يمينه وخير في أخذه مصبوغا ويدفع أجرته أو يسلمه ويأخذ قيمة ثوبه أبيض، الصقلي: هذا وفاق لقول ملك، قال: إلا أن يشاء الصباغ أن يسلم صنعته بلا ثمن، فإن أبى كان شركة بينهما هذا بقيمة ثوبه أبيض وهذا بقيمة صنعته واختلف فيه وهذا أحسن. انتهى. قال الرهوني: عَقِبَ قوله: وهذا أحسن ما نصه محمد بن يونس: هذا خلاف أصلنا لأنه إذا أتى الصباغ بما لا يشبه وصدق رب المتاع مع يمينه صار حكم الصباغ حكم المتعدي فربه يخير بين أن يغرمه قيمة ثوبه أو يأخذه ويدفع قيمة الصبغ ولا كلام للصباغ. اهـ. وقال البناني: كلامه آخرًا يشمل الثاني فلا يقصر على الثالث. اهـ؛ يعني بكلامه آخرا هذا الذي ذكرت عن الرهوني، وقول ابن عرفة: فإن أبى كان شركة بينهما، معناه فإن أبى الصانع من تسليمه مجانا وأبى ربه من دفع الأجرة ومن قبض القيمة، هذا ظاهره فتأمله. قاله البناني. وتحصل مما مر أن القول للأجير في الفروع الأربعة إن أشبه أشبه الآخر في الثاني والثالث أم لا، لكن في الفرع الأول لا يتأتى شبههما معا ولا عدم شبه واحد منهما، فإن لم يشبه الأجير في الفرع الأول فلا شيء له، وإن لم يشبه في الثاني والثالث فله ما زادته صنعته في الشيء أو دفع قيمته بدونها، ومفاد ابن عرفة في الثاني والثالث أنه إذا لم يشبه الصانع حلف ربه وثبت له الخيار المذكور لا للصانع إلا أن يسلمه لربه مجانا فلا خيار له، وظاهر ما لابن عرفة ثبوت الخيار لرب الشيء المصنوع ولو كان الصبغ ينقصه وهو ظاهر لأن خيرته تنفي ضرره، فإن أبى من الحلف جرى على حكم النكول، وإن لم يشبه في الفرع الرابع فإن أشبه رب الشيء المصنوع فقط فالقول قوله مع يمينه ويدفع للصانع ما حلف، فإن لم يشبها حلفا وكان للصانع أجرة المثل، وكذا لو نكلا ويقضى للحالف على الناكل. انظر الخرشي والشبراخيتي. واعلم أنه في الفرع الرابع إنما يكون القول للأجير بشرطين أحدُهما عام وهو قوله: إن أشبه، والآخر خاص وهو قوله وحاز.
لا كبناء، هذا مفهوم قوله: وحاز؛ يعني أن محل كون القول للأجير إن حاز كما عرفت فإن لم يحز كالبناء فإن القول لرب الشيء المصنوع، فإذا قال الأجير: بَنَيْتهُ بدرهمين، وقال رب البناء: بنيته بدرهم واحد، فإن القول لرب البناء، وكذا إن لم يحز الخياط فقال: خطته بدرهمين، وقال المالك: خطته بدرهم، فإن القول لرب الثوب، وقد مر عن البناني أنه إنما يحتاج إلى الحوز إذا
стр. 7492
أشبها معا، فإن حاز يكون القول للأجير وإن لم يحز فالقول لرب الشيء المصنوع لحوزه، فالحاصل أنهما إن أشبها معا فالقول قول الحائز منهما، وإن لم يشبها معا فأجرة المثل ولا ينظر إلى حوز، وإن أشبه أحدهما فقط فالقول قوله إن لم يحز، وقوله كبَنّاء بفتح الباء وتشديد النون ويصح كونه بباء مكسورة ونون مخففة. قاله الخرشي.
ولا في رده فلربه؛ يعني أن الصانع إذا تنازع هو ورب الشيء المصنوع في رده فقال الصانع: رددته له، وقال ربه: لم تردَّه إلي، فإن القول يكون لرب الشيء المصنوع أنه لم يردَّه له، وهذا مخصوص بما لا يقبل فيه دعوى التلف وهو ما يغاب عليه وأما إن كان مما لا يغاب عليه، فإنه يقبل قوله إنه رده لربه لأن دعواه تلفه مقبولة إلا أن يكون قبضه ببينة مقصودة للتوثق. قاله غير واحد. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: انظر كيفية التنازع في رد ما لا يغاب عليه ما هي؟ وقد يقال إنه يصنع (١) الحلف فيما لا يغاب عليه ونحو ذلك. وإن بلا بينة؛ يعني أن القول قول رب الشيء المصنوع في أن الصانع لم يرده إن نازعه الصانع في ذلك، ولا فرق في هذا بين أن يكون الصانع قبضه ببينة مقصودة للتوثق وبين أن يقبضه بلا بينة، والفرق بينه وبين المودع إذا قبض الوديعة بلا بينة وادعى ردها لربها أنه مصدق أن المودع قبض الوديعة على غير وجه الضمان، والصانع قبض مصنوعهُ على وجه الضمان فافترقا. قاله الخرشي وغيره وقوله: وإن بلا بينة رد بالمبالغة قول ابن الماجشون: إن الصانع لا يضمن إلا أن يكون قد قبضه ببينة كالوديعة والقراض، وأما مع البينة فالضمان اتفاقا. قاله التتائي.
وإن ادعاه، ضمير الفاعل يعود على الصانع وضمير المفعول على الاستصناع؛ أي وإن ادعى الصانع أن رب الشيء استصنعه وكذبه رب الشيء وقال: سرق أبيض مني، بالبناء للمجهول ليشمل الصانع وغيره، لكن إن كان صالحا لا يشار إليه بمثل ذلك فإنه يؤدب، والحال أن رب الشيء أراد أخذه؛ أي أخذ عين شيئه دون تضمين الصانع القيمة دفع للصانع قيمة الصبغ بكسر الصاد أي المصبوغ به مع أجرة عمل الصانع على المعتمد، خلاف ما يفيده أحمد من الاقتصار
стр. 7493
عليها وأن الصبغ بفتح الصاد. بيمين على رب المتاع دون الصانع وتعتبر قيمته يوم الحكم، وقوله: إن زادت دعوى الصانع عليها، قيد في قوله: قيمة الصبغ، وفي قوله: بيمين؛ أي فإن لم تزد بأن ساوت أو نقصت أخذ ما ادعى ولا يعطى أكثر منه ولا يمين على رب المتاع قاله عبد الباقي. وعليه يكون معنى قوله: إن زادت دعوى الصانع عليها أي على قيمة الصبغ مع الأجرة، وقال الشبراخيتي: وإن ادعاه أي الاستصناع المفهوم من قوله: استصنع، وقال ربه: بل سرق مني أبيض، وبناه للمجهول ليشمل ما إذا قال: سرقه غيرك أو أنت مني وأراد ربه أخذه لأنه مخير فيه وفي تضمينه، فإن أراد أخذه دفع قيمة الصبغ يوم الحكم، والمراد بالقيمة الأجر، والصَّبغ بالفتح العمل أي دفع أجر العمل بيمين يحلفها رب الثوب أنه ما استصنعه إن زادت دعوى الصانع عليها أي على قيمة الصنعة، ومفهوم الشرط أنها لو كانت مساوية أو أقل أخذه بغير يمين. اهـ. ونحوه للتتائي والخرشي.
وإن اختار؛ أي وإن اختار رب الشيء المصنوع تضمينه؛ أي تضمين الصانع القيمة، فإن دفع الصانع قيمته أبيض يوم الحكم، كذا في بعض التقارير، وفي بعضها يوم التعدي على زعم ربه فلا يمين على واحد منهما، وإلا بأن أبى من دفع القيمة حلفا؛ أي حلف الصانع على ما ادعاه من الاستصناع، وحلف رب الشيء على ما ادعاه من السرقة مثلا واشتركا فيه هذا بقيمة ثوبه غير مصبوغ وهذا بقيمة عمله، وظاهر المص ولو نقصه الصبغ؛ لأن الشركة بقيمة الثوب أبيض وقيمة الصبغ لا بما زاده على قيمته أبيض ونكولهما كحلفهما، ويقضى للحالف على الناكل، فإذا حلف رب الثوب فقط قضي له بقيمة الثوب أبيض إن شاء وإن شاء أخذه ودفع قيمة الصبغ ولو نقصت الثوب لأن خيرته تنفي ضرره، إلا أن يتحقق أنه سرقه أو غصبه فيأخذه بدون قيمة الصبغ. اهـ. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: واشتركا ولو نقصه الصبغ لأن الشركة بقيمة الثوب أبيض، وقيمة الصبغ لا بما زاده الصبغ على قيمته أبيض. اهـ. وقوله: حلفا، والمبدأ هو رب الثوب، ونص ابن عرفة الصقلي: عن الشيخ يبدأ بالحلف رب الثوب ما استعمله. اهـ. ونحوه في التوضيح والحطاب. قاله البناني. وقال الحطاب: مشى رحمه اللَّه تعالى على ما قيد به صاحب النكت والتونسي واللخمي قول ابن القاسم: فجعل رب الثوب تارة يريد أخذه وتارة يريد
стр. 7494
تضمين الصانع قيمته، فقال: إن أراد أخذه دفع قيمة الصبغ ثم ينظر فإن زادت دعوى الصانع، على قيمة الصبغ حلف رب الثوب ليسقط الزائد على قيمة الصبغ من التسمية التي ادعى الصانع، وهذا معنى قول المؤلف: بيمين، وهو متعلق بمحذوف؛ أي أخذه بيمين، ومفهوم الشرط وهو قوله: إن زادت دعوى الصانع عليها أنه لو كانت دعواه مساوية لها أو أقل أخذه بغير يمين وهو كذلك، وأما إن اختار رب الثوب تضمين الصانع فإنه يقال للصانع: ادفع له قيمة الثوب أبيض، فإن فعل فلا يمين على واحد منهما، وإن امتنع حلفا واشتركا، وكيمْية حلفهما أن يبدأ رب الثوب فيقال له: احلف أنك لم تستعمله، فإذا حلف قيل للصانع: احلف أنه استعملك، فإن حلف قيل لربه: ادفع قيمة عمله وخذه، فإن أبى قيل للصانع: ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، فإن أبى كانا شريكين هذا بقيمة ثوبه غير معمول وهذا بقيمة عمله. اهـ.
فرع: قال ابن عرفة في آخر التجارة: وإن اختلف الأجير ومن واجره في مرضه أو عطلته في مدة الإجارة ففي قبول قول من واجره إن آواه إليه ليلَهُ ونهاره وإلا فالأجير وعكسه، ثالثها الأول في العبد وفي الحر قول الأجير مطلقا، ورابعها القول قوله مطلقا، وخامسها عكسه، لابن عتاب عن ابن مغيث عن ابن القاسم مع أصبغ وفتوى الشيوخ، وعن اللخمي مع محمد مع أشهب، وعن ابن حبيب مع ابن الماجشون، وعن التونسي عن أصل ابن القاسم وغيره. قاله الحطاب. وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: إذا قال الصانع: استعملتني هذا المتاع وقال ربه: بل سرق مني: تحالفا ثم قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة ثوبه معمولاً وهذا بقيمة عمله لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه، قال بعض فقهاء القرويين: إذا قال رب الثوب: سرق مني، وقال الصانع وقد صبغه: بل استعملتني، لا يتحالفان حتى يقال لصاحب الثوب ما تريد؟ فإن قال: أريد أخذ الثوب، نظر إلى قيمة الصبغ، فإن كانت مثل دعوى الصانع فأكثر فلا أيمان بينهما لأنه يقال لرب الثوب: هبك أن الأمر كما قلت: إنه سرق لك وأردت أخذه لم تقدر على أخذه إلا بدفع الأجرة التي قال الصانع إذا كانت مثل قيمة الأجرة أو أقل، ولا يمين ها هنا، وإن كان ما ادعاه الصانع لخ.
стр. 7495
لا إن تخالفا في لت السويق، مخرج من قوله: حلفا واشتركا؛ يعني أنهما لا يحلفان ولا يشتركان في هذه المسألة، وهي ما إذا لت شخص سويق آخر أي خلطه بسمن مثلا واختلفا في الأمر باللت وقال اللاتُّ: أمرتني أن ألته بخمسة دراهم، وقال رب السويق: ما أمرتك أن تلته بشيء أصلا، فإنه يقال لرب السويق: ادفع له ما قال من الأجرة فإن دفع فالأمر واضح. وإن أبى رب السويق من دفع ما قال اللات أنه استأجره به فعلى اللات لرب السويق مثل سويقه غير ملتوت، هذا قول غير ابن القاسم أنه يتعين مثل سويقه؛ لأن من حجة ربه أن يقول: لا أرضى به ملتوتا، لأنه صار لا يبقى بل يسرع إليه التغير، وقال ابن القاسم: لا يتعين على الصانع المثل بل هو مخير إن شاء دفع لرب السويق مثل سويقه وإن شاء دفعه له ملتوتا، قال البناني: مشى المص على قول غير ابن القاسم في المدونة، ونصها: من لت سويقًا بسمن وقال لربه: أمرتني بلته بعشرة دراهم، وقال ربه: لم آمرك أن تلته بشيء، قيل لصاحب السويق: إن شئت فاغرم له مثل سويقه غير ملتوت، وإلا فأسلمه له بلتاته ولا شيء لك، ولا يكونان شريكين في الطعام لوجود مثله، وقال غيره: إذا امتنع رب السويق أن يعطيه ما لته به قضي له على اللات بمثل سويقه غير ملتوت. اهـ. أبو الحسن: مسألة السويق دائرة بين أن يقول ربه: أودعتك إياه أو يقول: سرق مني، وقوله في الكتاب: وقال ربه: لم آمرك بلته أعم من ذلك، وكذا لفظه في الأمهات، ونقلها عبد الحق بلفظ وقال ربه: ما دفعت إليك شيئا، عبد الحق فهذا مثل قوله في الثوب: سرق مني، ثم ذكر قول ابن القاسم وقول الغير، وهل هو خلاف أو وفاق؟ نقله الحطاب. والظاهر أن المؤلف حمله على الخلاف وترك قول ابن القاسم لترجيح قول الغير عنده. انتهى. وعلى أنه خلاف وهو الظاهر اعترض قول ابن القاسم بأن دفع سويقه ملتوتا يؤدي لبيع طعام بطعام متفاضلا، وأجيب عن ابن القاسم بأنه ليس فيه التأدية المذكورة إذ الصانع يقول: لم أتعَدَّ فيما فعلته في طعامك حتى يجب علي مثله، بل لتَتُّهُ بإذنك فلم أدفع إليك إلا ما تملكت وأنت ظلمتني في دفع العوض، فإذا أبى الصانع من دفع المثل سلم الملتوت لربه ولا شيء له كما مر، وهذا واضح على أن اللت غير ناقل، وأما على أنه ناقل فكيف يقول أشهب بعدم جوازه ملتوتا مع ما فيه من التفاضل بين الطعامين؟ إلا أن يكون أشهب يقول: إنه غير ناقل، وعلم مما قررت
стр. 7496
أن قوله: لا إن تخالفا في لت السويق لخ، عام في دعوى السرقة وغيرها، وقال الشبراخيتي: وهل قول ابن القاسم وقول الغير متخالفان أو متوافقان؟ فيحمل كلام ابن القاسم على ما إذا رضي ربه بأخذه ملتوتًا، وكلام غيره على ما إذا لم يرض تأويلان. اهـ. وكلام المص في هذه في المثلي وفيما قبلها في القوم، وفي الخرشي وغيره: يفهم، مما تقدم أنه إذا ثبت تعدي الصانع فليس لربه إلا أخذ مثله؛ لأن من غصب مثليا وفات له مثله، واللت فوت. اهـ. ثم ذكر مسائل ثلاثا في اختلاف الجمال والمكتري، الأولى في قبض الأجرة وعدمه، والثانية في المسافة، والثالثة فيها وفي قدر الأجرة، وبدأ بالأولى فقال عاطفا على الأجير:
وله وللجمال بيمين في عدم قبض الأجرة: الضمير في له يرجع إلى الأجير؛ يعني أن الأجير إذا طلب أجرته وقال رب المتاع: قد دفعتها إليك، فإن القول قول الأجير بيمينه، وكذلك إذا تنازع الجمال مع صاحب المتاع في عدم قبض الأجرة بأن قال الجمال: ما قبضت أجرتي، وقال صاحب المتاع: بل أقبضتها لك، فالقول قول الجمال مع يمينه أنه ما قبض الأجرة حيث كان الاختلاف قبل بلوغ الغاية، بل وإن كان اختلافهما بعد أن بلغا الغاية؛ أي البلد الذي تكاريا إليه. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: والقول له أي للأجير ويحتمل لرب الدار والأرض؛ لأن الكلام في كرائهما، وكذا للجمال بيمين من كل في عدم قبض الأجرة إن ادعاه كل على الآخر، وظاهره ولو كان العرف التعجيل، وتقدم في البيع "وفي قبض الثمن والسلعة فالأصل بقاؤهما إلا لعرف" لخ، والظاهر إجراء مثله هنا لتوافق الإجارة والبيع في أكثر المسائل، وظاهره أيضا ولو كانت الأجرة معينة وكانت دعواه تؤدي إلى الفساد ودعوى المكتري تؤدي إلى الصحة، وتقدم في البيع خلافه. اهـ. وقال عبد الباقي: وله وللجمال بيمين في عدم قبض الأجرة وإن بلغا الغاية التي تكاريا إليها إلا لعرف بتعجيلها أو كانت معينة ودعواها تؤدي للفساد ودعوى المكتري للصحة، كذا يظهر في هذين قياسا على ما مر في البيع لموافقة الإجارة له في أكثر المسائل. اهـ. إلا لطول؛ يعني أن محل ما مر حيث لم يسلم المتاع لربه أو بعد تسليمهِ له في القرب كيوم أو يومين، وأما لو سلم الأجير أو الجمال الأمتعة للمكتري وبعد ذلك بطول قال الأجير أو الجمال: لم أقبض الأجرة، وقال المكتري وهو مالك الأمتعة: قبضتها، فإن القول حينئذ للمكتري بيمين، قال المواق: من المدونة قال
стр. 7497
مالك: وإذا قال المكتري دفعت الكراء وأكذبه الجمال وقد بلغ الغاية فالقول قول الجمال مع يمينه إن كانت الأحمال بيده أو بعد أن سلمها للمكتري بالقرب كيوم أو يومين وعلى المكتري البينة، فإن تطاول ذلك فالمكتري مصدق مع يمينه، قال مالك: وكذلك قيام الصناع بالأجرة بحدثان رد المتاع، وإن قبض المتاع ربه وتطاول ذلك فالقول قول رب المتاع وعليه يمين. اهـ. ولو قال المؤلف: ولمستحق الأجر بيمين في عدم قبضه لكان أخصر وأشمل بل لو اقتصر على قوله: وله بيمين، مع جعل الضمير للمؤجر لأفاد ذلك، والمتبادر من قوله: وإن بلغا الغاية، رجوعه لمسألة الجمال فقط، ويجوز أن يرجع لمسألة الأجير أيضا الشامل للصانع، وبلوغ الغاية بالنسبة إليه استيفاء العمل في المصنوع قاله الخرشي وقد علمت أن الاختلاف هنا في قبض الأجرة وعدمه، وقوله في الأجرة الاختلاف في قدرها.
تنبيه: قال الخرشي: لو قامت بينة جمال على إقرار المكتري بأن الأجرة في ذمته فإنه لا يقبل قوله في دفعها ولو بعد طول من شهادة البينة، قال الشارح: ومعناه إذا شهدت البينة على إقراره يعدم تسليم الأمتعة له، وأما قبل ذلك فالقول قول المكتري؛ لأن من حجته أن يقول: لم يسلم إليَّ الأمتعة إلَّا بعد أخذ أجرته. اهـ. وقال الحطاب: قال في كتاب الرواحل: قال ابن القاسم: وإن قال المكتري دفعت الكراء، وأكذبه الجمال وقد بلغ الغاية فالقول قول الجمال إن كانت الحمولة بيده أو بعد أن سلمها بيوم أو يومين وما قرب وعلى المكتري البينة، وكذلك الحاج إن قام الكري بعد بلوغهم ما لم يبعد صدق مع يمينه، فإن تطاول ذلك فالمكتري مصدق مع يمينه إلا أن يقيم الجمال بينة، وكذلك قيام الصناع بحدثان رد المتاع، فإن قبض المتاع ربه وتطاول ذلك فالقول قول رب المتاع وعليه اليمين. انتهى. فقول المؤلف: وله أي وللأجير، ويشير إلى قوله في المدونة: وكذلك قيام الصناع إلى آخره، وقوله: إلا أن يقيم الجمال بينة، معناه على إقرار المكتري أنه لم يدفع إليه شيئا فيقضى بها. اهـ. وقال الحطاب: ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: وله، راجعا لرب الدار، والحكم في المسألة كذلك. اهـ. وقال عبد الباقي: إلَّا لطول بعد تسليم الجمال الأمتعة لربها فلمكتريه القول بيمين وإن ادعى أنه دفع بعد تسليم الأمتعة، قال أحمد: وانظر ما حد الطول؟ وفي الشارح عن المدونة ما يفيد أنه ما زاد على اليومين وما قاربهما
стр. 7498
بعد تسليم الأحمال لربها الذي هو المكتري. اهـ. وفي نقل الخرشي عن بعض الشراح: أن الطول والقصر هنا بالعرف. اهـ. ثم ذكر المسألة الثانية وهي اختلافهما في المسافة فقط بقوله:
وإن قال الجمال: أكريتك جمالي بمائة لبرقة القريبة، وقال المكتري: بل اكتريتها بمائة لإفريقية البعيدة، وإفريقية القيروان ولم يذكر المبدأ لاتفاقهما عليه حلفا وبدئ الجمال لأنه بائع، وفسخ عقد الكراء إن حكم به كما في اختلاف المتبايعين إن عدم السير جملة أو قل السير بحيث لا ضرر على الجمال في رجوعه ولا على المكتري في طرح متاعه. قاله التتائي. وظاهره ولو أكرى على متاعه لعوده، وبالغ على الحكمين المذكورين بقوله: وإن نقد؛ أي فلا يكون القول للجمال بسبب أنه انتقد الكراء فلا يترجح قوله بالنقد في هذه وهو قول ملك في المدونة، وقال غيره فيها: إن انتقد الجمال وكان يشبه ما قال فالقول قوله. قاله التتائي. وقوله: وإن نقد ولا يراعى في هذه شبه ولا عدمه بدليل إطلاق المص هنا وتفصيله في الآتية. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: المنازعة هنا في المسافة فقط، والمعنى أن الجمال وصاحب المتاع إذا تنازعا في المسافة فقال الجمال: وقع الكراء بيننا إلى برقة وهي القريبة بمائة، وقال صاحب المتاع: بل لإفريقية البعيدة بالمائة، فإنهما يتحالفان ويبدأ صاحب الظهر باليمين لأنه بائع، ثم يفسخ الكراء إن عدم السير أي قبل أن يسير شيئا من المسافة أو سار شيئا يسيرا بحيث لا ضرر على الجمال في رجوعه ولا ضرر على صاحب المتاع في طرح متاعه، ولا فرق حينئذ بين أن يكون صاحب المتاع دفع الأجرة للجمال أو لا، فالضمير في قال الأول للجمال، وفي الثاني للمكتري، ولو حذف عدم مع أو وقدم لفظ قل على السير فقال: إن قل السير لكان مناسبا لمرامه من الاختصار لاستفادة ما إذا عدم السير من قوله: إن قل السير، بالأولى ثم إنه لا ينظر إلى دعوى شبه كما دل عليه إطلاق المؤلف هنا وتفصيله فيما بعده، وهذا على أصل ابن القاسم في اختلاف المتبايعين أنه لا يراعى الأشبه مع قيام السلعة وليس هنا مفوت، خلافا لابن عبد الملك وابن حبيب وابن وهب، وإفريقية بكسر الهمزة وتشديد الياء وتخفيفُها أكثر والمراد بها القيروان أي المدينة المخصوصة، وقصد المؤلف بالمبالغة بقوله: وإن نقد، رد قول غير ابن القاسم: إن الجمال يعمل بقوله إذا أشبه وانتقد. اهـ.
стр. 7499
وإلا بأن اختلفا في المسافة فقط بعد سير كثير أو بلوغ الغاية على دعوى الجمال، فالحكم في هذه المسألة حينئذ كالحكم في مسألة فوت المبيع، فيقبل قول المكتري إن أشبه وحده بيمينه نقد الكراء أم لا، ولزم الجمال ما قال، إلا أن يحلف الجمال على ما ادعى فيكون له حصة مسافة برقة على دعوى المكتري، ويفسخ الباقي، وأما إن أشبها ففيه تفصيل يذكر قريبا، وبهذا التقرير علم أن التشبيه غير تام لأنه مع فوات المبيع القول للمشتري إن أشبه، أشبه الآخر أم لا، وليس المكتري هنا كذلك، وأن قوله الآتي: حلف المكتري ولزم الجمال ما قال إلا أن يحلف لخ، يرجع لهذه أيضا. قاله عبد الباقي وغيره.
وللمكري في المسافة فقط إن أشبه قوله فقط أو أشبها وانتقد، قد مر عند قوله: وإلا فكفوت المبيع، أن القول قول المكتري حيث أشبه وحده، وتكلم في هذه على ما إذا أشبه المكري أو أشبها معا وانتقد المكري، والموضوع بحاله من اختلافهما بعد سير كثير، ومعنى كلامه أن المكري والمكتري إذا اختلفا في المسافة فقط كما هو فرض المسألة وأشبه قول المكري فقط وهو الجمال وقد سار كثيرا أو بلغ برقة التي هي القريبة فالقول قوله أي الجمال وهو المكري، وسواء انتقد الكراء أم لا، وكذلك يكون القول قول الجمال إن أشبها معا والحال أنه انتقد الكراء لترجيح جانبه بالنقد فقوله: وللمكري لخ، كأنه قال: فالقول للمكتري إن أشبه فقط وللمكري إن أشبه فقط انتقد فيهما أم لا، وقوله: أو أشبها وانتقد؛ أي إذا أشبها في هذه الحالة أي بعد سير كثير أو بلوغ برقة القربية فالقول للمكري حيث انتقد الكراء.
وإن لم ينتقد الجمال الكراء فيما إذا أشبها وكان التنازع في المسافة فقط بعد سير كثير أو بلوغ برقة القريبة حلف المكتري على ما قال من أن المسافة إلى إفريقية بالمائة، وإذا حلف المكتري لزم الجمال ما قال المكتري فتلزمه المائة مع إيصاله إلى إفريقية، إلا أن يحلف الجمال على ما ادعى من برقة فلا يلزمه تبليغه لإفريقية وإذا لم يلزمه فله أي للجمال حينئذ حصة المسافة التي سارها كثيرًا أو بلغا برقة على دعوى المكتري أن المائة إلى إفريقية، فيقال: ما حصة بلوغ برقة من المائة؟ فإن قيل: النصف مثلا، أعطي للجمال النصف. وفسخ الباقي بعد برقة، وأما بعد السير
стр. 7500
الكثير وقبل برقة فلا بد من إيصاله لبرقة، هذا الذي صرح به الأئمة، وصرح به الرجراجي في عين هذه المسألة وفي التي بعدها.
وإن لم يشبها والحال أن تنازعهما بعد سير كثير حلفا وفسخ بكراء المثل فيما مشى؛ يعني أنه إذا لم ينت به قول واحد منهما فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وله كراء المثل فيما مشى ويقضى للحالف على الناكل، وقد علمت أن هذا بعد سير كثير. قال الخرشي عن الأجهوري: وظاهر كلام ابن يونس أنهما يتحالفان ويتفاسخان فيما إذا لم يشبها وإن لم يبلغا الغاية الأولى، وفي كلام ابن رشد خلافه، فإنه قال: الثاني من الأوجه أن لا يشبه قول واحد منهما فإنما يتحالفان ويتفاسخان في المسألة ويكون على المكتري في المسافة التي اتفقا عليها كراء مثلها، وكذا الحكم إن نكلا معا. انتهى. فهذا يفيد أنهما لا يتحالفان ويتفاسخان قبل بلوغ الغاية الأولى، وهو واضح حيث لم يتفقا على التحالف والتفاسخ قبلها، وإلا عمل بما اتفقا عليه، وكلام ابن يونس يفيد أنهما يتحالفان ويتفاسخان قبل وصول المسافة الأولى، ولو طلب أحدهما المشي إلى المسافة الأولى وأبى الآخر، وهو ظاهر كلام المؤلف. اهـ. وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين النقد وعدمه مع عدم الشبه لهما.
تنبيهات: الأول: تلخيص هذه المسألة أن تقول: إن عدم السير أو قل حلفا وفسخ، انتقد الجمال الكراء أم لا، ولا يراعى شبه ولا عدمه على قول مالك في المدونة، وقال غيره: إذا انتقد الجمال وأشبه كان القول قوله، وأما بعد سير كثير أو بلوغ برقة فإن أشبه قول المكتري فقط فالقول قوله انتقد الجمال الكراء أم لا، فيلزم الجمال ما قال المكتري من إفريقية، إلا أن يحلف الجمال على ما ادعى من المسافة الكثيرة فيكون له حصة مسافة برقة على دعوى المكتري ويفسخ الباقي، وإن أشبه قول المكري فقط فالقول قوله بيمينه انتقد الأجرة أم لا، فلا يلزمه إلا تبليغه لبرقة بالمائة، وإن أشبها معا فإن انتقد الجمال فالقول قوله بيمين أيضا فلا يلزمه إلا تبليغه لبرقة القريبة بالمائة، وإن لم ينتقد حلف المكتري ولزم الجمال ما قال المكتري إلا أن يحلف الجمال على ما ادعى من المسافة القريبة فله حصة برقة على دعوى المكتري أن المائة إلى إفريقية وفسخ الباقي،
стр. 7501
وإن لم يشبه واحد منهما تحالفا وتفاسخا، ويكون له كراء المثل فيما مشى، وسواء انتقد أم لا، ويقضى للحالف على الناكل، ونكولهما كحلفهما.
الثاني: قوله: وللمكري في المسافة فقط، قال فيه ابن غازي: قد كان المص في غنى عن أن يقول: في المسافة فقط. انتهى. ولعله مقدم من ناسخ المبيضة، ومحله بعد قوله: فإن نقده فالقول للجمال فيما يشبه لخ؛ لأن المراد به أن القول للجمال في المسافة فقط لا في دعوى أن الكراء بمائة. قاله البناني. وإنما كان المص في غنى عن قوله: في المسافة فقط؛ لأنها هي الموضوع، ولذا قال عبد الباقي: وأتى بهذه وإن كانت موضوع المسألة لأجل قوله: إن أشبه لخ. اهـ.
الثالث: قال ابن يونس: تلخيص هذه المسألة وبيانها على أصل قول ابن القاسم أن تنظر فإن أشبه قول المكري خاصة فالقول قوله انتقد أو لم ينقد، وإن أشبه قول المكتري خاصة فالقول قوله نقد الكراء أو لم ينقد، وإن أشبه ما قالا جميعا نظرت فإن انتقد الكراء فالقول قول المكري وإن لم ينتقد فالقول قول المكتري، وإذا كان القول قول المكري فيحلف ويكون له جميع الكراء، وإذا كان القول قول المكتري حلف ولزم الجمال ما قال، إلا أن يحلف على ما ادعى فيكون له حصة مسافة برقة على دعوى المكتري ويفسخ عنه الباقي، وإن لم يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وكان له كراء المثل فيما مشى، وأيهما نكل قضي لمن حلف. انتهى.
الرابع: قال الرهوني عند قول المص وفسخ بكراء المثل فيما مشى، ظاهر المص أنه لا يلزمه أن يبلغه إلى المسافة المتفق عليها، وظاهره كان في مستعتب أم لا، ثم نقل عن الرجراجي النص في ذلك فقال عنه: فإن لم يشبها فلا يخلو إما أن يكون في مستعتب أم لا، فإن كان في مستعتب بحيث يجد، [ما يكتري] (١) فالتحالف والتفاسخ بينهما في الحال، ومن نكل منهما قضي لصاحبه عليه، وإن لم يكونا في مستعتب فهل يقع التحالف بينهما ويكون له من المسافة كراء المثل أو لا بد أن يبلغا رأس المسافة أو يجدا مستعتبا دونه؟ قولان، الأول لابن القاسم على ظاهر ما في كتاب الرواحل، والثاني للغير على ظاهر ما في كتاب الأرض، ويكون له في الجميع كراء المثل، ولا فرق
стр. 7502
عند ابن القاسم بين الدابة المعينة والمضمونة. اهـ. قال الرهوني: وهو نص في عين النازلة، لكن قال أبو علي: وقول الرجراجي: إذا كان في غير مستعتب يفسخ الكراء على ظاهر قول ابن القاسم، غير صحيح إلى آخر كلامه. واللَّه تعالى أعلم. ثم ذكر المسألة الثالثة وهي تخالفهما في المسافة، وفي قدر الكراء معا بقوله:
وإن قال: أكريتك للمدينة بمائة وبلغاها، وقال: بل لمكة بأقل؛ يعني أنهما إذا اختلفا في المسافة وفي قدر الأجرة معا، فإن عدم السير أو قل فإنهما يتحالفان ويتفاسخان كما في التي قبلها، وإن كان اختلافهما بعد أن بلغا الغاية أو سارا كثيرا فإن قال الجمال: أكريتك للمدينة القريبة بمائة والحال أنهما بلغاها يريد أو سارا كثيرا، وقال المكتري: بل اكتريت الجمال لمكة البعيدة بأقل من ذلك كخمسين، فلا يخلو ذلك من أن يكون المكتري نقد الكراء للمكري أو لا، فإن نقده المكتري الخمسين فالقول للجمال فيما يشبه، يريد مع شبه المكتري أيضا بدليل ذكره بعد ذلك شبه الجمال وحده، وحلفا أي يحلف الجمال ما أكريتك إلا للمدينة بمائة، ويحلف المكتري إنما اكتريت منك لمكة بخمسين. وفسخ العقد بينهما فيما بقي، فإن نكل المكتري كان القول قول المكري ويأخذ ما ادعاه، وقوله: وفسخ، مرتب على حلف الجمال، ولا يتوقف على حلف المكتري، وإنما حلف لإسقاط خمسين عنه على دعوى الجمال. قاله عبد الباقي. وقال عند قوله: وحلفا ما نصه: وعمل بقول الجمال [بترجيح] (١) جانبه بالنقد ودعواه الشبه في المسافة التي بلغاها، فيحلف لإسقاط زائد المسافة والمكتري لإسقاط خمسين عنه ولزوم خمسين فقط له ويبلغه المدينة بعد السير الكثير. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن اختلفا في المسافة وقدر الأجرة بأن قال الجمال: أكريتك للمدينة بمائة وبلغاها؛ أي والحال أنهما بلغاها يريد أو سارا كثيرا وإن لم يبلغاها بأن عدم السير أو قل تحالفا وتفاسخا؛ يعني كما في التي قبلها، ولا يراعى شبه ولا عدمه، ولم يتعرض لما إذا لم يشبه واحد منهما وحكمها فيه أيضا حكم التي قبلها؛ يعني قوله المار: وإن لم يشبها حلفا وفسخ بكراء المثل فيما مشى، ولم يتعرض أيضا لما إذا أشبه قول
стр. 7503
المكتري فقط، وسواء نقد أم لا، وحكمها حكم ما إذا أشبها ولم ينقد، ولذا قال الشيخ أبو الحسن: إن حكم هذه المسألة حكم المسألة السابقة. انتهى؛ يعني قوله: وإن لم ينقد فالقول للجمال، وذكر مفهوم قوله إن نقده بقوله:
وإن أشبها ولم ينقد المكتري الخمسين للجمال فالقول للجمال في المسافة التي ادعاها، ويبلغه المدينة بعد السير الكثير، لا في ما ادعى من الكراء بدليل قوله: والقول للمكتري في حصتها؛ أي المدينة مما ذكر المكتري من مسافة مكة لكن بقول أهل المعرفة، ولا يقبل قوله في أنه لمكة لأن عدم بلوغ المسافة التنازع فيها يرجح قول المكري، وعدم النقد يرجح قول المكتري، بعد يمينهما، فيحلف الجمال ما أكريتك إلا للمدينة بمائة، ويحلف المكتري اكتريت لمكة بخمسين، ويأخذ الجمال حصة المسافة بأن يقال: ما تساوي حصة المدينة من ابتداء السير إلى مكة باعتبار السهولة والوعورة والأمن والخوف؟ فيقال: الربع أو النصف مثلا، فيعطى الجمال من الخمسين بتلك النسبة نصفا أو ربعا أو غيرهما.
وإن أشبه قول المكري فقط في المائة للمدينة فالقول له أي للمكري وهو الجمال بيمين، نقد أم لا، فيأخذ المائة ولا يلزمه غير مسافة المدينة ولو حلف المكتري. قاله عبد الباقي. وقال: وقد اختصر المص الكلام في هذه المسألة تبعا للمدونة فلم يذكر ما إذا تخالفا قبل الركوب أو بعده بعد سير يسير اعتمادا على ما مر في المسألة الأولى من التحالف والتفاسخ، وأما بعد سير كثير فتقدم أنه كبلوغ المدينة، وسكت أيضا عما إذا أشبه المكتري فقط نقد أم لا، وحكمه كما إذا أشبها ولم ينقد، وعما إذا لم يشبه واحد منهما لمساواة حكمها أيضا للمسألة التي قبل هذه من التحالف والتفاسخ بكراء المثل فيما مشى، وترك هناك بلوغ الغاية اتكالا على ما هنا، وهذا صنع عجيب. اهـ. وتحصل مما مر على سبيل الاختصار أنه إن عدم السير أو قل تحالفا وتفاسخا، وأما بعد سير كثير أو بلوغ المدينة فإنه إذا أشبها وانتقد الجمال فإن القول قوله بالنسبة للمسافة كخمسين فيبلغه بخمسين ويبلغه للمدينة بعد سير كثير ويحلف المكتري لإسقاط الخمسين، فإن لم يحلف أخذ الجمال المائة، وأنه إن أشبه المكتري فقط نقد أم لا أو أشبها ولم ينقد فإن القول للجمال في المسافة فلا يتجاوز به المدينة، وأن القول للمكتري في حصة المدينة مما ذكر المكتري من المسافة
стр. 7504
لمكة فتكون الأجرة خمسين من مبدأ ما سار إلى مكة، وللجمال من الأجرة حصة المسافة إلى المدينة إن كانت نصفا فله نصف الخمسين وهكذا، وأنه إن أشبه المكري فقط فالقول له بيمين، فيأخذ المائة ويبلغه المدينة بعد سير كثير. والله تعالى أعلم.
فرع: قال الإمام الحطاب: إذا اختلفا فيمن يبدأ باليمين فإنهما يقترعان، نقله أبو الحسن الصغير. وإن أقاما بينة قضي بأعدلهما؛ يعني أنه إذا أقام كل واحد من الجمال والمكتري بينة على ما قال فإنه يقضى بأعدل البينتين، قال عبد الباقي: وإن أقاما أي أقام كل واحد ولذا لم يقل بينتين، بل قال: بينة على ما ادعاه قضي بأعدلهما، كان ذلك قبل الركوب أو بعد [بلوغ] (١) المدينة: وهذا راجع للباب بتمامه، وكذا يقضى بالعادلة دون الفاسقة، وإلا بأن تكافأتا في العدالة سقطنا وصارا كمن لا بينة له، فأجْرِهِما على ما مر يا فَتى. وكما يقضى بأعدلهما يقضى بذات التأريخ وبتقدمه. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: إنما نبه على هذه المسألة وإن كان الحكم في تعارض البينتين كذلك لينبه على قول غير ابن القاسم في المدونة، فإنه قال: أقبل بينة كل منهما إذا كانت عادلة لأن كل واحد منهما ادعى فضلة أقام عليها بينة، فأقضي بأبعد المسافتين وبأكثر الثمنين، وليس هذا من التهاتر أي التعارض، وسواء انتقد أو لم ينتقد، والله تعالى أعلم. اهـ.
مسألة: قال الحطاب: قال في كراء الرواحل: وإن طلب الجمال نقد الكراء قبل الركوب أو بعد السير القريب فامتنع المكتري حُمِلَا على سنة الناس في نقد الكراء وتأخيره، وإن لم يكن لهم سنة كان كالسكنى لا يعطيه إلا بمقدار ما سكن، وإن عجل الكراء من غير شرط فلا رجوع له فيه، فإن أراد أحدهما نقد البلد الذي بلغا إليه وطلب الآخر نقد بلد التعاقد قضي بنقد البلد الذي عقد فيه الكراء. اهـ. فائدة: قال أبو الحسن: يقال: الكري والمكاري والمكري لِبائعِ المنافع، ويقال: المكتري والمتكاري لمشتريها، فحيث دخلت التاء فهو مشتر للمنافع، وجمع المكري مُكْرُون، وجمع الكري أكرياء، وجمع المكتري مكترون. اهـ. قاله الحطاب. وقوله: بينة، هو في بعض النسخ، وفي بعضها بينتين بالتثنية وهي ظاهرة. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ويستفاد من
стр. 7505
كلامه هنا أنه يرجح بالتاريخ وتقدمه وذلك لأن التاريخ وتقدمه، يقدمان على زيادة العدالة كما ستعرفه، وقد ذكر هنا أنه يرجح بزيادة العدالة فيرجح بهما بالأولى. انتهى.
وإن قال: اكتريت عشرًا بخمسين، وقال: بل خمسا بمائة حلفا وفسخ؛ يعني أن من اكترى أرضا أو دارا سنين ثم تنازعا في قدر المدة والأجرة، فقال المكتري: اكتريت عشر سنين بخمسين، وقال رب الأرض أو الدار: بل خمس سنين بمائة، يريد ولا بينة لواحد منهما فإنهما يتحالفان ويبدأ صاحب الأرض باليمين، فيحلف على ما ادعاه، ويحلف المكتري على ما ادعاه ويفسخ العقد، وذلك قبل أن يزرع المكتري شيئا من المدة أي بأن تحالفا بحضرة العقد، ولا يراعى في هذا نقد ولا عدمه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن قال اكتريت عشرا من فدادين أو سنين لأرض زرع أو لبيت بخمسين دينارا، أو قال المكتري: بل خمسا بمائة، حلفا ويبدأ صاحب الأرض أو الدار باليمين، والموضوع أن التنازع قبل الزرع والسكنى، ولا يراعى هنا نقد ولا عدمه وفسخ العقد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن قال المكتري لأرضٍ أو دار مثلا: اكتريت منك عشرا من السنين أو من الأفدنة بخمسين، وقال ربها: بل اكتريت مني سنين أو أفدنة خمسا بمائة، ولا بينة لهما حلفا وفسخ العقد إن كان تحالفهما بحضرة العقد كما في المدونة، وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: إذا قال المكتري: اكتريت الأرض عشر سنين بخمسين دينارا، وقال ربها: خمس سنين بمائة دينار، فإن كان بحضرة الكراء تحالفا وتفاسخا. انتهى. والمراد بحضرة الكراء كونه قبل الزرع والسكنى، ولهذا قال:
وإن كان تنازعهما بعد أن زرع المكتري بعضا أو سكن بعضا والحال أن المكتري لم ينقد الكراء للمكري فلربها بحساب ما أقر به المكتري من الأجرة فيما مضى من المدة إن أشبه المكتري أشبه ربها أم لا وحلف؛ أي المكتري، قال الخرشي: يعني إذا كان تنازعهما بعد أن زرع المكتري بعض المدة أو سكن الدار بعض المدة والحال أنه لم ينقد من الكراء شيئا فلربها ما أقر به المكتري فيما مضى من المدة؛ لأن المكتري ترجح جانبه بعدم النقد واستيفاء المنفعة ودعوى الشبه، ويحلف على ما أقر به، وسواء أشبه قول المكري أم لا، قوله: فلربها أي فلربها بحساب ما أقر به المكتري. انتهى. وقوله: فلربها ما أقر به المكتري لخ، هو خمسة في كل سنة فيما إذا ادعى
стр. 7506
الاكتراء عشر سنين بخمسين دينارا، فإذا زاد سنة أو سكن الدار سنة وتنازعا حينئذ فإنه يكون للمكري في تلك السنة خمسة لأنه إنما أقر بخمسين في مقابلة عشر من السنين تنوب كل سنة خمسة. واللَّه تعالى أعلم.
وإلا يشبه المكتري حلف أم لا أو أشبه ولم يحلف فالقول قول ربها؛ أي الذات المستأجرة إن أشبه ربها وحلف، فلرب الأرض أو الدار فيما مضى من المدة على حساب ما قال رب الأرض، فإذا زرع أو سكن سنة وتنازعا حينئذ فإنه يكون لرب الأرض أو الدار عشرون لأنها التي تنوب سنة فيما إذا قال ربها: إنه أكراها خمسا بمائة، وعلم مما قررت أن قوله وإلا فقول ربها إن أشبه وحلف، شامل لثلاث صور. وإن لم يشبها حلفا؛ يعني أنه إذا زرع بعضا أو سكن بعضا والحال أن المكري والمكتري لم يشبه واحد منهما فيما ادعاه فإنهما يتحالفان، وإذا تحالفا وجب كراء المثل فيكون له فيما زرع أو سكن كراء المثل. وقوله: فيما مضى، يتنازع فيه جميع العوامل السابقة.
وفسخ الباقي مطلقا، فسره الشارح بجميع الصور أشبها أو أحدهما أم لا، والبساطي بقوله: أشبه أحدهما أم لا، واشتمل كلام المص على أربعة أوجه: أن يشبه قول المكتري فقط، أو يشبها، الثالث: أن لا يشبه المكتري أو يشبه ولم يحلف ويشبه المكري ويحلف، والرابع: أن لا يشبها معا. انظر الحطاب. وتحصل في هذه المسألة أنه إذا كان التنازع قبل الزرع أو السكنى حلفا وفسخ، ولا يراعى نقد ولا عدمه ولا شبه ولا عدمه، فإن زرع بعضا أو سكن بعضا ولم ينقد فللمكري ما أقر به المكتري إن أشبه المكتري وحلف أشبه المكري أم لا، فإن لم يشبه المكتري أو لم يحلف فالقول للمكري إن أشبه وحلف، فإن لم يشبها حلفا ووجب كراء المثل، وهذا الذي ذكر في كل الوجوه حاصل فيما مضى من المدة، وأما الباقي فيفسخ في جميع الصور حصل شبه أم لا، وقوله: وإن زرع بعضا ولم ينقد، وأما إذا نقد فهو قوله:
وإن نقد المكتري الكراء للمكري ففي ذلك تردد، في قول ابن القاسم هل هو مخالف لقول ملك موافق لغيره أو هو موافق لقول ملك؟ وذلك أن ابن القاسم في المدونة بعد أن ذكر الأوجه الأربعة المتقدمة قال: وهذا إذا لم ينتقد، قال أبو الحسن: وأما لو نقد لكان القول قول ربها ولا تفسخ
стр. 7507
بقية السنين، فيكون كقول الغير ومخالفا لقوله: ويفسخ باقي المدة على كل حال، وقيل معنى قوله: هذا إن لم ينتقد؛ أي هذا الذي سمعت من ملك ولم أسمع منه إذا انتقد والحكم عندي سواء فيهما. انتهى. والذي قاله الغير هو أنه إذا انتقد وأتى رب الأرض بما يشبه أوأتيا معا بما يشبه لا ينفسخ الكراء فيكون في هذين الوجهين مخالفا لما تقدم فيما إذا لم ينقد، فمن الشيوخ من حمل قول ابن القاسم: وهذا إذا لم ينتقد، على معنى أنه، وأما إذا انتقد فلا يفسخ يريد في هذين الوجهين، ويكون قول ابن القاسم موافقا لقول الغير، ومنهم من يرى أن مذهب ابن القاسم أنه يفسخ مطلقا، ويكون قول الغير خلافا، وهو تأويل ابن يونس. انظر الحطاب. وبه تعلم أن المحل للتأويلين لا للتردد. اهـ. قاله البناني. وفي الحطاب بعد أن قال: وهذا تأويل ابن يونس فإنه قال: هذا الذي ذكر الغير موافق لقول ابن القاسم إلا قوله: إذا أشبه قول ربها أو أشبه ما قالا أن المكتري يلزمه أن يسكن ما أقر به المكري، فهذا يخالفه فيه ابن القاسم ويرى أنهما يتحالفان ويتفاسخان في بقية المدة. اهـ. وقال عبد الباقي: ثم ذكر قسيم قوله: ولم ينقد، فقال: وإن نقد وأشبها أو المكري فقط فتردد، هل هو كالمتقدم في قبول قول ربها ووجوب كراء المثل فيما مضى وفسخ الباقي أو يعمل بقول المكري ولا فسخ ويلزم المكتري جميع الكراء؟ وأما إذا نقد ولم يشبها أوأشبه المكتري فقط فحكم ذلك كحكم ما قدم فيما إذا لم ينقد. اهـ. قول الزرقاني: ووجوب كراء المثل فيما مضى لخ، فيه نظر؛ إذ الذي تقدم في شبههما وشبه رب الأرض وجوب الكراء بحساب ما قال. انتهى. قال الرهوني: قول البناني: إذ الذي تقدم له في شبههما وشبه رب الأرض وجوب الكراء بحساب ما قال. انتهى؛ يعني أنه إذا لم يحلف المكتري وحلف رب الأرض، هذا مراده وهو الذي تقدم للزرقاني. تأمله. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى. وإيضاح قوله: وإن نقد فتردد، أن ابن القاسم قال في المدونة بعد أن ذكر الأوجه الأربعة: وهذا إذا لم ينتقد، واختلف في قوله: هذا، هل هو مخالف لقول الإمام ويفسخ باقي المدة على كل حال؟ فيكون مفهومه أنه لو انتقد وأشبه رب الأرض أو أشبها معا لكان القول قول رب الأرض، وعلى هذا فهو موافق لقول الغير في المدونة القائل: إنه إذا انتقد لا يفسخ باقي المدة في الوجهين، أو موافق لقول الإمام مخالف للغير فالحكم عنده فسخ بقية المدة في الوجهين، فيكون معنى قوله: هذا إذا لم ينتقد؛ أي هذا الذي
стр. 7508
سمعت من مالك ولم أسمع منه إذا انتقد، والحكم عندي سواء فيهما، واعترض هذا التأويل بقول الإمام: إن رب الأرض والدابة والدار مصدق في الغاية فيما يشبه وإن لم ينتقد؛ إذ هذا الكلام يظهر منه أنه مصدق إذا انتقد من باب أولى، وهذا يعطي سماعه للوجهين. قاله الحطاب فالإمام سواء النقد وعدمه عندة في الأوجه الأربعة فيفسخ الباقي عنده في جميعها، والغير يقول إذا انتقد وأشبها أوأشبه المكري لا يفسخ بقية المدة والقول لرب الأرض والدار، ويوافق في الوجهين الأخيرين، وهما: ما إذا نقد ولم يشبها، أوأشبه المكتري فقط، كما يوافق في جميعها حيث لم ينقد، واختلف في قول ابن القاسم: وهذا إذا لم ينتقد هل هو خلاف لقول الإمام موافق للغير؟ أو موافق للإمام مخالف للغير، وهو معترض كما علمت. وحاصلُ هذا الإيضاح أن تقول: وإن نقد وأشبها أو أشبه المكري فقط فتردد، هل هو كما مر فيما إذا لم ينقد؟ فيفسخ بقية المدة، فيوافق قول ابن القاسم قول الإمام، أو لا فسخ في الوجهين حيث نقد، فيخالف ابن القاسم الإمام ويكون موافقا للغير، وأما إذا نقد ولم يشبها أو أشبه المكتري فقط فحكم ذلك كما مر فيما إذا لم ينقد. واللَّه سبحانه أعلم.
تنبيه: قال ابن الحاجب: وكل من أوصل نفعا من عمل أو مال بأمر المنتفع أو بغير أمره مما لا بد له منه بغرم فعليه أجرة العمل ومثل المال، بخلاف عمل يليه بنفسه أو بعبده، أو مال يسقط مثله عنه، التوضيح: أوصل يريد ولو بغير قصد كما قالوا فيمن حرث أرض غيره أو حصد زرعه أو قطع ثوبه أو خاطه أو طحن قمحه بغير أمره، ومثال المال لو أنفق على زوجته أو ولده أو عبده، وسواء كان ذلك بأمر المنتفع أو بغير أمره، وقوله: من عمل أو مال، تبيين للنفع، وقوله: مما لا بد له منه؛ أي بشرط أن يكون ذلك الواصل مما لا بد منه للمنتفع به، وقوله: منه بغرم، شرط فيما يرجع به، واحترز به من أن يعمل عملا لا يحتاج إليه أو يتولاه صاحبه بنفسه فلا غرم عليه، أو ينفق على من لا يلزمه الإنقاق عليه، أو ينفق أكثر من القدر المحتاج إليه؛ المازري: ولا خلاف فيه إذا كان ربه ممن يتولاه بنفسه، وإلا فقد ذكروا خلافا فيمن خاط مثلا
стр. 7509
ثوب غيره بغير إذنه، فقال سحنون: يأخذه ربه ولا شيء عليه لخياطة هذا الفضولي، وقيل: لا يأخذه حتى يغرم لهذا الأقل من قيمة خياطته أو ما يخيطه به هو: قوله: فعليه أجرة العمل أي قيمة المنفعة ومثل المال، هو ظاهر إن كان من ذوات الأمثال. انتهى المراد منه. ولما أنهى الكلام على الإجارة أتبعه بالكلام على الجعل وهو فرع من الإجارة فقال:
стр. 7510
بابٌ: ذكر فيه الجعل وما يتعلق به
وأفرده عن الإجارة ببابٍ لاختصاصه ببعض أحكام، قال النووي: الجعل بضم الجيم ما يجعل للعامل عوضا. وقال في التنبيه: الجعالة بفتح الجيم وكسره وضمه ما يجعل في العمل وقال القاضي عياض: الجعل رخصة وهذا أصل منفرد لا يقاس عليه، وهو أن يجعل الرجل للرجل أجرا معلوما ولا ينقده إياه على أن يعمل له في زمن معلوم أو مجهول مما فيه منفعة للجاعل على خلاف في هذا، على أنه إن كمله كان له الجعل وإن لم يتمه فلا شيء له مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بعد تمامه، وقد أنكر هذا العقد جماعة من العلماء، ورأوا أنه من الغرر والخطر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. مع العمل به من كافة المسلمين، وقوله: ﵊ يوم حنين: (من قتل قتيلا فله سلبه (١)). قال ابن عرفة: وهو رخصة اتفاقا. اهـ. وتمسك غير واحد من أشياخ المذهب في جوازه بقضية الرهط مع الحي الذي لدغ سيدهم، وقضية الرهط ما رواه أبو سعيد الخدري (أنه قال: انطلق رهط من أصحاب المصطفى ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا عندنا لعل أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: إن سيدنا لدغ وقد سعينا له بكل شيء فلم ينفعه شيء، فهل عند أحدٍ منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم واللَّه إني لأرقي ولكن قد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لي جعلا فصالحوه على قطيع من الغنم، قيل: ثلاثون، فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد للَّه فكأنما نشط من عقال يمشي وما به قَلَبَة، فأوفوهم جعلهم (٢)). الحديث. وأيضا فإن الضرورة تدعو إلى ذلك أشد مما تدعو إلى القراض والمساقاة، وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأقطار على قديم الأوقات والأعصار، وقوله: قلبة بالباء الموحدة بعد اللام أي ألم أو علة، وتنظير ابن عرفة في الاستدلال بالحديث يرده قوله في الحديث: حتى تجعلوا لي جعلا، وقد بحث في تنظيره ابن ناجي، وحَدَّ ابن عرفة حقيقته العرفية بقوله عقد معاوضة على عمل آدمي بعوض غير ناشئ
стр. 7511
عن محله به لا يجب إلا بتمامه، وإنما لم يقل بيع عمل آدمي الخ؛ لأن العقد أعم من البيع، والجنس الأقرب البيع كما قال في الإجارة، ولعله لما كانت الإجارة لازمة من الجانبين بخلاف الجعالة ناسب في الإجارة البيع وهنا العقد، وقوله: آدمي، أخرج به كراء السفن وكراء الأرضين والرواحل، وقوله: بعوض غير ناشئ عن محله، أخرج به المساقاة والقراض وشركة الحرث، وقوله: به، قال الشيخ ابن عرفة، ما معناه أنه زيد به خوف نقض عكس الحد أو الرسم بقوله: إن أتيتني بعبدي الآبق فلك عمله كذا أو خدمته شهرا لأنه جعل فاسد لجهل عوضه والمعرف حقيقته المعرضة للصحة والفساد، وبيان ذلك أن التعريف لماهية الجعل المطلق القابل للصحيح والفاسد، ولو اقتصر على قوله: غير ناشئ عن محله، محافظة على طرده لإخراج المساقاة والقراض لأن ما ذكر نشأ عن محل العمل لكان رسمه غير منعكس، فيقال: حافظ على طرده فأخل بعكسه، فإن صورة النقض من الجعالة الفاسدة، وقد شارك (١) القراض فيما خرج به؛ لأن عوضها نشأ عن محل العمل فتكون خارجة، والمقصود دخولها وإن كانت فاسدة، فزاد به لتدخل الصورة المذكورة، وضمير محله عائد على عمل آدمي، وضمير به كذلك، وتقريره عوض من صفته أنه غير مأخوذ عن محل العمل بسبب عمل فاعلها (٢))، فتدخل صورة الجعالة الفاسدة لأن عوضها غير ناشئ عن عمل عاملها، بل أخذ من عمل محلها لا بسبب عمل عاملها، وقوله: ولا يجب إلا بتمامه، الجملة صفة لِعوضٍ أي بعوض موصوف بكونه لا يجب إلا بتمامه، فيخرج بذلك الإجارة في الآدمي لأن عوضها يتبعض على قدر العمل، وانظر ما وجه قوله: معاوضة مع قوله: بعوض؟ ثم إنه يرد على تعريف ابن عرفة ما إذا جاعله على غرس أصول حتى تبلغ حد كذا ثم هي والأرض بينهما نصفان فإن هذا ناشئ عن محله به. قاله الخرشي. وهذه الصورة جائزة، وأجاب عنها الخرشي بأنها ليست من الجعالة إذ المغارسة على هذا الوجه ليست بجعالة منفردة وإنما هي أصل في نفسها، وقال الرهوني: إن مراد ابن عرفة بالمحل الذي وقع فيه العمل قطعا وهو البستان ورأس مال القراض وذات العبد الآبق، وبهذا يظهر لك أنه لا يستغنى عن لفظة به.
стр. 7512
اهـ. وهذا الذي قاله ظاهر جدا. واللَّه سبحانه أعلم. وقال بناني بعد أن ذكر تنظير ابن عرفة في الاستدلال بالحديث ما نصه: وتعقبه ابن ناجي بأن قوله لهم ﵊: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله (١)). يقتضي صرف ما أخذوه للرقية. اهـ. قال الحطاب: والصواب مع ابن ناجي فتأمله. اهـ. وتنظير ابن عرفة هو قوله: في الاستدلال بالحديث نظر لجواز أن يكون ﷺ أقرهم على ما أخذوه من الرقية لاستحقاقهم إياه بالضيافة لأنهم استضافوهم فلم يضيِّفوهم فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية لا لأنه جعل. اهـ. وقد علمت رد ما قال ابن عرفة، والحق ما قال الحطاب وابن ناجي. واللَّه سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وقوله في الحديث: فأوفوهم جعلهم أي الذي صالحوهم عليه، وقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له فقال: (وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهما وضحك النبي ﷺ (٢)). كذا في البخاري، وفي رواية: (فجعل يقرأ أم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ الرجل (٣)). وفي رواية: (فأمر له بثلاثين شاة (٤)) وقوله في الحديث: (حتى تجعلوا لي جعلا) يرد قول ابن عرفة: فيه نظر. اهـ. وقال الرهوني: قول بناني عن التوضيح: الأصل في الجعالة قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، الاستدلال بالآية وقع لابن رشد في المقدمات وغيره، وهو مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، وهو أحد قولين، واستدلال ابن رشد وغيره بذلك يدل على أن ذلك هو الصحيح من القولين، وصرح في المنتقى بذلك فقال: إنه الصحيح. اهـ. وقولُ بناني: وتعقبه ابن ناجي لخ، كلام ابن ناجي الذي أشار إليه هو في شرح الرسالة، وقد تعقبه أيضا البرزلي بنحو ما لابن ناجي، وبحث فيه أيضا الرصاع وابن غازي في تكميله وتصويب الحطاب تعقب ابن ناجي صواب، قلت: ومما يرد ما قاله ابن عرفة: أن أبا سعيد وأصحابه سألوا النبي صلى اللَّه عليه
стр. 7513
وسلم عن حلية ما أخذوه على الوجه المذكور، فإخباره ﷺ بحليته لهم يدل على أنه حلال لهم بما أخذوه به وسألوه عنه لا بالضيافة، وإلا لزم أن يكون النبي ﷺ أقرهم على خطإ وهو اعتقادهم حليته من الوجه الذي سألوه عنه مع عدم بيانه لهم أن سبب الحلية استحقاقهم الضيافة، وهو ﷺ لا يُقِرُّ على باطل، وقال المواق: أركان الجعل أربعة: المتعاقدان، والجعل، والعمل.
صحة الجعل بالتزام أهل الإجازة جعلا علم؛ يعني أن صحة عقد الجعل مشروطة بأن يلتزم المتأهل لعقد الإجارة جعلا أي ثمنا معلوما بأن يلتزم العامل قبوله ويلتزم الجاعل دفعه، والمتأهل لعقد الإجارة قدمه في البيع بقوله: وشرط عاقده تمييز ولزومه تكليف لخ، فالمتأهل لأن يلتزم الجعل هنا هو الرشيد أو المحجور بإذن وليه، وبما قررت اندفع ما يقال، وهو نص التتائي: ظاهر المص أن الشرط قاصر على الجاعل، وليس كذلك بل لا يصح شيء من ذلك إلا من الرشيد أو المحجور بإذن وليه، قال ابن عرفة: شرطه أهلية المعاوضة فيها، وقال ابن شأس وابن الحاجب: شرطهما أهلية الاستئجار والعمل. ابن عبد السلام: يعني بقوله: والعمل، أن عمل الجعالة قد يمنع من بعض الناس كما لو جوعل ذمي على طلب مصحف ضاع، وكذلك الحائض مدة الحيض. ابن عرفة: هذا الامتناع إنما هو شرعي ولا يتم إلا بقصر الجعالة على الجائز منها، والأظهر اعتبارها من حيث ذاتها، والمراد بالأهل المتأهل كما قررت، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: صحة الجعل أي العقد كائنة أو حاصلة بالتزام أي بسبب التزام أهل الإجارة، وتقدم أنه أحال عقد الإجارة على البيع، وتقدم أنه قال في البيع ما نصه: وشرط عاقده تمييز إلا بسكر فتردد ولزومه تكليف جعلا أي عوضا قبولا ودفعا، وهو منصوب بالتزام علم هو أي قدره، وشمل العين وغيرها، ولكن في اللخمي: إن كان الجعل عينا معينا أي دراهم معينة مطبوعا عليها امتنع وللجاعل الانتفاع بها ويغرم المثل إذا أتى العبد، ولو كان مكيلا أو موزونا لا يخشى تغيره إلى وجود العبد أو ثوبا جاز ويوقف وإن خشي تغيره كحيوان امتنع للغرر. اهـ. وبقولي: العقد، سقط ما قيل: إنه أخذ الجعل في تعريف الجعل، ففيه دور بناء على أن ما ذكره تعريف، فجوابه أنه أراد بالأول العقد وبالثاني العوض، وبقولي: قبولا، سقط اعتراض ابن غازي أنه يشترط في العامل
стр. 7514
أيضا التأهل، فلم اقتصر على اشتراطه في الجاعل فقط الدافع للعوض، وأجيب أيضا بأنه اقتصر عليه لأنه الذي يظهر فيه فائدة لزوم العقد بَعْدَ الشروع في العمل، وأما المجعول له فلا يتوجه عليه اللزوم لا قبل العمل ولا بعده، وإنما اقتصر من شروط العوض على قوله: علم، مع أنه يشترط فيه أيضا كونه طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه لدفع توهم اشتراط جهلة كالمجاعل عليه؛ إذ من شرطه أن يجهَلا مكانه، فإن علمه أحدهما لم يجز، ثم إن علمه الجاعل فقط فللعامل الأكثر من الجعل وأجرة المثل، وإن علمه العامل فقط فلا شيء له، وقال ابن القاسم في العتبية: له بقدر تعبه وعنائه، المتيطي: ومن ادعى عدم العلم منهما فالقول قوله كما هو الأصل، إذ الأصل في العقود الصحة، وينبغي إذا علماه أن له جعل مثله نظرا لسبق الجاعل بالعداء. اهـ كلام عبد الباقي. قوله: ولكن في اللخمي لخ، نسبة الزرقاني للخمي صحيحة، وقوله: وينبغي إذا علماه أن له جعل مثله نظرا لسبق الجاعل بالعداء، تأمل هذا التعليل مع حكمه بأن له جعل المثل؛ إذ المناسب لذلك أن يكون له الأكثر من المسمى وأجرة المثل. قاله الرهوني. وقوله: إذ من شرطه أن يجهلا مكانه، يوهم أن الجعل من حيث هو يشترط في صحته جهل المجاعل عليه، وليس بصحيح ولا قائل به، وإنما الذي في كلام أهل المذهب أنه لا يشترط كونه معلوما، بخلاف عمل الإجارة، وبجلب كلامهم يتبين ذلك، قال ابن عرفة: والعمل في الجعل لا يشترط علم متعسره بخلاف متيسره كل المذهب جوازه مع جهلهما ناحيته، بخلافه على استخراج الماء من الأرض، ففي المدونة: يجوز بعد معرفة ماء الأرض وقربه وشدتها ولينها، فإن لم يعرف ذلك لم يجز لأنه جهل لا تدعو الضرورة إليه، وهو نص نقل ابن فتوح عن الذهب. ابن الحاجب: العمل كعمل الإجارة إلا أنه لا يشترط كونه معلوما، فإن مسافة الآبق والضالة غير معلومة، ابن عبد السلام: كلامه يوهم العموم في كل أنواع عمل الجعالة وليس كذلك، بل مذهب المدونة لا يجوز الجعل على حفر البئر إلا بعد خبرتهما الأرض معا. ابن عرفة: ما نسبه ابن عبد السلام لابن الحاجب من إيهام العموم مثله لفظ المقدمات والتلقين. ابن رشد: لا يجوز الجعل في طلب الآبق إلا باستوائهما في الجهل بمحله، ومن علمه منهما دون صاحبه فهو غار له، كبيع الصبرة جزافا لا يجوز إلا باستوائهما في جهل قدره، فإن كان المجعول له يعلم ذلك في الآبق والضالة دون
стр. 7515
الجاعل فله إمضاء الجعل أورده، فإن لم يعلم ذلك حتى جاء بالآبق فله الأقل من قيمة عنائه لذلك الموضع والمسمى، هذا معنى قول ابن القاسم في سماع عيسى: ولا يرد فيه لِجعلِ المثل أو أجر المثل لأنه ليس بفاسد، ولو كان الجاعل هو الكاتم لمحل العبد كان له الأكثر من قيمة عنائه أو المسمى. ابن عرفة: ظاهر كلام اللخمي أن الجعل على الآبق جائز علِمَ المجعول له موضعه أو جهله، خلاف نقل ابن رشد، وظاهر كلام اللخمي جوازه فيما علماه معا، وظاهر كلام ابن رشد إن علما موضعه معا لم تجز فيه مجاعلة، وإنما تجوز فيه الإجارة. اهـ كلام ابن عرفة. وبتأمله تعلم ما في كلام الزرقاني. واللَّه الموفق. اهـ. ولقد صدق، فإن ابن رشد لا يجيز الجعل في طلب الآبق إلا باستوائهما في الجهل، لكن صرح بعدم الفساد حيث علم المجعول له مكانه دون الجاعل، ويفهم منه ذلك في العكس واللخمي يجيز ذلك، وعبد الباقي يقول: من شرطه أن يجهلا مكانه،
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وقوله: جعلا علم، في المدونة: (١) من جاءني به فله نصفه لم يجز لأنه لا يدري ما دخله.
تنبيهان: الأول: نفقة الآبق والشارد على المجعول له ولو استغرقت الجعل؛ لأنه إنما عاقده على توصيله فهو داخل على أن ينفق عليه. قاله ابن الحاجب. وأورد عليه أنه يلزم منه اجتماع البيع والجعل، وأجيب بأن هذا بيع غير مقصود لأنه من ضروريات العمل. قاله الخرشي. الثاني: أورد الشيخ أحمد على المص أن الالتزام فرع اللزوم والعقد غير لازم. قال بناني: معناه أن كون العقد التزاما فرع كونه من العقود اللازمة، ويجاب عن بحثه بأن عقد الجعل التزام بشرط العمل وهذا مراد المص لا مطلقا. انتهى.
يستحقه السامع بالتمام؛ يعني أن الجاعل إذا قال: من أتاني بعبدي الآبق فله عشرة دراهم مثلا فإن من سمعه يستحق الجعل المذكور أي الدراهم العشرة إذا تم العمل، وتمام العمل هو إتيانه بالآبق أي الشيء المجاعل عليه، وقوله: يستحقه السامع؛ أي السامع بلا واسطة أو بواسطة ولو
стр. 7516
تعددت الوسائط، لكن بشرط أن يثبت حيث كان السامع من غير ربه أن ربه قال ما قاله الغير، وقد مر الخلاف في أنه إذا علم المجعول له موضعه دون الجاعل لا شيء له أو له الأقل من قيمة عنائه لذلك الموضع والمسمى. واللَّه سبحانه أعلم. وقوله: بالتمام، قال الخرشي: هو تسليمه للجاعل، وقال عبد الباقي: يستحقه السامع للجاعل ولو بواسطة غيره إن ثبت أن ربه قاله بالتمام، وهو قبض ربه له، فإن أبق قبل قبض ربه له بعد مجيء العامل به لبلد ربه لم يستحقه، وإنما يكون الجعل على الجاعل فيما لا يجب على المجاعَل بالفتح كفحصه وتفتيشه عن امرأة تصلح لمن جاعله على ذلك ولا يعرفها الدال، فأما ما يجب عليه من قول أو فعل كدلالة على امرأة تصلح له يعرفها الدال فليس له فيه جعل، بل ولا يحل له أخذ شيء على ذلك لوجوب النصيحة لخبر: (الدين النصحية قلنا: لمن يا رسول اللَّه؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١)) اهـ وقال الشبراخيتي يستحقه السامع من الجاعل أو بواسطة إن ثبت أن الجاعل وقع منه ذلك فالمراد بالسامع بلا واسطة أو بواسطة ولو تعددت الوسائط والظاهر أن المراد بالسامع من علم بقول ربه بدليل ما يأتي في الشارح في قوله كحلفهما بعد تخالفهما فلا يستحق من عمل البعض شيئا إلا فيما سيذكره وقوله يستحقه السامع بالتمام قال غير واحد هو في قوة الحصر كأنه قال: لا يستحقه السامع إلا بالتمام. اهـ. وقال الخرشي: وإن لم يتم العمل فلا يستحق منه شيئا، قال ابن المواز: قال ملك: من قال لرجل: بع حائطي ولك كذا، ثم جاء صاحب الحائط قوم فساوموه حتى باع منهم فطلب الرجل جعله فلا شيء له، إنما جعل له على أن يبيع ويماكس، فبائعهم ومماكسهم ليس هو، قال في المتيطية: ونفقة العبد الآبق على المجعول له من حيث يجده ولا يرجع بشيء منها على سيده ولو استغرقت الجعل ولو فر منه قبل دفعه لسيده فلا نفقة له ولا جعل، ومن أبق له عبدان فقال: من جاءني بناصح فله ديناران، ومن جاءني بمرزوق فله دينار، فإن كان المجعول له قبل الإباق يعرفهما فلا بأس به، وقيل: لا بأس به وإن لم يعرفهما، فإن أعتق السيد الآبق بعد أن جعل فيه جعلا فلمن خرج قبل العتق جعله
стр. 7517
وإن لم يعمل شيئا. وقاله سحنون. وقال عبد الملك في الموازية: لا شيء لمن وجده بعد العتق وإن لم يعلم به قال بعض الموثقين: ولا خلاف في وجوب جعله إن كان العتق بعد أخذ المجعول له العبد. اهـ. وقال الشارح عند قول المص: بالتمام؛ أي بتمام العمل ولعله فيما لا يحصل للجاعل فيه نفع إلا بتمام العمل وإلا فمتى حصل له ذلك ولو لم يتم العمل فينبغي أن يكون له مقدار ما انتفع به، كما سيذكره بقوله: ككراء السفن إلا أن يستأجر على التمام لخ، فهو مثال لما يكون حكمه حكم الجعالة، وكذا ما أشبهه كمشارطة الطبيب على البرء والمعلم على حفظ القرآن. اهـ.
وقال المواق: من المدونة: ما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يكون ثمنا لإجارةٍ أو جعل. وقال ابن القاسم: كل ما جاز بيعه جاز الاستئجار به وأن يُجْعَل جعلا، وما لم يجز بيعه لم يجز الاستئجار به ولا جَعْله جُعْلًا إلا خصلتان في الذي يجعل لرجل على أن يغرس له أصولا حتى تبلغ حد كذا ثم هي والأصل بينهما فإن نصف هذا لا يجوز بيعه، وفي الذي يقول: القط زيتوني فما لقطت من شيء فلك نصفه، فإن هذا يجوز. ابن رشد: يريد وبيعه لا يجوز.
ككراء السفن؛ يعني أن كراء السفن لا يستحق فيه شيء إلا بالتمام، فقبله لا يستحق منه شيء، قال مالك في المدونة: من اكترى سفينة فغرقت في ثلثي الطريق وغرق ما فيها من طعام وغيره فلا كراء لربها، وأرى أن ذلك على البلاغ. اهـ. قاله الخرشي. فقوله ككراء السفن، تشبيه لا تمثيل. قاله غير واحد. قال بناني: هذا هو الصواب خلاف ما في التتائي من أنه تمثيل؛ لأن هذا كراء على البلاغ كما في المدونة لا جعل، قال في التوضيح: لأن الجعالة لا تلزم بالعقد، وكراء السفن يلزم بالعقد عند ملك وابن القاسم. اهـ. ورد بذلك على قول ابن الحاجب: إنها جعالة، وقوله: ككراء السفن، الكاف للتشبيه وكاف التشبيه لا تدخل شيئا قال ابن الحاجب: ومشارطة الطبيب على البرء والمعلم على حفظ القرآن والحافر على استخراج الماء بتعريف شدة الأرض وبعد الماء وكراء السفينة متردد بين الجعل والإجارة، قال في التوضيح: هكذا ذكر ابن شأس هذه الأربعة وزاد الغارسة وهي أن يعطي الرجل أرضَه لمن يغرس فيها عددا من الأشجار، فإذا بلغت كذا وكذا كانت الأرض والأشجار بينهما، قال: وكل هذه الفروع مختلف فيها وسبب الخلاف فيها، ترددها بين العقدين. ابن عبد السلام: وظاهر الذهب أن هذه الفروع كلها من الإجارة على البلاغ
стр. 7518
إلَّا مسألة الحافر فإنها من الجعالة. نقله بناني وغيره. وقوله: بتعريف شدة الأرض، الباء للمصاحبة وهي تجري مجرى الشرط. قاله الخرشي. وقال المواق: قال ابن عرفة: في حكم كراء السفن اضطراب. قال ابن رشد: قول ابن القاسم وروايته أنه على البلاغ كالجعل الذي لا يجب إلا بتمام العمل. وقال يحيى بن عمر: إن كان كراؤهم على قطع البحر مثل السفن من صقلية إلى إفريقية أو من إفريقية إلى الأندلس فلا شيء لهم من الكراء، وإن كان كراؤهم مع (١) الريف مثل الكراء من مصر إلى إفريقية وشبهه فله بحساب ما سار، وبهذا كان أصبغ يقول. انتهى.
إلا أن يستأجر على التمام، مستثنى من مفهوم قوله: يستحقه السامع بالتمام؛ أي فإن لم يتم العمل فلا شيء للعامل إلا أن يستأجر على التمام من يتم العمل أو يجاعل من يتمه، فإنه يكون للأول نسبة الثاني. أي يكون للأول على قدر ما يأخذه الثاني، فإذا جاعل رجل رجلا على الإتيان بخشبة إلى موضع كذا بخمسة دراهم ثم جاء بها إلى نصف الطريق فتركها فجاعل صاحبها آخر بعشرة فإنه يكون للأول عشرة، فقوله: نسبة الثاني؛ أي للأول نسبة الثاني أي للأول مثل ما يأخذه الثاني لأن الثاني، لما استؤجر نصف الطريق بعشرة علم أن قيمة الإتيان بها يوم استؤجر الأول عشرون، ولا يقال: الأول رضي بحملها جميع الطريق بخمسة فكان يجب أن يعطى نصفها، والمغابنة جائزة في الجعل كالبيع؛ لأنه لما كان عقد الجعل منحلا من جانب العامل بعد العمل فلما ترك بعد حمله نصف المسافة صار تركه بلا تَمامٍ إبطالا للعقد من أصله، وصار الثاني كاشفا لما يستحقه الأول، وإذا أتى به بنفسه أو عبده يقال: ما قيمة ذلك أن لو استأجر أو جاعل عليه؟ فيرجع به، قال عبد الباقي: واستثنى من مفهوم قوله: بالتمام؛ أي فإن لم يتم فلا شيء له، قوله: إلا أن يستأجر ربه على التمام أو يجاعل عليه أو يتمه بنفسه أو بعبيده، فالمراد إلا أن يحصل الانتفاع بالعمل السابق كما في كلامهم. انظر أحمد [فنسبة] (٢) الثاني أي يأخذ الأول قدر ما يأخذ الثاني لإعراضه عن العقد الأول، وهو قول مالك، وقال ابن القاسم: له قيمة عمله. اهـ. قال الرهوني: أجمل فيما نسبه لابن القاسم وبيانه في سماع عيسى: قال فيه
стр. 7519
بعد أن ذكر قول ملك الذي درج عليه المص ما نصه: وكنت أقول: له قيمة ما عمل يوم عمل، وقال ابن كنانة: بل قيمة ما عمل اليوم. اهـ. قال ابن رشد: وقول مالك أظهر من قول ابن القاسم وابن كنانة؛ لأنه لما كان لا يجب عليه شيء إن لم ينتفع وجب أن لا يكون عليه إن انتفع إلا بقدر ما انتفع به، وإنما يشبه أن يكون عليه قيمته يوم انتفع به أو يوم عمله إذا انتفع به كما هو دون أن يتمه بإجارة أو جعل في وجه من وجوه المنافع من كنيف وشبه ذلك. اهـ. قال عبد الباقي: وقولي: ربه، احتراز عما لو جاعل أو استأجر نفسُ العامل الأول على التمام فيستحق الجعل المعقود عليه أولا فقط. اهـ. وقال بناني: إن قوله: إلا أن يستأجر على التمام، يجري في مسألة السفن كما يجري في مسألة الجعل، ونصه: الذي نقله في التوضيح وابن عرفة وغيرهما أن حكم السفينة حكم الجعل في ذلك، قال ابن عرفة: ابن رشد: وقول ابن القاسم وروايته عن مالك أن كراء السفن على البلاغ كالجعل الذي لا يجب إلا بتمام العمل كان على قطع الموسطة أو الريف وهو معلوم مذهبه، قال: من أكرى سفينة من الإسكندرية إلى الفسطاط فغرقت في بعض الطريق فخرج نصف القمح وحمل في غيرها فلربها من كراء ما خرج من القمح بقدر ما انتفع به ربه في بلوغه حيث غرق، فلم ير لرب السفينة كراء فيما ذهب من القمح، ورأى له فيما سلم منه بقدر ما انتفع ربه ببلوغه إليه، كقوله في الجعل على حمل خشبة. اهـ. وقال البناني: قال ابن عرفة: قال اللخمي كراء السفن جعل وإجارة، فالجعل قوله: إن بلغتني محل كذا فلك كذا وإلا فلا شيء لك وهو جائز كما شرط، والإجارة أن يجعل له شيئا معلوما على إن بلغه دون المحل فيحاسب بسيره. اهـ. قال مصطفى: فعلم أن محل الخلاف إذا عدم البيان وعبر بلفظ الكراء هل يحمل على الإجارة على البلاغ أو على الإجارة المحققة؟ فافهم. قاله بناني. وقال الخرشي: وقد وقع في المستخرجة لو كان جعل للأول خمسة وجعل للثاني عشرة بعد أن بلغها الأول نصف الطريق ونصف الحفر في البئر أن الأول يأخذ عشرة لأنه الذي ينوب فعل الأول من إجارة الثاني، لأن الثاني لما استؤجر نصف الطريق بعشرة علم أن قيمة إجارته يوم استؤجر عشرون. اهـ. ثم قال في نقله: ولا مفهوم لقوله: يستأجر؛ أي أو يجاعل أو يأتي بها بنفسه أو غلامه، فللأول من الأجر بنسبة عمل الثاني لو كان له أجر، فيدخل في ذلك ما إذا عمله مجانا، ولو قال: إلا أن
стр. 7520
يتم العمل لكان أشمل. اهـ. وقال عبد الباقي: لو فرط المكتري في نقل متاعه بعد بلوغ الغاية فإن عليه جميع الكراء، ذكره ابن الحاجب والتوضيح والشامل، وإذا خرج المكتري منها لا لعلة قبل وصوله الغاية فعليه جميع الكراء، وأما لو خرج منها لوحل ثم خلصت فانظر هل يكون كمرض دابة بسفر ثم تصح أم لا؟ ولا يخفى أنه إن اكترى منه مضمونة لم تنفسخ بتلفها، بخلاف المعينة لقوله: وفسخت بتلف ما يُستوفى منه. اهـ. وقال: وفهم من كراء أنه إن وقع جعل في سفينة جاز فيها، وأشعر قوله: إلا أن يستأجر؛ أي ربه على التمام أنه لو انتفع به في المحل الذي وصل له العامل ببيع ونحوه فإن له من المسمى بحسبه، وهو كذلك. انتهى. وإن استحق، مبالغة في قوله: يستحقه السامع دون قوله: بالتمام؛ يعني أن العامل إذا وجد المجاعل عليه واستحق بعد أن وجده فإنه يستحق الجعل سواء استحق في أثناء المسافة أو بعد وصوله للبلد وقبل قبض المجاعل له، وأحرى لو استحق بعد أن قبضه الجاعل، وأما لو استحق قبل أن يجده العامل فلا شيء للعامل، قال عبد الباقي: ثم بالغ على قوله: يستحقه السامع فقط، بدون قوله: بالتمام فقال: وإن استحق المجاعل عليه بعد وصوله به للبلد وقبل قبض ربه له أوأثناء الطريق. اهـ. وقال عبد الباقي ما معناه أنه إذا استحق المجاعل عليه قبل أن يقبضه العامل فإن العامل يستحق الجعل حيث عمل عملا كثيرا. اهـ. قال الرهوني: وفيه نظر لمخالفته لظواهر النصوص، قال اللخمي: وقال ابن القاسم في العتبية وذكره محمد عنه: فيمن جعل في عبد آبق له جعلا فأتي به فاستحق قبل أن يقبض الجعل وقبل أن يقبضه ربه فالجعل على الجاعل ولا شيء على المستحق. اهـ. وقال ابن يونس: قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن لم يصل به إلى ربه حتى استحقه مستحق فالجعل على الجاعل ليس على مستحقه من ذلك شيء. اهـ. وفي الجواهر: وفي كتاب محمد: وإن استحق بعد أن وجده وقبل وصوله إلى ربه فالجعل على الجاعل ولا شيء على المستحق. اهـ. وقال ابن الحاجب: ولو استحق بعد أن وجده فالجعل على الجاعل ولا شيء على المستحق. التوضيح: قوله: بعد أن وجده؛ يعني قبل أن يقبضه الجاعل، وقال ابن عرفة: وسمع أصبغ ابن القاسم: من جوعل على آبق فاستحق منه بعد أخذه إياد وقبل أخذه جعله وقبضه مَن جاعلَه عليه رجع على من جاعله ولا شيء على مستحقه. انتهى. فهذه النصوص كلها تدل على
стр. 7521
خلاف ما قاله عبد الباقي. وقال أبو علي: وإن استحق يعني قبل دفعه لربه لأنه بعد الدفع لا يتوهم فيه سقوط الجعل، ويعني أيضا بعد وجوده لا قبله، وهذا لا يحتاج المختصر إلى التنصيص عليه لوضوحه. اهـ. وقوله: وإن استحق؛ يعني بملكية، وقال بناني: قال ابن المواز: ومن جعل لرجل في عبد آبق له جعلا فقطعت يده أو فقئت عينه قبل أن يصل به إلى ربه فصار لا يساوي الجعل أو نزل به ذلك قبل أن يجده ثم وجده فله جعله كاملا. انتهى.
ولو بحرية؛ يعني أنه إذا استحق المجاعل عليه بعد أن وجده العامل فإن العامل يستحق الجعل من الجاعل، ولا فرق في ذلك بين أن يستحق المجاعل عليه بملك أو بحرية أصلية، وقال أصبغ: إن استحق بحرية من الأصل فلا جعل له، فالمص رد بلو قول أصبغ. قال الرهوني: وظاهر كلامه هنا وفي توضيحه أن أصبغ يخالف في الحرية ولو لم تكن أصلية، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب أيضا، وليس كذلك، ففي ابن يونس: قال أصبغ في العتبية: إذا استحق بحرية من الأصل فلا جعل له على أحد. انتهى. وفي الجواهر: قال ابن القاسم في العتبية: وكذلك إن استحق بحرية، وقال أصبغ: إن استحق بحرية من الأصل فلا جعل له على أحد. اهـ. وقال ابن عرفة: وفي سماع أصبغ: استحقاقه بحرية كاستحقاقه بملك الشيخ عن أصبغ: إن استحق بحرية من الأصل فلا جعل له على أحد، فلو قال المص: ولو بحرية أصلية لسلم من ذلك.
واعْلم أنه إذا أعتق الجاعل الآبق المجاعَل عليه فإنه إن كان عتقه بعد الشروع في العمل فإن للعامل الجعلَ، وأما لو أعتقه الجاعل قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل، هذا هو الراجح، ومقابله لعبد الملك، قال من جعل في آبق جعلا ثم أعتقه فلا شيء لن وجده بعد ذلك وإن لم يعلم بعتقه، ولو أعتقه بعد أن وجده فله جعله. اهـ. وهو مرجوح، قال الرهوني: كلام الباجي يفيد أن قول عبد الملك مرجوح، وأنه إنما ينبني على الضعيف من أن الجاعل له الرجوع ولو شرع العامل في العمل، وما قاله ظاهر لأن العتق بعد الشروع هو من نوع الرجوع بعد الشروع قطعا لأنه أنشاه باختياره، فالجاري على المشهور هو قول أصبغ وسحنون، ونص الباجي: ولو جعل له جعلا في رد آبق ثم أعتقه فإن أعتقه بعد أن عمل وشخص فيه فله جميع الجعل، وإن لم يعمل عملا ولا شخَص فلا شيء له. قاله أصبغ. وهذا على ما قدمناه وفي الموازية: قال عبد الملك: من
стр. 7522
جعل في آبق جعلا لخ، وأشار بقوله: وهذا على ما قدمناه إلى قوله قبله متصلا به: قال سحنون في العتبية: إذا شرع العامل في العمل لم يكن للجاعل إخراجه وللمجعول أن يخرج متى شاء. انتهى. ولسحنون مثل ما لأصبغ، وبه صدر المتيطي وصاحب المعين، ونص المتيطي على اختصار ابن هارون: فإن أعتق السيد الآبق بعد أن جعل فيه فلمن خرج إليه قبل العتق جعله. قاله سحنون. وقال عبد الملك في الموازية: لا شيء لمن وجده بعد العتق وإن لم يعلم به، قال بعض الموثقين: ولا خلاف في جعله إن كان العتق بعد أن أخذه العامل. انتهى. وفي المعين: فإن أعتق السيد آبقه بعد أن جعل فيه فلمن خرج في طلبه قبل العتق جعله وإن لم يعمل شيئا. قاله سحنون. وخالفه عبد الملك، ولا خلاف أنه إن كان العتق بعد أن حصل في يد المجعول له أن له جعله. انتهى. ويتأمل ذلك كله مع الإنصاف تعلم صحة ما قلناه، (وبه يظهر لك ما في اختصار المواق (١)) وبه يظهر لك ما في اقتصار المواق والحطاب وبناني على قول عبد الملك وكذلك جسوس اهـ وقال الحطاب: قال عبد الملك: ومن جعل في آبق جعلا ثم أعتقه فلا شيء لمن وجده وإن لم يعلم بالعتق، ولو أعتقه بعد أن وجده كان له جعله، فإن كان عديما فذلك في رقبة العبد لأنه بالقبض وجب له الجعل.
بخلاف موته؛ يعني أن العامل إذا أتى بالعبد الآبق فمات قبل أن يسلمه لربه فإنه لا يستحق شيئا من الجعل لعدم تمام العمل، قال ابن عرفة: وموت الآبق قبل إيصاله يُسقط جعله لعدم تمام العمل، كما لو هرب العبد، وأما موته بعد أن أسلمه لسيده فإنه يستحق الجعل بتمامه، ومن المعلوم أن حقيقة الموت عرض يضاد الحياة أو هو عدم الحياة، فإذا سَلَّمه منفوذ القاتل فقد سَلَّمه حيا، وقد أعطي منفوذ القاتل حكم الحي في بعض المسائل. قاله غير واحد. [والفرق بين (٢) الاستحقاق] بحرية أن الميت لا ينتفع به بخلاف المستحق. قاله غير واحد. وهو في عبد الباقي، وفي الشبراخيتي والخرشي ما نصه: والظاهر أن الفقد والأسر والغصب كالموت. اهـ. وقال عبد الباقي بعد أن قال: والظاهر أن الفقد والأسر والغصب كالموت، ما نصه: ومقتضى الفرق المذكور
стр. 7523
أنها كالاستحقاق لا كالموت والأسر، والظاهر أن هبته كالعتق، وأما بيعه قبل رؤية العامل له فلا يصح. اهـ. قوله: والفرق بين الاستحقاق لخ، معناه أن المستحق منه قد انتفع وإن لم يصل إلى يده لأنه تمكن من الرجوع على بائعه، بخلاف ما لو لم يوجد فإن مصيبته تكون من الجاعل فلا يجد سبيلا إلى الرجوع، بهذا علله وهو فيما قبل المبالغة وفيما بعدها، وبه تعلم أن قول الزرقاني: في الفقد والأسر والغصب مقتضى الفرق المذكور أنها كالاستحقاق، غير صحيح لأن مصيبتها حينئذ من الجاعل كالموت. انتهى.
بلا تقدير زمن، حال من الجعل في قوله: صحة الجعل أي صحة الجعل حال كونه متلبسا بلا تقدير زمن. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: قال البساطي: يمكن تعلقه بصحة الجعل أو بالتمام، والمعنى أن الجعل لا يجوز فيه تقدير الأجل للجهل والغرر؛ إذ لو قدر بزمن لاحتمل أن ينقضي قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: صحة الجعل حال كونه متلبسا بلا تقدير زمن سواء شرط عدم التقدير أو سكت عنه، فإن شرط تقديره امتنع لأنه إنما يستحق فيه الأجر بتمام العمل، وقد ينقضي الأجل قبل تمامه فيذهب عمله باطلا، ففيه زيادة غرر اهـ ومعنى تقدير الزمن أن يضرب فيه الأجل، كأن يقول: إن أتيتني بعبدي الآبق في شهر مثلا أعطيتك كذا.
إلا بشرط ترك متى شاء؛ يعني أنه إذا ضرب في الجعل أجل فإن العقد لا يصح إلا إذا دخلا على أن العامل يترك العمل متى شاء، فإن قيل: شأن هذا العقد الترك متى شاء فلم كان العقد غير جائز عند عدم الشرط؟ أجيب بأن المجعول له عند عدم الشرط دخل على التمام وإن كان له الترك، وحينئذ فغرره قوي، وأما عند الشرط فقد دخل ابتداء على أنه مخير فغرره خفيف، ومثل الترك متى شاء إذا جعل له بتمام الزمن عمل أم لا فيجوز؛ لأنه خرج من باب الجعالة ودخل في باب الإجارة قاله غير واحد. وقال غير واحد: والحاصلُ أن معنى كلام المص أنه إن قدر بزمن لا بد من اشتراط الترك متى شاء، أو أن له بحساب ما عمل، وذلك بقرينة العلة، وهي الفرار من إضاعة العمل، وفي نسخة الخرشي ما شاء، قال: ما واقعة على الزمن، وترك مضاف إلى ما، أو ما منصوب بنزع الخافض، وما أعم من الزمن أو العمل. واللَّه سبحانه أعلم. وقال المواق: من
стр. 7524
المدونة قال مالك: لو قال: بع هذا الثوب ولك درهم، فذلك جائز وقت له في الثوب ثمنا أم لا وهو جعل، فإن قال: اليوم، لم يصلح إلا أن يشترط أن يترك ما شاء. اهـ.
ولا نقد مشترط، عطف على لا تقدير؛ يعني أن من شرط الجعل أن لا يشترط فيه النقد، فإن اشترط فيه النقد فسد العقد، سواء حصل نقد بالفعل أم لا لدوران الجعل بين الثمنية إن وجد الآبق وأوصله إلى ربه والسلفية إذا لم يوصله إلى ربه بأن لم يجده أصلا أو وجده وهرب منه أو مات، وأما النقد تطوعا فجائز، ولو قال المؤلف: بلا شرط نقد، لكان أحسن؛ لأن عبارته تعطي أن الذي يفسد الجعل إنما هو النقد بالفعل لا شرطه وليس كذلك. قاله الخرشي. وقوله: ولا نقد مشترط، قال مالك: لا يصلح الأجل في الجعل ولا النقد فيه بشرط، وقال ابن الحاجب: ونقده كالخيار. اهـ. وقال عبد الباقي: وأما النقد تطوعا فجائز. في كل ما جاز فيه الإجارة؛ يعني أن كل ما تجوز فيه الإجارة يصح فيه الجعل. بلا عكس؛ أي ليس كل ما جاز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، فالجعل أعم، بهذا قرره غير واحد، وقُرر المص أيضا بأن الإجارة مبتدأ وخبره في كل، وفاعل جاز ضمير يعود على الجعل؛ أي أن الإجارة تجوز في كل ما جاز فيه الجعل، ولا يجوز الجعل في كل ما تجوز فيه الإجارة، قال عبد الباقي: وهو عكس (١) قول التهذيب: كل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة، وليس كل ما جازت فيه الإجارة يجوز فيه الجعل. وأجيب عن المص ليوافق التهذيب بأن الإجارة مبتدأ مؤخر وفي كل خبر والضمير في جاز للجعل. اهـ. وقال بناني: قول عبد الباقي: وأجيب عن المص لخ، اعترض هذا الجواب وهو لابن غازي بوجهين، أحدهما: أن الكلام في محل الجعل لا في محل الإجارة، والآخر عدم مناسبة قوله: إلا كبيع سلع لخ، فالصواب إبقاء عبارة المص على ظاهرها، وبالاستثناء بعدها تكون مساوية لعبارة التهذيب، لولا قوله: بلا عكس، فالصواب إسقاطه. واللَّه أعلم. اهـ. وقال عبد الباقي: والحق أن التهذيب قاصر أيضا، وأن بينهما عموما وخصوصا من وجه، فيجتمعان في إجارة أو جعالة على بيع أو شراء ثوب أو ثوبين أو حفر آبار في فيافي واقتضاء دين ومخاصمة في حق، وتنفرد الإجارة
стр. 7525
في خياطة ثوب وبيع كثير سلع بلا شرط وحفر بير في ملك، وينفرد الجعل باشتراط جهل الجاعل والعامل محل المجاعَل عليه كآبق. اهـ. قوله: والحق أن التهذيب لخ، الاعتراض على التهذيب بهذا أصله لابن عرفة، ونصه: صِدْقُ هذه الكلية على ظاهر قول ابن الحاجب وابن رشد والتلقين القائلين بصحة الجعل في العمل المجهول لا يصح، وعلى منعه فيه صدقها [واضح] (١). اهـ. وأقره ابن غازي، واعترضه مصطفى بأن المراد كل محل يصح فيه الجعل جازت فيه الإجارة بشرطها، فاعتبار شرطها لا يخرجها عن صحتها في ذلك المحل، وقد أبقى أبو الحسن كلامها على ظاهره قائلا: ولا يعترض على هذه الكلية بالآبق لكونه لا تجوز فيه الإجارة، بل تجوز فيه على أن يطلبه كل يوم بكذا، أو يطلبه في محل كذا، وهكذا. اهـ. قاله بناني. وقال الرهوني: قول الزرقاني وحفر بير في ملكه أي يجوز فيه الإجارة ولا يجوز فيه الجعل. قال ابن عرفة: والجعل على الحفر على المشهور لا يكون فيما يملكه الجاعل، وتقدم نقل الشيخ عن محمد عن ابن القاسم: إن كانت الأرض للمستأجر لم يجز فيها جعل على بناء أو حفر. اهـ. وقال المتيطي: ولا يصلح في حفر بير أو عين إلا في غير ملك الجاعل. وقاله الجم الغفير. قال بعض الموثقين: وهو أحسن. وأجاز مالك الجعل في الغرس في ملك الجاعل، وعقد ابن القطان وثيقة جعل في حفر بير وطيها بالصخر في ملك الجاعل واشترط الصخر على المجعول له، قلت: فيدخله أمران الجعل في أرض الجاعل واجتماع الجعل والبيع، ابن عات: الجعل على الحفر في أرض يملكها الجاعل خطأ، وما عقده ابن القطان جوزه مالك في المغارسة، وهي في أرض الجاعل، قلت: إنما جوزها مالك في ملك المالك لأن عدم تمام العمل فيها لا يبقي نفعا للجاعل في أرضه بخلاف الحفر فيها فتأمله، فاعتراضهم بها لغو. اهـ. قلت: وهو جواب حسن. اهـ كلام الرهوني.
ولو في الكثير؛ يعني أن الجعل يجوز في الكثير كبيع سلع كثيرة وكجعالة على ضوالَّ كثيرة أو عبيد كثيرة آبقة، وهذا هو الصحيح، ورد بلو قول عبد الوهاب بالمنع في الكثير. إلا كبيع سلع لا يأخذ شيئا إلا بالجميع؛ يعني أنه إذا جاعله على بيع سلع كثيرة واشترط عليه أنه لا يأخذ
стр. 7526
شيئا من الجعل إلا إذا باع جميع السلع التي جاعله على بيعها فإن ذلك لا يجوز، قال الخرشي: المشهور أن الجعل يجوز على بيع أو شراء سلع كثيرة من ثياب أو حيوان أو دواب إلا أن يكون الجعل وقع على بيع سلع كثيرة أو على شرائها على شرط أن لا يأخذ شيئا من جعله إلا إن باع أو اشترى الجميع، فإن ذلك لا يجوز، والعرف كالشرط، ولو دخلا على أنه بحساب ما باع أو ابتاع لجاز، والاستثناء من قوله: في الكثير، ودخل تحت الكاف كل ما تبقى فيه منفعة للجاعل إن لم يتم العمل، قال ابن رشد في المقدمات: ليس من شرط صحة الجعل أن يكون في القليل وإن كان قد قال ذلك عبد الوهاب وغيره فليس بصحيح، وإنما الصحيح جوازه في كل ما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، كان قليلا أو كثيرا، ثم إن المستثنى مقيد بالكثرة أخذا من قوله: ولو في الكثير، وأما الثوبان فقال في المقدمات: تجوز الجعالة عليهما، فانظر ما الفرق بين الثوبين والثياب؟ حتى جاز الجعل في الأول ومنع في الثاني مع أن علة المنع موجودة في الجميع. قاله ابن عاشر. قال الرهوني: يمكن أن يفرق بخفة الغرر في الثوبين لتيسر بيعهما غالبا وعلى احتمال ردهما أو رد واحد منهما لا كبير فائدة في ضمان المجعول له مدة [بقائهما] (١) عنده لخفة أمره وتيسر حفظ ذلك غالبا على كل أحد، والغرر اليسير مغتفر في العقود حيث لم يقصد كما هنا، مع مسيس الحاجة لذلك، فتأمله. انتهى. وقال عبد الباقي: واستثنى من الكثير قوله: إلا كبيع أو شراء سلع كثيرة فلا يجوز الجعل عليها إذا كان لا يأخذ شيئا من الجعل إلا بالجميع، أي إلا ببيع أو شراء الجميع، والمراد وقع على هذا بشرط أو عرف، فإن شرط أو جرى العرف بأن ما باعه أو اشتراه فله بحسابه جاز، ولا يقال: هذا يخالف قوله: يستحقه السامع بالتمام، لأنا نقول: كثرة السلع بمنزلة عقود متعددة، وهو يستحق الجعل في كل عقد بانتهاء عمله، ويشترط في الجواز أيضا أن يشترط له الترك متى شاء، وأن لا يسلم له جميع السلع وإلا منع، لأنه قد لا يبيع فينتفع ربها بحفظ العامل لها، وإذا سكت عن شرط أن لا يأخذ شيئا إلا بالجميع لم يجز لانتفاء شرط الجواز وهو دخولهما على أن كل ما باع أو اشترى شيئا أخذ
стр. 7527
بحسابه، ابن عرفة: والرواية ناصة بأن شرط الجعل على البيع تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له، وهو نقل ابن رشد والصقلي، فيجب تقييد قولها: يجوز الجعل في بيع قليل السلع بالبلد سموا لها ثمنا أم لا بالتفويض له فيه. انتهى. ومر أن العرف في ذلك كالشرط. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: تحصل مما مر أن قوله: ولو في الكثير محل الجواز فيه حيث اشترط أو جرى عرف أنه إن باع شيئا استوجب بحسابه، فإن لم يشترط ذلك ولا جرى به عرف فسد الجعل، وأنه لا بد أن يشترط أن له التركَ متى شاء، وأن لا يسلم له جميع السلع وإلا منع، وأنه لا بد من تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له بشرط أو عرف، فإن انتفيا لم يجز، ففي بناني: ولا يجوز الجعل على البيع إلا بأحد وجهين: إما أن يسمي له ثمنا، أو يفوض له البيع بما يراه، ولا اختلاف في هذا. انتهى. نقله بناني على قول عبد الباقي، قال أحمد: انظر ما الحكم إذا انتفيا هل يحمل على الفساد كما هو مذهب ابن القاسم في الإجارة وكما يدل على ذلك كلام بعض الشيوخ هنا أم لا؟ كما يقتضية كلام. المص. انتهى. فإنه قال: هذا قصور، ففي العتبية: قال سحنون: في الرجل يستأجر على الصياح على المتاع في السوق على جعل إن ذلك الجعل فاسد لا يدري أيعطى في السلعة ما يرضى به صاحب السلعة أم لا؟ ولو كان إمضاء البيع والنظر إلى الصائح لم يكن بالجعل بأس، قال سحنون: هذه المسألة جيدة. قال ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما قال سحنون، ولا يجوز الجعل إلا بأحد وجهين لخ.
وفي شرط منفعة الجاعل قولان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا وقع عقد الجعل على شيء لا منفعة فيه للجاعل هل ذلك الجعل فاسد؟ فهذا القولُ يشترط في صحة عقد الجعل أن يكون المجاعل عليه فيه منفعة للجاعل أو هو صحيح وهذا القول لا يشترط ذلك. قال عبد الباقي: وفي شرط منفعة الجاعل أي هل يشترط في صحة الجعل توقفه على منفعة الجاعل بما يحصله العامل كالآبق أو لا يشترط كمجاعلة على صعود موضع عين ولا يأتي له بنفع قولان، المشهور الأول. انتهى. وقوله: قولان، محلهما حيث لا منفعة فيه للجاعل بعد تمام العمل، وقد علمت أن المشهور القول باشتراط منفعة الجاعل، وهل يشترط انتفاء المنفعة للجاعل قبل تمام العمل أم لا؟ قولان. قاله الشبراخيتي. وقد مر أن الجعل لا يجوز إلا فيما لم تبق فيه للجاعل منفعة إن لم يتم
стр. 7528
العمل. قال عبد الباقي: ولا يجوز الجعل على إخراج الجان عن شخص لأنه لا تعرف حقيقته، وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور لأنه لا تعرف حقيقته. نقله المواق. انتهى. قال بناني: هكذا نقله المواق عن ابن عات، وقد نقل الحطاب أول الإجارة عن الأبي ما نصه: وما يؤخذ لحل العقود فإن كان يرقيه بالرقى العربية جاز وإن كان بالرقى العجمية امتنع، وفيه خلاف، وكان الشيخ يقول: إن تكرر منه النفع في ذلك جاز. انتهى. ونحوه في الخرشي، وقال الخرشي: ويمكن الجمع بين ما نقله المواق وهذا بما حمله عليه البرزلي. انتهى. وسُئِل الشيخ ابن عرفة عمن ذهبت له حوائج فقرأ في دقيق وأخذ يطعم ناسا اتهمهم وكانت فيهم امرأة حامل، فقالت: إن أطعمتموني أموت فطعمت منه فماتت؟ فأجاب بأنه ليس عليه إلا الأدب. انتهى. وقول الأبي: وفيه خلاف. قال الرهوني: وفيه أي الأخذ إذا كان بالرقى العربية. وقال الرهوني: الظاهر أن مَن يقول بجواز الأخذ على حل المربوط إذا كان بالرقى العربية يلزمه أن يجيز ذلك في إخراج الجان، وقد شاهدنا من تكرر منه النفع وشفاء الناس على يده من الجنون، ولا شك أن ضرر الجنون مِن أعظم الأضرار وهوأشد من كثير من الأمراض، والمنع من ذلك على الإطلاق فيه قطع لهذا النفع، وظاهر كلام الإمام المازري في العلم يشهد لما قلناه، ونصه: وجميع الرقى عندنا جائزة إذا كانت بكتاب اللَّه ، وينهى عنها بكلام الأعجمي، وما لا يعرف معناه لِجوازِ أن يكون فيه كفر، وقد وقع في بعض الأحاديث (لا رقية إلا من عين أو حمة (١)) وهذا تأوله أهل العلم على أنه لم يرد به نفي الرقى عما سواهما لكن المراد به لا رقية أحق من العين والحُمَة. انتهى. والحمة السم، وقال الرهوني: قال أبو الحسن بن القطان في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع في كتاب الجامع: وأجمعوا على إباحة الرقى وعلى أن في الرقى الشفاءَ من كل داء إذ الله أذن بذلك. وقد رقى النبي ﷺ نفسه ورقى غيره، وأمر بالرقية، وهذا إجماع من المسلمين إذا كانت الرقى بكتاب اللَّه تعالى وأسمائه، وقد كره ذلك قوم. انتهى. فانظر قوله: من كل داء فإنه شامل للجنون وغيره. انتهى كلام الرهوني.
стр. 7529
ولمن لم يسمع جعل مثله إن اعتاده، هذا مفهوم قوله: يستحقه السامع، قال الخرشي: يعني أن المالك إذا قال: من أتى بعبدي الآبق أو بعيري الشارد فله كذا فجاء به شخص لم يسمع كلام سيده لكن عادته طلب الضوال والأباق فإنه يستحق جعل مثله سواء كان مثلَ جعل مثله المسمى أو أقل أو أكثر، فإن لم يكن عادته طلب الضوال والأباق فلا جعل له وله نفقته كما يأتي للمؤلف التصريح به، وقوله: ولمن لم يسمع جعل مثله، صادق بما إذا قال ربه: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا فجاء به شخص قبل أن يسمعه، وبما إذا لم يقل ربه شيئا فجاء به كما هو نص المدونة في الثانية، وظاهر قوله: فله جعل مثله إن اعتاده ولو كان يتولى ربه ذلك بنفسه أو بخدمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولمن لم يسمع أصلا لا بلا واسطة ولا بها، وهو شامل لما إذا قال ربه ولم يسمعه، ولا إذا لم يقل شيئا، كما قاله الشيخ عبد الرحمن. الأجهوري: جعل مثله إن اعتاده ولو كان ربه يتولى ذلك بنفسه أو بخدمة. اهـ. ومثله في شرح عبد الباقي.
كحلفهما بعد تخالفهما؛ يعني أنه إذا اختلف الجاعل والعامل بعد تمام العمل في قدر الجعل ولم يشبها فإنهما يتحالفان، وإذا تحالفا فإنه يرد العامل إلى جعل مثله، فالتشبيه في أن للعامل جعل مثله. قال عبد الباقي: كحلفهما بحاء مهملة بعد تخالفهما بخاء معجمة في قدر الجعل بعد تمام العمل فيرد العامل إلى جعل مثله، ومن أشبه فالقول قوله: فإن أشبها معا فكما إذا أشبه العامل وحده فالقول قوله، ونكولهما كحلفهما، وقضي لحالف على ناكل، وفي بعض التقارير أنهما إذا أشبها معا فالقول لحائز الآبق منهما، فإن وجد ولكن ليس بيد واحد منهما فالظاهر أن حكمه كما إذا لم يشبه واحد منهما ولا يظهر لاختلافهما قبل العمل فائدة؛ لأن لكل تركه. انتهى. قوله: وفي بعض التقارير لخ، ما ذكره عن هذا التقرير هو الذي لابن عبد السلام: فإنه قال فيما إذا أشبها معا: فإن كان العبد باقيا بيد المجعول له فالقول قوله، ويفهم منه أنه إذا لم يكن باقيا بيده فالقول للجاعل، والذي لابن هارون: أن القول للجاعل إن أشبها مطلقا لأنه غارم، قال ابن عرفة: وقول ابن عبد السلام أظهر من قول ابن هارون. اهـ. انظر ابن غازي، فقول الزرقاني: فإن أشبها معا فكما إذا أشبه العامل وحده، لخ غير صحيح لما علمت من كلام ابن هارون. انتهى. وقال عبد الباقي: وتقريرنا المص باختلافهما في قدر الجعل متعين لا في السماع وعدمه؛ لأن
стр. 7530
المذهب في هذه أن القول قول ربه، ثم ينظر في العامل هل عادته طلب الآبق فله جعل مثله أو لا؟ فالنفقة. انتهى. وقوله كحلفهما لخ، قال الخرشي عن الأجهوري: ويبدأ أحدهما باليمين بالقرعة تقرير، وقد يقال: يبدأ العامل لأنه بائع منافعه. ولربه تركه، هذا مرتب على قوله: ولمن لم يسمع يعني أن العامل إذا أتى بالعبد الآبق قبل أن يلتزم ربه الجعل فإن له أن يتركه لمن جاء به ولا مقال للعامل حينئذ، وسواء كان الجعل يساوي قيمة رقبة العبد أو يزيد عليها، وأما إن أتى به العامل بعد أن التزم ربه الجعل فإنه يلزمه ذلك، ولو زاد على قيمة العبد لأن المالك هو الذي ورط العامل في ذلك، قال حلولو: يعني إذا أتى به مَن عادته التكسب قبل قول ربه فلربه تركه لأن أجرته ربما زادت على قيمته، فلو كلف الأجرة لكان عليه ضررٌ في ذلك. اهـ. وفي الجواهر: قال عبد الله بن عبد الحكم: وإن جاء به من عادته طلب الأباق فإن كان ربه جعل فيه جعلا فهو لازم، وإن لم يجعل فيه جعلا أخذ العبد ورد الجعل، وإن شاء تركه ولا شيء عليه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإذا جاء العامل بالآبق قبل التزام ربه الجعل كان لربه تركه. اهـ. قوله: قبل التزام ربه الجعل لخ، صواب موافق لابن الحاجب وغيره، وأما إن أتى ربه به بعد التزام ربه الجعل لكنه لم يسمعه فليس له إلا جعل مثله إن اعتاده وإلا فالنفقة وليس لربه تركه في هذا خلافا للاجهوري. قاله مصطفى. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: وإذا جاء العامل بالآبق قبل التزام ربه الجعل لربه تركه أي الآبق لمن جاء به ولا مقال له كان الجعل كقيمته أو أقل أو أكثر، وهو راجع لقوله: ولمن لم يسمع جعل مثله وكان ينبغي له تأخيره عن قوله:
وإلا فالنفقة؛ يعني أن من لم يسمع قول المالك: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا فجاء به شخص ليس من عادته طلب الضوال والأباق فإنه لا جعل له، وليس له إلا النفقة فقط أي نفقة الآبق، وأما نفقته هو فهي عليه، وينبغي أن يكون المراد بالنفقة الكلفة عليه من نفقة وكسوة وحمل. قاله الخرشي. وفي نقله مفسرا للمص أي نفقة العبد أي ما أنفقه على العبد من أكل وشرب ولباس ودابة إن احتاج إلى الركوب، لا نفقة تحصيله أي لا نفقته على نفسه ودابته في زمن تحصيله. اهـ. ولربه تركه في النفقة أيضا، فلو أخر قوله: ولربه تركه عن قوله: وإلا فالنفقة لكان أحسن. اهـ. قال الخرشي: وقال عبد الباقي: وإلا يكن الآتي بالآبق سمع قول ربه ولا معتادا لطلب