في كغسل خرقه وربطه في تحميمه وحمله. اللخمي: ما يحتاج إليه الولد من ريحانٍ أو زيت أو غسل خرقه غير داخل في الأجرة إلا أن تكون العادة أنها فيما لها. ابن حبيبْ فإن لم يكن عرف فليس عليها غير الإرضاع إلا لشرط. اهـ. وقوله: والعرف في كغسل خرقه، هو محل اتفاق، فإن لم يكن عرف فالمشهور أنها على الأب كما عرفت، وقيل: على الظئر. انظر الحطاب.
ولزوجها فسخه إن لم يأذن؛ يعني أن المرأة إذا آجرت نفسها للرضاعة بغير إذن زوجها فإن له أن يفسخ الإجارة لما يلحقه من الضرر: وسواء كان له ولد منها أم لا، كانت شريفة أم لا وله أن يجيزه، فلو لم يعلم زوجها بذلك إلا بعد أن طلقها فليس له فسخه، والمذهب أن الشريفة إذا آجرت نفسها لرضاع ولد غيرها أن الإجارة لازمة لها ليس لأبيها ولا أخيها فسخه، وقال اللخمي: أرى لأبيها أو أخيها الفسخ إذا أدركه معرة من ذلك. قاله الخرشي وغيره. وقوله: ولزوجها فسخه إن لم يأذن فإن لم يعلم إلا بعد مدة فما مضى من الأجرة لها دون الزوج إذ ليس له منها إلا منافع الأشياء الباطنة؛ وقوله: إن لم يأذن فإن أذن فلا؛ وفي الحطاب: قال فيها: وترضعه حيث اشترطوا وإن لم يشترطوا موضعا فشأن الناس الإرضاع عند الأبوين إلا امرأة لا يرضع مثلها عند الناس، أو يكون الأب وضيعا لا يرضع مثلها عنده فذلك لها، وقال أبو الحسن اللخمي: ورضاع الولد في بيتها إلا أن تكون العادة رضاعه عند أبويه. اهـ. وقال المواق: من
стр. 7284
المدونة قال مالك: وليس لزوجها وطؤها إن واجرت نفسها بإذنه وإن كان بغير إذنه فله أن يفسخ إجارتها.
كأهل الطفل إذا حملت، التشبيه في فسخ الإجارة يعني أن الظئر المستأجرة للرضاع إذا حملت فلأهل الطفل ولو أما ولذا عبر بأهل دون ولي أن يفسخوا الإجارة لأن لبنها حينئذ يضر بالطفل، ولها بحساب ما أرضعت؛ وفي الحطاب: قوله: كأهل الطفل إذا حملت ولهم فسخ الإجارة إلا أن يخاف على الصبي الموت فيكون عليهم فسخ الإجارة، وإن خيف عليه ضرر غير الموت فيكون لهم تركه ولكن على الكراهة؛ قال أبو الحسن: وهذا والله أعلم إذا لم يتحقق الضرر. وفي المدونة: ولا يلزمها أن تأتي بغيرها. أبو الحسن: ولا يلزم الأب ذلك إذا طلبته هي وإن تراضيا على ذلك، فإن كان نقدها الأجرة فلا يجوز لأنه فسخ دين في دين على أصل ابن القاسم، وإن لم ينقد جاز. اهـ. وقال الشيخ محمد بن الحسن بناني: وقع في الخرشي ما نصه: فإن كانت أكلت الأجرة لم تحسب عليها لأنه تطوع بدفعها. قاله ابن عبد السلام. اهـ. وانظره فإنما نقله في التوضيح عن ابن عبد الحكم ولعله مقابل كما يعلم فتأمله مع ما في التوضيح، ونصه: ولا يلزمها أن تأتي بأخرى ترضعه، قال في المدونة: ولا يجوز أن تأتي بالغير إن نقدها الأجرة لأنه فسخ دين في دين على أصل ابن القاسم وإلا جاز. اهـ. ونقله الحطاب، فهذا صريح في خلاف ما في الخرشي، وكذا يرد بقول المدونة: وإن هلك الأب فحصة ما بقي في مال الولد قدمه الأب أو لم يقدمه، وترجع حصة باقي المدة إن قدمه الأب ميراثا وليس ذلك عطية وجبت. اهـ. وفي المواق: ومن المدونة وإذا حملت الظئر فخيف على الصبي فلهم فسخ الإجارة ولا يلزمها أن تأتي بغيرها ترضعه لأنها إنما اكتريت على رضاعه بعينها، وإن سافر الأبوان فليس لهما أخذ الصبي إلا أن يدفعا إلى الظئر جميع الأجرة. اهـ.
وموت إحدى الظئرين؛ يعني أنه إذا استأجر ظئرين معا في عقد واحد لرضاع لطفل فماتت إحداهما فللثانية فسخ العقد ولها أن ترضى برضاع الطفل وحدها، وأما إذا استأجر واحدة بعد أخرى تطوعا فماتت الثانية فالرضاع للأولى لازم، وإن. ماتت الأولى فعليه أن يأتي بأخرى ترضعه مع الثانية، كما في المدونة؛ قال عبد الحق: هذا إن كانت عالمة حين إجارتها أنها ثانية وإلا
стр. 7285
لزمتهما. قاله حمديس. ومحل خيار الظئر الباقية ما لم يأت أبو الولد بمن يشاركها في الرضاع وإلا فلا خيار لها، إذا استمرت الباقية ترضعه وقامت تطلب ما كان لها وللأولى بعد انقضاء المدة أي واستأجرهما صفقة واحدة بأجرة معلومة فليس لها إلا قدر ما يخصها لأنها متبرعة لقدرتها على الفسخ. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وللظئر فسخ الإجارة في موت إحدى (١) الظئرين المستأجرتين بعقد واحد أو بعقدين وعلمت الثانية بالأولى التي ماتت فللباقية الفسخ: وليس لرب (٢) الطفل إلزامها برضاعهِ يومًا بعد يوم كما كانت زمن الأولى التي ماتت لكثرته منه حال عدم رضاعه كل يوم. اهـ. وإنما يلزم الثانية الرضاع كله كما يلزم الحميل الثاني جميع الكفالة مع علمه بالأول (٣) للفرق بأنه دخل على جميع المال، وهي إنما دخلت على نصف مؤنة الولد، وقوله: الظئرين، تثنية ظئر - بكسر الظاء مهموزا همزة ساكنة وقد تسهل - المرضع غير ولدها جمعه أظْؤر وأظئار وظُؤْور وظؤار بضم الظاء. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الأقسام ثلاثة: أن يستأجرهما صفقة واحدة فماتت إحداهما فللباقية الفسخ، إلا أن يأتي بمن ترضع معها فيلزمها الرضاع. الثاني: أن يستأجرهما مترتبتين وعلمت الثانية بالأولى فعليه أن يأتي بمن تشاركها ويلزمها الرضاع، كما يلزمها إن لم تعلم بالأولى. القسم الثالث: أن يستأجرهما مترتبتين لأن الأولى اشترطت عليه أن يستأجر معها أخرى، والظاهر في هذه أنه إن ماتت الثانية فللأولى الخيار إلا أن يأتي بمن تشاركها، وأنه إن ماتت الأولى فإن علمت الثانية حين العقد بالأولى فعليه إن (٤) لم يأت بمن تشاركها، وإن لم تعلم لزمها الرضاع. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: وقع في الحطاب وغيره عند قول المص: وموت إحدى الظئرين ما نصه: يريد المص إذا استأجرهما جميعا أو استأجر الثانية بعد الأولى وعلمت بها، قال في المدونة: ومن واجر ظئرين فماتت واحدة فللباقية أن لا ترضع وحدها، ومن واجر واحدة ثم واجر أخرى فماتت الثانية
стр. 7286
فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن ترضع مع الثانية. قال أبو الحسن: قال عبد الحق: هذا إن علم، حين الإجارة لخ، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحطاب وغيره صريح في أن للثانية الخيار حيث علمت بالأولى والميتة الأولى، وقد علمت أن الذي في المدونة إنما هو على الأب أن يأتي بمن ترضع معها، يفيد أنه يقضى لها على الأب بأن يأتي بمن ترضع معها بخلاف الأولى. والله سبحانه أعلم. وعبارة التتائي: وربما أشعر كلام المص بأنه استأجرهما معا وهو كذلك، ففي المدونة عقب نصها السابق: وإن واجر واحدة بعد أخرف تطوعا فماتت الثانية فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن يرضع مع الثانية. قال عبد الحق: هذا إذا علمت لخ، وهذا كالصريح في أن الحكم في المسألتين مختلف، ولم ينقل المواق عن المص هنا إلا مواجرة الظئرين في عقد واحد، وكلام الخرشي في كبيره صريح أو كالصريح في ذلك أيضا. والله تعالى أعلم.
وموت أبيه ولم تقبض أجرة؛ يعني أن للِظئرِ أن تفسخ عقد الإجارة إذا مات أبو الرضيع والحال أن الظنر لم تقبض أجرتها قبل موت أبي الرضيع كلا أو بعضا، كما في الخرشي وغيره؛ يريد ولم يترك الأب مالا. قاله غير واحد. قوله: ولم يترك الأب مالا، نحوه في المدونة وليس مفهومه أنه لو ترك مالا يكون في ماله ولا تفسخ الإجارة، بل مفهومه أنه لو ترك الأب مالا لم يكن لها الفسخ ولكن تكون أجرتها في نصيب الولد من إرثه، كما أن مفهوم ولم تقبض، أنها إذا قبضت لا تفسخ ولو كان عديما ويتبع الورثة الصبي، كما قاله ابن يونس وأبو الحسن قاله بناني. والله سبحانه أعلم.
إلا أن يتطوع بها متطوع. يعنى أن محل كون الظئر لها أن تفسخ عقد الإجارة حيث مات أبو الصبي والحال أنها لم تقبض الإجارة ولا مال للصبي كما عرفت حيث لم يتطوع بها متطوع، وأما إن تطوع لها بالأجرة متطوع فإن الإجارة لا تفسخ ويلزمها الرضاع قال عبد الباقي إلا أن ينطوع بها متطوع فلا فسخ لها، كما إذا قبضتها من أبيه قبل موته فلا فسخ لها ولا للورثة وإن كانوا يحاسبون الرضيع بما زاد على يوم موت الأب من إرثه، فإن زاد لهم شيء رجعوا به على
стр. 7287
مال الرضيع لا على الظئر، فليس إعطاء الأب (١) أجرة رضاعه هبة منه له، وإنما إرضاعه فرض انقطع بموته، ولو كان هبة للرضيع لرجع ميراثا بينه وبين الأم عند موت الصبي، مع أنه يختص به الأب دونها، فيرجع به على الظئر؛ ذكرفى في المدونة فارقا بينه وبين التزام ثمن الأجنبي (٢) اشترى شيئا ثم مات الملتزم فليزمه في ماله لأنه أوجبه في ماله فلزم بعد موته، بخلاف رضاع ولده فواجب عليه أصالة وبموته انقطع وجوبه عليه. اهـ. قوله: اشترى شيئا، قال بناني: صوابه باع شيئا بدل اشترى، كما في المدونة. انتهى. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: قال في المدونة: وإن هلك الأب فحصة باقي المدة من الأجر [في مال الولد قدمه الأب أو لم يقدمه وترجع ححمة باقي المدة من الأجر] (٣) إن قدمه الأب ميراثا، وليس ذلك عطية وجبت إذ لو مات الصبي لم تورث عنه وكان للأب خاصة دون أمه ففارق معنى الضمان. اهـ. قال في النكت وهذا بخلاف ما إذا قدم الأب أجرة تعليم ولده ثم مات فإنها لا تكون ميراثا، والفرق بينهما أن التعليم لا يلزم الأب، فلما أوجبه على نفسه لزمه حيا وميتا، وأما أجرة الرضاع فهي واجبة على الأب، فإنما قدم ما يلزمه فإذا مات ينقطع ذلك؛ إلا أن يعلم أن الأب قدم ذلك خوف الموت فيكون عطية أوجبها في صحته (٤) في فلا سبيل إلى أن تكون ميراثا، وتستوي أجرة الظئر وأجرة التعليم. وأعرف نحو هذا التفسير لابن المواز. اهـ. وقال الشبراخيتي عند قوله: ولم تقبض أجرة، ولو قبضت أجرة مستقبلة قبل موت الأب فقال ابن عرفة: في كونها لورثته أو للولد، ثالثها مناب الزائد على كامين للولد لابن القاسم مع روايته، ولأشهب، واللخمي قاثلا: لأنه هبة له، وعلى كونه للورثة ففي أخذه لبنًا أو أجرة نقلا اللخمي مصوبا الثاني كموت الصبي والأب حي. اهـ. قوله: ففي أخذه لبنًا بأن يأتوا لها بولد ترضعه. انتهى. وقال التتائي: ولو مات الأب في أثناح المدة فمناب ماضيها عليه، ولا مقال للورثة، ومناب باقيها على الولد فإن لم يكن له مال ولا تطوع بها متطوع
стр. 7288
فلها الفسخ، فلو قالت: أرضعه لأتبعه، فلا اتباع لها إن طرأ له مال كنفقة على يتيم. اهـ؛ يعني لا مال له، وأشهد أنه يتبعه إن طرأ له مال فذلك غير لازم له. والله سبحانه أعلم.
وَكظُهُورِ مُسْتَأجَرِ أوجِرَ بأكْلِهِ أكُولاً؛ يعني أن من استأجر أجيرا بأكله فظهر أنه أكول أي كثير الأكل فإن له أنَّ يفسخ الإجارة لأنه كعيب ظهر به، إلا أن يرضى الأجير بأكل وسط فليس للمستأجر أن يفسخ الإجارة. قال الشبراخيتي: وكظهور مستأجَر بفتح الجيم أوجر بأكله فظهر أكولا خارجا عن المعتاد إلا أن يرضى الأجير بطعام وسط فليس للمستأجر الفسخ، ولو رضي المستأجر أن يعطي الأكول الطعام الوسط وأبى الأجير من ذلك فليس للمستأجر جبره على ذلك، وهذا بخلاف الزوجة تظهر أكولة فلا كلام للزوج وهي مصيبة نزلت به، والفرق أن النكاح مبني على المكارمة، والإجارة من ناحية البيع وهو مبني على المشاحة، ومقتضى الفرق المذكور الخيار في عبد مبيع ظهر أكولا، ولكن أفتى الناصر اللقاني بعدم رده لأنهم لم يعدوه من عيوب المبيع المتقدمة، ولأن له مندوحة وهي بيعه بعد، قال عبد الباقي: وفيه نظر؛ لأن المص لم يحصر عيوب المبيع، بل قال: وبما العادة السلامة منه، ثم ذكر أمثلة بالكاف تدل على عدم الحصر، وما ذكره من قدرته يرد بأنه قد لا يجد من يبلغه ثمنه، وجملة أوجر صفة، وأكولا حال من الضمير المضاف إليه؛ لأن المضاف صالح للعمل في المضاف إليه، بل المظاهر أنه حال من مستأجر والعامل فيه ظهور. اهـ. وقوله: أكولا، صفة مبالغة فقد استغنى عن قول ابن يونس: خارجا عن عادة الناس في الأكل. قاله الخرشي. وقال المواق: ابن يونس: إن وجد الأجير الذي استأجره بطعامه أكولا خارجا عن عادة الناس في الأكل فقال في المبسوط: له أن يفسخ إجارته. ابن يونس: لأند كعيب به إلا أن يرضى الأجير بطعام وسط، وأما إن تزوج امرأة فوجدها أكولة خارجة عن عادة الناس فليس له فسخ نكاحها، فإما أشبعها أو طلقها؛ لأن المرأة لا ترد إلا بالعيوب الأربعة، فهو كما لو وجدها عوراء أو سوداء ولو شاء لاستثبت (١)). انتهى.
стр. 7289
ومنع زوج رضي من وطء ولو لم يضر، فصل بين مسائل الرضاع بقوله: وكظهور مستأجر لخ، لأنها نظيرة المسائل المتقدمة في الخيار. والله سبحانه أعلم ومعنى كلام المص أنه إذا رضي الزوج بأن تواجر زوجته نفسها للرضاع وفعلت، أو واجرت نفسها بغير إذنه ورضي بذلك، فإن الإجارة تلزم ولو كانت شريفة لا يلزمها رضاع ولدها، ويمنع الزوج حينئذ من وطئها، وسواء كان وطؤه يضر بالطفل أم لا، وسواء اشترط ذلك عليه أم لا، خلافا لأصبغ في قوله: لا يمنع إلا بالشرط أو حصول الضرر، فقوله: من وطء، متعلق بمنع، وأقاموا من منع الزوج من الوطء لو اختلعت على رضاع ولدها فليس لها أن تتزوج حتى تتم رضاعه. قاله أبو إبراهيم. وانظر لو بأن أنه تزوج بمن آجرت نفسها ظئرا لترضع في بيت الصبي هل هو عيب يوجب فسخ نكاحها؟ قال ابن عرفة: الأظهر أنه عيب، ومفهوم زوج أن السيد لا يمنع والعلة تقتضي استواءهما. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: قال في الحاشية: وينبغي، وكذلك السيد، وقوله: ومنع زوج رضي لخ، فلو تعدى ووطئ هل تفسخ الاجارة أم لا؟ قولان، قيل: إن لأهل الطفل الفسخ، وقيل: ليس لهم الفسخ، وقوله: ولو لم يضر؛ لأنه مظنة الضرر أي فهو تعليل بالظنة، واختلفوا في تعليل استئذان الزوج، قال في التوضيح: وجعل ابن القاسم استئذانه لأجل حقه بالأصالة في الوطء، وجعل أصبغ استئذانه من المعرة والمضرة. قاله الخرشي. وقال الحطاب: فإن وطئ فلأبي الرضيع فسخ الإجارة لا يتقى من الضرر. قاله مالك وابن القاسم. وخالفهما ابن الماجشون ولم يفسخه. اهـ.
وسفر، عطف على قوله: من وطء؛ يعني أن الزوج كما يمنع من وطء زوجته المستأجرة للرضاع بإذنه يمنع من السفر بها حينئذ، وإن كان ذلك بغير إذنه فله أن يفسخ الإجارة ويسافر بها، وأما سفر الأبوين بالولد فليس لهما إلا أن يدفعا للظئر جميع الأجرة كما في المدونة.
كأن ترضع معه تشبيه في المنع؛ يعني أن الظئر تمنع من أن ترضع مع الطفل غيره ولو كان بها كفاية لغيره؛ لأن أهله اشتروا جميع لبنها، إلا أن يكون معها ولد رضيع حال العقد فإنها لا تمنع من رضاعه معه؛ لأنه حينئذ بمنزلة الشرط. قاله الباجي. وهو واضح. قاله الخرشي: وقال
стр. 7290
الشبراخيتي ثم شبه في المنع فقال: كان ترضع معه غيره، ظاهره ولو كان فيها كفاية (١) وهو كذلك لأنه اشترى جميع لبنها، وسواء شرط ذلك عليها أو سكت عنه، وأما لو اشترطت هي غيره فلا منع. اهـ.
ولا يستتبع حضانة، فاعل يستتبع ضمير يعود على الاسترضاع؛ يعني أن من استأجر امرأة ترضع له رضيعا فإن ذلك الاسترضاع المستأجر عليه لا يستتبع أي لا يستلزم حضانة ذلك الرضيع بل حضانته على أهله، قال ابن عبد السلام: من استأجر امرأة ترضع ولده لا يلزمها أن تحضنه. انتهى.
كعكسه؛ يعني أن من استأجر امرأة على حضانة ولده لا يلزمها أن ترضعه، وهذا إن لم يكن عرف أو شرط في المسألتين، فإن كان عرف أو شرط عمل به، فلو عقد عليهما معا فانقطع اللبن جرى ذلك على مسائل الاستحقاق، فإن كان اللبن وجه الصفقة فسخ البيع، وعلم من هذا أنها لو استوجرت على الإرضاع وأرادت أن تحضنه أي تقوم بأموره من غسل خرق وقيام به ليكون لها قبض الولد والسكنى مما هو للحاضنة فليس لها ذلك، وهذا كله ما لم يكن عرف وإلا عمل عليه فيهما، فإن شرطت إرضاعه في بيت الصبي فمات زوجها رجعت لبيته للعدة إذ لا بيت لها بغيره، فإن قيل: قد لزمها شرط المقام قبل العدة، فالجواب: أنه طرأ ما هو أقوى منه وهو العدة لحفظ النسب، فإن قيل: قد مر أنه إن سبق الاعتكاف الطلاق لم تخرج منه، قيل: مقام المعتكفة بالمسجد وهو موضع أمن عليها، وفي المدونة: إذا مرضت بحيث لا تقدر على رضاعه فسخت الإجارة، فإن صحت في بقيتها جبرت على رضاعه بقيتها، ولها من الأجرة بقدر ما أرضعت، ولا عليها رضاع ما مرضت، وفي التتائي: ولا يستتبع الإرضاع حضانة بحيث تندرج.
стр. 7291
فيه، لكن لا بد من فعل معها كتلقي الطفل ووضعه لأخذ الثدي كعكسه، فلا تستتبع الحضانة الإرضاع، وفي المدونة: لا بأس أن يؤاجر الرجل أمه أو أخته أو ذات محرم منه على رضاع ولده، ولا ينافيه نقل اللخمي في العارية منع استخدام الرجل والده لأن الإرضاع خفيف، وقال الصقلي عن ابن عبد الحكم: ولو تكفلت بوجه رجل فقام عليها التكفل له لغيبة الغريم لم تحبس له لأن حمالتها تطوع بعد العقد، وليس لها أن تتطوع بما يفسخه. ونقله اللخمي غير معزو كأنه المذهب قال: ولو كانت كفالتها قبل عقد إجارتها فسخت له ونظر في مدة سجنها كمرض.
وبيعه سلعة على أن يتجر بثمنها سنة إن شرط الخلف، هذه المسألة فيها بيع وإجارة، وقوله: وبيعه عطف على فاعل جاز، وسلعة مفعول بيعه، والشرط في الجواز، وصورة المسألة شخص باع سلعة لآخر تساوي مائة وخمسين مثلا على أن يتجر له سنة بثمنها، فآل الأمر أن ثمن السلعة مائة دينار وعمله سنة في المائة فهي جائزة، ولجوازها شروط ثمانية:
أحدها: أن يكون الثمن معلوما.
الثاني: العمل إلى أجل معلوم.
الثالث: أن يعين النوع الذي يتجر فيه.
الرابع: أن يكون موجودا في (١) السنة.
الخامس: أن يحضر الثمن ليخرج من ذمته إلى أمانته.
السادس: أن يكون المشتري السلعة مديرا.
السابع: أن يشترط الخلف. الثامن: أن لا يشترط أن يتجر له في الربح. ففهم من قوله: ثمنها، أنه معلوم، وفهم من قوله: على أن يتجر بثمنها، أنه لا بد من إحضاره مع الإشهاد كما في القراض؛ وفهم من جعل التجارة من جملة الثمن أنه لا بد من عملها (٢) وذلك يقتضي علم ما يقع
стр. 7292
فيه التجر وعلم وجوده في جميع السنة؛ ويفهم من قوله: ثمنها، أنه لا يتجر في الربح. وظاهر قول المص: إن شرط الخلف أنه لو (١) جرى به عرف لا يكفي عن شرطه، ثم إذا شرط الخلف فحصل تلف البعض ورضي رب السلعة بالتجر بما بقي جاز.
قال بناني: جمعت هذه الشروط في بيتين وهما:
شروط بيعك بشرط التجر … علم حضورٌ ذكر نوع التجر
وأجل مع أمن فقد خلف … إدارة والتجر بالربح نُفِي
وقد مر أن من شروط الجواز إحضار الثمن، فلو تجر بالثمن ولم يحضره فإنه يكون الربح للمشتري والخسارة عليه ويرجع البائع بقيمة ثمنه وهو قيمة عمله في التجارة؛ لأن الاتجار سنة من جملة الثمن، فإذا كان الثمن مائة وقيمة التجر خمسين فإنه يرجع بقيمة سلعته إن فاتت، وأما إن كانت قائمة فهل يرجع شريكا بثلثها أو بثلث قيمتها؟ وهو أبين لأنه إذا رجع في عينها صارت بين اثنين بعد أن كانت لواحد، وهذا يفيد أن البيع صحيح، وأن الإجارة فاسدة، وإلا رجع بجميع قيمة سلعته أو بثمنها كلها، وينبغي أن يجري مثل ذلك فيما إذا أحضر الثمن ولم يشهد كما مر في القراض، وقد ذكروا أنه لو شرط عليه التجر [بالربح] (٢) فالربح للبائع والخسارة عليه وللعامل أجر مثله ويرد السلعة إن كانت قائمة، وإن فاتت مضت بالقيمة كما ذكره ابن عرفة وغيره، وانظر لو اختل شرط من باقي الشروط هل يكون الربح للمشتري والخسارة عليه؟ كما في المسألة الأولى، أو للبائع وعليه وللعامل أجر مثله كما في المسألة الثانية، واعلم أن الربح إن
стр. 7293
[كان (١)] قدره في مدة الإدارة متقاربا جاز شرط التجر به وإلا لم يجز، وهذا يعود على ما تقدم من منع التجر بالربح. عبد الحق: وإذا أحضر الدنانير وصحت التجارة عليها بقدر ذلك فعمل بها نصف السنة ثم مات فإنه يرجع بما خص باقي المدة، وهل يرجع بقدر ذلك في عين السلعة أو قيمتها؟ فيه الخلاف المتقدم فيما إذا اتجر بالثمن ولم يحضره، وإذا اتجر بالمائة وانقضت السنة وهي عروض لم يلزمه بيعها بخلاف القراض وسلم إليه تلك العروض. اهـ. وأشار ابن يونس للفرق بينهما بقوله: لأن القراض لا يجوز فيه الأجل، وإنما أجله بيع تلك العروض، والإجارة لا تجوز إلا بأجل، فإذا انقضى لم يلزمه بيعها. انتهى. عبد الحق: وإذا اتجر بالمائة فنقصت في خلال السنة فللبائع أن يزيد تمام المائة ليتجر فيها المشتري ولا كلام له. انتهى. وهو يفيد أنه لا يلزم البائع الخلف وهذا واضح، سواء وافقه المشتري على ذلك أو طلبه الخلف لأنه لا حق له في الربح. عبد الحق: ولو استحقت السلعة المشتراة وقد اتجر المشتري بعض السنة كان له أجر المثل فيما اتجر، ويرجع على البائع بثمنه والربح والخسارة في المائة التي يتجر بها للبائع وعليه، ولو لم يتجر المشتري بالمائة إلا نصف السنة ثم اطلع على عيب في السلعة التي اشترى وقد فاتت فقيمة العيب قد وجبت له، فإن كانت قيمة العيب تنقصها الربع رجع مشتري السلعة على البائع بربع المائة وهو خمسة وعشرون، ويرجع أيضا بربع قيعة الإجارة في الستة الأشهر الماضية، ويتجر في الستة الأشهر الباقية بخمسة وسبعين في السنة التي استأجره يتجر له فيها. انظر الخرشي وعبد الباقي وتحصل مما مر أن صورة المسألة أنه يجوز بيع سلعة بمائة يتجر المشتري للبائع في ثمنها مدة معلومة كسنة، فثمن السلعة مائة، والتجر في تلك المائة سنة،
стр. 7294
ولجواز ذلك شروط ثمانية: أن يكون الثمن معلوما، وأن يكون العمل إلى أجل معلوم، وأن يعين النوع الذي يتجر فيه، وأن يكون موجودا في جميع السنة، وأن يحضر الثمن ليخرج من ذمة إلى أمانة، ولابد من الإشهاد على الإحضار، وأن يكون مديرا، وأن يشترط الخلف، وأن لا يشترط أن يتجر في الربح، أما الأولان فليكون الثمن معلوما، وأما الثالث فلاختلاف الأنواع بالثقل والخفة، وأما الرابع فليلا يدخله الغرر، وأما الخامس فليخرج من الذمة للأمانة وإلا فهو سلف بمنفعة إذ يتهم أنه أخره ليزيده، وأما السادس فلأنه إذا كان محتكرًا لزم الجهل لأنه إنما يبيع إذا غلت السلع فلا يدري ما باع من منافعه، ولو شرط أن يتجر له في تلك السنة مرتين لم يجز لأنه نقد بعض سلعته في منافع رجل معين يتأخر قبضها. قاله اللخمي، وأما السابع وهو شرط الخلف فلأنه إذا لم يشترط الخلف أدى إلى الغرر، وأما الثامن وهو أن لا يشترط التجر بالربح فلأن الربح مجهول؛ وصورة التجر بالثمن سنة أن يبيعه بالنوع الذي عين له التجر فيه من السلع فيبيع له تلك السلع، فمهما حصل من ثمن تلك السلع أزيد من الثمن الأول ترك التجر بالزائد وتجر بمائة وهكذا إلى تمام السنة، فلو تجر بالثمن ولم يحضره لكان الربح للمشتري والخسارة عليه، ويرجع البائع بمقدار قيمة تجارته بالثمن سنة، فإذا كان الثمن مائة وقيمة التجر خمسين فإنه يرجع بثلث قيمة سلعته إن فاتت، فإن كانت قائمة رجع بثلث قيمتها لا في عينها على الراجح لضرر الشركة، وينبغي أن يجري، ذلك فيما إذا أحضر الثمن ولم يشهد، ولو اشترط عليه التجر بالربح فالربح للبائع والخسارة عليه وللعامل أجر مثله، ويرد السلعة إن كانت قائمة وإن فاتت مضت بالقيمة؛ كما ذكره ابن عرفة وغيره، والفرق بين المسألتين أنه يملك الثمن بالإحضار بخلاف ما إذا لم يحضر فلا يملكه وإنما له دراهم لم تعين، ولذا كان الربح والخسر للعامل والله تعالى أعلم. واتظر لو اختل شرط من الشروط الباقية هل يكون الربح للمشتري والخسارة عليه كما في المسألة الأولى، أو للبائع وعليه وللعامل أجر مثله كما في المسألة الثانية، وقال ابن عرفة إن الربح إن كان قدره في مدة الإدارة متقاربا جاز شرط التجر به وإلا لم يجز، ولو وقعت المسألة بشروطها فمات بعد أن عمل بعض السنة رجع بما خص باقي المدة في قيمة السلعة إن فاتت، فإن لم تفت رجع في قيمتها أو عينها على الخلاف المتقدم، وإذا اتجر بالمائة وانقضت السنة وهي عروض لم يلزمه
стр. 7295
بيعها وسلم العروض إليه، ولو استحقت السلعة المشتراة وقد إلى آخر ما مر. هذا ما ظهر لي. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال بناني: قال ابن عرفة: الصقلي: إن عمل ولم يحضره فالربح والخسارة للأجير ويرجع البائع بقدر قيمة الإجارة منها مع الثمن في قيمة سلعته ولو كانت قائمة، لضرر الشركة، وعلى قول أشهب ويحيى بن عمر يرجع في عينها إن كانت قائمة وإن فاتت ففي قيمتها، وقال عبد الحق: يرجع في قيمة السلعة أو عينها إن كانت قائمة، على الخلاف فيمن باع نصف ثوب على أن يبيع له النصف الباقي شهرا فباع في بعض الشهر، المسألتان سواء والأجود أن لا يرجع في عينها لزيادة ضرر الشركة؛ لأنها تصير بين ثلاثة بعد أن كانت بين رجلين اهـ والتعليل راجع لمسألة بيع النصف وهو ظاهر لا لما قبلها. اهـ.
كغنم عينت؛ يعني أنه يجوز للشخص أن يستأجر شخصا يرعى له غنما بعينها سنة بأجرة معلومة بشرط أن يشترط في العقد أن ما مات من الغنم أو تلف منها أخلفه، فإن لم يشترط الخلف في العقد لم يجز، فإن امتنع رب الماشية من الخلف قيل للراعي: اذهب بسلام ويأخذ جميع الإجارة. قال فيها: ومن باع من رجل سلعة على أن يتجر له بثمنها سنة كان كمن. واجره على أن يتجر له بهذه المائة دينارا سنة، أو يرعى له غنما بعينها سنة، فإن شرط في العقد خلف ما هلك منها أو تلف جاز، وإلا لم يجز. انتهى. وله أجر مثله في الرعاية. قاله الخرشي. وقال بناني: كغنم عينت أي لا يجوز في العينة إلا بشرط الخلف، فإن فقد شرط الخلف فسدت. قاله في المدونة. وقال سحنون: يجوز وإن لم يشترط الخلف والحكم يوجبه. وقاله ابن الماجشون وأصبغ. ابن حبيب: وبه أقول. ابن يونس: وهو عندي أصوب. اهـ. قال غير واحد: وإنما جاز أن يشترط عليه رعايه ما تلده أو كان العرف كما يأتي، ولم يجز اشتراط الربح في التجر في المسألة السابقة إن لم يكن متقاربا لأنه مجهول، بخلاف ما تلده الغنم فإنه معروف. اهـ. قال بناني: كذا قالوا. قال الحطاب: والذي يظهر لي أن ما تلده الغنم أيضا غير معروف لاحتمال ولادتها ولدا أو أكثر إلا أنه أقل غررا من ربح الثمن. اهـ.
стр. 7296
وإلا، أي تعين الغنم كما إذا استأجره على رعاية مائة من الغنم غير معينة. فله؛ أي الراعي. الخلف على آجره؛ أي مستأجره يعني أنه إذا لم تكن الغنم معينة فإنه يقضى للراعي على من استأجره على رعاية الغنم أن يخلف له ما هلك منها إلى تمام ما عمله، وسواء اشترط الراعي الخلف عند العقد أو لم يشترطه، فإن امتنع رب الماشية من الخلف قيل للعامل: اذهب بسلام ويأخذ جميع الإجارة، والحاصل أن الغنم المعينة يتوقف صحة العقد في رعايتها على شرط الخلف، فإن انتفى الشرط المذكور كان العقد فاسدا وله أجرة المثل في الرعاية، بخلاف غير المعينة فلا يشترط في صحة إجارتها شرط الخلف فإذا اشترط الخلف، في المعينة وكانت غير معينة ولم يخلف المستأجر الراعي ما هلك أو ضاع في المسألتين، فإن الراعي له جميع الأجرة، وتنفسخ الإجارة بموت الراعي، ولا تنفسخ بموت الغنم ولا بموت من استأجره، ولا يجوز للراعي أن يأتي بمن يرضى مكانه وإن رضي رب الغنم، ووجه أنه فسخ دين في دين لأنه فسخ ما عليه من المنافع في منافعَ لا يتعجلها.
تنبيهات: الأول: قال الملوي: اعلم أن استيجارة الراعي على ثلاثة أوجه، الوجه الأول: أن يستأجر على رعاية غنم معينة ولا يجوز ذلك إلا إذا اشترط في العقد أن ما ضاع منها بموت أو غيره أخلفه ربة، هذا هو المشهور، وقال سحنون وابن الماجشون وأصبغ: يجوز وإن لم يشترط الخلف والحكم يوجبه. واختاره ابن حبيب وصوبه ابن يونس. الوجه الثاني: أن يستأجره على عدد لمعلوم غير معين كمائة مثلا فقال ابن القاسم: يجوز ذلك وإن لم يشترط الخلف، ويقضى على رب الغنم بخلف ما مات منها أو ما ضاع، وعليه مشى في المختصر، وظاهره أو صريحه أن شرط الخلف جائز لأنه اشتراط ما يوجبه الحكم وفي ابن سلمون: أنه لا يجوز اشتراط الخلف فإن فعل فسد العقد. الوجه الثالث: أن يستأجره على أن يرعى له غنما ولم يذكر له عددًا ولا عيَّن الغنم فيجوز ذلك ويضمه إلى نفسه ويأتيه من الغنم بما يقدر على رعايته، زاد اللخمي: هذا إن
стр. 7297
كان المستأجر يعلم قدر رعاية مثله وقد ملك المستأجر في هذا الوجه جميع منافع الراعي؛ وضمُّه إلى نفسه ليس بشرط، فإن عزله ورتب له نفقة معلومة جاز، كما في المتيطية. انتهى.
الثاني: قال المواق: من المدونة قال مالك: من باع لرجل سلعة على أن يتجر له بثمنها سنة فإن اشترط في العقد إن تلف المال أخلفه له البائع حتى يتم عمله بها سنة جاز ذلك، وإلا لم يجز، فإن اشترط ذلك فضاعت الدنانير فللبائع أن يخلفها حتى يتم السنة، فإن أبى قيل: للأجير اذهب بسلام؛ وكذلك لو استأجرت رجلا يعمل لك بهذه المائة دينار سنة جاز ذلك؛ إذا اشرطت عليه إن ضاعت أخلفتها له، فإن ضاعت كان لك أن تخلفها أو تدع، وقد لزمتك الأجرة، وإن لم تشترط ذلك في أصل الإجارة لم يجز؛ قال مالك: وكذلك إن واجره يرعى له غنما بعينها سنة فإن شرط عليه في العقد أن ما هلك منها أو باعه أو ضاع أخلفه جاز ذلك وإلا لم يجز، فإن شرط ذلك وضاع منها شيء قيل للأجير: أوف الإجارة: وخير رب الغنم في خلف ما ضاع أو تركه، قال ابن القاسم: ولو واجره على رعاية مائة شاة غير معينة فلا بد من الشرط فيها. وقال سحنون: يجوز في المعينة من خنم ودنانير وإن لم يشترط خلف ما هلك، والحكم يوجب عليه خلف ما هلك. ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون وأصبغ، وبه أقول. ابن يونس: وهو عندي أصوب لأن الأشياء المستأجر عليها لا تتعين، ولو استأجره على حمل طعام أو متاع ما احتاج إلى شرط خلفه إن هلك، والحكم يوجب عليه خلفه، وكذلك في المدونة وكتاب محمد الباجي: لو استأجر على حصد زرع معين فهلك، فقال أشهب: تنفسخ الإجارة، وقال ابن القاسم: لا تنفسخ. ابن عرفة: هذا من ابن القاسم خلاف لقوله: إن تعذر الحرث بنزول المطر سقط الأجر، قال ابن القاسم: وإن تعذر الحرث بكسر المحراث أو بموت الدابة لم يسقط أجره. وقال سحنون: إن منع أجير البناء أو الحصاد أو عملٍ [مَّا مطرٌ] (١) لم يكن له إلا بحساب ما عمل من النهار؛ وقال غيره: له كل الأجر. ابن عرفة: لا يدخل هذا الخلاف في نوازل تونس؛ لأن العرف تقرر عندهم بفسخ الإجارة
стр. 7298
بكثرة المطر ونزول الخوف. اهـ. انظر قول ابن عرفة: إنه يحكم بالعرف هل يكون من هذا المعنى ما صدرت به فتيا شيخي ابن سراج ﵀ أن (١) المكتري إذا شرط أن لا يغرم كراء إن أفسدت النصارى الغلة أنه (٢) له شرطه؟ ومن ابن يونس: من بعث معه بخادم يبلغها موضعا بأجر فماتت فله الأجرة كلها ويستعمله في مثل ذلك. اهـ.
الثالث: قد مر أنه لا يجوز للراعي أن يأتي بمن يرعى مكانه وإن رضي رب الغنم لأنه فسخ دين في دين؛ لأنه فسخ ما عليه من المنافع في منافع لا يتعجلها، فإن أتى بمن يرعى مكانه من غير إذن رب الغنم ضمن، كان مثله في الأمانة أو لم يكن. قاله ابن حبيب وسحنون، وقال ابن لبابة: إن كان مثله لم يضمن كراكب؛ يعني أن من استأجر دابة للركوب فتعذر ركوبه كما لو مات أو مرض فإن الإجارة لا تنفسخ ويلزمه أو ورثته إن مات أن يأتوا بخلفه أو يدفعوا جميع الأجرة. قاله الحطاب. فهو تشبيه في الخلف؛ أي كما يجب خلف الراكب إذا تعذر، ولا ينفسخ الكراء لأنه مما يستوفى به. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: كراكب تعذر ركوبه كموت عروس أو مرضها أو مرض زوجها أو تعسر فلا تنفسخ الإجارة، خلافا لقول اللخمي في الأول: تنفسخ، وعلى المعتمد فيلزمه أو ورثته إن مات أن يأتي بخلفه أو يدفع جميع الأجرة كما في الحطاب، وقرر الشارحان المص على أن معناه أن من اكترى دابة غير معينة يركبها لموضع كذا فهلكت فعلى المكري خلفها، وما قرراه به مفهوم قول المص فيما يأتي وفسخت بتلف ما تستوفى منه، لأن الآتي الدابة فيه معينة، فيفهم أنها لو كانت غير معينة لا تنفسخ، وهو ما قرراه به هنا، وتقرير الحطاب منطوق قوله الآتي: لا به، فصار لتقرير الشارحين ترجيح لعدم ذكره صريحا فيما يأتي. اهـ.
стр. 7299
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي في نصه: فإن قلت ما الفرق بين عدم الفسخ في هذه المسألة على تقرير الحطاب وبين في ذكروه أن من اكترى دواب ليحمل عليها علفا يبيعه لقافلة تأتي لمحل معين فذهبت لغيره فلا كراء عليه ويفسخ الكراء، وكذلك إذا اشترى علفا لها؟ قلت: لعله أن المكتري للقافلة أو مشتري العلف لها مثلا قد عين عند الكراء والشراء ملاقاتها بمحل معين، فلما لم تأت منه لم يلزم العقد، بخلاف مكتري دابة لحمل عروس فمرضت أو ماتت لخ، وهذا الذي ذكره من عدم لزوم الكراء في الأولى والشراء في الثانية انظر الحاشيتين، حاشية البناني وحاشية التاودي.
وحافتي نهرك ليبني بيتا؛ يعني أنه يجوز لك أن تواجر حافتي نهرك لمن يبني عليه بيتا أو لمن ينصب عليلا رحى، ولا يشترط هنا وصف البناء كما ذكره ابن ناجي، وهو مستفاد من قوله: وبناء على جدار. فقوله: وحافتي نهرك، عطف على مؤجر من قوله: واستئجار مؤجر، وكذا ما بعده قال التتائي: وجاز استئجار حافتي نهرك ليبني عليهما المستأجر بيتا ويصير النهر سفل ذلك البناء، وفي هذه المسألة دليل على جواز إجارة الفناء. ابن رشد في رسم تأخير صلاة العشاء في الجامع: سئل مالك عن الأفتية التي تكون في الطرق يكريها أهلها أترى لهم ذلك وهي طريق المسلمين؟ قال: إذا كان فناء ضيقا إذا وضع فيه شيء أضر بالمسلمين فلا أرى أن يمكن أحد من الانتفاع به، وأما إن كان فناء إن انتفع به أهله لم يضيق على المسلمين لسعته لم أر بذلك بأسا. ابن رشد: هذا كما قال لأرباب الأفنية أن يكروها ممن يضع فيها ما لا يضيق على المارة، فإنه إذا كان لهم أن ينتفعوا بها وكانوا أحق من غيرهم كان لهم أن يكروها؛ لأن ما (١) للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه وهذا لا أعلم فيه خلافا. اهـ. وقال الشبراخيتي: وجاز استئجار حافتي نهرك ليبني عليهما المستأجر بيتا ويصير النهر تحت سقف ذلك البناء. اهـ. وقال المواق: قال ابن القاسم: ولا بأس أن تواجر حافتي نهرك لمن يبني عليه بيتا أو ينصب عليه رحى. اهـ. وقال
стр. 7300
عبد الباقي: وجاز إيجار حافتي نهرك ليبني عليهما المستأجر بيتا أو ينصب رحا ماء، ولا يشترط هنا وصف البناء على الجدار كما تقدم، قال التتائي: وفيه شيء أي لأنه قد يعرض الجدار فيضيق مجرى النهر. اهـ. وقال بناني: قال الشيخ المسناوي: الظاهر أنه لا مفهوم لهذه الإضافة، بل وكذلك إذا كان النهر لغيرك ولكنه جار بأرضك فلك أن تكري حافتي النهر لأنهما لك. اهـ.
وطريق في دار، عطف على مؤجر؛ يعني أنه يجوز لك أن تستأجر طريقا في دار رجل لتتوصل بها إلى منافعك وما تريد، وإلا لم يجز لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل. قاله ابن يونس. وقد علمت أن الأرض كالدار فلا مفهوم لها. قاله عبد الباقي. قال الأجهوري: فإن استحق المحل بحيث صار لا نفع بالطريق انفسخت الإجارة كما يرشد له قوله آخر الشفعة كمشتر قطعة من جنان لخ، وكلام المؤلف هنا ظاهر في خلافه. اهـ. وقال الخرشي: ولا مفهوم لقوله: دار، وإنما المراد طريق في أرض غيرك كان دارًا أو أرضا أو بستانا أو نحو ذلك. اهـ. وفي الميسر عن اللخمي: أن مشتري طريق ليتوصل لدار أو أرض فاستحقت الدار أو الأرض له رد البيع، وجعل مثله مشتري ورق التوت لِدودِ الحرير فمات دود الناس، وفي المواق عن ابن يونس انظر لو مات دود الحرير أو أكثره وهذا الورق لا يراد إلا له، والأشبه أن ذلك كالجائحة، كمن اكترى حماما أو فندقا فخلا البلد فلم يجد من يسكنه. قال: وكذلك من اشترى ثمار بلد فخلا أهله أن جائحة ذلك من بائعه؛ لأن مشتريه إنما اشتراه لمن يبيعه منه، قال: وكذلك من اكترى رحا سنة فجلا أهل البلد وجلا معهم وأقام آمنا إلا أنه لا يأتيه الطعام بجلاء الناس، وهو كبطلان الرحى، ويوضع عنه قدر مدة [الجلاء (١)]، وكذا مكتري فندق لأيام الموسم إذا أخطأ ذلك لفتنة نزلت أو غيرها. اهـ. واعلم أنه يظهر الفرق بين مسألة الفندق ومسألة من اشترى علفا لقافلة تأتي لمحل معين، أو من اكترى دواب لحمل علف يبيعه لقافلة تأتي لمحل معين بأن الفندق لا يمكن نقله لموضع آخر بخلاف غيره والله سبحانه أعلم.
стр. 7301
وسيل مصب مرحاض مسيل اسم مكان أي المحل الذي يسيل فيه الماء، ومصب مصدر ميمي بمعنى مصبوب، صفة لماء أو شيء والمرحاض الكنيف؛ يعني أنه يجوز لك أن تستأجر موضعا ينصب فيه ما في مرحاضك من الفضلات وهذا إن علم عيال المستأجر، قال الشبراخيتي: وجاز استئجار مسيل أي موضع مصب مرحاض أي ما ينصب فيه من الفضلات. اهـ. وقال عبد الباقي: أيَ يجوز أن يستأجر مكانا يصب فيه الماء من قناته كما يقع ذلك عندنا بمصر فيمن يستأجر مجرى يتوصل منها ما في مرحاضه إلى الخليج. اهـ. وقال الحطاب: في المحكم: المرحاض المغتسل، ومنه قيل لموضع الخلاء: مرحاض، والحاصل أنه يجوز لك أن تستأجر محلا مملوكا لغيرك ليسيل فيه ما في مرحاضك أو ميزابك.
لا ميزاب؛ يعني أنه لا يجوز شراء ماء الميزاب لأنه يقل ويكثر ويوجد ويعدم، والميزاب الخشبة التي تكون في ظهر الدار منجورة ليجتمع فيها المطر الجاري في ظهر الدار وطرفها خارج، فيسيل الماء منه ليلا تضعف الدار بسبب الماء، وفي الخرشي: قال في التنبيه: الميزاب بكسر الميم وبعدها همزة ويجوز تخفيفها بقلبها ياء كما في نظائره، فتقول: ميزاب بياء ساكنة، ويقال أيضا: مرزاب براء ثم زاي وهي لغة مشهورة، وعلم مما قررت أن قوله: لا ميزاب، من مسائل البيع أي لا يجوز شراء ماء ميزاب، قال عبد الباقي، وغيره: أي لا يجوز أن يشتري ماء سائلا من ميزاب لعدم علمه إذ يقل ويكثر ويكون ولا يكون، وسواء طال أمد الماء أو قصر والطريق المفصلة ضعيفة اهـ وذكر هذا الفرع هنا وهو من مسائل البيع ليرتب عليه قوله:
إلا لمنزلك في أرضه؛ يعني أنه يجوز لك أن تستأجر موضعا في أرض جارك يسيل فيه ماء ميزاب منزلك، قال الخرشي: مستثنى من قوله لا ميزاب؛ أي إلا أن يكون الميزاب منسوبا ومضافا لمنزلك تستأجر من جارك مسيله ليجري ماء ميزابك في أرضه ويستقر فيها فيجوز، ويصير كمسألة مصب المرحاض، وفي بعض النسخ: إلا بميزابك، وعلى النسخة الأولى اللام للاستحقاق، وعلى الثانية اللام للتعليل. كالحبل للفرس. اهـ. قاله التتائي. وهذا الذي قررت به هو الذي تأول عليه
стр. 7302
المص المدونة، قال بناني: لو قال المص: ومسيك ماء مرحاض أو ميزاب لا ماؤه في أرضك لكان أجرف على ما (١) قصده، وهو تأويل ابن يونس، ونص المدونة: ويجوز أن تستأجر طريقا في دار ومسيل مصب مرحاض، وأما إجارة مسيل ميزاب المطر في دار رجل فلا يعجبني لأن المطر يقل ويكثر. اهـ. ثم اختلفوا في فهم هذه الأخيرة فحملها ابن يونس على شراء ما يسيل من الماء قال: ولو أراد إجارة مسيل ماء الميزاب من داره في أرض غيره جاز، وعلى هذا التأويل مر المص، وحمله غيره على ظاهره، قيل: وهو الظاهر لقوله: أن تستأجر وأما إجارة لخ، وإطلاق الإجارة على الشراء بعيد. (٢) اهـ.
وكراءُ رحى ماء بطعام أو غيره، معطوف على فاعل جاز؛ يعني أنه يجوز كراء الرحى التي تدور بالماء بالطعام وغيره كما في المدونة، وإنما نص على ذلك لأن الرحى لما كانت متشبثة بالأرض ويعمل فيها الطعام فقد يتوهم أنه من كراء الأرض؛ أي أرض الزراعة بالطعام، الباء في بطعام للتعويض، ولا يجوز اشتراط النقد إلا أن تكون مأمونة من نقص الماء وزيادته التي تمنع طحنها، وللمكتري القيام على رب الرحا بنقصان الماء وزيادته المانعين من الطحن بأسره أو بعضه، ويحط عنه من الكراء بقدر ذلك النقص، وإن عاد الماء في بقية المدة لزم المكتري بقدر ما بقي من المدة إلا أن يرضيا بالتفاسخ، يجوز اشتراط إسقاط القيام بذلك، فإن وقع فسخ الكراء. اهـ.
وفي المواق: من المدونة قال مالك: ولا بأس بإجارة رحى الماء بالطعام وغيره، قال ابن القاسم: فإن انقطع عنها الماء فهو عذر تفسخ به الإجارة، وإن رجع الماء بقية المدة لزمه باقيها كقول مالك في العبد المستأجر يمرض ثم يصح اهـ ومن استأجر رحى ماء شهرا على أنه إن انقطع الماء قبل الشهر
стр. 7303
لزمته الأجرة كلها لم يجز ذلك. قاله الشارح. وهو نص المدونة، قال ابن ناجي: هذا إذا لم ترج إعادته أو ترجى لكن على بعد، وأما مع القرب فيجوز ذلك. قاله اللخمي.
تنبيه: يجوز في الرحا أن تكتب بألف أو ياء؛ لأن الألف المقلوبة عن واو تكتب بالألف وعن ياء تكتب بالياء وهي فيها الوجهان، فيقال في تثنيتها: رحوان ورحيان والواو هو الكثير، ويقال: حوت الرحا عملتها وأدرتها كرحيتها، والرحا مؤنثة ومن استعمالها بالياء قول مهلهل:
كأنا غدوة وبني أبينا … بجنب عنيزة رحيا مدير
وكل من مد قال: رحاء ورحاءان وأرحية، مثل عطاء وعطاءان وأعطية، والصواب ثبوت أرحية سماعا على قلة كما في القاموس وتجمع الرحا على أرحٍ وأرحاء ورحي والرَّحاء بالمد مذكر، فهي على لغة القصر مؤنثة. وعلى لغة المد بالتذكير، ولذلك جمعت على أرحية. والله سبحانه أعلم.
تنبيه آخر: إن اختلف رب الرحا والمكتري في انقطاع ماء الرحا فقال ربها: انقطع عشرة أيام، وقال المكتري. بل شهرا، فإن تصادقا في أول السنة وآخرها صدق رب الرحا، وكذلك اختلافهما في (١) انهدام البيت في بعض المدة.
ولو قال المكتري: بعد السنة كانهدام الدار وانقطاع الماء في السنة كلها فالمكتري في ذلك كله مدع، وإن قال رب الرحا أو الدار: الآن قد انقضت السنة، وقال المكتري: ما مضى منها إلا شهران وقد انهدمت الدار الآن وانقطع ماء الرحا صدق المكتري. اهـ.
قوله: إن اختلف رب الرحا والمكتري؛ يعني اختلفا في مبدإ انقطاعه واتفقا في وقت عوده، فلو اتفقا على انقطاعه واختلفا متى عادت فالقول للمستأجر الرحا مع يمينه لأن رب الرحا مدع. اهـ. انظر التتائي.
стр. 7304
وعلى تعليم قرآن مشاهرة أو على الحذاق؛ يعني أن الإجارة على تعليم القرآن جائزة مشاهرة أو مسانهة أن مياومة أو ساعة من يوم، أو على الحذاق أي الحفظ للقرآن كله أو لجزء منه معين؛ وأفاد بأو أنه لا يجوز الجمع بينهما أي الحفظ والمشاهرة، ومعنى المشاهرة أن تقول له: كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا أو كل يوم بكذا أو كل أسبوع بكذا أو نحو ذلك، ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بالإجارة على تعليم القرآن كل سنة بكذا أو على أن يعلمه القرآن كله أو سدسه بكذا وروى ابن وهب: ولا بأس أن يشترط مع أجره شيئا معلوما كل فطر أو أضحى. قاله المواق. وقوله: الحذاق، بالذال المعجمة كذا في الصحاح وغيره. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وفهم من قوله: أو على الحذاق، أنه لا يجوز الجمع بينهما أي الحفظ وكونه في شهر مثلا هذا هو المشهور، وقيل: يجوز. انظر ابن عرفة. اهـ المراد. وَاعلم أن من يقول: يمنع الجمع هنا بين الحذاق والأجل، يسوي بين ما هنا وما تقدم، ونص ابن عرفة: ابن حبيب قال مالك: يجوز أن يشارط المعلم على الحذقة حفظا أو نظرا ولو سميا أجلا، أصبغ: إن تم الأجل ولم يحذقه فله أجر مثله. القابسي: فرق أصبغ بين ضرب الأجل للمعلم والخياط إذا كان الفعل يمكن الفراغ منه فيه. ابن عرفة: وسوى اللخمي وابن رشد بينهما اهـ قاله البناني. وقال الشبراخيتي: وجازت إجارة على تعليم قرآن مشاهرة كل شهر بكذا أو مسانهة أو مياومة كذلك؛ لأنه عمك لا يجب عليه فجاز له أخذ الأجرة عليه أو على الحِذاق حفظا وهو حفظ كل القرآن أو جزء منه معينا، ولا يضر الخطأ في الكلمة والكلمتين، أو نظرا وهو قراءته في المصحف.
وأخذها وإن لم تشترط؛ يعني أن المعلم يأخذ الحذقة أي الاصرافة وإن لم تشترط وتسمى الختمة، وفي الخرشي: ولو عبر بأو لأفاد خلاف أبي إبراهيم القائل: لا تجب إلا بالشرط؛ يعني أن المعلم يأخذ الحذقة أي الاصرافة وإن لم تشترط أي يقضى له بها، وهذا قول سحنون خلافا لأبي إبراهيم، ولا يقضى للمعلم بهدية الأعياد والجمع، وقال الأقفهسي: مذهب مالك لا حد في الحذقة وأنها راجعة إلى حال الأب في يسره وعدمه: وينظر أيضا لناحية الصبي فإن كان حافظا فيكون خدمته
стр. 7305
أكثر من الذي لا يحفظ، وينبغي للمعلم أن يضربهم على السب والكذب والهرب من الكتب وعلى المعاملة بالربا.
تنبيهات: الأول: اعلم أن المعلم يلي تعليم الصبيان بنفسه ولا يحيل بعضهم على بعض التعليم؛ لأن ذلك ينصرف إلى الفساد، ولا يفضل بعضهم على بعض في التعليم والمجلس، فإذا لم يسو بينهم كان جرحة في شهادته، ويطلقهم في النهار في ثلاثة أوقات، بعد المحو للإفطار، وقبك الظهر للغداء وبعض الراحة، ومع عشية النهار، ولا حد في الأدب، وذلك راجع إلى اجتهاد المؤدب، وقيل: ثلاثة أسواط ولا يكون الأدب إلا من أسفل القدم، وأما غير ذلك من الظهر والبطن فلا. ولا يجوز للمعلم أن يقبل هديتهم فإن فعل كان ذلك جرحة في شهادته وأمانته؛ لأن الصبي لا يجوز للمعلم قبول هديته إلا أن يفضل لهم فضلة يخاف عليها الضياع فيجوز أن يأكلها أو يتصدق بها: ولا يجوز له أن يستخدهم مثل أن يأتوا له بالماء إلا أن يشترط ذلك عليهم أو يكون لهم عادة فيجوز.
الثاني: سئل أبو عمران عن مداد الصبيان الذين لا يتحفظون من النجاسة يصيب ثوب الرجل، فأجاب: يستحب له غسله. انتهى. نقله الخرشي. الثالث: لو مات أبو الصبي أو المعلم فلا يقضى بالحذقة لأنه إن مات الأب فقد وهب شيئا لم يحز عنه حتى مات، وإن مات المعلم فهي هبة لمعين مات قبل وصولها إليه، وينبغي أن يقيد الأول بما إذا لم يشهد فيها الأب على نفسه، وعليه لو أشهد بها قضي بها وأخذت من تركته، سحنون: وإذا بلغ الصبي عند المعلم ثلاثة أرباع القرآن فقد وجبت لها الختمة، بمنزلة المدبر وأم الولد للسيد انتزاع مالهما ما لم يتقارب عتقهما بمرض السيد فلا ينتزع منهما (١) شيء، ثم إن الضمير في قول المص: وأخذها، للحذقة بمعنى الاصرافة التي تعطى على الأحزاب أو الأرباع والسور إذا جرى بها عرف؛ أي قضى بأخذها ممن جرت العادة بأخذها منه أبا أو غيره، وعلى هذا فقراءتها فعلا أحسن لا مصدرا لأنه لا يعلم منه هل يقضى بها أم لا. انتهى قاله الخرشي أيضا.
стр. 7306
الرابع: قال الخرشي: سبب مسامحة الأولاد يوم الخميس والجمعة هو أن سيدنا عمر بن الخطاب لما قدم من الشام إلى المدينة بعد أن طالت غيبته وتشوقت إليه الناس ففرحوا لقدومه وخرجوا للقائه، فسبقت إليه الصبيان لنشاطهم، ففرح بهم وبات الناس عنده ليلة الجمعة، ودخل المدينة قبل صلاة الجمعة فقال للصبيان: أنتم اشتغلتم بقدومي يوم الخميس فرحا بي وأنا قد سامحتكم هذين اليومين وخففت منكم، ودعا على من خالف ذلك بالفقر. اهـ.
الخامس: قد مر أن الضمير في قوله: وأخذها، عائد على الحذقة المفهومة من الحذاق، وقال عبد الباقي: أي أخذ المعلم الحذاقة التي هي الاصرافة وإن لم تشترط حيث جرى بها عرف، فالضمير عائد على الحذاقة باعتبار هذا المعنى الآخر، وحينئذ فهو النوع المسمى (في علم البديع بالاستخدام (١)) إذ لفظ الحذاق له حينئذ معنيان استعمل أولا في أحدهما وأعاد إليه الضمير باعتبار الآخر، ومحل الحذقة من السور ما تقررت فيه عرفا مثل ﴿لم يكن﴾ و ﴿عم﴾ و ﴿تبارك﴾ و ﴿الفتح﴾ ﴿والصافات﴾. انتهى. فالعرف بها مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. انتهى. وقال الخرشي: الحذاق بالذال المعجمة كما يفيده كلام الصحاح وإن فسره بأخص مما ذكرنا، فإنه قال: حذق الصبي القرآن بالذال المعجمة والفعل يحذق حذقا وحذاقة وحذاقا إذا فهم فيه وحذق بالكسر حذقا لغة فيه. انتهى. وما ذكره من تعليم الحذاق هو المشهور واحتجوا بقوله ﵊ في البخاري (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله (٢)). وأجمع أهل المدينة على ذلك، وتكره الإجارة على تعليم الفقه وغيره من العلوم كالنحو والأصول والفرائض وغير، فكذلك تجوز الإجارة على تعليمها، وقوله: مشاهرة، بالنصب إما على الحال أو على نزع الخافض أي على المشاهرة. اهـ. وقال الشبراخيتي: قال البرزلي: وحكم القضاة فيها عندنا يعني الاصرافة من دينار إلى دينار ونصف على المتوسط، وإلى أقل فيما (٣) دونة وقدر الدينارين على الملي إلى دينار
стр. 7307
ونصف (١))، فإن أخرج الأب ابنه قرب محلها لزمته، وإن بقي ما له بال كالسدس ونحوه سقطت، ولو ترك المعلم التعليم وقد قارب محله منها فلا شيء له منها. اهـ.
السادس: قال البناني: قال ابن عرفة: قال القابسي: قول النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٢)). يشمل الوالد بتعليمه ولده بأجرة.
وأجاب ابن سحنون أبا ولد كان يطلب العلم عنده: إذا توليت العمل بنفسك ولم تشغل ولدك عما هو فيه فأجرك في ذلك أعظم من الحج والجهاد والرباط، فإن ترك الأب تعليم ولده القرآن لشح قبح فعله. وإن تركه لقلة يد فإن كان للولد مال فلا يدعه دون تعليم وليه أو قاض أو جماعة إن لم يكن قاض، وإن لم يكن له مال توجه حكم الندب على وليه وأمه الأقرب فالأقرب.
السابع: ذكر ابن عرفة عن القابسي أيضا أن على المعلم زجر المتخاذل في حفظه أو صفة كتبه بالوعيد والتقريع لا بالشتم نحو يا قرد، فإن لم يفد فالضرب بالسوط من واحد إلى ثلاثة ضرب إيلام دون تآثير في العضو، فإن لم يفد زاد إلى العشرة، فإن ناهز الحلم فلا بأس بالزيادة عليها. ابن عرفة: الصواب اعتبار حال الصبيان فيضرب العشرين وأزيد، ومنع الزجر بنحو يا قرد، والصواب فعل بعضهم ذلك وقد أجازوه للقاضي، وكان بعض شيوخنا يزجر به في مجلس إقرائه ونقلوه عن بعض شيوخهم، وكان يصدر كثيرا من شيخنا ابن [الحباب (٣)] وقليلا من شيخنا ابن عبد السلام: وفائدة ذلك واضحة لمن أنصف لأنها تكسب تثبت الطالب فيما يريد أن يقوله من بحث أو نقل. اهـ. نقله بناني أيضا.
стр. 7308
الثامن. قال البناني. القابسي أما تعليمهم في المسجد فروى ابن القاسم إن بلغ الصبي مبلغ الأدب فاز بأس أن يؤتى به المسجد، وإن كان صغيرا يعبث فلا أحب ذلك، وروى سحنون لا يجوز تعليمهم فيه لأنهم لا يتحفظون عن النجاسة، وهذا هو الصحيح. نقله ابن عرفة.
التاسع: قال القابسي: سئل أنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين؟ قال: كان للمؤدب إجانة يجيء كل صبي يوم نوبته بماء طاهر يصبه فيها يمحون به ألواحهم، ثم يصبون ذلك الماء في حفرة بالأرض فينشف، وينبغي أن يصب ذلك الماء في المواضع البعيدة عن النجاسة، وكان معلمنا يأمرنا بصبه في حفرة بين القبور. انظر ابن عرفة. قال البناني. قال الرهوني: (١) قال ابن عرفة: قال الجوهري: الإجانة واحدة الأجاني، ويقال: الجانة والإجانة التي يغسل فيها الثياب. ابن سيده: يقال: إجانة وإنجانة. اهـ. وزاد في القاموس لغة ثالثة ونصه: والإجانة بالكسر مشددة والإجانة مكسورتين معروفة والجمع الأجاجين. والأجانة تمتنع الفصحاء من استعمالها. اهـ. وهي المسماة في عرف الناس اليوم بالجفنة، والأوقاف على من يقرأ القرآن إن لم يكن ثواب القرآن هل للقارئ أو للمستمع؟ كان ابن عرفة يقول: هما شريكان، ولا يبطل ثواب القارئ بكونه يقرأ بإجارة كالإمام يستأجر على أن يؤم، فإن فضل الجماعة مشترك بين الجميع. نقله في الدر النثير.
العاشر: قال الرهوني: ابن عات: شهد رجل عند السوَّار بن عبد الله القاضي، فقال: ما صناعتك؟ فقال: أنا مؤدب؛ فقال: أنا لا أجيز شهادتك، فقال: ولم؟ قال: لأنك تأخذ على القرآن أجرا، فقال له الرجل: وأنت لا تأخذ على القضاء أجرا، فقال: إني أكرهت على القضاء،
стр. 7309
فقال له: إن أكرهت على القضاء فهل أكرهت على أخذ الدراهم، فقال له: هات شهادتك فأجازها، وسوار بن عبد الله القاضي أبو عبد الله بصري ثقة وهو بشد الواو، وكان بالبصرة أربعة كل واحد منهم لا يعلم في زمانه في الأمصار مثله، سوَّار في عدله وتحريره للحق: والحَسَن في زهده وفصاحته وسخائه وموضعه من قلوب الناس، والمهلَّب بن أبي صفرة في عقله ورأيه وطاعته، والأحنف بن قيس في حلمه وعفافه ومنزلته من علي رضي الله تعالى عنه.
الحادي عشر: قال مالك: لم يبلغني عن أحد كراهية تعليم القرآن والكتابة بأجر، قال ابن حبيب: وما روي من النهي في ذلك فذلك في أول الإسلام والقرآن قليلٌ في صدور الرجال، فأما بعد أن فشا وانتشرت المصاحف فلا، وكان مالك وجميع علماء المدينة يجيزون أخذ الأجرة على تعليم الصبيان للكتب والقرآن. وفي أجوبة ابن رشد: وسئل عن إجارة معلم القرآن؟ فأجاب: بأن مذهب مالك وجل أهل العلم أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن جائزٌ، ومن لم يجز ذلك من أهل العلم اشترط ذلك أو لم يشترطه أو لم يجزه له مع الشرط فمحجوج بمن أجاز ذلك؛ لأنهم القدوة والجمهور، والحجة لهم من طريق الأثر الحديث الذي قصصته في سؤالك بالنص على إجازته وما كان مثله وفي معناه، ومن طريق النظر والقياس أن هذا عمل لا يلزمه أن يعمله فجائز أن يأخذ الأجرة عليه وإن كان فيه قربة، كالاستيجار على بنيان المساجد وشبهه. انظر الرهوني. وقال الدرعي: قال ابن هلال: يجب على المعلم أمرُهم بالصلاة ويؤدبُهم على تركها وتعليمُه إياهم أحكامَها وأحكام الطهارة والعقيدة وما لا بد منه من الحلال والحرام، ويعفى عن مدادهم ما لم تنحقق نجاسته. اهـ. وسئل سحنون عن المعلم يعلم الصبيان بغير شرط فيُجري له الدرهم والدرهمين كل شهر ثم يجئ المعلم يطلب الحذقة ويأبى الأب ويقول حقك فيما قبضت، قال: ينظر إلى سنة البلد فيحملون عليها، وليس في الحذقة حد معروف إلا على قدر الرجل وحاله. قال: وإذا بلغ الصبي عند المعلم ثلاثة أرباع القرآن فقد وجبت له الختمة. ابن حبيب: نحن نوجب حق الحذقة ونقضي بها للمعلم. قاله المواق.
الثاني عشر: اعلم أنه يكفي وإباحة انتصابه ستر حاله للمتزوج، ويسأل عن غيره فإنما لم يسمع عند إلا العفاف أبيح له، ويمنع من يتحدث عنه بسوء، وبهذا جرف العمل وهو الحق، وقال
стр. 7310
البرزلي في نوازله: الصواب اليوم المنع للعزب مطلقا ما لم يكن شيخا كبيرا لغلبة الشهوات على النفوس إلا من عصمه الله بدينه وقليل مَّا هم: وهي معصية هلك بها أمة من الأمم، فالصواب أن لا يتولى إلا متزوجٌ مشهورٌ بالعفاف أو شيخ كبير لا أرب له. نقله الرهوني. وقال: قال ابن عرفة: وأما حكم بطالة الصبيان فقال سحنون: تسريحهم يوم الجمعة سنة المسلمين، ابن عبد الحكم: لمن استؤجر شهرا بطالة يوم الجمعة وتركهم من عشي يوم الخميس لأنه أمر معروف، وبطالتهم كل يومه بعيد، وبطالتهم في الأعياد على العرف، وهي في الفطر ثلاثة أيام وكذا في الأضحى، ولا بأس بالخمسة، سحنون من عمل الناس بطالة الصبيان في الختمة اليومَ وبعضَه، ولا يجوز أكثر من ذلك إلا بإذن أولياء الصبيان، قيل له: ربما أهدى الصبي للمعلم ليزيده في البطالة، قال: هذا لا يجوز. القابسي: ومن هنا سقطت شهادة أكثر المعلمين لأنهم غير مؤدين ما يجب عليهم إلا من عصمه الله تعالى، وبعثهم لمن تزوج أو ولد له ليعطوا شيئا يأتون به مؤدبهم لا يجوز، وكذا من بيوت آبائهم إلا بإذنهم، قلت: بعثهم لدار بعض الأولاد لختمة أو لِنِفَاسٍ أو ختان أمر معروف ببلدنا، والغالب أنه لا يكون الولد يسير لذلك إلا بعلم وليه لأنهم لا يمشون لذلك بمعهود ثيابهم، بل بثياب التَّزَيُّنِ والتجمل في الأعياد، قال: واتخاذه بعضهم يملي على بعض حسن، ولا يجوز بعثهم في حوائجه، لا ينبغي أن يتشاغل عن تعليمهم بشيء، وإن نزلت به ضرورة استناب مثله فيما قرب. اهـ. قلت: ظاهر قوله: أن بعثهم بإذن أوليائهم لعرس ونحوه جائز مطلقا، وقال البرزلي عقب ما ذكره: قلت: وهو عندنا بالقيروان أمر معروف في نفاس الذكور، فهو جائز إلا أن يأخذوا شيئا بغير طيب نفوس أربابه فلا يجوز. اهـ. وظاهر قول ابن عرفة: وكذا من بيوت آبائهم إلا بإذنهم، أنه يجوز قبوله مع إذنهم مطلقا، ولكن يجب تقييده بما ذكره هو نفسه قبل، فإنه لما ذكر عن ابن حبيب استحباب إعطاء العلم في أعياد المسلمين قال متصلا به: ويكره في أعياد النصارى كالنيروز والمهرجان؛ أي لا يجوز فعله ولا يحل لمن قَيله لأنه من تعظيم الشرك، قلت: فلا يحل على قوله قبول هدايا النصارى من أعيادهم للمسلمين وكذا اليهود، وكثيرٌ من جهلة المسلمين من يقبل منهم في عيد الفطيرة عندهم. اهـ. قال جميعه الرهوني. وإذا أتى الصبي بشيء للمؤدب وزعم أن أباه أعطاه ذلك فإن جرت عادة بهدية
стр. 7311
الأب للمؤدب فيأخذها إلا أن يأتي بما يستنكر أو في غير وقت اعتياده ذلك، ومكن عبد الله بن غانم لولده عشرين دينارا يعطيها لمؤدبه لكونه أحسن الفاتحة قراءة فمكنها له فجاء بها المؤدب إلى ابن غانم: فقال ابن غانم فكأنك استقللتها؟ فقال: لا ولكن ظننت بالصبي، فقال له ابن غانم: لحرف واحد مما علَّمته يعدل الدنيا وما فيها. البرزلي: وصدق لأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة في حال من أحوالها فأحرى في أمور الآخرة. اهـ. نقله الرهوني. وفيه عن ابن عرفة: لا تقبل شهادة بعضهم على بعض إلا من عرف بالصدق فيقبل قوله. اهـ.
الثالث عشر: جرت عادة كثير من المؤدبين بزجر الصبيان باللعنة له ولأبيه وجده وذلك مما لا يجوز، وقد وقع في نقل الأبي عن شيخه ابن عرفة ما يوهم الجواز فإنه قال في إكمال الإكمال عند تكلمه على قوله ﷺ : (ولعن المؤمن كقتله (١)). المازري: في الإثم. عياض: وقيل: في الحرمة. ووجه التشبيه أن القصد باللعن قطعه عن الرحمة كما يقطعه القتل عن التصرف، وقيل: لأن القصد بها إخراجه عن المؤمنين فينقص عددهم كما ينقص عددهم بقتله، وقيل: لأن اللعنة تقتضي قطع منافعه الأخروية فهو كمن قتل في الدنيا، قلت: ولا فرق بين أن يقول: لعنه الله أو هو في لعنة الله. وكان الشيخ يقول: إن اللعن في سياق التأديب لا يتناوله الحديث. اهـ. فقوله عن الشيخ ومراده به الإمام ابن عرفة لا يتناوله الحديث يوهم جوازه والظاهر أن مراده لا يتناوله خصوص هذا الوعيد وإن كان يحرم عليه ذلك، فقد نص الأبي وغيره أن لعن المعيَّن لا يجوز إن كان كافرا ولم يستثنوا مؤدبا ولا غيره، وهذا كله في اللعن بتقديم اللَّام على العين وتأخير النون عنها كما هو نص الحديث وصريح كلام الأبي عن شيخه، والواقع اليوم في عبارة الناس تقديم النون وتأخير اللام، ولا شك أن مدلول هذا وضعا لا محذور فيه، وفي الأبي متصلا بما قدمناه عنه وما يجري على ألسنة العوام من قولهم نعله الله بتقديم النون ليس بلعن لأنه من النعال. اهـ. قلت: هو كما قال ولكن قائله إنما يقصد به مدلول اللعن بتقديم اللام وقد ورد في الأحاديث وكلام الفقهاء في غير ما مسألة ما يدل على أن المدار على المقاصد لا على مدلول الألفاظ
стр. 7312
في أصل وضعها. فتأمله. والله تعالى أعلم. وفي الشوشاوي: إذا تفرق أصحاب المعلم تبع الأكثر وله على الأقل أجره سواء تفرقوا اختيارا أو لا. وأما الراعي فله أجره إن تفرقوا اختيارا وإلا فله بقدر ما رعى. اهـ.
وإجارة ماعون، الجوهري: الماعون منافع البيت؛ يعني أنه تجوز إجارة الماعون، ومثل له بقوله: كصفحة وقدر، وفي أشبه ذلك، قال عبد الباقي: وإجارة ماعون كصحفة وقدر، نص على جواز إجارة ما ذكر كان مما يعرف بعينه أم لا ردا لقول ابن العطار ومن وافقه بمنع ما لا يعرف بعينه كقدور الفخار يغيرها الدخان بحيث لا تعرف إلا أن ينقش عليها. اهـ. وإشارة إلى أنه ليس المراد بالماعون في الآية الشريفة الصحفةُ والقدر ونحوهمَا إذ لوأريد ذلك ما جازت إجارته لأنها تقتضي أن له أن يمنع عاريته إن شاء، والمشهور في الآية أنها الزكاة، ويدل عليه إقرانه بقوله: ﴿الذين هم يراءون﴾. قاله أبو الحسن. والأولى أن يقول المص: آلة، بدل ماعون ليشمل الغربال والمنخل لأن الماعون الوعاء. اهـ. ونحوه للخرشي. وقال التتائي: وفيها لمالك: وتجوز إجارة المكيال والميزان والدلو والفأس وشبه ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾: ذلك مثل الفأس والدلو وقيل الزكاة. اهـ. وفي المواق: من المدونة: تجوز إجارة الآتية والقدر والصحاف.
وعلى حفر بئر؛ يعني أنه تجوز المعاقدة على حفر لبئر لكن تارة تكون إجارة، بأن وصف له البئر وعين مقدار الحفر في ملكه أو في الموات، وإذا انهدمت قبل تمام العمل فله بحساب ما عمل، وإن انهدمت بعد الفراغ من عملها فله جميع الأجرة، وتارة تكون جعالة، فلا يستحق شيئا إلا بتمام العمل، والفرق بين الإجارة والجعالة أن الجعالة لا تكون إلا فيما لا يحصل فيه نفع للجاعل، بخلاف الإجارة: ولهذا لا يجوز أن يجاعله على حفر بئر إلا في الموات، فإذا جاعله على حفر بئر في الموات فحفر نصف البئر وترك العمل فلا شيء له، إلا أن يستأجر من يتمها أو يجاعله أو يتمها بنفسه وعبيدة كما يأتي في باب الجعل، قال البناني: وهذا هو المصرح به في سماع أصبغ عن ابن القاسم كما سيأتي، وإنما يبطل جعل العامل إذا ترك العمل ولم يحصل للجاعل نفع بما عمله. اهـ. وقال الخرشي: والمراد بالبئر البئرُ اللغوية وهي خرق الأرض، بَأرْتُ الأرض خرقتها، يعني سواء كان بئرا أو بركة أو خليجا أو قناة أو نحو ذلك، فلا يقال لو قال: كبيرٍ، كان أولى.
стр. 7313
وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: لو آجرته على حفر بئر من صفتها كذا ثم انهدمت فله بحساب ما عمل، ولو انهدمت بعد فراغها أخذ جميع الأجرة حفرها في ملكك أو في غير ملكك من الفلوات. ابن يونس: لأنها إجارة والإجارة تجوز في ملكك أو غير ملكك من الفلوات: إلا أن تكون بمعنى الجعل تجعل له دراهم معلومة على أن يحفر لك بثرا من صفتها كذا وكذا فحفر نصفها ثم انهدمت، فإن انهدمت في هذا قبل إسلامها إليك فلا شيء له، إسلامها إليك فراغه من حفرها، وقد قال مالك في الأجير على حفر بئر إن انهدم قبل فراغه فلا شيء له، وإن انهدم بعد فراغه فله الأجر. قال ابن القاسم: وهذه الإجارة فيما لا يملك من الأرضين. ابن يونس: يريد أنه جعل. قال ابن المواز: لا يكون الجعل في شيء إذا أراد المجعول له ترك العمل بعد أن شرع يبقى من عمله شيء ينتفع به الجاعل. قال أبو محمد: وهذا أبين فرق بين الجعل والإجارة. قال ابن المواز: فأما البناء والحفر فيما يملك من الأرضين فلا يجوز فيها إلا الإجارة. انتهى. وفي التتائي: وجاز العقد على حفر بئر ويكون إجارة إن عين مقدار العمل وصفته، وله بحساب ما عمل، وجميع الأجرة إن انهدمت بعد الفراغ، ويكون جعالة إن لم يعين ولا شيء له إلا بتمام العمل. اهـ المراد منه. وقال عبد الباقي: في كلامهم ما يدل على أنه لا بد من الوصف في كل، وأنه متحد كقوله: اعمل لي بئرا طولها كذا وعرضها كذا وعمقها كذا. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: والفرق بينهما هو ما مر أن الجعالة لا تكون إلا فيما لا يحصل منه نفع للجاعل. اهـ. وقال عبد الباقي: وقدرنا الفاعل معاقدة دون إجارة لأنه يؤدي إلى تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره وهو ممتنع. اهـ. وفي التتائي: قال مالك: ولا بأس بالإجارة على حفر بئر بموضع كذا عمقها كذا وقد خبرا الأرض، فإن لم يخبُراها لم يجز لأنه قد يسهل أعلاها ثم يظهر حجر أو صلابة، هذا هو المشهور، وعن ابن القاسم: إن جهلا الأرض جاز كما إذا عرفاها، وإن عرفها أحدهما فقط لم يجز الجعل فيه. اهـ. وحاصل ما ذكره الدرير والدسوقي أنه إذا وقع العقد على الحفر فيما يملك كان إجارة سواء صرح بالإجارة أو ذكر ما يدل عليها كقوله: فإن انهدمت قبل تمام العمل فلك بحساب ما عملت أو لم يذكر ما يدل على شيء أصلا، فإن ذكر ما يدل على الجعالة كان جعالة فاسدة لانتفاع المجاعل بما قبل تمام العمل باطلا بلا عوض، وأما إن وقع
стр. 7314
العقد على الحفر فيما لا يملك، فإن صرح بالإجارة أو بما يدل عليها كان إجارة، وإن صرح بالجعالة أو بما يدل عليها كقوله: ولك بتمام العمل كذا، كان جعالة، وإن لم يصرح بواحد منهما ولم يأت بما يدل عليها، فانظر هل يحمل على الإجارة أو الجعالة؟ أو يكون فاسدا. انتهى.
تنبيه: قد ختم هذه المسألة غير واحد بمثال فيه غموض، وهو: ما إذا استأجره على حفر بئر عشرة أذرع، في عشرة أذرع أي عشرة طولا مع عشرة عرضا، وعلى أن عمقها عشرة فعمل خمسة في خمسة، أو استؤجر على أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة ففعل خمسة في خمسة، وظاهر الحال أن لهذين نصف الأجرة لأنهما عملا خمسة وهي نصف العشرة وليس كذلك، بل له في مسألة البئر الثمن، وفي مسألة الصندوق الربع، ووجْهُ صحة ذلك أن البئر كلما نزَّل فيه ذراعا فقد شال منه بساطا ساحته عشرة في عشرة وذلك مائة، فكل ذراع ينَزِّله في البئر مائة فجملة ذلك ألف ذراع، والمستأجر عليه ألف ذراع، فإن عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول تراب خمسة في خمسة وذلك خمسة وعشرون، فكل ذراع من هذا المعمول خمسة وعشرون والأذرع المعمولة خمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمسة وعشرين، وذلك جميع ما عمله، ونسبتها للألف الثمن، فيستحق الثمن، وأما الصندوق فليس فيه عمق وإلا استوت المسألتان، بل ألواح ستة يلفقها أربعة أجناب وواحد قعر وواحد غطاءٌ، وكل لوح منها مائة ذراع لأنه عشرة في عشرة، فجملتها ستمائة ذراع، فإذا عمله ستة ألواح كل لوح خمسة في خمسة فجملة الألواح مائة وخمسون ذراعا، ونسبتها إلى الستمائة ربع، فله ربع الأجرة. قوله: فليس فيه عمق؛ يعني أن العمق في مسألة الألواح ليس من عمل الأجير بخلاف مسألة البئر فالعمق كائن في كل منهما، لكن في مسألة البئر حو من عمل الأجير بخلاف مسألة الصندوق. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. قال التتائي: قال القرافي: وكم يخفى على الفقيه والحاكم الحق في مسائل كثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة، فينبغي لذوي الهمم العالية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم:
стр. 7315
فلم أر في عيوب الناس عيبا … كنقص القادرين على التمام
ولما تكلم على الممنوع والجائز، تكلم على المكروه فقال:
ويكره حلي؛ يعني أن إجارة الحلي مكروهة والمراد به غير المحرم الاستعمال، وهل الكراهة لنقصه وقد أخذ في مقابلته نقدا أو لأنهم كانوا يرون إعارته زكاته؟ خلافٌ. قال البناني: تعليل كراهته بأن الاستعمال ينقصه فيدخله ذهب أو فضة إلى أجل أصله لابن العطار، وتعقبه ابن الفخار بأنه كلام غير معقول، والمشاهدة تبعده؛ لأن الحلي من الجامدات فلا يؤثر فيه الانتفاع. اهـ. فالصواب تعليل ابن يونس بأنهم كانوا يرون أن إعارته زكاته. اهـ. وقال التاودي: كون العلة نقصه غير ظاهر لأنه يقتضي الجواز حيث كانت الأجرة غير نقد ولأنه يقتضي المنع لا الكراهة. اهـ. وقوله: حلي، إما مفرد فيكون بفتح الحاء وسكون اللام، وإما جمع فيكون بضم الحا، وكسر اللام، وقوله: ويكره حلي؛ أي حلي ذهب أو فضة، وقوله: حلي، على حذف مضاف أي إجارته قال المواق من المدونة قال ابن القاسم: لا بأس بإجارة حلي الذهب بذهب أو فضة. واستثقله مالك مرة وخففه مرة. ابن يونس: قال مالك: ليس كراء الحلي من أخلاق الناس. معناه أنهم كانوا يرون زكاة الحلي أن يعار فلذلك كرهوا أن يكرى. اهـ.
فرع: في الذخيرة عن ابن رشد: الحوانيت المبنية بالمال الحرام يكره كراؤها ولا يحرم؛ لأن البناء لبانيه والحرام مرتب في ذمته، وكذا المسجد تكره فيه الصلاة فقط، وأما مسجد بني بمال لم يعلم أن ربه اكتسبه مماذا فسبيله سبيل الفيء لا سبيل الصدقة على المساكين، فتجوز الصلاة فيه دون كراهة. نقله عبد الباقي.
كإيجار مستأجر دابة، قال الخرشي: هذا من باب إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى أن من استأجر دابة لركوب يكره له أن يكريها لمثله ليركبها، وإن وقع وضاعت فلا ضمان عليه حيث كان مثله في خفته وأمانته، فالتشبيه في الكراهة. اهـ. وقال عبد الباقي: كإيجار مستأجر دابة، أي كما يكره لمن استأجر دابة للركوب أن يؤجرها لمثله، فالمصدر مضاف للفاعل، وإن وقع وضاعت فلا ضمان عليه، ومحل الكراهة إن لم يؤجرها بحضرة ربها أو يؤجرها وارثه لموته أو
стр. 7316
يَبدُ لَه الإقامة وعدم الركوب إلى المحل الذي أكراها إليه كما ذكره ابن الحاجب، وظاهر ابن المواز وإن لم يضطر إلى ذلك، وحملنا كلامه على ما إذا اكتراها لركوب؛ لأنه يجوز لمن استأجرها للحمل أن يكريها لحمل مثله، كما يفيده ما يأتي عند قوله: وفعل المأذون. انتهى. قال بناني: قيد اللخمي جواز كرائها إذا كانت مكتراة للحمل بأن يصحبها ربها في السفر، وأما إن كان المكتري هو الذي يسافر بها فهي بمنزلة التي للركوب، وكذلك ذكر ابن يونس عن ابن حبيب وقَبله. زاد ابن حبيب: إلا أن يكون ربها يعلم أن المكتري لا يسوقها بنفسه فلا حجة له. اهـ. نقله الحطاب. وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو قوله: ما ذكره من الكراهة إنما هو إذا اكتراها للركوب، قال في الإجارة منها: وكره ملك لمكتري الدابة لركوبه كراءها من غيره كان مثله أو أخف منه، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلفت لم يضمن إن كان أكراها فيما اكتراها فيه من مثله في حاله وأمانته وخفته، ولو بدا له عن السفر أو مات أكريت من مثله في مثل ما اكتراها له. أبو الحسن: عن ابن يونس: من غير كراهة. وقيد اللخمي جواز كرائها إذا كانت مكتراة للحمل بأن يصحبها ربها في السفر، وأما إن كان المكتري هو الذي يسافر بها فهي بمنزلة التي للركوب، وكذلك ذكر ابن يونس عن ابن حبيب وقَبله، وزاد ابن حبيب: إلا أن يكون ربها يعلم أن المكتري لا يسوقها بنفسه، فلا حجة له. وذكر اللخمي أنه إذا أراد كراءها من غيره وكان اكتراها للركوب أو للحمل لم يكن له ذلك حتى يُعلِمَ صاحبها، فإن أعلمه وسلم أن الثاني كالأول أكراها وإن كره، وإن خالف في ذلك رفع، فإن كان الأمر على ما قال صاحب الدابة منعه، وإن كان لا مضرة عليه مضي كراؤها ومكن الثاني، فإن لم يعلم صاحبها حتى سافر الثاني أو عَلِم وغلبه نظر في ذلك، فإن كان الأمر لو رفع للحاكم مكنه من السفر لم يكن عليه شيء، وإن كان يمنعه من السفر كان على حكم المتعدي، فإن سلمت أخذه بفضلِ كراء الثاني عن الأول، وإن حدث عيب ضمنه إن كان العيب لأجل ركوبه، وإذا كان متعديا في كرائها من الثاني بأن كان غير مأمون وادعى ضياعها، ضمن الأول لأنه متعد، ولم يرجع على الثاني لأنه أذن له، ولو كان الأول
стр. 7317
عديما، إلا أن يكون الثاني عالما بتعديه فيضمن لأنه متعد، واختلف إن حدث عيب من غير سبب الركوب هل يضمنه الأول أو لا يضمنه؟ وكذلك إذا علم الضياع ببينة أو أكراها من أمين أضر منه في الركوب وادعى الضياع، هل يضمن أم لا؟ لأنه غير الوجه الذي تعدى به، ولا أرى أن يضمن الأول إلا أن يؤتَى من سبب الوجه الذي تعدى به. اهـ. قال الحطاب: علم منه أنه إذا علم صاحبنها عند كرائها من غيره لم يكره، وأن كراءه إياها ممن ليس مثله ممنوعٌ لأنه جعله متعديا. والله سبحانه أعلم. انتهى.
فرع: لو شرط عليه أنه لا يكريها لمثله فهو شرط يناقض المقصود، فيفسد به العقد، فإن حذف صح العقد.
أو ثوب؛ يعني أنه يكره لمن استأجر ثوبا للبسه أن يكريه لمثله، وضمنه المكتري الأول إلا لبينة على تلفه من غير تعدي الثاني؛ لأن الضمان ضمان تهمة فيزول مع البينة، لا ضمان عداء. كذا يظهر. قاله عبد الباقي. وقال والظاهر أنه يجري في الثوب نحو ما تقدم، فإذا استأجره ليحمل فيه شيء (١) فلا يكره أن يؤجره في حمل مثله، وله أن يؤجره بحضرة ربه، ولعدم إرادة لبسه أو وارثه لموته، وقد استفيد مما ذكرناه أن الكراهة حيث جهل رضي المكري وعدم رضاه فإن علم رضاه. لم يكره، وإن علم عدمه فانظر هل يكون ذلك كشرطه أن لا يكري لمثله فيفسد العقد لأنه شرط مناقض لمقتضاه إلا أن يسقطه بأن يرضى بالكراء لمثله؟ أو لا يكون كالشرط فالعقد صحيح ويحرم عليه فعل ذلك، وينبغي أن تكون الكتب كالثياب لاختلاف استعمال الناس فيها، وعلم مما قررت أن قوله لمثله راجع للدابة وللثوب، ومفهوم: مثله، أنه لا يجوز له أن يكري الدابة ولا الثوب ممن ليس مثله كما مر في الدابة، وقوله: دابة، يتنازعه إيجار ومستأجر، ويصح تنوين مستأجر وإضافته إلى دابة والله تعالى أعلم وما مر من التفرقة بين الدابة فلا يضمنها والثوب فيضمنه. نحوه في المدونة. قال في التوضيح: الذي في المدونة أنه يضمن الثوب إذا هلك بيد الغير لاختلاف حال الناس في اللبس، ولا يضمن إن هلك بيده. انتهى. وقال الحطاب: قال في مسألة
стр. 7318
كراء الثوب: فإن هلك بيدك لم تضمنه، وإن دفعته إلى غيرك كنت ضامنا إن تلف، أبو الحسن: ظاهره ولو كان مثله. وقال سحنون: لا يضمن إذا كان مثله، ومسألة من اكترى فسطاطا إلى مكة فأكراه من مثله في مثل حاجته إليه هي الأصل. وقال ابن القاسم فيها: ذلك جائز قال في التوضيح: وفي استدلال سحنون نظر؛ لأن الاختلاف في اللبس أكثر من الاختلاف في الفسطاط. انتهى. وهذه النسخة التي شرحت عليها المصنف هي لابن غازي وهي بينة موافقة لما في الإجارة من المدونة، وفي بعض النسخ: كإيجار مستأجر دابة أو لفظ لمثله، ومعناها أن الفظ إذا استأجر دابة ليركبها فإنه يكره له أن يكريها لفظ مثله يركبها، وهو معطوف على محذوف أي لغير فظ، أو لفظ فيكره له أن يكريها لفظ مثله، فإن قيل: هذا يستفاد من المعطوف عليه فما فائدته؟ فالجواب: أنه لما كان يتوهم فيه الجواز لكون رب الدابة دخل على إعطائها لفظ فتساهل فيها فنبه عليه لذلك، وقوله: لفظ الفظ من الرجال الجافي الغليظ، وقد فظظت يا رجل بالكسر، والفظ أيضا ماء الكرش. قال سيدنا زيد الخير رضي الله تعالى عنه:
كأن لهم إذ يعصِرون فُظوظَها … بدَجلةَ أو فَيضِ الأُبُلَّةِ مَوْرِدُ
إذا ما استَبَالُوا الخيلَ كانت أكُفُّهم … وقائِعَ للأبوالِ والماءُ أبْرَدُ
وقال التتائي: كإيجار مستأجر دابة ليركبها فآجرها لمثله، ففي جُعل المدونة وإجارتها: كره مالك لمكتري الدابة لركوبها [كراؤها من غيرها] (١) وإن كان أخفَّ منه أو مثله، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلفت لم يضمن إذا أكراها فيما اكتراها فيه من مثله في حالته وأمانته وخفته، وفيها أيضا: من اكترى دابة ليركبها بنفسه ليس له أن يكريها من غيره وإن كان مثل حاله وخفته؛ لأنه قد يجد من هو مثله في الأمانة والحالة والخفة ولا يكون مثله في الرفق، وربما أشعر قوله: لمثله بأن ذلك في الركوب، فلو اكتراها لغير الركوب لم يكره، وهو كذلك ففي توضيحه عن محمد: لم يختلف من أدركت من العلماء في إجازة ربح الكراء في الدور والسفن والمتاع وسائر
стр. 7319
الصناعات في مثل ما اكترى، وقد استثقله مالك في الركوب إلا أن يقيم أو يموت، ولم يختلف قوله في الأحمال. انتهى. وقوله: إلا أن يقيم أي إلا أن يبدُوَ له أن يقيم أو يموت، وفي ابن عرفة: وفيها ولمكتري الدابة للحمل والسفينة والدار كراؤها من مثله في مثل ما اكتراها له، وكذلك الفسطاط له كراؤه من مثله في حاله وأمانته وصنعه فيه، وبهذا يظهر لك أن قول البساطي: إذا اكتراها لغير الركوب فإنه أيضا مكروه غيرُ ظاهر. اهـ. وقال المواق في سماع عيسى: أن من استأجر أجيرا يعمل له، له أن يؤاجره من غيره لأنه قد استحق منافعه.
وتعليم فقه؛ يعني أن الإجارة على تعليم الفقه مكروهة. وفرائض؛ يعني أنه تكره الإجارة على تعليم الفرائض أي المواريث، وأما أخذ الأجر على تعليم عمل الفرائض فلا كراهة فيه، كما قاله أبو الحسن. وقوله: وفرائض، من عطف الخاص على العام، وإنما كرهت الإجارة على تعليم الفقه وعلم الفرائض ليلا يقل طالب ذلك والمطلوب خلافه. قاله غير واحد. وكذا تكره الإجارة على تعليم نَحْوٍ وشِعْرٍ: وعلى كتابة ذلك، وعلى نوح أي تَغَنِّي متصوفة، وعلى رسائل وأيام العرب، ومنعت على هجو وغناء محرم، والفرق بين الفقه والقرآن أن الإجارة على تعليم الفقه ليس عليه العمل عندهم، بخلاف الأخذ على القرآن فقد جرى به العمل عندهم وهو ظاهر، وهذا الفرق هو الحق لا ما لعبد الباقي، فقد رده البناني. والله تعالى أعلم. وقوله: وتعليم فقه وفرائض، كذا في المدونة، وقال ابن يونس: الصواب جواز الإجارة على تعليم ذلك. اللخمي: يختلف في الإجارة على تعليم العلم وكتْبه وبيع كتبه، ولا أرى أن يختلف اليوم في جواز ذلك؛ لأن حفظ الناس وأفهامهم نقصت وقد كان كثير ممن تقدم ليس لهم كتب، قال مالك: لم يكن للقاسم ولا لسعيد كتاب، ولقد قلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ فقال: لا. فقلت: أكنت تسألهم أن يعيدوا عليك الحديث؟ قال: لا. فهذا كان شأن القوم، فلو سار الناس اليوم بسيرهم ذلك لضاع العلم وذهب رسمه، والناس اليوم يقرءون كتبهم ثم هم في التقصير على ما هم عليه، ثم قال: ويجوز للمفتي أن يكون له رزق من بيت المال، والأجرة على القضاء والفتيا رشوة قال ابن عرفة بعت نقله في الأجر على الشهادة خلافا، "وكذا في الرواية: ومن شغله ذلك عن جل تكسبه فأخذه
стр. 7320
الأجرة من غير بيت المال (١) عندي خفيف، وقد مر أن الإجارة على تغني المتصوفة مكروه، قال عياض: معناه نوح المتصوفة وأناشيدهم المسمى بالتغني على طريق النوح والبكاء، وفي المواق: قال في المدونة: وقد كره ملك القراءة بالألحان فكيف بالغناء، وكره مالك بيع الأمة بشرط أنها مغنية، قال ابن القاسم: فإن وقع فسخ البيع. قال سحنون: وينبغي أن تباع ولا يذكر غناءها، فإذا تم البيع ذكر ذلك فإما رضيها المبتاع أو ردها، وفي كتاب ابن المواز: لا ترد إلا أن يشترط ذلك في البيع فيفسخ. اهـ. وفي التتائي بعد أن ذكر الكراهة، وقيل: تجوز في الفقه والنحو والرسائل وأيام العرب، ومنع ابن القاسم ذلك على تعليم شعر ونحو، فأما على الهجو والغناء فممنوعة اتفاقا انتهى وقال الخرشي: قال الشارح: قال في المدونة: وأكره الإجارة على تعليم علم الشعر والنحو وعلى كتابة ذلك، وإجارة كتب فيها ذلك. اهـ المراد منه.
كبيع كتبه؛ يعني أن بيع كتب الفقه مكروه، وقوله: كبيع كتبه، قال عبد الباقي: أي ما ذكر.
قال أحمد: اللخمي: وعليه تكره الإجارة على كتابته. اهـ. وكذا ما ألحق بهما فيما يظهر لكراهة الإيجار عليهما كما مر، وهذا في غير المفلس كما قدمه في بابه؛ والفقه لغة الفهم واصطلاحا - وهو المراد هنا- العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، فيخرج نحو: ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾، ونحو: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾. الآية. فلا يسمى فقها، ولذا قالوا: ضروريات العلوم لا تعد من مسائله. انتهى وقال التتائي: وتكره الإجارة على تعليم فقه كبيع كتبه، كرهه مالك. اللخمي: وعليه تكره على كتابته. ولمحمد بن عبد الحكم بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون فلم ينكروه.
وقرءة بلحن، قال الخرشي: المراد باللحن التطريب وهو تقطيع الصوت بالأنغام على حده المعروف- والمعنى أنه تكره الأجرة على القراءة بالألحان، فهو على حذف مضاف؛ أي وأجرة قراءة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وليس المراد أنه يكره القراءة باللحن ليلا يلزم التكرار مع ما سبق من غير فائدة، وقوله: وقراءة بلحن؛ أي لحن لم يخرج به القرآن عما