← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

الأمر السادس من الأمور السبعة المتفق عليها، والسابع قوله: وبكسر حجرها وتسويتها. يعني أن الأرض الموات يحصل إحياؤها بكسر أحجارها مع تسوية جروفها وتعديلها، قال الخرشي: يعني أن الأرض الموات يكون كسر أحجارها مع تسوية جروفها وتعديل آراضها إحياء لهاث فقوله: وتسويتها هو وما قبله شرط واحد. اهـ. وقال عبد الباقي: وبكسر حجرها وتسويتها، وكذا تسوية جروفها. اهـ. وقال التتائي: وتسويتها بأن يعدل أرضها. اهـ. وقال الباجي: أما صفة الإحياء فقال مالك: إحياء الأرض أن يحفر فيها بيرا، أو يجري عينا، أو يغرس شجرا، أو يبني، أو يحرث، ما فعل من ذلك فهو إحياء، وقاله ابن القاسم وأشهب. عياض: اتفق على سبعة: تفجير الماء، وإخراجه عن غامرها، والبناء، والغرس، والحرث، ومثله تحريك الأرض بالحفر، وقطع شجرها، وسابعها: كسر حجرها وتسوية حدوبها وتعديل أرضها. اهـ. وقوله: حدوبها، قال الشبراخيتي: ولا مفهوم لكسر ولا لحجرها، والمدار على تسوية حزونها كما قال عياض. القلشاني: حدثني والدي محمد القلشاني أنه وقع في مجلس شيخه القاضي أبي العباس أحمد بن حيدرة أن بعض كبار مجلسه نقل كلام عياض، فقال عنه: وتسوية حدوبها، فاشتد نكير الشيخ عليه، وقال: وإنما هي حزونها بالزاي والنون جمع حزن لا بالدال والباء. اهـ. من شرح ابن الحاجب له. اهـ. وأشار إلى الثلاثة المختلف فيها بقوله: لا بتحويط، يعني أن التحويط على الأرض لا يعد إحياء، قال التتائي: لا بتحويط عليها كضرب حدود حول ما يريد إحياءه منها قصدا لمنع الناس عنه. قال في الشامل: إن لم يقو على إحيائها اتفاقا وإن قوي على الأصح، وظاهر كلام المص أنه لا ينتظر، وقيل: ينتظر ثلاث سنين. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: لا بتحويط: أطلق المص ﵀، ولم يقيده الزرقاني بشيء، وكذا ابن غازي، وفي المواق التقييد عن أشهب فانظره، قلت: وما ذكره المواق عن أشهب نقله في المنتقى، وساقه كأنه المذهب، ونسبه لأشهب في المجموعة، ونقله عنه أيضا اللخمي فقها مسلما، فإنه قال: وليس التحجير إحياء، قال أشهب: ولا يكون أولى لأجْل التحجير إلا أن يعلم أنه حجره ليعمله إلى أيام يسيرة حتى يمكنه العمل، وليس ليقطعه من الناس، ولو حجر كثيرا وعمر منه يسيرا كان الزائد كمنفرد عنه، فينظر فيما حجر، فإن كان قويا عليه وإنما أخر عمله لوقت تلين

стр. 7562

فيه الأرض عليه أو ليرخص الأجراء وما أشبه ذلك مما يؤخر الناس أعمالهم إليه لمثله من العذر فذلك له، فإن رأى أنه أراد أن يحجر على الناس ما لا يقوى على عمله فأراد أن يستحق كثير ما حجر بقليل ما عمل وعمر فليس له إلا ما عمر، ويشرع الناس معه في فضل ذلك فيكون لمن عمره وقوي عليه، وحكى ابن حبيب في الواضحة أن الإمام ينظر فيما حجر، فإن كان به قوة على عمارته في عامه أو ما قرب من عامه مثل السنة والثلاث خلاه وإياه، وإلا منعه منه وأقطعه غيره، وقد حكى أشهب عن عمر بن الخطاب في ذلك حديثا (أنه ضرب له أجلا ثلاث سنين). انتهى. وقال ابن عرفة: التحجير، عياض: هو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه وهو ممن لا يقدر على الإحياء لغو اتفاقا، وما يقوى عليه وتأخيره الأيام اليسيرة لتلين الأرض أو ليرخص الأجير معتبرٌ لسماع يحيى ابن القاسم ونقل اللخمي والباجي عن أشهب، وفي السماع مع اللخمي: إن حجر كثيرا وعمر منه يسيرا فالزائد عليه كمنفرد عنه، والتأخير أكثر من ذلك في لغوه مطلقا أو إن زاد على ثلاثة أعوام سماع يحيى بن القاسم مع نقلها، ونقل ابن رشد عن الواضحة مع اللخمي عن الأخوين. انتهى. ورعي كلإ، يعني أن رعي الكلإ لا يكون إحياء، قال المواق: قال ابن القاسم وأشهب: لا يكون الرعي إحياء. الباجي: ووجهه أنه ليس له أثر باق في الأرض. اهـ. وقال الشبراخيتي: ورعي كلإ فيها. وفهم من قوله: ورعي كلإ أن إزالة نحو الشوك والحَلْفَاء لا يكون إحياء وهو واضح. اهـ. وقات عبد الباقي: ورعي كلإ وإزالة شوك ونحوه. اهـ. وقوله: ورعي كلإ هو الأمر الثاني من الأمور الثلاثة الختلف فيها، وأشار إلى الأمر الثالث من الأمور الثلاثة المختلف فيها بقوله: وحفر بير ماشية، يعني أن حفر بير الماشية لا يحصل به إحياء الموات. قال بناني: معناه أن حفر بير الماشية لا يكون إحياء للأرض التي هو بها. انظر ابن عاشر. اهـ. وقال عبد الباقي: وحفر بير ماشية أو شفة يشرب الناس منها بشفاههم إن لم يبين الملكية، فإن بينها فإحياء، وانظر لو فعل هذه الثلاثة التي في المص هل يحصل بها إحياء لقوة الهيئة المجتمعة عن الانفراد كما هو ظاهر كلامهم أم لا؟ ثم محل كلامه في التحويط ما لم تجر العادة به مع مناداة السلطان بأن من حوط شيئا مما خرب فهو له فيعمل بذلك. قاله عبد الباقي. قوله: ما لم تجر العادة به

стр. 7563

مع مناداة لخ، هذا إن وقع يكون إقطاعا لا إحياء، والكلام هنا فيما به الإحياء فلا حاجة للتقييد به. قاله بناني. وقال الخرشي: قال الشيخ أبو الحسن: في قول المدونة: [ولو نزل (١)] قوم أرضا من أرض البرية فرعوا ما حولها أو حفروا بيرا لمواشيهم لم يكن هذا إحياء، وقد قال فيما تقدم: وإحياؤها شق العيون وحفر الآبار، فهذا تناقض، والفرق بينهما أن الأول أشهد أنه حفرها للتمليك وهذا لم يشهد، فمقتضى هذا أن معنى قول المؤلف: وحفر بير ماشية، إن لم يبين الملكية أما لو بين لكان إحياء للأرض كما اقتضاه كلام أبي الحسن، ومثل بير الماشية بير الشَّفَة، عياض هي التي حفرت للشرب بشفاه الناس، أبو الحسن: لأن الشفة تطلق على شفاه الناس وشفاه المواشي، ولكن العرف استعمله في شفاه الناس. اهـ. وقال التتائي عقب قوله: وبتحويط ورعي كلإ وحفر بير ماشية ما نصه: فليس واحد من هذه الثلاثة إحياء عند ابن القاسم خلافا لأشهب، ولما جرت عادة أهل المذهب بذكر الإحياء معنى وهو القيام بحقوق المسجد عقب الإحياء الحسي تبعهم المص فقال: وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة، يعني أنه يجوز للرجل أن يسكن في مسجد لأجل تجرده للعبادة من قيام الليل وإحيائه، ويدخل في ذلك تعليم العلم وتعلمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي لم يتجرد للعبادة، لأنه تغيير له عما حبس له. قاله الخرشي. وفي نقله التصريح بالكراهة مع عدم المتجرد، وقوله: بمسجد، متعلق بجاز، وقوله: رجل، أي لا امرأة فلا يجوز لها السكنى بالمسجد وإن تجردت للعبادة لأنها تحيض، ولأنها قد يشتهيها أحد ممن يأتي المسجد فتقلب العبادة معصية، لأن كل ساقطة لها لاقطة. اهـ. وقال عبد الباقي: وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة بصلاة بليل وقراءة قرآنٍ وذكر وتعلم علم وتعليمه، وخرج بالرجل المرأة، وبالمتجرد للعبادة غير المتجرد لها، فلا يجوز لكل سكنى به، لأنه إنما شرع بناؤه للعبادة، فلا يجعل لغيرها، كما فسر بهِ قولُه تعلى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾، أي تغلق فلا تفتح، فلا يجوز فتحها إلا للعبادة أي علما أو ذكرا أو صلاة، فلا يمنع من أراد قراءة علم

стр. 7564

بمسجد إن لم يضيق على المصلين لوضعه للصلاة أصالة، لا إن بني للتدريس فقط، وصرح بعضهم بالكراهة للرجل غير المتجرد، وبالحرمة للمرأة وإن تجردت لأنها تحيض ولأنها قد يلتذ بها أحد من أهل المسجد فتنقلب العبادة معصية. اهـ. قوله: وصرح بعضهم بالكراهة لغير المتجرد لخ، قال بناني: الذي صرح به في التوضيح هو المنع، ابن الحاجب: ولا ينبغي أن يتخذ المسجد مسكنا إلا المتجرد للعبادة، قال في التوضيح: والظاهر أن ينبغي هنا للوجوب، لأن السكنى في المسجد على غير وجه التجرد للعبادة ممتنعة، لأنه تغيير له عما حبس له، وعلى وَليِّ الأمْرِ هدم المقاصير التي اتخذوها في بعض الجوامع للسكنى. انتهى. وقال بناني: جرت عادة الفقهاء أن يذكروا الإحياء المعنوي الذي هو إحياء المساجد لتنزيهها وترفيعها عما لا يليق بها شرعا عقب الإحياء الحسي وهو إحياء الأرض الموات. انتهى. وقال التتائي: وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة كصلاة وتلاوة، ويدخل فيه تعلم العلم وتعليمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي يتخذه كالدار ويعده لادخار ما ينتفع به لأنه تغيير له عما حبس له. اهـ. وقال المواق: قال ابن شأس: لا ينبغي أن يتخذ المسجد مسكنا إلا لرجل تجرد للعبادة فيه بقيام اليل وإحيائه، فلا بأس أن يكون ذلك منه فيه دائما دَهْرَه إن قوي على ذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجاز بمسجد سكنى لرجل، لا مفهوم له، وكذلك المرأة إذا تجردت للعبادة كما في بعض التقارير تجرد للعبادة وإلا كره. انتهى. وعقد نكاح، يعني أنه يجوز عقد نكاح في المسجد، وأطلق الجواز هنا على المأذون فيه ليشمل الندب. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وعقد نكاح واستحبه بعضهم فيه. انتهى. وقال التتائي: وجاز فيه عقد نكاح واستحسنه جماعة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعقد نكاح أي مجرد إيجاب وقبول من غير ذكر شروط ونفقة أو كسوة أو مهر أو تكثير كلام أو رفع أصوات وإلا كره، واستحب جماعة عقد النكاحِ فيه. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: انظر قوله: أو مهر، فإنه غير متجه إذ كلامه يقتضي أن جواز النكاح في المسجد إنما هو حيث كان النكاح نكاح تفويض، وهذا غير ظاهر لمخالفته لظاهر كلام غيره. والله سبحانه أعلم.

стр. 7565

وقضاء دين، يحني أنه يجوز قضاء الدين الشرعي في المسجد على غير وجه التجر والصرف كما في المواق وإلا كره. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقضاء دين يسير يخف معه الوزن أو العدد لا كثير فيكره. اهـ. ونحوه للشبراخيتي وغيره. وقال المواق: سمع ابن القاسم خفة كتب ذُكْر الحق بالمسجد ما لم يطل، وجواز قضاء الحق على غير وجه التجر والصرف. اهـ. وقال الحطاب: يعني أنه يجوز قضاء الدين في المسجد لأنه معروف بخلاف البيع والصرف؛ وقوله: وقضاء دين، أي الذي فيه يسير العمل. اهـ. وقتل عقرب، قال الخرشي: يعني أنه يجوز قتل العقرب في المسجد إذا أرادته، وكذلك الفأر والثعبان وما أشبه ذلك، نص عليه اللخمي، وفي البرموني: وقتل عقرب أرادته أم لا. انتهى. وقال عبد الباقي: وقتل عقرب أو فأر كما قدم في فصل الجماعة، وأولى الثعبان ونحوه وإن لم يرده شيء من ذلك، وتقدم فيه أنه إذا كان بصلاة أي بمسجد أو غيره فله ذلك إن أرادته. اهـ. وقال الشبراخيتي: وقتل عقرب وأحرى ما هو أشد ضررا منها كالثعبان ونحوه. انتهى. ونحوه للتتائي، وقال المواق: سمع ابن القاسم كراهة قتل القملة أو دفنها بالمسجد، ابن رشد: وقتل البرغوث أخف عنده. اللخمي: البرغوث من دواب الأرض لا بأس بطرحه به وتقتل بالمسجد العقرب والفارة. اهـ. وقال الحطاب: قال في أواخر كتاب الجامع من الذخيرة: قال مالك: وينهى السُّوَّال عن السُّؤال في المسجد والصدقة في المسجد غير محرمة. اهـ. وقال ابن عبد الحكم في النوادر: من سأل فلا يعطى وأمر بحرمانهم وردهم خائبين. وقال التادلي: كان الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمران يغلظ عليهم في النهي وربما أمر بإخراجهم إلى السجن، وكان بعض الشيوخ على العكس منه فيرفق بهم ويسأل عن أحوالهم ويتصدق عليهم، فالأول تصرف بالشرع، والثاني بعين الحقيقة، وقال بعض الشيوخ: إنما يمنع في المساجد من عمل الصناعات ما يختص بنفعه آحاد الناس مما يكتسب به فلا يتخذ المسجد متجرا، فأما إن كانت لما يشمل المسلمين في دينهم مثل المثاقفة وإصلاح آلة الجهاد مما لا مهنة في عمله للمسجد فلا بأس. اهـ. وفي الذخيرة: ويجعل الماء العذب في المساجد، وكان في مسجد النبي ﷺ . انتهى.

стр. 7566

ونوم بقائلة، قال الخرشي: والمعنى أن النوم في المسجد بالقائلة جائز للمسافر وللمقيم، فمفهومه أن النوم في المسجد في الليل غير جائز، قال ابن عبد السلام: ومنهم من أجاز المبيت في مساجد المدائن وهو خلاف المشهور، ولا بأس بالمبيت فيه للمسافر. اهـ. ومفهومه أيضا أن النوم في غير قائلة لا يجوز فانظره فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ونوم بقائلة، عبارة ابن الحاجب: وابن شأس أعم لأنه قال: والنوم فيه نهارا ومطلق النهار أعم من القائلة، ابن عرفة: وسمع ابن القاسم: لا أحب لذي منزل مبيته به وسهل فيه للضيف ومن لا منزل له. وقال الشارح: ابن شأس: وخفف يعني الجلوس في المساجد والنوم فيها نهارا للمقيم والمسافر والمبيت للمار والمنتاب إلى أن يرتاد. اهـ. وليس في كلام ابن شأس تقييد النوم نهارا بكونه بقائلة، وقوله: المنتاب، هو المتردد مرة بعد مرة في طلب مسكن يسكنه، وقوله: إلى أن يرتاد، أي إلى أن يتخذ مسكنا يسكن فيه، وأشار لهذا في النهاية. اهـ. وقال عبد الباقي: ونوم بقائلة أو ليل لضيف ومقيم ومسافر لا منزل لكل. اهـ. وقوله: لا منزل لكل لخ، ليس قيدا في نوم القائلة لقول الجواهر: خفف في القائلة النوم نهارا في المسجد للمقيم والمسافر. اهـ. وإنما هو قيد في نوم اليل. قال ابن رشد: وكذلك يجوز لمن لم يكن له منزل أن يبيت في المسجد. انتهى. فائدة: قال إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل قال: أخبرنا أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة (أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم قالت فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته أو وقع منها فمرت به حُدَيَّاة وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الْحُدَيَّاةُ فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئه وهُوَ ذَا هُوَ، قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حِفْشٌ، قالت: فكانت تأتيني فَتَحَدَّثُ عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت: وَيَوم الوشاح من تعاجيب ربنا … ألا إنه من بلدة المكفر نجاني

стр. 7567

قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مَقْعَدًا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث (١)). اهـ. الوشاح بكسر الواو ويجوز ضمها ويجوز ابدالها همزة خيطان من لؤلؤ يخالف بينهما وتتوشح به المرأة، وقيل: ينسج من أديم عريضا ويرصع باللؤلؤ وتشده المرأة بين عاتقها وكشحها، وعن الفارسي لا يسمى وشاحا حتى يكون منظوما بلؤلؤ وودع. اهـ. وقولها في الحديث: من سيور، يدل على أنه كان من جلد، وقولها: فحسبته لحما، لا ينفي كونه مرصعا لأن بياض اللؤلؤ على حمرة الجلد يصير كاللحم السمين، وقوله: حُدَيَّاة بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتشديد التحتانية، والأصل همزة مفتوحة سهلت فأدغمت فيها الياء وأشبعت الفتحة فصارت ألفا، وقوله: ففتشوا قبلها كأنه من كلام عائشة رضي الله تعلى عنها، وإلا فمقتضى السياق أن تقول: قبلي، وكذا هو في رواية المص في أيام الجاهلية والخباء بكسر المعجمة بعدها موحدة وبالمد الخيمة من وبر أو من غيره، والحفش بكسر المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة البيت الصغير القريب السمك، مأخوذ من الانحفاش وهو الانضمام. وفي الحديث إباحة المقيل والمبيت في المسجد لمن لا مسكن له من المسلمين رجلا كان أو امرأة عند أمن الفنتة، وفيه الخروج من البلد الذي تحصل للمرء فيه محنة، ولعله يتحول إلى ما هو خير له كما وقع لهذه المرأة، وفيه فضل الهجرة من دار الكفر، وإجابة دعوة المظلوم ولو كان كافرا لأن في السياق أن إسلامها كان بعدُ. اهـ. انظر ابن حجر. وتضييف بمسجد بَادِيَةٍ، يعني أن مساجد البادية يجوز للإنسان أن ينزل فيها الضيفان ويطعمهم الطعام، قال مالك: وذلك شأن تلك المساجد. قال ابن رشد: في هذا ما يدل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المساجد ويبيتون فيها ويأكلون فيها ما أشبه التمر من الطعام الجاف، وانظر ما المراد بالبادية؟ هل هو ظاهره أو ما يشمل الريف، لكن قول مالك: وذلك شأن تلك المساجد يدل على الإطلاق لأن مساجد الأرياف شأنها ذلك. قاله الخرشي. ويأتي

стр. 7568

عن المواق ما يفيد أن هذا في مساجد المدن فأحرى غيرها. والله تعلى أعلم. وقال عبد الباقي عند قوله: بادية: راجع للأمرين قبله. الْتهى. قوله: راجع للأمرين قبله، كلامه يفيد أن التقييد بالبادية يرجع للنوم بقائلة أيضا وفيه نظر، وقد أطلقه ابن شأس وابن الحاجب والتوضيح وغيرهم، ونص التوضيح: ابن حبيب عن عبد الملك: لا بأس بالقائلة بالمسجد والنوم فيه نهارا للمسافر والمقيم، ثم قال: ورخص مالك أن يطعم الضيف في مساجد البادية، وقال: ذلك شأن تلك المساجد، وكره أن يوقد فيها نار. ابن عبد السلام: ومنهم من أجاز المبيت في مساجد المدائن والمشهور خلافه وهو أقرب إلى ما روي من الآثار. انتهى. فلم يقيد بالبادية إلا التضييف والمبيت. انتهى. وقال المواق: سمع ابن القاسم: يجوز تعليق الأقناء بكل مسجد لضيافة من أتى يريد الإسلام، قال ابن القاسم: ولم ير مالك بأسا بأكل الرطب التي تجعل في المساجد. ابن رشد: في هذا ما يدل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المساجد ويبيتوا فيها [ويأكلوا (١)] فيها ما أشبه التمر من الطعام الجامد، وقد خفف مالك أيضا للضيفان المبيت والأكل في مساجد القرى بمعنى أن الباني لها للصلاة يعلم أن الضيفان يبيتون فيها لضرورتهم إلى ذلك، فصار كأنه قد بناها لذلك، وإن كان أصل بنائه لها إنما هو للصلاة فيها لا لما سوى ذلك من مبيت الضيفان، وكذلك يجوز لمن لم يكن له منزل أن يبيت في المسجد. اهـ. وإناء لبول إن خاف سبعا، يعني أن من التجأ إلى المسجد يجوز له أن يتخذ إناء للبول إن خاف أن يفترسه الأسد مثلا إذا خرج إلى الخلاء. قال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن من التجأ إلى المبيت في المسجد يجوز له أن يتخذ إناء ليبول فيه أو يتغوط فيه في المسجد إذا علم أنه إذا خرج منه في اليل لأجل البول أو غيره يفترسه الأسد، وفي بعض النسخ سبقا قبل خروجه أي بالقاف بدل المعين، قال ابن رشد: فإذا بات في المسجد وخاف إن خرج منه لقضاء حاجته من اللصوص فإنه يتخذ معه إناء لقضاء حاجته فإن لم يجده بال فيه، قال ابن المواز: وكذلك الغريب إذا لم يجد من يدخل دابته فإنه يدخلها في المسجد إذا خاف عليها اللصوص. انتهى. وقد ظهر من هذا

стр. 7569

أن قول المؤلف: لبول ليس للتقييد وإنما المراد قضاء الحاجة مطلقا أعني بولا أو غائطا كما دل عليه النقل السابق، وهذا الفرع مستثنى من قاعدة حرمة المكث بالنجس في المسجد للضرورة، وظاهره سواء كان الإناء يرشح كالفخار أولا كالزجاج، وظاهره وإن لم يكن ساكنا كما دل عليه كلام ابن رشد قاله الخرشي وقال عن الأجهوري: الظاهر أنه يجب عليه أن يرتكب ما هو أقل ضررا: فمتى كان إذا بال أو تغوط في صدر المسجد يكثر ضرره بالناس وإذا بال بغيره يقل فإنه يجب عليه أن يبول بغيره، وانظر هل مثل الإناء ما إذا كان معه ثوب يقضي فيه حاجته وهو غير محتاج للبسه ولا يفسده؟ وهو الظاهر، فإن كان يفسده الغسل فإنه لا يفعل به. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجاز إناء أي اتخاذه فيه لبول ولا مفهوم له إذ الغائط كذلك، فإن لم يجد آنية بال فيه أو تغوط إن خاف سبقا بالقاف أي أن يسبقه البول إذا خرج لذلك، هذا والذي في أجوبة ابن رشد: أنه أجاز لمن التجأ إلى المبيت وخاف إن خرج لصا أو سبعا أن يتخذ معه آنية فيه للبول، ويقع في بعض النسخ موضع القاف عين أي أسدا وهي مسألة ابن رشد، ويفهم من قوله: إن خاف، أنه لو تحقق ذلك لم يكن الحكم كذلك والحكم الوجوب، ويجب عليه أن يرتكب ما هو أقل ضررا، فمن كان إذا بال أو تغوط في صدر المسجد يكثر إضراره بالناس وإذا بال بغيره يقل فإنه يجب عليه أن يبول بغيره. انتهى. وقال عبد الباقي: وإناء لبول أو غائط إن خاف سبعا ونحوه يفترسه إذا خرج لحاجته، وفي بعض النسخ بالقاف بدل المعين، ويستثنى ذلك من قاعدة حرمة المكث في المسجد بالنجس، وظاهر المص سواء كان الإناء مما يرشح كالفخار أو لا كالزجاج، وظاهره وإن لم يكن ساكنا فيه كما دل عليه كلام ابن رشد، فإن لم يجد إناء بال فيه وتغوط وإن لم يضطر للنوم فيه، ابن العربي: وكذا الغريب إذا لم يجد من يدخل دابته عنده فإنه يدخلها في المسجد، وفهم من قوله: إن خاف، أنه لو تحقق ذلك وجب، والظاهر أنه يقدم ثوبا معه غير محتاج للبسه ولا يفسده الغسل على أرض المسجد، فإن كان يفسده الغسل لم يفعل. انتهى. وقال المواق: قال ابن عرفة: في فتوى ابن رشد بسعة إدخال من لا غنى عن بيته بالمسجد من سرقتها (١)

стр. 7570

لحراستها، ومن اضطر للمبيت بها من شيخ ضعيف وزمن ومريض ورجل لا يستطيع الخروج ليلا للمطر والريح والظلمة ظرفا بها للبول نظر، لأن ما يحرس بها اتخاذها بها غير واجب، وصونها عن ظروف البول واجب، ولا يدخل في نفل بمعصية، وروى الخطابي جواز دخول الجنب المسجدَ عابرا، وأجازه ابن مسلمة مطلقا، فألزمه اللخمي الحائض المستثفرة. عياض: بينهما فرق للدم. ابن عرفة: لعل ابن مسلمة يجيزه مستورا دمه ببعضه. اهـ بزيد قليل. وما قاله. ابن عرفة متجه، ولا يرد بما ذكره عبد الباقي لأنه مبحوث فيه، وقول عبد الباقي: وإن لم يضطر للنوم فيه لخ، قال بناني: كذا رأيته في نسخ من هذا الشرح وهو غير صحيح، بل لا يجوز له فعل ذلك إلا إذا اضطر للمبيت فيه كما في نص ابن رشد وغيره، وعبارة التوضيح: وأجاز ابن رشد في أجوبته لمن التجأ للمبيت فيه وخاف إن خرج لصا أو سبعا أن يتخذ معه آنية ليبول فيها. اهـ. وهكذا في عبارة ابن عرفة عنه، وقال أحمد في حاشيته: هذا إذا اضطر للمبيت في المسجد، وأما إذا لم يضطر فلا يجوز له ذلك. كمنزل، يسكن فيه تحته. تشبيه في الجواز، يعني أنه يجوز لباني المسجد أن يتخذ منزلا تحته. ومنع عكسه، يعني أنه لا يجوز السكنى فوق المسجد، أي لا يجوز لأحد أن يتخذ منزلا للسكنى فوق المسجد. قال الخرشي: والمعنى أنه يجوز للإنسان أن يتخذ له بيتا تحت المسجد، ولا يجوز له أن يتخذ فوقه بيتا، لأن ما فوق المسجد، له حرمة المسجد وهذا في مسجد أعلاه متأخر عن مسجديته، بأن يبنى مسجدا ابتداء ثم أحدثت السكنى فوقه، وقوله فيما سبق في باب الإجارة: وسكنى فوقه إنه مكروه في مسجد أعلاه سابق وهذا أحسن الفروق، وكل مسجد كره سكناه أو منع فمعناه بأهله، وأما بنفسه فهو رجل تجرد للعبادة. انتهى. وقال عبد الباقي: كمنزل تحته ولو بأهله ومنع عكسه إن سكن بأهله وحدث بناؤه على المسجد بعد تحبيسه ولو قبل تخليته للناس، وأما لو بني فوقه قبل تحبيسه أو كان يملك محلا أعلى وأسفل فجعل الأسفل مسجدا فإنه يكره فقط سكنى فوقه بأهله فيهما، كعلى مسجد بني للكراء، وأما سكنى فوقه بغير أهله بل لمجرد مبيته فجائز بالأولى من سكنى لرجل تجرد للعبادة. اهـ. وقال بناني: ومنع عكسه، قال في التوضيح: ونحو هذا في كتاب الصلاة من المدونة والواضحة، وما في كتاب الجعل من لفظ

стр. 7571

الكراهة الظاهر حمله على المنع. انتهى. وما في كلام الزرقاني من التوفيق هو الذي اختاره الحطاب فيما تقدم، وقد تقدم التنبيه عليه. اهـ. وقال الشبراخيتي: كمنزل يتخذه باني المسجد تحته فيجوز، ومنع عكسه بأن يجعل السفل مسجدا والعلو منزلا، ومحل المنع حيث سكن بأهله وحيث كان المسكن طارئا على المسجد الذي بناه لله بعدما حيز عنه، وأما لو بنى المنزل فوق المسجد الذي بناه للكراء أو فوق المسجد الذي بناه لله قبل ما حيز عنه فإنه يكره، وقال: المواق من المدونة قال مالك: من بنى مسجدا وبنى فوقه بيتا فلا يعجبني ذلك لأنه يصير مسكنا يجامع فيه ويأكل؛ قال مالك: وجائز أن يكون البيت تحت المسجد، ويورث البنيان الذي تحت المسجد، ولا يورث المسجد إذا كان صاحبه قد أباحه للناس. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: تحصل من هذا أن السكنى تحت المسجد تجوز بالأهل وبغير الأهل، وأنها لا تجوز فوقه بالأهل، وتجوز بغير الأهل، ومحل منعها بالأهل حيث حدث البناء بعد الوقفية، وأما لو كان البناء قبل الوقفية فالسكنى فوقه بالأهل مكروهة فقط، وقد مر حكم السكنى في المسجد قريبا فراجعه إن شئت. كإخراج ريح، تشبيه في المنع، قال الخرشي: والمعنى أنه لا يجوز إخراج الريح في المسجد تعمدا، قال اللخمي: ولا يجوز جلب الريح فيه وإن كان خاليا لحرمة المسجد وللملئكة. اهـ. وأما خروج الريح فيه غلبة فإنه لا يحرم. انتهى. وقال ابن العربي: يجوز إرسال الريح في المسجد كما يرسله في بيته إذا احتاج لذلك. انتهى. وقال الأمير: والريح بصوت بحضرة الناس حرام. انتهى. وقال المواق: قال ابن رشد: ولا يحدث حدث الريح في المسجد. انتهى. ومكث بنجس، قال الخرشي: يجوز رفعه عطفا على عكسه وجره عطفا على مدخول الكاف. اهـ. والمعنى أنه يحرم على الإنسان المكث بعين النجس في المسجد سواء في ذلك المتنجس الذي فيه عين النجس والنجس نفسه، وأما إن أزيل عينها وبقي حكمها كما لو أزيلت المعين بغير المطلق فهل هو كذلك أو لا يمنع المكث به؟ استظهر الشيخ كريم الدين أنه لا يمنع المكث به، وقال التتائي: ومكث بنجس ظاهره قل أو كثر دما أو غيره كان في الصلاة أو لا، قال في الشامل: ولو غطاه على الأصح، وأما ما في مختصر ما ليس في المختصر: يجب على من رأى في ثوبه دما في الصلاة أن يخرج عن

стр. 7572

المسجد ولا يخلعه فيه، فلا ينافي ما هنا. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: ومنع فيه مكث ومرور بنجس غير معفو عنه ولو ستر النجس بطاهر على الراجح، وقيل: يجوز، وعليه فيضع النعل في شيء طاهر يكنه، والمتنجس كالنجس غير المعفو عنه، وإن أزيل عن النعل أو نحوه المتنجِّس عينُها بغير المطلق كحكها بالأرض خارج باب المسجد لم يمنع كما استظهره كريم الدين، لأن بعض العلماء ذهب إلى طهارته بذلك. انتهى. وقوله: غير معفو عنه، مفهومه مسلم إن كان لا يصل من سلسه شيء إلى محل جلوسه بأن كان يتقي ذلك بثيابه أو بشيء أعده لذلك وإلا فلا. قاله الرهوني. وقال الخرشي: قال ابن شعبان: من رأى بثوبه كثير الدم وهو بالمسجد يخرج من المسجد ولو كان في صلاة وقال غيره: ينزعه ويتركه بين يديه ساترا له ببعضه. اهـ. وقال الشبراخيتي: ومكث، ومثله المرور كما يفيده كلام ابن غازي في تكميل التقييد، بنجس أي غير معفو عنه، كما يفيده النقل. اهـ. وقوله: ومكث، قال في القاموس: المكث مثلثا ويحرك والمكيثا ويُمد والمكوث والمكثان بضمهما اللبث والفعل كنصر وكرم. تنبيهات: الأول: في المعيار سئل سيدي أحمد القباب عمن به جرب كثير فإذا أتى للصلاة فيه فتقع قشور الجرب في المسجد وهو لا يقدر على التحفظ هل يجوز له دخول المسجد أم لا؟ فأجاب: لم أقف فيه على نص، ولو صلى خارج المسجد بصلاتهم إن قدر كان أحوط له. اهـ. نقله الرهوني، وقال: قلت: أما على ما قاله ابن عرفة: من أن ما أبين من الآدمي الحي نجس على كلا القولين فلا وجه للتوقف في منعه، وكذا على ما قاله ابن عبد السلام: من أنه يجري على القولين في ميتة الآدمي إذا فرعنا على ما صدر به في المختصر من قوله: ولو قملة وآدميا، وأما على مقابله فوجه التوقف ظاهر، والصواب له هو في نفسه أن يترك دخوله وأن يمنع منه إن طلب ذلك غيره، لأن ذلك يؤذي الناس وليس ضرره بأخف من رائحة البصل ونحوه، ولأن كثيرا من الناس يتورع ويحتاط لنفسه، والقول بنجاسة ذلك قوي، فلا تطيب نفس المتورعين بالصلاة على تلك القشور. تأمله بإنصاف. انتهى. الثاني: قال الحطاب: قال ابن رشد في رسم نذر من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع: لا خلاف أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد ولا يورث المسجد ولا البنيان الذي فوقه ويورث

стр. 7573

البنيان الذي تحته، وإنما اختلف في صلاة الجمعة عليه هل تكره ابتداء وتصح إن فعلت أو لا تصح ويعيد أبدا؟ والله تعلى أعلم. انتهى. الثالث: قال ابن العربي في عارضته في باب تطييب المساجد في شرح قول عائشة رضي الله تعلى عنها: (أمر ﵊ ببناء المساجد وأن تنظف وتطيب) (١): ونظافتها أن لا تبقى فيها قمامة من الخرق والقذى والعيدان، وليس من ذلك الحَدَث فيكون فيه ريح أو صوت، ولا يناقض تنظيفه تعليق قنو فيه من ثمر يأكله المساكين، ولا الأكل لما فيه إذا وضع لقاطة أو سقاطة ما يأكل في حجره أو كمه. اهـ. وقال في باب المشي إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه في شرح قوله ﷺ : (لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث (٢)) قال رجل من حضرموت لأبي هريرة ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط، فيه دليل على إرسالهما في المسجد كما يرسله في بيته إذا احتاج إلى ذلك، وإنما ينزه عن نجاسة عينية. اهـ. الرابع: قال الإمام الحطاب: قال في التوضيح قال في مختصر ما ليس في المختصر: ويجب على من رأى في ثوبه دما كثيرا في الصلاة أن يخرج من المسجد ولا يخلعه فيه، قال: وقد قيل: يخلعه ويتركه بين يديه ويغطي الدم. اهـ. وقال القلشاني في شرح الرسالة: من رأى بثوبه كثير دم، فقال ابن شعبان: يخرج من المسجد ولو كان في صلاة، وقال غيره: ينزعه ويتركه بين يديه ساترا نجاسته ببعضه. قال القلشاني: قلت: وعليهما الخلاف في إدخال النعل الذي لحقته نجاسة في محفظة أو ملفوفة في خرقة كثيفة. انتهى. وقال الأقفهسي: قال الجزولي: ودخول المسجد بالثوب النجس مكروه وكذلك نعلاه إذا كان فيهما نجاسة فلا يدخلهما المسجد حتى يحكهما ولا يغسلهما فإن ذلك يفسدهما. انتهى. فما ذكره من الكراهة مخالف لما مشى عليه المص. والله أعلم. انتهى. وكره أن يبصق بأرضه، يعني أنه يكره أن يبصق بأرض المسجد البلاط لا التراب ولا الحصباء، فالمترب والمحصب لا يكره البصاق بأرضهما، هذا هو الذي قرر به بناني رادا على عبد الباقي

стр. 7574

قوله: وكره أن يبصق بأرضه البلاط لا التراب، وكذا يكره فوق الحصباء وفوق حصير الثلاثة، لا في خلال الحصباء أو تحتها فيجوز، وكتحت حصير المحصب والمترب فيجوز كما أسلفه في صلاة الجماعة. انتهى. فإنه قال عليه: لم أر من ذكر هذا التفريق في المحصب، بل أطلقوا الجواز فيه وهو الذي مر عند الزرقاني في باب الصلاة، وهو ظاهر نقل المواق هنا. انتهى. وقال المواق: من المدونة قال مالك: لا يبصق أحد في حصير المسجد ويدلكه برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير، قال ابن القاسم: وكذلك إن كان المسجد غير محصب فلا يبصق تحت قدمه ويحكه برجله بمنزلة الحصير؛ قال مالك: وإن كان المسجد محصبا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يساره وتحت قدمه ويدفنه، ويكره أن يبصق أمامه في حائط القبلة. قال: إن كان عن يمينه رجل وعن يساره رجل في الصلاة بصق أمامه ودفنه، وإن كان لا يقدر على دفنه فلا يبصق في المسجد بحال، كان معه الناس أو وحده، لقوله ﷺ : إذا صلى أحدكم فلا يبصق في القبلة بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله فإن لم يجد فليبصق في ثوبه. وقال ﷺ : (إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، [أو إن] ربه بينه وبين قبلته، فليبصق إذا بصق عن يساره أو تحت قدمه (١)). أبو عمر: في هذا الحديث دليل على أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قِبل وجهه ولا عن يمينه. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: لا بأس بوضوء طاهر بصحن المسجد. ابن رشد: قول سحنون: لا يجوز أحسن لما يسقط من غسالة الأعضاء، وقد كره مالك الوضوء في المسجد وإن جعله في طست، عياض: قرأ لقمان بن يوسف على أصحاب سحنون وكان حافظا لمذهب مالك مفتيا ثقة صالحا غسل رجليه في يوم مطر في جامع تونس، فأنكر إنسان عليه، فقال لقمان: عطاء بن أبي رباح يتوضأ في المسجد الحرام، وهذا يمنعني أن أغسل رجلي في جامع تونس. انتهى. وروى الشيخ: يكره السواك في المسجد، وقال في المدونة: ولا يأخذ المعتكف بالمسجد من شعره وأظفاره وإن جمعه وألقاه. انتهى.

стр. 7575

وحَكّه يعني أنه إذا بصق بغير أرض المسجد، كما إذا بصق بكفه أو ثوبه فإنه يكره أن يحكه بعد ذلك بأرض المسجد، ويحتمل أن يكون قوله: وحَكَّه مستأنفا، أي والحكم إذا وقع ونزل أن يحكه، ونسخة حلولو صريحة في ذلك، وهي: ويحكه، وهي عبارة ابن الحاجب وابن شأس، وعليها حل التتائي فإنه قال: وكره أن يبصق بأرضه أي عليها وإن فعل حكه كما في الحديث: (كفارتها دفنها (١)). وقال البساطي: يكره أن يحك البصاق في غير الأرض بالأرض كما لو بصق بثوبه أو بكفه ثم حكه بأرض المسجد، فقوله: وحكه معطوف على أن يبصق مقدر فيه المتعلق، أعني بأرضه أي حكه بأرضه. اهـ. وفهم منه جوازه تحت الحصباء أو الحصير إن كان محصبا. انتهى. وقال الشبراخيتي: يحتمل أنهما فرعان كما قال البساطي، أي يكره البصق فيه، ويكره أيضا إن بَصَق في ثوبه أو يده أن يحكه بالمسجد، ويحتمل أنه فرع واحد أي يكره بصقه فيه مع حكه، وأحرى إن لم يحكه لأنه قد لا يبقى شيء منه مع الحك، وعليه فقوله: وحكه فعل ماض، وهذا في غير المحصب، واعلم أن البصق فوق فُرُش المسجد مكروه مطلقا، وكذا تحته إن كان مبلطا أو ما يشبهه، وأما إن كان محصبا فلا يكره البصق تحت فرشه. اهـ. وتعليم صبي، يعني أنه يكره تعليم الصبيان في المسجد قرآنا أو غيره، قال ابن حبيب: قال مالك: لا يعلم الصبيان ولا يمكنون من المدخول إلا أن يدخل صبيٌّ لصلاةٍ ثم يخرج منه انتهى. فيحمل النهي على الكراهة، وقوله: وتعليم صبي، أي لا يعبث ويكف إذا نهي وإلا حرم إدخاله المسجد، وقوله: وتعليم صبي، أي فيه القرآن، وأما تعليم الصنائع بالمسجد فلا يختص بالصبي. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وكره فيه تعليم صبي مراهق ونحوه وصغير لا يعبث ويكف إذا نهي قرآنا أو غيره، والمذهب المنع. انظر المواق. اهـ. وقال الشبراخيتي: وكره تعليم صبي قرآنا أو غيره، والمذهب المنع كما رواه سحنون، لأن الغالب عليه عدم التحفظ من النجاسة، وقال ابن عرفة: إنه الصحيح. اهـ. وقال التتائي: وكره تعليم صبي فيه مثله لابن الحاجب قرآنا أو غيره لعدم تحفظه. اهـ. وقال المواق: قال ابن عرفة: أما تعليم الصبي في المسجد فروى ابن القاسم: إن

стр. 7576

بلغ الصبي مبلغ الأدب فلا بأس أن يؤتى به المسجد، وإن كان صغيرا لا يقر فيه ويعبث فلا أحب ذلك؛ وروي سحنون لا يجوز تعليمهم فيه لأنهم لا يتحفظون من النجاسة، وهذا هو الصحيح. اهـ. وبيع وشراء، يعني أنه يكره البيع والشراء في المسجد، لقوله ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك (١)). ولا فرق في البيع بين بيع الذوات والمنافع كأن يؤجر نفسه لتعليم القرآن في المسجد كبيرا أو صغيرا لا يعبث ويكف إذا نهي، وقد ارتضى الأجهوري في شرحه ما يفيده كلام الشارح من أن كلام المؤلف يشمل عقد البيع فقط في المسجد أو مع النظر والتقليب للبيع، وبحث في قول أحمد الزرقاني: وأما عقد البيع فهو كعقد النكاح بأن عقد النكاح مطلوب فيه الإعلان والمسجد محله بخلاف عقد البيع. قاله الخرشي. وقوله: وبيع أي من غير رفع أصوات، وأما لو ارتفعت الأصوات وحصل تخليط على المصلين كما يفعل بالجامع الأزهر بعد صلاة الجمعة فإنه يحرم، وعبارة الشبراخيتي: ومحل الكراهة حيث لم يحصل بذلك تخليط على المصلين وإلا حرم. اهـ. وقوله: وبيع أي بغير سمسار وإلا حرم، وظاهره أن الهبة والصدقة لا كراهة فيهما، وإذا ثبت ذلك فإنه يوجه بأنه معروف مرغب فيه، ولم يكتف المؤلف بالبيع عن الشراء مع أنه لازم عليه. اهـ. وقال الشبراخيتي: وبيع وشراء أي بغير سمسار وإلا حرم. اهـ. وقال عبد الباقي: وكره فيه بيع وشراء بغير سمسار وإلا حرم، ومحل الكراهة حيث جعله محلا لهما، وأما مجرد عقدهما فلا يكره، وأراد بالبيع الإيجاب وبالشراء القبول، وإلَّا لاكتفى عن الشراء لأنه من لازمه، ولا فرق بين بيع الذوات والمنافع، وظاهر المص أن الهبة والصدقة لا يكرهان لأنهما مرغب فيهما. اهـ. وقال بناني عند قوله: وبيع وشراء ما نصه: ابن الحاجب: ويكره فيه البيع والشراء وسل السيف وإنشاد الضالة والهتف بالجنائز ورفع الصوت ولو بالعلم. اهـ. التوضيح: ينبغي أن تكون الكراهة هنا أيضا على المنع. اهـ. وقول الزرقاني: محل الكراهة حيث جعله محلا لهما لخ، أي بأن أظهر سلعته فيه للبيع،

стр. 7577

ففي المبسوط: قال ملك: لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلا بثوب عليه أو سلعة تقدمت رؤيته لها فلا بأس به. اهـ. وقال الحطاب: وقال الجزولي في شرح الرسالة: ولا يجوز البيع في المسجد ولا الشراء، واختلف إذا رأى سلعة خارج المسجد هل يجوز له أن يعقد البيع في المسجد أم لا من غير سمسار؟ وأما البيع بالسمسار فيه فممنوع باتفاق، فإن وقع البيع في المسجد. قال ابن بطال: الإجماع على أنه لا يفسخ وأنه ماض. اهـ. وسل سيف، قال الخرشي: قال المغربي: السل إخراج الشيء من الشيء بجذب ونزع سل السيف من الغمد والشعرة من العجين، والمعنى أنه يكره في المسجد سل السيف والسكين لِمجرد التقليب أو لحاجة لقطع أو لمصلحة لا لإخافة فيحرم، قال ابن رشد: لا يسل في المسجد سيف. اهـ. وفي نقل الخرشي عن يحيى بن سليم عن مكحول عن واثلة بن الأسقع قال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وجمروها أيام جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم أيام جمعكم (١)). اهـ. ولعب الحبشة في المسجد منسوخ. اهـ. وروى ابن حبيب: لا يمر بالمسجد بلحم ولا تنفذ فيه النبل ولا تمنع فيه القائلة. ابن حبيب: يريد بتنفيذ النبل إدارتها على الظفر ليعلم مستقيمها من معوجها. قاله المواق. وقال الشبراخيتي: وسل سيف وخنجر وسكين لمجرد التقليب أو لقطع حاجة أو لمصلحة لا لإخافة فيحرم. اهـ. وإنشاد ضالة، يعني أنه يكره إنشاد الضالة في المسجد وهو تعريفها أي سؤال من وجدها عن ربها، ويقال، أيضا لسؤال ربها عنها، فالمص شامل للمعنيين مفيد لِكراهة كل منهما في المسجد، قال بناني: في القاموس ما يفيد أن كلا من الرباعي والثلاثي يستعمل في الطلب والتعريف، ونصه: نشد الضالة نشدا ونشدانا ونشدة بكسرهما طلبها وعرَّفها، ثم قال: وأنشد الضالة عرفها واسترشد عما ضل. انتهى. وعليه يكون لفظ المص شاملا للمعنيين. والله أعلم. انتهى كلام بناني. وقال عبد الباقي: وإنشاد ضالة أي تعريفها لملتقطها، وكذا نشدها لمن ذهبت منه في المسجد

стр. 7578

بالأولى، وهو الوارد في خبر: (إذا رأيتم من ينشد ضالته في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك (١)). وهو بفتح التحتية وضم الشين المعجمة أي يطلب ما ضاع منه بدليل قوله: لا ردها، وذكر المص غير محل النص لأنه يتوهم فيه عدم الكراهة لوجوب تعريفها على ملتقطها وترك محل النص. انتهى. واعلم أنه إنما يجب حفظ مال الإنسان عليه مع وجوده لا مع ضياعه. انظر شرح الشيح عبد الباقي. وقال بناني: ما ذكره الزرقاني من التفريق بين الرباعي والثلاثي في المعنى هو الذي في الصحاح والنهاية لابن الأثير وهو المعروف المألوف، لكن في القاموس ما يفيد، إلى آخر ما مر قريبا. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وإنشاد ضالة وهو سؤال من وجدها عن صاحبها، وكذا نشدها وهو سؤال ربها عنها، ويبين لك الفرق بينهما قول الشاعر: تصيخ للنبأة أسماعه … إصاخة الناشد للمنشد اهـ. وقال المواق: قال أبو عمر: قال رسول الله ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك (٢)) وإذا رأيتم الرجل ينشد ضالته في المسجد فقولوا:. لا ردها الله عليك). وقال الحطاب عند قوله: وإنشاد ضالة، قال الطرطوشي في كتاب البدع: ولو لم يرفع بذلك صوته ولكن سأل عن ذلك جلساءَه غير رافع صوته فلا بأس بذلك لأنه من حسن المحادثة وذلك غير ممنوع اهـ يريد غير مكروه كما يفهم من كلامه. اهـ. تنبيهان: الأول: قال الحطاب: قال القرطبي في شرح مسلم في قوله إن عمر مر بحسان ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، قال: أي رمى إليه بعينه أن اسكت، وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد، وقال: من أراد أن ينشد شعرا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقد اختلف في ذلك فمن مانع مطلقا ومن مجيز مطلقا، والأولى التفصيل، فما كان يقتضي الثناء على الله وعلى رسوله والذب عنهما كما كان يشعر حسان أو يتضمن الحث على الخير فهو حسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز، لأن الشعر

стр. 7579

لا يخلو في الغالب عن الكذب والفواحش والتزيين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو أو الهذر، والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ولقوله ﷺ : (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي للذكر وللصلاة ولقراءة القرآن (١)). اهـ. الثاني: قال الطرطوشي: ولم أرَ لمالك شيئا في كتابة المصاحف في المساجد، قال: فأما الرجل المتقي الذي يصون المسجد ويكتب المصاحف فظاهره الجواز. اهـ. وهتف بميت، يعني أن يكره الهتف بالميت أي النداء في المسجد أو بابه بموت الميت إعلاما به، قال عبد الباقي: وكره هتف أو صياح بمسجد أو بابه إعلاما بميت أي بموته، وأما بغير صياح بل بصوت خفي فجائز، كما قدم الأمرين في الجنائز حيث قال عاطفا على ما يكره: ونداء به بمسجد أو بابه، لا بكحلق بصوت خفي. اهـ. خلافا لقول ابن الحاج: يجوز ببابه عند انصراف الناس. اهـ. وقال الخرشي: أي ومما هو مكروه الهتف بالميت في المسجد أو على بابه بأن يقول: أخوكم فلان قد مات بصوت يجهر به على سنة الجهر، وأما في المسجد بصوت خفي فجائز، فالهتف الصياح أي الإعلام بموته أي رفع الصوت بذلك في المسجد أو بابه، يقال: هتفت الحمامة تهتف هتفا وهتف به أي صاح، ولا يسوغ تفسير المص هنا بما مر عن ابن الحاج، وكلام الشارح غير ظاهر. ورفع صوت، يعني أن رفع الصوت في المسجد مكروه كان رفعه بعلم أو بغيره، قال ابن مسلمة: رفع الصوت ممنوع في المساجد إلا ما لا بد منه كالجهر بالقرآن في الصلاة والخطبة والخصومة تكون من الجماعة عند السلطان فلا بأس به، ولا بد لهم من مثل هذا، وهذا إنما يكون في القراءة على وجه، كالإمام يجهر بالقراءة والمتنفل بالليل وحده، وأما جهر بعضهم على بعض بالقراءة فممنوع. قاله المواق. وقال الشبراخيتي: وكره فيه رفع صوت ولو بالقرآن، ويستثنى من ذلك رفع الصوت بالتلبية في مسجد مكة ومنى، فإن المشهور جواز ذلك فيهما، وتقدم: وجاز رفع صوت

стр. 7580

مرابط بالتكبير. اهـ. وقال التتائي: وكره فيه رفع صوت بعلم أو غيره. البساطي: إلا للتبليغ. اهـ. وقال عبد الباقي: ورفع صوت بمسجد بقرءان أو علم أو ذكر إلا لتلبية بمسجد مكة ومنى فيجوز رفعه بها فيهما على المشهور، وقدَّمَ رفْعَ صوت مرابط بالتكبير والجهرَ في الصلاة الجهرية والخطبةِ وجهرَ متنفل بليل إن لم يخلط على غيره، زاد المواق هنا عن ابن مسلمة: رفعه في خصومة جماعة عند سلطان فيه حيث لا بد لهم من مثله. اهـ. وقال بناني: قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية: كره العلماء رفع الصوت عند قبره ﷺ ، وبحضرة العالم، وفي المساجد، (وفي هذه كلها آثار) بعد أن قال عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾: إنه نهى عن المتقدم في المشي، وكذلك بين يدي العلماء لأنهم ورثته. انتهى. كرفعه بعلم، يعني أن رفع الصوت بالعلم مكروه في المسجد وفي غير المسجد، والمراد بالرفع ما زاد على إسماع المخاطب، ذكره الأبي، قال عبد الباقي: كرفعه بعلم بغيره. اهـ. قال بناني: أي بغير المسجد أي يكره رفع الصوت بالعلم في كل موضع على المشهور كما صرح بذلك في التوضيح، خلافا لابن مسملة في غير المسجد. اهـ. وقال المواق: قال ابن القاسم: رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد. ابن حبيب: يكره رفع الصوت بالمسجد والهتف بالجنائز به، وكل ما يرفع فيه الصوت حتى بالعلم، فقد كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه إذا استعلى كلامه وكلام أهل المسجد بالعلم، فيقول: يا أبا مروان اخفض صوتك ومر جلساءك أن يخفضوا أصواتهم. اهـ. ولم يقل: ورفع صوت ولو بعلم، كما فعل ابن الحاجب، إذ لا تحسن المبالغة إلا لو كان رفع الصوت بالعلم في غير المسجد جائزا، وذلك خلاف المشهور وهو قول ابن مسلمة كما مر، وأتى بكاف التشبيه لنكتة وهي أن الكراهة في رفع الصوت بالعلم لا تتقيد بالمسجد. ووقيد نار، يعني أنه يكره وقيد النار في المسجد، قال الخرشي: أي وكذلك يكره وقيد النار في المسجد، هكذا حكاه ابن حبيب عن مالك، وقال ابن وهب: لا يوقد نار في المسجد اهـ ويستثنى من قوله: وقيد نار، وقيدها لتبخيرها وللاستصباح، والوقيد الفعل نفسه. قاله الخرشي وعبد

стр. 7581

الباقي. وقال بناني: الوقود الذي هو الآلة بالفتح كما في الآية، وأما الوقود بالضم فهو المصدر، وقوله: إن الوقيد بالياء هو الفعل مخالف لما في القاموس، ونصه: والوقود كصبور الحطب كالوقاد والوقيد، وقرئ بهن. اهـ ونسخة حلولو بالواو، ونسخة غيره بالياء، قاله عبد الباقي. وقال التتائي: وكره فيه وقيد نار. البساطي: ولو بالمستغنى عنه من القناديل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وكره فيه وقيد نار، مستثنى منه وقيدها لتبخيره وللاستصباح. اهـ. ويكره أن يوقد من القنديل بالمسجد، كما في الخرشي. ودخول كخيل لنقل يعني أنه يكره دخول الخيل ونحوها مما فضلته نجسة لأجل نقل حجارة وغيرها من المسجد أو إليه خوف أن يقع شيء من فضلاتها، قال الخرشي مفسرا للمص: أي وكذلك يكره دخول الخيل والبغال والحمير في المسجد لأجل نقل حجارة أو غيرها منه أو إليه خوف أن تبول فيه، وكان مالك لا يرى بأسا بدخول الإبل المسجد لأن النبي ﷺ (طاف على بعير في المسجد (١))، وفي سماع أشهب: أن مالكا وسع في جواز دخول النصارى المسجد ليبنوا فيه، قال: وليدخلوا من الجهة التي تلي عملهم. اهـ. وفي كتاب الأمير في الغسل ما نصه: ككفر وإن أذن مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم، وإتقانه على الظاهر. اهـ. فقوله: كخيل، أدخلت الكاف كل ما كان بوله وروثه نجسا، وقوله: لنقل وأما الدخول لغير النقل فلا يجوز وإن كانت فضلته طاهرة لأنه استعمال في غير ما حبس له. اهـ. وقال عبد الباقي: ودخول كخيل مما فضلته نجسة لنقل لكحجر منه أو له لا ما فضلته طاهرة فيجوز إدخاله لذلك لا لغير ذلك فلا يجوز، لأنه استعمال له في غير ما حبس له، لكن ورد أنه ﷺ (طاف في المسجد على بعير). انتهى. وفرش، يعني أنه يكره أن يجعل فراشا في المسجد ليجلس عليه، قال عبد الباقي: وكره فرش فيه ليجلس عليه لغير اتقاء حر أو برد. اهـ. وقال الخرشي: أي وكذلك يكره للإنسان أن يتخذ في المسجد فراشا يجلس عليه لأن ذلك ينافي الخشوع والتواضع في المسجد، وكان مالك يوسع في

стр. 7582

اتخاذ المصليات والحصر في المسجد، روى ابن حبيب عن مالك: لا بأس أن يتوقى برد الأرض والحصا بالمصليات والحصير في المساجد. أو متكأ، يعني أنه يكره المتكأ في المسجد أي وسادة يجلس أو يضطجع عليها، روى ابن حبيب عن مالك: وكره أن يجلس فيها أي في المساجد على فرش أو يتكئ على وسادة. اهـ. قاله الخرشي. وقال: وجد عندي ما نصه: أو متكأ أو طراحة أو مخدة ونحو ذلك لا كسجادة أو فروة ونحوهما، وقوله: أو فرش أو متكأ هما مرفوعان عطف على نائب فاعل كره، وأما الوضوء في المسجد فمكروه، وقيل: جائز ما لم تكن الأعضاء متنجسة وإلا حرم، وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: قال الباجي: واختلف أصحابنا في الوضوء، وأجازه ابن القاسم في صحنه في رواية موسى بن معاوية وكرهه سحنون لما في ذلك من مج الريق في المسجد، قال الباجي: ورحاب المسجد كالمسجد في التنزيه. اهـ. وقال في المدخل لما تكلم على الخلاوى المبنية على سطح المسجد: وقد منع علماؤنا الوضوء في المسجد ومن كان ساكنا في سطوحه فإنه يتوضأ فيه وذلك ممنوع، كما لو توضأ داخل المسجد لأن حرمة سطحه كحرمته، وقد اختلف علماؤنا في الخطيب إذا أحدث في أثناء خطبته أو بعد فراغه منها هل يجوز له أن يتوضأ في المسجد أو في البيوت التي تليه؟ اهـ. وظاهره أنه حرام لا يجوز، وأن الخلاف إنما هو في الخطيب فانظره مع ما تقدم. اهـ. ويجوز قفل المسجد في غير أوقات الصلاة، ولما جرت عادة الناس من شيوخ المذهب أنهم يعقبون الإحياء بالكلام على المياه وأقسامها وعلى الآبار والعيون والكلإ وما أشبه ذلك اتبعهم المؤلف وبدأ بالكلام على أقسام المياه، فقال: ولذي مأجل، يعني أن لذي المأجل منعه من غيره وله بيعه، والماجل بفتح الميم والجيم وبضم الميم وفتح الجيم أي صهريج ونحوه مما يجعل لخزن الماء. وبير، يعني أن المالك لبير له أن يمنعه من غيره وله أن يبيعه أي له أن يمنع الماء المذكور أي ماء الماجل وماء البير من غيره وله أن يبيعه. ومرسال مطر، يعني أن المالك لمرسال المطر له أن يمنع ماءه من غيره وله أن يبيعه، ومرسال المطر مكان جريانه. كماء، يعني أن المالك لماء في أوانيه له أن يمنعه من غيره وله أن يبيعه. يملكه، أي ما ذكر من الثلاثة أي الماجل والبير ومرسال المطر أي يملك ذاته أو منفعته كبركة وقفها شخص على ذريته فقط، وقوله: ولذي ماجل خبر مقدم، والمبتدأ قوله:

стр. 7583

منْعه، أي له منع ما ذكر من المياه الأربعة من غيره، وله بَيْعُه، قال عبد الباقي: ولذي ماجل بفتح الميم والجيم وبضم الميم وفتح الجيم أي صهريج ونحوه مما يجعل لخزن الماء، وبير ومرسال مطر أي محل جريه وهو ما يسيل ماء المطر في أرضه الخاصة به وإن لم يكن كثيرا كما يوهمه صيغة المبالغة كما في آنية يملكه، أي ما ذكر من الثلاثة أي يملك ذاته أو منفعته كبركة وقفها شخص على ذريته فقط منعه من غيره وبيعه، وبما قررنا من تعلق قوله: كماء، بمقدر وهو آنية كجرة أو قصعة أو قربة يندفع دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، ومن جعل يملكه لما ذكر من الثلاثة أي يملك ذاته أو منفعته سقط الاعتراض عليه بأن قوله يملكه، يوهم أن ما قبله لا يملكه مع أنه يملكه أيضا. اهـ. وأما ما يملك الانتفاع به فليس له بيعه ولا هبته كالماء المسبل، وله أن يعطيه لمن هو من أهل الحبس. إلا من خيف عليه ولا ثمن معه، مستثنى من قوله: منعه وبيعه، يعني أن المالك لِماءٍ له أن يمنعه من غيره وله أن يبيعه حيث لم يكن هناك من يخاف عليه الهلاك أو المرض الخطر إذا لم يدفع له الماء، والحال أن [المخوف] (١) عليه لا ثمن معه، أما لو كان هناك من يخاف عليه الهلاك أو المرض الخطر إذا لم يبذل له فإنه يجب عليه بذله له مجانا حيث لا ثمن معه. تنبيهات: الأول: قال بناني عند قوله: ولذي ماجل وبير لخ، قال في التوضيح: فيجوز له بيعه ومنعه على المشهور، وقال يحيى بن يحيى: أربعة لا أرى أن تمنع، الحطب والماء والنار والكلأ، وقد ورد بعدم منع هذه الأربعة حديث ضعيف، وقيد ابن رشد هذا الخلاف بما إذا كانت البير أو العين في أرضه مما لا ضرر عليه في الدخول إلى الاستقاء منها، وأما البير التي في دار رجل أو حائطه التي قد حظر عليها فله أن يمنع من الدخول عليه. اهـ. ويقيد المنع بغير ما استثناه المص، وفي المقدمات: حمل مالك النهي عن منع الماء على من خيف عليه الهلاك، والمراد بالحطب والكلإ اللذان في الفحص لا في منزله. انتهى.

стр. 7584

الثاني: قال الرهوني: قول بناني عن التوضيح: وقال يحيى بن يحيى لخ، صريح في أن قول يحيى جار في الماء المستخرج، وقد سلمه بناني كما سلمه الناصر في حواشي التوضيح وجسوس، وأصل ذلك لابن رشد وتعقبه غير واحد، وتعقب ذلك ابن عرفة بقوله: والماء في آنية لربه يختص به ويتعلق به حق المواساة، وما بأرض مملوكة إن كان باستخراج كحفر أصله فالمعروف كماء الآنية، ولم يجد الباجي وغيره فيه خلافا، وهو نصها في حريم البير والتجارة لأرض الحرب، وفي المقدمات: حمل جماعة من أهل العلم قوله ﷺ : (لا يمنع نقع بير) (ولا رهو ماء) على عمومه فقالوا: لا يحل بيع الماء ولا منعه بحال كان من بير أو غدير في أرض متملكة أو غيرها إلا أنه في المتملك أحق بقدر حاجته منه، وهو قول يحيى في العتبية: أربع لا يمنعن الماء والنار والحطب والكلأ، قلت: الأظهر أن لا خلاف في أن رب الماء المستخرج في أرضه أحق به كالماء في الآنية، وهو ظاهر قول عياض في الإكمال، ونقل الباجي واللخمي، وإياهم تبع ابن شأس وابن الحاجب، وأخْذُ ابنِ رشد خلافَه من قول يحيى المتقدم واتَباعُه ابن عبد السلام وابنُ هارون يُرَدُّ باحتمال حمله على المياه في الأرض الملوكة بنزول وتفجر فيها دون تسبب فيه بحفر، ونحوه ولذا قرنه بالنار والحطب والكلإ. اهـ. ورد الرهوني هذا التعقب وقوى ما قاله ابن رشد غاية. والله تعالى أعلم. فلا فرق بين ما تسبب فيه وغيره على ما ليحيى، ومثل ما في المقدمات في البيان، وزاد قولا ثالثا بعد أن ذكر أن المسرح يقسم، قال: فيجوز لمن أخذ نصيبه وأراد أن يقره مسرحا لماشيته أن يحميه من الناس ويبيع كلأه، قال يحيى: قد كرهه بعضهم، وأجازه بعضهم وقول الذي كرهه أعجب إليَّ لقول رسول الله ﷺ : (لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلإ (١)). فقد نهى عن فضل الماء فكيف الكلأ؟ فلا أرى أن يبيعه ولا يمنعه. وقال ابن رشد: والحكم في الحطب كالحكم في الكلإ سواء على التفصيل الذي ذكرناه، وأما الماء فالكلام إنما هو في فضلته، فما كان في ملك الرجل منه فاختلف هل له أن يمنع فضلته من جاره فيما يريد من الابتداء بالانتفاع به أم لا؟ على ثلاثة أقوال، أحدها: أن له أن يمنعه إياها إلا بثمن يوجبه عليه

стр. 7585

وجد لها ثمنا عند سواه أو لم يجده وهو المشهور في المذهب، والثاني: ليس له أن يمنعه إياها إلا أن يجد لها ثمنا عند سواه، فإن لم يجد لها ثمنا عند سواه لم يكن له أن يحبسها عنه وهو لا يحتاج إليها، والقول الثالث: أنه ليس له أن يمنعه إياها بحال، ولا أن يأخذ فيها ثمنا من أحد، وهذا هو الذي ذهب إليه يحيى على ظاهر قول النبي ﷺ : (لا يمنع نقع بير (١)) ولا يمنع رهو ماء (٢)). وهذا كله في المعين أو البير التي تكون في أرض الرجل ولا ضرر عليه في الدخول إلي الاستقاء منها، وأما البير تكون في دار الرجل أو في حائطه الذي حظر عليه فله أن يمنع من الدخول عليه في ذلك، وأما النار فلا اختلاف أنه لا يجوز لأحد أن يمنع من الاقتباس منها إذا كان لا يضر به لنهيه ﵊، (عن الضرر والضرار (٣)). اهـ. وقال اللخمي: وأما الماء يكون في الأرض المملوكة فعلى ثلاثة أوجه، أحدها: أن يجتمع فيها منها ولم يدخل إليها من غيرها. والثاني: أن يصير إليها من غيرها. والثالث: أن يرده إليه، فإن اجتمع فيها منها كان صاحبه أحق بما تحتاجه أرضه، وإن كان أكثر من الكعبين، فإن فضل منها وكانت له أرض أخرى كان له أن يخرجه إليها ولا مقال لمن أرضه أسفل منه، فإن لم يكن له أرض أخرى كان للأسفل بغير ثمن بخلاف الكلإ، لأن هذا إن أمسك فضل الماء فسد ما فيها من الزرع، وإن لم يكن له زرع فهو يرسله إذا أراد الزرع فلم يكن له أن يأخذ ثمنا، وجعل ابن سحنون الجواب في السيل يدخل أرض رجل مثل ذلك. اهـ. وقال ابن عرفة بعد نقله كلام اللخمي ما نصه: عزاه الباجي لسحنون لا لابنه. انتهى. الثالث: قد مر عن ابن رشد أن له منع الفضلة على المشهور وإن لم يجد لها ثمنا على المشهور، قال الرهوني: وهو مشكل مع ما نقله عنه الحطاب، وأبو علي من أن من قرب من الماء له أن ينتفع بالفضلة دون ثمن اتفاقا إن لم يجد لها ثمنا، وعلى اختلاف إن وجد لها ثمنا، ومشكل مع ما في المعيار، وأما الانتفاع بالشرب والوضوء منه والاستقاء منه وغسل الأثواب من هذا الماء إن

стр. 7586

ثبت أنه حبس أو ثبت أنه ملك لمعين من الناس فإن ذلك كله جائز بغير إذن مالكه، قال أشهب في العتبية: وليس لمالكه منع الناس من ذلك، قال ابن رشد: ولا اختلاف في ذلك، ورأيت للمحاسبي رضي الله تعالى عنه مثل ذلك في الشرب والوضوء ولم يتكلم في الغسل. اهـ. ونقله أبو علي هنا وسلمه، وكلا النقلين عن ابن رشد صحيح. والأرجح بالثمن، قوله: الأرجح بصيغة الاسم ويكون راجعا للمفهوم، يعني أنه إذا كان مع المضطر الثمن فإن مذهب المدونة أنه يجب على صاحب الماء بذله له بالثمن خلافا لمن قال: إنه لا ثمن لصاحب الماء وإن كان موجودا مع المسافر، ورجح ابن يونس مذهب المدونة، وإلى ترجيح ابن يونس لمذهب المدونة أشار المص بقوله: والأرجح بالثمن، وبهذا تعلم أن ما قاله غير واحد: أن قوله: والأرجح بالثمن، يرد عليه أنه نص المدونة، وليس لابن يونس فيه ترجيح. قال الشبراخيتي: وإنما له فيه نقله وتقريره على ما هو عليه. اهـ. غير ظاهر، بل الظاهر ما للمص رحمه الله تعالى، قال أبو علي فإن قيل: مذهب المدونة هو هذا، فلا يحتاج إلى من يرجحه، قلنا: مذهبها إذا خولف يحتاج إلى ترجيح، ولذا تجد ابن رشد وأضرابه إذا حكوا الخلاف في المسألة يقولون: ومذهب المدونة أصح وأشهر وأبين إلى غير ذلك، وهنا مذهبها قد خولف، وأنه لا ثمن لصاحب الماء وإن كان موجودا مع المسافر. اهـ. قال الرهوني: وهو ظاهر بل تجدهم في بعض المواضع يرجحون خلاف مذهبها، فكيف لا يحتاج إلى ترجيح؟ والله تعالى أعلم. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي قاله هذان الإمامان الجليلان بين ظاهر لا غبار عليه. والله تعالى أعلم. وفي الحطاب: قال في المدونة في كتاب حريم الآبار: ولو حرث جار لك على غير أصل ماءٍ له فلك منعه أن يسقي بفضل ماء بيرك التي في أرضك إلا بثمن إن شئت. أبو الحسن: قالوا: هذا إذا كان له ثمن. ابن يونس: أما إذا كان لا ثمن له ولا ينتفع صاحبه بفضله، فما الذي يمنع الجار أن يبتدئ الزرع عليه؟ وذكره أبو إسحاق. اهـ. وقال ابن رشد: من حق من قرب من المياه أن ينتفع بما فضل منها دون ثمن إن لم يجد له صاحبه ثمنا باتفاق، وإن وجد له ثمنا فعلى اختلاف. اهـ.

стр. 7587

كفضل بير زرع خيف على زرع جاره بهدم بيره، تشبيه في عدم المنع من الماء وفي أخذ الثمن إن وجد مع جاره على ما رجحه ابن يونس، والمعنى أن من له بير يسقي منها زرعه ففضل عن سقي زرعه فضلة من الماء وله جار له زرع أنشأه على أصل ماء فانهدمت بير زرع الجار وخيف على الزرع الهلاك من أجل العطش. وأخذ الجار يصلح بيره المنهدمة فإنه يجب عليه بذك الفضلة لسقي زرع جاره، ويجبر على ذلك بالثمن إن وجد على ما رجحه ابن يونس، فإن لم يكن مع الجار ثمن فلا شيء لصاحب الفضلة، بل يجب عليه بذله له مجانا، فإن انخرم شرط من هذه الشروط فلا يجبر على دفع الفضلة، بأن كان زرع الجار لا على أصل ماء لأنه قد عرض زرعه للهلاك، أو لم تنهدم بيره، أو لم يشرع في إصلاحها، وقوله: بهدم بيره، متعلق بخيف، والباء سببية، وهذا المقيد يستفاد منه أن الزرع على أصل ماء إذ نسبة الزرع إلى البير ظاهرة في أن الأصل ماء سابق نشأ عنه هذا الزرع، وقوله: أخذ يصلح، أي شرع وقوله: وأخذ يصلح، وينبغي أن يكون ممن يقدر على الإصلاح، ومثل الهدم النزح، وما أفاده التشبيه من أنه يدفع الثمن إن وجد على ما رجحه ابن يونس ضعيف، لأن ظاهر المدونة في مسألة الزرع لا ثمن له فيها سواء وجد أم لا، بخلاف مسألة من خيف عليه الهلاك فيدفع له الثمن إن وجد، وفرق بعض بأن المسافرين مختارون بسبب السفر، والذي انهارت بيره ليس بمختار، أي أن الغالب في المسافر أن يكون مختارا، وفي الزرع أن يكون مضطرا، والمراد بالجار ما يمكنه سقي زرعه من ماء البير، وإن لم يكن ملاصقا. وقوله: وأجبر عليه، أي على إعطاء الفضل راجع للفرعين، أي لقوله: إلا من خيف عليه لخ: ولقوله: كفضل بير زرع لخ، قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: كفضل ماء بير زرع فلو لم يفضل عن زرعه شيء لم يجب عليه، رواه ابن القاسم وابن نافع وأشهب، وفي كلام المص حذف مضاف أي كبذل فضل لخ. اهـ. فلدفع الماء في هذه المسألة أربعة شروط، أحدها: أن يكون الماء فاضلا عن سقي زرعه، فيجب عليه بذل الفضل، وعلم مما قررت أن التشبيه في الحكم أي وجوب بذل الفضل وفي الترجيح، والثاني قوله: خيف على زرع جاره أو نخله الهلاك، فلا مفهوم للزرع ولو لم يخف عليه لم يجب. رواه أشهب. قاله الشبراخيتي. وقال: والمراد بالجار من يمكنه سقي

стр. 7588

زرعه من ماء البير وإن لم يكن ملاصقا، فالجار ليس بشرط، وإذا كان جيرانه فيهم أقرب وأبعد وطلب من الأبعد فليس له أن يقول خذ من الأقرب كما يفيده ظاهر تفسير الجار بمن يمكنه السقي منه، وقوله: خيف على زرع جاره، جملة حالية من محذوف، والمحذوف مجرور متعلق بالمضاف القدر، والتقدير كبذل فضل بير زرع لجار حالَة كونه قد خيف على زرعه، ولما حذف صاحب الحال أقام الظاهر مقام الضمير، فقال: زرع جاره. والشرط الثالث قوله: بهدم بيره أو نزحه، وفهم منه أنه زرع على ماء، فلو زرع لا على ماء لم يجب على جاره لمخاطرته وتعريضه للهلاك. قاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وابن القاسم وأشهب، ورووه. والمراد بالخوف الظن، وأشار إلى الشرط الرابع من الشروط بقوله: وأخذ يصلح، أي شرح يصلح، فإذا لم يأخذ في الإصلاح فلا يلزمه دفع فضل الماء إليه، وهذا الشرط معتبر مع الإمكان أما مع عدمه فلا. اهـ. وقال عبد الباقي: وما ذكره ابن يونس وتبعه المص خلاف ما في المدونة من أنه لا ثمن على صاحب الزرع وإن وجد معه، وما فيها هو المعتمد، فإن قيل: يقال على المعتمد الذي هو مذهب المدونة لم يأخذ بالثمن على إحياء المهج في مسألة العطش إن وجد معه وفي مسألة الزرع هذه يأخذ بلا ثمن؟ فالجواب: أن الماء في مسألة الزرع لا ثمن له عندهم لكونه فاضلا عن حاجة صاحبه، بخلافه لإحياء نفس المسافر المجهود لوجوب تقديمه على دواب رب الماء ومواشيه وزرعه، ثانيهما: أن المسافرين مختارون بسبب السفر لخ، وقوله: خيف على زرع جاره، قال عبد الباقي: وينبغي وجوب بذله إذا خيف تلف بعض زرع ربه وهلاك جميع زرع الجار ارتكابا لأخف الضررين مع غرم قيمة البعض الذي يتلف لرب الماء على من يأخذه، وقوله: خيف أي ظن، فإن لم يكن يظن هلاكه عادة بأن شك فقط لم يجب. تنبيه: قال الرهوني بعد جلب نقول: وحاصل كلامه يعني ابن رشد في هذه المواضع التي نقلها أن ما كان يملكه من الماء وكان محظرا عليه أو غير محظر عليه وفي انتفاع غيره بفضلته ضرر عليه فله منع غيره من ذلك اتفاقا، إلا أن يخاف على غيره الهلاك من العطش فيجري على حكم المواساة كالطعام، وغير المحظر عليه مما لا ضرر فيه عليه إن أراد أحد أن ينتفع بفضلته بابتداء غرس شجر عليه أو زرع أو خضر ونحو ذلك، ففي منعه منه ثالثها إن وجد له ثمنا عند غيره،

стр. 7589

والأول هو المشهور، وإن أراد أن ينتفع به في سقي شجر ونحوه كأن تقدم له سقيه بها قبل وعليه أنشاها فإن كان ابتداء غرسه عليه بلا علم من صاحب الماء فله الانتفاع بها بلا ثمن، ويوجل له [إلى (١)] أن يحفر بيرا أو يستنبط عينا إن لم يجد لها ثمنا عند غيره، وإلا فله منعه منه إلا بثمن، وهو أحق بها بما أعْطِيَ فيها قبل نفوذ البيع فيها لغيره، وإلا فلا كلام له، وإن كان يعلم صاحبه به وسكت أولا فهو أحق بها بلا ثمن مطلقا لكن يوجل كالذي قبله، وإن صرح له بالإذن فإن كان على وجه الهبة أو الصدقة أو نحوهما من أوجه التمليك جرى على حكم ذلك، أو بالعارية المقيدة أو المطلقة فكذلك، وإن احتمل الأمر حمل على العارية بعد يمينه، وأما الانتفاع بالشرب والوضوء وغسل الثياب فليس له المنع من ذلك قولا واحدا. اهـ المراد منه. كفضل بير ماشية بصحراء، تشبيه في الجبر، والمعنى أن من حفر بيرا للماشية في الصحراء وفضل من مائها فضلة فليس له أن يمنع ذلك الفضل ممن طلبه ويجبر على بذله له بلا ثمن، وهو مراده بقوله: هدرا، لأنه لا يجوز له بيعه ولا هبته ولا يورث عنه، وهذا أي محل وجوب بذله له هدرا إن لم يبين، حين حفرها الملكية، وأما إن بين حين حفرها الملكية فله حينئذ أن يمنع الناس منها، قال الخرشي: والمعنى أن من حفر بيرا في البادية في غير ملكه لماشية وفضل منها فضلة فليس له أن يمنع ذلك ممن طلبه أو أراده ويأخذه بلا ثمن، وهو مراده بالهدر، ولا يجوز له بيعه ولا هبته، ولا يورث عنه، هذا حيث لم يبين الملكية، فإن بينها فله حينئذ أن يمنع الناس منها، ومعنى بيان الملكية أن يقيم بينة تشهد له أنه بناها لنفسه، فقوله: كفضل بير ماشية لخ، مشبه بقوله: وأجبر أي كما يجبر على دفع فضل بير الماشية إذا بنيت بصحراء في أرض موات لا في غيرها ومثل بير الماشية بير الشفة وهي التي يستقي الناس منها، وإنما كان فضل بير الزرع لصاحبه منعه وبيعه بخلاف فضل بير الماشية حيث لم يبين الملكية فإنه ليس له منعها ولا بيعها، لأن حافر بير الماشية نيته في حفرها أن يكون له قدر كفايته، وأما حافر بير الزرع فنيته أن يكون له جميع ما فيها، ولا منافاة بين ما هنا وما تقدم من أن حفر بير الماشية لا يكون إحياء

стр. 7590

لتلك الأرض، وأن البير نفسها لا يمنع أحد من فضلها إن لم يبين الملكية، فإن بيَّنها فله المنع، وهذا الكلام صحيح في نفسه: إلا أن الشيخ أبا الحسن عارض بين الموضعين، وأجاب بما حاصله: أن الأول لم يبين الملكية فلا يكون إحياء، والثاني بيَّن فيه الملكية بأن يشهد عند الحفر أنها ملكه. اهـ كلام الخرشي. وقال عبد الباقي: وشبه تشبيها ناقصا في الجبر بدون الشروط السابقة وبدون اضطرار في أخذه لغير ذي زرع، ولذا لم يعطف بالواو، وقوله: كفضل أي كبذل فضل بير ماشية أو شفة بصحراء بذلا هدرا أي بلا ثمن ولو مع وجوده، وليس له منعه مع فضله عن حاجته كما أشار له بقوله: كفضل ولا يجوز له بيعه ولا هبته ولا يورث عنه، هذا كله إن لم يبين حين حفرها الملكية لعدم الإحياء به حينئذ، ولأن نيته أخذ كفايته فقط، فإن بينها بأن أشهد عند الحفر أنها له لم يجب بذلها بدون ثمن لاختصاصه بها حينئذ لأنه إحياء. اهـ. وقال الشبراخيتي: كفضل ماء بير ماشية حفرها بصحراء في أرض موات فإنه يجبر على دفع فضل مائها هدرا لأنه لا يجوز له بيعه ولا هبته ولا يورث عنه، وشرط في قوله: هدرا قوله: إن لم يبين الملكية فإن بينها فله المنع، ويحصل تبيين الملكية بأن يشهد عند الحفر أنها لنفسه أو أنها ملكه، ومثل بير الماشية بير الشفة وهي التي يستقي الناس منها، وتقدم مفهوم بصحراء وهو حفرها بملكه، ولا منافاة بين ما هنا وبين ما تقدم من أن حفر بير الماشية لا يكون إحياء، لأن ما تقدم حيث لم يبين الملكية، وما هنا حيث بين الملكية فيكون إحياء، كما أجاب به الشيخ أبو الحسن، أو أن حفر بير الماشية لا يكون إحياء لتلك الأرض، وأن البير نفسها لا يمنع أحد فضلها إن لم يبين الملكية فإن بينها فله المنع، أو أن ما هنا حيث أشهد على الملكية، وما تقدم حيث ادعى ذلك فقط. اهـ. وقال بناني عند قوله: إن لم يبين الملكية: قال في المقدمات: ولو أشهد عند حفره إياها أنه إنما يحفرها لنفسه لوجب أن لا يمنع من بيع مائها وأن يستحقها ملكا بالإحياء على حكم إحياء الموات، قال في المدونة: أكره بيع ماء بير الماشية، وقال في المجموعة: لا يجوز ذلك، فقيل: إنه اختلاف من القول، والصحيح أن ذلك إنما يعود إلى الفرق بين أن يحفرها على وجه الصدقة أو على غير وجه الصدقة. انتهى. وقال المواق: سمع القرينان: لا تباع مياه المواشي، ولا تمنع من أحد، ولا يصلح فيها عطاء. ابن رشد: مياه المواشي هي الآبار

стр. 7591

والمواجل والجباب يصنعها الرجل في البراري للماشية، هو أحق بما يحتاج لماشيته ويدع الفضل للناس، والبير والماجل والجب عند مالك سواء، فلو أشهد عند حفرها أنه يحفرها لنفسه لم يمنع من بيع مائها واستحقها ملكا بالإحياء. وبدئ بمسافر، يعني أنه إذا اجتمع على بير الماشية التي فضل عن ري ربها مستحقون والماء يكفيهم فإنه يبدأ وجوبا بالمسافر غنيا أو فقيرا لاحتياجه لسرعة السير، يعني يبدأ بعد ري ربها، قال ابن رشد: وجه التبدئة في الشراب في بير الماشية إذا كان الماء يقوم بالجميع أن يبدأوا أهل الماء فيأخذوا لأنفسهم حتى يرووا، ثم المارة حتى يرووا، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا. اهـ. وله عارية آلة، يعني أن المسافر له على رب الماء وعلى الحاضر إعارة آلة السقي أي يجب عليهم أن يدفعوا له آلة الاستقاء كالدلو والرشاء إن لم تكن له آلة، والضمير في له لرب الماء أو الحاضر، واللام بمعنى على أو للمسافر، فهو حق له يقضى له به، وهذا ما لم يجعل رب الماء أو الحاضر الآلة للإجارة وإلا أخذ الأجرة وتبعه بها إن لم توجد معه. قاله عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن عرفة: لابن السبيل عارية الدلو والرشاء والحوض إن لم تكن أداة تعينه، ويخلى بينه وبين البركة فيسقي. ابن عبد السلام: ظاهر إطلاقات أهل المذهب وجوب عارية هذه الآلة للملي والفقير، ولعل هذا لأن مالكها لم يتخذها لكراء. ابن عرفة: مقتضاه لو اتخذها مالكها للكراء لم تجب عليه عاريتها للمسافر، ومقتضى الرواية خلافه. اهـ. وقال الشبراخيتي: وله عارية آلة، الضمير في له إن عاد لرب الماء فاللام بمعنى على، أي عليه ذلك للمسافر، وإن عاد على المسافر لم يحتج لجعلها بمعنى على، وهذا ما لم يتخذها صاحبها للإجارة، فإن اتخذها لها فله أن لا يعطيها إلا بأجرة، سواء كانت معه أو لا ويتبعه بها، وليست كالماء فإنما يوخذ ثمنه إن وجد معه لأن أصله بلا شيء. اهـ. قوله: وهذا ما لم يتخذها لخ، قال بناني: أصل هذا المقيد لابن عبد السلام، وبحث معه ابن عرفة، فقال: مقتضى الروايات خلافه. اهـ. وقال التتائي: وله أي للمسافر على الحاضر، وقال البساطي: وعلى ذي الماء عارية آلة كالدلو والرشاء والحوض إن احتاج إليها لاستخراج الماء، والرشاء ممدود الحبل. اهـ.

стр. 7592

ثم حاضر، يعني أنه بعد التبدئة برب الماء يبدأ بالمسافر بعد ذلك، ثم بعد المسافر يبدأ بالحاضر، فيبدأ بأرباب الماء حتى يرووا، ثم بالمسافرين حتى يرووا، ثم بالحاضرين حتى يرووا. ثم دابة ربها، يعني أنه يبدأ بعد أرباب الماء والمسافرين والحاضرين بدابة رب الماء، يعني أن التبدئة بالأنفس هي ما مر، فإذا رووا الناس فإنه يبدأ بعد ذلك بدابة رب البير، ثم بدابة المسافر، ثم مواشي ربها، ثم مواشي الناس. قال المواق: قال ابن رشد: وجه البتدئة في الشراب في بير الماشية إذا كان الماء يقوم بالجميع أن يبدءوا أولا أهل الماء فيأخذوا لأنفسهم حتى يرووا، ثم المارة حتى يرووا، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا. اهـ ثم دابة المارة، ثم مواشي أهل الماء حتى يرووا، ثم الفضل لسائر مواشي الناس، وقال عبد الباقي: ثم دابة ربها أي البير، ثم دابة المسافر، ثم مواشي ربها، ثم مواشي الناس، كذا في المقدمات وهو يفيد كالمص أن مواشي المسافر مؤخرة عن دوابه، وما ذكره في تعليل تقديمه يخالف ذلك إذ تقديم دوابه وتأخير مواشيه يفيد انتظاره، فالوجه استواء مواشيه مع دوابه، وإنما لم يصرح في النص بذلك لأن الغالب أن المسافر لا مواشي له أو لأنها تذكى، بخلاف الدواب فإنه إذا خيف موتها خيف على المسافر، والتعليل يفيد أنها إن كانت معه فإنها تكون مع دوابه فما وقع في كلام بعضهم كالأقفهسي من التصريح بتأخير مواشي المسافر عن دوابه وأنها بعد مواشي أهل الماء التالية في المرتبة لدواب المسافر فيه نظر. قاله أحمد مع بعض زيادة عليه. اهـ. وقال الشبراخيتي: ثم دابة ربها، أي البير، ثم دابة الحاضر، ثم مواشي رب الماء، ثم مواشي المسافر، ثم مواشي الحاضر. فالمراتب تسعة، وسكوته في المدونة عن ماشية المسافر اعتذروا عنه بأن الغالب أن المسافر لا ماشية له، وأن الذي يصحب المسافر في الغالب هو الدواب فقط، والفرق بين الدواب والمواشي أن الدواب إذا خيف موتها لا تذكى فتوكل، بخلاف المواشي. اهـ. لجميع الري: يعني أنه إذا كان في الماء كفاية لجميع ما مر فإن المبدأ يبدأ إلى أن يروى، فاللام لام الغاية، أي وبدئ بالمسافر بعد التبدئة برب الماء، ثم حاضر لجميع الري إلى آخر المراتب، وقوله: لجميع، متعلق ببدئ، والري بكسر الراء وفتحها، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: انظر قوله: لجميع الري، لم جمع بين جميع والري؟ والذي يظهر لي أنه أراد بالري الجنس،

стр. 7593

أي ري كل فرد من الأفراد أي إلى أن يحصل ري رب الماء وري المسافر وري الحاضر وهكذا، وفي بعض النسخ بالباء وهي بدل اشتمال من بمسافر، وادعاء فساد هذا الإعراب غير ظاهر. والله تعالى أعلم. وإلا أي وإن لم يكن في الماء كفاية لجميع الري فإنه يبدأ بنفس المجهود أي بالذات المجهودة، عاقلة أم لا: قال عبد الباقي: وإلا يكن في الماء فضل عن ري ربه بحيث يُروِي غيره فبنفس المجهود، أي يبدأ بالذات المجهودة عاقلة أم لا، ولو غير ربه ودابته، والظاهر ارتكابا لأخف الضررين التبدئة بما يزيل الهلاك فقط لا لجميع الري. اهـ. قال بناني: ما استظهره هو صريح ابن رشد، ونقله ابن عرفة. انتهى. وقال عبد الباقي: وقال ابن رشد: فإن استووا في الجهد تواسوا عند أشهب. اهـ. وذهب ابن لبابة إلى أن أهل الماء أحق بتقديم أنفسهم ودوابهم وهما قولان متساويان، ولكن الأظهر الثاني لموافقته لقول المص: وفضل طعام وشراب لمضطر، إلا أن قوله فيه: ودوابهم، أي على دواب المارة لا على أنفسهم لوجوب تقديم حفظ النفس العاقلة على غيرها مجهودين، وقوله: تساووا (١) أي شرب كل قدر ما يدفع الجهد لا أنهم يروون، ونحوه في الشارح. اهـ. وقال الشبراخيتي: وإلا أي وإن لم يكن في الماء فضل وهو ما صرح به ابن رشد فبنفس المجهود أي الذين يجهدهم التأخير لا المجهود بالفعل، فإن هذا يقدم من غير تفصيل لأن هذا من باب المواساة والكلام السابق لا مجهود فيه، وقوله: فبنفس المجهود من الآدميين أو غيرهم ويسقط الترتيب، فإن خيف الموت رجع إلى الترتيب السابق، فإن كان الحاصل مستو في الجهد فهل يتواسون أو يقدم رب الماء؟ قولان. وقال المواق: ابن رشد: فإن لم يكن الماء يقوم بالجميع وتبدئة أحدهم تجهد الآخر بدئ مَن الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه، فإن استووا في الجهد فقيل: يتواسون. وقيل: يبدأ أهل الماء. اهـ. وقوله: يتواسون، أي يشرب كل منهم قدر ما يدفع الجهد. قاله عبد الباقي. وإن سال مطر بمباح سقي الأعلى إن تقدم للكعب، قال الخرشي: يعني أن الماء إذا سال بمكان مباح وهناك قوم لهم جنان فإن الأعلى وهو الذي يقرب من الماء يبدأ

стр. 7594

بالسقي لزرعه أو شجره حتى يبلغ الماء الكعب، وهذا إن تقدم الأعلى في الإحياء على غيره أو كان إحياؤهما معا، فإن كان الأسفل هو المتقدم في الإحياء فإنه يقدم في السقي لزرعه أو شجره على الأعلى ويرسل الفضل للأعلى، قال الخرشي: هذا حيث خيف على الأسفل الهلاك وإلا قدم الأعلى المتأخر عن الأسفل في الإحياء، فلو قال المؤلف: إن تقدم أو ساوى كأن تأخر ما لم يخف على الأسفل الهلاك لأدى المراد، واحترز بالمباح مما لو سال المطر بمكان مملوك فإن صاحبه له منعه من غيره كما مر، ولو قال: وإن سال ماء بمباح، كفى وشمل المطر والنيل والعين واستغنى عن التنزل للنيل، لكن إنما فرضها أولا في المطر لأن (الحديث الشريف) إنما ورد فيه، والمراد بالكعب الجندى أي للكعبين، والمراد بهما ما تقدم في باب الوضوء وهما العظمان الناتئان بمفصلي الساقين لا العظمان الصغيران الكائنان بمعقد الشراك. اهـ. ويأتي ما في تقييد الخرشي ثم إذا بلغ الماء الكعب يرسل لمن يليه جميع الماء على المعتمد لا ما زاد على الكعب فقط. قاله عبد الباقي. قوله: على المعتمد لخ، قال بناني: هذا قول ابن القاسم، لكن الذي استظهره ابن رشد هو القول الثاني، ونصه في المقدمات: ثم اختلف هل يرسل إلى الأسفل جميع الماء ولا يبقى منه شيء وهو قول ابن القاسم أو يرسل ما زاد على الكعبين وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن وهب؟ وهو الأظهر. انتهى. ومعناه في الثاني يرسل الماء من وراء جنانه ويبقي فيه ما وصل للكعبين، قال عبد الباقي: ومفهوم الشرط أن الأسفل إذا تقدم إحياؤه فإنه أحق، ثم ذكر تقييد الخرشي وأصله للأجهوري، وتعقب المصطفى هذا التقييد ولم يرتضه، قال الرهوني: ويشهد للمصطفى ما في المعيار عن المازري ونصه: الماء لصاحب الجنان الأسفل لأنه قد حازه أولا وملك الماء قبل هذا الثاني فيكون أحق به وإن كان أبعد عن الماء لأنه قد سبق بالإحداث. اهـ. وبهذا وقعت الفتوي من غير واحد ممن يعتد بفتواه، وأجاب الفقيه راشد بصحة هذا وأنه لا حق للأعلين إلا ما فضل عن غروس الأسفلين القديمة، وأجاب سيدي أبو الحسن الصغير بما نصه: أجوبة الشيوخ رضي الله تعالى عنهم صحيحة لا إشكال فيها أن الماء غير المتملك إذا غرس الأعلى والأسفل معا أو غرس الأعلى قبل الأسفل أن يكون الأعلى أحق بمقدار كفايته ثم يرسل فضله على الأسفلين على ما جاء عن النبي ﷺ في سيل مهزور، وإن غرس الأسفل قبل

стр. 7595

الأعلى انعكس الأمر، فيكون الأسفل أحق بكفايته، ثم يكون الفضل للأعلى، هذا قول ابن القاسم، وبه أفتى ابن رشد رحمة الله تعالى على جميعهم في نوازله، ووجهه أن الأسفل إذا غرس قبل الأعلى فقد استحق قدر كفاية غرسه، فليس لأحد أن يحدث ليبطل ما استحقه بحوزه. اهـ. وكلام ابن القاسم صحيح إلا أنه لا يجب الحكم به إلا بعد ثبوت تقدم غرس الأسفلين. قاله الرهوني. وقال بعد جلب كثير من المنقول: فتحصل أن ما قاله مصطفى هو الصواب لا ما قاله الأجهوري، وقول مصطفى: إن ما قاله الأجهوري لا مستند له فيه نظر، فالصواب ما لأبي علي، ونصه: وقد تحصل من هذا أن الأسفل إذا تقدم هو أولى من الأعلى خيف فساد زرعه أم لا انفرد بالانتفاع أم لا، مع كون الخلاف في المسألة. اهـ. وقوله مهزور بتقديم الزاي على الواو وتأخير الراي هذا هو الصواب، وعكس بعضهم، وفي النهاية في الحديث أنه ﷺ (قضى في سيل مهزور ومذينيب أن يحبس حتى يبلغ الماء الكعبين (١)). ومهزور وادي بني قريظة بالحجاز، فأما تقديم الراء على الزاي فموضع سوق المدينة تصدق به رسول الله ﷺ على المسلمين. اهـ كلام الرهوني. وقال غير واحد: وأما الجنان مع الرحى فتقدم على الرحى ولو تأخرت في الإحياء عن الرحى وكانت أقرب من الجنان للماء كما قال ابن رشد، لأن ماء الجنان يصرف إذا بلغ الكعب للرحا، ولا يصرف ماء الرحى لها، ولأن تأخير سقي الجنان قد يؤدي لتلف ما في الحائط، وتأخير الماء عن الرحى لا يؤدي لتلفها، وإنما يؤدي لتعطيلها. هكذا ظهر في توجيهه. قاله الأجهوري. وقال الرهوني: سئل ابن وهب عن القوم يكون لهم مرج يزرعون فيه وللمرج واد فإذا كانت السيول سقى مرجهم وإن ذلك الوادي انصرف عن موضعهم إلى مرج غيرهم، هل يجوز لهم أن يسدوا مصرف الوادي عن مرج الآخرين حتى يرجع إليهم؟ قال: إن كان الماء قد دخل أرضهم قبل أن ينصرف فهم أولى به حتى يسقوا به ما عندهم ثم يسرحوا الفضل إلى إخوانهم حتى يسقوا ما عندهم، وإن كان الماء إنما انصرف عنهم قبل أن يدخل شيئا من أرضهم فلا أرى لهم أن يقطعوه عن إخوانهم إلا أن يكون فيه سعة لهم جميعا، لأن الماء غيث

стр. 7596

يسوقه الله تعالى إلى من يشاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾. يريد المطر، فإذا صرفه الله تعالى إلى قوم فلا ينبغي لأحد أن يقطعه دونهم إلا أن يكون ذلك الماء وقع بأرضهم فهم أولى به حتى يسقوا ما عندهم، فأما أن ينقلوه من مكان بعيد فيصرفوه إليهم دون من هو أقرب إليه منهم فلا. قال ابن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، والأصل قول رسول الله ﷺ في سيل مهزور ومذينيب: يسقي الأعلى إلى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل؛ لأنهما واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر. اهـ. وفي القاموس: والمذنب كمنبر المغرفة، ومسيل الماء إلى الأرض، ومسيل في الحضيض، والجدول يسيل عن الروضة بمائها إلى غيرها. اهـ. وقد مر مفهوم قول المص: إن تقدم، وهو أنه إن تقدم إحياء الأسفل أي الأبعد يكون الأسفل أحق بالماء فيسقي للكعب ثم يرسل للأعلى، وهذا هو المشهور كما مر، وقال ابن عرفة: في شرط تقديم الأسفل على الأعلى بمجرد تقدم إحيائه على الأعلى، أو مع خوف هلاك زرعه: ثالثها: مع انفراده بالانتفاع بالماء، لنقل ابن الحاجب مع ظاهر سماع أصبغ ابنَ القاسم، وقول سحنون، وتفسير أصبغ قول ابن القاسم. اهـ. وأمر بالتسوية، يعني أن صاحب الأعلى يومر بالتسوية الممكنة لأرض حائطه التي بعضها أعلى من بعض، وليس له حبسها للكعب من غير تسويتها، وقوله: وأمر بالتسوية أي قضي عليه بها، قال عبد الباقي: وأمر صاحب الأعلى أي قضي عليه بالتسوية الممكنة لأرض حائطه التي بعضها أعلى من بعض، وليس له حبسها للكعب من غير تسويتها. وإلا يمكنه تسويتها لتعذرها وكان السقي في الأعلى لا يبلغ الكعبين حتى يكون في الأسفل أكثر من الكعبين. فكحائطين، أي فالأعلى والأسفل كحائطين، والحكم في الحائطين أنه يسقى كل منهما على حدته حتى يبلغ كل منهما الكعبين ثم يرسل الماء للأسفل، فكذلك هنا تسقى الجهة العليا على حدتها للكعب، وتسقى الجهة السفلى على حدتها للكعب، فيصير هذا الحائط الذي هو غير

стр. 7597

متساو كحائطين، فقوله: وإلَّا، راجع لصفة مقدرة بعد التسوية، أي التسوية الممكنة، أي وإن لم تمكن التسوية، ولم يصرح المص بهذه الصفة لأنه لا يومر بها إلا وهي ممكنة. تنبيه: قد مر أن الأصل في هذه المسألة أعني قوله: وإن سال مطر بمباح، الحديث الذي قدمته، قال التتائي: وأصل هذه المسألة خبر الموطأ: (أن رسول الله ﷺ قال في سيل مهزور ومذينيب: يمسكه حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل (١)). أبو عمر: هما واديان بالمدينة شتويان يسيلان بالمطر يتنافس أهل المدينة في سيلهما، وفي الصحيح أنه ﵊ قال للزبير لما أتاه مخاصما لغيره: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال يا رسول الله: أن كان ابنَ عَمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر (٢)، قال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. الأزهري: نظرنا في قوله ﷺ : احبس الماء حتى يبلغ الجدر فكان إلى الكعبين). قال الأئمة: وكان ﷺ ندب الزبير إلى إسقاط بعض حقه رعيا للمجاورة، فلما تكلم الرجل بذلك الكلام استوفى للزبير حقه. اهـ. وقسم للمتقابلين، هذا مفهوم قوله: وإن سال مطر بمباح سقي الأعلى إن تقدم، يعني أن الجنان إذا كانت متقابلة بالنسبة إلى الماء الذي سال بمباح أي ليس أحدهما أقرب إلى الماء من الآخر ولا تقدم إحياء بعضها عن بعض فإن الماء يقسم بينهم ولا يتقدم أحد منهم على غيره بل هم فيه سواء، قال سحنون: فإن كان الجنانان متقابلين فيما حكمه أن يكون للأعلى فالأعلى قسم الماء بينهم، وإن كان الأسفل مقابلا لبعض الأعلى حكم لما كان أعلى بحكم الأعلى ولمقابل الأسفل بحكم الأسفل. اهـ. قوله: فالأعلى عطف على الأعلى، وقسم جواب الشرط، وقوله: وقسم للمتقابلين، أي في الجهة، قال الأمير: وقسم بالتسوية. اهـ. أي لا على المساحة. والله تعالى

стр. 7598

أعلم. وقولي: ولم يتقدم إحياء بعضها عن بعض، احترازٌ عما لو تقدم إحياء بعضها فقد مر أنه إن تقدم الأسفل في الإحياء تقدم في السقي فأحرى أحد المتقابلين. قاله بناني. كالنيل، تشبيه في جميع ما مر من قوله: وإن سال مطر بمباح لخ، يعني أن النيل إذا سال فإنه يُسْقَى الأعلى إن تقدم للكعب إلى آخر ما مر من غير فرق يا فتى وإن مُلِّكَ أوَّلًا قسم، يعني أنه إذا ملك الماء أولا أي قبل وصوله إلى الأرض المملوكة لأرباب الجنان بأن اجتمع جماعة على إجرائه بأرضهم فإن الماء يقسم بينهم على حسب أعمالهم من غير تبدئة أعلى على أسفل لملكهم له قبل وصوله لأرضهم. ابن عرفة: وابتداء زمن الحظ من حين ابتداء جريه لأرض ذي الحظ ولو بعدت إن كان أصل أراضيهم شركة ثم قسمت بعد شركتهم في الماء لأن على ذلك قومت الأرض حين قسمها، وإلا فمن وقت وصوله لأرضه. اهـ. فإن قلت: لما اعتبر الحظ من حين ابتداء الجري حيث قسمت الأرض بعد شركتهم في الماء وأما في غير ذلك فمن حين وصول الماء إليه؟ قلت: لأنه إذا وقع القسم بعد شركتهم في الماء فإنما يعدل على أقلهم نصيبا بالقيمة فيراعى في التعديل قرب الماء وبعده، بخلاف ما إذا كان القسم قبل الشركة في الماء أو لم تكن بينهم شركة في الأرض. بقلد، متعلق بقوله: قسم، يعني أن القسم يكون بالقلد، والباء للآلة والقلد بالكسر الحظ من الماء، وعند الفقهاء الآلة التي يتوصل بها لإعطاء كل ذي حق حقه من الماء، ومن صفته أن يثقب قدرٌ ويملأ ماء لأقلهم جزءًا ويجرى له النهر كله حتى ينفَدَ ما في القدر من الماء، ثم كذلك لغيره مرة أو أكثر بقدر حصته. أو غيره، أي يقسم بالقلد أو بغير المقلد كساعات رملية محققة، قال عبد الباقي: أو غيره كساعات رملية محققة، ولكن يراعى اختلاف كثرة الجري وقلته، فإن جريه عند كثرته أقوى من جريه عند قلته، فيرجع في ذلك لأهل المعرفة، فإن قالوا: جريه عند كثرته خمس درج يعدل جَرْيَه عند قلته ثمانيَ درج عمل بذلك، ومن ذلك جريه بالليل فإنه أكثر منه نهارا كما يفيده ابن عرفة، وقال: يقسم ماء اليل على حدته وماء النهار، وإذا ملئ القدر وأجري النهر لأحدهم حتى ينفد ما في القدر فإنه يحسب ابتداء زمن الحظ من حين ابتداء جري النهر لأرض ذي الحظ ولو بعدت إن كان أصل لخ، وقوله: أو غيره، ومنه أيضا قسمه بالأيام كيوم ويوم مثلا. قاله الشبراخيتي. ثم إن تراضَى الشركاء بتبدئة بعضهم على بعض فالأمر ظاهر،

стр. 7599

وإن لم يتراضوا بتبدئة بعضهم على بعض أقرع بينهم لأجل التشاح في السبق، أي لأجل عدم تراضيهم على من يبدأ به منهم في أخذ نصيبه من الماء، أي إرسال النهر على زرعه أو غرسه، وإذا أقرع بينهم فمن خرج اسمه أولا بدئ به ويجرى له الماء إلى أن ينتهي قلده، ولا يتقيد ذلك بالكعبين، وفي كلام عبد الباقي نظر ظاهر، قال الشبراخيتي مفسرا للمص: أي أن الشركاء في ملك الماء إذا تشاحوا في التبدئة فإنه يقرع بينهم فمن خرج اسمه أولا بدئ به ثم الذي يليه وهكذا، وصفة القرعة أن تجعل أوراق بقدر عدد الشركاء ويكتب في كل ورقة اسم واحد من الشركاء، ثم يعطى الأوراق واحدة واحدة لهم فمن خرج اسمه في الذي أعطيت أولا بدئ به، ثم لمن خرج اسمه في الذي أعطيت ثانيا، وهكذا. ولا يمنع صيد سمك، يعني أنه لا يجوز لأحد أن يمنع أحدا من أن يصيد سمكا من ماء الأودية والأنهار إن لم يكن ذلك في ملك أحد، لأن الماء لما كان غير مملوك والصيد غير مملوك كانا كسائر المباحات، فمن سبق إليه فهو أحق به سواء طرح فيه فتوالد أو جره الماء إلى تلك الأرض. وَإن من مُلْكِه. يعني أنه لا يجوز لأحد أن يمنع أحدا من أن يصيد سمكا حيث لم يكن في أرض مملوكة بل وإن كان الماء الذي فيه السمك في أرض مملوكة، فليس للمالك أن يمنع من صيد السمك في الماء الذي هو في أرض مملوكة له، وقوله: من حرف جر، فما قبل المبالغة حيث لم يكن الماء في ملكه لكونه في أرض غير مملوكة، بل وإن كان الماء من جهة ملكه، وقوله: وإن من ملكه شامل لملك الذات ولملك المنفعة فقط كأرض العنوة فإنها توقف بمجرد الاستيلاء، وإنما تقطع إمتاعا لا ملكا، وإنما لم يمنع صيد السمك من ملك وجاز له منع ماء يملكه كما مر لجهل قدر السمك ولأنه يقل ويكثر كما يفيده الشارح، بخلاف الماء لانضباطه غالبا. قاله عبد الباقي. وفي هذا التعليل عندي شيء لأن هذا إنما يظهر في البيع. والله تعالى أعلم. وهل عدم المنع في الأرض المملوكة منفعتها دون ذاتها كأرض العنوة بفتح المعين فقط صاد المالك أم لا، وأما الأرض المملوكة ذاتها فللمالك أن يمنع من أراد أن يصيد فيها من الصيد أراد المالك الصيد أم لا، أو عدم المنع حاصل مطلقا في أرض العنوة وغيرها إلا أن يصيد المالك أي يريد الصيد فله المنع من ذلك تأويلان، الأول لابن الكاتب، والثاني قال ابن يونس: لغيره من شيوخنا القرويين. اهـ. والتأويلان على قول المدونة، قال ابن القاسم: سألت مالكا عن بحيرات تكون عندنا بمصر لأهل قرى أراد أهلها بيع سمكها لمن يصيد فيها؟ قال مالك: لا يعجبني أن تباع لأنها تقل وتكثر ولا أحب لأحد أن يمنع أحدا

стр. 7600

من تلك البحيرة يصيد فيها. اهـ. واختلف الشيوخ في تاويل قوله: لا أحب لأحد أن يمنع لخ، فقال ابن الكاتب: إنما منعهم من ذلك لأن الأرض ليست لهم إذ أرض مصر أرض خراج ولو كانت الأرض ملكا لهم لكان لهم منع الناس منها، وقال غيره من القرويين: إنما لا يمنع الناس منها إذا كان هو لا يصيد ذلك فلم يبق إلا أن يبيعه وهو لا يجوز لأن بيعه غرر فلا يمنع الناس منه، هذا ما نقله أبو الحسن في كتاب البيوع الفاسدة منه، ونص كلامه إثر قولها: ولا يمنع من أن يصيد فيها ولا الشرب منها، قال ابن الكاتب: إنما قال: لا يمنع أربابها الناس منها لأن الأرض ليست لهم وإنما هم منزلون بها، وإنما هي أرض مصر وهي أرض خراج السلطان، وأما لو كانت أرض إنسان وملكه فله منع الناس، ولا فرق بين ذلك وبين جوابه عمن حفر بيرا في أرضه أن له منعَ مائه من الناس وله بيعه. والله أعلم. وقال غيره من شيوخنا القرويين: إنما لا يمنع الناس منها إذا كان لا يصيد ذلك إذ لا يجوز بيعه، لأن بيعه غرر فلا يمنع الناس منه، كما قال في الكلإ إن احتاج إليه لرعي أو بيع فله منع الناس، منه وإن لم يحتج إليه ولا وجد له ثمنا فليخل بين الناس وبينه، فكذلك برك الحيتان، ولم يقف المواق على هذا فتوقف فيه. قال عبد الباقي: وعلم مما قررنا أن الاستثناء من التأويل الثاني المطوي في كلامه ومحلهما فيما ملكه حيث لا يضر به الصيد، فإن أضر به كاطلاع الصائد على حريمه وكإفساده زرعه عند دخوله للصيد منع اتفاقات ثم التأويلان ضعيفان، فإن المذهب أنه لا يمنع صيد سمك وإن من ملكه في أرض عنوة أو غيرها طرحت فتوالدت أو جرها الماء إلا في الصورة المستثناة التي قدمتها. انتهى. يعني بالصورة الصورةَ المستثناة بقوله: فإن أضر به كاطلاع الصائد لخ، وما ذكره عبد الباقي من أن التأويلين ضعيفان نحوه للفيشي، قال الرهوني: وهو الصواب، وقد نقل جسوس كلام الفيشي وسلمه، وهو حقيق بالتسليم، فإن جل الشيوخ لم يعرجوا على هذين التأويلين بحال، كالباجي واللخمي وابن رشد، وابن يونس في كتاب التجارة لأرض الحرب وفي كتاب حريم البير، وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، وقد جزم في النوادر بأن مذهب ابن القاسم أنه ليس للمالك المنع ولم يحك عنه غيره، ونصه: قال أصبغ وابن القاسم: يسوى بين من كان في ملكهم وفي غير ملكهم كالكلإ. اهـ. وقال الباجي في منتقاه: وأما ما يحدث في المياه من الحيتان ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك في البركة والغدير والحفرة فيها الحيتان: لا يعجبني أن يبيعها أهلها ولا ينبغي أن يبيعوا التصيد فيها وقال أشهب في المجموعة: من كانت له عين أو
следующие страницы →