يَبدُ لَه الإقامة وعدم الركوب إلى المحل الذي أكراها إليه كما ذكره ابن الحاجب، وظاهر ابن المواز وإن لم يضطر إلى ذلك، وحملنا كلامه على ما إذا اكتراها لركوب؛ لأنه يجوز لمن استأجرها للحمل أن يكريها لحمل مثله، كما يفيده ما يأتي عند قوله: وفعل المأذون. انتهى. قال بناني: قيد اللخمي جواز كرائها إذا كانت مكتراة للحمل بأن يصحبها ربها في السفر، وأما إن كان المكتري هو الذي يسافر بها فهي بمنزلة التي للركوب، وكذلك ذكر ابن يونس عن ابن حبيب وقَبله. زاد ابن حبيب: إلا أن يكون ربها يعلم أن المكتري لا يسوقها بنفسه فلا حجة له. اهـ. نقله الحطاب. وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو قوله: ما ذكره من الكراهة إنما هو إذا اكتراها للركوب، قال في الإجارة منها: وكره ملك لمكتري الدابة لركوبه كراءها من غيره كان مثله أو أخف منه، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلفت لم يضمن إن كان أكراها فيما اكتراها فيه من مثله في حاله وأمانته وخفته، ولو بدا له عن السفر أو مات أكريت من مثله في مثل ما اكتراها له. أبو الحسن: عن ابن يونس: من غير كراهة. وقيد اللخمي جواز كرائها إذا كانت مكتراة للحمل بأن يصحبها ربها في السفر، وأما إن كان المكتري هو الذي يسافر بها فهي بمنزلة التي للركوب، وكذلك ذكر ابن يونس عن ابن حبيب وقَبله، وزاد ابن حبيب: إلا أن يكون ربها يعلم أن المكتري لا يسوقها بنفسه، فلا حجة له. وذكر اللخمي أنه إذا أراد كراءها من غيره وكان اكتراها للركوب أو للحمل لم يكن له ذلك حتى يُعلِمَ صاحبها، فإن أعلمه وسلم أن الثاني كالأول أكراها وإن كره، وإن خالف في ذلك رفع، فإن كان الأمر على ما قال صاحب الدابة منعه، وإن كان لا مضرة عليه مضي كراؤها ومكن الثاني، فإن لم يعلم صاحبها حتى سافر الثاني أو عَلِم وغلبه نظر في ذلك، فإن كان الأمر لو رفع للحاكم مكنه من السفر لم يكن عليه شيء، وإن كان يمنعه من السفر كان على حكم المتعدي، فإن سلمت أخذه بفضلِ كراء الثاني عن الأول، وإن حدث عيب ضمنه إن كان العيب لأجل ركوبه، وإذا كان متعديا في كرائها من الثاني بأن كان غير مأمون وادعى ضياعها، ضمن الأول لأنه متعد، ولم يرجع على الثاني لأنه أذن له، ولو كان الأول
стр. 7317
عديما، إلا أن يكون الثاني عالما بتعديه فيضمن لأنه متعد، واختلف إن حدث عيب من غير سبب الركوب هل يضمنه الأول أو لا يضمنه؟ وكذلك إذا علم الضياع ببينة أو أكراها من أمين أضر منه في الركوب وادعى الضياع، هل يضمن أم لا؟ لأنه غير الوجه الذي تعدى به، ولا أرى أن يضمن الأول إلا أن يؤتَى من سبب الوجه الذي تعدى به. اهـ. قال الحطاب: علم منه أنه إذا علم صاحبنها عند كرائها من غيره لم يكره، وأن كراءه إياها ممن ليس مثله ممنوعٌ لأنه جعله متعديا. والله سبحانه أعلم. انتهى.
فرع: لو شرط عليه أنه لا يكريها لمثله فهو شرط يناقض المقصود، فيفسد به العقد، فإن حذف صح العقد.
أو ثوب؛ يعني أنه يكره لمن استأجر ثوبا للبسه أن يكريه لمثله، وضمنه المكتري الأول إلا لبينة على تلفه من غير تعدي الثاني؛ لأن الضمان ضمان تهمة فيزول مع البينة، لا ضمان عداء. كذا يظهر. قاله عبد الباقي. وقال والظاهر أنه يجري في الثوب نحو ما تقدم، فإذا استأجره ليحمل فيه شيء (١) فلا يكره أن يؤجره في حمل مثله، وله أن يؤجره بحضرة ربه، ولعدم إرادة لبسه أو وارثه لموته، وقد استفيد مما ذكرناه أن الكراهة حيث جهل رضي المكري وعدم رضاه فإن علم رضاه. لم يكره، وإن علم عدمه فانظر هل يكون ذلك كشرطه أن لا يكري لمثله فيفسد العقد لأنه شرط مناقض لمقتضاه إلا أن يسقطه بأن يرضى بالكراء لمثله؟ أو لا يكون كالشرط فالعقد صحيح ويحرم عليه فعل ذلك، وينبغي أن تكون الكتب كالثياب لاختلاف استعمال الناس فيها، وعلم مما قررت أن قوله لمثله راجع للدابة وللثوب، ومفهوم: مثله، أنه لا يجوز له أن يكري الدابة ولا الثوب ممن ليس مثله كما مر في الدابة، وقوله: دابة، يتنازعه إيجار ومستأجر، ويصح تنوين مستأجر وإضافته إلى دابة والله تعالى أعلم وما مر من التفرقة بين الدابة فلا يضمنها والثوب فيضمنه. نحوه في المدونة. قال في التوضيح: الذي في المدونة أنه يضمن الثوب إذا هلك بيد الغير لاختلاف حال الناس في اللبس، ولا يضمن إن هلك بيده. انتهى. وقال الحطاب: قال في مسألة
стр. 7318
كراء الثوب: فإن هلك بيدك لم تضمنه، وإن دفعته إلى غيرك كنت ضامنا إن تلف، أبو الحسن: ظاهره ولو كان مثله. وقال سحنون: لا يضمن إذا كان مثله، ومسألة من اكترى فسطاطا إلى مكة فأكراه من مثله في مثل حاجته إليه هي الأصل. وقال ابن القاسم فيها: ذلك جائز قال في التوضيح: وفي استدلال سحنون نظر؛ لأن الاختلاف في اللبس أكثر من الاختلاف في الفسطاط. انتهى. وهذه النسخة التي شرحت عليها المصنف هي لابن غازي وهي بينة موافقة لما في الإجارة من المدونة، وفي بعض النسخ: كإيجار مستأجر دابة أو لفظ لمثله، ومعناها أن الفظ إذا استأجر دابة ليركبها فإنه يكره له أن يكريها لفظ مثله يركبها، وهو معطوف على محذوف أي لغير فظ، أو لفظ فيكره له أن يكريها لفظ مثله، فإن قيل: هذا يستفاد من المعطوف عليه فما فائدته؟ فالجواب: أنه لما كان يتوهم فيه الجواز لكون رب الدابة دخل على إعطائها لفظ فتساهل فيها فنبه عليه لذلك، وقوله: لفظ الفظ من الرجال الجافي الغليظ، وقد فظظت يا رجل بالكسر، والفظ أيضا ماء الكرش. قال سيدنا زيد الخير رضي الله تعالى عنه:
كأن لهم إذ يعصِرون فُظوظَها … بدَجلةَ أو فَيضِ الأُبُلَّةِ مَوْرِدُ
إذا ما استَبَالُوا الخيلَ كانت أكُفُّهم … وقائِعَ للأبوالِ والماءُ أبْرَدُ
وقال التتائي: كإيجار مستأجر دابة ليركبها فآجرها لمثله، ففي جُعل المدونة وإجارتها: كره مالك لمكتري الدابة لركوبها [كراؤها من غيرها] (١) وإن كان أخفَّ منه أو مثله، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلفت لم يضمن إذا أكراها فيما اكتراها فيه من مثله في حالته وأمانته وخفته، وفيها أيضا: من اكترى دابة ليركبها بنفسه ليس له أن يكريها من غيره وإن كان مثل حاله وخفته؛ لأنه قد يجد من هو مثله في الأمانة والحالة والخفة ولا يكون مثله في الرفق، وربما أشعر قوله: لمثله بأن ذلك في الركوب، فلو اكتراها لغير الركوب لم يكره، وهو كذلك ففي توضيحه عن محمد: لم يختلف من أدركت من العلماء في إجازة ربح الكراء في الدور والسفن والمتاع وسائر
стр. 7319
الصناعات في مثل ما اكترى، وقد استثقله مالك في الركوب إلا أن يقيم أو يموت، ولم يختلف قوله في الأحمال. انتهى. وقوله: إلا أن يقيم أي إلا أن يبدُوَ له أن يقيم أو يموت، وفي ابن عرفة: وفيها ولمكتري الدابة للحمل والسفينة والدار كراؤها من مثله في مثل ما اكتراها له، وكذلك الفسطاط له كراؤه من مثله في حاله وأمانته وصنعه فيه، وبهذا يظهر لك أن قول البساطي: إذا اكتراها لغير الركوب فإنه أيضا مكروه غيرُ ظاهر. اهـ. وقال المواق في سماع عيسى: أن من استأجر أجيرا يعمل له، له أن يؤاجره من غيره لأنه قد استحق منافعه.
وتعليم فقه؛ يعني أن الإجارة على تعليم الفقه مكروهة. وفرائض؛ يعني أنه تكره الإجارة على تعليم الفرائض أي المواريث، وأما أخذ الأجر على تعليم عمل الفرائض فلا كراهة فيه، كما قاله أبو الحسن. وقوله: وفرائض، من عطف الخاص على العام، وإنما كرهت الإجارة على تعليم الفقه وعلم الفرائض ليلا يقل طالب ذلك والمطلوب خلافه. قاله غير واحد. وكذا تكره الإجارة على تعليم نَحْوٍ وشِعْرٍ: وعلى كتابة ذلك، وعلى نوح أي تَغَنِّي متصوفة، وعلى رسائل وأيام العرب، ومنعت على هجو وغناء محرم، والفرق بين الفقه والقرآن أن الإجارة على تعليم الفقه ليس عليه العمل عندهم، بخلاف الأخذ على القرآن فقد جرى به العمل عندهم وهو ظاهر، وهذا الفرق هو الحق لا ما لعبد الباقي، فقد رده البناني. والله تعالى أعلم. وقوله: وتعليم فقه وفرائض، كذا في المدونة، وقال ابن يونس: الصواب جواز الإجارة على تعليم ذلك. اللخمي: يختلف في الإجارة على تعليم العلم وكتْبه وبيع كتبه، ولا أرى أن يختلف اليوم في جواز ذلك؛ لأن حفظ الناس وأفهامهم نقصت وقد كان كثير ممن تقدم ليس لهم كتب، قال مالك: لم يكن للقاسم ولا لسعيد كتاب، ولقد قلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ فقال: لا. فقلت: أكنت تسألهم أن يعيدوا عليك الحديث؟ قال: لا. فهذا كان شأن القوم، فلو سار الناس اليوم بسيرهم ذلك لضاع العلم وذهب رسمه، والناس اليوم يقرءون كتبهم ثم هم في التقصير على ما هم عليه، ثم قال: ويجوز للمفتي أن يكون له رزق من بيت المال، والأجرة على القضاء والفتيا رشوة قال ابن عرفة بعت نقله في الأجر على الشهادة خلافا، "وكذا في الرواية: ومن شغله ذلك عن جل تكسبه فأخذه
стр. 7320
الأجرة من غير بيت المال (١) عندي خفيف، وقد مر أن الإجارة على تغني المتصوفة مكروه، قال عياض: معناه نوح المتصوفة وأناشيدهم المسمى بالتغني على طريق النوح والبكاء، وفي المواق: قال في المدونة: وقد كره ملك القراءة بالألحان فكيف بالغناء، وكره مالك بيع الأمة بشرط أنها مغنية، قال ابن القاسم: فإن وقع فسخ البيع. قال سحنون: وينبغي أن تباع ولا يذكر غناءها، فإذا تم البيع ذكر ذلك فإما رضيها المبتاع أو ردها، وفي كتاب ابن المواز: لا ترد إلا أن يشترط ذلك في البيع فيفسخ. اهـ. وفي التتائي بعد أن ذكر الكراهة، وقيل: تجوز في الفقه والنحو والرسائل وأيام العرب، ومنع ابن القاسم ذلك على تعليم شعر ونحو، فأما على الهجو والغناء فممنوعة اتفاقا انتهى وقال الخرشي: قال الشارح: قال في المدونة: وأكره الإجارة على تعليم علم الشعر والنحو وعلى كتابة ذلك، وإجارة كتب فيها ذلك. اهـ المراد منه.
كبيع كتبه؛ يعني أن بيع كتب الفقه مكروه، وقوله: كبيع كتبه، قال عبد الباقي: أي ما ذكر.
قال أحمد: اللخمي: وعليه تكره الإجارة على كتابته. اهـ. وكذا ما ألحق بهما فيما يظهر لكراهة الإيجار عليهما كما مر، وهذا في غير المفلس كما قدمه في بابه؛ والفقه لغة الفهم واصطلاحا - وهو المراد هنا- العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، فيخرج نحو: ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾، ونحو: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾. الآية. فلا يسمى فقها، ولذا قالوا: ضروريات العلوم لا تعد من مسائله. انتهى وقال التتائي: وتكره الإجارة على تعليم فقه كبيع كتبه، كرهه مالك. اللخمي: وعليه تكره على كتابته. ولمحمد بن عبد الحكم بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون فلم ينكروه.
وقرءة بلحن، قال الخرشي: المراد باللحن التطريب وهو تقطيع الصوت بالأنغام على حده المعروف- والمعنى أنه تكره الأجرة على القراءة بالألحان، فهو على حذف مضاف؛ أي وأجرة قراءة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وليس المراد أنه يكره القراءة باللحن ليلا يلزم التكرار مع ما سبق من غير فائدة، وقوله: وقراءة بلحن؛ أي لحن لم يخرج به القرآن عما
стр. 7321
اجتمعت السبعة على وجوبه: وقال عبد الباقي: وتكره إجارة على تعليم قراءة القرآن بلحن وهو تقطيع الصوت بالأنغام حيث لا يخرجه عما اجتمعت عليه السبعة، وإلا حرمت كقراءته بما وراءها، ويصح تقرير المص بأن المعنى: وكره أخذ أجرة على قراءة بألحان. اهـ. قوله: كقراءته بما وراءها؛ أي كحرمة القراءة بما وراء السبعة. قال الرهوني: سكت عنه محمد بن الحسن البناني وما كان ينبغي له ذلك؛ لأنه مبني على أن الشاذ ما وراء السبعة وهو قول باطل. انظر المحلي وابن أبي شريف عند قوله في جمع الجوامع: ولا تجوز القراءة بالشاذ، والصحيح أنه ما وراء العشرة وفاقا للبغوي والشيخ الإمام، لا ما وراء السبعة. وقد أشار التاودي إلى هذا. والله تعالى أعلم انتهى.
فرع: قال القرطبي في أوائل شرح مسلم: واعلم أن أخذ الأجرة والجعل على ادِّعاء علم الغيب أو ظنه لا يجوز بالإجماع على ما حكاه أبو عمر ابن عبد البر. قاله الحطاب.
وكراء دف ومعزف لعرس، الدف بضم الدال وفتحها لغة هو الدور المغشى من جهة واحدة، فإن غشي منهما وكان مربعا فهو المزهر، والمعزف نوع من أنواع العيدان، قال النووي في تهذيبه عن الرافعي: المعازف الملاهي ويشمل الأوتار والمزاهر اهـ والمعنى أنه يكره إجارة الدف للعرس، وكذا تكره إجارة غيره من الملاهي للعرس، والمراد بالعرس خصوص النكاح، وبه عبر في المدونة، فلا يقال: المراد بالعرس كل فرح كاجتماع بعض الناس ببعض في ليالي معروفة ويجعلونه فرحا وسرورا فلا يجوز فيه ما ذكر. قاله الشبراخيتي. وقال: قال الجوهري: المعازف الملاهي؛ أي لأنه من العزف وهو الصوت فيشمل الأعواد والرباب والسنطير والكنيجا وغير ذلك. وقال الشارح: العزف بكسر الميم شيء من أنواع العيدان. قال غير واحد: والمناسب هنا في تعريف المعازف ما ذكره الجوهري؛ لأنه يخرج على كلام الشارح أشياء كثيرة، فإن قلت: قد تقرر أن الوسيلة تعطى حكم مقصدها، وضرب الدف ونحوه جائز في العرس، فكيف يكره إجارة ذلك له؟ فالجواب: أن هذا مبني على أنه مرجوح الفعل، وهو قول مالك في المدونة، لا على أنه من الجائز الذي استوى فعله وتركه. اهـ. وقال الخرشي بعد ذكر أن المعازف الملاهي فيشمل الأوتار والمزاهر ما نصه: والمعنى أن ملكا كره ما ذكر للأعراس، ولا يلزم من إباحة ضرب الدف في العرس إباحة إجارته
стр. 7322
فيه: وأما إجارة المعزف في غير العرس فإنه لا يجوز، ثم ذكر ما مر عن الشبراخيتي من السؤال والجواب، وقال عقبه: ولذا قال ابن رشد: إن ضرب الدف في العرس من الجائز الذي استوى فعله وتركه" وقيل: مرجوح الفعل، وهو قول ملك في المدونة، ثم نقل أن المراد بالمعزف جميع آلات الملاهي. اهـ. وقال البناني عن ابن عرفة: كره الإجارة للمعزف في العرس لأنه غير عمل الصالحين وإن كان ضربه مباحا في العرس، فليس كل مباح تجوز الإجارة عليه. اهـ. وقال التتائي: الدف بضم الدال وفتحها لغة هو الدور المغشى من جهة كالغربال، فإن غشي من الجهتين وكان مربعا فهو المزهر. اهـ. وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: لا ينبغي إجارة الدف والمعازف كلها في العرس، وكره ذلك ملك وضعفه. قال ابن يونس: يريد ضعف قول من يجيز ذلك ابن يونس: أما الدف الذي أبيح ضربه في العرس ونحوه فينبغي أن تجوز إجارته. انتهى. وتحصل مما مر أنه لا معارضة في كلام المص؛ لأن ما مر في ضرب الدف للنكاح وما هنا في إجارته.
وكراء كعبد كافرا، قال الخرشي: يعني أنه يكره للمسلم أن يؤاجر نفسه أو ولده أو عبده المسلمَ أو دابته لكافر، ومحل الكراهة المذكورة إذا كان المسلم يجوز له فعل ذلك لِنفسه كالخياطة والبناء والحرث وما أشبه ذلك، وأما ما لا يجوز للمسلم فعله لنفسه كعصر الخمر ورعي الخنازير وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز للمسلم أن يؤاجر نفسه، وما ذكر معها لكافرٍ في ذلك فإن وقع شيء من ذلك فإن الإجارة ترد قبل العمل، فإن فاتت بالعمل فإن الإجارة تؤخذ من الكافر ويتصدق بها على الفقراء أدبا للمسلم، إلا أن يعذر لأجل جهل ونحوه فإنه لا تؤخذ منه، ونصب قوله كافرا على نزع الخافض، وأما الإجارة لعيد الذمي فقد تقدمت في باب الذكاة ومر أنها مكروهة، ثم إن كلام المؤلف مقيد بما إذا كان العمل يجوز للمسلم عمله كما مر، وبما إذا لم يكن فيه إذلال ولم يكن الصانع يعمل في حانوته والكافر يأتي إليه. قال الشيخ عبد الحق في النكت: وإجارة المسلم نفسه من النصراني على ثلاثة أوجه: فإن استأجره في مثل رعاية الخنازير وحمل الخمر وشبه ذلك فهذا يفسخ متى ما عثر عليه، فإن فات ذلك وقبض الأجرة تصدق عليه بها الوجه الثاني: إن استأجره في شيء يمتهنه النصراني فيه ويكون تحت يده من خدمة ونحوها فهذا يفسخ متى
стр. 7323
ما عثر عليه، فإن فات لم يتصدق عليه بالأجرة وساغ له. الوجه الثالث: إن استأجره في شيء لا يكون فيه تحت يده وامتهانه مثل حراسةٍ وقراض يأخذه منه يعمل به، فهذا إذا نزل مضى بالثمن وساغت له الأجرة. اهـ. الشيخ أبو الحسن: وزاد أبو الوليد قسما رابعا وهو المباح، وهو: أن يأتيه إلى حانوته فيخيط له ثوبا أو للموثق يوثق له وثيقة، فهذا مباح، وسمى الوجه الثاني من الأوجه التى ذكرها عبد الحق فاسدا، وسمى الأولَ حراما. اهـ كلام الخرشي يزيادة قليلة. وقال عبد الباقي: ويكره كراء كعبد كافر بالجر والتنوين في كافر وإضافة كراء إليه، وفصل بينهما بقوله: كعبد. وهو جائز في مثل هذا، وفي نسخة كافرا بالنصب وهو مفعول ثان لكراء؛ لأنه اسم مصدر بمعنى إكراء ومفعوله الأول كعبد، ومحل الكراهة حيث كان الكافر يستبد بعمل المسلم وليس تحت يده ولا اكتراه في عمل محرم، فإن لم يستبد بعمله كخياطة بين المسلمين والكفار ولم يكن تحت يده ولا اكتراه في فعل محرم جاز، وإن كان تحت يده فمحظور، وإن كان في فعل محرم حرم وفسخ في المحظور إلا أن يفوت فيمضي ويكون له الأجر، بخلاف المحرم فإنه إذا فات فسخه بمضيه وأخذ الكراء تصدق به أدبا للمسلم إلا أن يعذر بجهل ونحوه، وكذا يكره كراء دابة لكافر لعيده أو ليركبها لكنيسةٍ كما مر، وقد مر عن عبد الباقي أن قوله: كافرا، بالنصب في بعض النسخ وبالجر في بعض. وفي الحطاب: أن في بعض النسخ وكراء عبد لكافر، بإضافة كراء لعبد وجر كافر باللام، وفي بعضها وكراء كعبد كافر بإدخال كاف التشبيه على عبد وتجريد كافر من اللام فيكون كراء مضافا إلى كافر. اهـ. ثم قال الحطاب: وما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من أن إجارة العبد المسلم للكافر مكروهة فإنما ذلك إذا لم يغب عليه، وأما إن كان يغيب عليه في بيته فلا يجوز لما في ذلك من المفاسد، منها استيلاء الكافر على المسلمين وإهانتهم والتمكن من إذايتهم، والله تعالى يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾. ومنها ما يخشى من أنهم يفْتِنُونَهم عن دينهم والعياذ بالله لتمكنهم منهم، ومنها أنه ربما أطعموهم شيئا من المحرمات كالخمر والخنزير، ومنها أنهم يمنعونهم من الواجبات، ومنها ما يخشى من وطء
стр. 7324
الإماء؛ فإن وقعت الإجارة على الصفة المذكورة فسخت. انتهى المراد منه. وقال التتائي: قال ابن عرفة: والإجارة على بناء دورهم إن كانت لمجرد سكناهم دون بيع الخمر فيها فكالمساقاة وإلا فكالكنيسة. اهـ.
وبناء مسجد للكراء؛ يعني أنه يكره لك أن تبني مسجدا لتكريه لتأخذ أجره من المصلين. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وكره بناء مسجد للكراء؛ أي لأخذه ممن يصلي فيه لأنه ليس من مكارم الأخلاق، فإن بناه لله ابتداء ثم قصد أخذ الكراء ممن يصلي به كره القصد الثاني، وكذا يكره أخذ الكراء ممن يصلي ببيته كما في المدونة، وأجاز غيرها أخذه في البيت، واعتَرَض الحطاب المص بأن أكثر عبارات أهل المذهب عدم الجواز لا الكراهة. انتهى. وقال التتائي: وكره بناء مسجد للكراء بأن يكريه لمن يصلي فيه، وقول المدونة: لا يصلح أن يبني مسجدا ليكريه ممن يصلي فيه، قال ابن ناجي: لا يصلح، على التحريم، فهو مخالف لما هنا، اللخمي: إذا بناه ليكريه جاز ولد بيعه ولو صلى الناس فيه، وإن بناه ليصلَّى فيه ولم يحَز عنه ولا صلى الناس وامتنع من إخراجه من يده ولم يُحَز عنه فإن مات قبل احتيازه أو كان على العادة حبسا فهل يمضي حبسا أو ميراثا؟ قياسا على الصدقات إذا لم يفرط وخروجها حتى مات قولان. اهـ. وقال الشبراخيتي: وكره بناء مسجد للكراء أكراه لمن يصلي فيه أم لا، ومثله البيت عند ابن القاسم بناه للكراء أم لا؛ لأن هذا ليس من مكارم الأخلاق. اهـ. وقال البناني: لفظ المدونة: ولا يصح أن يبني مسجدا ليكريَه ممن يصلي فيه أو يكري بيته ممن يصلي فيه وأجاز ذلك غيره في البيت. أبو الحسن: انظر قوله: ولا يصلح، هل هو على الكراهة أو على المنع؟ فعلى ما نقل ابن يونس عن سحنون هو على المنع، وعلى ما نقل عياض هو على الكراهة؛ لأنه قال: ليس من مكارم الأخلاق. اهـ. لكن أكثر عبارات أهل المذهب عدم الجواز كما في الحطاب، فعلى المص درك في مخالفتها. اهـ. وقال الحطاب: قال في التهذيب: ولا يصح أن يبني مسجدا ليكريه ممن يصلي فيه، أو يكري بيته ممن يصلي فيه وأجاز ذلك غيره في البيت. اهـ. وحكى الأصحاب في التوفيق بين ابن القاسم والغير في البيت وجهين، أحدهما: أن الغير تكلم بعد الوقوع وابن القاسم قبل الوفوع. الثاني أن قول ابن القاسم فيما إذا كان يكريه منهم في أوقات الصلاة فقط ويرجع إليه
стр. 7325
في غيرها. وقول الغير فيما إذا كان يكريه منهم لينتفعوا به مدة كرائه للصلاة وغيره وفيما شاءوا مما هو من جنس الصلاة. انتهى.
وسكنى فوقه؛ يعني أنه يكره السكنى بالأهل فوق المسجد الذي بنيَ للكراء، وأما السكنى قوق ظهر المسجد بغير أهل فإنها جائزة بني للكراء أولا، وأما السكنى فوق ظهر المسجد الذي بني للعبادة بالأهل فممنوعة حيث بني فوقه بعد تحبيسه. والله تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وكره سكنى بأهله فوقه أي المسجد الذي بني للكراء إذ هو أقرب مذكور، وأولى ما بني للعبادة فقط حيث بني محل السكنى بالأهل فوقه قبل تحبيسه مسجدا بأن يكون نوى حالة بناء المسجد بناء محلٍّ فوقه للسكنى بالأهل، أو بني علوا وسفلا لنفسه ثم جعل السفل مسجدًا لله على التأبيد، وأبقى الأعلى للسكنى بالأهل وأما ما بني فوقه بعد تحبيسه فحرام، كما أفاده في الموات بقوله: ومنع عكسه، فلا معارضة بين ما هنا وبين ما يأتي في الإحياء إذ ما هنا فيما بني للكراء وما يأتي فيما بني لغيره، وهذا الجمع بين الموضعين أصله لابن عبد السلام وهو الذي ارتضاه الحطاب وأيده بنقول، وحمل الناصر اللقاني الكراهة هنا على التحريم ليوافق ما يأتي والأول أولى، وقوله: وسكنى فوقه، وأما السكنى تحته فيجوز بالأهل وغيره بني للكراء أم لا. قال عبد الباقي: وانظر لو جهل فعل الواقف في المبيت فوقه بالأهل هل هو قبل تحبيسه أو بعده؟ اهـ. وذكر ملك أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه كان يبيت على ظهر المسجد بالصيف فكان لا يقرب فيه امرأة، وما ذكره المص هنا من الكراهة موافق لظاهر ما في الجعل من المدونة، قال في التهذيب: وكره مالك السكنى بالأهل فوق ظهر المسجد، قال أبو الحسن في الكبير: ونقلها ابن يونس، وكره مالك أن يبنى الرجل مسجدا ثم يبني فوقه يبتا يسكنه بأهله. ابن يونس: يريد لأنها إذا كانت معه صار يطؤها على ظهر المسجد وذلك مكروه. انتهى. قاله الحطاب. ثم قال: وتحقيق هذه المسألة أن المسجد إذا بناه الشخص لله وحيز عنه فلا ينبغي أن يختلف في أنه لا يجوز له البناء فوقه، فقد قال القرافي في الفرق الثاني عشر بعد المأتين: اعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف وهواء الطلق طلق وهواء الموات موات وهواء الملك ملك وهواء المسجد له حكم المسجد، لا يقر فيه الجنب، ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان
стр. 7326
السماء لمن أراد غرز خشب حولها، ويبني على رؤوس الخشب سقفا عليه بنيان، ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا فرع وهو إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان، ومثله في قواعد المقري. اهـ. وقال الشبراخيتي: وأما ما بني للسكنى بعد تحبيسه فحرام وإن كان قبل حوزه عنه. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: يعني والله تعالى أعلم إذا لم يحصل مبطل.
بمنفعة، متعلق بقوله: صحة الإجارة، والباء للسببية أو للآلة. والله تعالى أعلم يعني أن الإجارة إنما تصح فيما له منفعة وما لا منفعة فيه لا تصح إجارته. تتقوم؛ يعني أن من شروط هذه المنفعة أن تكون متقومة، ومعنى المتقومة أن تكون لها قيمة، قال المواق: قال ابن شأس: الركن الثالث من أركان الإجارة المنفعة، ومن شروطها أن تكون متقومة. ابن عرفة: فسروا متقومة بما لها قيمة وهو قول الغزالي، فلا يصح استئجار تفاحة للشم والطعام لتزيين الحوانيت فإنه لا قيمة له. انتهى. وقال الخرشي: قال القرافي: معنى المتقوم الذي له قيمة احترز عما لو استأجر تفاحة للشم أو استأجر الطعام لتزيين الحوانيت فإنه لا يصح إذ لا قيمة له، وما لا يعرف بعينه فإنه لا يجوز استيجاره خشية السلف بزيادة الأجرة. انتهى. وقال التتائي عند قوله: تتقوم أي تدخل تحت التقويم احترازا من التافه الحقير الذي لا تجوز مقابلته بالمال في نظر الشرع كالدنانير لتزيين الحوانيت، وكل ما لا يعرف بعينه خشية السلف بزيادة الأجرة، وأجازه القاضي أبو بكر وغيره إذا كان ربها حاضرا معها. اهـ. وفي الشبراخيتي: تتقوم بخلاف ما لا قيمة له كرائحة التفاحة مثلا فإنه لا يجوز استيجارها للشم والفرجة على الرياض ونحوها، وكذا لا يجوز استئجار الدراهم والدنانير لتزيين الحوانيت، ولا السراج للاستصباح ولا الجدار للاستظلال، وتتقوم مضارع تَقَوَّمَ أي قبل التقويم وهو فعل لازم. اهـ. وقال الحطاب: تتقوم في كثير من النسخ بضم التاء الأولى والظاهر فتحهما معا، والمعنى أن لها قيمة واحترز به من التافه الحقير الذي لا يجوز مقابلته بالمال في نظر الشرع. البساطي: كاستيجار نار ليوقد منها سراجا، وقد اختلف في جواز الإجارة في فروع نظرا إلى كون المنفعة فيها متقومة أم لا. منها إجارة المصحف للقراءة فيه، وإجارة الأشجار لتجفيف الثياب. اهـ. وقال الخرشي وعبد الباقي: والظاهر أن استئجار مسك وزباد لشم
стр. 7327
كاستيجار تفاحة له. اهـ. زاد الخرشي ومثل هذا والله أعلم كراء الشمع للمشي بها في الزقاق كما عندنا بمصر. انتهى والله تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة: المنفعة ما لا يمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه، فتخرج الأعيان ونحو العلم والقدرة، ونحو نصف العبد ونصف الدابة مشاعا، وهي ركن لأنها المشتراة. انتهى. قال شارحه: قوله: ما لا يمكن؛ أي الشيء الذي لا يمكن الإشارة إليه وهو عام جنس للمنفعة، وقوله: حسا، احترز به مما يمكن الإشارة إليه حسا من الأعيان بنفسه كالثوب والدابة فليسا بمنفعة. وقوله: دون إضافة، معمول الإشارة وهو قيد فيها: ومعناه ما لا يشار إليه حسا إلا بقيد الإضافة كمثل ركوب الدابة ولبس الثوب، بخلاف الثوب والدابة فإنهما تمكن الإشارة إليهما حسا من غير إضافة، فركوب الدابة منفعة والدابة ليست كذلك، وقوله: يمكن استيفاؤه، خرج به العلم والقدرة لأنهما لا يمكن استيفاؤهما ولا يمكن الإشارة إليهما حسا إلا بإضافتهما (١) هذا علم زيد. وقوله: غير جزء مما أضيف إليه، أخرج نصف نفس العبد ونصف الدار مشاعا لأنه يصدق عليه وهو مشاع لا يمكن الإشارة إليه إلا مضافا، ويمكن أخذ المنفعة منه لكنه جزء مما أضيف إليه، وليس ركوب الدابة وفي شابهه كذلك فقوله: يمكن، صفة لما لا يمكن. اهـ.
الثاني: قال الخرشي: نسخة المواق: وبمنفعة، وهي ظاهرة لتكون الأركان متعاطفة فهي عطف على قوله: بعاقد وأجر. الثالث: وقع في كلام غير واحد أن معنى تتقوم بأن تكون الذات بحيث تتأثر باستيفائها من حيث استيفائها تأثرا شرعيا يقع في مقابلة الأجرة التي هي كالقيمة، وأما تأثر التفاحة ونحوها بالشم فإنما هو من مرور الزمن وليس ناشئا عن الاستيفاء من حيث إنه استيفاء. اهـ.
стр. 7328
قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر ما قدمته عن غير واحد، وأما هذا وهو أنه إذا أتلف المنفعة واستوفاها تنقص الذات فتقع الأجرة في مقابلة ذلك النقص فإنما يظهر في الدابة ونحوها لا في سكنى الدار ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.
الرابع: قال ابن رشد: كل ما للرجل أن ينتفع به يجوز له أن يكريه ابن عرفة: هذه الكلية غير صادقة ولا يجوز أن يكرَى جلد الأضحية ولا بيت المدرسة. اهـ. قوله: جلد الأضحية، أجاز سحنون إجارة الأضحية واقتصر عليه الشيخ وابن يونس والباجي.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا يدل على جواز إجارة جلد الميتة والكلب. والله تعالى أعلم. قدر على تسليمها؛ يعني أنه يشترط في هذه المنفعة أن تكون مقدورا على تسليمها. قال الحطاب: قال القرافي: احترازٌ من استئجار الأخرس للكلام والأعمى للإبصار وأرض الزراعة ولا ماء قطعا ولا غالبا. وقاله الأئمة. ومن فروع ذلك استئجار أرض الزراعة وماؤها غامر أي كثير وانكشافه نادر، ومذهب المدونة الجواز إذا لم ينقد، وعليه مشى المص كما يأتي، فهو راجع لهذا القيد. اهـ. وقال عبد الباقي: قدر على تسليمها حسا فلا يستأجر أخرس لتكلم ولا أعمى لكخط، وشرعا فلا تجوز الإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل الربوط ونحو ذلك لعدم تحقق ذلك، ولا على تعليم غناء ودخول حائض لمسجد كما يأتي، كذا لبعض، وقد يقال: يستغنى عن قوله: شرعا بقول المص: ولا حظر. اهـ. قوله: فلا تجوز الإجارة على إخراج الجان وحل المربوط لخ، انظر هذا وفي الحطاب عن الأبي: لا يحل ما يأخذه الذي يكتب البراءات لرد التليفة لأنه من السحر، ثم قال: وما يؤخذ لحل المعقود فإن كان يرقيه بالرُّقَى العربية جاز، وإن كان بالرُّقَى العجمية امتنع، وفيه خلاف، وكان الشيخ يعني ابن عرفة يقول: إن تكرر منه النفع فذلك جائز. اهـ. قاله البناني. وقال في الإكمال: واختلف قول ملك في رقية اليهودي والنصراني للمسلم فله في المستخرجة كراهة ذلك، ورويَ عنه جوازه، وهو قول الشافعي، وقال فيه: إن سنة المسح باليد اليمنى عند الرقَى. وفي الدر النثير: وسئل عمن يعالج الجان ويداوي المصاب هل يجوز له أخذ شيء على ذلك؟ وإن جاز هل يلزم تعيينه أم لا؟ فأجاب: إذا كان ذلك مما جرب نفعه وعلمت فائدته ومصلحته بمجرى العادة وكان ما يأتي من رقية أو كتب بأسماء الله أو من القرآن فذلك
стр. 7329
حسن، وله عليه أجرة بحسب شرطه، أو يكون موكولا إلى ما تسمح به نفس المعمول له ذلك، وليس فيه قدر معلوم ولا حد محدود. انتهى. وقال الشبراخيتي: قدر على تسليمها؛ أي حسا فلا تجوز إجارة الأعمى للخط والأخرس للكلام، ولا من لا يحسن العوم على إخراج ما في قعر بئر غامر الماء ونحو ذلك، وشرعا فلا يجوز الاستئجار على قطع عضو محترم، وتعليم الغناء، وحائض على كنس مسجد. اهـ.
تنبيه: قال في المدونة: يجوز كراء المشاع كنصف عبد أو دابة. قال اللخمي: وإذا أكرى رجل من رجل نصف عبده أو دابته أو داره جاز ذلك، ثم هما في العبد والدابة بالخيار بين أن يقتسما المنافع يومًا بيوم أو يومين بيومين، فيستعمله المستأجر في الأيام التي تصير إليه يستخدم العبد ويركب الدابة، وإن شاء آجره من غيره، وإن شاء أن يؤاجر ذلك من أجنبي ويقتسما الأجرة، وإن لم يكن العبد من عبيد الخدمة وكانت له صنعة لا يمكن تبعيضها ترك لصنعته واقتسما خراجه. وأما الدار فإن كانت تنقسم قسمت منافعها وسكن المكتري فيما يصير إليه أو أكراه، وإن كانت لا تحمل القسم أكريت واقتسما كراءها إلا أن يحب أحدهما أن يأخذها بما يقف عليه كراؤها. وإن كان العبد أو الدابة أو الدار شركة فأكرى أحدهما نصيبه بإذن شريكه جاز، وعاد الجواب في قسمة منافعه إلى ما تقدم إذا كان جميعه لواحد، فإن أكرى ذلك بغير إذن شريكه فلم يُجِز ودعا إلى البيع كان له ذلك في العبد والدابة والدار إذا لم تنقسم، وإن لم يَدْعُ إلى البيع ورضي ببقاء الشركة لم يكن له رد الكراء، وإن كانت الدار تنقسم ودعا الشريك إلى قسمة المنافع كان ذلك له وقسمت بالقرعة، فما صار للمكري أخذه المكتري وإن أراد المكري أن يقسم بالتراضي كان للمكتري منعه من ذلك. اهـ المراد منه. ثم قال الحطاب: ولم يذكر المص من شروط المنفعة أن تكون مملوكة، وكذا ابن شأس وابن الحاجب، وذكره القرافي احترازا من الأوقاف والرباط ومواضع الجلوس من المساجد والطرقات والمدارس وغير ذلك؛ لأن المملوك في هذه الأمور كلها الانتفاع دون
стр. 7330
المنفعة، ويتفرع على هذا الشرط كراء دور مكة ونقل في المقدمات عن ملك فيها أربع روايات، والمنع والكراهة في أيام الموسم (١))، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: قد مر المص على أن الموقوف عليه مالك منفعة حيث قال: وبموت مستحق وقف آجر لخ، ومر للبناني في العارية شيء من الكلام على الوقف هل الموقوف عليه مالك منفعةٍ أو انتفاع والله سبحانه أعلم. وقوله: قدر على تسليمها قد ينشد هنا قول القائل:
ومن عَجَب الدنيا طبيب مصفِّر … وأعمش كحال وأعمى منجم
بلا استيفاء عين؛ يعني أنه يشترط أن لا يكون العقد على المنفعة متضمنا لاستيفاء عين، احترازا معا لو استأجر الأشجار للتجفيف عليها وأخذ ثمرتها معا، وقوله: بلا استيفاء عين، حال من المنفعة، قال عبد الباقي: حال كون المنفعة بلا استيفاء عين، دخل فيه استئجار الشجر للتجفيف عليها لا استيجارها لأخذ ثمرتها. قصدا؛ يعني أن المضر إنما هو قصد استيفاء العين، وأما إذا كان ذلك يتضمن استيفاء العين لا قصدا فإن ذلك لا يضر، فلو استأجر ثوبا للبسه فإن ذلك جائز وإن كان فيه استيفاء عين لكنه غير مقصود، فإن المقصود إنما هو لبس الثوب فقط لا استيفاء عينه، وقد مر أنه إذا استأجر الطعام أو الدنانير لتزيين الحوانيت فإن ذلك لا يجوز لأنه سلف بمنفعة؛ لأن الغيبة على المثلي تعد سلفا، وأما إذا لم يغب على ذلك بل زين بها حانوته بحضرة ربها، فقيل: بالجواز، والمشهور المنع والخلاف مبني على أن المنفعة فيها متقومة أم لا. قاله البناني رادا على عبد الباقي عن بعض شيوخه هذا التعليل إنما يأتي إلى آخر كلامه؛ وقوله: والمشهور المنع لخ، جزم بوجود الخلاف في ذلك وأصل ذلك لعبد الوهاب، وتبعه على ذلك غير واحد كابن شأس وابن الحاجب والقرافي وغيرهم، ولم يجعل الباجي ذلك خلافا فإنه قال: إن ابن القاسم إنما منع استيجارها لمنافعها المقصودة منها وليس المقصود من الدنانير والدراهم ما أباح استيجارها له، الشيخ أبو بكر: وهذا كما يقال لا يجوز استئجار الشجر لمنفعتها
стр. 7331
المقصودة لأنه بيع ثمر قبل بدو صلاحه ولا بأس أن تستأجر يكمد عليها الثياب، قال في التوضيح: وكلام المص وابن شأس يأتي على طريقة عبد الوهاب، وأما على طريقة الباجي فليس في المسألة إلا قول واحد. اهـ.
ولا حظر؛ يعني أنه يشترط في صحة الإجارة أن لا يكون استيفاء المنفعة فيه حظر؛ أي منع، قال عبد الباقي: ولا حظر أي منع فلا تستأجر حائض أو جنب أو كافر لكنس مسجد، ومن الممنوع أيضا الاستئجار على صنعة ءانية من نقد. اهـ. وفي الخرشي: ولا يجوز الاستئجار على قلع سن أو قطع يد صحيحتين، ولو كانت اليد متأكلة أو السن متوجعة جاز. ومن ذلك من بعض كفه فيه الأكلة وخاف على باقي يده جاز قطع يده من المفصل إن لم يخف الموت، وإن كان خوف الموت من بقاء يده كذلك أشد من خوف موته بقطعها فله القطع، ومن خلق بإصبع زائد أو عضو زائد لم يجز قطعه ولا نزعه لأنه تغيير لخلق الله، إلا أن يؤذيه فلا بأس بقطعه. اهـ.
ولا متعين؛ أي وبلا تعين؛ يعني أنه لا تجوز الإجارة على ما لا يقبل النيابة سواء كان واجبا كالصلوات الخمس أم لا كركعتي الفجر؛ لأن الصلاة عمل بدني لا فرق فيها بين الواجب العيني والكفائي كصلاة الجنازة وغير الواجب كالنوافل. والله سبحانه أعلم.
ولو مصحفا، يعني أن المصحف مما استكمل الشروط المذكورة فتجوز إجارته. قال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: تجوز إجارة المصحف لمن يقرأ فيه كجواز بيعه، وأجاز مالك بيعه، ومنع ابن حبيب إجارته. اهـ. وهذا مبني على أن المنفعة في المصحف متقومة أم لا؛ وفي المدونة: وتجوز إجارة المصحف لجواز بيعه، وأجاز بيعه كثير من التابعين؛ قال ابن عباس: ما لم يجعله متجرا، أما ما عملته بيدك فجائز، وتجوز الإجارة على كتابته. اهـ. أبو الحسن: انظر قول ابن عباس: ما لم يجعله متجرا، هل معناه لا يجوز أو يكره؟ اهـ. والله سبحانه أعلم. قاله الحطاب. وأرض غمر ماؤها وندر انكشافه؛ يعني أن الأرض التي غمرها الماء أي علاها والحال أنه ندر انكشافه تجوز إجارتها بشرط عدم الانتقاد، فمتى وُجد النقد ولو تطوعا وجد المنع. قال الخرشي: والمعنى أن الأرض التي غمرها الماء تجوز إجارتها بشرط عدم انتقاد الأجرة، فمتى وجد النقد ولو تطوعا وجد المنع. قال البناني: الصواب أنه إنما يمنع النقد فيه بشرط، والأقسام ثلاثة
стр. 7332
محل الخلاف هو ما ذكره المص، وأما لو كان الكشاف الماء غالبا فلا نزاع في الجواز، كما أنه لا نزاع في المنع إذا كانت لا تنكشف أصلا وظاهر، قول المدونة: ومن اكتريت منه أرضه الغرقة بكذا إن انكشف عنها الماء وإلا فلا كراء بينكما جاز إن لم ينقد. انتهى. أنه لا بد من الدخول على هذا الشرط وكلام المؤلف لا يفهم منه ذلك. اهـ المراد منه. وأما إن دخلا على أن الكراء لازم له علي كل حال سواء انكشف عنها الماء أم لا فإنه لا يجوز، فقوله: وأرضا لخ، معطوف على مصحفًا فهو في حيز المبالغة، ولذا قيد محل الخلاف بقوله: وندر انكشافه، وقوله: غمر ماؤها، قال الجوهري: الغمر الماء الكثير وقد غمره الماء يغمره أي علاه، ومنه قيل للرجل: غمر القوم إذا عَلاهم شرفا، وفي الحطاب: قال في التوضيح: قال صاحب المقدمات: تحصيل مذهب ابن القاسم جواز العقد كانت الأرض أرض مطر أو نيل أو غيرهما مأمونة أو غير مأمونة، وأما بالنسبة إلى جواز النقد ووجوبه فما كان من الأرض مأمونا كأرض النيل والمطر المأمونة وأرض السقي بالعيون الثابتة والآبار المعينة فالنقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وما كان منها غير مأمون فلا يجوز النقد فيه إلا بعد أن تروى ويتمكن من الحرث، كانت من أرض النيل أو المطر أو السقي بالعيون أو الآبار، وأما وجوب النقد فيجب عنده في أرض النيل إذا رويت إذ لا تحتاج إلى غير ذلك، وأما غيرها فلا يجب فيها النقد حتى يتم الزرع ويستغني عن الماء. اهـ.
وشجرا للتجفيف عليها، هذا أيضا داخل في حيز المبالغة ففيه الخلاف المذكور؛ يعني أنه تجوز إجارة الأشجار لمن يجفف عليها لأن الأشجار تنتقص بذلك منفعتها وتتأثر، فقوله: وشجرا، معطوف على مصحفا، وسبب الخلاف هل المنفعة متقومة أم لا؟ ابن عرفة: تبع ابنُ الحاجب ابنَ شأس في حكاية القولين ولا أعرف المنع، ومقتضى المذهب الجواز. قاله الخرشي. والقول بالجواز اختاره ابن عبد السلام، ولهذا قال: على الأحسن، قال الإمام الحطاب: الأحسن هو اختيار ابن عبد السلام من القولين الذين ذكرهما ابن الحاجب.
стр. 7333
لا لأخذ ثمرته؛ يعني أنه لا يجوز إجارة الأشجار لأخذ ثمره (١) لأن ذلك يؤدي إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها: بل قبل وجودها، وهذا وما يليه من باب البيع لكنه لما بقيت عين الشجر والحيوان جعل إجارة من تلك الحيثية. أو شاة للبنها، عطف على شجر بعد لا؛ أي لا شجر لأخذ ثمره ولا شاة للبنها؛ يعني أنه لا يجوز أخذ شاة لأجل لبنها، وظاهر المص المنع مطلقا، وهو خلاف ما في التوضيح عن ابن عبد السلام وغيره: المذهب أنه لا يمنع مطلقا خلافًا لقول ابن الحاجب: ولا تصح في الأشجار لثمارها والشاة لنتاجها ولبنها وصوفها؛ لأن غاية استيجاره لذلك أن يؤدي إلى بيع اللبن، وقد أجازه في المدونة إذا كان جزافا بشروط: أن تكون كثيرة كالعشرة ونحوها، وأن يكون في الإبان، وأن يعرفا وجه حلابها، وأن يكون إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وأن يشرع في الأخذ يومه أو إلى أيام يسيرة، وأن يسلم إلى ربها لا إلى غيره فإن كان على الكيل أسقطت الشرْطَ الأول فقط. قاله التتائي. وقال الحطاب عمد قوله: أو شاة للبنها: يصح أن يقرأ بالجر عطفًا على مقدر في قوله: لا لأخذ ثمرته؛ أي لا شجر لأخذ ثمرته ولا شاة لأخذ لبنها، فيكون من الممنوع، ويصح أن يقرأ بالنصب عطفا على قوله أو شجرا ويكون من الجائز، وعلى كل تقدير فلا بد من عناية في كلامه؛ لأنا إن جعلناه ممنوعا نقول: يريد إلا بشروط ويأتي ذكرها، وكذلك إذا جعلناه جائزًا، والشروط: أن تكون الغنم كثيرة كالعشرة ونحوها، وأن يكون في الإبَّان، وأن يعرفا وجه حلابها، وأن يكون إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وأن يشرع في أخذ ذلك يومه أو إلى أيام يسيرة، وأن يسلم إلى ربه لا إلى غيره؛ هذا إذا كان جزافا، فإن كان على الكيل أسقطت الشرط الأول فقط؛ ولا يقال: قوله: أو شاة بالإفراد يُنافي الأول؛ لأن المراد جنس الشاة. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق: قال ابن رشد: ويجوز شراء لبن غنم معينة شهرا أو شهرين إذا عرف وجه حلابها، بخلاف ثمرة المقثاة ويكره بيع لبن شاة أو شاتين، والأظهر أنه لا يعارض هذا بإجازته في المدونة أن يكتري البقرة ويشترط حلابها؛ لأن الغرر خف بما انضاف إليها من الكراء كما خف في الغنم إذا كثرت. انتهى.
стр. 7334
تنبيه: صور عبد الباقي الكثرة بأن يشتري شاتين مثلا من عدد كثير كالعشرة، والشاتان غير معينتين، تبعا لعلي الأجهوري التابع لجده، قال البناني: قال المصطفى: هذا خطأ صراح، بل في المدونة: أن الجواز مشروط بشراء لبن الغنم الكثيرة كالعشرة ونحوها، وقال عياض عقبها: أجاز شراء لبن الغنم الكثيرة ولا تؤمن فيها جائحة الموت وغيره لكن هي (١) آمن من القليلة. انتهى. تنبيه آخر: وقع للشبراخيتي أنه لا بد من الكيل في الصورتين، وأن معنى قول ابن عبد السلام: هذا إذا كان جزافا؛ أي جزافا على كيل كقوله: كل رطل من اللبن بكذا، وقوله: وإن كان على الكيل صورته أن يقول له: أشتري رطلا من لبن هذه الشاة أو الشاة، ففي الصورتين لا بد من الكيل لكن الأولى جزاف على كيل، وأما الثانية فالكيل فيها ابتداء، وهذا هو المراد، وأما شراؤه جزافا لا على كيل فلا يجوز لأنه من شراء اللبن في الضروع. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا مخالف لكلامهم فإن في كلامهم جوازَ شراء ذلك جزافا على غير شرط الكيل. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ومما ذكر يؤخذ منع ما يقع بمصر من شراء لبن بعض البقر مثلا جزافا مدة حلابها بثمن معلوم ويلزم المشتري كلفتها في المدة المذكورة ويعبرون عنه بالضمان لعدم استيفاء الشروط المذكورة فهو فاسد، فيرجع مالك البهيمة على الآخذ بمثل اللبن إن علم قدره، وإلا فبقيمته يوم قبضه، ويرجع عليه الآخر بكلفة البهيمة، وكذا أفتى به الوالد، وبما ذكر من شروط جواز شراء اللبن يستثنى من قوله: بلا استيفاء عين قصدا، وكذا الإجارة على الاسترضاع كما قدمها، وكذا استئجار أرض أو بيت في كل عين أو بئر فإنه جائز، ولا ذكر أن من شروط المنفعة أن لا يكون فيها استيفاء عين قصدا ذكر هنا جواز ذلك إن كان الثلث فدون بقوله:
واغتفر ما في الأرض؛ يعني أنه يغتفر أي يجوز اشتراط ما في الأرض المكتراة والدار المكتراة من ثمر في شجر، ومحل الجواز ما لم يزد على الثلث، بأن يقال: ما قيمة كراء الأرض والدار بلا شجر؟ فيقال: عشر مثلا، وما قيمة الثمرة مفردة بلا أرض بعد إسقاط الكلفة؟ فيقال: خمسة أو أقل.
стр. 7335
وأشار بقوله: بالتقويم، إلى أن الثلث فما دونه إنما يعرف بالتقويم لا بما استؤجرت العين به، وفهم من قوله: ما لم يزد على الثلث عدم اغتفار ما زاد عليه ولو شرط منه قدر الثلث فأقل. قاله ابن القاسم. وهو المشهور، وأما لو لم يقع اشتراط لدخول الشجر المذكور فلا يدخل في عقد الكراء بل هو للمكري، وقوله: واغتفر أي وإن كان فيد استيفاء عين قصدا ليسارته ولدفع الضرر في الدخول عليه لأجل الشجر. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: واغتفر اشتراط ما في الأرض المكتراة وجيبة من شجر فيه ثمر، وكذا دار ما لم يزد على الثلث بالتقويم بأن يقال: ما قيمة كراء الأرض أو الدار بلا شجر مثمر؟ فيقال: عشرة، وما قيمة الثمرة منفردة بلا أرض بعد إسقاط الكلفة؟ فيقال: خمسة أو أقل، فإنما ينظر ذلك بالتقويم أي لا بما استؤجرت العين به لأنه قد يزيد على القيمة، ولا بد أن يكون طيب الثمرة في مدة الكراء وأن يكون اشتراطها لدفع الضرر، فإن زاد على الثلث بعد إسقاط الكلفة لم يغتفر اشتراطه، وإن اشترط منه قدر الثلث فأقل على المشهور وقدرنا اشتراط لأنه لا يدخل الثلث فما دونه إلا به كما في المدونة، وأما المكتراة مشاهرة فلا يغتفر فيها شيء، وأما الزرع الموجود في الأرض المكتراة فيجوز اشتراطه إن كان دون ثلثٍ لا إن كان ثلثا. قاله في المدونة. والفرق بين الأصول والزرع أنه أخفض من رتبة الأصول، ألا ترى أنه لا تجوز مساقاته إلا بشروط؟ كما قدمه المص ومنعها ابن عبدوس رأسا، وإذا اكترى دارا سنين وبها ثمر اشترط فإن كانت قيمته في كل سنة الثلث فأقل جاز، وإن كان في سنة الثلث فأقل وفي سنة أكثر وإذا نظر إلى قيمة جميعه من الكراء في المدة كانت الثلث لم يجز. اهـ. وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا أو أرضا وفيها سدرة أو دالية أو كان في الأرض نبت من نخل أو شجر ولا ثمرة فيها حينئذ أو فيها ثمرة لم تزد فالثمرة للمكري، إلا أنه إن اشترط المكتري ثمرة ذلك فإن كانت تبعا مثل الثلث فأقل فذلك جائز، ومعرفة ذلك أن يقوم كراء الأرض أو الدار بغير شرط الثمرة، فإن قيل: عشرة، قيل: ما قيمة الثمرة فيما عرف مما تطعم كل على بعد طرح قيمة المؤنة والعمل فيعلم الوسط من ذلك، فإن قيل: خمسة فأقل جاز. قال أصبغ: وهذا إذا علم أن الثمرة تطيب قبل مدة الكراء وإلا لم يجز أن يعقداه. ابن يونس: إنما جاز للضرر الذي يدخل على المكتري في دخول رب الدار لإصلاح الثمرة وجذاذها، كما أجيز شراء العرية بخرصها ثمرا.
стр. 7336
انظر قول ابن يونس: للضرر بالدخول على المكتري، هل يجوز أن يستثنى بعض الشجر؟ أجازه ابن أبي زمنين، ومنعه ابن العطار، وقال المتيطي: أجاز ذلك أشهب ومنعه ابن القاسم، قال: وإذا كان الكراء سنين واشترط الثمرة وانقضت المدة وبالشجر ثمر، لم يزه فهو للمكتري. اهـ. وقال بناني: قال ابن رشد في كتاب الجوائح من المقدمات: مذهب ملك أنَّ كلَّ ما يجب فيه اعتبار القليل من الكثير فالثلث في حد اليسير إلا ثلاثة، الجوائح، ومعاقلة المرأة الرجل، وما تحمله العاقلة من الدية. قال ابن غازي في تكميل التقييد: ويجمع الثلاثة للحفظ أن تقول:
الثلث نزر في سوى المعاقله … ثم الجوائح وحمل العاقله
وذيل الرهوني بيت ابن غازي بقوله:
كذا كراء الأرض مع زرع بها … مخرق الخف فكن منتبها
اهـ. وهذا ينقض هذه الكلية. مسألة: إن كان في الدار برج حمام أو نحل فأراد المكتري أن يشترط ذلك كالشجرة لم يجز ذلك؛ لأنه ليس من نفس الدار كالشجرة، وهما غير الدار فلذلك لا يجوز اشتراطهما. اهـ. نقله الرهوني. وقال الخرشي: ابن يونس: قال بعض الفقهاء القرويين: وإذا اكترى الدار سنين فكانت الثمرة في بعض السنين تبعا وفي بعضها ليست بتبع إلا أنها إذا أضيفت جملتها إلى جملة الكراء كانت تبعا فالأشبه أن لا يجوز، وينبغي إذا اكتريت سنين أن ينظر إلى ثمرة كل سنة فإن كانت تبعا جاز وإلا فلا، كما لو اكترى دورا في صفقة واحدة وفي الدور ثمرة غير تبع، أو اكترى دارا واشترى عرضا في صفقة واحدة وفي الدار ثمرة غير تبع، إلا أنها إذا أضيفت إلى كراء الدار والعرض كانت الثمرة تبعا للجميع، لا يجوز، فكذلك حكم الثمرة في كراء الدار سنين لا ينظر هل هي تبع إلا لكل سنة.
ولا تعليم غناء؛ يعني أن الإجارة على تعليم الغناء لا تجوز، ومثله آلة الطرب كالعود والمزمار، لأن ثبوت الملك على العوض فرع ثبوتِه على المعوض عنه، ولخبر: (إن الله إذا حرَّم شيئا حرَّم
стр. 7337
ثمنه (١)). ويدخل في تعليمه المويسيق وهو علم بأصول يعرف بها النغم وكيفية الألحان بعضها من بعض بأن يتقدم المعلم بصوته ثم يقول له: احك، ويردد عليه حتى يحكي، وفائدته بسط الأرواح وقبضها: ولهذا يستعمل في الأفراح والحروب وعلاج المرضى. قاله الخرشي. ثم قال: وجد عندي ما نصه: وسماع الغناء مكروه إذا خلا عن الفحش ولم يكن معه آلة، وما يؤخذ على حل المربوط فإن كان بالرقى العربية جاز، وإلا فلا، وفيه خلاف، وكان ابن عرفة يقول: إن تكرر النفع به جاز. اهـ. وقال الحطاب: قوله: ولا تعليم غناء، هو وما بعده إلى قوله: ولا متعين، راجع إلى قوله: ولا حظر، والحظر المنع؛ قال الأبي في شرح مسلم في حديث (مهر البغي وحلوان الكاهن (٢)): ولا خلاف في حرمة مهر البغي ولا في حرمة ما تأخذه المغنية والنائحة، ولا خلاف في حرمة ما يأخذه الكاهن، وأما ما يؤخذ على المعقود فإن كان يرقيه بالرقى العجمية لم يجز، وبالرقى العربية جاز، وفيه خلاف، وكان الشيخ يقول إن تكرر منه النفع بذلك جاز. اهـ. بتقديم وتأخير تبعا لتوضيح من الرهوني. قوله: غناء، الجوهري الغني مقصور مكسور الأول هو اليسار والغناء بالكسر والمد هو الصوت المعزوف وبالفتح هو النفع. قاله الخرشي.
أو دخول حائض لمسجد؛ يعني أن الحائض لا يجوز دخولها للمسجد لا بإجارة ولا بغيرها، فإذا كانت الإجارة متعلقة بذمتها فيجوز لها أن تقيم من يخدم المسجد عنها نيابة للضرورة، ومثلها النفساء والكافر. قاله الخرشي. وقال الحطاب: وقوله: ودخول حائض لمسجد، فرضه ابن الحاجب في استيجارها على كنس المسجد، وذكر المص ما هو أعم من الكنس وغيره، ويريد إذا كانت هي التي تكنس، وأما لو كانت الإجارة متعلقة بذمتها لجاز، وعكس هذه المسألة أن يؤاجر المسلم نفسه لكنس كنيسة أو نحو ذلك، أو ليرعى الخنازير أو يعصر له خمرا فإنه لا يجوز، ويؤدب المسلم إلا أن يعذر بجهالة، واختلف هل تؤخذ الأجرة من الكافر ويتصدق بها أم لا؟ ابن القاسم: التصدق بها أحب إلينا. قاله في التوضيح. اهـ. وقال الشبراخيتي: أو على دخول حائض
стр. 7338
أو نفساء لِمسجدٍ لِكنسٍ أو غيره، وأشعر قوله: دخول، بجواز استئجارها لذلك ولا تدخل بل تقيم غيرها وهو كذلك. اهـ.
أو دار لتتخذ كنيسة؛ يعني أنه لا يجوز للمسلم أن يكري داره أوأرضه لمن يتخذها كنيسة أو خمارة أو بيت نار أو مجمعا للفساق أو نحو ذلك. كبيعها لذلك؛ يعني أنه لا يجوز للمسلم بيع داره أو أرضه لمن يتخذها كنيسة أو بيت نار أو خمارة أو نحو ذلك من كل ما لا يجوز. وتصدق بالكراء؛ يعني أنه إذا أكرى داره لمن يتخذها كنيسة أو نحو ذلك، فإن فات العقد باستيفاء مدة الإجارة فإن المكري يجب عليه أن يتصدق بجميع الكراء، وقال الشبراخيتي: وتصدق بالكراء جميعه في الإجارة إن كان الكراء وقع في الدار كما هو فرض المسألة، وأما إن أكرى أرضا لتتخذ كنيسة فإنه يتصدق بالزائد على من يتخذها دارا، ومثل ذلك من واجر نفسه لحمل زق من زيت وحمله ثم تبين أنه خمر، فإنه يتصدق بزائد أجرة الخمر على أجرة الزيت. قاله ابن عرفة عن اللخمي.
وفضلة الثمن؛ يعني أنه إذا باع الأرض أو الدارَ لمن يتخذها كنيسة أو نحو ذلك، فإنه يلزمه التصدق بما زاد من الثمن على ثمنها لو بيعت لغير من يتخذها كنيسة أو نحو ذلك. وقوله: على الأرجح، راجع للمسألتين كما قاله التتائي وغيره، لقول ابن يونس: به أقول. وقال غيره: بفضلة الأجرة وبجميع الثمن.
تنبيهات: الأول: قال التتائي: ظاهر كلام المص عدم الجواز ولو صرف المستأجر ذلك لغير المحرم، كما لو اكتراها لبيع الخمر فصرف ذلك للسكنى، ففي الذخيرة: الكراء للمكتري لأن الأول غير منعقد وإقرار الثاني عقد آخر، إلا أن يكون كراء الثاني أقل فيحط عنه ما بين الكراءين. قاله ابن حبيب. فإن تعدى على الحانوت فباع فيها الخمر تعديا أخذ كراءها إن كان التعدي ذميا ولا شيء له إن كان مسلما. قاله ابن القاسم. لأن المنفعة معدومة شرعا، وله الأجرة عند ابن حبيب إلا أن يكون لا يتكسب إلا بثمن الخمر. وقال قبله: ولو اكترى ليسكن فباع الخمر ولم يعلم بذلك المكري قومت الدار ثلاث قيم، قيمة السكنى، وقيمة ما يضر كمضرة الخمر، وقيمته مع الخمر، ويتصدق بما يزاد لأجل الخمر، فإن علم بذلك تصدق بالجميع لأنه فسخ الأول
стр. 7339
في الثاني لما علم بالثاني، وقيل: لا يتصدق. انتهى. الثاني: إذا غصب النصراني سفينة لمسلم وحمل فيها الخمر، قال في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الغصب: له أن يأخذ كراءها ويتصدق به. قال ابن رشد: معناه كراء مثلها على أن يحمل فيها الخمر أن لو أكراها نصراني من نصراني لذلك، وأما قوله: يتصدق به فهو بعيد أن يجب عليه ذلك إلا أن يعلم بتعديه فلا يمنعه من ذلك وهو قادر على منعه، وأما إن لم يعلم بذلك أو علم ولم يقدر على منعه فلا يجب أن يتصدق إلا بالزائد على قيمة كرائها على أن يحمل عليها غير الخمر فحمل عليها خمرا. قاله ابن حبيب. نقله الحطاب وغيره.
الثالث: قوله: وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح، اعلم أن هنا ثلاثة أقوال، قال ابن عرفة: فإن نزل بيع الدار أو كراؤها لمن يتخذها كنيسة أو بيت نار ففي لزوم صدقته بكل الثمن والكراء أو بجزء الثمن المسمى للخارج من تسمية فضل قيمتها مبيعة لما فرض على قيمتها مبيعة لا يجوز من هذه القيمة وكذا في الكراء، ثالثها هذا في البيع والأول في الكراء، للصقلي قائلا عن شيوخنا. ابن عرفة: لم يذكر عبد الحق غير الثالث، وجعل كراء الأرض لأن تبنى كنيسة كبيع الدار، لا ككرائها. اهـ. ونقل المواق عن ابن يونس ترجيح الثالث، ويوضح كلام ابن عرفة قول المواق: ابن يونس: فإن نزل ذلك فقال بعض شيوخنا: يتصدق بالثمن وبالكراء، وقال بعضهم: يتصدق بفضلة الثمن وبفضلة الكراء، تقوَّم الدار أن لو بيعت أو أكريت على أن تتخذ كنيسة، وتقوَّم أن لو بيعت أو أكريت على غير هذا الوجه فيعلم الزائد، فإن كان ثلث الكراء أو ربعه تصدق بمثل ذلك الجزء من المسمى؛ لأن الفضل هو ثمن ما لا يحل، وقال بعضهم: أما في البيع فيتصدق بالفضلة كما ذكرنا، وأما في الكراء فيتصدق بالجميع لأنهءَاجَر داره لما لا يحل، كمن أكرى داره لبيع الخمر (١) أو دابته لحمل الخمر. ابن يونس: وبهذا أقول. اهـ. اللخمي: إن واجره على حمل زق زيت معين بعشرة فظهر أنه خمر تصدق بفضل قيمة حمله خمرا على المسمى، وإن
стр. 7340
كان على غير معين فأحضره زقا فحمله ثم ظهر أنه خمر فله أجر مثله فيه على أنه زيت، وما زاد للخمر تصدق به. والعقد الأول باق. انتهى.
الرابع: الفرق بين مسألتي المص أن المكري لما كان يعود له ما أكراه لم يكن عليه ضرر كثير في التصدُّق بجميع الكراء، بخلاف البائع فإنه لا يعود له ما باعه، فلو وجب عليه التصدق بجميع الثمن لاشتد ضرره. قاله عبد الباقي. وقوله: وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن، اعلم أنه لا خصوصية لهذا بل كل ما دفع على وجه محرم فإنه يتصدق بالكراء وفي البيع بفضلة الثمن، مثال ذلك لو زنى بامرأة أو نحو ذلك. قاله الخرشي. الخامس: قوله: وبفضلة الثمن، هو كالصريح في أنه إذا لم تكن فضلة فإنه لا يتصدق عليه بشيء. والله سبحانه أعلم.
ولا متعين، هذا محترز قوله: وتعين؛ يعني أن الأعمال البدنية أي التي تتعين أي التي لا تقبل النيابة لا يجوز للشخص أن يكري نفسه فيها كان ذلك واجبا كالصلوات الخمس أو غير واجب، كركعتي الفجر، والحاصل أن الأعمال البدنية لا تجوز الإجارة عليها، ومنها الصلاة فلا تجوز الإجارة على الصلاة على الجنازة، فلا تدخل في قوله:
بخلاف الكفاية؛ يعني أن الواجب وجوب كفاية تجوز الإجارة على فعله حيث كان يقبل النيابة، فقول عبد الباقي: بخلاف الكفاية كصلاة الجنازة حيث لم تتعين، فيصح استئجار من يصلي عليها. اهـ. غير ظاهر. قال البناني: كون صلاة الجنازة مما يصح الاستئجار عليها أصله للشارح وهو غير صواب، فقد نص ابن عبد السلام وغيره على منع الاستئجار عليها. قال ابن فرحون: فإن قلت: صلاة الجنازذ عبادة لا يتعين فعلها على أحد ولا يجوز الاستئجار عليها، قلت: لما كانت عبادة من جنس الصلاة المتميزة بصورتها للعبادة والصلاة لا تفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليها، وأما الغسل فيكون للعبادة والنظافة وغير ذلك، وكذا الحمل للميت شاركه أشياء في الصورة كثيرة فلم يتمحض بصورته للعبادة في جميع أنواعه، بخلاف صلاة الجنازة فألحقت بما أشبهته. انتهى.
تنبيه: أدخل المص المندوب في المتعين تبعا لابن عبد السلام إذ فسره بأعم من الوجوب، وقال: ولا يلزم من تعين العبادة وجوبها لأن أكثر مندوبات الصلاة متعينة كصلاة الفجر والوتر وصيام
стр. 7341
عاشوراء وعرفة، فهذه يمنع الاستئجار عليها وإن لم تكن واجبة على المكلف، ومعنى تعينها على المكلف أنه لا يصح وقوعها من غير من خوطب بها، فلوأجيز الاستئجار عليها لأدى ذلك إلى أكل المال بالباطل اهـ لكن ليس مرادهم بذلك كل مندوب بل ما لا يقبل النيابة كالصلاة والصوم، وأما غيرهما من سائر المندوبات كقراءة القرآن وسائر الأذكار فتجوز الإجارة عليها. قال ابن فرحون بعد ذكر كلام ابن عبد السلام المتقدم: هذا حكم الصلاة والصوم الواجب من ذلك والمندوب، وأما قراءة القراءن فالإجارة عليها مبنية على وصول ثواب القراءة للميت، ثم استدل على أن الراجح وصول ذلك له بكلام ابن رشد وغيره. اهـ.
تنبيه آخر: اعلم أن القاعدة أنه لا يجوز اجتماع العوض والمعوض ومن ثم منع الإجارة على المتعين، لكن استثنوا من ذلك صورا يلغز بها، منها الإجارة على الإمامة على القول بجوازها فيها الأجرة وثواب الصلاة، ومنها أخذ الخارج في الجهاد جعلا من قاعد إذا كان من أهل ديوانه فيجتمع له الأجر والأجرة، ومنها الإجارة على الحج فله الأجر والأجرة أي للحاج على الصحيح من عدم سقوطه عن المحجوج عنه، وإنما له أجر النفقة والدعاء. قاله الشبراخيتي. والله أعلم. وعين متعلم؛ يعني أنه إذا استؤجر لتعليم قراءة أو كتابة أو صنعة فإنه يجب تعيين المتعلم بالشخص لاختلاف حاله ذكاء وبلادة. ورضيع؛ يعني أنه إذا استؤجر على الرضاع فإنه لا بد من تعيين الرضيع لاختلاف حال الرضيع بكثرة الرضاع وقلته. قال الخرشي مفسرا للمص: يريد أن ذلك يلزم تعيينه حال العقد وإلا فسد، فأما تعيين المتعلم والرضيع فلاختلاف حال المتعلم ذكاء وبلادة ولاختلاف حال الرضيع بكثرة الرضاع وقلته. اهـ. وقال الشبراخيتي: وعين بالشخص وجوبا متعلمٌ لّقراءةٍ أو كتابة أو صنعة، وعين رضيع بالشخص لزوما لاختلاف حالهما ذكاء وبلادة وكثرة رضاع وقلته، قال الزرقاني: ولا يلزم اختبار حالهما لإمكان علم ذلك بالنظر إلى ذات الصبي الرضيع من نحله وقوته وكبره وصغره، والتعلم يعلم غالبا ذكاؤه وبلادته بالنظر إليه، وعورضت هذه المسألة أي مسألة الرضيع هنا بما في بيوعها الفاسدة إذا باع أمة ولها ولد رضيع وشرط على المشتري رضاعه ونفقته سنة، جاز إذا كان إن مات أتى له بآخر، وفرق ابن يونس بأن مسألة البيع الرضاع فيها تبع والرضاع في هذي هو المقصود، قال في الشرح: فإن قلت:
стр. 7342
لا شك أن البيع هنا وقع في الأمة فقط وهذا بيع فيه التفرقة، ومقتضى كلامه أنه بيع صحيح، يعني ماض. والله أعلم. قلت: يحمل على ما إذا رضيت الأم بالتفرقة لأن التفرقة حق لها وبأن الولد حر. انتهى.
ودار وحانوت؛ يعني أنه يلزم تعيين دار اكتريت، وكذا يلزم تعيين حانوت اكتري، ولا بد من تعيينهما بالشخص. وبناء على جدار؛ يعني أنه إذا استاجر جدارا ليبني عليه فإنه يلزم تعيين ذلك البناء، فيعين قدره وكونه بطوب أو حجر أو نحو ذلك، والمراد بالتعيين في البناء على الجدار الوصف لا التعيين الحقيقي لأنه غير ممكن، ومحمل؛ يعني أنه إذا اكترى محملا ليركب فيه فإنه يلزم تعيينه بالإشارة إليه، والمحمل مركب من مراكب النساء.
إن لم توصف؛ يعني أن محل لزوم تعيين المذكورات إنما هو حيث لم توصف، وأما إن وصفت فيكفي ذلك في جواز عقد الإجارة، وتحقيق المسألة أن المتعلم والرضيع والمحمل لا بد في صحة عقد كرائها من أحد أمرين، إما التعيين بالإشارة إليها، وإما الوصف، فأحدهما كاف، فإذا عينت لم يلزم وصفها، وإذا وصفت لم يلزم تعيينها، وأما الدار والحانوت فلا بد من تعيينهما أيضا إن لم يوصفا، ويكفي وصفهما بشرط كونهما معينتين لعدم صحة كونهما في الذمة؛ إذ لا بد من ذكر موضعهما وحدودهما ونحو ذلك، وأما البناء على الجدار فلا يمكن فيه إلا الوصف كما مر. والله تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي: وعين حتما دار وحانوت وحمام وشبهها إذ لا يصح كونها في الذمة، ولا بد من ذكر موضعها وحدودها، وأشعر تمثيله بالعقار أن الدواب والسفن ليست كذلك فلا يلزم تعيينها بل تجوز على معين وفي الذمة وهو كذلك، وعين بناء على جدار فيذكر قدره وكونه بطوب أو حجر أو غيره، واحترز بالبناء على الجدار عن كراء الأرض للبناء عليها فلا يجب تعيين ما يبنى فيها من كونه بحجر أو طوب، وعين محمل بفتح أوله وكسر ثالثه ما يركب فيه من شقذف أو محفة لأنه يختلف باختلاف السعة والضيق والطول والقصر، وأما بكسر أوله وفتح ثالثه فعلاقة السيف إن لم توصف راجع للجميع لكن البناء على الجدار لا يمكن فيه إلا الوصف. اهـ. وقال الخرشي: قوله: إن لم توصف، راجع للجميع لكن البناء على الجدار لا يمكن فيه إلا الوصف. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: إن لم توصف: وإلا اكتفي بالوصف
стр. 7343
فالشرط راجع للجميع لكن البناء على الجدار لا يمكن فيه إلا الوصف. اهـ. اللخمي: لو وصفوا سن الرضيع من غير اختبار رضاعه جاز عقد الإجارة عليه. اهـ. قال غير واحد: ما ذكره اللخمي في الرضيع وفاق للمذهب، وذكره الشارح كالمقابل. اهـ. وفي الرهوني: أن الصواب ما للشارح لأن المراد بوصفه ذكر سنة وقلة رضاعه وكثرته، واللخمي قال: يكتفى بذكر سنة. اهـ. لكن قوى الرهوني بعد هذا ما للخمي. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: والظاهر أنه لا يكفي وصف المذكورات إذا حضرت مجلس العقد من غير رؤية، بل لا بد من رؤيتها. اهـ. وقوله: إن لم توصف بالتاء المثناة فوق أي المذكورات، وبالياء التحتية أي إن لم يوسف ما ذكر، وفي الخرشي: وقوله: متعلم، سواء كان يتعلم صناعة أو قراءة أو كتابة أو غير ذلك. اهـ؛ يعني كتعلم علم، وقال المواق عند قوله: ومحمل: من المدونة: وإن أكرى محملا لمكة ولم يذكر وطاءه أو زاملته ولم يذكر ما يحمل من أرطال جاز وحملا على فعل الناس لأن الزوامل عرفت عندهم. وقال ابن الحاجب: يحين المحمل أو يوصف. اهـ. ودابة لركوب؛ يعني أن الدابة المعينة للركوب لا بد أن تكون معينة أي مشارًا إليها أو نحو ذلك، وليس في ذلك إشكال؛ لأن معنى التعيين الأول ما ليس في الذمة، ومعنى الثاني المشاهدة مع الإشارة، والحاصل أنه إذا قال أكتريت (١) منك دابتك هذه أو سفينتك هذه كانت معينة، وإن قال: اكتريت منك دابة أو سفينة أو دابتك أو سفينتك كانت مضمونة، ولو كانت حاضرة مشاهدة، ولو لم تعلم له دابة أو سفينة غيرها، ولا يخرجها من الضمان إلى التعيين إلا الإشارة إليها، والوصف في هذا الباب يقوم مقام التعيين، كما قال المؤلف كأن يقول دابتك البيضاء أو السوداء أو نحو ذلك، وكذلك لو قال: اكتريتك لتخيط لي هذا الثوب أو لتبني لي هذا الحائط فهو مضمون حتى تقول بنفسك. اهـ. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: أي أن الدابة المعينة للركوب يجب تعيينها، وليس فيه إشكال؛ لأن مَعنى التعيين الأول ما ليس في الذمة، والثاني يكون بوقوع الإشارة إليها كأكتري منك هذه الدابة، وبوقوع الكراء على جزء معين منها كأن يكري منه نصفها مثلا، كأكتري منك نصف دابتك وإن لم يحضرها، كما هو ظاهر
стр. 7344
النقل، وليس من المعين أكتري منك دابة أو سفينة أو دابتك، ولو زاد التي عندك أو التي في منزلك أو سفينتك فهو من الكراء المضمون ولو كانت حاضرة مشاهدة ولو لم يعلم له دابة أو سفينة غيرها، ولا يخرجها من الضمان إلى التعيين إلا الإشارة إليها أو كراء جزء منها، والوصف في هذا الباب يقوم مقام التعيين، كأن يقول: دابتك البيضاء أو السوداء أو نحو ذلك، وكذلك لو قال: اكتريك لتخيط لي هذا الثوب أو لتبني لي هذا الحائط فهو مضمون حتى يقول بنفسك أو يعرف أنه يعمله بنفسه أو كان عمله مقصودًا لِحِذاقتِه وإحكامه. قال في التوضيح: محمد وإن وقع الكراء على الإطلاق حمل على المضمون حتى يدل دليل على التعيين. اهـ. وقال عبد الباقي: حذف المص إن لم توصف من هنا لدلالة ما قبله عليه، فالوصف في هذا الباب يقوم مقام التعيين من حيت صحة العقد فقط ولكن، التعيين بالإشارة يفسخ العقد بتلف المعقود عليه بخلاف المعينة بالوصف. اهـ. وقال البناني عند قوله ودابة لركوب ما نصه: ظاهره الاكتفاء بالتعيين في دابة الركوب، وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يختبرها لينظر سيرها في سرعته وبطئه، فرُبَّ دابةٍ - كما قال ملك- المشي خير من ركوبها. اهـ. وفي الخرشي: تأخير قوله: ودابة لركوب، عن قوله: إن لم توصف، يوهم أن الوصف غير كاف هنا، وينبغي أن يكون كافيا، وحينئذ فقد حذف من هنا لدلالة الأول عليه. اهـ. وقال الحطاب: قال في التوضيح: محمد: وإن وقع الكراء على الإطلاق حمل على المضمون حتى يدل دليل على التعيين، ولو أكراه نصف السفينة أو ربعها فيكون كشرط التعيين. اهـ.
فرع: لو أراد رب الجمال أن يبدل دابة بغيرها تحت المستأجر في الكراء المضمون وأبى المستأجر إلا أن يبقى ما تحته لموافقتها له في الليونة أو نحو ذلك فالقول قوله، وليس لرب الداوب الإدارة إلا برضى المستأجر، كما نقله المواق عن ابن رشد، وهي فائدة حسنة. اهـ. قاله الخرشي. وفي الميسر: وعينت دابة لركوب إن لم تضمن بل عقد على عينها، وتُعَيَّن بإشارة أو تسمية كدابتك هذه أو الفلانية، قال بعينها أو لم يقله كذا في المقدمات. اهـ.
وإن ضمنت؛ يعني أنه إذا لم يقع العقد على عين دابة الركوب بل ضمنت بأن قال له: أكريتك دابة أو عينت بالوصف فقط كدابتك البيضاء أو السوداء أو أكريتك دابتي أو أكتري دابتك وليس
стр. 7345
للمكري غيرها أو زاد بعد دابتك التي عندك لاحتمال إبدالها بغيرها، فالواجب جنس؛ أي تعيينه كخيل أو بغال أو إبل، ونوع أي صنف كبرذون وعربي وبخت وعراب، قال عبد الباقي: واعلم أنه لا بد من تعيين المعقود عليها معينة أو مضمونة، لكن معنى تعيين المعينة بالشخص الإشارة إليها، وتعيين المضمونة بالوصف وذكر جنس ونوع وذكورة؛ أي لا بد في دابة الركوب من بيان الجنس والنوع والذكورة أو الأنوثة، وفي شرح عبد الباقي ومفهوم لركوب عدم لزوم تعيينها لحمل أو استقاء أو حرث، وإنما يجب فيهن بيان ما تختلف به الأغراض في كل، ففي الشامل: ولا توصف إن أكريت لحمل إلا في حمل زجاج ونحوه مما يتلف إن سقط، وفي الشارح: وتوصف أيضا إن أكريت لحراثة لاختلاف صلابة الأرض وعدم صلابتها وقرب الأرض وبعدها، وفي إجارتها للسقي لا بد من معرفة قدر الدلاء والعدد وموضع البئر وبعد الرشاء إذا كان مباينا للمتعارف مباينة بينة. اهـ. ونحوه للتتائي، وتحصل مما مر أن العين المؤجرة إذا كانت متعلما أو رضيعا أو دارا ونحوها أو محملا فلا بد في صحة عقد الإجارة من تعيينها بالإشارة إليها أو بوصفها، وأن البناء على الجدار لا بد فيه من الوصف، بخلاف البناء على الأرض، وأن الدابة المكتراة للركوب لا بد من تعيينها إن كانت مُعينة، فيصح عقد الإجارة بتعيينها، وإن لم يقع العقد على عينها بأن كانت مضمونة بأن قال: اكتريت منك دابة أو دابتك البيضاء أو السوداء مثلا، ولو لم يكن له غيرها لاحتمال إبدالها بغيرها، حتى يدل دليل على التعيين، كأن يقول: التي رأيتها عندك بالأمس بعينها، ولا بد من وصفها وبيان جنسها ونوعها وذكورتها، وإن كانت الدابة مكتراة لغير الركوب فلا يلزم تعيينها ولا وصفها كالحمل والاستقاء والحرث، وإنما يجب فيها بيان ما تختلف به الأغراض. والله سبحانه أعلم.
وليس لراع رعي أخرى إن لم يقو؛ يعني أن من استأجر من يرعى له ماشية فليس له أن يرعى غير تلك الماشية إن لم يقو على رعي غيرها، ومفهومه أنه لو قوي على رعي غيرها لكان له ذلك، وقوله: وليس لراع رعي أخرى لخ، فلو تحمل المشقة في هذه الحالة ورَعَى كانت له الأجرة حيث لم يشترط خلافه قال الشبراخيتي: وليس لراع المراد بالراعي أجير الرعي رعي دواب أخرى كانت إبلا أو بقرا أو غنما أو غير ذلك إن لم يقو. انتهى. وقال عبد الباقي: وليس لراع
стр. 7346
استؤجر على رعاية غنم كثيرة رعي غنم أخرى إن لم يقو على رعي أخرى معها لغير ربها بحيث يخل بما يلزمه فيها. ابن ناجي: أقام شيخنا من هذا أن المؤدب ومن يشبهه من معلم صنعة لا يزيد على (١) أكثر مما يطيق. اهـ. ونحوه للتتائي، وقوله: إن لم يقو شرط في المعينة وغيرها، فلا فرق بين أن يؤاجره على رعاية غنم بأعيانها وعدد معلوم غير معين.
إلا بمشارك، مستثنى من قوله: وليس لراع إلى آخره بقيده ولا فساد في ذلك، وكلام عبد الباقي غير ظاهر، والله تعالى أعلم. ومعنى كلامه أن محل كون الراعي ليس له رعي غير ما استؤجر عليه حيث لم يقو، إنما هو إذا لم يكن معه مشارك يقوى به على رعاية الماشيتين، وأما إن كان معه مشارك يقوى معه بحيث لا يخل بما يلزمه في الأولى والثانية فإنه يجوز له رعي أخرى. أو تقل، عطف على المستثنى، والفاعل ضمير يعود على الأولى، قال عبد الباقي: أو تقل الأولى بحيث يطيق معها رعي غيرها، ولو كثرت حيث قوي بحيث لا يخل برعي الأولى لأن قلة الأولى مظنة قوته على غيرها، وجعْلُ البساطي ضمير تقل للثانية فيه شيء لاقتضائه جواز رعي الثانية القليلة وإن لم يطق غير الأولى، وليس كذلك. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: فيه شيء على كلا التقريرين لأنه إذا عَاد الضمير على الأولى وقلنا: إنه غير قوي على رعاية شيء معها على قلتها فليس له أن يرعى غيرها. ولم يشترط خلافه، مقتضى كلام التتائي أنه قيد في المسألتين؛ يعني أن محل كون الراعي إذا قوي على رعاية الأخرى بسبب المشاركة أو بسبب قلة الأولى أو الثانية إنما هو حيث لم يشترط عليه رب الماشية الأولى أن لا يرعى غيرها.
وإلا؛ أي وإن لم يكن الأمر كذلك بأن اشترط عليه أن لا يرعى غيرها. فأجره، الكائن من رعي الأخرى. لمستأجره، بكسر الجيم، والمراد به رب الماشية الأولى، قال الخرشي: قوله: وليس لراعٍ لخ، كلام المؤلف فيمن استأجر راعيا على عدة محصورة أو قال له: على هذه، أما لو قال له: ترعى لي غنما، فليس له رعي أخرى ولو قوي عليها وأجره لمستأجره؛ لأن منافعه كلها صارت
стр. 7347
لمستأجره، كما ذكره الشارح عن اللخمي. اهـ. وقال بناني: ولا فرق بين المعينة وغيرها إذا واجره على عدد معلوم، والذي في الشارح هو ما نصه: هذا إذا استأجره على رعاية غنم، وأما إذا استأجره على رعاية غنمه وضمه إلى نفسه فكان تحت يده فليس عليه أن يسمي عدة ما يرعى له، وله أن يسترعيه ما يقوى مثله على رعيه، وليس للأجير أن يرعى لغيره وإن لم يضر بغنمه لأنه أجيره وله خدمته. كلها قاله ابن حبيب. اهـ. قاله رادا على عبد الباقي في قوله: ثم قوله: إن لم يقوَ، شرط في المعينة لخ، وكلام الخرشي الذي نقلته سالم من الاعتراض والله تعالى أعلم. وقوله: فأجره لمستأجره، قال عبد الباقي: وطريقة معرفة ذلك أن يقال ما أجرته على رعيها وحدها؟ فإذا قيل: عشرة مثلا، قيل: ما أجرته على رعيها مع غيرها؟ فإذا قيل: ثمانية، فقد نقص الخمس، فيخير مستأجره بين أن ينقصه خمس المسمى وبين أخذ ما آجر به نفسه، ويجري نحوه في قوله: كأجير لخدمة آجر نفسه. اهـ. ونحوه للشبراخيتي وهو في الحطاب، وقد مر أن رعاية الغنم على ثلاثة أوجه: رعايةٌ على غنم معينة، رعايَة على عدد معلوم، وهاتان فيهما كلام المص هنا. الوجه الثالث: أن يستأجره على أن يرعى له غنما أو إبلا أو غير ذلك ولم يذكر له عددا ولا عين الماشية: فيجوز ذلك أيضا ويضمه إلى نفسه ويأتيه بما يقدر على رعايته، زاد اللخمي: هذا إذا كان المستأجر يعلم قدر رعاية مثله وقد ملك المستأجر في هذا الوجه جميع منافع الراعي، وضمُّه إلى نفسه ليس بشرط فإن عزله ورتب له نفقة معلومة جاز كما في المتيطية. كأجير لخدمة آجر نفسه؛ يعني أن أجير الخدمة إذا آجر نفسه بحيث فوت على المستأجر ما استأجره عليه أو بعضه فإن المستأجر يخير بين أن يسقط عن نفسه أجرة ما فوته عليه وبين أن يأخذ منه الأجر الذي آجر به نفسه، وهذا حيث آجر نفسه فيما يشبه أجره أجر الأولى، وأما إن استأجره شهرا بدينار فيؤجر نفسه في أمر مخوف يوما بدينار أو يقاتل فيدفع له في سهمه عشرة دنانير، فإنه يُسقط من الأجرة التي استأجره بها مدة تعطيلة، كما قاله ابن يونس. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: في المدونة: من استأجر أجيرا للخدمة استعمله على عرف الناس من خدمة الليل والنهار انتهى وقال عبد الباقي: كأجير لخدمة آجر نفسه فأجره لمستأجره حيث استأجر جميع منفعته بقيدين أن يعطل جميع ما استؤجر عليه من الخدمة أو بعضه وإلا فلا
стр. 7348
شيء عليه للمستأجر. القيد الثاني: أن يؤجر نفسه بما يشبه أجرته، وأما إن استأجره شهرا بدينار فآجر نفسه في أمر مخوف يوما بدينار أو قاتل فدفع له في قسمته عشرة دنانير فليس عليه إلا قيمة ما عطل، وفهم من قوله: فأجره، وقوله: آجر نفسه، أنه إن عمل لغير المستأجر مجانا فإنه يسقط من كرائه بقدر ما عمل أي بقدر ما نقص مما سمى له في الأجر. اهـ. قوله: وإلا فلا شيء عليه لخ، يتصور هذا بأن يستعمل نفسه في الأوقات التي جرت العادة أنه لا يعمل فيها لمستأجره كاليل مثلا، فلا ينافي أن الموضوع أنه استأجر جميع منفعته، قال الرهوني: وهذا التخيير المذكور في المسألتين، أعني قوله: وإلا فأجره لمستأجره، وقوله: كأجير لخدمة آجر نفسه، تظهر فائدته فيما إذا كان الأول أكثر من الثاني أو العكس، وقوله: كأجير لخدمة آجر نفسه، لو أصاب الأجير بيض الحجل فهو له.
ولم يلزمه رعي الولد؛ يعني أن الراعي لا يلزمه رعي ما تلده الماشية، قال الشبراخيتي: ولم يلزمه أي الراعي رعي الولد الذي تلده الغنم المستأجر على رعيها لأنه زائد على ما استؤجر عليه فلم يتناوله العقد، وقال عبد الباقي: وإذا لم يلزم رعي الولد عند عدم العرف، فقال ابن اللباد: على ربها أن يأتي براع يرعى معه أولادها للتفرقة أي لضررها أي لما يلحق راعِي الأمهات من ضرر تفرقتها وجريها وذهابها عن محل الرعي بسبب تولهها بأولادها حين بعدها عنها، فليس المراد منع التفرقة لما تقدم أنه خاص بالعقلاء. اهـ. قال البناني: في توجيه كلام ابن اللباد بهذا نظر لأن ذلك لا يتم إلا لو كانت الأمهات تتوله إذا رَعت وحدها، والواقع خلاف ذلك، ولما ذكر أبو الحسن كلام ابن اللباد قال بعده: راعى التفرقة في الحيوان البهيمي ومثله في سماع عيسى. اهـ. وقال ابن عرفة بعده: قلت: معناه أن التفرقة تعذيب لها فهو من النهي عن تعذيب الحيوان. انتهى.
إلا لعرف؛ يعني أنه إذا جرى العرف بأن الراعي يرعى أولاد الماشية التي استؤجر على رعايتها فإنه يلزمه رعي الولد، قال أبو الحسن: لأنه يقيد ما أطلقاه، ويفسر ما أجملاه، ويكون شاهدا لمن ادعاه.
стр. 7349
تنبيهات: الأول: قال في الطرر: إذا امتنع راعي قوم أن يرعى لأحدهم لم يجبر، وفي جبر الفران والرحوي والحمامي ونحوهم إن لم يوجد غيرهم قولان، الجبر استحسان، وعدمه قياس، وكان القضاء بطليطلة جبر الفران على طبخ خبز جاره بأجر مثله. اهـ. ونقله في التكميل. قاله البناني. الثاني: يأتي من مر براع كره أن يعطيه اللبن إن كان الغالب إباحته لإمكان أن ربها ممن يمنع وإن غلب منعه لم يجز، وإن كانوا يبيحونه لم يكره. الثالث: لو أتى الراعي بمن يرعى مكانه لم يجز ولو رضي رب الغنم إن كان معينا لأنه فسخ دين في دين، ثم إن ضاع شيء من الثاني ضمنه الأول حيث لم يرعَ الثاني بإذن رب الماشية ويضمن وإن كان مثله في الأمانة، وقيل: إنما يضمن إذا لم يكن مثله أمانة، هذا إن لم يكن العرف إتيانه بمثله لضرورة، فإن كان لم يضمن اتفاقا، وكذلك إن كان العرف إتيانه بدونه كولده.
الرابع: قال التتائي: ويحرم عليه أي الراعي السقي من لبنها لعدم الإذن فيه، وقال اللخمي: مكروه لأن الغالب الإباحة، ابن ناجي: قال شيخنا أبو مهدي: ليس مثلها من يمر بجنان رجل وله غلة ولم يكن عرف يقتضي الإذن لأن اللبن يتجدد في كل يوم فالأمر فيه أخف. اهـ. الخامس: قوله: ولم يلزمه رعي الولد، ظاهر في المعينة. قال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: إذا استؤجر على رعاية غنم بأعيانها وشرط ربها أن ما مات منها أخلفه فتوالدت الغنم حُمِلا في رعاية الولد على عرف الناس، فإن لم تكن لهم سنة لم تلزمه رعاية الولد. انتهى. لكن في الملوي أنه لا فرق بين المعينة وغيرها في ذلك. والله تعالى أعلم.
وعمل به في الخيط؛ يعني أنه يعمل بالعرف في الخيط الذي يخاط به فإن جرى العرف بأنه من عند الخياط كان عليه وإن جرى العرف بأنه من عند رب الثوب مثلا كان عليه. ونقش الرحى، يحتمل أن معناه أن من اكترى رحا ليطحن فيها فإن نقشها يكون على من جرى العرف بفعله له، فإن جرى العرف بأن ربها هو الذي ينقشها كان النقش عليه، وإن جرى العرف بأن رب الدقيق هو الذي ينقشها فإن النقش يكون على رب الدقيق، ويحتمل أن معناه أن من له رحا واستأجر من يطحن له فيها يتبع العرف في نقشها، فإن جرى العرف بأن ربها وهو رب الدقيق هو الذي ينقشها كان عليه النقش، وإن جرى العرف بأن الطحان هو الذي ينقشها كان عليه
стр. 7350
النقش، فرب الرحى على هذا هو رب الدقيق كالدقاقين بفاس الذين يستأجرون الطحَّانين. والله تعالى أعلم.
وآلة بناء؛ يعني أنه يعمل بالعرف في آلة البناء كالفؤوس والقفاف والدلاء فإن جرى العرف بأن البنَّاء هو الذي يخرجها من عنده كانت عليه، وإن جرى العرف بأن الذي يخرجها هو رب البناء كانت عليه. وإلا؛ أي وإن لم يكن عرف. فعلى ربه؛ أي رب الشيء المصنوع من ثوب ودقيق وجدار، هذا هو ظاهر المص وهو الظاهر في مسألتي الخيط وآلة البناء، وكذا في مسألة الرحا على أن رب الرحا هو رب الدقيق، وأما على أن معناه أن الرحا مكتراة للطحن فإن النقش يكون على رب الرحا حيث انعدم العرف. والله سبحانه أعلم. ولذا قال ابن غازي: فلعل عرفهم أي في بلاد المص أن رب الرحا هو رب الدقيق كالدقاقين بفاسٍ الذين يستأجرون الطحانين وإلا فما هنا مخالفٌ للمدونة، وفي الشبراخيتي: واختلف إذا لم يوجد إلا واحد من أهل هذه الصنائع هل يجبر على صنعته بأجرة مثله أو لا؟ قولان، البساطي: وعندي أنه إن كان من التتمات كالخياط لم يجبر، وإن كان من الحاجيات أجبر كالفران. اهـ.
عكس إكاف وشبهه؛ يعني أن من اكترى دابة يعمل بالعرف فيما يجعل على ظهرها من إكاف وشبهه فإن جري العرف بإخراج مكتري الدابة له كان عليه، وإن جرى العرف بكونه على رب الدابة كان عليه، وإن لم يكن عرف فعلى مكتري الدابة، فقوله: عكس، خبر مبتدأ محذوف أي وذلك عكس إكاف وشبهه، قال عبد الباقي مقررا للمص وذلك عكس إكاف بكسر الهمزة وضمها البرذعة على ما في القاموس خلاف ما في الشارح والتتائي من أنه شيء أصغر من البرذعة بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فذال معجمة أو مهملة وشبهه من سرج ولجام وحلس تحتها أو فوقها؛ أي إن كان عرف عمل به وإلا فعلى المكتري، هذا مراده ولكن مذهب المدونة أن حكم الإكاف ونتبهه حكم الخيط وفي معه إن كان عرف عمل به وإلا فعلى رب الدابة. اهـ. قال البناني: هو الموافق أيضا لما استظهره ابن عرفة حيث قال: والأظهر بمقتضى القواعد أن يلزم المكري البرذعة والسرج ونحوهما لا مؤنة الحط والحمل اهـ وقال الشبراخيتي: واعلم أن الإكاف وشبهه حكمه حكم الخيط وفي معه في أنه إن كان عرف عمل به وإلا فعلى رب الدابة كما في المدونة. اهـ.
стр. 7351
وقال المواق: قال ابن شأس: على رب الدابة تسليم ما العادة تسليمه معها من إكاف وبرذعة وحزام وسرج في الفرس وغير ذلك من معتاد لأن العرف كالشرط، وكذا الحكم في إعانة الراكب في النزول والركوب في المهمات المتكررة وكذا رفع الحمل. اهـ. وقال الشبراخيتي: عكس إكاف وشبهه كالبرذعة والسرج والمقود والحزام واللجام. اهـ. وقال الخرشي: الإكاف بكسر الهمزة وضمها شيء يكون للحمار كالسرج للفرس؛ قال بعضهم ويطلق في بلاد مصر على ما يوضع فوق البرذعة ويشد عليه معها الحزام والبرذعة بفتح الباء وذال معجمة وحكي إهمالها، وفسرها الجوهري بالحلس الذي يلقى تحت الرحل، وفي شرح البخاري: الإكاف شيء يركب عليه أصغر من البرذعة وهذا هو المناسب هنا لأن المراد آلة الركوب والحمل، وقوله: عكس خبر مبتدإ محذوف أي هذا عكس الإكاف وشبهه. اهـ.
وفي السير؛ يعني أنه إذا اكترى دابة أو دواب فإنه يعمل بالعرف في كيفية السير وتفصيله. والمنازل؛ يعني أنه يعمل بالعرف أيضا في قدر المنازل، وفي محل النزول في معمور أو صحراء، وفي مقدار الإقامة بالمنزل. والمعاليق، جمع مُعلُوق بضم الميم واللام كعصافير جمع عصفور وهو ما يعلقه المسافر معه. قاله الخرشي. وقال التتائي: وفي المعاليق التي يحتاج لها المسافر من سمن وزيت وعسل ونحوها. انتهى. وقال الشبراخيتي: ما يعلقه المسافر معه من سمن وعسل وزيت ونحوها. انتهى. ومعنى كلام المص أنه يعمل بالعرف في المعاليق التي يحملها المسافر معه فيتبع العرف في ذلك، وفي المواق: قال ابن شأس: يصف الحمل بالسعة والضيق ويُعَرِّف تفاصيل المعاليق، فإن أطلق في شيء من ذلك وكان معلوما بالعادة صح العقد. اهـ. والزاملة ما يحمل فيه المسافر حاجته من خرج ونحوه؛ يعني أنه يتبع العرف في حمل الزاملة، وقد علمت أن العرف يتبع في هذه المسائل الأربع، فإن لم يكن لهم عرف في السير والمنازل فلا بد من تعيينه وإلا فسد العقد، وأما المعاليق وما معها فإن لم يكن عرف بحملها فلا يلزم المكري حملها. قاله غير واحد. والله تعالى أعلم.
ووطائه بمحمل؛ يعني أن من اكترى دابة ومعها محمل ليركب عليه فإنه يتبع العرف في الوطاء وهو الذي يفرشه تحته في المحمل، فإن كان العرف جاريا بحمله على رب الدابة عمل به،
стр. 7352
وإن كان العرف أن رب الدابة لا يأتي به من عنده للراكب عمل به. قاله الشبراخيتي. ونحوه للخرشي فإنه قال: قوله: ووطائه؛ أي حملا وإتيانا فإذا كان العرف أن حمل وطاء الراكب وهو ما يفرشه تحته على رب الدابة عمل به، وإن كان العرف أن رب الدابة لا يأتي بوطاء من عنده للراكب عمل به. اهـ. وقال: وسكت عن ذكر الغطاء مع أنه مما يعمل فيه بالعرف أيضا لفهمه بالأولى إذ لا يمكن الاستغناء عنه غالبا بخلاف الوطاء.
وبدل الطعام المحمول؛ يعني أنه إذا استأجر دابة أو داوب لحمل طعام عليها فحمله عليها ونقص الطعام المحمول ببيع أو أكل أو غير ذلك فرغب المكتري في بدل النقص بأن يجعل في الطعام مثل ما نقص منه ورغب المكري في أنه يترك الطعام على نقصه فإنه يتبع العرف في ذلك، فإن جرى العرف بأنه يوفيه لزم، وإن جرى عرف بأن لا يوفيه فليس له أن يوفيه، وإن لم يكن عرف بشيء فعليه حمل الوزن الأول، قال الحطاب مفسرا للمص: يعني إذا نقص الطعام المحمول ببيع أو أكل فأراد ربه أن يوفيه فإن كان فيه عرف عمل به، وإن لم يكن لهم عرف فعليه حمل الوزن، الأول نقله في التوضيح عن المدونة، قال: وعكسه إذا استأجره على حمل مائة رطل فأصابه مطر حتى زاد فلا يلزمه إلا حمل الوزن الأول. قاله سحنون. وقال المواق: من المدونة: إن نقصت زاملة الحاج أو نفِدَت فأراد إتمامها وأبى الجمَّال حملا على عرف الناس. اهـ.
وتوفيره؛ يعني أنه يرجع للعرف في توفير الطعام المذكور فإن أراد ربه توفيره أي تركه على حاله فلا ينقصه ببيع ولا غيره، وإن أراد المكري عدم توفيره بأن أراد تخفيفه فإنه يتبع العرف في ذلك، فإن لم يكن عرف فعليه حمل الوزن الأول إلى غايته. اهـ. وهذا يفيد أنه لا يلزم تخفيفه بل عليه حمله على حالته ما لم يزد كما لوأصابه بلل. والله تعالى أعلم.
كنزع الطيلسان قائلة، الطيلسان مثلث اللام وجمعه طيالس وطيالسة؛ يعني أن من استأجر طيلسانا للبسه فإنه ينزعه في وقت القائلة لجري العادة بذلك، ولا مفهوم لقائلة بل ينزعه في الوقت الذي جرى العرف بنزعه فيه سواء كان قائلة أم لا، قال التتائي: كنزع الطيلسان قائلة إذا استأجره للبسه لجريان العادة بنزعه ذلك الوقت إلا لضرورة وأحرى ليلا، البساطي: إلا أن
стр. 7353
يكون استأجره لحفظ عمامته عن سقوطها ليلا، وأفرده بكاف التشبيه لتقرر العرف فيه بذلك، وما قبله يختلف باختلاف العرف فيه، فجعل ذلك أصلا باعتبار العرف فيه. انتهى. ابن شأس: لو استأجر ثوبا للبسٍ نَّزَعَه في أوقات نزعه عادة كاليل والقائلة. ابن عرفة: هو صواب، فإن اختلف العرف في لبسهَ لزم بيان وقت نزعه أو داوم لبسه اهـ ونحوه لغير واحد ابن عبد السلام: مما يرجع فيه للعرف في هذا الباب في المكان كما يرجع إليه في الزمان ما قاله بعض الشيوخ: من اكترى على متاع دواب إلى موضع وفي الطريق نهر لا يجاز إلا على المركب قد عرف ذلك كالنيل وشبهه فجواز المتاع على ربه والدواب على ربها، وإن كان يخاض في المخايض فاعترض حملان لم يعلموا به فحمل المتاع على صاحب الدابة وتلك جائحة نزلت به، وكذلك إن كان النهر شتويا يحمل بالأمطار إلا أن يكون وقت الكراء قد علموا جريه وعلى ذلك دَخَلوا فيكون كالنهر الدائم. انتهى. وقوله: حِملان بكسر الحاء المهملة وسكون الميم مصدر منون. وهو أمين فلا ضمان؛ يعني أن من ذكر من مستأجر كمكتري الدابة مثلا وأجير كالراعي أمين فيما أسلم إليه، وإذا كان أمينا فلا ضمان عليه فيما ادعى تلفه بغير تفريط. قال الخرشي: يريد أن من استأجر شيئا فادعى ضياعه أو تلفه فإنه يصدق ولا يضمنه لأنه أمين على الأصح، كان مما يغاب عليه أم لا، وفي كتاب سحنون: قول بضمانه. اهـ. وقال البناني: قال ابن يونس: قال ابن حبيب: وقال ابن المسيب والأوزاعي ومكحول والحسن: يضمن الراعي المشترك ولا يضمن من يرعى لرجل واحد خاصة. ابن يونس: رأوا الراعي المشترك كالصانع لأنه أجير مشترك. اهـ. قال في التكميل: وظاهره أن ابن حبيب حاكٍ لمذهب الأربعة لا قائل به ولذا لم ينقله ابن عرفة، وأفتى بتضمينه العبدوسي. اهـ. وقال الخرشي: وجد عندي في نصه: ولا ضمان على المستأجر ويصدق فيما ادعى ضياعه أو تلفه ولو مما يغاب عليه ولكن عليه الأجرة كاملة، ولا يصدق أنها هلكت في أثناء الطريق إلا ببينة، ويكفي أن تقول: رأيناه يطلبها في الموضع فلم يجدها، ولا يشترط مشاهدة الضياع ولو ادعى ردَّ الشيء المستأجر فالقول قوله ولوأخذه ببينة قال محمد وهو الصواب كما قاله ابن عرفة، لكن هذا قول من أقوال أربعة مشهورها إن ادعى الدفع إلى اليد الدافعة وكان قد قبضه بغير إشهاد صدق مع يمينه متهما أم لا، وإن كان قد قبضه بإشهاد فلا يصدق إلا
стр. 7354
بإشهاد، فهو نظير عامل القراض في دعوى العامل الرد على ربه في التفصيل المذكور. اهـ. وقال الحطاب: قال ابن ناجي في شرح قول الرسالة: ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه: قول الشيخ: مصدق، يريد ويحلف إن كان متهما لقد ضاع ولا فرطت ولا يمين عليه إن كان غير متهم. قاله ابن القاسم. وقيل: يحلف مطلقا، وقيل: يحلف غير المتهم ما فرطت، والقول قول المستأجر في رد الشيء المستأجر إلا أن يكون قبضه ببينة، نص عليه ابن رشد وغيره، وقال ابن الحاجب والمستأجر أمين على الأصح، قال ابن عبد السلام: يعني أن من ملك منفعة بعوض فالقول قوله في تلف الذات التي قبضها لاستيفاء تلك المنفعة سواء كانت تلك الذات من نوع ما لا يغاب عليه كالحيوان أو ما يغاب عليه كالجفنة، هذا هو المعروف في المدونة وغيرها، وأنكر بعضهم وجود الخلاف فيه في المذهب، ومن أثبته لم يثبته عموما كما يقتضيه ظاهر المؤلف؛ يعني ابن الحاجب، بل هو مقصور عندهم على ما يغاب عليه. اهـ. ونحوه في التوضيح، وفي المدونة: ومن استأجر فسطاطا أو بساطا أو غرائر أو آنية إلى مكة ذاهبا وجائيا جاز ذلك، فإن ادعى حين رجع ضياع هذه الأشياء في البداءة صدق في الضياع ولزمه الكراء كله، إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع، فإن كان معه قوم في سفره فشهدوا أنه أعلمهم بضياع ذلك وطلبه بمحضرهم حلف وسقط، من يومئذ حصة باقي المدة، وقال ابن رشد في شرح المسألة الثانية من سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع: وحُكْمُ اكتراء العروض بشرط الضمان على قول مالك في هذه الرواية حُكْمُ بيع الثياب يفسخ الكراء إلا أن يرضى المكري بترك الشرط، فإن فات الكراء كان على المكتري الأكثر من المسمى وكراء المثل على غير شرط الضمان، ثم قال: وأما قوله في الدمياطية فيمن اكترى دابة بالضمان: أنه لا خير فيه ويرد إلى كراء مثله مما لا ضمان عليه، فظاهره كان أكثرَ من المسمى أو أقل ومعناه إن فات الكراء وأنه يفسخ قبل فوته وإن ترك المكري الشرط وهو القياس، خلاف رواية أشهب. اهـ. وصدق مكترٍ ادعى إباق العبد أو تلف الدابة أو ضياع ما يغاب عليه أو تلفه إلا أن يتبين كذبه. ولو شرط إثباته إلا أن يأتي بسمة الميت؛ يعني أن المكتري أو الراعي أمين فلا ضمان عليه ولو اشترط رب الدابة أو الماشية، الضمان حيث لم يأت بسمة ما مات من الدابة أو الماشية أي قال له في عقد الإجارة إن ادعيت موت شيء مما ذكر ولم تأتني بسمته فأنت غير مصدق في ذلك فتكون ضامنا
стр. 7355
له، فإن هذا الشرط لا يؤثر الضمان. قال عبد الباقي: مقتضى المص صحة الإجارة مع الشرط المذكور مع أنها تفسد به لأنه شرط مناقض لمقتضى العقد وإن كان لا يضمنه وله أجر المثل زاد على التسمية أو نقص عند ابن القاسم، إلا أن يسقط الشرط قبل الفوات بانقضاء العمل فتصح. التتائي عن ابن ناجي: وهذه المسألة كالنص في أن قناديل المسجد لا ضمان عليهم فيما كسروه منها إلا مع التفريط، ولو شرط عليهم أنهم يغرمونه لا يلزمهم. المغربي: ويقوم منها أن الأمة والعبد والصبي لا يضربون على ما كسروا من الأواني، ففي الحديث: (لا تضربوا إماءَكم على كسر أوانيكم فإن لها آجالا مثل آجالكم (١)). وهذا ما لم يكن منهم تفريط فيؤدبون كما لو أمر أمته بحمل الشيء الثقيل بيديها معا فترفعه بيد واحدة فيغلبها فيسقط فينكسر. اهـ. وقال الحطاب: ابن القاسم: وإذا اشترط على الراعي الضمان فسدت الإجارة ولا شيء عليه وله أجر مثله بغير ضمان نَافَ على التسمية أو نقص، وقال غيره: إن كان ذلك أكثر من التسمية لم يزد عليها. وقال في المسائل الملقوطة: ولا ضمان على الراعي فيما تلف أو ضل وعليه اليمين إن اتهم أنه ما فرط ولا تعدى ولا دلس، ولا يضمن إن نام مغلوبا في إبان النوم إلا أن يأتي من ذلك ما يُنكَرُ، وإن شرط عليه الضمان فسخت الإجارة وله أجر المثل فيما رعى، وفي الإرشاد في باب الإجارة: وتلزم في الفاسدة أجرة المثل.
مسائلُ حسانٌ: الأولى: قال الإمام الحطاب: قال في الطرر: وإذا ادعى الراعي أن بعض الغنم له لم يصدق إلا أن يأتي بسبب يدل على صدقه فيحلف، ونقله عن نوازل ابن رشد. اهـ.
الثانية: إذا قال الصانع: هذا متاع فلان، وقال فلان: ليس هو لي فالظاهر أن القول قول الصانع، قال البرزلي: قال ابن الحاج: إذا احترق الخبز في الفرن فقال الفران: هو لفلان، وقال صاحبه: ليس هو لي، فالقول قول الفران، قاله ابن زرب، ثم ذكر عن اللخمي إن كان يعمل للناس فإنه يصدق وإن كان يعمل لنفسه لم يصدق. اهـ. قاله الحطاب. الثالثة: قال الملوي: كثيرا ما يقع في البادية الدخول مع الراعي على أنه إن خرج قبل تمام العدة بغير عذر فلا شيء له،