وسيأتي هذا مع زيادة في فصل الجمعة عند قول المصنف: أو جالس عند الأذان وفي الطراز: ويجوز الكلام والمؤذن يؤذن، وقد كانت الصحابة تفعله.
التاسع: إذا قلنا يحكيه في النافلة أو فيها وفي الفريضة فإنما يحكيه إلى التشهدين، ولو قلنا إن الحكاية في غير الصلاة إلى آخر الأذان. قاله الإمام الحطاب. وقد مر أن هذا القول إن فرعنا عليه تبدل الحيعلة بالحوقلة، فيتفق القولان هنا على أنَّه لا يجاوز الشهادتين ولو أبدل الحيعلة بالحوقلة. أشار له الإمام الحطاب. وقد مر الخلاف في بطلان صلاة من لم يبدل الحيعلة بالحوقلة. قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: إن العامد؛ أي لقول حي على الصلاة تبطل صلاته بلا خلاف، وأن الخلاف في الجاهل، المشهور أنَّه كالعامد.
وأذان فذ إن سافر يعني أن الفذ المسافر والجماعة المسافرين الذين لم يطلبوا غيرهم، يندب له ولهم الأذان. والمراد بالسفر: السفر اللغوي، فيشمل من في غنمه أو في رعي أو حراسة، أو ذهب لحاجة فأدركه الوقت في البادية، وكذا من كان في فلاة من فذ أو جماعة لم تطلب غيرها. وعبارة الأمير: وندب لفذ ولجماعة غير طالبة إن كانا بفلاة؛ وهو معنى السفر في الأصل. انتهى. والأصل في ذلك ما رواه إمامنا مالك في الموطإ من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة (١)). قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ ، ورواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ، وروي في الموطإ أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان يقول: (من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك فإن أذن وأقام الصلاة أو أقام صلى ورآه من الملائكة أمثال الجبال (٢))، وقوله: في الحديث الأوّل: إني أراك تحب الغنم والبادية، هو من قول أبي سعيد للراوي عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وليس من قول النبي ﷺ لأبي سعيد الخدري، وقوله: مدى صوت المؤذن بفتح الميم مقصور
стр. 772
يكتب بالياء؛ وهو غاية الشيء، والمعنى: لا يسمع غاية صوته الخ. قال ابن حجر، قال البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه منتهى صوته؛ فلأن يشهد له من دنا منه وسمع مبادئ صوته، أولى. انتهى. وظاهر كلام ابن حجر وغيره. أن الشهادة هنا على بابها، ورأيت في حاشية نسخة من الموطإ عن ابن القطان أن الشهادة هنا بمعنى الشفاعة، قال ابن حجر: والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة. قاله ابن المنير. وقال غيره: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، كما أن الله تعالى يفضح بالشهادة أقواما، فكذلك يكرم بالشهادة آخرين. وفي حديث آخر: (المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس (١))، ورواه النسائي: (المؤذن يغفر له مد صوته (٢)). فعلى رواية مدى صوته، يكون منصوبا على الظرفية، وعلى رواية مد صوته، يكون مرفوعًا على النيابة؛ والمعنى أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته، وقيل: تمد له الرحمة بقدر مد الأذان، وقال الخطابي: المعنى أنَّه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية في المغفرة إذا بلغ الغاية في رفع الصوت. والفرق بين الفذ والجماعة التي لم تطلب في السفر وبينهما في الحضر، أن الأولين بموضع ليس فيه إظهار شعائر الإِسلام فشرع لهما إظهارها وسرايا المسلمين تقصده فاحتاجا للذب عن أنفسهما، بخلافهما في الحضر لاندراجهما في شعائر غيرهما وصيانته. أشار له الحطاب. واستحباب الأذان للفذ المسافر ومن في حكمه منصوص للإمام مالك وابن حبيب، فعزو ابن بشير وابن شأس وابن الحاجب: استحباب ذلك للمتأخرين، قصور. قاله الحطاب.
لا جماعة لم تطلب غيرها يعني أن الجماعة الحاضرة التي لا تطلب غيرها، لا يندب لهم الأذان إن لم يتوقف إعلام غيرهم بدخول الوقت على أذانهم، وإلا كان سنة. قاله الشيخ إبراهيم. ولم يعلم منه حكم الأذان لهم، والأولى تركه. قال الإمام الحطاب: فهم من كلام المصنف أن الأذان لا يستحب
стр. 773
للفذ في غير السفر، ولا الجماعة التي لم تطلب غيرها. وإذا قلنا: لا يستحب، فهل هو مكروه أو مباح؟ ظاهر كلامهم أن الأولى تركه. انتهى. وقال الشيخ الأمير: إنه مكروه للفذ بحضر والجماعة بحضر، لم تطلب غيرها. وأما الجماعة المسافرون فقد مر أنَّه يندب لهم إن لم يطلبوا غيرهم، وقال الشيخ أحمد: يسن لهم، وعلى الأوّل فمحله: إن لم يتوقف إعلام غيرهم بدخول الوقت على أذانهم، وإلا سن لهم. كما قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: على المختار يعني به أن ما ذكر من أن الجماعة الحاضرة التي لا تطلب غيرها ليسوا مأمورين بالأذان؛ هو قول ابن حبيب، واختاره اللخمي. ومقابله قائل بندبه لهم. قاله الخرشي. قال ابن عرفة: ابن حبيب: الفذ الحاضر والجماعة المنفردة لا أذان عليهم. مالك: إن أذنوا فَحَسنٌ، ومرة لا أحبه، فقال اللخمي والمازري: خلاف. ورده ابن بشير يحمل نهيه على نفي تأكده كالجماعة، لا على نفي حسنه لأنه ذكر وروى أبو عمر لا أحب لفذ تركه. وبما قررت علم أن قوله: "لا جماعة"، عطف على فذ من قوله: وأذان فذ إن سافر، وأن قوله: "وأذان فذ"، مفهوم قوله: أول الفصل: "سن الأذان لجماعة"، وأن قوله: "لا جماعة لم تطلب"، مفهوم قوله: "طلبت غيرها".
وجاز أعمى يعني أنَّه يجوز أن يكون المؤذن أعمى بشرط أن يكون تبعًا لغيره أو لمعرفة من يثق به في الوقت، وهو أفضل من العبد، والعبد أفضل من الأعرابي، والأعرابي أفضل من ولد الزنى. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه للإمام الحطاب. عن أشهب، وزاد: وكل جائز ومؤذنوه ﷺ خمسة، نظمهم بعضهم فقال:
عمرو بلال وأبو محذوره … سعد زياد خمسة مشهوره
قد أذنوا جميعهم للمصطفى … نالوا بذاك رتبة وشرفا
ونظمهم البرماوي بقوله:
لخير الورى خمس من الغر أذنوا … بلال ندي الصوت بدءا يعين
وعمرو الذي أم [لمكتوم (١)] امه … وبالقرظ اذكر سعدهم إذ يبين
وأوس أبو محذورة وبمكة … زياد الصداءي نجل حارث يعلن
стр. 774
وسعد القرظ بالإضافة؛ هو ابن عابد مولى عمار بن ياسر، وكان يلزم التجارة في القرظ فعرف بذلك. والقرظ بالتحريك: ورق السلم، والصدائي بضم الصاد المهملة نسبة إلى صداء كغراب: حي باليمن. قاله الشيخ الأمير. وعمرو أحد قولين في اسم ابن أم مكتوم، وقيل: اسمه عبد الله، وأمه عاتكة المخزومية، وكنيت به لأنها ولدته مكتوم البصر قاله الأمير. وقال الإمام الحطاب: ولا يختلف في جواز أذانه؛ يعني الأعمى إذا كان من أهل الثقة والأمانة، إلا أنَّه لا يرجع في الوقت إلى ما يقع في نفسه دون أن يَسْتَخْير من يثق به ويتثبت في أمره. وأول مؤذن في الإِسلام بلال، ولم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ غير مرة لعمر حين دخل الشام، فبكى الناس بكاء شديدا. وروى ابن أبي شيبة وابن عبد البر أنَّه أذن لأبي بكر إلى أن مات، ولم يؤذن لعمر. وتَعَدُّدُه يعني أنَّه يجوز تعدد المؤذن في المكان الواحد مسجدًا أو مركبا أو محرسا برا أو بحرا، سفرا أو حضرا. ومعنى التعدد أن يكون كل مؤذن بجانب. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "وتعدده"؛ بأن يكون كل مؤذن بجانب من مكان واحد معد للصلاة، ويدخل في كلامه تعدده من مؤذن واحد مرات في المسجد. قاله بعضهم. لكن نص سند على كراهته. انتهى. وقال الخرشي: يعني أنَّه يجوز تعدد المؤذن في المكان الواحد مسجدًا أو مركبا أو محرسا بحرا أو برا، سفرا أو حضرا، فإن قيل المسجد لا يأتي في السفر، ولا في البحر أجيب بأن المراد به ما يُعَد لصلاة الجماعة، فيتأتى فيما ذكر، ويدخل في كلامه تعدده من مؤذن واحد مرات في المسجد. قاله بعضهم. لكن نص سند على كراهته. انتهى. وهذا الذي ذكره هذا البعض إنما يأتي على أن الضمير عائد على الأذان، والظاهر خلافه، وأنه إنما يعود على المؤذن. والله أعلم. وقال الأمير: وجاز تعدده؛ أي الأذان بمسجد، وكره من الواحد واستظهر الحطاب الجواز حيث انتقل لركن آخر منه. انتهى. وسيأتي لعبد الباقي وغيره عند قوله: "كأذانه" أي المعيد لصلاته، أنَّه يجوز لمن أذن بموضع أذانه بموضع آخر للصلاة التي أذن لها؛ يعني ولم يصلها. قال الإمام الحطاب: واعلم أن غالب عبارة أهل المذهب كعبارة المصنف، أن تعدد المؤذنين جائز، ولكن استدلالهم لذلك بتعدد المؤذنين في زمانه ﷺ ، وفي زمن الخلفاء بعده يشعر بأن ذلك مطلوب، خصوصا كلام صاحب المدخل، فإنَّه قال: في صلاة الصبح وقد رتب الشَّارع صلوات الله
стр. 775
وسلامه عليه أذانا قبل طلوع الفجر، وأذانا عند طلوعه، وسيأتي أيضًا من كلامه ما يدلّ على أن ذلك مطلوب. والله أعلم. انتهى.
وذكر عبد الوهاب أن الشافعي لا يجيز إلا أربعة، وأنكره ابن الصباغ من الشافعية، وقال لم يذكره غيره من أصحابنا. قال: وظاهر كلام الشافعي جواز الزيادة بأي عدد، إلا أنَّه لا يحب أن ينقص عن اثنين. انتهى. وقال ابن حبيب: رأيت بالمدينة ثلاثة عشر مؤذنا، وكذلك بمكة يؤذنون معا في أركان المسجد كل واحد لا يقتدي بأذان صاحبه، وذلك يبين أنهم كانوا لا يراعون العدد اليسير. نقله الحطاب. قال: ولفظه في مختصر الواضحة: ولا بأس أن يؤذن النفر في المسجد الواحد وقد أذن لرسول الله ﷺ بلال، وأبو محذورة، وسعد القرظ، وعبد الله بن أم مكتوم. قال عبد الملك: وقد رأيت مؤذني المدينة ومكة ثلاثة عشر، ورأيتهم يؤذنون في أركان المسجد في كل ركان مؤذنون يندفعون في الأذان معا، إلا أن كل واحد منهم في أذان نفسه. وأما أذانهم واحدا بعد واحد -مثل ما عندنا ببلدنا- فلا بأس أن يؤذن الخمسة إلى العشرة، ونحو ذلك في الظهر والعشاء والصبح؛ لأنَّ وقتها واسع، وفي العصر نحو الثلاثة إلى الخمسة؛ لأنَّ وقتها ليس بواسع، وأما المغرب فلا يؤذن لها إلا واحد لضيق وقتها، يريد: أو جماعة في مرة واحدة. وترتبهم يعني أنَّه إذا قلنا بجواز تعدد المؤذن، فإنَّه يجوز ترتبهم بأن يؤذنوا واحدا بعد واحد؛ أي يؤذن الأوّل ويفرغ، ثمَّ الثاني ويفرغ، وهكذا، وهذا هو الأفضل. وعبارة الأمير: والأفضل ترتبهم إذا لم يفيتوا فضيلة الوقت. ابن عرفة: أو مترتبون كعشرة في الصبح والظهر والعشاء، وخمسة في العصر، وفي المغرب واحد. انتهى. الشبراخيتي: ويكون على حسب سعة الوقت من الخمسة إلى العشرة في الصبح والظهر والعشاء، وفي العصر من الثلاثة إلى الخمسة، فإن كثر عددهم على ذلك وابتغوا الثواب، فالأفضل، ثمَّ الأسبق، ثمَّ اقترعوا. انتهى.
إلا المغرب مستثنى من قوله: "وترتبهم"؛ يعني أنَّه لا يجوز الترتب في المغرب فيمنع إن أدى إلى خروج وقتها الاختياري وكذا غيرها، وإلا كره، ويكره في غيرها أيضًا إن أدى إلى تأخيرها عن
стр. 776
وقتها المستحب. والظاهر أنَّه أول الوقت الذي ورد فيه: (أول الوقت رضوان الله (١))، وإن اختلفوا في الأذان في المغرب أو غيرها قدم الأورع، ثمَّ حسن الصوت، فإن استووا اقترعوا، ويستحب في المغرب وصل الإقامة بالأذان، وتأخيرها عنه في غيره لانتظار الناس. قاله الشيخ إبراهيم.
وجمعهم كل على أذانه يعني أنَّه يجوز جمع المؤذنين في الأذان؛ أي يجوز أن يؤذنوا دفعة واحدة في المغرب وغيرها، والمناسب التعبير بالاجتماع، وإنما يجوز اجتماعهم في الأذان إذا كان كل منهم على أذانه؛ بأن يؤذن كل واحد منهم أذانا كاملا، ولا يقول أحدهم بعض الأذان ويأتي غيره بالبعض الآخر؛ أي يبتدئ كل واحد منهم من حيث ينتهي، ولا يعتد بأذان صاحبه، هذا معنى قوله: "كل على أذانه"، فإن لم يَبْنِ كل على أذان نفسه، فإنَّه يكره إن لم يؤد لتقطيع اسم الله أو اسم نبيه، فيمنع، وحينئذ فلا يحكى، ولا يكره للجالس عند الممنوع النفلُ، وهل كذا إن كره أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمَّد بن الحسن: قال أبو علي: لم أر هذا؟ يعني قوله: إن لم يود إلى تقطيع اسم الله أو اسم نبيه، إلا عند الأجهوري ومن تبعه. وانظر هل يصح؟ فإن الاسم إذا انقطع بتنفس ونحوه هو على نية التلفظ به، وقد عللوا النهي عن قراءة القرآن جماعة بالتقطيع، ومع ذلك قالوا: نهي كراهة لا منع، وظاهر كلام المصنف أن ترتبهم وجمعهم كل على أذانه سواء في غير المغرب، وهو خلاف ما مر أن الأفضل ترتبهم في غير المغرب ونحو ما للمصنف ما مر عن ابن حبيب. وفي المدخل: والسنة المتقدمة في الأذان أن يؤذنوا واحدا بعد واحد في الصلوات التي أوقاتها ممتدة، فيؤذنون في الظهر من العشرة إلى خمسة عشر، وفي العصر من الثلاثة إلى الخمسة، وفي العشاء كذلك، وفي الصبح يؤذن لها على المشهور من سدس الليل الآخر إلى طلوع الفجر، وفي كل ذلك يؤذن واحد بعد واحد، والمغرب لا يؤذن إلا واحد ليس إلا، فإن كثر المؤذنون فزادوا على عدد ما ذكر وكانوا يبتغون بذلك الثواب وخافوا أن يفوتهم الوقت إن أذنوا واحدا بعد واحد فمن سبق منهم كان أولى، فإن استووا فيه فإنهم يؤذنون الجميع، ومن شرط ذلك أن يؤذن كل واحد منهم لنفسه. وانظر إلى حكمة الشرع في الأذان واحدا بعد واحد
стр. 777
فكيف عمت بركته للأمة؛ لأنه ورد في الحديث أن (من حكاه فله مثل أجره (١))، فلو كان المؤذن واحدا فأتت هذه الفضيلة كثيرا من الأمة، ولو كانت جماعة يؤذنون في فور واحد لفاتتهم حكايته. قاله الحطاب. وفي المدخل: ما يقع من المؤذنين الآن لا يكون على سبيل السنية، ولا يحكي أذانهم من سمعهم، ثمَّ قال: وأذانهم جماعة على صوت واحد من البدع المكروهة، والاتباع في الأذان وفي غيره متعين، وفي الأذان أكثر لأنه كان أكبر أعلام الدين، وفي الأذان جماعة مفاسد مخالفة السنة، ومن كان منهم صيتا حسن الصوت وهو المطلوب في الأذان خفي أمره، فلا يسمع ولا يفهم السامع ما يقول والغالب على بعضهم أنَّه لا يأتي بالأذان كله؛ لأنه لا بد أن يتنفس، فيجد غيره قد سبقه، فيحتاج إلى أن يبني على صوت من تقدمه، فيترك ما فاته.
وأول من أحدث الأذان جماعة: هشام بن عبد الملك. وقوله: قدم من سبق، هذا عند تساويهم في الفضل، وإلا قدم الأفضل، وقال ابن ناجي: فإن تشاح المؤذنون، قدم الأولى، فإن تساووا فالقرعة وفي النوادر: قال أشهب: وأحب إلى في المغرب أن يصل الإقامة بالأذان؛ لأنَّ وقتها واحد. ولا يفعل ذلك في غيرها، فإن فعل أجزأهم. وليوخر الإقامة في غيرها لانتظار الناس وفي مختصر الواضحة: ولا بأس أن يلبث المؤذن بعد أذانه للمغرب شيئًا يسيرا، وأن يتمهل في نزوله ومشيه إلى الإقامة توسعة على الناس.
وإقامة غير من يؤذن يعني أنَّه يجوز أن يقيم من لم يؤذن؛ لأنه ﷺ : (أمر بلالًا أن يؤذن وأن يقيم عبد الله بن زيد (٢))، والأفضل أن يكون المؤذن هو المقيم لخبر: (من أذن فليقم))، وقوله: "وإقامة غير من أذن"، خلافا للشافعي، حيث كره ذلك لخبر زياد بن الحارث الصدائي: (أمرني رسول الله ﷺ أن أؤذن في صلاة الصبح، فأذنت فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم (٣)). وصداء بضم
стр. 778
الصاد: حي باليمن، وجوابنا أن هذا أولى فقط، وأن الترمذي ضعفه، وأنه محمول على إرادة تأليفه ﷺ للصدائي؛ أي لقرب عهده بالإِسلام.
وحكايته قبله يعني أنَّه يجوز حكاية الأذان قبل تمامه بعد الشروع فيه، وحينئذ فالمراد حكاية باقيه، والأفضل المتابعة، وإن كان خلاف ظاهر كلامه، وقوله: "وحكايته قبله": قال الشيخ عبد الباقي: كان ذلك لحاجة أم لا، وإطلاق الحكاية على ما لم يأت من باب إطلاق ما للجزء للكل، وذلك لأنَّ الجزء محكي. قاله أحمد. وأما نطقه به قبل نطق المؤذن بأوله، فلا يسمى حكاية، فلا يكون آتيا بمندوبيتها فيما يظهر، ولا تفوت بفراغ المؤذن، فيحكي ولو انتهى المؤذن كما في أحمد. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. فقوله: قبله؛ أي قبل نطق المؤذن بباقي التكبير، أو قبل النطق بما بعد التكبير. قاله الخرشي. قال: فلا بد من نطق المؤذن به على كلا الاحتمالين. وقوله: "وحكايته قبله" قيده الباجي بمشتغل بذكر أو صلاة، وابن يونس ببطء المؤذن. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الحطاب عند قوله: "وحكايته قبله" هكذا قال في المدونة؛ وهو أحد الأقوال الثلاثة؛ وروى علي: أحب إلي بعده، وقال الباجي: إن كان في ذكر أو صلاة، وكان المؤذن بطيئا فله أن يعجل قبله ليرجع إلى ما كان، وإن كان في غير ذلك فالأحسن بعده؛ لأنَّ ذلك حقيقة الحكاية. انتهى. فتلك أقوال ثلاثة. وقد مرت عن ابن عرفة.
وأجرة عليه يعني أنَّه يجوز أخذ الأجرة على الأذان. المازري: المشهور جواز الإجارة على الأذان، ومنعها ابن حبيب. الشيخ: عنه إنما كان إعطاء عمر عليه من مال الله كإجرائه للقضاة والولاة رزقا لهم. انتهى. وقوله: "وأجرة عليه"، وكذا الأجرة على الإقامة وحدها، وكذا الأجرة على الأذان والإقامة معا، فإن ذلك جائز. كما قاله الشيخ عبد الباقي.
أو مع صلاة يعني أنَّه يجوز أخذ الأجرة على الأذان مع الإمامة، وكذا يجوز أخذ الأجرة على الإقامة مع الإمامة، وكذا يجوز أخذ الأجرة على الإقامة والأذان مع الإمامة. كما نص عليه الشيخ إبراهيم. وقوله: "أو مع صلاة"؛ أي إمامة صلاة فرضا أو نفلا صفقة واحدة، وإنما جازت على الصلاة مع ما ذكر لأنها تبع له. فتأمل تلك الأقسام الستة الحسان. وما تقدم من شمول المصنف للفرض والنفل هو ظاهره، وهو قول ابن القاسم خلافا لتقييد التتائي بالمفروضة تبعًا لابن رشد
стр. 779
وسواء كانت الأجرة من بيت المال كما فعل عمر، أو من آحاد الناس على المشهور، ولو غاب إمام الصلاة، أو المودب الجمعةَ أو مرضها لم يسقط من أجره شيء، وإن طال المغيب أو المرض سقط منابه من الأجر، ولأهل المسجد توقيفهما ابتداء، ومنعهما من المغيب الطويل. قاله ابن فتوح. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "أو المودب" لعله تصحيف من الناسخ للمؤذن. والله أعلم.
وإذا لم يجد أهل المصر من يؤذن إلا بأجرة، فإنهم يستأجرون من يؤذن لهم. قال الشيخ يوسف بن عمر: وتكون أجرته على أهل الموضع كلهم، وكذلك من كان خارجا عنه وله رباع أو عقار بذلك الموضع. وهذا بخلاف إجارة التعليم فإنها لا تجب إلا على من له صبي. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ابن فتوح: روى أشهب الاستيجار لقيام رمضان مباح، وإن كان بأس فعلى الإمام. وروى ابن القاسم: مكروه، قال ابن عرفة: ومقتضاه الحكم بالأجرة إن فات العمل. وأخبرت أنها نزلت بأبي إسحاق بن عبد الرفيع، فلم يحكم للإمام بشيء. وروى علي: لا بأس بها على الفرض لا النفل. ابن رشد: لعدم لزومه ولزوم الفرض، فكأن العوض ليس عنه. ابن شأس: للإمام أن يستأجر على الأذان من بيت المال، واختلف في إجارة غيره. سند: اتفقوا على جواز الرزق، وفعله عمر. ابن رشد: أرزاق القضاة والولاة والمؤذنين من الطعام لا يجوز بيعها قبل قبضها؛ لأنها أجرة لهم على عملهم. قلت: ظاهره خلاف ما تقدم لابن حبيب أن ذلك ليس بإجارة. انتهى. كلام ابن عرفة. وقال الحطاب: الذي يظهر أنَّه لا معارضة بين كلام ابن رشد وابن حبيب؛ يعني حيث قال: تمنع الإجارة على الأذان إنما كان إعطاء عمر عليه من مال الله كإجرائه للقضاة والولاة رزقا، ولا يجوز لهم من مال من حكموا له بالحق. انتهى. قال الحطاب معللا عدم المعارضة: لأنَّ مراد ابن رشد أنَّه أشبه الإجارة لكونه أخذ في مقابلة عمل، وقد قال ابن حبيب في الواضحة: وما يأخذه القضاة والمؤذنون وصاحب السوق من الطعام من باب المعاوضة فيمنع من بيعه قبل قبضه. انتهى. فتأمله منصفا. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
وكره عليها يعني أنَّه تكره الإجارة على الصلاة؛ أي على إمامتها مفردة. الخرشي: فرضا أو نفلا على مذهب المدونة. ابن القاسم: وهو عندي في المكتوبة أشد كراهة، وإن وقعت صحت، وحكم بها كالإجارة على الحج، وأجازها ابن عبد الحكم، ومنعها ابن حبيب كالأذان. وتجوز الصلاة
стр. 780
خلف من أخذ الأجرة من المصلين من غير كراهة؛ لأنه غير حرام فليست جرحة. قاله في سماع أشهب. ومحل الكراهة في قوله: "وكره عليها" إذا كانت تؤخذ من المصلين، وأما إن أخذت من بيت المال أو من أوقاف المسجد فلا كراهة؛ لأنه من باب الإعانة لا من باب الإجارة. انتهى. وقال الإمام الحطاب: اختلفوا في الأحباس الموقوفة على من يؤذن أو يصلي، فقيل: إنها إجارة، وقيل: إنها إعانة ولا يدخلها الخلاف في الإجارة على الأذان والإقامة.
ويتحصل من كلامهم أن في الإجارة على الصلاة ستة أقوال: التحريم مطلقا، والكراهة مطلقا، والجواز تبعًا للأذان وهو الذي مشى عليه المصنف وهو المشهور، والجواز مطلقا، الخامس رواية علي: لا بأس بها على الفرض لا النفل، السادس ما نقل عن المازري أنَّه حكى قولًا بجواز الإجارة لمن بعدت داره لا لمن قربت. انظر الحطاب. أي لأنه إذا قربت داره فلا مشقة عليه في الحضور، فلا تصح إجارته للإمامة. والله سبحانه أعلم. ابن ناجي: استمرت الفتوى من كل أشياخي القرويين بجواز أخذ من يصلي أو يؤذن من الأحباس الموقوفة على ذلك من غير اختلاف بينهم لما ذكر أنها إعانة، أو لضرورة الأخذ ولولا ذلك لتعطلت المساجد. انتهى. ونقل غير واحد أن الشيخ الولي الصالح الزاهد أبا عبد الله محمدا الدكالي رحمه الله تعالى كان بمدينة تونس في حدود التسعين وسبعمائة، فكان لا ينتسب للخلق ولا يخالطهم لا عامتهم ولا خاصتهم، ولا يحضر الجمعة ولا الجماعة، ولا يصلي مع الناس في الجوامع في جماعة، فرموه بالزندقة، وشنع عليه الإمام الأوحد أبو عبد الله محمَّد بن عرفة أقبح التشنيع، وصار يبحث على امتناعه من الصلاة لماذا؟ فقيل له: إنما امتنع لأخذ الأيمة الأجرة على الصلاة، فزاد بذلك إغلاظا في القول والتشنيع، وتبعته العامة والخاصة في ذلك، فرحل الإمام أبو عبد الله الدكالي إلى المشرق فارا بنفسه فكتب الإمام ابن عرفة كتابا لأهل مصر إلى أن قال لهم فيه يخبرهم بشأنه:
يا أهل مصر ومن في الحكم شاركهم … تنبهوا لقبيح معضل نزلا
لزوم فسقكم أو فسق من زعمت … أقواله أنَّه بالحق قد عملا
في تركه الجمع والجمعات خلفكم … وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا
إن كان شأنكم التقوى فغيركم … قد باء بالفسق حتى عنه ما عدلا
стр. 781
وإن يكن عكسه فالأمر منعكس … فاحكم بحق وكن بالحق معتدلا
فاجتمع العلماء والفقهاء من أهل مصر وما والاها واتفقت كلمتهم بأن أجابوا على ما كتب لهم في شأنه:
ما كان من شيم الأبرار أن يسموا … بالفسق شيخا على الخيرات قد جبلا
لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا … كسوه من حسن تأويلاتهم حللا
أليس قد قال في المنهاج صاحبه … يسوغ ذاك لمن قد يختشي زللا
كذا الفقيه أبو عمران سوغه … لمن تخيل خوفا واقتنى عملا
وقال فيه أبو بكر إذا علمت … عدالة المرء فليترك وما عملا
وقد روينا عن ابن القاسم العتقي … فيما اختصرنا كلاما أوضح السبلا
ما إن ترد شهادات لتاركها … إن كان بالعلم والتقوى قد احتفلا
نعم وقد كان في الأعلين منزلة … من جانب الجمع والجمعات واعتزلا
كمالك غير مبد فيه معذرة … إلى الممات ولم يثلم وما عذلا
هذا وإن الذي أبداه متضح … أخذ الأيمة أجرا منعه نقلا
وهبك أنك راء حله نظرا … فما اجتهادك أولى بالصواب ولا
البرزلي: وعندي أن كلا منهما حكم بما يقتضيه حاله، فإن الدكالي كان بعيدا عن الدنيا وزاهدا فيها، فالمتلبس بها عنده في غاية البعد عن الآخرة، وكان شيخنا يرى الدنيا مطية الآخرة وأنها نعم العون على ذلك كما في مسلم، فاكتسب منها جملة كثيرة، وأخرج جلها للآخرة نفعه الله بذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. انتهى. وفي الحطاب: عن ابن رشد أنَّه لا تكره إمامة من فعل ما تركه أفضل، كما لا تكره إمامة من ترك ما فعله أفضل من النوافل. وسلام عليه يعني أنَّه يكره السلام على المؤذن في حال أذانه بخلاف المصلي. وتقدم الفرق بينهما،
стр. 782
وبخلاف المتطهر والمتوضي، فلا يكره السلام على واحد منهما. كملب يعني أن الملبي يكره السلام عليه، ويكره منه أيضا. كما في الشبراخيتي.
ويكره السلام أيضا على شابة، وقاضي حاجة، ومجامع، وأهل بدع ومعاصي، ومشتغل بلهو، وظالم، وكافر، وآكل، وقارئ قرآن على ما نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يكره السلام على آكل، أو قارئ قرآن على المذهب. ووجب رده ولو في أثناء آية. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ويجب الرد وإن حال أكل أو قراءة ونحو ذلك على المذهب، وفيه أنه لا بد من إسماع الرد إن كان المسلم حاضرا، وفيه أيضا وجوب رد السلام الشرعي وإن بكتاب، ويرد المؤذن والملبي بعد فراغهما وكذا المقيم يكره السلام عليه، ويجب عليه الرد بعد فراغه، إن استمر المسَلِّم حاضرا لفراغهم. قاله الشيخ عبد الباقي في الجهاد. وقال الشيخ إبراهيم: ويرد المؤذن بعد فراغه، وكذا الملبي وجوبا، ولو بعد ذهاب المسلم. وقولهم: إنما يحصل الرد بإسماع المسلم وإلا لم يكن آتيا بالرد، ففيما إذا كان المسلم حاضرا لما ذكروا هنا، وفيمن يسلم على اليسار، وفي رد السلام المكتوب بكتاب. انتهى. ويجب رد السلام ولو على مصل لكن إشارة، ولا يطلب المصلي بالرد عليه بعد فراغه منها. وظاهر كلامهم: ولو بقي. وقد تقدم كراهة السلام على قاضي الحاجة والمجامع، ومثلهما مستمع الخطبة، ولا يرد هؤلاء مطلقا بعد الفراغ، أو حال التلبس، ولو استمر المسلم حاضرا. ويشترط إسماع المسلم المطلوب بالسلام حيث كان حاضرا، ولم يكن به صمم كما هو الظاهر، وإلا وجب بغير إسماعه كرد سلام مكتوب شخص فيه سلامه. وقال الشبراخيتي وغيره. الجزولي: يجوز أن يسلم الشاب على المتجالة، والمتجالة عليه. انتهى. ويجوز الرد على أهل الذمة من غير إيجاب. وفي الحطاب عن السائل الملقوطة أنه يكره السلام على أهل الباطل، وعلى أهل اللهو حال تلبسهم به، وعلى لاعب الشطرنج. ولبعضهم في جمع النظائر التي لا يسلم فيها على الإنسان وإن سلم عليه فلا يرد:
رد السلام واجب إلا على … من في صلاة أو بأكل شغلا
أو شبر أو قراءة أدعية … أو ذكر أو خطبة أو تلبية
أو في قضاء حاجة الإنسان … أو في إقامة أو الأذان
стр. 783
أو سلم الطفل أو السكران … أو شابة يخشى بها افتتان
أو فاسق أو ناعس أو نائم … أو حالة الجماع أو تحاكم
أو كان في الحمام أو مجنونا … فواحد من بعدها عشرونا
انتهى. نقله الشيخ ميارة. وسيأتي الكلام على السلام في باب الجهاد بأتم مما هنا. وإقامة راكب يعني أن الراكب تكره إقامته لأنه ينزل بعدها ويعقل [دابته (١)] ويصلح متاعه وفيه طول وفصل بينها وبين الصلاة. والسنة اتصالها بها وحمل من لم يحتج لعقلها، وإصلاح متاعه لوجود خادم له على من ذكر؛ لأن التعليل بالمظنة. قاله الشيخ عبد الباقي. وأما أذان الراكب فلا كراهة فيه كما مر. قال فيها: ويؤذن راكبا ولا يقيم إلا نازلا، فإن فعل وأحرم من غير كثير شغل، أجزأه. قاله الخرشي. وغيره. وقوله: "وإقامة راكب" هو المشهور. وروى ابن وهب الجواز قائلا: لأن النزول عمل يسير فلم يكن فاصلا، كأخذ الثوب، وبسط الحصير. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشيخ الأمير: وإقامة راكب، وأولى غير متطهر.
أو معيد لصلاته يعني أن من صلى وأراد إعادة الصلاة، تكره إقامته، وكذا تكره إقامته بعد صلاته، وإن لم يرد الإعادة؛ أي يكره أن يقيم لمن لم يصل، فلا مفهوم لقول المصنف: أو معيد. ونص ابن الحاجب: ولا يؤذن ولا يقيم من صلى تلك الصلاة. وقوله: "أو معيد لصلاته"؛ يعني سواء أذن لها أولا، أم لا. قوله: "أو معيد لصلاته". مقتضى كلام المصنف أنه تكره له الإقامة مطلقا أعاد مع غيره أو أعاد وحده؛ وهو ظاهر كلام غيره أيضا.
كأذانه يعني أن من صلى صلاة وأراد إعادتها فإنه يكره أن يؤذن لها. وقوله: "كأذانه" سواء أذن لها أوَّلًا أم لا، وسواء أراد إعادتها أم لا. وهنا ثلاثة أقسام: الأول أذن للصلاة وصلاها، الثاني صلاها ولم يؤذن لها: وقد تناولهما كلام المصنف، الثالث أذن لها ولم بصلها يجوز أذانه لها ثانيا. وقيد سند ذلك بأن يؤذن في غير المسجد الذي أذن فيه أوَّلًا، قال: فهذا يجوز، وإنما الممتنع أن يؤذن في مسجد الصلاة الواحدة والجماعة الواحدة، ونظيره الوضوء لما كان لا يراد لعينه لم يشرع تجديده لتلك الصلاة. انتهى.
стр. 784
قال الإمام الحطاب: وانظر إذا كان المسجد واسعا وأذن في بعض جهاته، ثم أراد أن يؤذن في جهة أخرى لإعلام أهل الجهة، هل يجوز ذلك أم لا؟ الظاهر: الجواز. والله أعلم. انتهى. وقال في النوادر: قال أشهب فيمن أذن لقوم وصلى معهم، فلا يؤذن لآخرين ويقيم، فإن فعل ولم يعيدوا حتى صلوا أجزأهم. انتهى. قاله الحطاب. اللخمي: أجاز مالك في سماع أشهب لمن أذن في مسجده أن يؤذن في غيره، ثم ليرجع (١) إلى مسجده فيصلي فيه. انتهى.
وقال ابن عرفة: وروى ابن وهب جواز من أذن بموضع، ولم يصل في آخر. قاله الحطاب.
وعلم مما قررت أن قوله: "أو معيد لصلاته كأذانه"، المراد به كل من برئت ذمته من الصلاة، وأراد إعادتها لفضل الجماعة أو لغير ذلك من وجوه الإعادة المندوبة. ولفظ الشبراخيتي: كل من برئت ذمته من صلاته يكره له أن يؤذن لها ويقيم، وسواء أراد إعادتها أم لا. انتهى. وعلم من كلامهم أن من لم تبرأ ذمته بأن أعاد الصلاة لبطلانها الخ، لم تكره إقامته لها، ولا أذانه. كما نص عليه الشيخ عبد الباقي.
وتسن إقامة يعني أن الإقامة سنة وهي سنة عين لبالغ يصلي منفردا، أو إماما لنساء فقط، وسنة كفاية لجماعة الذكور البالغين، أو معهم نساء في حق الإمام والذكور. والأفضل إقامة المؤذن دون الإمام والناس، ومن أقام بعد إقامته فقد خالف السنة. وندب لمقيم طهارة، واستقبال، ومن سنن الصلاة القيام للإقامة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الشيخ كريم الدين: عن ابن عرفة أن الوضوء شرط فيها بخلاف الأذان، قال: وكأن وجهه أن اتصالها بالصلاة صيرها كالجزء منها، ولأنها أوكد، بدليل أن المفرد تسن في حقه دون الأذان ويوافقه قولها: لا بأس أن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم إلا متوضئا. انتهى. وما تقدم من ندب الطهارة لها، وأنها ليست بشرط لها، هو الموافق لما ذكروه عن رسول الله ﷺ (أنه تذكر الجنابة بعد الإقامة، ودخل بيته واغتسل، ثم رجع ولم يعد الإقامة (٢)). كما في الصحيحين. وما ذلك إلا لسرعة الأمر. ونقل
стр. 785
الحطاب في المسألة كلاما طويلا، ثم قال: فتحصل من هذا أن اتصال الإقامة بالصلاة سنة، وأن المفصل اليسير لا يضر، والكثير يبطل الإقامة. انتهى. ويجري هذا فيمن قطع الصلاة أو انصرف لعذر، فإنه إن طال أعاد الإقامة: وإلا لم يعدها. وفي هذا الخبر دليل على أن التعمق في العبادة والوسواس فيها، إما بدعة أو بلوى؛ لأنه ﷺ تركهم قياما فاغتسل ورجع فصلى بهم، فدل على أنهم بقوا قياما ينتظرونه، ولو كان في طهوره طول لأمرهم بالقعود لرفقه ﷺ بأمته. وذكر ابن العربي أن الإقامة إن كانت على إمام بعينه، فإنه لا يؤم غيره، ويدل له قول السيد عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام عند نزوله للإمام الذي أقيمت عليه صلاة العصر. وقد أراد تقديم عيسى ﵇ للصلاة: صل فعليك أقيمت. انتهى. الحطاب: لا خلاف أعلمه في عدم وجوبها. قال في الإكمال: والقول بالإعادة لمن تركها ليس لوجوبها خلافا لبعضهم، بل للاستخفاف بالسنن.
مفردة يعني أن الإقامة تفرد ولا تثنى حتى قد قامت الصلاة، خلافا لرواية المصريين عن مالك: تشفع قد قامت الصلاة، وشفع الإقامة كإفراد الأذان أي فإن شفع أقلها أجزأت، وإلا فلا، منوية للإمام. وكان السيوري يقيم لنفسه ويقول: إنها تحتاج لنية، والعامي لا ينويها ولا يعرف النية. المازري: وكذا أفعل أنا أقيم لنفسي. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ومن صفة الإقامة أن تكون معربة. قال الشبيبي في شرح الرسالة: وقيل مبنية. قاله الإمام الحطاب: وفي شرح الإرشاد للشيخ زروق، وهي معربة عند الصقليين والقرويين وإن شاء وقف وكل ذلك جائز. قاله الشيخ إبراهيم.
وثني تكبيرهم هذا في قوة الاستثناء من قوله: "مفردة"؛ يعني أن الإقامة تفرد إلا تكبيرها الأول والأخير، فإنه يثنى. الشبراخيتي وغيره: وهي في شروطها كالأذان ما عدا المذكورة. لفرض يعني أن الإقامة إنما تسن للفرض العيني، فقوله: "لفرض". متعلق، "بتسن". قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. ولا يصح تعلقه بثني لإيهام ذلك أنه تسن الإقامة للنفل، وليس كذلك. وقوله: "لفرض"
стр. 786
خرج بالفرض غيره، ولو سنة راتبة كالوتر والعيدين، وخرج بقيد العيني الكفائي. وفي الشارح: ولا يقيم إلا لفريضة. انتهى.
وإن قضاء يعني أن الإقامة تسن في الفرض أداء وقضاء، وتتعدد بتعدده، ومحلها في الأداء إن لم يخف فواته بها، وإلا سقطت، ولا يسرع الإسراع الشديد، وإن فاتت الجمعة؛ لأن لها بدلا، بخلاف الوقت فإنه لا بدل له. فقف على أن المكلف تفوت الجمعة ولا يسرع إسراعا شديدا لتحصيلها. قاله أحمد عن شارح الوغليسية. قال: ومقتضاه أنه لا نزاع فيه. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وما تقدم من أنها إذا خيف بها فوات الوقت تسقط: الظاهر أن المراد بذلك: الوقت الذي هو فيه. قاله الشيخ عبد الباقي. ويكره الكلام بعد الإقامة في غير مهم، والأفضل الاشتغال بالدعاء من إمام ومأموم لخبر: (ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع ترد دعوته: حضرة النداء، والصف في سبيل الله (١)). والظاهر أن المراد بالنداء: الأذان، ويحتمل دخول الإقامة؛ لأنها دعاء للصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي. وندب لإمام تأخير إحرامه عنها بقدر تسوية الصفوف لا لمنفرد، ولا يدخل المحراب إلا بعد تمامها، وقد كان عمر وعثمان يوكلان رجلا بتسوية الصفوف، فإذا أخبرهما بتسويتها كبرا. وتأخيره لدخول المحراب إلى أن يكبر للإحرام إحدى المسائل التي يعرف بها فقه الإمام، والثانية خطفه الإحرام والسلام، أي إسراعه بهما ليلا يشاركه المأموم فيهما أو في أحدهما، والثالثة تقصير الجلسة الوسطى. ومعنى أنه يعرف بهذه الثلاث فقه الإمام، أن الشأن أن لا يعرفها إلا فقيه، لا أن من عرفها لا يكون إلا فقيها. قاله الشبراخيتي. واعلم أنه إذا أقيمت الصلاة على شخص بعينه فامتنع من الصلاة لعذر، أو أصابه شيء، أو أقيمت عليه وهو لم يحضر، فإنه يصلي من حضر بتلك الإقامة ولا تستأنف إقامة أخرى. قاله في مرشد المبتدئين. ابن عرفة: الشيخ: روى ابن القاسم إن بعد تأخير الصلاة عن الإقامة أعيدت، وفي إعادتها لبطلان صلاتها مطلقا أو إن طال. نقل عياض عن ظاهرها وبعضهم. انتهى. قال الشيخ أحمد: يقيد قوله: إن بعد، بغير الدعاء، ولو أقيم لمعين فأراد غيره أن يصلي أعيدت. قاله ابن
стр. 787
العربي. كما مر. وجَهَّلَ مخالفه. قال ابن عرفة: وفيه نظر. قاله الشيخ سالم تبعا لأحمد. وحرم خروج من مسجد بعدها لمتطهر إلا أن يكون صلاها جماعة أو مفردا، وهي مما لا تعاد لذلك، وكره بعد الأذان إلا أن يريد الرجوع إليه. قاله الشيخ عبد الباقي. قال إمامنا مالك: بلغني أن رجلا قدم حاجا فجلس إلى ابن المسيب وقد أذن المؤذن فأراد الخروج من المسجد واستبطأ الصلاة؛ فقال له سعيد: لا تخرج فإنه بلغني أن من خرج بعد المؤذن خروجا لا يرجع إليه أصابه أمر سوء، قال: فقعد الرجل ثم إنه استبطأ الإقامة، فقال: ما أراه إلا قد حبسني، فخرج وركب راحلته: فصرع وكسر، فبلغ ذلك ابن المسيب، فقال: وقد ظننت أنه يصيبه ما يكره. ابن رشد: قول ابن المسيب: بلغني، معناه: عن النبي ﷺ ؛ إذ لا يقال ذلك من قبل الرأي؛ وهي عقوبة معجلة للخارج من المسجد بعد الأذان على أن لا يعود إليه، لإيثاره تعجيل حوائج دنياه على الصلاة التي أذن لها وحضر وقتها. ابن بشير: ولا خلاف في المذهب أن الإقامة سنة في حق الرجال، ثم قال بعد ذلك: وأما الإقامة فإنها مشروعة لكل مصل صلاة فرض وقتية، أو فائتة. لكن حكمها في الجماعة آكد منه في الانفراد: وحكمها على الرجال آكد منه على النساء، وسيأتي عن شرح التلقين الخلاف في إقامة المنفرد. انظر الحطاب.
وصحت يعني أن الصلاة تصح إذا تركت منها الإقامة سهوا بلا خلاف، كما في الحطاب. بل ولو تركت عمدا على المشهور، ولا إعادة في وقت، ولا في غيره. والقول بإعادة صلاة من تركها عمدا هو مقابل المشهور، وعليه فلا تجبر بسجود، وهل يعيد أبدا؟ وهو الذي رده المصنف. أو في الوقت؟ قولان. وبطلان الصلاة بترك الأذان غير معروف في المذهب، وإن روي عن مالك ولو ظن أن ترك الإقامة يؤثر نقصا فسجد قبل، بطلت صلاته بخلاف ما لو سجد بعد. كما في الحطاب. وقوله: "ولو تركت عمدا" أمره في المدونة بالاستغفار، مع أن طلب المغفرة لا يكون إلا عن ذنب، وليس في ترك السنن ذنب، إما لما قاله القرافي من أن العبد يحرم التقرب بالطاعات عقوبة على ذنوب سلفت منه، ويعان عليها بطاعته: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، ولقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فيستغفر الله لتغفر له تلك الذنوب التي كانت سببا لترك الطاعة
стр. 788
ليأمن الابتلاء بالحرمان، وإما لما قاله غيره أن ترك السنن فسق يقاتل عليه أهل البلد إذا تمالؤا. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. ولا يقطع من أحرم بغير إقامة تركها عمدا أو جهلا أو نسيانا، ولو أنه بعد ما أحرم أقام وصلى فقد أساء وليستغفر الله. رواه ابن القاسم. عن مالك. سند: لأنه أقام ثم أحرم بعد ذلك، فقد خرج من الإحرام الأول بنيته وبكلامه المنافي للصلاة وهو: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه ينافي الصلاة حتى إن المصلي لا يحكي فيه المؤذن، ولو أن هذا لما أحرم أقام بعد إحرامه وتمادى على حكم إحرامه الأول لأعاد الصلاة. انتهى. وهو ظاهر قاله الحطاب.
وإن أقامت المرأة سرا فحسن يعني أن المرأة إذا صلت وحدها فإنها يستحب لها أن تقيم سرا، وظاهر المصنف أن إقامتها بوصف السر مندوب واحد وعليه بعض الشراح. وفي أبي الحسن على الرسالة ما يفيد أن كلا من الإقامة والسر مستحب على حدته، فتأتي بمستحبين إن أقامت سرا، ولا تحصل السنة بإقامتها للرجال ولو كانوا محارمها، ويقيم الفذ استنانا سرا ندبا، فإن جهر أتى بسنة فقط، وإن أسر أتى بسنة ومندوب وتندب الإقامة لصبي صلى لنفسه. قاله مالك. نقله الحطاب. واعلم أن الإقامة لا تحكى فليست كالأذان في ذلك، فإنه تندب حكايته كما قال المصنف، وحكايته لسامعه. وفي الأمير أنها، أي الإقامة مندوبة عينا لصبي وامرأة إلا أن يصاحبهما ذكور فتسقط عنهما، ولم تجز إقامة صبي أو امرأة لبالغ؛ لأن المندوب لا يكفي عن السنة، وحرم صوت امرأة إن خشيت الفتنة. وهذا كلي. قاله الأمير. وما ذكره المصنف من كون الإقامة في حق المرأة مستحبة هو المشهور؛ وهو مذهب المدونة. وروى في الطراز عدم استحبابها، إذ لم يرو عن أزواج النبي ﷺ . والفرق بين الأذان والإقامة حيث لم يطلب الأذان من المرأة أن الأذان شرع للإعلام بدخول الوقت والحضور للصلاة. وقد علم أن رفع صوت المرأة عورة فلم يشرع لها الأذان بل يحرم عليها كما مر، وأما الإقامة فإنها شرعت لإعلام النفس بالتأهب للصلاة، فلذلك شُرِع الإقامة للجميع. واختص الأذان بمن ذكر. انظر الحطاب. وفيه أن الذي يظهر أن إقامة المؤذن أحسن وهو الذي عليه العمل من زمنه ﵊ إلى زمننا، وإقامة الإمام مجزئة. انتهى. وفي الحطاب: ظاهر كلامهم أن المطلوب في إقامة المنفرد أن يكون
стр. 789
سرا. انتهى. فيشمل الخنثى المشكل. والله تعالى أعلم. وليقم معها أو بعدها يعني أن مريد الصلاة إماما أو غيره لا تحديد عندنا في وقت قيامه للصلاة، فسواء قام حال الإقامة أو بعدها. بقدر الطاقة يعني أن الإمام مالكا كان لا يوقت وقتا إذا أقيمت الصلاة يقومون عنده، ولكنه كان يقول على قدر طاقة الناس، فمنهم القوي: ومنهم الضعيف. قاله في الأم. وقال في النوادر عن المجموعة: قال علي: قيل لمالك: إذا أقيمت متى يقوم الناس؟ قال ما سمعت فيه حداة وليقوموا بقدر ما إذا استوت الصفوف فرغت الإقامة.
قال جامعه عفا الله عنه: يظهر من هذا أن قول المصنف بقدر الطاقة، معناه: ليس لقيام المصلين وقت محدود بشيء من ألفاظ الإقامة حتى يجهد نفسه في موافقته، ويحملها فوق ما تيسر له كما يقوله غيرنا، فكان ابن عمر لا يقوم حتى يسمع: قد قامت الصلاة. وقال أبو حنيفة: إذا قال حي على الفلاح، كبر الإمام تكبيرة الإحرام. وقال سعيد: إنه يقوم إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فإذا قال: حي على الصلاة، اعتدلت الصفوف، فإذا قال: لا إله إلا الله، كبر. انتهى. انظر الحطاب. وفي الزاهي: قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. فحق على كل قائم إلى الصلاة أن يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده. انظر الحطاب.
تنبيهات الأول: يؤذن في الجمع لكل صلاة سواء كان سنة كعرفة، أو رخصة كليلة المطر. قاله ابن عبد السلام، وكذلك الجمع في السفر كما صرح به اللخمي وغيره. وفي التوضيح: وفي الجمع مطلقا ثلاثة أقوال، قيل: لا يؤذن لهما وقيل يؤذن للأولى فقط، والمشهور يؤذن لكل منهما. قال المازري: واتفق عندنا على أنه يقام لكل صلاة. قاله الحطاب.
الثاني: من دخل بتكبير في آخر جلوس الإمام فلا يقيم، فإن لم يكبر أقام. وفي المدونة: ومن صلى في بيته لم تجزه إقامة أهل المصر، واختلف فيه قول الشافعي، فقال في الجديد مثله، وقال في القديم: أما الرجل يصلي وحده فأذان المؤذنين وإقامتهم كافية له، ووجه المذهب ظاهر فإنه إذا كان ليس معهم في صلاة لم تجزه إقامتهم. والله أعلم. قاله الحطاب.
الثالث: قال الإمام المازري في شرح التلقين: اختلف الناس في إقامة المنفرد، فمذهب مالك أنه يخاطب بها، وفي المبسوط أن الإقامة للمنفرد إنما هي لجواز من يأتم به. ابن عرفة: وفيها من
стр. 790
دخل مسجدا صلى أهله لم تجزه إقامتهم، ولمالك في المبسوط يقيم أحب إلي. اللخمي: استحسنه ولم يره سنة. قاله الحطاب.
الرابع: قد تقدم أن الإقامة لا تحكى كما قاله الشيخ زروق في شرح الوغليسية، ويفهم أيضا من كلام ابن رشد، لكن وقع في الطراز ما يقتضي أنه تحكى الإقامة. قاله الحطاب. وفيه: عن ابن مسلمة: إنما الإقامة لمن يؤم، يقيم لنفسه ولمن يأتي بعده ممن (١) دخل معه كإن أقام.
الخامس: لفظ الأذان: الله أكبرْ الله أكبرْ، أشهد أن لا إله إلا اللهْ أشهد أن لا إله إلا اللهْ، أشهد أن محمدا رَّسول اللهْ أشهد أن محمدا رَّسول اللهْ، أشهد أن لا إله إلا اللهْ أشهد أن لا إله إلا اللهْ، أشهد أن محمدا رَّسول اللهْ أشهد أن محمدا رَّسول اللهْ، حي على الصلاهْ حي على الصلاهْ، حي على الفلاحْ حي على الفلاحْ، الله أكبرْ الله أكبرْ، لا إله إلا اللهْ. ويزاد في نداء الصبح بين قوله: حي على الفلاح، وبين قوله: الله أكبر، الصلاة خير من النومْ الصلاة خير من النومْ. ولفظ الإقامة: الله أكبرُ الله أكبرُ أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول اللهِ حي على الصلاةِ حي على الفلاحِ، قد قامت الصلاة اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إله إلا اللهْ وقد تقدم أن الإقامة معربة، فإن وقف فيها وقف على السكون. وعلى في حي على الصلاه، حي على الفلاحْ: حرف جر في الأذان والإقامة. كما أفاده غير واحد. وقال التفجروتي: إن حي على بجملتها اسم فعل.
السادس: قال ابن عرفة: وفي رفع التكبير الأول عن خفضهما؛ يعني الشهادتين قبل الترجيع كرفعه أخيرا، وخفضه كخفضهما نقلا عياض عن أبي عمران مع أبي زمنين، وروايتي أبي مرة وابن وهب، وسماع أشهب، واللخمي مع ابن حبيب وظاهرها، وفي الإكمال هما روايتان، المشهور الأولى.
السابع: تكره الإقامة قبل فراغ الأذان، وفي المدونة: من رأى النجاسة بثوبه قطع وابتدأ بإقامة، وفي ابن عرفة: ولا بأس أن يقيم خارج المسجد للإسماع، وإن كان على المنار أو ظهر المسجد، وإن كان ليخص رجلا بالإسماع فداخل المسجد أحب إلي؛ يعني مالكا. ثم قال: ويؤذن المريض لنفسه قاعدا، وفي الصحيح روايتان لأبي الفرج. ولها: ويؤذن الراكب، وفي إقامته روايتان لابن
стр. 791
وهب مع ابن كنانة. ولها. وقيد أبو عمر الأولى بسرعة السير. ابن القاسم: إن رعف مقيم أو أحدث قطع وأقام غيره، وإن رعف مؤذن تمادى، فإن قطع وغسل الدم ابتدأ اللخمي إن قرب بنى. أشهب: إن رعف مقيم أو أحدث أو مات أو أغمي عليه ابتدأ، فإن بنى هو أو غيره أجزأ ولو أراد الأذان فأقام لم يجزه، وفي العكس قولا مالك وأصبغ انتهى.
الثامن: في الواضحة قال مالك: لا بأس أن يشرب الماء بعد الإقامة، وقبل التكبير. انتهى. قاله الحطاب. وقال. أعني الحطاب: وسئل مالك عن الرجلين يدخلان المسجد وهما في مؤخره، فتقام الصلاة وهما في مؤخر المسجد، يقبلان إلى الإمام وهما يتحدثان، فقال: أرى أن يترك الكلام إذا أحرم الإمام. قال ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن تحدثهما والإمام في الصلاة وهما في المسجد مقبلان إلى الصلاة من المكروه البين؛ لأنه لهو عما يَقصدانه من الصلاة وإعراض عنه. انتهى. قال الحطاب: وأشد من ذلك تحدثهما وهما واقفان في الصف بعد أن أحرم الإمام، بل قد يحرم ذلك إذا كان فيه تشويش على من إلى جانبهما من المصلين، ولا إشكال في ذلك. والله تعالى أعلم. وقال في النوادر: قال مالك: إذا أحرم الإمام فلا يتكلم أحد، وقد مر أن الاستقبال في الإقامة مندوب، وقال في المدونة: رأيت المؤذنين في المدينة يتوجهون إلى القبلة: وإلى غيرها في أذانهم، ويقيمون عرضا؛ يعني أن الإمام يخرج من بيته في شرق المسجد أو غربه، فيخرج المؤذنون معه وهم يقيمون، فخروجهم مع الإمام وهم يقيمون تفسير لقوله: يقيمون عرضا، وذلك لأن قبلة مسجد المدينة إلى جهة الجنوب، والمغرب عن يمينه، والمشرق عن شماله. والمطلوب هو الاستقبال، وما وقع بالمدينة إنما هو لكونهم يخرجون مع الإمام. انظر الحطاب. ويؤخذ من مسألة المدونة هذه تعدد المقيم؛ وهو ظاهر. انظر الحطاب. وفيه بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن اتصال الإقامة بالصلاة سنة، وأن المفصل اليسير لا يضر، والكثير يبطل الإقامة، وسيأتي أنه يستحب للإمام أن ينتظر بالإحرام بعد الإقامة قدر ما تستوي الصفوف فهذا المفصل مستحب، فلا بد أن يكون التأخير اليسير المغتفر فوقه. (وكان ﷺ يناجي الرجل طويلا بعد الإقامة (١)). والله أعلم. انتهى.
стр. 792
ولما أنهى الكلام على أوقات الصلاة وما به الإعلام بها، وكان الدخول كما يتوقف على دخول وقتها، يتوقف على وجود شرطها، بل عد بعضهم الوقت شرطا. شرع في الكلام عليه فقال:
стр. 793
فصل ذكر فيه شرطان من شروط الصلاة أو هما شرط واحد، وسيذكر فصلين في شرطين: ستر العورة، واستقبال القبلة. وشروط الصلاة ثلاثة أقسام: شروط وجوب، وشروط صحة، وشروط وجوب وصحة. فشروط الوجوب اثنان: البلوغ، وعدم الإكراه على تركها. وتصح منه: وإن لم تجب عليه حيث صلاها مع الإكراه، فإن لم يصلها وجب عليه قضاؤها عند زواله. قاله الحطاب. ونقله الشيخ عبد الباقي. قوله: "وعدم الإكراه"، الخ قال الشيخ محمد بن الحسن: في عدهما عدم الإكراه شرطا في الوجوب نظر؛ إذ لا يتأتى الإكراه على ترك جميع أفعال الصلاة. وقد نقل الحطاب نفسه أول فصل يجب بفرض قيام، عن [أبي العباس القباب (١)]، وسلمه أن من أكره على ترك الصلاة يسقط عنه ما لم يقدر على الإتيان به من قيام وركوع وسجود، ويفعل سائر ما يقدر عليه من إحرام وقراءة وإيماء كما يفعل المريض ما يقدر عليه، ويسقط عنه ما سواه. انتهى. فالإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها، فلا يسقط به وجوبها. تأمل انتهى. ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن الرماصي ما نصه: والظاهر أن الإكراه هنا يكون بما يأتي في الطلاق من قوله: بخوف مؤلم من قتل أو ضرب الخ: لأنه هو المعتبر في العبادات وهذا منها وأما شروط صحتها فقط فخمسة: طهارة حدث، وخبث، واستقبال، وستر عورة، وإسلام. وأما شروطهما معا فستة: انقطاع حيض، ونفاس: وعقل، وبلوغ دعوة، ودخول وقت، ووجود طهور أو صعيد، وعدم نوم وسهو. ومنها عند بعضهم: ترك الكلام: وترك الأفعال الكثيرة، والأولى عد الكلام والأفعال الكثيرة من الموانع؛ لأن ما طلب تركه إنما يعد في الموانع. قاله الحطاب. وانظر هذا. واعلم أن من حصلت منه الأفعال الكثيرة ولو سهوا بطلت صلاته، والوقت سبب، وكونه شرطا مجاز لأنه شرط في الصحة، وسبب في الوجوب. واعلم أن الصلاة لا تجب قبل الوقت إجماعا، ولا تصح إلا ما سيأتي في باب الجمع، ولا تصح صلاة السكران إن كان عقله غائبا، وفي صحة صلاته إذا كان في عقله ولكن الخمر في جوفه خلاف تقدم ذكره. وظاهر المدونة عدم الصحة. وقد تقدم أنه يجب قضاء الصلاة عند زوال النوم والسهو، مع أنه لا إثم لكون الصلاة تأخرت عن
стр. 794
وقتها لوجود أحدهما، ولا يقضي الصبي ما خرج وقته من الصلوات في حال صباه صلاه أم لا. وتقدم أنه إذا بلغ في بقية من الوقت يلزمه بقدر ما أدرك، صلاه أم لا؛ لأن الأولى نافلة، وقد تقدم عد الإسلام من شروط الصحة؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على المشهور، فتجب الصلاة على الكافر، ولا تصح منه بالإجماع. وقيل: إنه شرط في الوجوب والصحة، وإذا أسلم الكافر أو المرتد لم يجب عليهما ما خرج وقته في حال الكفر، ويجب عليهما أن يصليا ما أسلما في وقته، وقد تقدم هذا في قول المصنف: "والمعذور غير كافر يقدر له الطهر".
شرط لصلاة بالتنكير، طهارة حدث يعني أنه يشترط في صحة الصلاة فرضا أو نفلا، أداء أو قضاء، ذات ركوع وسجود أم لا، طهارة الحدث قطعا أصغر أو أكبر بماء أو بدله من تيمم ومسح ابتداء ودواما سواء كان ذاكرا قادرا أولا فإن صلى محدثا أو طرأ حدثه فيها ولو سهوا أو غلبة أو ترك عضوا من أعضائه أو لمعة في وضوء أو غسل عمدا أو سهوا، بطلت صلاته، ويجب عليه قضاؤها أبدا. ومثل الوضوء والغسل في ترك بعض الفرض التيمم ونكر المصنف صلاة ليفيد أن الطهارة شرط في جميع الصلوات فريضة كانت أو نافلة، فائتة أو وقتية، ذات ركوع وسجود أو صلاة جنازة أو سجود تلاوة ناسيا كان أو ذاكرا. قاله الإمام الحطاب. ونكر طهارة ليعم الطهارة بالماء أو بما هو بدل منه كالتيمم والمسح على الخفين والجبيرة. قاله الإمام الحطاب. ونكر الحدث ليعم الأصغر والأكبر. قاله الحطاب. والمراد بالحدث هنا: الوصف الحكمي أو المنع المرتب عليه، وقد مر بيانهما عند قول المصنف: "يرفع الحدث" فراجعه إن شئت.
وخبث يعني أنه يشترط في صحة الصلاة فرضا أو نفلا أداء أو قضاء ذات ركوع وسجود أو صلاة جنازة أو سجود تلاوة، طهارة الخبث، وهي إزالة النجاسة بالماء المطلق من الثوب والبدن والمكان، فتشترط ابتداء ودواما لكن مع الذكر والقدرة على إزالتها، وقد مر الكلام عليها فراجعه إن شنت في قول المصنف: "هل إزالة النجاسة"، الخ وإضافة الطهارة إلى الحدث والخبث من إضافة المزيل إلى المزال. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم.
وعلم مما قررت أن اللام في قوله: "لصلاة" بمعنى في. أشار له الشيخ عبد الباقي. ولما كان الرعاف من الخبث ذكره المصنف هنا، وقسمه إلى قسمين: أشار لأولهما بقوله:
стр. 795
وإن رعف قبلها ودام أخر لآخر الاختياري وصلى الرعاف: هو الدم النازل من الأنف، ويطلق على خروج الدم من الأنف، رعف كنصر وكرم وسمع وعني. انظر الحطاب. يعني أن من رعف قبل التلبس بالصلاة. ودام عليه الدم بالفعل، فإنه لا يخلوا من خمس حالات: إما أن يتيقن انقطاع الدم، أو يظنه قبل فوات الوقت المختار، وإما أن يجزم: أو يظن، أو يشك أن يستغرق الوقت المختار. وفي كل من الحالات الخمس: إما أن يرشح الدم. أو يقطر، أو يسيل. فتلك خمس عشرة صورة، فأما الست الأول وهي: ما إذا تيقن انقطاع الدم قبل فوات الوقت المختار رشح الدم أو قطر أو سال، وما إذا ظن انقطاعه في بقية من الوقت المختار رشح الدم أو سال أو قطر؛ فإنه يؤخر الصلاة وجوبا إلى آخر الوقت المختار ويصليها حينئذ بحيث يوقعها كلها أو ركعة منها في المختار على الخلاف السابق في إدراك الاختياري بدون إثم مع تقدير الطهارة. وأما التسع الباقية فإنه يبادر بالصلاة فيها. إذ لا فائدة في التأخير، ثم إن انقطع عنه في بقية من الوقت فلا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت استحبابا.
قال جامعه عفا الله عنه: ولا يعترض على هذا بالإعادة للنجاسة. لأن هذا كالمريض، والمريض الراجح فيه عدم الإعادة حيث صلى إيماء مثلا، وهذا يؤخذ من نقل الإمام الحطاب. والله سبحانه أعلم. والقول بالإعادة هنا بالرعاف لأشهب، ومقابله مخرج على المريض وإن رعف قبل دخوله في صلاة عيد أو جنازة، تركهما عند ابن المواز، خاف فواتهما أم لا. وقال أشهب: يدخل فيهما إن خاف فواتهما: وإذا قلنا إنه يصلي على حالته حيث كان لا يرجو انقطاعه في بقية من الوقت؛ وهي الصور التسع المتقدمة، فإنه يومئ إذا لم يقدر على الركوع أو السجود لضرر به، أو خشية تلطخ، وما تقدم من أن المعتبر الاختياري هو الأرجح، وقيل: الضروري. وقد تقدم في التيمم ما يفيد أن الضروري لا تأخير فيه. كما قاله الأمير. فعلى المشهور تعتبر القامة للظهر والقامتان للعصر، وعلى مقابله يعتبر ما يدركهما فيه قبل الغروب، كما في الحطاب. وما تقدم من أن الشك كظن دوامه، فيبادر بالصلاة. قاله أبو عمر وغيره، وقوى بناني والرماصي أنه يؤخر. وهذا الذي ذكرته في شرح قول المصنف: وإن رعف قبلها، لخصته من كلام الحطاب، وعبد الباقي، والشبراخيتي، وبناني، والأمير. والله تعالى أعلم. قال الشيخ عبد الباقي: وإذا صلى على
стр. 796
حالته يجري فيه قوله: "فتله بأنامل يسراه"، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا يقتضي أنه يفتله، فإن زاد عن درهم قطع. كما يأتي. وليس كذلك؛ لأن ما يأتي فيما إذا لم يظن دوامه، فلذا يقطع إن زاد عن درهم، ثم يغسله ويصلي في الوقت. وما هنا ظن دوامه لآخر الوقت فلا فائدة في القطع، وإن زاد عن درهم، بل يصلي كذلك. انتهى. وقوله: "وظن دوامه" الخ، قال الشبراخيتي: ويعلم دوامه إما بعادة سبقت له، أو بإخبار طبيب حاذق أو من هو مساوٍ له في المزاج وأشار المصنف إلى القسم الثاني من قسمي الرعاف بقوله:
أو فيها وإن عيدا أو جنازة وظن دوامه له أتمها وقوله: "أو فيها" الخ، تأتي فيه الصور المتقدمة التي هي خمس عشرة صورة. كما سيتضح لك. أشار له الشيخ الأمير، يعني أن من رعف في الصلاة وظن، وأولى إن جزم أن الدم يدوم عليه إلى آخر الوقت المختار رشح، أو قطر، أو سال، فإنه يتمها على حالته التي هو عليها فرض عين، أو عيدا، أو جنازة. فقوله: "له"؛ أي لآخر الوقت المختار. قال الشيخ عبد الباقي في فرض المعين، وفي العيد: ولعدم إدراك تكبيرة في الجنازة قبل رفعها لفذ لو ذهب لغسله ثم أتى، وبفراغ مأموم أو إمام منها؛ لأن فراغه منها كخروج الوقت المختار في الفريضة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. وقوله: قبل رفعها لفذ غير ظاهر؛ لأنه إن كان ثم مصل غير هذا الراعف لم يحتج له وإلا لم ترفع حتى يصلى عليها، ولو اعتبر الوقت بخوف تغيرها كان ظاهرا. والله أعلم. وكذا قوله: لفراغ مأموم أو إمام، صوابه: إسقاط المأموم، وعبارة الحطاب؛ يعني أنه إذا كان في صلاة العيد أو في صلاة الجنازة ورعف فيها، فإن ظن دوام الرعاف إلى فراغ الإمام منها، فإنه يتمادى مع الإمام، ففراغ الإمام منها يتنزل منزلة الوقت المختار في الفريضة. ولم يتكلم ابن المواز وأشهب إلا على الراعف في جماعة. انظر حاشية الشيخ بناني.
ومحصل مسألة العيد والجنازة على ما قاله الشيخ إبراهيم وغيره أن من رعف قبل الدخول فيهما لا يدخل فيهما على حالته من التلبس بالرعاف، خاف الفوات أم لا عند ابن المواز: وعند أشهب يدخل فيهما على حالته إن خاف الفوات، لا إن لم يخف ذلك فلا يدخل على حالته، وإنما يدخل بعد غسل الدم وأما من حصل له الرعاف فيهما، فعند ابن المواز: يخرج لغسل الدم كمن حصل له الرعاف في الفريضة، وسواء خاف الفوات أم لا. وعند أشهب: الأولى له أن يخرج
стр. 797
لغسل الدم إن لم يخف الفوات، فإن خاف الفوات فالأولى له أن لا يخرج، ويصلي على حالته. فهما متفقان على أنه يخرج لغسل الدم حيث لم يخف الفوات إن كان قد دخل فيهما: وعلى أنه لا يدخل فيهما على حالته حيث لم يخف الفوات. انتهى. وقوله: فعند ابن المواز يخرج لغسل الدم الخ؛ أي ويتم وحده بعد غسله وذهاب الإمام. قاله الشيخ بناني. وفي النوادر عن ابن المواز: ومن رعف في صلاة الجنازة فليمض فيغسل الدم، ثم يرجع إلى موضع صلي عليها فيه فيتم باقي التكبير: وكذلك في صلاة العيدين ولو أتم باقي صلاة العيدين في بيته، أجزأه. قاله الحطاب. وعبارة عبد الباقي: فإن لم يخفه يعني الفوات، ندب انصرافه لغسله حتى في العيد والجنازة عند أشهب وابن المواز. قال: والظاهر أن من رعف في النافلة وخاف التمادي إلى وقت يشق عليه أنه يكملها على هيئته، فلو رجا انقطاعه خرج لغسل الدم، وأتمه في موضعه. انتهى. وقال الأمير: وظن دوامه له؛ أي لآخر المختار أو لفوات العيد والجنازة بأن لا يدرك ركعة في العيد ولا تكبيرة في الجنازة: ويعتبر في سائر النوافل الدوام لوقت يشق كما في الحطاب. انتهى. إن لم يلطخ فرش مسجد في قوله: "أتمها"؛ يعني أن محل إتمامه للصلاة حيث رعف فيها وظن دوامه له إنما هو حيث لم يخش تلطيخ فرش المسجد بأن لم يكن في مسجد أو في مسجد غير مفروش؛ بأن كان محصبا أو متربا، أو لقى الدم عن فراش المسجد بكخرقة، فيتم ولو لطخ ذلك بأزيد من درهم. وأما إن خاف تلطيخ المسجد ولو بدون درهم، فإنه يقطع ولو خاف خروج الوقت؛ لأنه لا يباح تلطيخ فرش المسجد لضيق الوقت، ومثل فرش المسجد بلاطه. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ إبراهيم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: في ذلك نظر. والظاهر ما قاله المسناوي أن المبلط والمزلج كالمحصب لا كالفروش، وتقدم أنه في الفروش إذا لاقى الدم بكخرقة يتم. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: يتم ولو حملها؛ لأنه رخص له في الصلاة بالدم، وإن كثر لظنه دوامه محافظة، وفي الشبراخيتي أن رجيع الجمال إذا شمه من به رعاف دائم قطعه. انتهى.
واعلم أن أهل المذهب وغيرهم إذا صدروا بقول وعطفوا عليه بقيل، أن الأول هو الراجح، ولا سيما إذا لم يعزوا الأول لأحد، بل نقلوه على أنه المذهب. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "أو فيها وإن عيدا أو جنازة"، قد علمت حكم الفذ والمأموم في الجنازة. وأما الإمام فإنه يستخلف من يتم بهم،
стр. 798
ويصير حكمه حكم المأموم. وفي الحطاب عن ابن رشد: وإذا رعف الإمام في الجنازة أو العيد استخلف كالفريضة سواء، وإن رعف المأموم فيهما فإنه ينصرف ويغسل الدم، ثم يرجع فيتم مع الإمام ما بقي من تكبير الجنازة وصلاة العيد، فإن علم أنه لا يدرك شيئا من ذلك مع الإمام أتم حيث غسل الدم إلا أن يعلم أنه يدرك الجنازة قبل أن ترفع، فإنه يرجع حتى يتم ما بقي من التكبير عليها. وقال أشهب: فإن كان رعف قبل أن يعقد من صلاة العيد ركعة، أو قبل أن يكبر من تكبير الجنازة شيئا، وخشي إن انصرف لغسل الدم أن تفوته الصلاة، لم ينصرف، وصلى على الجنازة، وتمادى على صلاته في العيد، وكذا لو رأى في ثوبه نجاسة، وخاف إن انصرف لغسلها أن تفوتاه. انتهى.
وأومأ لخوف تأذيه هذا مرتب على قوله: "أتمها"، يعني أنه إذا قلنا إنه يتم الصلاة ولا يقطع لأجل الدم إذا ظن دوامه لآخر الوقت المختار، فإنه إن قدر على الركوع والسجود من غير ضرر ركع وسجد، وإن لم يقدر على ذلك إلا مع خوف تأذي جسمه كما لو كان رمدا، أو خاف نزول الدم في عينه أو خاف أنه متى انحنى راكعا أو ساجدا انصرفت المادة إلى وجهه فيزيد رعافه، فإنه يومئ اتفاقا. قاله الحطاب. أي للركوع من قيام، وللسجود من جلوس. وقال الأمير: وأومأ لخوف تأذيه بانعكاس الدم ولو شكا، وقال عبد الباقي: وإيماؤه واجب مع ظن أذى شديد ومندوب مع شكه، ومع التوهم يحتمل الجواز وعدمه، ولا إعادة عليه بوقت حيث أومأ، ثم ارتفع عنه الدم بعد الصلاة كمن صلى إيماء لمرض ثم صح في الوقت. والمعتبر هنا -فيما يظهر ويفيده إطلاقهم- مطلق الخوف، وإن لم يستند لتجربة نفسه، أو مقارب مزاجه، أو لقول طبيب فليس كالخوف في التيمم لدون مشقته بالنسبة لمشقته (١) هنا بنزول دم منه. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي.
أو تلطخ ثوبه يعني أنه يومئ لخوف تلطخ ثوبه الذي يفسده الغسل، أي يومئ للركوع من قيام، وللسجود من جلوس، صيانة للمال. وأما الثوب الذي لا يفسده الغسل فلا يومئ لتلطخه، بل
стр. 799
يجب عليه أن يتمادى بالركوع والسجود، ولو لطخه بالفعل بأكثر من درهم فضلا عن خوف التلطخ، وقد علمت أن العلة في الإيماء هنا صون المال، وقوله: "أو تلطخ ثوبه"، فيه طريقان: الجواز لابن رشد إجماعا، والثانية لغيره حكوا في جواز الإيماء قولين: الجواز لابن حبيب، وعدمه لابن مسلمة. ولما قوي القول بجواز الإيماء بحكاية ابن رشد الإجماع عليه، اقتصر المصنف عليه. قاله الإمام الحطاب.
لا جسده يعني أن الراعف لا يومئ للركوع والسجود لأجل خوف تلطخ جسده، أي لا يجوز له الإيماء لذلك اتفاقا. قال الإمام الحطاب: إذ الجسد لا يفسده الغسل، وقوله: "وأومأ لخوف تأذيه أو تلطخ ثوبه"، ليس خاصا بمن حدث له الرعاف في الصلاة، فإن من رعف قبل الصلاة إذا دام عليه الدم: وظن دوامه لآخر الاختياري، يصلي على حالته، ويومئ لخوف تأذيه وتلطخ ثوبه. قال ابن عرفة: ودائم الرعاف يصلي على حالته، ويومن لضرر سجوده. ابن رشد: أو لخوف تلطخه إجماعا، ولا يعيد إن كف في الوقت. ثم قال وغير الدائم يؤخر لكفه ما لم يخرج المختار، ونقل ابن رشد الضروري، انتهى. وقوله: "لا جسده". قيده عبد الباقي بما إذا لم يغلب ظن تلطخه بما زاد عن درهم، قال: وإلا أومأ، قال بناني: وهو غير صحيح، بل قال أبو علي: إنه خطأ صراح، وكذا قيد عدم الإيماء لتلطخ ثوبه الذي لا يفسده الغسل بما إذا لم يخف تلطخه بأكثر من درهم: وهو غير صحيح، بل لا يومئ وإن لطخه بأكثر من درهم كما مر. وكذا قيد الإيماء لتلطخ الثوب الذي يفسده الغسل بما إذا لم يخرج منه بالإيماء ما يوجب القطع. قال: وإلا ركع وسجد، وليس بصحيح لاقتضائه أن علة الإيماء خوف نزول قدر من الدم يوجب القطع، وذلك غير صحيح. بل العلة خوف الضرر أو فساد الثوب، ولو كان ذلك لركع وسجد وإن نزل منه عليه أكثر من درهم. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "لا جسده"، قال الشيخ إبراهيم الشبراخيتي: فلا يجوز له الإيماء إذا كان لا يضر به غسله، وإلا أومأ. انتهى.
وإن لم يظن ورشح فتله بأنامل يسراه هذا مفهوم قوله: وظن دوامه له، يعني أنه إذا رعف في الصلاة، ولم يظن استمراره لآخر الاختياري فله ثلاث حالات: البناء، والقطع، والتخيير. الحالة الأولى، وهي البناء: أن يكون الدم يسيرا يذهبه الفتل، بأن يكون الدم يرشح ولا يسيل ولا يقطر،
стр. 800
فهذا لا يجوز له القطع لصلاته ولا أن يخرج منها، فإن قطع أفسد صلاته، وإن كان إماما أفسد عليه وعلى المأمومين، بل يفتله بأنامل يسراه العليا. وكيفية الفتل أن يجعل أنملة منها غير أنملة الإبهام في أنفه، ويحركها مديرا لها، ثم يفتلها؛ أي بعد انفصاله عن الأنف بالإبهام؛ أي أنملة إبهامه العليا من اليسرى، فكلما امتلأت أنملة فتلها بالإبهام، وهكذا إلى أن تختضب الخمس. وعدم إدخال أنملة الإبهام في أنفه، عليه شراح الرسالة والمحققون. وقال بعضهم: ظاهر الأم إدخالها فيه، وكذا عمم إدخال الخمس الش، والتتائي، والحطاب. وزاد أحمد عن بعض شيوخه أن الفتل بعد إخراجها من الأنف، لا أنه إدارتها مع الفتل داخله. كما فهم بعض شراح المختصر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وإن لم يظن"، شامل لما إذا شك في الدوام، أو رجا الانقطاع. كما صرح به ابن هارون. ونقله صاحب الجمع. قال: ومن باب أحرى إذا رجي انقطاعه بالفتل. والله سبحانه أعلم. قاله الحطاب. قال: وظاهر المصنف أن الفتل إنما يؤمر به فيما إذا كان يرشح فقط، أما إذا سال أو قطر فلا، ولو كان الدم الذي يسيل ثخينا يذهبه الفتل. وفي المدونة: وينصرف في الصلاة إذا سال أو قطر قل ذلك أو كثر، فليغسله، ثم يبني على صلاته، وإن كان غير سائل ولا قاطر فليفتله بأصابعه. وحمل ماحب الطراز كلام المدونة: ينصرف إذا سال أو قطر وإن قل، على أن معناه ليس عليه أن يستبرئ أمره، هل يذهبه الفتل أم لا؟ بل متى سال أو قطر جاز له أن ينصرف؛ لأن القدر المؤذن بذلك قد وجد؛ وهو الدم السائل، فإن لم ينصرف وتربص وانقطع بالفتل فلا تفسد صلاته. قال الإمام الحطاب: هذا هو الظاهر، فكل ما يذهبه الفتل فلا يقطع لأجله الصلاة. ولابن حبيب أن الكثير الذي يذهبه الفتل لثخانته يفتل. وبحمل الطراز للمدونة على ما تقدم توافق ما لابن حبيب ولمالك في المبسوط: إذا خرج من أنف المصلي دم يفتله، فإن كان يسيرا فلا بأس به، وإن كان كثيرا فلا أحب ذلك حتى يغسل أثر الدم. انتهى. وقوله: "فتله بأنامل يسراه"، مشى على أن الفتل بيد واحدة كما هو مذهب المدونة، وأنه باليسرى كما حكاه الباجي وغيره عن المذهب. قاله الإمام الحطاب. ولأبي الحسن الصغير أن الفتل باليدين جميعا. وقيل: إن الفتل باليد اليمنى أي بأناملها العليا. وكيفية الفتل على كل قول هي الصفة المتقدمة. كما قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 801
فإن زاد عن درهم قطع؛ يعني أن الدم إذا زاد في الأنامل الوسطى عن درهم، فإنه يقطع أي بطلت صلاته؛ لأنه حامل للنجاسة ولا يحتاج إلى قطع، بل لو تمادى عليها لم تصح، وهذا إن اتسع الوقت. وجعل المصنف الدرهم من حيز اليسير، وجعله في المعفوات من حيز الكثير. فجمع بين القولين. قاله الحطاب. ولو فتله بأنامل يمناه العليا بعد ما فتله بأنامل يسراه العليا، ولم يفتله بأنامل يسراه الوسطى، وزاد ما بأنامل اليمنى العليا عن درهم، فالظاهر أنه لا يقطع مراعاة للقول بأنه يفتله بأنامل اليمنى أيضا. كما في المدونة. وقال الشيخ الأمير: وإن لم يظن ورشح فتله بأنامله، وهل يدخل الإبهام في أنفه؟ خلاف. وندب باليسرى، والفتل بيد واحدة على أرجح الطريقين، فإن زاد عن درهم قطع على ما سبق في سقوط النجاسة. كما حققه الرماصي. فلذا لم أعرج على ما في الخرشي ومن وافقه من البطلان، لكن حقق بناني هنا البطلان بسقوط النجاسة، ورد على الرماصي. فانظره، وإن سال أو قطر وأمكن فتله فكالراشح. انتهى. واستدل الحطاب على البطلان بقول المقدمات: من شروط البناء أن لا يسقط على ثوبه أو جسده من الدم ما لا يغتفر لكثرته؛ لأنه إن سقط من الدم على ثوبه أو جسده كثير، بطلت صلاته باتفاق. قال الحطاب: ونحوه لابن بشير وابن شأس وصاحب الذخيرة: ونبه على هذا ابن هارون وابن راشد كما نقله صاحب الجمع. انتهى. وفي الشبراخيتي: لا مفهوم لقوله: رشح؛ إذ القاطر إذا كان ثخينا، كذلك بخلاف السائل والقاطر الرقيق. فلو قال: وأمكن فتله، بدل قوله: ورشح، لكان أولى انتهى.
إن لطخه أشار به إلى الحالة الثانية، وهي حالة القطع يعني أنه يقطع، أي تبطل صلاته إذا لطخ ثوبه أو جسده الدم السائل أو القاطر بأكثر من درهم.
وعلم مما قررت أن صلاته تبطل، ولا يحتاج لقطع، ولو تمادى لم تصح صلاته.
وعلم مما قررت أيضا أن قوله: إن لطخه شرط في مقدر، أي وإن سال أو قطر قطع إن لطخ ثوبه أو جسده بأزيد من درهم. واتسع الوقت ويدل لهذا التقرير دكر التلطيخ والتلويث، إذ الظاهر كونهما من سائل أو قاطر. قاله الشيخ عبد الباقي، وهو خلاف ما يأتي من أن خوف تلوث مسجد إنما يرجع لمسألة الفتل. والله سبحانه أعلم. وقال الإمام الحطاب: يتعين أن يكون بكاف
стр. 802
التشبيه الداخلة على إن الشرطية، ويكون مشيرا به إلى الحالة الثانية؛ وهي أن يسيل الدم أو يقطر، ويتلطخ به في ثيابه أو بدنه بأكثر من القدر المعفو عنه. وقال الشيخ محمد بن الحسن عن أبي علي: يحتمل بقاؤه على ظاهره بأن يكون شرطا في قوله: "فإن زاد عن درهم قطع"؛ لأن قوله: "فإن زاد عن درهم"، محتمل لأن يكون الزائد وقع على الأرض أو على بدنه، فبين أنه إنما يقطع إن وقع على بدنه، ويكون كلامه كله في الراشح. انتهى.
أو خشي تلوث مسجد يعني أنه يقطع أيضا ولا يفتل إذا خشي تلوث مسجد مفروش بغير حصباء، ولو بدون درهم لحرمة المسجد. وأما المحصب غير المفروش، فيفتل حتى ينزل المفتول في خلال الحصباء، فقد كان سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله يرعفان في الصلاة ويجعلانه في خلال حصباء المسجد. وقوله: "أو خشي تلوث مسجد"، هذا إنما يرجع لمسألة الفتل، ولا يرجع للقاطر والسائل؛ لأنه إذا سال أو قطر ولم يلطخ بالفعل فهو موضوع التخيير بين القطع والبناء، وحينئذ لا يتأتى الخوف فيه على المسجد قطعا؛ لأنه يخرج منه على كل حال، إما للقطع أو لغسل الدم والبناء. وقد علمت أن موضوع المصنف أنه لم يظن دوامه لآخر الاختياري، وحينئذ فلا يقال إذا خشي تلوث المسجد يقطع، ولو خشي خروج الوقت لأنه مخالف لموضوع المصنف، وإنما محل هذه المبالغة عند قوله: إن لم يلطخ فرش مسجد. كما حققه الشيخ محمد بن الحسن. وإلا فله القطع معنى كلامه على أن قوله: "إن لطخه"، شرط في مقدر، أو على أنه تشبيه حذف منه الكاف، أن تقول: وإلا؛ أي وإذا لم يلطخه السائل أو القاطر بأزيد من درهم فله قطع صلاته، وله أن يتمادى فيها. قال الإمام الحطاب. عند قوله: "وإلا فله القطع" أشار به إلى الحالة الثالثة؛ وهي أن يسيل الدم أو يقطر بحيث لا يذهبه الفتل، ولكنه لم يتلطخ بما لا يعفى عنه. وقوله: "فله القطع"؛ أي بسلام أو كلام أو رفض؛ لأن المشهور أنه مبطل، فإن لم يأت بسلام ولا كلام ولا مناف؛ بأن ابتدأ الصلاة ولم يأت بشيء من ذلك أعاد الصلاة، وأما على ما لأبي علي، فقوله: "وإلا فله القطع"؛ أي وإلا يكن راشحا، بل سال أو قطر، فله القطع. قال أبو علي: فإن قلت: من أين يؤخذ وجوب القطع إن سال أو قطر مع التلطيخ، قلت: يؤخذ من قوله: "إن لطخه" انتهى.
стр. 803
وندب البناء البناء يطلق في هذا الفصل على معنيين: بناء في مقابلة قطع، وهو هذا وبناء في مقابلة قضاء؛ وهو قوله: وإذا اجتمع بناء؛ وهو الآتي في قوله: "وقضى القول وبنى الفعل"، وفي قوله: ورجعت الثانية أولى ببطلانها لفذ وإمام، وسيأتي له بناء بمعنى الإتمام، وهو قوله: وبنى إن قرب ولم يخرج من المسجد: وهو قريب من الأول، يعني أنه في هذه الحالة الثالثة وهي الحالة التي له فيها القطع والبناء لكون الدم سال أو قطر بحيث لم يذهبه الفتل ولم يتلطخ بما لا يعفى عنه، يندب له التمادي في صلاته؛ وهو المراد بالبناء، فالبناء أفضل من القطع لعمل السلف. وقد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين: إجازة البناء في الصلاة بعد غسل الدم، وهذا اختيار إمامنا مالك ﵁. واختار ابن القاسم القطع، وهو القياس؛ لأن الشأن في الصلاة أن يتصل عملها، ولا يتخللها شغل كثير، ولا انصراف عن القبلة. فهذان قولان متفقان على التخيير، مختلفان في الأفضل من الأمرين. والقول بترجيح القطع، قال الشيخ زروق: هو أولى بالعامي، ومن لم يحكم التصرف بالعلم لجهله.
وقد ذكر ابن حبيب ما يدل على وجوب البناء، وهو قوله: إن الإمام إذا تكلم عامدا أو جاهلا بطلت صلاته وصلاتهم، فجعل قطع صلاته بعد الرعاف يبطل صلاتهم كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا بغير رعاف، والصواب ما في المدونة أن صلاتهم لا تبطل؛ لأنه إذا رعف فالقطع جائز في قول، ومستحب في قول. فكيف تبطل صلاة القوم بفعله ما يجوز له أو ما يستحب له؟ انتهى. فهذه ثلاثة أقوال. وحكى ابن عرفة وابن ناجي رابعا أنهما سواء لا مزية لأحدهما على الآخر، قالا: نقله غير واحد كصاحب التلقين، وزاد ابن عرفة خامسا أنه يقطع. وقوله: "وندب البناء"، محله في الدم الذي يقطعه الغسل، وإلا فيقطع أو يتم على حاله على ما سبق، ومحله أيضا إن لم يخف خروج وقت: وإلا تمادى كما أفاد ذلك بقوله: "وإن لم يظن".
فيخرج ممسكا أنفه هذا شروع منه ﵀ في كيفية البناء، يعني أن صفة البناء هي أن يخرج من هيئته التي كان عليها، أو من مكانه إذا احتاج إلى ذلك ممسكا أنفه ليلا تبطل صلاته بتلطخ جسده أو ثوبه بما لا يعفى عنه، ولم يشترط المصنف إمساكه من أعلى كما فعل ابن هارون خوف بقاء الدم في داخل الأنف، فإن داخل المارن؛ وهو ما لان من الأنف له حكم ظاهر الجسد دون
стр. 804
أعلى الأنف، لقول ابن عبد السلام: فيه تكلف. والمحل محل ضرورة، قال بعضهم: وهو ظاهر لا شك فيه. وقد خففوا اختضاب الأنامل، فكيف بمحل الدم؟ انظر الشبراخيتي، وقوله: "فيخرج"، بالنصب؛ لأنه معطوف على البناء، وهو اسم خالص قال:
لولا توقع معتر فأرضيه … ما كنت أوثر إترابا على ترب
وفي الألفية:
وإن على اسم خالص فعل عطف … نصبه أن ثابتا أو منحذف
ليغسل متعلق بقوله: "فيخرج"، فهو علة له أي لا يخرج إلا ليغسل الدم، فلو خرج لغيره بطلت صلاته. قاله الشيخ إبراهيم. وإن رعف المتيمم في الصلاة ووجد ماء كافيا لغسل دمه ووضوئه لم يبطل تيممه؛ لأنه دخل في الصلاة بوجه جائز. كما ذكره صاحب الجمع والقاضي سند. وهو مستفاد من قول المصنف لا فيها إلا ناسيه. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه للشيخ عبد الباقي. ويبني بخمسة شروط أشار لأولها بقوله:
إن لم يجاوز أقرب مكان؛ يعني أنه إنما يبني حيث لم يجاوز أقرب مكان موجود به الماء، فإن جاوزه بطلت اتفاقا. وتغتفر الخطوتان والثلاث فلا تضر بلا خلاف ممكن؛ يعني أن محل بطلان صلاته حيث جاوز أقرب مكان به الماء، إنما هو حيث كان يمكن فيه الوصول إلى الماء وغسل الدم به، ولو بشراء بثمن معتاد غير محتاج إليه. وقد نص بعض على جواز البيع والشراء في الصلاة بالإشارة الخفيفة لغير ضرورة، فكيف بذلك هنا؟ وأما إن لم يمكن فيه ذلك؛ بأن لم يجد فيه ثمنا، أو ثمنا محتاجا إليه، أو طلب منه أكثر من الثمن المعتاد فيما يظهر، فإنه لا تضر مجاوزته لغيره من أقرب الأمكنة إليه. قاله الشيخ عبد الباقي، وقال: ولما كان قوله: "أقرب" لا يعطِي في العرف شرط قرب المكان في نفسه؛ إذ القرب والبعد نسبيان فيقال: هذا المكان أقرب من ذلك، وإن كان بعيدا في نفسه صرح بوصف قربه بقوله: قرب؛ يعني أنه لا بد أن يكون هذا المكان الذي هو أقرب الأمكنة المكنة إليه قريبا في نفسه من محل الصلاة، فإن بعد المكان في نفسه
стр. 805
وجب القطع والقرب بالعرف، والمضر في البعد إنما هو التفاحش بأن يكون بعيدا جدا كما نص عليه أهل المذهب، فيتعين حمل كلام المؤلف عليه. قاله غير واحد. واعلم أن المراد بإمساك الأنف التحفظ من النجاسة، فإن فرض تحفظ منها بغيره لم يضره عدم إمساكه، وأشار إلى ثاني الشروط الخمسة بقوله:
ويستدبر قبلة بلا عذر؛ يعني أنه إنما يبني إذا لم يستدبر القبلة لغير عذر؛ بأن لم يستدبرها أصلا أو استدبرها لعذر، فإن ذلك لا يضر ومن العذر الماء والقرب، ويقدم استدبارا لا يلابس فيه نجسا على استقبال مع وطء نجس لا يغتفر. والظاهر تقديم القريب مع ملابسته نجسا على بعيد خلا منها. لأن عدم الأفعال الكثيرة متفق على شرطيته، كما أن الظاهر تقديم ما قلت منافاته كبعيد مع استقبال بلا نجاسة على قريب مستدبر مع نجاسة. فليتأمل. قاله الشيخ الأمير. ومفهوم قوله: "إن لم يستدبر" الخ، أنه إن استدبرها لغير عذر بطلت صلاته، ولا يبني ولثالثها بقوله: ويطأ نجسا يعني أنه إنما يبني حيث لم يطأ نجسا في مشيه ليغسل الدم، وأما إن وطئه، فإن كان عامدا مختارا بطلت صلاته رطبة أو يابسة روث دواب وبولها أو غيرهما، فإن وطئ ذلك مضطرا صحت صلاته، فهذه ثمانية. وينبغي أن يعيد في الوقت في غير روث دواب وبولها في الاضطرار، وإن وطئ ناسيا وذكر بعد الصلاة صحت، ويعيد في الوقت في غير روث دواب وبولها، وإن ذكره فيها وتعلق به شيء بطلت في غير روث دواب وبولها. وأما هما فلا إعادة عليه فيهما، وإن لم يتعلق به شيء جرى على الخلاف فيمن رأى بعد رفعه من سجوده بمحله نجاسة، فعند ابن عرفة تبطل، وعند غيره لا تبطل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: والذي يفيده النقل كما في الحطاب والمواق أن ما كان من أرواث دواب وأبوالها فهو غير مبطل. قال الحطاب: وينبغي أن يستثنى منه إذا وطى مختارا عمدا. انتهى. ولرابعها بقوله:
ويتكلم؛ يعني أنه إنما يبني إذا لم يتكلم لغير إصلاحها، فإن تكلم لغير إصلاحها عمدا أو جهلا، بطلت صلاته، بل ولو تكلم سهوا. وإنما بطلت بالكلام سهوا، ولو قل لما انضم إليه من المنافيات. ثم إنه إنما يبطلها الكلام سهوا حيث حصل حال ذهابه، وأما بعد عوده فلا يبطل، وكذا قبل ذهابه كما يفيده المواق. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم الشبراخيتي. وقال
стр. 806
الشيخ محمد بن الحسن: كلام المواق صريح في ترجيح الصحة مع السهو مطلقا حصل قبل انصرافه أو حصل بعد ذلك، وعلى الصحة فإن أدرك شيئا مع الإمام حمل عنه سهوه، وإلا سجد بعد السلام، وأما الكلام لإصلاحها كشراء ما يغسل به الدم، فلا يبطل، إذ يجوز عقد البيع في الصلاة بإشارة خفيفة، ومعاطاة في غير ضرورة، فكيف بهذه الضرورة المتعلقة بتصحيح الصلاة؟
تنبيه. اختلف في المأموم إذا انصرف لغسل الدم، هل يخرج عن حكم الإمام أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها أنه يخرج عن حكمه حتى يرجع إليه جملة من غير تفصيل، الثاني أنه لا يخرج عن حكمه جملة من غير تفصيل، الثالث أنه إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة خرج عن حكمه حتى يرجع إليه، وإن عقد معه ركعة لم يخرج عن حكمه، الرابع النظر إلى ما آل إليه أمره، فإن أدرك ركعة من صلاة الإمام بعد رجوعه كان في حكمه حال خروجه، وإن لم يدرك معه ركعة بعد رجوعه لم يكن في حكمه حال خروجه. نقله الإمام الحطاب. وقال عن المقدمات: فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع إليه، يقول إن أفسد الإمام صلاته متعمدا قبل أن يرجع لم يُفْسِد عليه هو، وإن تكلم سهوا سجد بعد السلام ولم يحمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب الذي يرى أن ذلك يبطل عليه البناء وإن ظن أن الإمام قد أتم صلاته [فأتم صلاته (١)] في موضعه ثم تبين أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة أجزأته صلاته، وإن سها الإمام لم يلزمه من سهوه شيء. ومن رأى أنه لا يخرج من حكمه يقول إن أفسد الإمام صلاته، متعمدا فسدت عليه هو صلاته وإن أتم صلاته في موضعه ثم تبين أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة لم تجزه صلاته، وإن سها الإمام لزمه سهوه، وإن تكلم ساهيا حمله عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب المذكور. وإن قرأ الإمام بسجدة فسجدها فرجع هو بعد سلام الإمام كان عليه أن يقرأها ويسجدها، والجاري على المشهور هو القول الأول؛ لأنه سيأتي أنه إذا فرغ الإمام فإنه يتم مكانه، وتصح صلاته، ولو تبين خطؤه. وصوب ابن يونس بطلان صلاته إذا بطلت صلاة الإمام. انتهى كلام الحطاب. ولخامسها بقوله:
стр. 807
إن كان بجماعة؛ يعني أنه إذا كان بجماعة فإنه لا إشكال في بنائه إماما أو مأموما، ولم يأت بهذا الشرط على مساق ما قبله لكونه وجوديا وما قبله عدميا، فإن كان مأموما فهل يخرج عن حكم إمامه حتى يرجع إليه أولا؟ تقدم الكلام على ذلك قريبا فراجعه إن شئت. وأما إن كان إماما فأشار إليه بقوله:
واستخلف الإمام، يعني أن الإمام في رعاف البناء يستخلف من يتم بهم عند ذهابه لغسل الدم ندبا في الجمعة وغيرها، فإن لم يستخلف وجب عليهم في الجمعة وندب في غيرها، وإذا غسل الدم تأخر مؤتما للمستخلف بالفتح منه أو منهم، وصلى معه ما أدرك من صلاته. ويستخلف بغير الكلام فإن تكلم سهوا بطلت عليه دونهم، وعمدا أو جهلا بطلت عليه وعليهم. وقال ابن القاسم: عليه فقط. وعلى قوله: يخرج المأموم عن حكم الإمام بمجرد حصول رعافه، وإلا بطلت عليهم ببطلان صلاته.
وفي بناء الفذ خلاف. قال صاحب الطراز: اتفق أصحابنا على أن المأموم يبني في الرعاف، وكذلك الإمام لأنه واحد من الجماعة. واختلفوا في الفذ: فأجاز مالك في العتبية أنه يبني، ومنعه ابن حبيب، وفي المقدمات ذهب ابن حبيب إلى أنه لا يبني؛ لأن البناء إنما هو ليحوز فضل الجماعة، وقال ابن مسلمة: يبني، ومثله لمالك في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وقال ابن بزيزة: مذهب المدونة بناء الفذ، والحاصل أنهما قولان مشهوران وذكر ابن فرحون وصاحب الجمع وغيرهما في بناء الإمام قولين، وهو خلاف ما تقدم من اتفاق مالك وجميع أصحابه على بناء الإمام. وهو لصاحب المقدمات وصاحب الطراز واللخمي. وقوله: "وفي بناء الفذ خلاف" مبناه هل رخصة البناء لحرمة الصلاة أو لتحصيل فضل الجماعة؟ وقال صاحب الطراز: إن بناء الفذ أبين؛ لأن ما يمنع البناء وما لا يمنعه لا يختلف فيه الفذ من غيره، كالسلام من اثنتين فيما طال وفيما قصر؛ ولأنه قد عمل شيئا من الصلاة فلا يبطله بغير تفريط منه، ولأنه قد حاز فضيلة أول الوقت بذلك القدر فلا يفوته ذلك عليه كفضل الجماعة. انتهى.
وإذا بني لم يعتد إلا بركعة كملت، يعني أن الراعف إذا بنى ولم يقطع صلاته، وخرج لغسل الدم وغسله، ثم رجع لتكميل صلاته، فإنه لا يعتد بما مضى من صلاته إلا بالركعة الكاملة
стр. 808
بسجدتيها. وقوله: "بنى"؛ أي من له البناء من مأموم وإمام، وفذ على أحد القولين، ومعنى "كملت" بسجدتيها: أن يجلس بعدها إن كان بتشهد، أو يقوم بالفعل إن كان بغيره فيعتد بتلك الركعة، ويبتدئ بعد غسل الدم من أول التي تليها، فيشرع في القراءة ولا يرجع لمحل السجود. فلو ركع وسجد السجدتين، وأخذ فرضه فيهما، ثم قبل الجلوس أو القيام رعف، لم يعتد بتلك الركعة بعد غسله. ويبني على الإحرام إن كانت هي الأولى، ويبتدئ القراءة فالبناء يكون ولو على الإحرام، ولا يعتد إلا بركعة كاملة لا أقل، سواء كانت هي الأولى أو غيرها. وابتداء القراءة المذكور واضح في الإمام والفذ وغيره إن فرغ الإمام، وإلا تبع الإمام على أي حال كان كما هو واضح. وقوله: "وإذا بنى لم يعتد" الخ، هذا هو مذهب المدونة، وهو المشهور وقيل: يعتد بما عمل من صلاته سواء رعف في الركعة الأولى أو غيرها، فإن كان قد رعف بعد القراءة في الركعة الأولى أو غيرها فإذا رجع ركع ولم يعد القراءة، وإن رعف في أثناء القراءة قرأ من الموضع الذي انتهى إليه اللخمي: ولا يحتسب الراعف بما فعله بعد رعافه، وقبل خروجه لغسل الدم، وأجاز ذلك ابن حبيب في ثلاث. انتهى. وهي: أنه إن رعف وهو راكع ثم رفع رأسه للرعاف فذلك رفع من الركعة، وإن رعف وهو ساجد فرفع للرعاف فذلك رفع للسجدة، فإذا رجع سجد الثانية، وفي جلسة التشهد فقيامه للرعاف قيام من الجلسة، فإذا رجع ابتدأ بقراءة الركعة الثالثة، إلا أن يكون ذلك في مبتدإ الجلوس قبل تمام التشهد، فليرجع إلى الجلوس حتى يتم التشهد؛ وهذا القول لابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون. وعزاه المصنف في التوضيح، وغيره لابن مسلمة، واستظهره هو وابن عبد السلام وغيرهما. وحكى في المقدمات: ثالثا وهو أنه إن كان في الركعة الأولى استأنف الإحرام، وإن كان في الثانية بنى على ما مضى منها، والفذ على القول ببنائه يفعل ما ذكر، وكذا الإمام والمأموم إن وجدا الإمام المستخلف قد فرغ، وإما إن وجداه في الصلاة فيتبعانه على أي حال كان، ولا يأتيان بما فاتهما حتى يفرغ الإمام من الصلاة كما مر قريبا. وعلى القول بأنه يعتد بما فعل من أجزاء الركعة إذا عاد فعل الأجزاء الباقية من الركعة ما لم يكن تشاغله بفعلها يفيته مع الإمام عقد الركعة التي صادفه فيها ولا يمنعه من إكمال ما بقي عليه من الركعة صلاة الإمام ركعة في غيبته. وفهم من كلام المصنف أن من رعف بعد أن أحرم،
стр. 809
وقبل أن يركع يبني على إحرامه، وهذا في غير الجمعة كما يقول، وإن لم يتم ركعة في الجمعة الخ، وقيل: يبني على إحرامه مطلقا جمعة كانت أو غيرها إماما أو مأموما أو فذا، وهو قول سحنون. وقيل: لا يبني، ويستأنف الإقامة والإحرام جملة أيضا من غير تفصيل؛ وهو قول ابن عبد الحكم. وقيل: إن كان وحده أو إماما ابتدأ، وإن كان مأموما بنى على إحرامه. قاله الإمام الحطاب. فتلك أربعة أقوال فيمن رعف بعد أن أحرم، وقبل أن يركع. واستعمل المصنف البناء في هذا الباب على معنيين: الأول في مقابلة القطع، الثاني في مقابلة القضاء. وأتى بقوله: "كملت" بعد قوله: "بركعة" لدفع توهم أن المراد بالركعة الركعة اللغوية؛ وهي الركوع. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم مما مر أن الراعف يبني على تكبيرة الإحرام وإن لم يعتد إلا بركعة كملت فلا منافاة بين كلام المصنف وغيره، وقوله: "وإذا بنى لم يعتد إلا بركعة كملت"، هوأحد مواضع تعتبر الركعة فيها بسجدتيها، ثَانِيها من ذكر صلاة في صلاة، ثالِثُها من أقيمت عليه الصلاة وصلى ركعة، رَابعُهَا الركعة التي تقدر بها الحائض، خَامِسُهَا ركعة المزاحم، سَادِسُهَا الركعة التي يدرك بها المصلي فضل الجماعة، سَابعُهَا الركعة التي يؤخر لها من ترك إحدى الخمس. قاله الشيخ عبد الباقي. واعلم أن الراعف إذا فرغ من غسل الدم فإنه يرجع لصلاته بغير تكبير. ابن رشد: لأنه لم يخرج من صلاته، وإنما يرجع إلى صلاته بتكبير من خرج منها بسلام. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وأتم مكانه؛ يعني أن الراعف إذا غسل الدم فإنه يتم صلاته وجوبا مكانه ذلك إن كان فذا إن أمكن، وإلا ففي أقرب موضع يصلح للصلاة من غير مجاوزة له، وإلا بطلت. وإن كان مأموما أو إماما لصيرورته بالاستخلاف مأموما فإنه يتم مكانه أيضا، وإنما يتم المأموم مكانه أو الإمام. إن ظن فراغ إمامه من الصلاة الآن، أو قبل وصوله إليه بتقدير، واجتهد أو بإخبار عدل، ولو وصل إليه العلم وهو راجع وجب عليه الإتمام بذلك المحل. ولا فرق بين مسجد مكة والمدينة وغيرهما على المشهور، وتصح صلاته وإن تبين خطؤه في بقاء إمامه، وظاهره: ولو سلم قبل إمامه. وقوله: إن ظن، وأحرى إن علم. وأمكن؛ يعني أن الراعف إذا غسل الدم، وقلنا إنه يجب عليه أن يتم صلاته في الموضع الذي غسل فيه الدم، فإنما ذلك إن أمكن إتمام الصلاة فيه بأن طهر واتسع.
стр. 810
وإلا أي وإن لم يمكن الإتمام فيه لعدم صلاحيته لذلك كما لو كان ضيقا أو نجسا، فالواجب لإتمام صلاته المكانُ الأقرب لمكان غسل الدم الصالِحُ لإتمام الصلاة فيه، وتصح صلاته في المسألتين، ولو أخطأ ظنه ببقاء إمامه على المشهور. واعترض بأنه قد يسلم قبل إمامه، وأجيب بأن هذا مبني على أنه يخرج عن حكم الإمام بخروجه للرعاف حتى يرجع إليه. قاله عبد الباقي. وإذا علم ببقاء الإمام ولكنه يتم صلاته قبل وصول المأموم إليه، فإنه يتم مكانه أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي أيضا، ومر قريبا ما يفيده. قال: ولا يقال قد يسبق الإمام في الفعل والسلام لما علمت أن هذا مبني على أنه يخرج عن حكمه حتى يرجع إليه، وقد مر أنه لو وصل إليه العلم بإتمام إمامه وهو راجع من غسله صار موضع وصول العلم إليه كموضع غسل الدم، فيتم فيه وإلا أي وإن لم يتم مكانه مع إمكان الإتمام به والحال أنه ظن فراغ إمامه، ولا بالأقرب إليه مع عدم إمكان ذلك به. بطلت صلاته ولو أخطأ ظنه، ولو فعل ذلك متأولا. وأشار إلى مفهوم قوله: "إن ظن فراغ إمامه"، بقوله:
ورجع إن ظن بقاءه؛ يعني أنه إذا ظن بقاء إمامه فإنه يرجع إلى أقرب موضع يصلي فيه مع الإمام، ولا يرجع إلى محل مصلاه لأنه زيادة في الصلاة. قاله ابن فرحون. أو شك، أي وكذا يجب عليه الرجوع إلى أقرب موضع يصلي فيه مع الإمام حيث شك أنه يدرك الإمام، ولا يرجع إلى محل مصلاه، وقوله: "أو شك" يغني عن قوله: "أو ظن". ولو بتشهد؛ يعني أنه إذا ظن أو شك وأولى إن علم أنه يدركه في التشهد أو ظن أو شك أنه يحصل السلام معه، فإنه يرجع إلى أقرب موضع يصلي فيه مع الإمام، وإنما لزمه الرجوع مع الشك؛ لأن الأصل لزومُ متابعة الإمام فلا يخرج عنه إلا بعلم أو ظن.
والحاصل أنه إذا علم أو ظن فراغ إمامه فإنه يتم في مكانه الممكن، أوأقرب الأمكنة الممكنة إليه مع عدم إمكان الأول، وهاتان صورتان أو أربع صور. وإذا علم، أو ظن بقاءه، أو شك في ذلك ولو بتشهد، فإنه يرجع وجوبا إلى الموضع الذي يتمكن فيه من الاقتداء بإمامه. فتلك ثلاث صور. فالصور خمس وقد علمت أحكامها.