شيئا من الجعل إلا إذا باع جميع السلع التي جاعله على بيعها فإن ذلك لا يجوز، قال الخرشي: المشهور أن الجعل يجوز على بيع أو شراء سلع كثيرة من ثياب أو حيوان أو دواب إلا أن يكون الجعل وقع على بيع سلع كثيرة أو على شرائها على شرط أن لا يأخذ شيئا من جعله إلا إن باع أو اشترى الجميع، فإن ذلك لا يجوز، والعرف كالشرط، ولو دخلا على أنه بحساب ما باع أو ابتاع لجاز، والاستثناء من قوله: في الكثير، ودخل تحت الكاف كل ما تبقى فيه منفعة للجاعل إن لم يتم العمل، قال ابن رشد في المقدمات: ليس من شرط صحة الجعل أن يكون في القليل وإن كان قد قال ذلك عبد الوهاب وغيره فليس بصحيح، وإنما الصحيح جوازه في كل ما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، كان قليلا أو كثيرا، ثم إن المستثنى مقيد بالكثرة أخذا من قوله: ولو في الكثير، وأما الثوبان فقال في المقدمات: تجوز الجعالة عليهما، فانظر ما الفرق بين الثوبين والثياب؟ حتى جاز الجعل في الأول ومنع في الثاني مع أن علة المنع موجودة في الجميع. قاله ابن عاشر. قال الرهوني: يمكن أن يفرق بخفة الغرر في الثوبين لتيسر بيعهما غالبا وعلى احتمال ردهما أو رد واحد منهما لا كبير فائدة في ضمان المجعول له مدة [بقائهما] (١) عنده لخفة أمره وتيسر حفظ ذلك غالبا على كل أحد، والغرر اليسير مغتفر في العقود حيث لم يقصد كما هنا، مع مسيس الحاجة لذلك، فتأمله. انتهى. وقال عبد الباقي: واستثنى من الكثير قوله: إلا كبيع أو شراء سلع كثيرة فلا يجوز الجعل عليها إذا كان لا يأخذ شيئا من الجعل إلا بالجميع، أي إلا ببيع أو شراء الجميع، والمراد وقع على هذا بشرط أو عرف، فإن شرط أو جرى العرف بأن ما باعه أو اشتراه فله بحسابه جاز، ولا يقال: هذا يخالف قوله: يستحقه السامع بالتمام، لأنا نقول: كثرة السلع بمنزلة عقود متعددة، وهو يستحق الجعل في كل عقد بانتهاء عمله، ويشترط في الجواز أيضا أن يشترط له الترك متى شاء، وأن لا يسلم له جميع السلع وإلا منع، لأنه قد لا يبيع فينتفع ربها بحفظ العامل لها، وإذا سكت عن شرط أن لا يأخذ شيئا إلا بالجميع لم يجز لانتفاء شرط الجواز وهو دخولهما على أن كل ما باع أو اشترى شيئا أخذ
стр. 7527
بحسابه، ابن عرفة: والرواية ناصة بأن شرط الجعل على البيع تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له، وهو نقل ابن رشد والصقلي، فيجب تقييد قولها: يجوز الجعل في بيع قليل السلع بالبلد سموا لها ثمنا أم لا بالتفويض له فيه. انتهى. ومر أن العرف في ذلك كالشرط. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: تحصل مما مر أن قوله: ولو في الكثير محل الجواز فيه حيث اشترط أو جرى عرف أنه إن باع شيئا استوجب بحسابه، فإن لم يشترط ذلك ولا جرى به عرف فسد الجعل، وأنه لا بد أن يشترط أن له التركَ متى شاء، وأن لا يسلم له جميع السلع وإلا منع، وأنه لا بد من تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له بشرط أو عرف، فإن انتفيا لم يجز، ففي بناني: ولا يجوز الجعل على البيع إلا بأحد وجهين: إما أن يسمي له ثمنا، أو يفوض له البيع بما يراه، ولا اختلاف في هذا. انتهى. نقله بناني على قول عبد الباقي، قال أحمد: انظر ما الحكم إذا انتفيا هل يحمل على الفساد كما هو مذهب ابن القاسم في الإجارة وكما يدل على ذلك كلام بعض الشيوخ هنا أم لا؟ كما يقتضية كلام. المص. انتهى. فإنه قال: هذا قصور، ففي العتبية: قال سحنون: في الرجل يستأجر على الصياح على المتاع في السوق على جعل إن ذلك الجعل فاسد لا يدري أيعطى في السلعة ما يرضى به صاحب السلعة أم لا؟ ولو كان إمضاء البيع والنظر إلى الصائح لم يكن بالجعل بأس، قال سحنون: هذه المسألة جيدة. قال ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما قال سحنون، ولا يجوز الجعل إلا بأحد وجهين لخ.
وفي شرط منفعة الجاعل قولان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا وقع عقد الجعل على شيء لا منفعة فيه للجاعل هل ذلك الجعل فاسد؟ فهذا القولُ يشترط في صحة عقد الجعل أن يكون المجاعل عليه فيه منفعة للجاعل أو هو صحيح وهذا القول لا يشترط ذلك. قال عبد الباقي: وفي شرط منفعة الجاعل أي هل يشترط في صحة الجعل توقفه على منفعة الجاعل بما يحصله العامل كالآبق أو لا يشترط كمجاعلة على صعود موضع عين ولا يأتي له بنفع قولان، المشهور الأول. انتهى. وقوله: قولان، محلهما حيث لا منفعة فيه للجاعل بعد تمام العمل، وقد علمت أن المشهور القول باشتراط منفعة الجاعل، وهل يشترط انتفاء المنفعة للجاعل قبل تمام العمل أم لا؟ قولان. قاله الشبراخيتي. وقد مر أن الجعل لا يجوز إلا فيما لم تبق فيه للجاعل منفعة إن لم يتم
стр. 7528
العمل. قال عبد الباقي: ولا يجوز الجعل على إخراج الجان عن شخص لأنه لا تعرف حقيقته، وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور لأنه لا تعرف حقيقته. نقله المواق. انتهى. قال بناني: هكذا نقله المواق عن ابن عات، وقد نقل الحطاب أول الإجارة عن الأبي ما نصه: وما يؤخذ لحل العقود فإن كان يرقيه بالرقى العربية جاز وإن كان بالرقى العجمية امتنع، وفيه خلاف، وكان الشيخ يقول: إن تكرر منه النفع في ذلك جاز. انتهى. ونحوه في الخرشي، وقال الخرشي: ويمكن الجمع بين ما نقله المواق وهذا بما حمله عليه البرزلي. انتهى. وسُئِل الشيخ ابن عرفة عمن ذهبت له حوائج فقرأ في دقيق وأخذ يطعم ناسا اتهمهم وكانت فيهم امرأة حامل، فقالت: إن أطعمتموني أموت فطعمت منه فماتت؟ فأجاب بأنه ليس عليه إلا الأدب. انتهى. وقول الأبي: وفيه خلاف. قال الرهوني: وفيه أي الأخذ إذا كان بالرقى العربية. وقال الرهوني: الظاهر أن مَن يقول بجواز الأخذ على حل المربوط إذا كان بالرقى العربية يلزمه أن يجيز ذلك في إخراج الجان، وقد شاهدنا من تكرر منه النفع وشفاء الناس على يده من الجنون، ولا شك أن ضرر الجنون مِن أعظم الأضرار وهوأشد من كثير من الأمراض، والمنع من ذلك على الإطلاق فيه قطع لهذا النفع، وظاهر كلام الإمام المازري في العلم يشهد لما قلناه، ونصه: وجميع الرقى عندنا جائزة إذا كانت بكتاب اللَّه ، وينهى عنها بكلام الأعجمي، وما لا يعرف معناه لِجوازِ أن يكون فيه كفر، وقد وقع في بعض الأحاديث (لا رقية إلا من عين أو حمة (١)) وهذا تأوله أهل العلم على أنه لم يرد به نفي الرقى عما سواهما لكن المراد به لا رقية أحق من العين والحُمَة. انتهى. والحمة السم، وقال الرهوني: قال أبو الحسن بن القطان في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع في كتاب الجامع: وأجمعوا على إباحة الرقى وعلى أن في الرقى الشفاءَ من كل داء إذ الله أذن بذلك. وقد رقى النبي ﷺ نفسه ورقى غيره، وأمر بالرقية، وهذا إجماع من المسلمين إذا كانت الرقى بكتاب اللَّه تعالى وأسمائه، وقد كره ذلك قوم. انتهى. فانظر قوله: من كل داء فإنه شامل للجنون وغيره. انتهى كلام الرهوني.
стр. 7529
ولمن لم يسمع جعل مثله إن اعتاده، هذا مفهوم قوله: يستحقه السامع، قال الخرشي: يعني أن المالك إذا قال: من أتى بعبدي الآبق أو بعيري الشارد فله كذا فجاء به شخص لم يسمع كلام سيده لكن عادته طلب الضوال والأباق فإنه يستحق جعل مثله سواء كان مثلَ جعل مثله المسمى أو أقل أو أكثر، فإن لم يكن عادته طلب الضوال والأباق فلا جعل له وله نفقته كما يأتي للمؤلف التصريح به، وقوله: ولمن لم يسمع جعل مثله، صادق بما إذا قال ربه: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا فجاء به شخص قبل أن يسمعه، وبما إذا لم يقل ربه شيئا فجاء به كما هو نص المدونة في الثانية، وظاهر قوله: فله جعل مثله إن اعتاده ولو كان يتولى ربه ذلك بنفسه أو بخدمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولمن لم يسمع أصلا لا بلا واسطة ولا بها، وهو شامل لما إذا قال ربه ولم يسمعه، ولا إذا لم يقل شيئا، كما قاله الشيخ عبد الرحمن. الأجهوري: جعل مثله إن اعتاده ولو كان ربه يتولى ذلك بنفسه أو بخدمة. اهـ. ومثله في شرح عبد الباقي.
كحلفهما بعد تخالفهما؛ يعني أنه إذا اختلف الجاعل والعامل بعد تمام العمل في قدر الجعل ولم يشبها فإنهما يتحالفان، وإذا تحالفا فإنه يرد العامل إلى جعل مثله، فالتشبيه في أن للعامل جعل مثله. قال عبد الباقي: كحلفهما بحاء مهملة بعد تخالفهما بخاء معجمة في قدر الجعل بعد تمام العمل فيرد العامل إلى جعل مثله، ومن أشبه فالقول قوله: فإن أشبها معا فكما إذا أشبه العامل وحده فالقول قوله، ونكولهما كحلفهما، وقضي لحالف على ناكل، وفي بعض التقارير أنهما إذا أشبها معا فالقول لحائز الآبق منهما، فإن وجد ولكن ليس بيد واحد منهما فالظاهر أن حكمه كما إذا لم يشبه واحد منهما ولا يظهر لاختلافهما قبل العمل فائدة؛ لأن لكل تركه. انتهى. قوله: وفي بعض التقارير لخ، ما ذكره عن هذا التقرير هو الذي لابن عبد السلام: فإنه قال فيما إذا أشبها معا: فإن كان العبد باقيا بيد المجعول له فالقول قوله، ويفهم منه أنه إذا لم يكن باقيا بيده فالقول للجاعل، والذي لابن هارون: أن القول للجاعل إن أشبها مطلقا لأنه غارم، قال ابن عرفة: وقول ابن عبد السلام أظهر من قول ابن هارون. اهـ. انظر ابن غازي، فقول الزرقاني: فإن أشبها معا فكما إذا أشبه العامل وحده، لخ غير صحيح لما علمت من كلام ابن هارون. انتهى. وقال عبد الباقي: وتقريرنا المص باختلافهما في قدر الجعل متعين لا في السماع وعدمه؛ لأن
стр. 7530
المذهب في هذه أن القول قول ربه، ثم ينظر في العامل هل عادته طلب الآبق فله جعل مثله أو لا؟ فالنفقة. انتهى. وقوله كحلفهما لخ، قال الخرشي عن الأجهوري: ويبدأ أحدهما باليمين بالقرعة تقرير، وقد يقال: يبدأ العامل لأنه بائع منافعه. ولربه تركه، هذا مرتب على قوله: ولمن لم يسمع يعني أن العامل إذا أتى بالعبد الآبق قبل أن يلتزم ربه الجعل فإن له أن يتركه لمن جاء به ولا مقال للعامل حينئذ، وسواء كان الجعل يساوي قيمة رقبة العبد أو يزيد عليها، وأما إن أتى به العامل بعد أن التزم ربه الجعل فإنه يلزمه ذلك، ولو زاد على قيمة العبد لأن المالك هو الذي ورط العامل في ذلك، قال حلولو: يعني إذا أتى به مَن عادته التكسب قبل قول ربه فلربه تركه لأن أجرته ربما زادت على قيمته، فلو كلف الأجرة لكان عليه ضررٌ في ذلك. اهـ. وفي الجواهر: قال عبد الله بن عبد الحكم: وإن جاء به من عادته طلب الأباق فإن كان ربه جعل فيه جعلا فهو لازم، وإن لم يجعل فيه جعلا أخذ العبد ورد الجعل، وإن شاء تركه ولا شيء عليه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإذا جاء العامل بالآبق قبل التزام ربه الجعل كان لربه تركه. اهـ. قوله: قبل التزام ربه الجعل لخ، صواب موافق لابن الحاجب وغيره، وأما إن أتى ربه به بعد التزام ربه الجعل لكنه لم يسمعه فليس له إلا جعل مثله إن اعتاده وإلا فالنفقة وليس لربه تركه في هذا خلافا للاجهوري. قاله مصطفى. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: وإذا جاء العامل بالآبق قبل التزام ربه الجعل لربه تركه أي الآبق لمن جاء به ولا مقال له كان الجعل كقيمته أو أقل أو أكثر، وهو راجع لقوله: ولمن لم يسمع جعل مثله وكان ينبغي له تأخيره عن قوله:
وإلا فالنفقة؛ يعني أن من لم يسمع قول المالك: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا فجاء به شخص ليس من عادته طلب الضوال والأباق فإنه لا جعل له، وليس له إلا النفقة فقط أي نفقة الآبق، وأما نفقته هو فهي عليه، وينبغي أن يكون المراد بالنفقة الكلفة عليه من نفقة وكسوة وحمل. قاله الخرشي. وفي نقله مفسرا للمص أي نفقة العبد أي ما أنفقه على العبد من أكل وشرب ولباس ودابة إن احتاج إلى الركوب، لا نفقة تحصيله أي لا نفقته على نفسه ودابته في زمن تحصيله. اهـ. ولربه تركه في النفقة أيضا، فلو أخر قوله: ولربه تركه عن قوله: وإلا فالنفقة لكان أحسن. اهـ. قال الخرشي: وقال عبد الباقي: وإلا يكن الآتي بالآبق سمع قول ربه ولا معتادا لطلب
стр. 7531
الأباق فالنفقة أي أجرة عمله في تحصيله وفي طعام الآبق وشرابه ولا جعل له، وأما إن اعتاده ووجب له جعل المثل أو المسمى كما مر فنفقة الآبق على العامل ولو استغرقت الجعل، فإن أبق منه قبل دفعه لسيده فلا نفقة له كما لا جعل له، وله إن رآه بمكان بعيد يستغرق النفقة عليه قدر ثمنه أو أزيد في مسألة كون نفقته على ربه أن يرفعه للحاكم هناك، فإن رأى بيعه على سيده أولى فعل. انتهى. قوله: فنفقة الآبق على العامل، ابن عرفة: سمع ابن القاسم: من جاء بعبد آبق جعل له فيه جعل وقد أنفق عليه نفقة فنفقته عليه والجعل له فقط. ابن عرفة: وهذا إنما هو في مؤنة توصيله لا في نفقة قوته وكسوته التي يقضى بها على ربه لو كان حاضرا هذه على ربه مطلقا فاعلمه، وقد علمت أن نفقة القوت واجبة على السيد، وأن من قام عن غيره بنفقة من تجب عليه نفقته تبعه بها، وقول عبد الباقي: أي أجرة عمله في تحصيله، قال الرهوني: فيه نظر ظاهر إن لم يكن تصحيفا، والصواب ما في الخرشي. انتهى. وقال الحطاب: مسألة إذا كان الآبق في موضع بعيد ونفقته تستغرق الجعل الذي عليه فليرفع المجعول له الأمر للقاضي ليبيعه ويحكم بجعله، فإن جاء به فليس فيه غير الجعل الذي جعل له. انتهى.
وإن أفلت فجاء به آخر فلكل نسبته؛ يعني أن الآبق إذا أتى به العامل ثم أفلت منه في أثناء الطريق ولم يرجع إلى مكانه الأول ثم أتى به شخص آخر إلى أن سلمه لربه فإن الجعل يقسم بينهما على حسب فعليهما، فإن جاء به الأول ثلث الطريق والثاني ثلثيها كان للأول ثلث الجعل والثاني ثلثاه، وأما لو أتى به الثاني بعد رجوعه لمحله الأول أو قريبا منه فلا شيء للأول، سمع ابن القاسم: من جعل جعلا على آبق فانقلب به ثم أفلت منه فأخذه آخر فأتى به إن أفلت بعيدا من مكان سيده فكل الجعل للثاني ولا شيء فيه للأول، وإن أفلت قريبا منه فالجعل بينهما على قدر شخوص كل منهما، فقوله: نسبته، الضمير يرجع لكل، وهو مبتدأ خبره المجرور قبله، ومعنى قوله: فلكل نسبته، أنه ينسب عمل أحدهما لعمل الآخر أي ينظر بينهما هل جاء به أحدهما الثلث أو الثلثين؟ والآخر ما قابل ذلك، وقوله: فلكل نسبته، قال الخرشي: أي بحسب السهولة والصعوبة في الطريق لا بحسب المسافة، وقال عبد الباقي: وإن أفلت الآبق أثناء الطريق ممن حصله ولم يرجع إلى مكانه الأول فجاء به آخر من غير استئجار ولا
стр. 7532
مجاعلة فهو غير قوله، قبل: إلا أن يستأجر لخ، وكانت عادة الآخر ذلك فيما يظهر فلكل من الجعل نسبته، فإن جاء به الأول ثلث الطريق والثاني باقيها فللأول ثلث الجعل المسمى وللثاني ثلثاه، فالضمير في نسبته يرجع لكل أي بحسب السهولة والصعوبة في الطريق لا بحسب المسافة، فإن جاء به الثاني بعد رجوعه للمحل الأول أو قربه فلا شيء للأول، وحيث كان عمل أحدهما له بال وعمل الآخر لا بال له أعطي من له بال دون الآخر. اهـ. وفي الخرشي: ولا يعارض هذا قوله: إلا أن يستأجر على التمام فنسبة الثاني لأن الأولى استأجر على التمام وهنا أتى به الثاني من غير عقد. انتهى المراد منه. وقوله: فلكل نسبته، قال الأجهوري في شرحه: هل يقيد بما إذا كانت عادته ذلك؟ وهو الظاهر، وربما يفيده قوله: ولمن لم يسمع جعل مثله أم لا. انتهى. وقوله: وإن أفلت لخ، قال الشبراخيتي: وحيث كان عمل أحدهما له بال وعمل الآخر لا بال له فلا شيء لمن كان عمله لا بال له. انتهى.
وإن جاء به ذو درهم وذو أقل اشتركا فيه، الضمير في فيه يرجع للدرهم، صورتها أن رب المجاعَلِ عليه جَعَلَ لرجلٍ يأتيه بعبده الآبق درهما مثلا، وجَعَلَ لشخصٍ آخر نصفَ درهم، ثم أتيا به جميعا، فإنهما يشتركان في الدرهم، فيأخذ الأول ثلثيه ويأخذ الثاني ثلثه؛ لأن نسبة نصف الدرهم إلى الدرهم ثلث ونسبة الدرهم إلى النصف ثلثان، وهذا قول ابن القاسم وهو المشهور، فلو جعل للأول درهم وللثاني درهم فأتيا به جميعا كان لكل نصف ما سمى له اتفاقا، ولا فرق بين النقد والعروض، ففي نكت عبد الحق: لو جعل لأحدهما عشرة وللآخر عرضا وأتيا به، فعلى قول ابن القاسم يقوم العرض فإن ساوى خمسة فلصاحب العشرة ثلثاها ويخير الآخر بين أن يأخذ ثلث العشرة وما يقابل ذلك من العرض الذي جعله له. انتهى. وكذا الحكم لو جعل لكل واحد منهما عرضا وأتيا به جميعا، وسواء اتفق قيمة العرضين أم لا، وإذا سمى لأحدهما ووجب للآخر المثل لكونه يجيء بمن يأبق مثلا أي يعتاد ذلك ولم يسمع ربه، فاستظهر الأجهوري في شرحه أنهما يشتركان في الأكثر حيث اختلفا قدرا قاله الخرشي والأولى كدرهم ليشمل غيره، ولو جعل لأحدهما درهما وللآخر ثمن درهم فإنه يجعل الدرهم ثمانية أجزاء ويضيف الثمن إليها فتصير تسعة أجزاء، ثم تقسم الدرهم على تسعة أجزاء، فيكون لصاحب الدرهم ثمانية أتساعه
стр. 7533
ولصاحب الثمن تسع، وعلى هذا القياس، ولو زاد المؤلف كالعول أو كالديون لكان نصا في المقصود. انتهى. وقد مر أنه لو كان الجعل عينا معينا امتنع ذلك وللجاعل الانتفاع بها، ويغرم المثل إذا أتى بالعبد، وإن كان مثليا أو موزونا لا يخشى تغيره إلى وجود الآبق أو ثوبا جاز ويوقف، فإن خشي تغيره كالحيوان امتنع للغرر. انتهى. وقوله: اشتركا فيه، قد علمت أنه هو المشهور: وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقال ابن نافع فيها: لكل واحد منهما نصف جعله، ورجحه التونسي واللخمي. قاله بناني. وقال التتائي: وفي الذخيرة عن الكتاب: إن جئتني بالعبدين الآبقين فلك دينار يمنع، فإن أتى بأحدهما فله أجر مثله، ولابن نافع: نصف دينار نظرا للرضى بالتسمية. اللخمي: قال أشهب: يقسم على قدر القيم يوم الإباق؛ لأن الجعل إنما يبذل على ما يعرف منه يوم الإباق، والمشهور أبين لأنهما لم يدخلا على أن الجعل على العدد أو القيم. انتهى المراد منه. وفي التتائي عن ابن عرفة عن ابن رشد: إن جعل في الآبقين جعلا واحدا على أن لا شيء له إلا أن يأتي بهما معا فسد اتفاقا، وفيه إن وقع ما تقدم في الفاسد فإن كان على إن أتى بأحدهما فله نصف الجعل أو على إن أتى بفلان فله منه كذا وإن أتى بالآخر فله منه كذا جاز. انتهى.
ولكليهما الفسخ؛ يعني أن الجاعل والمجعول له يجوز لكل واحد منهما أن يحل عن نفسه عقد الجعل قبل الشروع في العمل بدليل ما بعده؛ لأن عقد الجعالة غير لازم على المشهور، وإطلاق الفسخ على غير اللازم مجاز، علاقته المشابهة للعقد اللازم. قاله الخرشي عن التوضيح. وقال التتائي: ولكليهما الفسخ قبل الشروع في العمل لأنه عقد جائز على المشهور، وقيل: لازم لهما كالإجارة، وقيل: لازم للمجعول له دون الجاعل. انتهى. ولزمت الجاعل بالمشروع؛ يعني أن الجعالة إذا شرع العامل في العمل فيها فإنها تلزم الجاعل فيسقط خياره دون العامل فهو باق على خياره إن شاء حل عن نفسه وإن شاء لم يحل وهذا هو المشهور، وظاهره ولو كان ما حصل به المشروع لا بال له، والمراد بالجاعل هنا ملتزم الجعل.
فرع: قال اللخمي: وأما البلاغ فإنها تلزم بالقول بلا خلاف كالإجارة، وهي جعالة لأن يحمل على نفسه أو على دابته أو على سفينته على أنه إن بلغ استحق وإن لم يبلغ لم يستحق. قاله
стр. 7534
الخرشي. وقال الشبراخيتي: ونحوه للخرشي، والمراد بالجاعل هنا ملتزم الجعل، وإنما قلنا المراد؛ لأن الجاعل يطلق على من تعاطى عقد الجعل. انتهى. وقال المواق: ابن يونس: للجاعل أن يفسخ الجعالة إذا لم يشرع المجعول له في العمل، وأما العامل فقد قال ملك له أن يدع العمل متى شاء ولا شيء له.
وفي الفاسد جعل مثله؛ يعني أن الجعل أي عقد الجعل الفاسد فيه جعل المثل إن تم العمل ردًّا له إلى صحيح نفسه وإن لم يتم العمل فلا شيء له، هذا هو المشهور، وقيل: له أجر مثله ردًّا له إلى صحيح أصله وهو الإجارة، فيأخذ بحساب ما عمل كصحيح الإجارة. إلا بجعل مطلقا فأجرته؛ يعني أن الجعل الفاسد إذا دُخِل فيه على أنه يأخذ جعلا مطلقا تم العمل أم لا فإنه يكون للعامل أجرة مثله تم العمل أم لا، مثال ذلك ما إذا قال له: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دراهم وإن لم تأتني به فلك ثوب مثلا، فهذا الجعل فيه أجرة المثل. قال عبد الباقي عند قوله: فأجرته؛ أي أجرة المثل وإن لم يأت به لأن هذا ليس بحقيقة الجعل، ويَرِد على قوله: وفي الفاسد جعل المثل الجعالة على رد آبق بنصفه فإنه إن وقع وقبضه العامل وفات ضمن لربه نصف قيمته يوم قبضه لأنه بيع فاسد وله أجرُ تعبه وعنائه في ذهابه ورجوعه إلى وقت هلاكه. انظر التوضيح. ووجه وروده أن العمل لم يتم لعدم قبض ربه. انتهى. قوله: وله أجرُ تعبه وعنائه في ذهابه ورجوعه لخ، عبارة التوضيح: له قيمة عنائه في ذهابه في طلبه ونصف قيمة عنائه في رجوعه إلى وقت هلاكه. انتهى. وهو الصواب. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: فأجرته أي أجرة المثل وإن لم يأت به، والفرق بين جعل المثل وأجرة المثل أن أجرة المثل يستحقها تم العمل أم لا، بخلاف جعل المثل. انتهى.
تنبيه: هل الباء في قوله: إلَّا بجعل شبية فيفسد العقد بسبب ذلك فيكون عقد الجعل فاسدًا إذا اشترط فيه أن للعامل الجعل مطلقا تم العمل أم لا؟ أو هي بمعنى مع فلا يفسد الجعل بمجرد ذلك، في كلام الخرشي ما هو صريح أو كالصريح في أنه يفسد بذلك، ونصه: ثم إن قوله: إلَّا بجعل مطلقا، هو من الفاسد أيضا. انتهى المراد منه. ولما كان المجعول عليه ضائعا يشبه موات الأرض ناسب ذكره بعد الجعل فقال:
стр. 7535
باب: في إحياء الموات
قال المواق: قال ابن يونس: وفيه ثلاثة أبواب: البابُ الأول في ملك الأرض بالإحياء، وفيه فصلان: ما يملك من الأرضين، وكيفية الإحياء. الباب الثاني: في المنافع المشتركة في البقاع كالشوارع والمساجد. البابُ الثالث: في الأعيان المستفادة من الأرضين كالمعادن والمياه. انتهى. وقال الخرشي: قال الشارح: المُوات بضم الميم، قال الجوهري: هو الموت وبالفتح ما لا روح فيه، وأيضا هو الأرض التي لا مالك لها ولا منتفَع بها. انتهى. ومنتفعَ بصيغة اسم المفعول بمعنى الانتفاع، وفي الحطاب: الموات بفتح الميم، ويقال الموتان بفتح الميم والواو، الأرض التي ليس لها مالك ولا بها ماء ولا عمارة ولا ينتفع بها إلا أن يجرى إليها ماء [ويستنبط] (١) فيها عين أو يحفر فيها بير، ويقال لها: ميتة والمُوات بضم الميم، ويقال: الموتان بضم الميم أيضا الموت الذريع. انتهى. وقال في التنبيه: الموات بالفتح لا غير، والموتان بالفتح لا غير، والواو تسكن وتفتح، والميت والميتة الأرض التي لم تعمر قط، ويطلق الميت والميتة على الأرض التي لم تمطر، وقال الأزهري: كل شيء من متاع الأرض لا روح فيه يقال فيه: موتان، وما فيه روح حيوان، وسميت مواتا تشبيها لها بالحيوان الميت في عدم الانتفاع به، وعرف المؤلف الموات بقوله:
موات الأرض ما سلم عن الاختصاص بعمارة؛ يعني أن الموات من الأرض أي الذي يستحقه من أحياه هو ما سلم أي تجرد عن الاختصاص بعمارة، قال الخرشي: والمعنى أن موات الأرض ما سلم عن الاختصاص، وإيضاح هذا أن موات الأرض هو ما كان باقيا على حاله ليس له مالك ولا به عمارة، فإن زالت عنه هذه الحالة بأن أجري فيه ماء مثلا فقد اختص بما أحدث فيه وصار ملكا لمن أحدث ذلك فيه، فقد كان عاما بسبب إباحته لجميع الناس، فلما أحدث فيه ما أحدث تخصص أي صار خاصا بمن أحياه، وقوله: بعمارة؛ يعني أن الاختصاص يكون بعمارة كبناء الأرض، فإذا بنى شخص بالموات فقد اختص الباني بذلك المكان، وإيضاح هذا الإيضاح أن من أعمر أرضا أو أجرى فيها ماءً مثلا بعد أن كانت مواتا فقد حصل له الاختصاص بها بسبب ما
стр. 7536
أحدث فيها وكانت قبل ما أحدث فيها عامة إباحتها لجميع الناس. واللَّه تعالى أعلم. وبعمارة يتعلق بالاختصاص كما للتتائي، أو بمحذوف خبر أي الاختصاص كائن بعمارة كما في الشبراخيتي.
ولو اندرست؛ يعني أن العمارة إذا اندرست فإنه لا يزول عن الأرض الاختصاص ولا ترجع الأرض مواتا فلا تكون لمن أحياها ثانيا، والخلاف الذي أشار إليه بلو ليس منصوصا بل هو مخرج، قال في البيان: ولا أعرف نص خلاف أن من اشترى مواتا أو اختطه لا يزول ملكه عنه بتركه إياه حتى يعود إلى حالته الأولى إلا أن الاختلاف يدخل في ذلك بالمعنى من مسألة الصيد يندُّ من صاحبه فيستوحش ويصيده غيره إذ قال محمد بن المواز: إن الثاني أحق به. ولم يفرق بين أن يكون الأول قد صاده أو ابتاعه فيلزم على قوله مثل هذا في إحياء الموات. انتهى المراد منه. وقوله: حتى يعود إلى حالته الأولى، غاية في الترك لا في قوله: لا يزول ملكه عنه. كما هو ظاهر. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. واللَّه تعالى أعلم.
إلا لإحياء، مستثنى من قوله ولو اندرست يعني أن العمارة لا يزول بسبب اندراسها عن الأرض اختصاصها المذكور كما عرفت هذا إذا كانت ناشئة عن ملك كشراء أو هبة، وأما إن كانت العمارة التي حصل بسببها اختصاص الأرض ناشئة عن إحياء فإن الاختصاص يزول عن الأرض باندراس العمارة اندراسا طويلا، ولا بد من طول مدة الاندراس كما في الخرشي، فترجع مواتا، فإذا أحياها شخص بعد ذلك فهي له أي لهذا الثاني. واللَّه سبحانه أعلم. قال بناني عند قوله: إلا لإحياء، ما نصه: حاصِلُ ما أشار إليه المص على ما يفيده نقله في التوضيح عن البيان أن العمارة تارة تكون ناشئة عن إحياء وتارة عن ملك، ويحصل الاختصاص بها إذا لم تندرس في القسمين، وأما إن اندرست فإن كانت عن ملك كإرث أو هبة أو شراء فالاختصاص باق اتفاقا خلافا لما تفيده لو في قول المص: ولو اندرست، وإن كانت عن إحياء فهل الاختصاص باق أو لا؟ قولان، وعلى الثاني درج المص ولكنه مقيد بما إذا طال الأمر كما في التوضيح عن ابن رشد، هذا هو الحق في تقرير المص، وما في الزرقاني تبعا للتتائي غير محرر، فقول المص: بعمارة؛ أي سواء كانت عن مُلْك أو إحياء، واللام في قوله: إلا لإحياء، بمعنى عن أي إلا العمارة الناشئة عن إحياء
стр. 7537
فاندراسها يخرجها عن ملك محييها، قال في التوضيح: فإن كانت عمارة إحياء فقولان، أحدهما: اندراسها يخرجها عن ملك محييها، ويجوز لغيره أن يحييها وهو قول ابن القاسم، والثاني لسحنون أنها للأول وإن عمرها غيره، حكاه عنه صاحب البيان وغيره، وقوله: ما سلم عن الاختصاص لخ، اعترضه المصطفى بأنه يقتضي أن حريم البلد لا يسمى مواتا لعدم سلامته من الاختصاص، وهو مخالف لا أطبق عليه أهل المذهب من أن حريم العمارة يطلق عليه أنه موات، وقد قال ابن شأس: الموات قسمان قريب من العمران وبعيد، القريب يفتقر لإذن من الإمام لخ، قال: وأصل هذا التعريف للغزالي، وارتكبه ابن شأس وابن الحاجب، وتبعهم المص، قال: والعجب من هؤلاء الأئمة كيف ارتكبوه مع مناقضته لكلامهم وكلام غيرهم من أهل المذهب؟ والصواب في تعريف الموات أنه ما لم يعمر من الأرض. انتهى. نقله بناني. قال: وفي التوضيح إشارة إلى نحو هذا الإيراد عند تقسيم الموات إلى قريب وبعيد، ويمكن أن يجاب عن المص بأن يجعل قوله: بعمارة، من تمام التعريف فيدخل فيه كل ما وقع فيه الاختصاص بغير العمارة كالحريم والحمى وما أقطعه الإمام، ويكون قوله: ولو اندرست، مبالغة على ما فهم من التعريف من أن المعمر ليس بموات، ويقدر لقوله: وبحريمها عامل يناسبه. والله أعلم. انتهى. قال الرهوني: هذا الجواب صحيح إلا أنه لا يخلو من تكلف، والأقرب عندي في الجواب عن بحث مصطفى أن المص لم يقصد تعريف كل موات، وإنما قصد تعريف خاص وهو ما يتعلق به الإحياء، وفائدة ذلك الإشارة إلى أن عموم الموات الواقع في الحديث المستفاد من وقوع النكرة في سياق الشرط مخصوص بموات لم يتعلق به حق لغير من أراد إحياءه. اهـ المراد منه. وعرف ابن عرفة إحياء الموات بقوله: هو لقب لتعمير داثر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها. انتهى. والمراد بتعمير داثر الأرض ما يشمل تفجير الماء وإخراجه مما يأتي للمص في الإحياء، واحترز بقوله: بما يقتضي لخ، عما لا يحصل به الإحياء من التعمير كالتحويط ورعي الكلإ وحفر بير الماشية، ولا يخفى أنه لا يعلم من التعريف ما يكون من التعمير مقتضيا للاختصاص وما لا يكون كذلك فهو من التعريف بما هو أخفى وهو ممتنع، ويجاب بأن بيانه لذلك بعد يدفع ذلك، ثم إن مقتضى هذا التعريف أن الإقطاع والحمى ليسا من الإحياء إذ ليس
стр. 7538
فيهما تعمير داثر الأرض وهو كذلك، وكلام المص لا يخالف ذلك لأنه جعلهما مما يحصل به الاختصاص الذي الإحياء من أقسامه، ولم يجعلهما من أفراد الإحياء الذي التعريف له فهما قسيمان للإحياء لا قسمان منه قاله الشبراخيتي.
تنبيهات: الأول: قدم المص الموات على الإحياء لتقدم الموات على الإحياء في الوجود، وقوله: موات الأرض، من إضافة الصفة للموصوف أي الأرض الموات أي الميتة، والمَوات بفتح الميم، وقوله: بعمارة، الباء للسببية. الثاني: اعترض بناني قوله: ولو اندرست، بأن صوابه وإن لدفع التوهم فليست لو للخلاف وقد مر الجواب عن المص وأنها للخلاف المخرج. الثالث: قد مر أن العمارة إذا كانت ناشئة عن إحياء واندرست فإن الاختصاص يزول عن الأرض وترجع مواتا، ومحل ذلك كما مر إن طال أمد الاندراس فإن لم يطل الأمر فقال عبد الباقي: ثم إن إحياء الثاني قبل طول إن كان عن جهل بالأول فله قيمة عمارته قائمة للشبهة، وإن كان عن [معرفته] (١) به فليس له إلا قيمة عمارته منقوضة بعد يمين الأول أن تركه إياه لم يكن إسلاما له وأنه كان على نية إعادته. قاله ابن رشد. قال الحطاب: وينبغي أن يقيد بأن لا يكون الأول علم بعمارة الثاني وسكت عنه وإلا كان سكوته دليلا على تسليمه إياه. فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. وفي المدونة: من أحيا أرضا ميتة ثم تركها حتى دثرت وطال زمانها وهلكت أشجارها وانهدمت آبارها وعادت كأول مرة ثم أحياها غيره فهي لمحييها آخرًا. ابن يونس: قياسا على الصيد إذا أفلت ولحق بالوحش وطال زمانه فهو للثاني. قال مالك: وهذا إذا أحيا في غير أصل كان له فأما من ملك أرضا بخطة أو شراء ثم أسلمها فهي له وليس لأحد أن يحييها. انتهى. نقله المواق.
الرابع: الأصل في الإحياء قوله ﷺ (من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق (٢)). قاله بناني. وقال الخرشي: والأصل فيه ما ثبت عن النبي ﷺ في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : (من أعمر أرضا ميتة
стр. 7539
ليست لأحد فهو أحق بها (١)). وخرج أبو داود عن عروة بن الزبير قال: أشهد (أن رسول اللَّه ﷺ قضى أن الأرض أرض اللَّه وأن العباد عباد اللَّه ومن أحيا مواتا فهو أحق بها، جاءنا بهذا عن النبي ﷺ الذين جاءوا بالصلاة عنه (٢)). اهـ. الخامس: معنى اندراس العمارة ذهاب عينها وخفاء أثرها. قاله الخرشي. السادس: قال ابن عرفة: ومعروض الإحياء ما لم يتعلق به حق ذي حق ويمنع في ما تعلق به ملك بغير إحياء ولا يصح بتبوره بالترك ويمنع في حريم المعمور. انتهى.
وبحريمها؛ يعني أن موات الأرض ما سلم عن الاختصاص بعمارة وما سلم عن الاختصاص بحريم العمارة. قال بناني: معنى كلام المصنف أن الاختصاص بالأرض يكون بعمارتها وبكونها حريم العمارة، فالباء سببية. انتهى. قال التتائي: وهو -يعني الحريم- ما ليس لأحد أن يحدث فيه ما يضر بها. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: في هذا الحد دور، واللَّه سبحانه أعلم. ولما كان الحريم يختلف باختلاف العمارة أخذ في بيانه، فقال: كمحتطب؛ أي الموضع الذي يؤخذ منه الحطب وهو مثال للحريم؛ يعني أن المكان الذي يحتطب منه أهل البلد من حريم البلد حيث كان المحتطب يلحق غدوا ورواحا أي ذهابا وإيابا في يوم مع قضاء مصالحه، كالانتفاع بالحطب من طبخ ونحوه فليس لأحد إحياؤه. ومرعى؛ يعني أن محل الرعي أي المحل الذي يرعى فيه مواشي أهل البلد حريم للبلد إذا كان المرعى يلحق غدوا ورواحا أي ذهابا وإيابا في يوم واحد مع ما يسع الرعي عادة وقضاء مصالحه كالانتفاع بالدواب من الحلب ونحو ذلك، فليس لأحد إحياؤه، وعلم مما قررت أن قوله:
يُلحقُ غدوا ورواحا، راجع للأمرين، وقوله: لبلد، قال الخرشي: حال من المحتطب والمرعى، وكمحتطب ومرعى خبر لمبتدأ محذوف؛ أي وذلك كمحتطب لخ. انتهى. وقال الشبراخيتي: كمحتطب ينتفع به لوقود أو غيره، ومرعى يلحق غدوا ورواحا راجع لهما، والمراد في يوم واحد مع ما يسع الاحتطاب والرعي فيه عادة، وقضاء مصالحه كالانتفاع بالحطب من طبخ ونحوه،
стр. 7540
والانتفاع بالدواب من الحلب والطبخ بلبنها وما يحتاج إليه، لا مجرد الغدو والرواح أي يلحق غدوا ورواحا لتحصيل المطلوب من الغدو والرواح، والغدو الذهاب أول النهار، والرواح الرجوع آخر النهار، وقوله: ورواحا معمول لقدر أي ويرجع منه رواحا أي في وقت الرواح، ولا يصح أن يكون العامل فيه يلحق لأنه يقتضي أن لحوقها به أي بالمرعى في وقت الرواح أيضا وليس كذلك، إذ الذي يكون في وقت الرواح إنما هو رجوعها من المرعى لنزلها، ثم إنه قد يكون الخروج وقت طلوع الشمس وقد يكون قبله، ووقت الرجوع يختلف أيضا، وقد يقيلون في وسط النهار وقد لا يقيلون، فيعتبر الغالب في ذلك كله، وقد يكون المحتطب أبعد من المرعى وعكسه، والظاهر أن الحريم أبعدهما. انتهى. وقال عبد الباقي: كمحتطب؛ أي مكان يقطع منه الحطب، ومرعى مكان رعي يلحق مبني للمجهول؛ أي ما ذكر أي يلحقه الراعي والحاطب غدوا على عادة وصول الراعين والحاطبين إليه أول النهار، ويلحق كل إلى محله في ذلك اليوم رواحا بعد الزوال للغروب مع مراعاة المقيل عادة حال كون كل من المحتطب والمرعى لبلد، وتقدير يلحق قبلَ رواحا مناسب للمص، فمعنى اللحوق في المعطوف عليه للمرعى والمحتطب، وفي المعطوف لبلد الرعاة والحطابين لا اللحوق للمحتطب والمرعى رواحا، ويصح تقدير يرجع في الثاني، والمعنى يدل كل عليه إذ المعنى يرجع لبلده لينتفع بالحطب في طبخ ونحوه وينتفع بالدواب في حلب وطبخ ما يحلب لا مجرد الغدو والرواح ولا تكلف فيه. انتهى. وقال في الجواهر: والاختصاص أنواع، الأول: العمارة إلى أن قال: النوع الثاني أن يكون حريم عمارة فيختص به صاحب العمارة ولا يملك بإحياء. اهـ.
تنبيه: قال ابن الحاجب: والاختصاص على وجوه، الأول: العمارة ولو اندرست فإن كانت عمارة إحياء فاندرست فقولان. قوله: العمارة أي عمارة ملك كما لو ملك أرضا بإرث أو هبة أو شراء. قال في المدونة: أو خطة، الخطة هي الإقطاع من الإمام أعم من أن يكون إقطاع تمليك أو إقطاع إحياء، وقلنا: مراده عمارة ملك لِمقابلتِه بقوله: فإن كانت عمارة إحياء لخ.
وما لا يضيق على وارد؛ يعني أن حريم البئر هو الذي لا يضيق على من يرد ذلك البئر. ولا يضر بماء؛ يعني أن حريم البئر هو الذي لا يضيق على الواردين ولا يضر بماء البئر، قال المواق: قال
стр. 7541
ابن شأس: أما البئر فليس لها حريم محدود لاختلاف الأرض بالرخاوة والصلابة، ولكن حريمها ما لا ضرر معه عليها، وهو مقدار ما لا يضر بمائها ولا يضيق مناخ إبلها ولا مرابض مواشيها عند الورود، ولأهل البئر منع من أراد أن يحفر أو يبني بيرا في ذلك الحريم. اهـ. وقوله: وما لا يضيق على وارد ولا يضر بماء؟ اعلم أن الكلام في الحريم الذي له المنع منه، وما لا يضيق ولا يضر ليس له المنع منه، ففي الكلام شيء، والجواب عن المص أن فيه تقديرَ مضاف وهو غاية؛ أي غاية الحريم ما لا يضيق لخ، وفي بعض النسخ: وما يضيق وهو بيان للحريم نفسه، وفيه حذف مضاف أيضا أي وداخل ما يضيق لخ وقوله:
لبير، راجع لهما كما قررت، وهو حال كما مر في قوله: لبلد، وما عطف على مدخول الكاف، وقوله: لبير، يعم كل بير، فقولُ عبد الباقي: وما لا يضيق على وارد عاقل أو بهيمة حريم لبئر ماشية، وأما بير الزراعة ونحوها فأشار له بقوله: ولا يضر بماء حريم لبير يقتضي أن ما يضر بماء خاص ببير الزراعة وليس كذلك، بل هو حريم لكل بئر. عياض: فحريم البئر ما يتصل به من الأرض التي من حقها أن لا يحدث فيها ما يضر بها لا باطنا من حفر بير ينشف ماءها أو يذهبه أو مطمر تطرح النجاسة فيه يصل إليها وسخها ولا [ظاهر] (١) كالبناء والغرس. قاله بناني. وقول عبد الباقي: وفي بعض النسخ لخ، هكذا أيضا اختلفت الرواية في المدونة بالنفي والإثبات، قال عياض: وكلاهما صواب، فما يضر فحريمها وما لا يضر هو حد حريمها. قاله بناني. وقد مر كلام ابن شأس في البئر قريبا فراجعه إن شئت تعرف به صحة ما قاله بناني. واللَّه سبحانه أعلم.
مسألة: سئل سيدي عبد القادر الفاسي رضي اللَّه تعالى عنه عمن أحيا بقعة من الأرض في جنب جبل قريبة من العمران أو بعيدة هل يختص بما فوقها مسامتا لها إلى قنة الجبل على جري العادة أم كيف الأمر؟ فأجاب: وأما من ملك أرضا في جنب جبل فيملك ما فوقها من الهواء على ما يمكن: ولا يملك ما يحاذيها وما يجاورها من البُقَع إلى قُنّة الجبل. قاله الرهوني. وقال
стр. 7542
التتائي: ولم يعتمد المؤلف على ما وقع من التحديد، فعن سحنون: حريم البئر والأرض والدار والوادِ في أرض غير مملوكة عشرون ذراعا، وقيل: ستون. وقال ابن نافع: حريم البئر العادية خمسون، والتي ابتدأ عملها خمسة وعشرون. وعكس ذلك أبو مصعب، وزاد: وحريم بير الزراعة خمس مائة ذراع، وحد النهر ما لا يضر بمن يرده. انتهى. وفي المدخل: حد النهر ألف ذراع، ثم قال: ولم يحد مالك في ذلك حدا إلا ما يضر بالناس، فعلى هذا لو كان أكثر من ألف ذراع إذا أضر بهم منع لخبر (لا ضرر ولا ضرار (١))، وعكسه إن كان أقل ولم يضر بالناس لم يمنع، ثم حكى عن ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة على أن الطريق لا يجوز تضييقها. انتهى. ثم رتب هو على ذلك أن البناء على النهر أكثر ضررا وأشد من تضييق الطريق؛ لأن الطريق يمكن المرور فيها مع تضييقها بخلاف النهر، فمن بنى عليه كان غاصبا له لأنه موردة للمسلمين، فإذا جاء أحد يَرِدُ الماء احتاج أن يدور من ناحية بعيدة حتى يصل إليه وليس عليه ذلك، فكان من أحوجه إلى ذلك غاصبا لخبر: (من أخذ شبرا من أرض طُوِّقَه يوم القيامة إلى سبع أرضين (٢)). رواه الشيخان. انتهى. وقال الشبراخيتي: ثم إن عدم الضرر بالماء حريم لكل بير وتزيد بير الماشية ما لا يضيق على الوارد لها، فقول التتائي الأول في بير الماشية والثاني في غيرها فيه نظر. انتهى. وقوله: لبير، في بعض النسخ لكبير باللام والكاف جميعا وهي واضحة لشمولها الغدران والبرك والأنهار في ذلك ولا كذلك تلك النسخة الأولى.
وما فيه مصلحة لنخلة؛ يعني أن حريم النخلة هو قدر ما يرى فيه مصلحتها ويرجع في ذلك لأهل المعرفة، ولا مفهوم لنخلة، ولو قال: لشجرة، كان أشمل وإنما ذكر النخلة لأن أصل (الحديث) إنما ورد فيها فذكرها تبركا بالحديث. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وما فيه مصلحة عرفا حريم لِنخلةٍ وشجرة، واقتصر على النخلة لأن أصل الحديث إنما ورد فيها فذكرها تبركا به. انتهى. وقال الشبراخيتي: وما فيه مصلحة لنخلة ويرجع في ذلك لأهل المعرفة، ولا مفهوم له أي نخلة أو زيتونة أو كرمة أو جميزة أو نحو ذلك، ولو قال: لشجرة، لكان أشمل.
стр. 7543
انتهى. وقال المواق: سأل ابن غانم مالكا عن حريم النخلة؟ فقال: قدر ما يرى أن فيه مصلحتها ويترك ما أضر بها. وسئل عن ذلك أهل العلم؟ وقد قالوا: من اثنيْ عشر ذراعا من نواحيها كلها إلى عشرة أذرع، وذلك حسن. ويسأل عن الكرم أيضا وعن كل شجرة أهل العلم به فيكون لكل شجرة بقدر مصلحتها. اهـ. ونحوه للتتائي، ولما كانت الدار على ضربين محفوفة بموات ومحفوفة بأملاك أشار لحريم الأولى بقوله:
ومطرح تراب ومصب ميزاب لدار، يعني أن حريم الدار المحفوفة بالموات هو ما يرتفق به أهلها من مكان يطرح فيه ترابها ويسيل فيه ماء ميزابها، وقوله: ومطرح، هو محل الطرح ومصب ميزابها هو المحل الذي يصب فيه الميزاب، ولو قال: كميزاب، ليشمل مصب المرحاض لكان أشمل، ثم إنه يراعى في التراب ما جرت العادة بطرحه بحريمها لا ما يندر. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ومطرح تراب ويراعى فيه ما جرت العادة بطرحه بحريمها لا ما يندر، ومصب ميزاب لو قال: كميزاب، ليشمل مصب المرحاض لكان أحسن لدار محفوفة بموات. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: لدار، راجع للفرعين قبله، ونحوه لعبد الباقي: وقال المواق: قال ابن شأس: حريم الدار المحفوفة بالموات ما يرتفق به من مطرح تراب ومصب ميزاب. ابن عرفة: مسائل المذهب تدل على صحة ما قال ابن شأس. اهـ. وقال التتائي عند قول المص: لدار: ابن عرفة هذا الحكم في هذه الصورة لا أعرفه لأحد من أهل المذهب، لكن مسائل المذهب تدل على صحته. منها قولها: لمن حفر بيرا منع من أراد أن يبني أو يحفر بيرا في حريمها ولو لم يكن على البير من حفر بير أخرى ضرر لصلابة الأرض لما يضر بهم من مناخ الإبل ومرابض المواشي عند ورودها ونحو هذا في الأمهات كثير، وتبع ابنُ الحاجب وابنُ شأس في لفظهما الغزاليَّ، ففي وجيزه: وأما الدار فإن كانت في موات فحريمها مطرح التراب والثلج ومصب الميزاب والممر في صوب الباب. انتهى. وأشار للثانية بقوله:
ولا تختص محفوفة بأملاك، يعني أن الدار المحفوفة بالأملاك ليس لها حريم خاص بها، أي أن الدار المحفوفة بأملاك من دار ونحوها لا تختص هي وحدها بالحريم، ونفي الاختصاص لا يستلزم أن لا يكون لها حريم لأن نفي الأخص لا يسلتزم نفي الأعم، وهذا واضح فيما إذا لم يكن
стр. 7544
بعضها أقدم من بعض، وأما إن كان بعضها أقدم من بعض وثبت للأقدم حريم ثم حصل إحياء الثاني فالظاهر أن القديمة تختص بما ثبت لها من الحريم قاله الشبراخيتي. ونحوه لعبد الباقي، فإنه قال: ولا تختص دار محفوفة فاعل وعلق به بأملاك ومتعلق تختص محذوف وهو بحريم خاص يمنع من انتفاع الغير به، واستلزم ذلك أن لكل من الجيران الانتفاع بذلك، وإنما صرح بقوله: ولكل من ذوي الأملاك الانتفاع لأجل تقييده بقوله: ما لم يضر بالآخر، ولا تناقض في كلامه لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم بخلاف العكس، وكلامه من القسم الأول، ثم إن قوله: ولا تختص محفوفة بأملاك محله ما لم يكن بعضها أقدم من بعض في الإحياء وإلا قُدِّمَ حيث ثبت له حريم على غيره. اهـ كلام عبد الباقي. فتحصل من هذا أنَّ معنى قوله: ولا تختص لخ، الدار المحفوفة بالأملاك تشترك مع غيرها من الأملاك في الحريم فينتفع كل بذلك الحريم المشترك انتفاعا لا يضر بالآخر. والله تبارك وتعلى أعلم. وقوله: لأن نفي الأخص لخ، قال بناني: فإن الاختصاص الذي نفاه المص أخص من الانتفاع الذي أثبته وإثبات الأعم لا ينافي نفي الأخص ونحو هذا في التوضيح. انتهى. وقال المواق: قال ابن شأس: المحفوفة بالأملاك لا تختص ولكل الانتفاع بملكه وحريمه. انتهى. قال التتائي: قال ابن عرفة: في تسويته الانتفاع بحريمه وملكه بمجرد عطفه عليه نظر، لأن مسمى حريمه المغاير لِمسمى ملكه لعطفه عليه إنما يصدق على الفناء وليس انتفاعه به كانتفاعه بملكه إذ يجوز كراؤه ملكه مطلقا، وأما فناؤه فسمع ابن القاسم: لأرباب الأفنية التي انتفاعهم بها لا يضيق على المارة أن يكروها. ابن رشد: لأن كل ما للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه. قلت: وهذه الكلية غير صادقة لأن بعض ما للرجل أن ينتفع به لا يجوز له أن يكريه كجلد الأضحية وبيت المدرسة للطالب ونحوه وفناء الدار وما بين يدي بنائها فاضلا عن حد الطريق العد للمرور غالبا كان بين يدي بابها أو غيره، وكان بعض شيوخنا يشير إلى أنه الكائن بين يدي بابها وليس كذلك، ولا يباح لذي الفناء أن يدخله في داره، فإن فعل وهو يضر بالطريق هدم عليه ورد كما كان، وإن كان لا يضر ففي هدمه عليه كذلك قولان. اهـ.
стр. 7545
وبإقطاع، عطف على بعمارة، يعني أن الاختصاص يكون بإقطاع الإمام، أي إعطائه أرضا فيملكها من أقطعها له فيبيعها ويهبها وتورث عنه. قال الخرشي: الإقطاع مصدر قولك: أقطعه إذا ملكه أو أذن له في التصرف في الشيء. قال أبو السعادات: والإقطاع يكون تمليكا وغير تمليك. قال أهل اللغة: استقطعت الإمام قطعة، أي سألته إياها فأقطعني أي أذن لي فيها وأعطانيها، وسميت قطيعة لأنه اقتطعها من جملة الأرض. ومعنى كلام المؤلف أن الاختصاص يكون بإقطاع الإمام لأحد فيملكه فيبيعه ويهبه ويورث عنه، وسواء كان في المهامه والفيافي أو في قرية من العمران. قال في التوضيح: وليس كالإحياء وإنما هو تمليك مجرد، فله بيعه وهبته ويورث عنه رواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم. اللخمي: وهو ظاهر المذهب. انتهى. وهذا يشعر بأن الاختصاص الحاصل في شيء بالإحياء لا يوجب ملكه له أي دائما، ويدل له ما يأتي في حريم البلد أن للإمام أن يأذن في إحيائه. وقال الأجهوري في شرحه: والمشهور أن إقطاع الإمام يحتاج لحوز كسائر العطايا ولو أقطعه على أن عليه كل عام كذا عمل به. قال ابن عرفة: فإن شرط عليه في الإقطاع العمارة اعتبرت، وإن نص على لغوها سقطت اتفاقا وإلا فطريقان، وظاهر كلام ابن رشد أن الإقطاع لا يكون إلا من الإمام أو بإذنه فإنه ليس للعامل أن يقطع شيئا من الموات إلا بإذن الإمام. انتهى. فظاهره أن الإذن من الإمام معتبر ولو على وجه العموم فيه بأن يأذن له في إقطاعه لمن أراد. انتهى المراد منه. انتهى ونحوه لغيره. قوله: يحتاج لحوز كسائر العطايا يأتي ما فيه، وقال التتائي: وبإقطاع من الإمام، قال في التوضيح: وليس هو من الإحياء وإنما هو تمليك مجرد، فله بيعه وهبته ويورث عنه. رواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم. اللخمي: وهو ظاهر المذهب. وظاهره وسواء كانت في المهامه والفيافي أو قريبا من العمران، ولا يطالبه الإمام بعمارتها بخلاف الإحياء. ولما ذكر ابن عرفة الخلاف في المطالبة بالعمران قال: فالحاصل إن شرط في الإقطاع العمارة اعتبرت لخ ما مر قريبا. وقال عبد الباقي: والاختصاص بإقطاع الإمام لأرض موات ولأرضٍ تركها أهلها لكونها فضلت عن حاجتهم كما في أحمد، ويفتقر الإقطاع إلى حيازة على المشهور كسائر العطايا. انتهى. قوله: ولأرض تركها أهلها لخ، قال الرهوني: قال التاودي: انظر هذا فإن الظاهر أنه لا كلام له في هذه بل هي لأهلها. انتهى. وهو ظاهر. انتهى. وقوله:
стр. 7546
ويفتقر إلى حيازة على المشهور، قال الرهوني: كلام بناني يفيد أنه سلم التشهير ولكن العمل بخلافه وليس كذلك، فإن أبا الوليد بن رشد لم يعرف القول بذلك أصلا فضلا عن أن يكون مشهورا، إنما ذكر أن بعض الناس تأول ذلك على ما في رسم الأقضية الثالث من سماع القرينين، قال القاضي أبو الوليد رضي الله تعلى عنه بعد كلام: فإذا أقطع الإمام أحدا شيئا في الأرض المعمورة فلا كلام في أن المقطع يستحقه بنفس الإقطاع فيورث عنه ويكون له أن يتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره، وأن للإمام أن يأخذه بإحيائه، فإن لم يفعل وعجز عن ذلك أقطعه سواه إذ ليس له أن يحجر ما أقطعه على الناس فلا ينتفع به هو ولا سواه، ثم قال بعد كلام: وأما لو أحياها سواه قبل أن يعجز هو عن عمارتها وهو عالم بذلك لكان متعديا عليه فيها لأنه قد استوجبها بنفس الإقطاع وإن لم يحزها بعمارة ولا بناء، خلاف ما تأول بعض الناس عليه ما وقع في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب وليس ذلك بتأويل صحيح. انتهى. وقد ذكر الخلاف ابن سلمون والمتيطي والجزيري وغيرهم على وجه يفيد ضعفه، قال المتيطي: ولا يحتاج لحيازة بخلاف الهبة، وقيل: لا بد فيه من الحيازة، وبالأول العمل. انتهى. وفي المقصد المحمود: ولا يفتقر الإقطاع إلى حوز إذ ليس بهبة، وإنما هو بمعنى الحكم، وقيل: يفتقر إلى حوز، وذلك ضعيف. وإن لم يُشهد أميرُ المؤمنين جازت علامة يده في عقد الإقطاع، ولا يجوز إقطاع الأمراء والقواد والقضاة وإنما ذلك للخليفة خاصة. انتهى كلام الرهوني. ثم قال: فالمشهور والمعمول به متحدان. والله تعلى أعلم. وقد مر قول ابن عرفة: وإن لم يذكر شرطها ولا لغوها فطريقان. اهـ. أي وإن لم يشترط العمارة ولا لغوها فطريقان في أن للإمام مطالبته بالعمارة أو ليس له ذلك، الأولى: لزوم اعتبار العمارة لابن رشد مع ابن زرقون عن غير واحد من الشيوخ، والثانية: عدم اعتبارها لابن شأس عن الأستاذ الطرطوشي مع الباجي ونقل اللخمي عن المذهب، وقال في التوضيح: ولا يطالبه الإمام بعمارتها بخلاف الإحياء هكذا قال اللخمي: إنه ظاهر المذهب، ولمطرف وابن الماجشون: إذا ظهر عجزه فللإمام أن يقعطها لغيره ابن زرقون: رأى غير واحد أنه تفسير، وعده الباجي خلافا، والأول أظهر إذ لا منافاة بينهما لأن الإقطاع في الأول لم يكن للعمارة. انتهى. قاله بناني.
стр. 7547
ولا يقطع معمور العنوة ملكا، يعني أن الأرض التي أخذت عنوة كمصر ومكة والشام والعراق لا يجوز للإمام أن يقطع معمورها لأحد ملكا بل إمتاعا، ولا يجوز شراء أرض مصر ولا تقطع لأحد. قال غير واحد: لأنها فتحت عنوة. قال ابن رشد: الإقطاع يكون في البراري والمعمور إلا معمور أرض العنوة التي حكمها أن تكون موقوفة. قال ابن عرفة: يريد إقطاع تمليك، وأما إقطاعها للانتفاع بها مدة فجائز. قاله الطرطوشي. قال عبد الباقي: ولا يقطع الإمام لأحد معمور أرض العنوة كمكة والشام ومصر والعراق كما مر في الجهاد الصالحة للزراعة ولا عقارها ملكا، أي لا يجوز له ذلك لأنها وقف بمجرد الاستيلاء بل إمتاعا، وأما معمور غير العنوة فيقطعه ملكا وإمتاعا، كما أنه يقطع موات العنوة إمتاعا وملكا، ومفهوم العنوة أن أرض الصلح لا يقطع معمورها ولا مواتها لا ملكا ولا إمتاعا وهو كذلك كما مر في الجهاد، ووقع في عبارة عبد الباقي هنا قلق، وهو قوله: كمعمور العنوة غير عقارهم لخ، إذ في تسميته مَعمورًا نظر، والصواب أنه موات وأنه خارج عن كلام المص، كما قاله بناني. والله سبحانه أعلم. وقال التتائي: ولا يقطع معمور العنوة ملكا بل إمتاعا. ابن رشد: وللخمي جوازُ إقطاع معمورها وليس بصحيح على مذهب مالك من رواية ابن القاسم. ابن عرفة: في النوادر ما نصه قال سحنون: إنما الإقطاع فيما فضل عن منافع ملك أهل الأرض من المسارح والمراعي، (وقد أقطع النبي ﷺ الزبير أرضا فيها نخل من أموال بني النضير (١))، (وأقطع عمر للناس العقيق أجمع (٢)). الباجي في [المدنية (٣)]: لا بأس أن يقطع الإمام الأغنياء إن كان أقطع الفقراء بما يكفيهم. قلت: الإقطاع لا يكون إلا لمصلحة المسلمين، فإن تعدد ذو الصلحة وتقاربوا في تحصيلها بدئ بفقيرهم قبل غنيهم، ولو انفرد الغني بتلك المصلحة دون الفقير صح تبدئته عليه: كمصلحة الجهاد في ذوي الفروسة وقتال عدو الدين ومصلحة خدمة العلم تعلما وتعليما. اهـ. (وقد أقطع رسول الله ﷺ بلال بن الحارث معادن القبلية (٤)) بفتح القاف والباء الموحدة، (وتميما الداري عينون بالشام
стр. 7548
قبل فتحها، وأبا ثعلبة الخشني شيئا من بلاده قبل فتحها (١)). وروي عنه ﷺ (أنه أقطع بلالا من العقيق ما يصلح للعمل فلم يعمله، فقال له عمر: إن قدرت على عمله وإلا أقطعته للناس، فقال: أقطعنيه رسول الله ﷺ ، فقال عمر له: إنه ﷺ اشترط عليك شرطا فأقطعه عُمرُ الناس (٢)). وقال المواق: ابن شأس: النوع الآخر من أنواع الاختصاص الإقطاع إذا أقطع الإمام رجلا أرضا كانت ملكا وإن لم يعمرها ولا عمل فيها شيئا يبيع ويهب ويتصرف وتورث عنه وليس هو من الإحياء بسبيل وإنما هو تمليك مجرد، يعني أن الإحياء لا يحصل إلا بعمارة بخلاف الإقطاع، قال ابن القاسم: وسواء كانت الأرض التي أقطعها في المهامه والفيافي أو قريبة من العمران. سحنون: ما كان في أرض العنوة لم يعمل ولا أجري فيها ملك لأحد فهي لمن أحياها. الباجي: لا فرق بين موات أرض العنوة أو غيرها، هي لمن أحياها. ومن المدونة: لا يجوز شراء أرض مصر ولا تقطع لأحد، قال غير واحد: لأنها فتحت عنوة. ابن رشد: الإقطاع يكون في البراري والمعمور إلا أرض العنوة التي حكمها أن تكون موقوفة. ابن عرفة: يريد إقطاع تملك، وأما إقطاعها للانتفاع بها مدة فجائز. قاله الطرطوشي وغيره. انتهى. وقال الخرشي: فلو أقطع معمور العنوة ملكا فهل يمضي؟ كما لو قسم أرض العنوة بين الجيش أو لا يمضي لأنه الأصل وهو الظاهر لأنه وقف. انتهى.
وبحمى إمام، يعني أن الاختصاص يكون بحمى إمام، فالموضع الذي حماه الإمام بالشروط التي تذكر لا يجوز لأحد أن يحييه، والحمى قال المواق: قال الباجي: هو أن يحمي موضعا لا يقع به التضييق على الناس للحاجة العامة لذلك لماشية الصدقة والخيل التي يحمل عليها. ابن عرفة: يقوم من هذا تأخير صرف الزكاة لمصلحة. اهـ. وقال بناني: والأصل في الحمى ما رواه البخاري عن مصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ قال: (لا حِمَى إلا لله ولرسوله (٣)). وقال ابن شهاب: وبلغنا (أن النبي (رسول الله) ﷺ حمى النقيع (٤)). ورواه أيضا أبو
стр. 7549
داود والنسائي. ولفظ النقيع بالنون قبل القاف وهو موضع على عشرين فرسخًا من المدينة هو صدر واد العقيق. قاله في المشارق. اهـ. وقال الخرشي: حماه ﵇ لا ينقض بخلاف غيره من الولاة فيجوز نقضه لمصلحة سواء كان الناقض له من حماه أو غيره. انتهى. وقال عبد الباقي: وبحمى إمام أو نانبه المفوض له وإن لم يفوض له في خصوصه، بخلاف الإقطاع فإنما يفعله النائب بشرط إذن الإمام في خصوصه كما مر، والفرق أن الإقطاع يحصل به التمليك كما مر بخلاف الحمى وهو بالقصر فقط كما في المشارق، وظاهر القاموس جواز المد، وهو بمعنى المحمي، وهو مصدر بمعنى المفعول، وهو خلاف المباح وتثنيته حميان. انتهى. والمصنف هنا إنما يفسر عندي بالمعنى المصدري كما مر عن المواق وكما في الشبراخيتي، وحكى الكسائي أنه سمع في تثنيته حموان بالواو. قاله بناني. والصواب الأول لأنه يائي، وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلا مخصبا استعوى كلبا على مكان عال، فحيث انتهى صوته حماه من كل جانب لا يرعى فيه غيره ويرعى مع غيره فيما سواه، وأما الحمى الشرعي فهو أن يحمي الإمام موضعا خاصا يمنع فيه رعي كلإ ليتوفر لرعي دواب خاصة. انتهى. وقال الحطاب مفسرا لقوله: وبحمى إمام: يعني أن الوجه الرابع من أوجه الاختصاص التي تَمنعُ إحياء الموات الحمى، والحِمى بكسر الحاء المهملة وفتح الميم والقصر هو المكان الذي يمنع رعيه ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواشٍ مخصوصةٌ، ويمنع غيرها من رعيه، والكلأ بالهمز من غير مد هو المرعى رطبا كان أو يابسا، والخلا بالقصر من غير همز النبات الرطب، قال في المشارق: وضبطه السمرقندي والعذرى مرة بالمد وهو خطأ، وقال الحافظ ابن حجر: ومن مده فقد أخطأ، والحشيش [هو السعب] (١) اليابس، وأما الحمى الشرعي فهو أن يحمي الإمام موضعا لا يقع به التضييق على الناس للحاجة العامة إلى ذلك، إما للخيل التي يحمل عليها الناس للغزو، أو لماشية الصدقة، ولابد من كون الحامي هو الإمام أو نائبه، كما قال المص: وبحمى إمام، فليس لأحد من الناس غيره أن يحمي. اهـ. وقال التتائي: ولجواز الحمى شروط أشار لأولها بقوله:
стр. 7550
محتاجا إليه، يعني أنه لا يجوز للإمام أن يحمي موضعا إلا إذا دعت حاجة المسلمين إلى ذلك لنفعهم، فلا يحمي لنفسه ولا لأحد عند عدم الحاجة إليه. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: الشرط الثاني أن يكون ذلك الحمى محتاجا إليه أي لمصلحة المسلمين، إما لخيل المجاهدين والإبل التي يحمل عليها للغزو أو لماشية الصدقة، قال الشافعية: ويجوز للإمام أن يحمي للضعفاء من المسلمين لترعاه مواشيهم ويمنع الأغنياء، وكذلك يجوز للإمام أن يحمي للمسلمين ويمنع منه أهل الذمة. قلت: والظاهر أن هذا جار على مذهبنا كما يؤخذ من حديث الموطإ الآتي، وقوله: (أدخل رب الصريمة والغنيمة (١)). وقول الحطاب: الشرط الثاني والأول الإمام في كلام اللخمي، وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: قل، يعني أن هذا الموضع المحمي لا بد أن يكون قليلا بأن لا يضيق على الناس بأن يكون فاضلا عن منافع أهل ذلك الموضع، فلا يجوز أن يكون الحمى كثيرا يضر بالناس ويضيق عليهم، وللثالث بقوله: من بلد، أي محل أي موضع من الأرض عفا، أي لا بناء فيه ولا غرس: قال عبد الباقي: وهذا غير ضروري الذكر لاستفادته من قل. اهـ. وقال الحطاب: أي ليس فيه بناء ولا غرس، فلا يجوز أن يكون الحمى في المواضع المعمورة بالبناء والغرس، وأشار المص ﵀ بما ذكره في هذين الشرطين إلى ما قاله سحنون ونقله في النوادر وغيرها، قال في التوضيح: قال سحنون: الأحمية إنما تكون في بلاد الأعراب العافية التي لا عمارة فيها بغرس ولا بناء، وإنما تكون الأحمية فيها في الأطراف حتى لا يضيق على ساكن، وكذلك الأودية العفاء التي لا مساكن بها إلا ما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمراعي. اهـ. وجعل الشارح قول المص: قل من بلد عفا، شرطا واحدا، وأشار إلى الشرط الرابع بقوله:
لكغزو، يعني أنه يشترط في الحمى أن يكون لمصلحة المسلمين كالخيل للغزو والإبل للحمل في الجهاد ودواب الصدقة، وقوله: لكغزو، متعلق بمحتاجا فلا يحمي الإمام لنفسه وإنما يحمي لكغزو، والحمى للنفس من خصائصه ﷺ كما مر، قال الإمام الحطاب: قالوا:
стр. 7551
ولم يقع ذلك منه ﷺ ، قال الشيخ زكريا: ولو وقع ذلك منه ﷺ لكان ذلك من مصالح المسلمين، لأن ما كان مصلحة له ﷺ فهو مصلحة لهم وهو كلام صحيح. اهـ. وقال عبد الباقي: لكغزو ودواب صدقة ودواب فقراء، وقال: قال - يعني الحطاب - وللشافعية يجوز الحمى لفقراء المسلمين دون أغنيائهم وللمسلمين دون أهل الذمة ولا يجوز العكس في المسألتين.
تنبيهات: الأول: قال في النهاية في معنى الحديث: (لا حمى إلا لله ولرسوله (١)) أنه ﷺ نهى عما كانت تفعله الجاهلية، وأضاف الحمى لله ولرسوله أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله. اهـ. وقال ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب لما ذكر الحديث تأوله الجمهور على معنى أنه لا ينبغي أن يُحمَى إلا كما حَمَى رسول الله ﷺ لخيل المهاجرين، وشبه ذلك مثل ما فعله الخلفاء بعده حموا لإبل الغزاة. اهـ. وقال الجلال السيوطي في حاشية البخاري: قوله: (لا حمى إلا لله ولرسوله)، قال الشافعي: يحتمل معنيين أحدهما: لا حِمى إلا ما حماه ﷺ ، والثاني: لا حِمى إلا مثل ما حماه؛ فعلى الأول ليس لأحد من الولاة أن يحمي بعده، وعلى الثاني يختص بمن قام مقامه وهو الخليفة دون نوابه. اهـ. ومقتضى كلامه أنه يتفق على أنه ليس لنواب الإمام أن يحموا، وقال في فتح الباري: والأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم. اهـ. وقوله في الحديث الشريف: لا حمى، بلا تنوين. وفي بعض الروايات بالتنوين، فتكون حينئذ لا بمعنى ليس، أي فتكون للاستغراق على الأول بخلاف الثاني، وقالت الشافعية: وينبغي للمولى إذا حمى أن يجعل للحمى حافظا يمنع أهل القوة من الرعي فيه ويأذن للضعيف والعاجز، فإن دَخَله أحد من أهل القوة ورعى منع ولا غرم عليه ولا تعزير، قال الحطاب: وهو ظاهر وكلام أهل المذهب يقتضيه، فقد قال المص في التوضيح وابن عبد السلام: (وقد صح أن عمر ﵁ قال لِهُنَيٍّ حين ولاه على الحمى أدخل رب الصريمة والغنيمة
стр. 7552
وإياي ونعم ابن عوف وابن عفان). اهـ. إلا أن قولهم: لا تعزير، فيه نظر، والظاهر أن من بلغه النهي وتعدى بعد ذلك ورعى في الحمى فللإمام أن يعزره بالزجر والتهديد، فإن تكررت منه المخالفة فيعزره بالضرب، وقولهم: لا غرم عليه ظاهر لا شك فيه. والله أعلم. قاله الحطاب.
الثَّاني: هذا الذي ذكره ابن عبد السلام عن عمر رضي الله تعلى عنه هو ما رواه مالك رضي الله تعلى عنه في آخر جامع الموطإ في باب ما يتقى من دعوة المظلوم: عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ (استعمل مولى له يدعى هُنَيًّا على الحمى، فقال: يا هني اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف وابن عفان فإنهما إن تهلك مواشيهما يرجعان إلى المدينة إلى زرع ونخل: وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأتيني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من المذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا (١)). انتهى. وهذا الحديث رواه البخاري وهو ثابت في الموطإ موجودا في جميع نسخه، وهذا الحمى هو حمى الربذة بالتحريك والذال المعجمة على ثلاث مراحل من المدينة من جهة مكة، والصريمة مصغر صرمة بالكسر القطعة من الإبل، وقوله: يدعى هنيا بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء، قال النووي: هكذا ضبطه ابن ماكولا وغيره من أهل الإتقان، وكون ءاخره همزة خطأٌ ظاهر، روى هني عن أبي بكر وعمرو ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، وقوله: اضمم جناحك، أي اكفف يدك عن ظلمهم في المال والبدن، والجناح اليد، قال تعلى: ﴿اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. وفي رواية البخاري: (اضمم جناحك عن المسلمين (٢))، وقال أبو عمر: قوله: اضمم جناحك، يقول: لا تستطل على أحد لمكانك مني، وقوله: واتق دعوة المظلوم، كناية لطيفة عن النهي عن الظلم، وقوله: وأدخل رب الصريمة بهمزة قطع مفتوحة وكسر الخاء المعجمة، ومتعلق الإدخال محذوف، والمراد المرعى،
стр. 7553
والصريمة بضم الصاد مصغر الصرمة بكسر الصاد المهملة وهي القطعة من الإبل نحو الثلاثين. قاله في الصحاح. وقال الأسنوي: ما بين العشرة إلى الثلاثين من الإبل خاصة. وقال في القاموس: ما بين العشرين إلى الثلاثين أو إلى الخمسين أو إلى الأربعين أو ما بين العشرة إلى الأربعين، أو ما بين العشرة إلى بضع عشرة، والغنيمة على وزن الصريمة مصغرٌ أيضا هي ما بين الأربعين إلى المائتين. قاله الأسنوي. وقوله: وإياي ونعم ابن عوف وابن عفان، فيه تحذير التكلم نفسه وهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهور النحويين، قال الأسنوي: وقد وقع في الرافعي وغيره بالكاف، والوارد في رواية الشافعي وغيره إنما هو بالياء، وخص ابن عوف وابن عفان رضي الله تعالى عنهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما لأنهما من مياسير الصحابة، قال الحطاب: وظاهر الخبر أنه أراد منع نعمهما ليتوفر المرعى لإبل الصدقة، خلاف ما لابن حجر أنه لم يرد منعهما البتة، وإنما أراد إذا لم يسع المرعى إلا أحد الفريقين فنعم المقلين أولى، فنهاه عن إيثارهما على غيرهما أو تقديمهما على غيرهما، وقوله: يأتني، كذا في أكثر نسخ الموطأ بحذف الياء للجزم في جواب الشرط وهو الراجح، وفي بعض النسخ يأتيني بإثبات الياء وهو ضعيف، وقوله: ببنيه، كذا في نسخ الموطإ بالنون قبل المثناة التحتية جمع ابن وهي رواية الكشميهني في البخاري، ووقع عند أكثر رواة البخاري ببيته بالمثناة التحتية ثم الفوقية بلفظ البيت، والمعنى متقارب، وقوله: فيقول: يا أمير المؤمنين، مقول القول محذوف لدلالة السياق عليه، ولأنه لا يتعين في لفظ مخصوص نحو يا أمير المؤمنين أنا فقير أنا محتاج إلى كذا، وقوله: أفتاركهم أنا؟ استفهام إنكاري، أي لا أتركهم محتاجين، وقوله: لا أبا لك، مذهب سيبيويه والجمهور أنه مضاف واللام زاندة مؤكدة لمعنى الإضافة معتد بها من حيث إن اسم لا لا يضاف إلى معرفة، فاللام لصون اسم لا عن الإضافة لمعرفة، وغير معتد بها من حيث إن ما قبلها منصوب بالألف، وإنما ينصب بها إذا كان مضافا ويشكل على هذا لا أبا لي، لأنه لا ينصب بالألف إذا أضيف للياء، وقال ابن الحاجب وابن مالك: شبيه بالمضاف، وسمع لا أباك بدون لام وهو شاذ، وقوله: إنهم ليرون بضم التحتانية أوله بمعنى الظن وبفتحها بمعنى الاعتقاد، وقوله: قاتلوا عليها في الجاهلية، قال ابن المُنيّر: لم يدخل ابن عوف ولا ابن عفان في ذلك، فالكلام عائد على عموم
стр. 7554
أهل المدينة لا عليهما، وقوله: لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، قال في فتح الباري: من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد مركوبا، وجاء أن عدة ما كان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل بينهما. اهـ. وقال الأسنوي: قوله: لولا المال الذي أحمل عليه أي الخيل التي أحمل عليها من لا مركوب له. قال مالك ﵁: وكانت عدتها أربعين ألفا. اهـ. وهو مخالف لما ذكره في فتح الباري، وفي هذا الأثر أن عمر رضي الله تعلى عنه بمكان من التقى، وأنه لا يخاف في الله لومة لائم لأنه لم يداهن عثمان ولا عبد الرحمن: وآثر المساكين والضعفاء، وبَيَّن وجه ذلك، وامتثل قوله ﷺ : (لا حمى إلا لله ولرسوله (١))، يعني إبل الصدقة. قال ابن عرفة: لما ذكر عن الباجي أنه يحمي لماشية الصدقة يقوم منه طول تأخير صرف الزكاة إذا كانت (٢) لتأخر مصرفها، وقد مر هذا.
الثالث: قال الشافعية: إن ما حماه الرسول ﷺ لا ينقض فلا ينقض حمى النقيع، وأما ما حماه غيره من الولاة فيجوز نقضه لمصلحة، وسواء كان الناقض هو الذي حماه أو غيره. قال الحطاب: هذا ظاهر إن ثبت أنه ﷺ لا حمى النقيع أمر أن يجعل ذلك حمى للمسلمين، دائما وأما إذا حماه في سنة من السنين ولم يفهم أن ذلك حكم مستمر فالظاهر أنه لا يلزم استمراره، ولو ثبت ذلك لاستمر عمل الخلفاء بعده على حمى ذلك الموضع. انتهى. ويقال: أحمى المكان رباعيا وحماه ثلاثيا وهو الذي في الحديث، قال الحطاب بعد كلام: فعلم من كلامه في المشارق أنه يقال: حميته بالفعل الثلاثي، وأنه لا يقال: أحميتة بالرباعي إلا بعد المنع. اهـ.
الرابع: في صحيح البخاري أن عمر ﵁ (حمى الشرف والربذة (٣))، قال في فتح الباري: وهو بلاغ الزهري، والشرف بفتح المعجمة والراء بعدها فاء في المشهور، وذكر عياض أنه عند البخاري بفتح المهملة وكسر الراء، قال: وفي موطإ ابن وهب بفتح المعجمة والراء، وكذا رواه بعض
стр. 7555
رواة البخاري وهو الصواب، وأما سرف فهو موضع بقرب مكة ولا يدخله الألف واللام. اهـ. وهو ماء لبني باهلة أو بني كلاب، وقال الزركشي: هو من عمل أهل المدينة، وأما شرف فمن عمل مكة على ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: اثني عشر. وأما الربذة بفتح الراء وفتح الموحدة وبعدها ذال معجمة، قال في فتح الباري: موضع معروف بين مكة والمدينة، وقال الزركشي: موضع على ثلاث مراحل من المدينة، وقال ابن عبد السلام المالكي: قال البكري: الربذة التي جعلها عمر حمى لإبل الصدقة، وكان حماه الذي حماه بريدا في بريد، قال: ثم تزيدت الولاة في الحمى أضعافا، ثم أبيحت الأحمية في أيام المهدي فلم يحمها أحد، وحمى عمر ﵁ وزاد فيه عثمان. اهـ. وقال في النوادر: وحمى أبو بكر ﵁ الربذة لما يحمل عليه في سبيل الله خمسة أميال في مثلها، وحمى ذلك عمر لإبل الصدقة التي يحمل عليها في سبيل الله، وحمى الشرط. اهـ.
الخامس: قال البخاري: بلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع. قال عبد الحق: بالنون قبل القاف، وذكره البكري بالباء قبل القاف، والبقيع موضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى، وبه سمي البقيع الغرقد. وفي الشبراخيتي: قال في التوضيح عن عياض في المشارق: هو بالنون قبل القاف صدر وادي العقيق على عشرين فرسخا وطوله بريد وعرضه ميل لخيل المهاجرين. انتهى. وقد يصحفه بعض الناس فيروونه بالباء الموحدة، والبقيع بالباء موضع القبور يعني مقبرة المدينة وهو بقيع الغرقد. انتهى. والغرقد شجر له شوك كان ينبت هناك فذهب وبقي الاسم لازما للموضع. السابع: قال الحطاب: روي أن النبي ﷺ (صلى الصبح في المسجد بأعلى عسيب وهو جبل بأعلى قاع العقيق، ثم أمر رجلا صيتا فصاح بأعلى صوته فكان مدى صوته بريدا وهو أربعة فراسخ فجعل ذلك حمى طوله وعرضه ميل وفي بعضه أقل من ميل). انتهى.
وافتقر لإذن، فاعل افتقر ضمير يعود على الإحياء، يعني أن الإحياء يفتقر لإذن من الإمام حيث كان المحيي ذميا، بل وإن كان المحيي مسلما إن قرب المكان الذي يراد إحياؤه من العمران، وأما لو بعد من العمران فإنه لا يفتقر في إحيائه لإذن من الإمام، وما قررت به المصنف من أن
стр. 7556
الذمي يفتقر في الإحياء لإذن الإمام حيث قرب المكان المذكور من العمران هو ظاهر المص، ولكن المنصوص للمتقدمين في الذمي أنه لا يجوز إحياؤه ولو أذن له الإمام، واعلم أن حد القريب الذي يفتقر لإذن الإمام هو حريم العمارة نفسه. قال الحطاب: والقريب هو حريم العمارة مما يلحقونه غدوا ورواحا. اهـ. وقال ابن رشد: وحد البعيد من العمران الذي يكون لمن أحياه دون إذن الإمام ما لم ينته إليه مسرح العمران واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا إلى المبيت في مواضعهم من العمران. اهـ. قاله بناني. وقال عبد الباقي: وافتقر المحيي أو الإحياء أو الموات لإذن وإن مسلما على ما مال إليه الباجي في الذمي، ولكن المنصوص للمتقدمين: أنه لا يجوز للذمي الإحياء في القريب أي بمعنى حريم بلد لا يحتاج له أهله ولو بإذن الإمام. انظر التوضيح. ويمكن تمشية المص عليه بجعل الواو للحال لا للمبالغة إن قرب. انتهى. أي قرب لِعمارةِ البلد بأن كان حريمها. قوله: على ما مال إليه الباجي لخ، قال بناني: نص الباجي: لو قيل: حكمهم كحكم المسلمين لم يبعد. اهـ. لكن قال بعده: وفي إحياء غير المسلم ما قرب مضرة، فلا يأذن فيه الإمام. اهـ. قال ابن عرفة: هذا خلاف قوله: لم يبعد. اهـ. وصرح ابن عرفة بأن ما للمتقدمين هو المشهور، فعلى المؤلف درك في العدول عنه، لكن العذر له أن ابن شأس صدر بما للباجي وعزاه لابن القاسم. والله أعلم. انظر مصطفى. اهـ. وقال الخرشي: والمنصوص للمتقدمين أنه لا يجوز الإحياء للذمي في القريب ولو أذن الإمام. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعلى عنه: علم مما مر من تفسير القريب بأنه الحريم أن حريم البلد للإمام أن يأذن في إحيائه ويتصرف فيه بأن يخص به أو ببعضه شخصا وقوله وافتقر لخ هذا هو المشهور، أي المشهور أن الإحياء في القريب يفتقر لإذن الإمام، ومقابل المشهور أن إذن الإمام مستحب في القريب، قال الرهوني عند قوله: إن قرب، هذا هو المشهور، صرح به غير واحد منهم ابن رشد فإنه قال: وحكم إحياء الموات يختلف باختلاف مواضعه، وهي على ثلاثة أوجه: بعيد من العمران، وقريب منه لا ضرر على أحد في إحيائه، وقريب من العمران في إحيائه ضرر على من يختص بالانتفاع به فأما البعيد من العمران فلا يحتاج في إحيائه إلى استيذان الإمام إلا على طريق الاستحباب على ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون؛ وأما القريب الذي لا ضرر في إحيائه على أحد فلا يجوز إحياؤه إلا بإذن
стр. 7557
الإمام على المشهور في المذهب، وقيل: إن الاستيذان للإمام في ذلك مستحب وليس بواجب. اهـ. وأما القريب الذي في إحيائه ضرر كالأفنية التي يضر أخذ شيء منها بالطريق وشبه ذلك فلا يجوز إحياؤه بحال ولا يبيح ذلك الإمام. واعلم أن إذن الإمام في الإحياء ليس إقطاعا لأن الإذن في الإحياء والإقطاع حقيقتان.
تنبيهات: الأول: قال في المنتقى: من أحيا أرضا في الفيافي فليس لغيره أن يحيي ما قرب منه إلا بإذن الإمام. قاله سحنون في المجموعة. قال: لأنه صار بالإحياء عمرانا فلا يعمر بقربه إلا بإذن الإمام انتهى ونقله ابن عرفة وقبله، وقد نقل في النوادر كلام المجموعة وسلمه، والمراد بذلك الإحياء بالسكنى كما يدل عليه كلامهم، وصرح بذلك أبو علي. الثاني: قال في النوادر: قال ابن كنانة: فيمن نزل منزلا فيبني فلم يعمر غير منزله فأراد رجل أن ينزل إلى جانبه فمنعه، قال: ليس له أن يمنعه، وليس للثاني أن يضر به فيما عمر، وليس للحريم حد إلا ما يمنع من الضرر. اهـ. وقال اللخمي: وإذا أحيا الأول بالسكنى فأراد الثاني أن يحيي ليسكن، وأحب الأول أن يبعد عنه. فقال: تكشفني إن كنت قريبا، كان ذلك له، وقد قضى عمر بن عبد العزيز في ذلك أن ينزل عنه نحو مائة ذراع، قال: حيث لا تتبين امرأة ولا يسمع كلام الحي وإن شكا أنه يضيق عليه في المرعى أبعدَ عنه، ورأى أن يُبَعدَ إذا خاف الكشف أكثر من مائة ذراع، ولا يضيق على النساء في تصرفهن هناك؛ ونقله ابن عرفة مختصرا، وقال عقبه: هذا الذي ذكره اللخمي كأنه المذهب عنده خلاف ما تبع فيه ابنُ شأس وابن الحاجب الغزاليَّ وجعلاه المذهب، وهو قولهما: حريم المحفوفة ما يرتفق به من مطرح تراب ومصب ميزاب، والحق عندي أن الإحياء إن كان أذن الإمام فيه أو مقتضى حال الموضع المُحيا فيه جعل ذلك الموضع مدينة أو قرية لا تتقرى غالبا إلا باجتماع الساكنين واتصال مساكنهم فالحق ما قاله ابن شأس وابن الحاجب، وإن لم يكن الأمر كذلك كما ذكر لي عن مساكن أهل الجبال كجبال زواوَة ونحوها فالحق ما قاله اللخمي. اهـ. ونقله أبو علي وقال: وجمع ابن عرفة ظاهر لا رد له، ثم قال بعد بقريب: وكلام اللخمي أصله في النوادر. اهـ.
стр. 7558
وإلا بأن أحيا في القريب من العمارة ولم يستأذن الإمام. فلإمام الخيار في أحد شيئين إما إمضاؤه بأن يمضي له فعله فيكون الموضع المحيا لمن أحياه أو جعله متعديا فيعطيه قيمة بنائه منقوضا وقيمة زرعه وغرسه مقلوعا ويثبته للمسلمين أو يعطيه لغيره. قال الخرشي: فإن تعدى المسلم وأحيا بغير إذن من الإمام فيخير فيه فإن شاء أمضاه وإن شاء جعله متعديا أي فيعطيه قيمة ما بنى أو غرس أو زرع مقلوعا: ونقل بعد هذا ما نصه: فإن شاء يأمره بقلعه أو يعطيه قيمته منقوضا ويثبته للمسلمين أو يعطيه لغيره ولا غرم عليه فيما مضى، وكأن وجهه أن أصله مباح اهـ ونحوه لعبد الباقي وغيره، فإن كان المكان الذي يقع فيه الإحياء بعيدًا من العمران فإن المحييَ لا يفتقر في إحيائه لإذن ولو كافرا حيث كان المحيا بغير جزيرة العرب، وظاهر هذا منع إحياء الذمي بجزيرة العرب ولو كان لا يسكن فيها، وكأن وجهه أنه مظنة أن يسكن ويصير يتردد إلى ذلك المحل. اهـ المراد منه. وفي المدونة: من أحيا أرضا ميتة بغير إذن الإمام فهي له. قاله أبو الحسن. سحنون: وحد القرب ما تلحقه الماشية بالرعي في غدوها ورواحها وهو مسرح ومحتطب، وأما ما كان على اليوم وما قاربه وما لا تدركه المواشي في غدوها ورواحها فهو من البعيد من الفيافي. اهـ. قاله الخرشي. وقال الحطاب عند قوله: أو جعله متعديا: قال ابن عبد السلام: فإذا فرعنا على القول الأول وهو المشهور من أن القريب الذي لا ضرر فيه يفتقر لإذن الإمام فإذا أحياه أحد من غير استيذان تعقب الإمام ما فعله هذا، فإن رأى إمضاءه أمضاه وإن لم ير ذلك أخذه منه وأعطاه قيمة ما صنعه منقوضا إن رده لبيت المال، وإن شاء كلفه بهدمه، وإن شاء أقطعه غيره، فكان لذلك الذي أقطعه الإمام إياه أن يأمر هذا بما كان الإمام يأمره به، وهذا هو الذي أجمله المؤلف، يعني ابن الحاجب. بقوله: أو جعله متعديا. اهـ كلام ابن عبد السلام. ومثله يقال على كلام المؤلف. اهـ كلام الحطاب. وهذا الذي مشى عليه المص هو المشهور، وهو قول مالك وابن القاسم، ورأى اللخمي أنه يعطى قيمته قائما للشبهة. انتهى المراد منه.
بخلاف البعيد، يعني أن البعيد من العمران لا يفتقر من أراد أن يحييه على المشهور كما في التتائي عن البيان لإذن من الإمام حيث كان المحيي مسلما، بل ولو كان المحيي في البعيد ذِمَّيًّا، فإنه لا يفتقر لإذن من الإمام في ذلك، وقال ابن القصار: وليس للذمي إحياء في دار المسلمين بغير
стр. 7559
جزيرة العرب، يعني أن الذمي لا يحيي في جزيرة العرب لا في القريب من العمران ولا في البعيد منها. قال المواق: قال الباجي: إن أحيا ذمي فقال ابن القاسم: هي له إلا أن يكون ذلك في جزيرة العرب، وإنما يحيي الذمي ذلك فيما بعد، وأما ما قرب من العمران فيخرج عنه ويعطى قيمة ما عمر لأن ما قرب بمنزلة الفيء ولا حَقّ للذمي في الفيء، وكذلك جزيرة العرب مكة والمدينة والحجاز كله والنجود واليمن. قاله مطرف وابن الماجشون: وفيه نظر. ولو قيل: إن حكمهم في ذلك حكم المسلمين لم يبعد كما كان لهم ذلك فيما بعد. انتهى. وفي الجيزي: أن من أحيا في البعيد بغير إذن الإمام ليس له بيعه. قال عبد الباقي: وهو مستغرب. اهـ. وهو إنما يتمشى على مقابل المشهور، ولما قدم أن من أسباب الاختصاص الإحياء وذكر عياض أنه يحصل بعشرة أمور، منها سبعة متفق عليها وثلاثة مختلف فيها، بيَّن المؤلف ذلك وذكر جميعها عاطفا بعضها على بعض، واعلم أن كل ما عطفه بالباء فهو شرط على انفراده إلا إذا كان بعده معطوفٌ عليه بغير الباء فهو مع ما قبله شرط واحد وأنه ذكر المختلف فيه مخرجا بلا، قال المص مشيرا إلى ذلك بقوله:
والإحياء بتفجير ماء، يعني أن الإحياء يكون بتفجير ماء أي إخراجه في الأرض بأن يحفر بيرا مثلات فإن ذلك يكون إحياء للبير وللأرض التي تزرع عليها. قاله الخرشي. قال: وتنظير الزرقاني بقوله: وانظر هل يحصل بحفر بير الزرع أو فتق العين الإحياء للبير خاصة أو لها مع الأرض التي تزرع عليها. اهـ. فاسدٌ. اهـ. وقاله بناني عن الفيشي، ونحوه بغيره، فبان أن ذلك التنظير غير صحيح، وقال التتائي: والإحياء بتفجير ماء من الأرض بحفر بير أو فتق عين. وبإخراجه، يعني أن الإحياء يكون بإخراج الماء أي إزالته عن أرض غامرة به بالغين المعجمة كما في الشبراخيتي، لا بإخراجه فيها ليلا يتحد مع قوله: بتفجير ماء، قال عبد الباقي: أي إزالته عن أرض غامرة به لزراعة أو غرس ونحوهما، وليس المراد بإخراجه فيها لأنه يتحد حينئذ مع ما قبله. اهـ. ونحوه للشبراخيتي. وببناء، يعني أن الإحياء يكون ببناء، وظاهره وإن لم يكن عظيم المؤنة، وفي الجواهر اشتراط كونه عظيم المؤنة. وغرس، يعني أن الإحياء يكون بغرس الشجر،
стр. 7560
وظاهره وإن لم يكن عظيم المؤنة، وفي الجواهر اشتراط ذلك وهذه أربع أمور كل واحد منها بانفراده يحصل به الإحياء.
وبحرث وتحريك أرض، هذا هو الأمر الخامس من الأمور السبعة التي يحصل بها الإحياء، ومعنى كلامه أن حرث الأرضى أي شقها مع تحريك الأرض يحصل بهما الإحياء أي بمجموعهما هذا ظاهره، واعلم أن تحريك الأرض وحده يحصل به الإحياء وهو يغني عن الأول، قال بناني: الظاهر أنه إنما جمع المص بينهما وإن كان الثاني يغني عن الأول لأنه تبع عبارة عياض، ونصه: وأما السبعة يعني المتفق عليها: فتفجير الماء فيها بحفر بير أو فتق عين، الثاني: إخراج الماء عن غامرها. الثالث: البناء. الرابع: الغرس. الخامس: الحرث وتحريك الأرض بالحفر ونحوه. السادس: قطع غياضها وأشجارها. السابعُ: كسر أحجارها وتسوية حزونها (١) وتعديل أرضها. اهـ. وقال الخرشي بعد أن ذكر أن في الجواهر اشتراط عظم المؤنة في البناء والغرس وبعد أن جلب كلامها ما نصه: بل ظاهره اشتراط ذلك في جميع الأسباب. انتهى. وقال الخرشي أيضا: وقال الجيزي: المراد بالحرث شق الأرض بالمحراث ونحوه؛ قال المفسرون في سورة الواقعة: الحرث إثارة الأرض وإلقاء البذر فيها داخل في مفهوم الحرث. اهـ. ثم قال: وقوة كلام المؤلف تقتضي أن الزرع وحده بغير تحريك أرض لا يكون إحياء وإن اختص به صاحبه. اهـ. ثم إنه يجوز قراءة حرث بترك التنوين على الإضافة لمثل ما أضيف إليه تحريك على حد قول القائل: قطع الله يدَ ورجلَ من قالها؛ ففيه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وكأنه قال هنا: وبحرث أرض وتحريك أرض. قاله الخرشي.
وبقطع شجر، يعني أن الإحياء يكون بقطع الشجر، والمراد بالقطع إزالة الشجر عن الأرض بقطع أو حرق أو غيرهما، قال عبد الباقي: وبقطع شجر أي إزالته ولو بحرق. اهـ. وقال الخرشي: يعني، وكذلك يكون الإحياء بقطع شجر الأرض، ولو قال: وبإزالة شجر لكان أشمل ليشمل حرقه. اهـ. وقال التتائي: وبقطع شجر كان بها وغياض. اهـ. وقوله: وبقطع شجر، هذا هو
стр. 7561
الأمر السادس من الأمور السبعة المتفق عليها، والسابع قوله: وبكسر حجرها وتسويتها. يعني أن الأرض الموات يحصل إحياؤها بكسر أحجارها مع تسوية جروفها وتعديلها، قال الخرشي: يعني أن الأرض الموات يكون كسر أحجارها مع تسوية جروفها وتعديل آراضها إحياء لهاث فقوله: وتسويتها هو وما قبله شرط واحد. اهـ. وقال عبد الباقي: وبكسر حجرها وتسويتها، وكذا تسوية جروفها. اهـ. وقال التتائي: وتسويتها بأن يعدل أرضها. اهـ. وقال الباجي: أما صفة الإحياء فقال مالك: إحياء الأرض أن يحفر فيها بيرا، أو يجري عينا، أو يغرس شجرا، أو يبني، أو يحرث، ما فعل من ذلك فهو إحياء، وقاله ابن القاسم وأشهب. عياض: اتفق على سبعة: تفجير الماء، وإخراجه عن غامرها، والبناء، والغرس، والحرث، ومثله تحريك الأرض بالحفر، وقطع شجرها، وسابعها: كسر حجرها وتسوية حدوبها وتعديل أرضها. اهـ. وقوله: حدوبها، قال الشبراخيتي: ولا مفهوم لكسر ولا لحجرها، والمدار على تسوية حزونها كما قال عياض. القلشاني: حدثني والدي محمد القلشاني أنه وقع في مجلس شيخه القاضي أبي العباس أحمد بن حيدرة أن بعض كبار مجلسه نقل كلام عياض، فقال عنه: وتسوية حدوبها، فاشتد نكير الشيخ عليه، وقال: وإنما هي حزونها بالزاي والنون جمع حزن لا بالدال والباء. اهـ. من شرح ابن الحاجب له. اهـ. وأشار إلى الثلاثة المختلف فيها بقوله:
لا بتحويط، يعني أن التحويط على الأرض لا يعد إحياء، قال التتائي: لا بتحويط عليها كضرب حدود حول ما يريد إحياءه منها قصدا لمنع الناس عنه. قال في الشامل: إن لم يقو على إحيائها اتفاقا وإن قوي على الأصح، وظاهر كلام المص أنه لا ينتظر، وقيل: ينتظر ثلاث سنين. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: لا بتحويط: أطلق المص ﵀، ولم يقيده الزرقاني بشيء، وكذا ابن غازي، وفي المواق التقييد عن أشهب فانظره، قلت: وما ذكره المواق عن أشهب نقله في المنتقى، وساقه كأنه المذهب، ونسبه لأشهب في المجموعة، ونقله عنه أيضا اللخمي فقها مسلما، فإنه قال: وليس التحجير إحياء، قال أشهب: ولا يكون أولى لأجْل التحجير إلا أن يعلم أنه حجره ليعمله إلى أيام يسيرة حتى يمكنه العمل، وليس ليقطعه من الناس، ولو حجر كثيرا وعمر منه يسيرا كان الزائد كمنفرد عنه، فينظر فيما حجر، فإن كان قويا عليه وإنما أخر عمله لوقت تلين
стр. 7562
فيه الأرض عليه أو ليرخص الأجراء وما أشبه ذلك مما يؤخر الناس أعمالهم إليه لمثله من العذر فذلك له، فإن رأى أنه أراد أن يحجر على الناس ما لا يقوى على عمله فأراد أن يستحق كثير ما حجر بقليل ما عمل وعمر فليس له إلا ما عمر، ويشرع الناس معه في فضل ذلك فيكون لمن عمره وقوي عليه، وحكى ابن حبيب في الواضحة أن الإمام ينظر فيما حجر، فإن كان به قوة على عمارته في عامه أو ما قرب من عامه مثل السنة والثلاث خلاه وإياه، وإلا منعه منه وأقطعه غيره، وقد حكى أشهب عن عمر بن الخطاب في ذلك حديثا (أنه ضرب له أجلا ثلاث سنين). انتهى. وقال ابن عرفة: التحجير، عياض: هو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه وهو ممن لا يقدر على الإحياء لغو اتفاقا، وما يقوى عليه وتأخيره الأيام اليسيرة لتلين الأرض أو ليرخص الأجير معتبرٌ لسماع يحيى ابن القاسم ونقل اللخمي والباجي عن أشهب، وفي السماع مع اللخمي: إن حجر كثيرا وعمر منه يسيرا فالزائد عليه كمنفرد عنه، والتأخير أكثر من ذلك في لغوه مطلقا أو إن زاد على ثلاثة أعوام سماع يحيى بن القاسم مع نقلها، ونقل ابن رشد عن الواضحة مع اللخمي عن الأخوين. انتهى.
ورعي كلإ، يعني أن رعي الكلإ لا يكون إحياء، قال المواق: قال ابن القاسم وأشهب: لا يكون الرعي إحياء. الباجي: ووجهه أنه ليس له أثر باق في الأرض. اهـ. وقال الشبراخيتي: ورعي كلإ فيها. وفهم من قوله: ورعي كلإ أن إزالة نحو الشوك والحَلْفَاء لا يكون إحياء وهو واضح. اهـ. وقات عبد الباقي: ورعي كلإ وإزالة شوك ونحوه. اهـ. وقوله: ورعي كلإ هو الأمر الثاني من الأمور الثلاثة الختلف فيها، وأشار إلى الأمر الثالث من الأمور الثلاثة المختلف فيها بقوله: وحفر بير ماشية، يعني أن حفر بير الماشية لا يحصل به إحياء الموات. قال بناني: معناه أن حفر بير الماشية لا يكون إحياء للأرض التي هو بها. انظر ابن عاشر. اهـ. وقال عبد الباقي: وحفر بير ماشية أو شفة يشرب الناس منها بشفاههم إن لم يبين الملكية، فإن بينها فإحياء، وانظر لو فعل هذه الثلاثة التي في المص هل يحصل بها إحياء لقوة الهيئة المجتمعة عن الانفراد كما هو ظاهر كلامهم أم لا؟ ثم محل كلامه في التحويط ما لم تجر العادة به مع مناداة السلطان بأن من حوط شيئا مما خرب فهو له فيعمل بذلك. قاله عبد الباقي. قوله: ما لم تجر العادة به
стр. 7563
مع مناداة لخ، هذا إن وقع يكون إقطاعا لا إحياء، والكلام هنا فيما به الإحياء فلا حاجة للتقييد به. قاله بناني. وقال الخرشي: قال الشيخ أبو الحسن: في قول المدونة: [ولو نزل (١)] قوم أرضا من أرض البرية فرعوا ما حولها أو حفروا بيرا لمواشيهم لم يكن هذا إحياء، وقد قال فيما تقدم: وإحياؤها شق العيون وحفر الآبار، فهذا تناقض، والفرق بينهما أن الأول أشهد أنه حفرها للتمليك وهذا لم يشهد، فمقتضى هذا أن معنى قول المؤلف: وحفر بير ماشية، إن لم يبين الملكية أما لو بين لكان إحياء للأرض كما اقتضاه كلام أبي الحسن، ومثل بير الماشية بير الشَّفَة، عياض هي التي حفرت للشرب بشفاه الناس، أبو الحسن: لأن الشفة تطلق على شفاه الناس وشفاه المواشي، ولكن العرف استعمله في شفاه الناس. اهـ. وقال التتائي عقب قوله: وبتحويط ورعي كلإ وحفر بير ماشية ما نصه: فليس واحد من هذه الثلاثة إحياء عند ابن القاسم خلافا لأشهب، ولما جرت عادة أهل المذهب بذكر الإحياء معنى وهو القيام بحقوق المسجد عقب الإحياء الحسي تبعهم المص فقال:
وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة، يعني أنه يجوز للرجل أن يسكن في مسجد لأجل تجرده للعبادة من قيام الليل وإحيائه، ويدخل في ذلك تعليم العلم وتعلمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي لم يتجرد للعبادة، لأنه تغيير له عما حبس له. قاله الخرشي. وفي نقله التصريح بالكراهة مع عدم المتجرد، وقوله: بمسجد، متعلق بجاز، وقوله: رجل، أي لا امرأة فلا يجوز لها السكنى بالمسجد وإن تجردت للعبادة لأنها تحيض، ولأنها قد يشتهيها أحد ممن يأتي المسجد فتقلب العبادة معصية، لأن كل ساقطة لها لاقطة. اهـ. وقال عبد الباقي: وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة بصلاة بليل وقراءة قرآنٍ وذكر وتعلم علم وتعليمه، وخرج بالرجل المرأة، وبالمتجرد للعبادة غير المتجرد لها، فلا يجوز لكل سكنى به، لأنه إنما شرع بناؤه للعبادة، فلا يجعل لغيرها، كما فسر بهِ قولُه تعلى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، أي تغلق فلا تفتح، فلا يجوز فتحها إلا للعبادة أي علما أو ذكرا أو صلاة، فلا يمنع من أراد قراءة علم
стр. 7564
بمسجد إن لم يضيق على المصلين لوضعه للصلاة أصالة، لا إن بني للتدريس فقط، وصرح بعضهم بالكراهة للرجل غير المتجرد، وبالحرمة للمرأة وإن تجردت لأنها تحيض ولأنها قد يلتذ بها أحد من أهل المسجد فتنقلب العبادة معصية. اهـ. قوله: وصرح بعضهم بالكراهة لغير المتجرد لخ، قال بناني: الذي صرح به في التوضيح هو المنع، ابن الحاجب: ولا ينبغي أن يتخذ المسجد مسكنا إلا المتجرد للعبادة، قال في التوضيح: والظاهر أن ينبغي هنا للوجوب، لأن السكنى في المسجد على غير وجه التجرد للعبادة ممتنعة، لأنه تغيير له عما حبس له، وعلى وَليِّ الأمْرِ هدم المقاصير التي اتخذوها في بعض الجوامع للسكنى. انتهى. وقال بناني: جرت عادة الفقهاء أن يذكروا الإحياء المعنوي الذي هو إحياء المساجد لتنزيهها وترفيعها عما لا يليق بها شرعا عقب الإحياء الحسي وهو إحياء الأرض الموات. انتهى. وقال التتائي: وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة كصلاة وتلاوة، ويدخل فيه تعلم العلم وتعليمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي يتخذه كالدار ويعده لادخار ما ينتفع به لأنه تغيير له عما حبس له. اهـ. وقال المواق: قال ابن شأس: لا ينبغي أن يتخذ المسجد مسكنا إلا لرجل تجرد للعبادة فيه بقيام اليل وإحيائه، فلا بأس أن يكون ذلك منه فيه دائما دَهْرَه إن قوي على ذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجاز بمسجد سكنى لرجل، لا مفهوم له، وكذلك المرأة إذا تجردت للعبادة كما في بعض التقارير تجرد للعبادة وإلا كره. انتهى.
وعقد نكاح، يعني أنه يجوز عقد نكاح في المسجد، وأطلق الجواز هنا على المأذون فيه ليشمل الندب. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وعقد نكاح واستحبه بعضهم فيه. انتهى. وقال التتائي: وجاز فيه عقد نكاح واستحسنه جماعة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعقد نكاح أي مجرد إيجاب وقبول من غير ذكر شروط ونفقة أو كسوة أو مهر أو تكثير كلام أو رفع أصوات وإلا كره، واستحب جماعة عقد النكاحِ فيه. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: انظر قوله: أو مهر، فإنه غير متجه إذ كلامه يقتضي أن جواز النكاح في المسجد إنما هو حيث كان النكاح نكاح تفويض، وهذا غير ظاهر لمخالفته لظاهر كلام غيره. والله سبحانه أعلم.
стр. 7565
وقضاء دين، يحني أنه يجوز قضاء الدين الشرعي في المسجد على غير وجه التجر والصرف كما في المواق وإلا كره. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقضاء دين يسير يخف معه الوزن أو العدد لا كثير فيكره. اهـ. ونحوه للشبراخيتي وغيره. وقال المواق: سمع ابن القاسم خفة كتب ذُكْر الحق بالمسجد ما لم يطل، وجواز قضاء الحق على غير وجه التجر والصرف. اهـ. وقال الحطاب: يعني أنه يجوز قضاء الدين في المسجد لأنه معروف بخلاف البيع والصرف؛ وقوله: وقضاء دين، أي الذي فيه يسير العمل. اهـ.
وقتل عقرب، قال الخرشي: يعني أنه يجوز قتل العقرب في المسجد إذا أرادته، وكذلك الفأر والثعبان وما أشبه ذلك، نص عليه اللخمي، وفي البرموني: وقتل عقرب أرادته أم لا. انتهى. وقال عبد الباقي: وقتل عقرب أو فأر كما قدم في فصل الجماعة، وأولى الثعبان ونحوه وإن لم يرده شيء من ذلك، وتقدم فيه أنه إذا كان بصلاة أي بمسجد أو غيره فله ذلك إن أرادته. اهـ. وقال الشبراخيتي: وقتل عقرب وأحرى ما هو أشد ضررا منها كالثعبان ونحوه. انتهى. ونحوه للتتائي، وقال المواق: سمع ابن القاسم كراهة قتل القملة أو دفنها بالمسجد، ابن رشد: وقتل البرغوث أخف عنده. اللخمي: البرغوث من دواب الأرض لا بأس بطرحه به وتقتل بالمسجد العقرب والفارة. اهـ. وقال الحطاب: قال في أواخر كتاب الجامع من الذخيرة: قال مالك: وينهى السُّوَّال عن السُّؤال في المسجد والصدقة في المسجد غير محرمة. اهـ. وقال ابن عبد الحكم في النوادر: من سأل فلا يعطى وأمر بحرمانهم وردهم خائبين. وقال التادلي: كان الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمران يغلظ عليهم في النهي وربما أمر بإخراجهم إلى السجن، وكان بعض الشيوخ على العكس منه فيرفق بهم ويسأل عن أحوالهم ويتصدق عليهم، فالأول تصرف بالشرع، والثاني بعين الحقيقة، وقال بعض الشيوخ: إنما يمنع في المساجد من عمل الصناعات ما يختص بنفعه آحاد الناس مما يكتسب به فلا يتخذ المسجد متجرا، فأما إن كانت لما يشمل المسلمين في دينهم مثل المثاقفة وإصلاح آلة الجهاد مما لا مهنة في عمله للمسجد فلا بأس. اهـ. وفي الذخيرة: ويجعل الماء العذب في المساجد، وكان في مسجد النبي ﷺ . انتهى.