← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

يسوقه الله تعالى إلى من يشاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾. يريد المطر، فإذا صرفه الله تعالى إلى قوم فلا ينبغي لأحد أن يقطعه دونهم إلا أن يكون ذلك الماء وقع بأرضهم فهم أولى به حتى يسقوا ما عندهم، فأما أن ينقلوه من مكان بعيد فيصرفوه إليهم دون من هو أقرب إليه منهم فلا. قال ابن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة، والأصل قول رسول الله ﷺ في سيل مهزور ومذينيب: يسقي الأعلى إلى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل؛ لأنهما واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر. اهـ. وفي القاموس: والمذنب كمنبر المغرفة، ومسيل الماء إلى الأرض، ومسيل في الحضيض، والجدول يسيل عن الروضة بمائها إلى غيرها. اهـ. وقد مر مفهوم قول المص: إن تقدم، وهو أنه إن تقدم إحياء الأسفل أي الأبعد يكون الأسفل أحق بالماء فيسقي للكعب ثم يرسل للأعلى، وهذا هو المشهور كما مر، وقال ابن عرفة: في شرط تقديم الأسفل على الأعلى بمجرد تقدم إحيائه على الأعلى، أو مع خوف هلاك زرعه: ثالثها: مع انفراده بالانتفاع بالماء، لنقل ابن الحاجب مع ظاهر سماع أصبغ ابنَ القاسم، وقول سحنون، وتفسير أصبغ قول ابن القاسم. اهـ. وأمر بالتسوية، يعني أن صاحب الأعلى يومر بالتسوية الممكنة لأرض حائطه التي بعضها أعلى من بعض، وليس له حبسها للكعب من غير تسويتها، وقوله: وأمر بالتسوية أي قضي عليه بها، قال عبد الباقي: وأمر صاحب الأعلى أي قضي عليه بالتسوية الممكنة لأرض حائطه التي بعضها أعلى من بعض، وليس له حبسها للكعب من غير تسويتها. وإلا يمكنه تسويتها لتعذرها وكان السقي في الأعلى لا يبلغ الكعبين حتى يكون في الأسفل أكثر من الكعبين. فكحائطين، أي فالأعلى والأسفل كحائطين، والحكم في الحائطين أنه يسقى كل منهما على حدته حتى يبلغ كل منهما الكعبين ثم يرسل الماء للأسفل، فكذلك هنا تسقى الجهة العليا على حدتها للكعب، وتسقى الجهة السفلى على حدتها للكعب، فيصير هذا الحائط الذي هو غير

стр. 7597

متساو كحائطين، فقوله: وإلَّا، راجع لصفة مقدرة بعد التسوية، أي التسوية الممكنة، أي وإن لم تمكن التسوية، ولم يصرح المص بهذه الصفة لأنه لا يومر بها إلا وهي ممكنة. تنبيه: قد مر أن الأصل في هذه المسألة أعني قوله: وإن سال مطر بمباح، الحديث الذي قدمته، قال التتائي: وأصل هذه المسألة خبر الموطأ: (أن رسول الله ﷺ قال في سيل مهزور ومذينيب: يمسكه حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل (١)). أبو عمر: هما واديان بالمدينة شتويان يسيلان بالمطر يتنافس أهل المدينة في سيلهما، وفي الصحيح أنه ﵊ قال للزبير لما أتاه مخاصما لغيره: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال يا رسول الله: أن كان ابنَ عَمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر (٢)، قال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. الأزهري: نظرنا في قوله ﷺ : احبس الماء حتى يبلغ الجدر فكان إلى الكعبين). قال الأئمة: وكان ﷺ ندب الزبير إلى إسقاط بعض حقه رعيا للمجاورة، فلما تكلم الرجل بذلك الكلام استوفى للزبير حقه. اهـ. وقسم للمتقابلين، هذا مفهوم قوله: وإن سال مطر بمباح سقي الأعلى إن تقدم، يعني أن الجنان إذا كانت متقابلة بالنسبة إلى الماء الذي سال بمباح أي ليس أحدهما أقرب إلى الماء من الآخر ولا تقدم إحياء بعضها عن بعض فإن الماء يقسم بينهم ولا يتقدم أحد منهم على غيره بل هم فيه سواء، قال سحنون: فإن كان الجنانان متقابلين فيما حكمه أن يكون للأعلى فالأعلى قسم الماء بينهم، وإن كان الأسفل مقابلا لبعض الأعلى حكم لما كان أعلى بحكم الأعلى ولمقابل الأسفل بحكم الأسفل. اهـ. قوله: فالأعلى عطف على الأعلى، وقسم جواب الشرط، وقوله: وقسم للمتقابلين، أي في الجهة، قال الأمير: وقسم بالتسوية. اهـ. أي لا على المساحة. والله تعالى

стр. 7598

أعلم. وقولي: ولم يتقدم إحياء بعضها عن بعض، احترازٌ عما لو تقدم إحياء بعضها فقد مر أنه إن تقدم الأسفل في الإحياء تقدم في السقي فأحرى أحد المتقابلين. قاله بناني. كالنيل، تشبيه في جميع ما مر من قوله: وإن سال مطر بمباح لخ، يعني أن النيل إذا سال فإنه يُسْقَى الأعلى إن تقدم للكعب إلى آخر ما مر من غير فرق يا فتى وإن مُلِّكَ أوَّلًا قسم، يعني أنه إذا ملك الماء أولا أي قبل وصوله إلى الأرض المملوكة لأرباب الجنان بأن اجتمع جماعة على إجرائه بأرضهم فإن الماء يقسم بينهم على حسب أعمالهم من غير تبدئة أعلى على أسفل لملكهم له قبل وصوله لأرضهم. ابن عرفة: وابتداء زمن الحظ من حين ابتداء جريه لأرض ذي الحظ ولو بعدت إن كان أصل أراضيهم شركة ثم قسمت بعد شركتهم في الماء لأن على ذلك قومت الأرض حين قسمها، وإلا فمن وقت وصوله لأرضه. اهـ. فإن قلت: لما اعتبر الحظ من حين ابتداء الجري حيث قسمت الأرض بعد شركتهم في الماء وأما في غير ذلك فمن حين وصول الماء إليه؟ قلت: لأنه إذا وقع القسم بعد شركتهم في الماء فإنما يعدل على أقلهم نصيبا بالقيمة فيراعى في التعديل قرب الماء وبعده، بخلاف ما إذا كان القسم قبل الشركة في الماء أو لم تكن بينهم شركة في الأرض. بقلد، متعلق بقوله: قسم، يعني أن القسم يكون بالقلد، والباء للآلة والقلد بالكسر الحظ من الماء، وعند الفقهاء الآلة التي يتوصل بها لإعطاء كل ذي حق حقه من الماء، ومن صفته أن يثقب قدرٌ ويملأ ماء لأقلهم جزءًا ويجرى له النهر كله حتى ينفَدَ ما في القدر من الماء، ثم كذلك لغيره مرة أو أكثر بقدر حصته. أو غيره، أي يقسم بالقلد أو بغير المقلد كساعات رملية محققة، قال عبد الباقي: أو غيره كساعات رملية محققة، ولكن يراعى اختلاف كثرة الجري وقلته، فإن جريه عند كثرته أقوى من جريه عند قلته، فيرجع في ذلك لأهل المعرفة، فإن قالوا: جريه عند كثرته خمس درج يعدل جَرْيَه عند قلته ثمانيَ درج عمل بذلك، ومن ذلك جريه بالليل فإنه أكثر منه نهارا كما يفيده ابن عرفة، وقال: يقسم ماء اليل على حدته وماء النهار، وإذا ملئ القدر وأجري النهر لأحدهم حتى ينفد ما في القدر فإنه يحسب ابتداء زمن الحظ من حين ابتداء جري النهر لأرض ذي الحظ ولو بعدت إن كان أصل لخ، وقوله: أو غيره، ومنه أيضا قسمه بالأيام كيوم ويوم مثلا. قاله الشبراخيتي. ثم إن تراضَى الشركاء بتبدئة بعضهم على بعض فالأمر ظاهر،

стр. 7599

وإن لم يتراضوا بتبدئة بعضهم على بعض أقرع بينهم لأجل التشاح في السبق، أي لأجل عدم تراضيهم على من يبدأ به منهم في أخذ نصيبه من الماء، أي إرسال النهر على زرعه أو غرسه، وإذا أقرع بينهم فمن خرج اسمه أولا بدئ به ويجرى له الماء إلى أن ينتهي قلده، ولا يتقيد ذلك بالكعبين، وفي كلام عبد الباقي نظر ظاهر، قال الشبراخيتي مفسرا للمص: أي أن الشركاء في ملك الماء إذا تشاحوا في التبدئة فإنه يقرع بينهم فمن خرج اسمه أولا بدئ به ثم الذي يليه وهكذا، وصفة القرعة أن تجعل أوراق بقدر عدد الشركاء ويكتب في كل ورقة اسم واحد من الشركاء، ثم يعطى الأوراق واحدة واحدة لهم فمن خرج اسمه في الذي أعطيت أولا بدئ به، ثم لمن خرج اسمه في الذي أعطيت ثانيا، وهكذا. ولا يمنع صيد سمك، يعني أنه لا يجوز لأحد أن يمنع أحدا من أن يصيد سمكا من ماء الأودية والأنهار إن لم يكن ذلك في ملك أحد، لأن الماء لما كان غير مملوك والصيد غير مملوك كانا كسائر المباحات، فمن سبق إليه فهو أحق به سواء طرح فيه فتوالد أو جره الماء إلى تلك الأرض. وَإن من مُلْكِه. يعني أنه لا يجوز لأحد أن يمنع أحدا من أن يصيد سمكا حيث لم يكن في أرض مملوكة بل وإن كان الماء الذي فيه السمك في أرض مملوكة، فليس للمالك أن يمنع من صيد السمك في الماء الذي هو في أرض مملوكة له، وقوله: من حرف جر، فما قبل المبالغة حيث لم يكن الماء في ملكه لكونه في أرض غير مملوكة، بل وإن كان الماء من جهة ملكه، وقوله: وإن من ملكه شامل لملك الذات ولملك المنفعة فقط كأرض العنوة فإنها توقف بمجرد الاستيلاء، وإنما تقطع إمتاعا لا ملكا، وإنما لم يمنع صيد السمك من ملك وجاز له منع ماء يملكه كما مر لجهل قدر السمك ولأنه يقل ويكثر كما يفيده الشارح، بخلاف الماء لانضباطه غالبا. قاله عبد الباقي. وفي هذا التعليل عندي شيء لأن هذا إنما يظهر في البيع. والله تعالى أعلم. وهل عدم المنع في الأرض المملوكة منفعتها دون ذاتها كأرض العنوة بفتح المعين فقط صاد المالك أم لا، وأما الأرض المملوكة ذاتها فللمالك أن يمنع من أراد أن يصيد فيها من الصيد أراد المالك الصيد أم لا، أو عدم المنع حاصل مطلقا في أرض العنوة وغيرها إلا أن يصيد المالك أي يريد الصيد فله المنع من ذلك تأويلان، الأول لابن الكاتب، والثاني قال ابن يونس: لغيره من شيوخنا القرويين. اهـ. والتأويلان على قول المدونة، قال ابن القاسم: سألت مالكا عن بحيرات تكون عندنا بمصر لأهل قرى أراد أهلها بيع سمكها لمن يصيد فيها؟ قال مالك: لا يعجبني أن تباع لأنها تقل وتكثر ولا أحب لأحد أن يمنع أحدا

стр. 7600

من تلك البحيرة يصيد فيها. اهـ. واختلف الشيوخ في تاويل قوله: لا أحب لأحد أن يمنع لخ، فقال ابن الكاتب: إنما منعهم من ذلك لأن الأرض ليست لهم إذ أرض مصر أرض خراج ولو كانت الأرض ملكا لهم لكان لهم منع الناس منها، وقال غيره من القرويين: إنما لا يمنع الناس منها إذا كان هو لا يصيد ذلك فلم يبق إلا أن يبيعه وهو لا يجوز لأن بيعه غرر فلا يمنع الناس منه، هذا ما نقله أبو الحسن في كتاب البيوع الفاسدة منه، ونص كلامه إثر قولها: ولا يمنع من أن يصيد فيها ولا الشرب منها، قال ابن الكاتب: إنما قال: لا يمنع أربابها الناس منها لأن الأرض ليست لهم وإنما هم منزلون بها، وإنما هي أرض مصر وهي أرض خراج السلطان، وأما لو كانت أرض إنسان وملكه فله منع الناس، ولا فرق بين ذلك وبين جوابه عمن حفر بيرا في أرضه أن له منعَ مائه من الناس وله بيعه. والله أعلم. وقال غيره من شيوخنا القرويين: إنما لا يمنع الناس منها إذا كان لا يصيد ذلك إذ لا يجوز بيعه، لأن بيعه غرر فلا يمنع الناس منه، كما قال في الكلإ إن احتاج إليه لرعي أو بيع فله منع الناس، منه وإن لم يحتج إليه ولا وجد له ثمنا فليخل بين الناس وبينه، فكذلك برك الحيتان، ولم يقف المواق على هذا فتوقف فيه. قال عبد الباقي: وعلم مما قررنا أن الاستثناء من التأويل الثاني المطوي في كلامه ومحلهما فيما ملكه حيث لا يضر به الصيد، فإن أضر به كاطلاع الصائد على حريمه وكإفساده زرعه عند دخوله للصيد منع اتفاقات ثم التأويلان ضعيفان، فإن المذهب أنه لا يمنع صيد سمك وإن من ملكه في أرض عنوة أو غيرها طرحت فتوالدت أو جرها الماء إلا في الصورة المستثناة التي قدمتها. انتهى. يعني بالصورة الصورةَ المستثناة بقوله: فإن أضر به كاطلاع الصائد لخ، وما ذكره عبد الباقي من أن التأويلين ضعيفان نحوه للفيشي، قال الرهوني: وهو الصواب، وقد نقل جسوس كلام الفيشي وسلمه، وهو حقيق بالتسليم، فإن جل الشيوخ لم يعرجوا على هذين التأويلين بحال، كالباجي واللخمي وابن رشد، وابن يونس في كتاب التجارة لأرض الحرب وفي كتاب حريم البير، وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، وقد جزم في النوادر بأن مذهب ابن القاسم أنه ليس للمالك المنع ولم يحك عنه غيره، ونصه: قال أصبغ وابن القاسم: يسوى بين من كان في ملكهم وفي غير ملكهم كالكلإ. اهـ. وقال الباجي في منتقاه: وأما ما يحدث في المياه من الحيتان ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك في البركة والغدير والحفرة فيها الحيتان: لا يعجبني أن يبيعها أهلها ولا ينبغي أن يبيعوا التصيد فيها وقال أشهب في المجموعة: من كانت له عين أو

стр. 7601

غدير فيها سمك فإن كان طرح فيها سمكا فتوالدت فهو أولى به، وإن كان ذلك جاء من المطر فليس له أن يمنع من تصيده فيه إلا أن يضر به الصائدون؛ وقال سحنون في المجموعة: له أن يمنع مراعي أرضه وحيتان غدره لأن ذلك في ملكه وحوزه وذلك سواء. وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ما كان من ذلك ملكا في حوزه فله منع الناس منه، وما كان في الأنهار والخلج التي لا تملك فليس لمن دنا إليه سكناه أن يمنع منه طارئا. وقال ابن الحاجب: وأما المملوكة فقال ابن القاسم: سألت مالكا عن بحيرات بمصر يبيع أهلها سمكها؟ فقال: لا يعجبني لأنها تقل وتكثر، ولا أحب لهم منع أحد يصيد فيها. وقال سحنون: لهم منعه. وقال أشهب: إن طرحوها فتوالدت منعت. اهـ. تنبيهات: الأول: اعلم أن هذه المسألة على ثلاثة أقسام، القسم الأول: الماء الذي في الأودية والأرضين التي ليست بمملوكة لأحد، فهذا لا يجوز لأحد أن يمنع من يصيد منه بلا خلاف. القسم الثاني: الأرض الملوكة منفعتها. القسم الثالث: الأرض المملوكة ذاتها. ومقتضى ما للرهوني وعبد الباقي وغيرهما أن التأويلين يجريان في المملوكة الذات وفي المملوكة المنفعة فقط، فابن الكاتب يفصل بين المملوكة المنفعة فلا يمنع صاحبها من يصيد فيها، بخلاف المملوكة ذاتها فله المنع مطلقا صاد المالك أم لا، وغيره من القرويين يقول: للمالك المنع إن صاد وليس له المنع إن لم يصد، كان مالك ذات ومنفعة أو مالك منفعة فقط، هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وكلام الرهوني عند قول المص: وهل في أرض العنوة فقط لخ: هذا يفيد أن المص أراد بقوله: وإن من ملكه ما يشمل ملك المنفعة وحدها وملكها مع الذات فتأمله. اهـ. الثاني: قال الخرشي ما نصه: وينبغي النظر فيما إذا أراد مالك ذات الأرض منع صيد مالك منفعتها أو أراد مالك منفعتها منع صيد مَالكِ ذَاتِها، والظاهر العمل بقول مالك ذاتها وربما يفيد ذلك مسألة ما إذا وقع الصيد في دار مؤجرة فإنه يكون لمالك ذاتها. اهـ. واعلم أن تأويل ابن الكاتب في المملوكة موافق لقول الأخوين وسحنون وابن حبيب، وانظر هل هم موافقون له في أرض العنوة أو لا؟ لم أر من تعرض لذلك الآن. والله تعالى أعلم. قاله الرهوني. الثالث: قال في المدونة: وإذا كان في أرضه غدير أو بركة أو بحيرة فيها سمك فلا يعجبني بيع ما فيها من السمك، ولا يمنع من يصيد فيها، ولا الشرب منها، ولا يمنع الماء لشفة أو سقي كبد، إلا ما لا فضل فيه عن أربابه. اهـ. قال ابن ناجي: قال المغربي: البحيرة تصغير بحر والبحيرة أكبر من البركة والبركة

стр. 7602

أكبر من الغدير، ثم قال: قوله: ولا يمنع الماء لشفة أو سقي كبد: الشفةُ في بني آدم والكبد في الحيوان. قاله المغربي. اهـ. نقله الرهوني. الرابع: قال ابن عاشر: واعلم أن قول خليل: وإن من ملكه، معناه من أرض هي ملكه من غير أن يملك الماء، أما لو ملك الماء لملك تابعه الذي هو السمك. انتهى. قال أبو علي بعد أنقال: وبتحرير ما نقلناه يظهر لك أن محل الخلاف في ماء أرض مملوكة لإنسان، وأما إن ملك نفس الماء فالصيد تابع له كما أشار إليه ابن عاشر، لكن فيه نظر، فإن من له بركة ماء في أرضه مثلا فهو مالك لمائها بدليل منعها وبيعها. اهـ. الخامس: قال الشبراخيتي: وسئل ابن أبي زيد عن أكل ما صيد من نهر أبيح صيده لبعض الناس خصوصا دون سائر الناس؟ فوقف فيما، ثم رُوجع فوقف، ثم أجاب: بأنه غير حرام شراء ما صاده من أبيح له الصيد، لأن من مُّنِع لم يملك الصيد وإنما منع من تملكه، فليس فيه حقيقة غصب، وعن أبي الحسن القابسي ما ظاهره المنع والتشديد فيه، وجواب أبي الحسن أقرب للورع، وجواب أبي محمد أقرب لأصول العلم. اهـ. ولا كلأ بفحص، يعني أن الكلأ الذي في الفحص ليس لمالك الفحص أن يمنع من الرعي فيه، والفحص هي الأرض التي ترك ربها زرعها استغناء عنها ولم يبورها للرعي، قال عبد الباقي: ولا يمنع أحد كلأ أي رعيه وهو ما ينبت في المرعى من غير زرع وهو منون معطوف على صيد بفحص وهو أرض ترك ربها زرعها استغناء عنها ولم يبورها للرعي. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يمنع أحد كلأً بقصر همزِه وهو ما ينبت من الرعي غير الزروع يابسا كان أو رطبا والعشب الكلأ الرطب فهو أخص بفحص وهو الأرض التي ترك صاحبها زرعها استغناء عنها ولم يبورها لأجل الرعي فينبت الكلأ فيها. انتهى بإيضاح. ونحوه للتتائي وقال الخرشي: والمعنى أنه لا يجوز له أن يمنع من رعي الكلإ وهو الذي ينبت في المرعى من غير زرع، وهو الذي يكون في فحصه والفحص هي الأرض التي ترك ربها زرعها استغناء عنها. وقال عياض: الكلأ مقصور مهموز العشب وما تنبته الأرض مما يأكله المواشي. انتهى. وقال المواق: قال ابن رشد: الكلأ بأرض غير مملوكةٍ الناسُ فيه سواء اتفاقا ليس لأحدهم منعه ولا بيعه، فإن جاء رجلان لرعي كلإ؟ موضع كانا فيه أسوة. انتهى. وعفاء، يعني أنه لا يجوز المنع من الرعي الكائن في العفاء، والعفاء بالمد هو الأرض التي أعفيت عن الزراعة بأن كانت لا تقبل الزراعة، قال الشبراخيتي: والمنع من كل منهما منوط باستغناء

стр. 7603

رب الأرض عنه فيهما. اهـ. ودليل هذا ما في الحديث: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ (١)). فهو دليل على أن الكلأ لا يجوز منعه. لم يكتنفه زرعه، يعني أن محل عدم المنع أي منع رعي الكلإ في الفحوص والعفاء ما لم يكتنفه زرعه، أما إذا كان ذلك مكتنفا بزرعه بحيث يكون عليه الضرر في تخلص الناس إليه بمواشيهم ودوابهم ذهابا وإيابا فله حينئذ أن يمنع من رعيه خيفة على زرعه، وفي الصحاح: العفاء بالمد الدروس والهلاك، ولا يتورك على المص بهذا إذ يطلق العفاء على نفس الأرض، ففي النهاية لابن الأثير في الحديث: (أقطع من أرض المدينة ما كان عفاء (٢)). أي ما ليس لأحد فيه أثر، من عفا الشيء إذا درس ولم يبق له أثر. يقال: عفت الدار عفاء. وقد فسر ابن فرحون في شرح ابن الحاجب العفاء هنا بالدارس من الأرض التي لا تزرع. قاله بناني. والأرض المحظرة لصاحبها منعها من الرعي فيها. قال ابن رشد: وأما الأرض إذا كانت محظرة فلا اختلاف فيما إذا كان فيها كلأ أن صاحبها أحق بها له أن يبيعه ويمنعه احتاج إليه أو لم يحتج إليه. اهـ. بخلاف مرجه، يعني أن الكلأ النابت في المرج مخالف لحكم الكلإ الذي بالفحص والعفاء، فلصاحب المرج أن يمنع من رعي ما نبت فيه من الكلإ، والمرج الموضع الذي ترعى فيه الدواب، يعني أن محل رعي دوابه له أن يمنع من رعي ما فيه من الكلإ وله بيعه. وحماه، أي له أن يمنع ما نبت من الكلإ في حماه وله بيعه، والحمى الموضع الذي بوره من أرضه للمرعى، وهو عطف تفسير على مرجه، وهذه الأقسام الأربعة، والخامس الذي هو المحظر عليه في الأرض المملوكة، وأما الفيافي فالناس فيها سواء اتفاقا، واختلف فيمن سبق إلى موضع فتركه ورعى ما حوله فقيل: هو والناس فيه سواء، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقيل: يكون أحق بقدر حاجته، وقيل: إن حفر بيرا فهو أحق. قاله المغيرة. وهو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب ت لأنه لا يقدر على المقام إذا لم يكن في ذلك الموضع مرعى، فتذهب نفقته في البير باطلة.

стр. 7604

باب في الوقف: وهو في اللغة مصدر وقفه إذا حبسه: ويقال للموقوف تسمية للمفعول بالمصدر، ويجمع على أوقاف، ولا يقال: أوقفه إلا على لغة رديئة حكاها الأزهري. قاله التتائي. وقال في التوضيح: الأصح فيه وَقَف، وفيه لغة رديئة أوقف. اهـ. وحبست فرسا في سبيل الله أي وقفته فهو حُبُس بضمتين، قال في القاموس: والحبس بضمتين كل ما وقف. اهـ. وفي الشرع قال ابن عرفة: الوقف مصدرا إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديرا، فتخرج عطية الذوات والعارية والعمرى والعبد المخدَم حياته يموت قبل موت سيده لعدم لزوم بقائه في ملك معطيه لجواز بيعه برضاه مع معطاه، واسما ما أعطيت منفعته مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديرا، وقولي: مدة وجوده، مبني على أن الحبس لا يكون إلا مؤبدا، وإطلاق الحبس على غير المؤبد مجاز عنده كما صرح به، ونصه: والروايات واردةٌ بإطلاق الحبس على ما حبس مدة يصير بعدها ملكا وهو مجاز. انتهى وعلى ما ذهب إليه ينبني أيضا قوله: لازما بقاؤه لخ، وأخرج ابن عرفة بقوله: لازما بقاؤه، العبد المخدم حياته يموت قبل موت سيده لعدم لزوم بقائه في ملك معطيه لجواز بيعه برضاه مع معطاه، وإنما قيد بقوله: يموت قبل موت سيده لأنه فيه يظهر قوله: مدة وجوده، وأما إن مات سيده قبله فإنه يبطل إخدامه ويرجع لورثة السيد. قاله ابن القاسم. فهو حينئذ خارج من قوله: مدة وجوده. والله أعلم. قاله محمد بن الحسن بناني ولنبين تفصيل الإخراج، فأقول: قوله: مصدرا منصوب على نزع الخافض، وقوله: منفعة، أخرج به إعطاء الذوات كالهبة، وقوله: مدة وجوده، أخرج به العارية والعمرى والعبد المخدم مدة حياته يموت قبله ربه. اهـ. وأما العبد المخدم مدة حياته يموت قبل سيده فاللزوم في بقاء الملك يخرجه لجواز البيع بالرضى كما مر عن البناني وخاصية الحبس عدم جواز بيعه مطلقا. اهـ. وقوله: ولو تقديرا، قال الشبراخيتي: يحتمل ولو كان الملك تقديرا، ويحتمل ولو كان الإعطاء تقديرا، فالأول كقوله: إن ملكت دار فلان فهي حبس، والثاني كقوله: حبس على من سيكون. اهـ. وقال في المقدمات: والأحباس سنة قائمة عمل بها رسول الله ﷺ والمسلمون من بعده، وقد حبس عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعثمان بن عفان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهم. قاله الرهوني. وقال

стр. 7605

بناني: قال النووي: وهو مما اختص المسلمون به. قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضا تبررا بحبسها، وإنما حبسها أهل الإسلام. اهـ. ولا يرد عليه بناء قريش الكعبة وحفر بير زمزم لأنه لم يقع تبررا بل فخرا. اهـ. صح وقف مملوك، يعني أن المملوك يصح وقفه ويلزم وإن لم يجز بيعه كجلد الأضحية وكلب صيد وعبد آبق بل يندب، وعَبَّرَ بصح للتنبيه على قول أبي حنيفة: إنه لا يصح ولا يلزم في حال الحياة وهو ملكه يورث عنه، إلا أن يحكم حاكم بصحتة أو يعلقه على موته. كإذا مت فداري وقف على كذا، حكاه في الذخيرة، وقيل: يجوز عنده ولا يلزم فيورث ويرجع عنده ويباع، ومنعه على قوله الأول لصدق السائبة عليه ولخروجه عن ملك واقفه ولم يملكه الموقوف عليه، وأجيب بأن السائبة كانت في عرف التخاطب اسما لشيء مخصوص فلا يتعدى لغيره، ولم يخرج عن ملك واقفه وعدم تصرفه فيه للحجر عليه في المنافع بسبب جعلها لغيره كالعمرى وهو مندوب إليه. اهـ. قاله التتائي. وقال ابن رشد: والصحيح ما ذهب إليه مالك وجل أهل العلم من إجازة الحبس. اهـ. قاله الرهوني. وقال التتائي: (وقد حبس رسول الله ﷺ [سبع (١)] حوائط، وحبس أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر دورا وحوائط (٢))، وبقي ذلك بعدهم. اهـ. والوقف والحبس لفظان مترادفان، قال التتائي: وهما عند ابن رشد وغيره سواء. انتهى. وقال الرهوني: قال محمد بن أسعد بن زرارة: ما أعلم أحدا من المهاجرين والأنصار من الصحابة إلا وقد وقف من ماله حبسا، منهم عمر بن الخطاب وابن عمر وعثمان وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعمرو بن العاصي وعبد الله بن زيد وأبو طلحة وغيرهم، وجعلها عمر للسانل والمحروم، ولذي القربى، وفي سبيل الله، وابن السبيل، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. اهـ. وقد قيل لمالك: إن شريحا لا يرى الحبس، فقال مالك: تكلم شريح ببلاده ولم يَرِد المدينة فيرى [داثر الأكابر] (٣) من أزواج رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين

стр. 7606

بعدهم وهلم جرا إلى يوم القيامة، وما حبسوا من أموالهم، لا يطعن فيها طاعن، وهذه صدقات النبي ﷺ سبعة حوائط، ولا ينبغي للمرء أن يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا، وبهذا احتج مالك رحمه الله تعالى لما ناظره أبو يوسف بحضرة الرشيد، فقال: هذه أحباس رسول الله ﷺ وصدقاته ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن، فقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول: إنها غير جائزة، وأنا أقول: إنها جائزة، فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة إلى الجواز، قال الباجي: وهذا فعل أهل الدين والعلم في الرجوع إلى الحق حين ظهر وتبين. اهـ. تنبيهات: الأول: قال الشبراخيتي: قوله: صح ويلزم إن وقع من مسلم، وأما من الكافر فلا يلزمه وقفه اتفاقا ولو حِيزَ عنه، وله أن يرجع فيه متى شاء بخلاف هبته وصدقته وعتقه. اهـ. المراد منه. الثاني: احترز بالمملوك من وقف الفضولي فإنه لا يصح كما يفيده كلام القرافي وغيره بخلاف بيعه. قاله الشبراخيتي. الثالث: شمل قوله: مملوك المشاع، قال بناني: وقد حصل ابن عرفة في تحبيس المشاع ثلاثة أقوال، الأول: الجواز مطلقا لظاهر المدونة وظاهر سماع ابن القاسم ونص ابن زرب؛ والثاني: وقفه على إذن شريكه فيما لا ينقسم فإن أذن له وإلا بأن لم يأذن له بطل، لِلخمي عن المذهب، والثالث الجواز مطلقا، ويجعل الحظ المحبس مما لا ينقسم في مثل ما حبسه فيه، لابن حبيب عن ابن الماجشون. اهـ. وعبارته تعطي أن الخلاف في جواز التحبيس من غير إذنه ابتداء، وكلام التوضيح وغيره صريح في أن محل الخلاف هو النفوذ بعد الوقوع والنزول، وأما ابتداء فلا يجوز الإقدام على تحبيس ما لا ينقسم دون إذن الشريك، فانظره. قال الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي في جواب له بعد نقول: فإذا تقرر هذا فقول ابن الماجشون هو جواز الإقدام على تحبيس المشاع مطلقا انقسم أم لا، وعدم التوقف على إذن الشريك، فإن رضي الشريك بذلك [فظاهر (١) فإنه] يبقى شريكا للحبس أو يبيع وحده أيضا على الإشاعة إن شاء، وإن لم يرض بيع ويجبر على جعل الثمن بمثله، وعلى هذا القول استمر عمل فاس، ونفذت به أحكام

стр. 7607

قضاتها، ثم إنه يطلب في بيعه استقصاء الثمن، ولعل ما يفعله الناس من تقويمه أرباب البصر إنما هو محافظة على استقصائه. والله أعلم. اهـ. وقال الحطاب: وظاهر كلامه يعني المص سواء كان مشاعا أو غير مشاع، فيصح في العقار المملوك من الأرض والديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمصانع والآبار والقناطر والمقابر والطرق، شائعا وغيره. اهـ. وقال عبد الباقي: صح وقف مملوك ولو كان المملوك شائعا فيما يقبل القسم، وأجبر عليه الواقف إن أراده الشريك، وفي صحته فيما لا يقبل القسم وعدم صحته قولان مرجحان، وعلى الصحة يجبر المواقف على البيع إن أراده شريكه، ويجعل الواقف ثمن حصته في مثل وقفه، وهل يجبر أم لا؟ قولان. وظاهر قوله: مملوك ولو تعلق به حق لغير مالكه كمرهون ومؤجر بالفتح حيث أراد المالك بوقفهما الآن أنه بعد خلاصهما من الرهن والإجارة وهو كذلك لأنه لا يشترط التنجيز كما سيذكره، فإن أراد بوقف ذلك من الآن مع كونه مستأجرا أو مرهونا لم يصح لمتعلق حق الغير بهما. الرابع: اعلم أن أركان الوقف أربعة، الأول: العين الموقوفة وإليه أشار بقوله مملوك. الثاني الواقف وأسقطه هناك اتكالا على ذكره للواهب في باب الهبة بقوله: من له تبرع بها فإن الباب باب واحد. الثالث: الموقوف عليه وإليه أشار بقوله: على أهل التملك. الرابع: الصيغة، وهي المشار إليها بقوله: بحبست لخ، وهل يشترط في صحة الوقف أن يقع على ذات موجودة حين العقد أم لا؟ أفتى الشيخ الجيزي بأن من التزم ما يبنيه بالمحل الفلاني فهو وقف ثم بنى فيه يلزمه ما التزمه ولا يحتاج لإنشاء وقف لذلك. انظر الخرشي. الخامس: قال الخرشي: اللخمي: يجوز تحبيس العلو بغير إذن صاحب السفل إذ لا ضرر عليه فيه، ولا يجوز تحبيس السفل إلا بإذن صاحب العلو لما يدخل عليه من الضرر عند طلب الإصلاح، ونقل ابن عرفة أنه ليس لأحدهما أن يحبس نصيبه إلا بإذن صاحبه سفلا أو علوا. اهـ. وإن بأجرة، أي يصح وقف المملوك كان المملوك ذاتا أو منفعة كما لو ملك منفعة دار مثلا بأن استأجرها من مالكها فإنه يصح أن يقف منفعة تلك الذات المستأجرة، قال الخرشي: المشهور أنه يصح وقف المعين المؤجرة مدة استيجارها وبعد ذلك ترجع ملكا لمالكها ويرجع النقض للذي بناه. انتهى. وقوله: وإن بأجرة، اعلم أن في المسألة خلافا فقد اقتصر ابن الحاجب على المنع. والله

стр. 7608

تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن كان الملك المدلول عليه بالملوك بأجرة لكدار يقف ماله فيها من منفعة الإجارة وينقضي الوقف بانقضائها لأنه لا يشترط فيه التأبيد، ويرد على قوله: مملوك تحبيس السلاطين على الخيرات مع عدم ملكهم ما حبسوه كما في ابن عرفة، وإن كان الأحوط تجنبه كما قال سحنون. وفي التتائي عند قوله: وإن كان على محجوره عن الذخيرة: إن وقفوا على مدرسة أكثر مما يحتاج إليه بطل فيما زاد فقط لأنهم معزولون عن التصرف إلا على وجه المصلحة والزائد لا مصلحة فيه. اهـ. قوله: ويرد على قوله مملوك لخ، قال بناني: هذا لا يرد على المص لأن السلطان وكيل على المسلمين وهو كوكيل المواقف، وما ذكره ابن عرفة من صحة تحبيسهم استنبطه من سماع محمد بن خالد، لكن تأوله القرافي على ما حبسه الملوك معتقدين فيه أنهم وكلاء لا مالكون، فإن حبسوه على وجه من وجوه الخير معتقدين أنه ملكهم بطل تحبيسهم وَرُدَّ مطلقا، وبذلك أفتى العبدوسي ونقله ابن غازي في التكميل. انظره. والله أعلم. اهـ. وقال الشبراخيتي: وأشار بقوله: وإن كان بأجرة إلى صحة وقف المنفعة لمن لم يملك الذات، وهذا ما لم يكن منفعةَ حبس. ولو حيوانا أو رقيقا، مبالغة في المملوك، يعني أن المملوك يصح وقفه ولو كان حيوانا صامتا أو ناطقا، وفي الحديث أن المصطفى ﷺ قال: (من حبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده كان شبعه وريه في ميزانه يوم القيامة (١)). كما في البخاري، واستدل به اللخمي والمتيطي على تحبيس ما سوى الأرض. ابن عرفة: وهو وهمٌ شنيع في فهمه إن ضبطا حبس بالتخفيف وفي روايته إن ضبطاها بالتشديد. اهـ. واعترضه الحطاب بأنه يقتضي أن رواية البخاري حبس بالتخفيف وأن حبس بالتخفيف، ليس معناه وقف، وليس كذلك فيهما، بل روايته احتبس على وزن افتعل، وكذا نقله عنه المنذري، وفي المشارق احتبس درعه أوقفها في سبيل الله، واللغة الفصيحة حَبَّس، ويقال مخففا ومشددا اهـ فدل على أن الألفاظ الثلاثة بمعنى الوقف، وصح ما قاله اللخمي والمتيطي. انظر الحطاب. ومقابل لو في المصنف قول بالمنع حكاه

стр. 7609

ابن القصار، وحكى الكراهة غير واحد، قال ابن رشد: ومحل الخلاف في المعقب أو على قوم بأعيانهم، وأما تحبيس ذلك لينتفع بعينه في سبيل الله أو لتصرف غلته في إصلاح الطريق أو منافع المساجد أو ليفرق على المساكين وشبه ذلك فجائز اتفاقا إلا في الرقيق فيكره لرجاء العتق، وإن وقع وفات مضى وما لم يفت استحب لربه صرفه لما هو أفضل. اهـ. ابن عرفة: يريد بفوته بالحوز لا بالموت. اهـ. قاله بناني. وفي جواز وقف الثياب ومنعه قولان، والجواز لابن القاسم وأشهب. انظر الحطاب. وقال المواق: من المدونة: من حبس رقيقا أو داوبّ في سبيل الله استُعْمِلوا في ذلك ولم يباعوا، ولا بأس أن يحبس الرجل الثياب والسروج. قال مالك: وما ضعف من الدواب المحبسة في سبيل الله حتى لا يكون فيها قوة على الغزو بيعت واشتري بثمنها ما ينتفع به من الخيل لخ، وكلام ابن رشد يفيد أنه على القول بالجواز والكراهة يمضي ويلزم، وكلام الباجي يفيد اللزوم على القول بالجواز، وعلى القول بالكراهة فروايتان، اللزوم والجواز، والمراد بالجواز عدم اللزوم، وما ذكره من الروايتين باللزوم والجواز يمنع من حمل الكراهة على المنع. والله تعالى أعلم. واعلم أن من العلماء من قال: إن الخيل يجوز وقفها قولا واحدا، ومنهم من حكى فيها الخلاف. انظر الرهوني. كعبد على مرضى لم يقصد ضرره، يعني أنه يصح وقف العبد لخدمة الرضى بشرط أن لا يقصد سيده إضراره بوقفه عليهم، وأما إن قصد ذلك فإنه لا يصح وقفه بقصد الضرر بكونه على المرضى، لا بإحرامه المعتق لأن هذا لا يختص بكون الوقف على مرضى. قاله الخرشي. ومثل العبد الأمة ولا يطؤها المواقف لأن الأمة المملوكة المنافع لغير المالك لا يجوز وطؤها كالمستعارة والمستأجرة. قاله الخرشي. وقد مر جواز وطء المستأجرة عن عبد الباقي، وقال المواق: المتيطي: يجوز أن يحبس الرجل مملوكه على المرضى إذا كان ذلك من السيد على غير الضرر بمملوكه، قال ابن رشد: يكره تحبيس الرقيق لرجاء العتق فيه، فإن وقع وفات مضى، وما لم يفت يستحب لمحبسه صرفه لما هو أفضل. ابن عرفة: يريد بفوته بالحوز لا بالموت. اهـ. وقال الشبراخيتي عند قوله: ضرره: هذا الذي ذكره المص خلاف ما ذكره حلولو عن المتيطي من أن الصواب منع وقفه عليهم وإن لم يقصد ضرره. اهـ. وقال عبد الباقي لم يقصد ضرره، وعرف

стр. 7610

بالإحسان إليهم كما في كلام غيره، فإن قصد ضرره لم يصح، فإن لم يعلم قصده صح، وكلام المص شامل لذلك، ومثل العبد الأمة على إناث مرضى، وينبغي أن لا يجوز للواقف وطؤها. وفي وقف كطعام تردد، يعني أنه اختلف في وقف المثلي هل يجوز أو لا؟ ومحل الخلاف إن وقف للسلف للانتفاع به ورد مثله، وأما إن وقف لبقاء عينه فإنه يمنع اتفاقا، وسواء كان المثلي طعاما أو غيره. قال الشارح: في هذا التردد نظر لأنك إذا فرضت المسألة فيما إذا قصد بوقف الطعام ونحوه بقاءَ عينه فليس إلا المنع لأنه تحجير من غير منفعة تعود على أحد وذلك مما يؤدي إلى إفساد الطعام المؤدي إلى إضاعة المال، (وقد ورد النهي عن ذلك)، وإن كان على معنى أنه وقف للسلف إن احتاج إليه محتاج ثم يرد عوضه فقد علمت أن مذهب المدونة وغيرها الجواز، والقول لابن رشد بالكراهة ضعيف، وأضعف منه قول ابن شأس: إن حمل على ظاهره يعني المنع. اهـ. والله تعالى أعلم. فإن أراد المص بالتردد قولي الكراهة والمنع ورد عليه أنهما خلاف مذهب المدونة، وإن أراد به الجواز وعدمه ورد عليه أنه مخالف لاصطلاحه، وأما استثناء الزرقاني الدنانير والدراهم فغير صحيح لأن الجواز على مذهب المدونة عام فيها وفي غيرها، كما أن القول بالكراهة وبالمنع فيها وفي غيرها أيضا. قاله بناني. وأشار إلى أحد أركان الوقف بقوله: على أهل التملك، يعني أنه يشترط في الموقوف عليه أن يكون أهلا للتملك حسا كالآدمي أو حكما كالمسجد، لأن المسجد وإن كان لا يتأتى منه الملك يتأتى به الانتفاع ممن يصح منه التملك، وكلام المؤلف يشمل الموجود والمعدوم كالأعقاب والمسلم والكافر، فقوله: كمن سيولد، مثال للأهل أي لأهل التملك ولو في ثاني حال إذ لم يقيد صحة ذلك بحال الوقفية، فهذا منه رحمه الله تعالى إشارة إلى أن الوقف لا يشترط في صحته أن يكون الموقوف عليه موجودا يوم الوقف كمن سيولد لزيد مثلا، قال المتيطي: المشهور المعمول به صحة الوقف على الحمل، قال ابن المنذري: والروايات واردة بصحته على من سيولد، وبه استدل الجمهور على الحمل، وفي لزومه على من يولد قبل ولادته قولا ابن القاسم ومالك لنقل الشيخ، وروى محمد: فيمن حبس على ولده ولا ولد له بيع ما حبسه ما لم يولد، له ومنعه ابن القاسم قائلا: لو جاز لجاز بعد وجود الولد وموته. اهـ. وقوله: كمن سيولد له، قال الخرشي: وتوقف الغلة إلى أن يوجد ما لم يؤيس منه فلا توقف

стр. 7611

وترد الغلة والوقف للمالك، وهذا كله ما لم يحصل مانع قبل الولادة، وأما إن حصل مانع كموته فيبطل. اهـ. وسيأتي الكلام إن شاء الله على هذا عند قول المص: كعلى ولدي ولا ولد له، وقال عبد الباقي: على أهل التملك حقيقة كزيد والفقراء أو حكما كقنطرة لانتفاع المارة بها ومسجدة ومثل للأهل ثاني حال ليعلم منه بالأولى أهل التملك حين الوقف، فقال كمن سيولد فيصح ويوقف لزومه والغلة إلى أن يولد له فيعطاها ويلزم فإن أيس من حملها أو مات ببطنها أو نزل ميتا بطل ورجعت الغلة للمالك. اهـ. وقال ابن الحاجب: ولو قال: على أولادي ولا ولد له ففي جواز بيعه قبل إياسه قولان، ابن الماجشون: يحكم بحبسه ويخرج إلى يد ثقة ليصح الحوز وتوقف ثمرته فإن ولد له فلهم وإلا فلأقرب الناس إليه. التوضيح: قول ابن الماجشون قول ثالث يرى أن الحبس قد تم وإن لم يولد له رجع إلى أقرب الناس. وتحصل مما مر أن الأقوال ثلاثة لابن القاسم ومالك وابن الماجشون، فابن القاسم يقول باللزوم وإن مات قبل أن يولد له صار ميراثا، ومالك يقول بعدم لزومه فللواقف بيعه وتوقف الغلة واللزوم إلى أن يولد له فيلزم وتدفع له الغلة، وابن الماجشون يقول بأنه يحكم بلزوم الوقفية ويكون وقفا مؤبدا يجعل تحت يد عدل ليصح الحوز فإن ولد له فللأولاد الغلة والحبس وإن لم يولد له رجع لأقرب الناس إلى المحبس. والله تعالى أعلم. وذمي، عطف على مدخول الكاف فهو من أمثلة أهل التملك، يعني أن الوقف على الذمي من مسلم يصح قريبا كان أو أجنبيا لأن الوقف عليه صدقة وفي الصدقة عليه أجر، وفي نوازل ابن الحاج: من حبس على مساكين اليهود والنصارى جاز ذلك لقوله تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ولا يكون الأسير إلا كافرا. تنبيهان: الأول: اعلم أن وقف الكافر ينبغي أن يكون مثل هبته له في عدم لزومه خلاف ما مر عن الشبراخيتي من لزوم الهبة وله الرجوع عنه لأنه ليس من التظالم الذي يمنعون منه، واعلم أنه جزم النووي وإبراهيم الجرمي وابن بطال والقرطبي وابن المنير بأن الكافر إذا أسلم ومات على إسلامه وكان قبل إسلامه عمل أعمالا صالحة كصدقة وصلة رحم وما أشبه ذلك أنه يثاب عليه،

стр. 7612

وفي الحديث: (أسلمت على ما أسلفت من خير (١)) قاله الخرشي. الثاني: اعلم أنه يجب أن يتبع قول المحبس في وجوه تحبيسه، فما كان من نص جلي لو كان حيا فقال: إنه أراد ما يخالفه لم يلتفت إلى قوله ووجب أن يحكم به ولا يخالف أحد فيه إلا أن يمنع منه مانع من جهة الشرع، وما كان من كلام محتمل لوجهين فأكثر حمل على أظهر محتملاته إلا أن يعارض أظهرها أصل فيحمل على الأظهر من باقيها إذا كان المحبس قد مات ففات أن يسأل عما أراد بقوله من محتملاته فيصدق فيه إذ هو أعرف بما أراد وأحق ببيانه من غيره. انتهى. قاله ابن رشد. فعلم منه أنه إذا كان حيا وفسر اللفظ بأحد احتمالاته قبل تفسيره ولو كان خلاف الظاهر، ولا يقبل قوله في التصريح (٢) إن ادعى أنه أراد خلاف معناه. والله أعلم. قاله الحطاب. وإن لم تظهر قربة، يعني أن الوقف من مسلم على الذمي أي الذي تحت ذمتنا يصح وإن لم تظهر فيه قربة كما إذا وقف المسلم على أغنياء الذميين وأجانبهم من المواقف لأن الوقف من باب العطايا والهبات لا من باب الصدقات، وجاز إن كان لصلة رحم وإلا كره، والكراهة لا تنافي الصحة، واعلم أن المنفي ظهور القربة لا أصلها. أو يشترط تسليم غلته من ناظره، عطف على قوله: لم تظهر، لا على مدخول لم، يعني أنه يصح الوقف ولو شرط المواقف على الناظر أنه يسلم له غلة الوقف ليصرفها الواقف في مصارفها الشرعية، لأن شرط الواقف قبضَ الغلة لا يبطل حوز الوقف، ومفهوم ليصرفها أنه لو كان ليأكلها لا يكون الحكم كذلك فيبطل الشرط ويصح الوقف كذا ينبغي، نقله الخرشي، ونقل الناصر اللقاني أنه يشترط في ناظر الوقف ما يشترط في الوصي. قاله الخرشي أيضا. أو ككتاب عاد إليه بعد صرفه في مصرفه، عطف على لم تظهر فهو من حيز المبالغة، يعني أن من وقف كتابا على طلبة العلم وصرفه في مصرفه فقد صح الوقف فإذا عاد ذلك الكتاب إلى يد واقفه للانتفاع أو للحفظ فإن ذلك لا يضر في حوز الكتاب لأنه ما عاد إليه إلا بعد صحة الحوز، فالضمير في صرفه ومصرفه للكتاب، وقد نص اللخمي على أن حكم الكتب تحبس ليقرأ فيها

стр. 7613

حكم الخيل ليغزى عليها والسلاح ليقاتل به، وفي المدونة: من حبس في صحته ما لا غلة له مثل السلاح والرقيق والخيل وما أشبه ذلك فلم ينفّذها ولا أخرجها من يده حتى مات فهي ميراث، وإن كان يخرجه في وجهه ويرجع إليه فهو نافذ من رأس ماله لأنه خرج في وجهه، وإن أخرج بعضه وبقي بعضه فما أخرج فهو نافذ وما لم يخرج فهو ميراث. انتهى. قاله الخرشي. وقال بناني بعد كلام ما نصه: فأفاد أن عوده للانتفاع به كعوده للحفظ، قال ابن القاسم: فإن احتاج أن ينتفع به مع الناس فلا بأس به. انتهى. وسمع ابن القاسم: من حبس شيئا في السبيل وأنفذ فيه زمانا فله الانتفاع به مع الناس إن كان محتاجا. ابن رشد: ينتفع به فيما حبسه فيه لا فيما سواه من منافعه ولا ينافي ما قيده به اللخمي فإن الذي منعه اللخمي هو أن يتصرف فيه تصرف المالك بأن ينتفع به على غير الوجه الذي حبس فيه أو بالكراء مثلا، وما أجازه ابن القاسم هو أن ينتفع به مع الناس في الوجه الذي حبس فيه وهو ظاهر، واعلم أيضا أن المسألة مفروضة عند اللخمي وأبي الحسن وابن عرفة وغيرهم في الحبس على غير معين، ويتبين ذلك بكلام اللخمي، ونصه: الحبس أصناف: صنف لا يصح بقاء يد المحبس عليه ولا يحتاج إلى حائز مخصوص، وصنف لا يصح بقاء يد المحبس عليه ويتعين حائزه وهو الحبس على معين، وصنف يصح بقاء يده عليه إذا أنفذه فيما حبسه عليه كالخيل يغزى عليها والكتب يقرأ فيها فإذا لم يكن الحبس على معين صح أن يعود إلى يده بعد قبضه، ويختلف إذا لم يأت وقت إنفاذه للجهاد أو لم تطلب الكتب للقراءة حتى مات المحبِّس، فقيل: يبطل الحبس ولو كان يركب الدابة إذا عادت إليه لرياضتها لم يفسد حبسه ولو كان يركبها حسبما كان يفعل المالك بطل حبسه وقراءة الكتب إذا عادت إليه خفيف. انتهى كلام بناني. قوله: المسألة مفروضة في الحبس على غير معين صحيح، إذ لو كان معينا لاتفق على بطلان الحبس وهو ظاهر إذا عاد إليه قبل مضي عام، فأما لو عاد إليه بعد مضي عام لصح الوقف لما تقرر من أن الرجوع من اليد بعد حوز عام فأكثر غير مضر في التبرعات كان من حبس وهبة ونحوهما. فعلم أنه إذا كان على غير معين وأخرج فيما حبس فيه وعاد إليه قبل مضي عام فلم يخرجه حتى مات وهو بيده فإن الوقف صحيح، وقوله: وككتاب عاد إليه لخ، اعلم أن تحرير هذه المسألة أن تقول: إن الموقوف إما أن يكون له غلة أو لا، وفي

стр. 7614

كل إما أن يكون على معين أم لا، فأما إن كان على معين فإن عاد إليه قبل عام ومات وهو بيده بطل الوقف، وإن عاد إليه بعد عام فلا إشكال في صحة الوقف، وإن كان على غير معين فإن أخرج من يده في مصرفه وعاد إليه قبل عام صح الوقف على ما مر، فإن عاد إليه بعد عام فالصحة بينة، فإن لم يخرجه من يده حتى مات بطل الوقف كان على معين أو غيره، كان للموقوف غلة أم لا؟ وفي المدونة: وأما من حبس في صحته ما لا غلة له مثل السلاح والخيل وشبه ذلك فلم ينفذها ولا أخرجها من يده حتى مات فهي ميراث، وإن كان يخرجه في وجوهه ويرجع إليه فهو نافذ من رأس ماله، وإن أخرج بعضه وبقي بعضه فما أخرج فهو نافذ وما لم يخرج فهو ميراث، وأما ما حبس في صحته أو تصدق به على المساكين من حائط أو دار أو شيء له غلة فكان يليه ويفرق غلته في كل عام على المساكين ولم يخرجه من يده حتى مات لم يجز ذلك، وقال عبد الباقي: أو ككتاب عاد إليه بعد صرفه في مصرفه، أي بعد صرف جميعه كما هو المتبادر منه ولو مفرقا حتى تم فإن ذلك لا يضر في الحوز ولا يبطله، بل الوقف صحيح، فإن صرف بعضه في مصرفه صح فيه الوقف وإن قل. انتهى. وما لم يصرفه لا يصح إن كان فوق الثلث فإن كان الثلث فدون فيتبع الأكثر. انظر الرهوني. تنبيه: سئل ابن أبي زيد عمن حبس كتبا لله تعالى ثم باعها وحبسها الثاني هل يكون فوت أو ترد إلى تحبيس الأول؟ فأجاب: إن قدر على نقض البيع ورده قبل موت البائع فعل ويبقى حبسا، وإن لم يقدر حتى مات مضى البيع لفوات الحيازة ويصير حبسا بتحبيس المشتري. قاله الخرشي. وبطل على معصية، يعني أن الوقف على المعصية باطل، كمن وقف على شربة الخمر وأكلة الحشيشة وما أشبه ذلك، قال الباجي: لو حبس مسلم على كنيسة فالأظهر عندي رده لأنها معصية: كما لو صرفها إلى أهل السفه. انتهى. والمتبادر من الحكم ببطلان الوقف في هذه المسائل أنه مال من أموال الواقف يملكه ويرثه لا أنه يرجع مراجع الأحباس لأقرب فقراء عصبة المحبس. انتهى. قاله الخرشي. وفيه: ويدخل في الوقف على معصية وقف الكافر على الكنيسة لأن المذهب أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، والذي في السماع: أن وقفهم على كنائسهم باطل،

стр. 7615

وقال عياض في شرح مسلم: إن للحاكم أن لا ينفذ وقفهم سواء أشهدوا على ذلك أم لا بان من تحت أيديهم أم لا، ولهم الرجوع فيه إذا شاءوا، وهذا بخلاف عتقهم إذا بان المعتق عنهم ثم أسلموا فلا رجوع لهم، ذكره عند نبش قبور الكفار حين نبشها ﵊ حين بناء مسجده. انتهى. ثم إن قوله: على معصية، حال من الضمير المستتر في بطل العائد على الوقف قاله الخرشي. وقال بناني: قال أحمد الزرقاني: من المعصية وقف الكافر على عباد الكنيسة، أما على مرمتها أو الجرحى أو المرضى فالوقف صحيح معمول به، وإذا أراد الأسقف بيعه وصرف ثمنه في ذلك ونوزع فيه وترافعوا إلى الحاكم مع تراضيهم بحكمنا فإن للحاكم أن يحكم بينهم بحكم الإسلام من إمضاء الحبس وعدم بيعه، هذا حاصل ما عند ابن رشد، وقول أحمد: فإن للحاكم أن يحكم بينهم بحكم الإسلام، أي إذا اختاروا الحكم بينهم فلا يحكم إلا ببقائه وهو حكم الإسلام، هذا الذي تأول عليه ابن رشد سماع ابن القاسم كما نقله الناصر اللقاني: وهو مخالف لما مر عن عياض. قال عبد الباقي: ومفهوم معصية صحته على مكروه وهو كذلك، ولو اتفق على كراهته كما جزم به كريم الدين. انتهى. وقال الحطاب: وانظر الوقف على مكروه والظاهر أنه إن كان مختلفا فيه فإنه يمضي، وإن اتفق على كراهته فلا يصرف في تلك الجهة ويتوقف في بطلانه أو صرفه إلى جهة قريبة. انتهى. وقال الخرشي: ولا يبطل الوقف على مكروه كمن وقف دارا على جماعة يؤذنون بصوت واحد. انتهى. وقال الرهوني: ما جزم به عبد الباقي من صحة الوقف على المكروه المتفق على كراهته هو ظاهر كلام ابن عرفة. وحربي، يعني أن الوقف على حربي باطل وهذا من عطف الخاص على العام وكذلك الصدقة والوصية، لأن ذلك إعانة له على حربه، والمراد بالحربي من هو مقيم بدار الحرب تصدى للحرب أم لا. وكافرٍ لكمسجد، يحني أن الوقف من الكافر لمسجد من مساجد المسلمين أو رباط وسائر القرب الدينية باطل، وكذلك وقف رقبة الكافر من يملكها على خدمة مسجد باطل لأنه يدخل المسجد، وقال مالك: في نصرانية بعثت بدينار إلى الكعبة يرد إليها ولا يجعل في الكعبة. ابن عرفة: لا يصح الحبس من كافرٍ في قربة دينية ولو كان في منفعة عامة دنيوية كبناء القناطر ففي رده نظر،

стр. 7616

والأظهر إن لم يحتج إليه رد، وقوله: وكافر، بالجر مضاف إليه والضاف محذوف عطف على فاعل بطل، أي وبطل وقف على معصية ووقف كافر لكمسجد أي على كمسجد. قاله الخرشي. تنبيهان: الأول: قد مر عن الباجي أنه قال: ولو حبس مسلم على كنيسة فالأظهر عندي أن يرد لأنه صرف صدقة إلى وجه معصية محضة، كما لو صرفها إلى شرب الخمر وإعطائه أهل الفسق. انتهى. ونقله ابن عرفة: وقال عقبه عادة الأشياخ أنهم لا يقولون: الأظهر عندي، إلا فيما فيه نظرٌ ما، لا في الأمر الضروري، وردُّ هذا ضروري من القواعد الأصولية لأنه تسبب في معصية وإعانة عليها خالية عن مصلحة شرعية وما شأنه هذا حرام إجماعا. الثاني: قال عبد الباقي: وأما القرب الدنيوية كبناء القناطر وتسبيل ماء ونحوهما فيصح، واستظهر ابن عرفة أنه يرد إن لم يحتج له، وأما وقفه على غير قربة أصلا فإن كان على عباد كنيسة فباطل كما مر، وإن كان على مرمتها أو جرحى أو مرضى كفار فصحيح، أي معمول به لأن لهم مرمتها على قول، ولكنه غير لازم اتفاقا عند شيوخ عياض كما في الحطاب فله رده، وإن زعم أن جميع الأمور قرب دينية عندهم وإذا لم يردوه وأراد الأسقف بيعه ونوزع في ذلك ورفع الأمر لحاكم المسلمين ورضوا بحكمنا حكم ببقائه. انتهى. أو على بنيه دون بناته، يعني أنه إذا وقف على بنيه دون بناته فإن الوقف باطل، قال الخرشي: أي وكذلك يبطل الوقف إذا وقف على بنيه الذكور دون بناته الإناث، فلو وقفه على بناته دون بنيه صح، ولو وقفه على بنيه وبناته معا وشرط أن من تزوجت من البنات لا حق لها في الوقف وتخرج منه فإنه يكون باطلا أيضا التوضيح: وإنما بطل اتباع شرطه هنا لقول مالك: إنه من عمل الجاهلية، ولرواية ابن القاسم عنه: الشأن أنه يبطل وعلى بني بنيه دون بنات بنيه صح لأنه ليس من فعل الجاهلية، وقولهم: لأنه من فعل الجاهلية، أي يشبه فعلهم، لأن الوقف خاص بالإسلام، كما نقله النووي عن الشافعي لأن الجاهلية كانوا إذا حضرهم الموت ورثوا الذكور دون الإناث فصار فيه حرمان الإناث دون الذكور فكل موضع فيه حرمان الإناث من فعل الجاهلية وسنتهم، وأما هبة الرجل لبعض ولده ماله كله أو جله فمكروه، ويكره أيضا أن يعطي

стр. 7617

ماله كله لأولاده وليقسم بينهم بالسوية إن كانوا ذكورا فقط أو إناثا فقط، وإن قسمة بينهم على قدر مواريثهم فذلك جائز. تنبيه: ما اعتمده المؤلف هنا من بطلان الوقف على البنين دون البنات هو ما فهم في توضيحه عليه كلام مالك لكنه مخالف لا صرح به أبو الحسن من حمل الكواهة في المدونة على التنزيه، وكذا ابن ناجي وصاحب التكميل، وقال ابن هلال: العمل قديما وحديثا على ما في المدونة من إمضائه، وبه جرى العمل واستمرت الأحكام، وعقد الموثقون عقود الوثائق عليه، فما ذكره هنا خلاف المدونة وخلاف ما جرى به العمل، ومحل البطلان على ما مشى عليه المص ما لم يحكم بصحته حاكم وإن مالكيا حيث لم يكن جائرا أو جاهلا. قاله الخرشي. وقال الرهوني: والعمل قديما وحديثا إنما هو على قوله في المدونة، وبالنفوذ والإمضاء جرى العمل واستمرت به الأحكام وعقد الموثقون فيه وثائقهم ولم يزل هذا العمل مستمرا إلى وقتنا هذا، وهو مؤيد بتشهير عياض، وبكونه مذهب المدونة، فلا حرج والحمد لله. انتهى. وقال في المنتقى حين تكلم على هذه المسألة: والخلاف في هذه المسألة مبني على ما تقدم من الخلاف فيمن وهب بعض بنيه دون بعض. انتهى. وقال الشبراخيتي: والأشهر عن مالك كراهة ذلك وإجازته، وصرح أبو الحسن بأن الكراهة في المدونة على التنزيه وعليه العمل، فما هنا خلاف المدونة وخلاف ما جرى به العمل. انتهى. وقال عبد الباقي: أو علي بنيه دون بناته لصلبه، وأما وقفه علي بني بنيه دون بنات بنيه فيصح كعلي بناته دون بنيه، ثم قال بعد كلام: فقول المص دون بناته معناه ابتداء أو أخرجهن بعد تزوجهن. انتهى. وقال بناني بعد كلام ما نصه: وبما ذكرناه يتبين صحة الاعتراض على المص في تركه مذهب المدونة الذي شهره عياض، وأن ما دفعه به الزرقاني غير صحيح، ورواية ابن القاسم التي مشى عليها المص ليست في المدونة، وإنما هي في العتبية، ونصها: في الرسم الأول من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس قال مالك: من حبس حبسا على ذكور ولده أو أخرج البنات منه إذا تزوجن فإني لا أرى ذلك جائزا له. انتهى. مسألة: من البيان قال مالك: إذا قال: داري حبس على أم ولدي وزوجتي فمن تزوجت منهما لا حق لها فيها فتزوجت واحدة منهما، قال: يرجع حظها للأخرى، فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجع لها

стр. 7618

حظها، وهذا بخلاف ما لو قال: هي بينكما، فمن تزوجت فلا حق لها، فإن من تزوجت منهما رجع حظها للورثة فإن طلقها أو مات عنها رجعت لما كانت تستحق. انتهى من شرح الشامل للمدني. قال بعض مشايخي: ولعل الفرق أن لفظ بين يقتضي قسم كل نصف من الدار على واحدة بخلاف العطف. انتهى. نقله الخرشي عن الأجهوري. وقال عبد الباقي: ومفهوم بنيه دون بناته صحتة في عكسه كما مر، وكذا في بنيه وبناته دون بنات بناته، وفي بعض بنيه دون بعض بناته، وفي إخوانه دون أخواته أو وقف علي بني شخص دون بنات ذلك الشخص فيما يظهر لانتفاء العلة المذكورة. انتهى. أو عاد لسكنى مسكنه قبل عام، يعني أن من وقف دارا مثلا وحيزت عنه ثم إن الواقف عاد لسكناها بعد ذلك فإن كان عوده لسكناها قبل عام من يوم التحبيس فإن الوقف يبطل، بخلاف ما إذا عاد لسكناها بعد عام فإن الوقف يصح وينفذ، وقوله: أو عاد لسكنى مسكنه قبل عام، الوقف هنا على معين، وسواء كان الوقف مما لا غلة له أو له غلة، وأما لو كان على غير معين وعاد له قبل عام فإنه ينفذ إذا انتفع به على الوجه الذي وقف فيه، كالفرس في سبيل الله فيركبها في الجهاد أو لرياضتها، فإن الوقف ينفذ، وسواء كان الوقوف مما له غلة أم لا، وأحرى في الصحة لو عاد له بعد عام فإن لم يحز بالكلية بطل في الجميع، هذا هو تحرير المسألة كما مر عند قوله: أو ككتاب عاد إليه بعد صرفه في مصرفه، هكذا حرره الرهوني رحمه الله تعالى، قال الرهوني: وانظر إذا جهل وقت رجوعه أقَبْلَ السنة أم بعدها؟ والظاهر أنه يجري على ما يأتي في الهبة، وفيه: أن ما يقال في الهبة في المحجور وفي عودها له بإرفاق أو كراء يقال هنا. والله سبحانه أعلم. وقوله: عاد، صفة لموصوف محذوف أي وبطل وقف على معصية ووقف واقف عاد لسكنى لخ، وقوله: قبل عام، قد علمت صحته بعد عام على محجوره أو غيره، هذا هو المشهور ومقابله جار في المحجور وغيره. قاله الرهوني: وفي البناني أن طريقة ابن رشد تقول بالبطلان في عوده ولو بعد عام إذا كان على المحجور، وليس العمل عليها، ولسيدي حمدون المزوار: رجوع واقف لما قد وقفا … بعد مضي سنة قد خففا

стр. 7619

على صبي كان أو ذي رشد … واعترضت طريقة ابن رشد أو جهل سبقه لدين إن كان على محجوره، يعني أن من عليه دين ووقف وقفا على محجوره ولا يدرى هل الدين قبل الوقف أو الوقف قبل الدين؟ فإن الوقف يكون باطلا، وإن أشهد المواقف وصرف الغلة له ويباع في الدين تقديما للواجب على التبرع. قال المتيطي بعد أن ذكر أنه إن تحقق سبق الدين بطل الحبس والهبة والصدقة مطلقا: وإن تحقق سبق العطايا نفذت وبقيت الديون على الغريم وإن جهل السابق منهما فما كان من تحبيس أو هبة أو صدقة على كبير حاز لنفسه أو على صغير حاز له أجنبي بأمر من الأب فهو ماض على حسب ما عقد وتبقى الديون في ذمته، وما كان من ذلك على صغير حاز له الأب فالديون أولى من ذلك، وكذلك قال مالك في كتاب الهبة. انتهى من ابن هارون. قاله بناني. واعلم أنه إذا لم يحصل حوزٌ أو إشهاد للمحجور على ما يأتي فإن الوقف يبطل ولو علم تقدمه على الدين لحصول المانع قبل الحوز وهو الدين المحيط. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: إن كان على محجوره، قيد في هذه المسألة فقط لا فيها والتي قبلها. أو على نفسه، مني أن الوقف يبطل إذا كان على نفس المواقف خاصة اتفاقا لأنه حجر على نفسه وعلى وارثه بعد موته. قاله الشبراخيتي وغيره. وقال عبد الباقي: أو جعله على نفسه ابتداء أو بعد أن حبسه على غيره كحبس على زيد وعمر ثم بعدهما علَيَّ ثم بعدي على كذا أو سكت عما بعد نفسه. ولو بشريك، يعني أنه إذا وقف على نفسه مع غيره فإن الوقف يبطل. قال الشبراخيتي: ومصب المبالغة قوله: أو على نفسه، أي يبطل على نفسه، وأما حصة الشريك فإن حازها قبل حصول مانع صح وقفها وإلا بطل الجميع حصته هو - ولا كلام - وحصة الشريك لعدم حوزه قبل المانع. انتهى. ورد المص بلو على ابن شعبان القائل: من حبس على نفسه وغيره صح الحبس ودخل معهم. وقال ابن عرفة: الحبس على نفس المحبس وحده باطل اتفاقا، وكذلك مع غيره على المعروف، وظاهر المذهب بطلان حبس كل من حبس على نفسه وغيره إن لم يحز عنه، فإن حيز صح على غيره فقط. انتهى. وقال الرهوني: قال ابن عرفة: ظاهر المدونة

стр. 7620

بطلان كل من حبس حبسا على نفسه وغيره إن لم يحز عنه، فإن حيز صح ما على غيره ولا يرد على صحة وقف حصة الشريك إن حيزت قبل المانع قولهم: الصفقة تفسد إذا جمعت حلالا وحراما، لأن ذلك مخصوص بالمعاوضة المالية بالبيع والشراء، وكلام القرافي في تقسيم المنقطع إلى منقطع الأول وإلى غيره يقتضي صحة الوقف على غير نفسه ممن تقدم عنه أو تأخر كوقفه على نفسه ثم عقبه، فيرجع بعد موته حبسا على عقبه قاله عبد الباقي. أو على أن النظر له، يعني أن المواقف إذا شرط في وقفه أن النظر له فإن الوقف يبطل، هذا هو الذي يظهر من كلام المص وليس الأمر كذلك، بل يصح الوقف، وإنما يبطل بعدم الحوز فقط، فإذا لم يحصل مانع أخرج من يد المواقف إلى يد ثقة، وإن حصل مانع قبل ذلك بطل الوقف، هذا هو الذي قاله غير واحد، وفي المختصر الكبير: لا يجوز للرجل أن يحبس ويكون هو ولي الحبس. والله تعالى أعلم. أو لم يحزه كبير وقف عليه، معطوف بالمعنى على معصية، أي وبطل على معصية أو لعدم حوز كبير يعني أن الوقف إذا لم يحزه الكبير حتى حصل للواقف مانع من الموانع الآتية الفلس وما بعده فإن الوقف يبطل، قال الخرشي: والمعنى أن الوقف إذا كان على كبير وهو يشمل الولد والأجنبي ولم يحزه قبل موت المواقف أو قبل فلسه أو قبل مرضه الذي مات فيه فإن الحبس يبطل، وسواء كان هذا الكبير رشيدًا أو سفيها، ولهذا قال: ولو سفيها، هو مبالغة في المفهوم، أي فإن حازه الكبير صح ونفذ ولو كان هذا الكبير الحائز للوقف سفيها محجورا عليه على المذهب، قال الحطاب: وأشار بقوله: ولو سفيها، إلى أن حوز السفيه لما وقف عليه جائز على القول الراجح. وفي وثائق الباجي: أنها لا تصح قال الحطاب والخرشي: وظاهر كلام المص أن حيازة السفيه لما وقف عليه مطلوبة ابتداء وليس كذلك، بل الحائز له ابتداء وليه أو وصيه أو من يقدمه القاضي له، وإنما الخلاف إذا حاز لنفسه هل يصح حوزه أم لا؟ فالقول الراجح وهو الذي مشى عليه المص أن حيازته لما وقف عليه جائزة، والذي في وثائق الباجي أنها لا تصح. قاله ابن رشد. ونقله في التوضيح، ونقله الشارح، والخلاف في صحة حيازة السفيه وعدمها إنما هو إذا كان له ولي فإن لم يكن له ولي جازت حيازته اتفاقا، وأما حيازة وليه له

стр. 7621

فهي جائزة بلا خلاف، بل هي المطلوبة ابتداء، ويفهم ذلك من قول المؤلف الآتي: إلا لمحجوره. انتهى. واعلم أن حوز الصغير كَافٍ على الراجح قال في التحفة: ونافذٌ ما حازه الصغيرُ … لنفسه وبالغٌ محجورُ وأما قول المص: أو ولي صغير، فيشير به إلى أن الحكم ابتداء في الصغير أن يحوز له وليه، قال الحطاب: فلو حاز لنفسه لصح حوزه كالسفيه، فحكم الصغير كالسفيه، قال في كتاب الطرر: ومن تصدق على صغير من أب أو غيره ثم أسلم الصدقة إلى ذلك الصغير وحازها في صحة المتصدق بها فإنها حيازة تامة، وإن كان الحائز صغيرا، وتنفذ الصدقة إلا أنه يكره ابتداء أن يحوز الصغير، فإن وقع نفذ. انتهى. ومعنى قوله: أو وَّلي صغير، أن الوقف إذا كان على صغير واستمر بيد المواقف ولم يحزه ولي الصغير إلى أن مات المواقف مثلا فإن الوقف يبطل، وقد علمت أنه لو حازه الصغير لنفسه لنفذ. والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي: حوز الصغير المميز كاف على المعتمد ولو فيما وقَفَه وليُّه عليه، وانظر إذا لم يميز وحاز. انتهى. وليس لولي الصغير أو السفيه الامتناع من قبول ما وهب للمحجور أو تصدق به عليه أو وقف عليه لأنه الواجب عليه. أو لم يخل بين الناس وبين كمسجد، يعني أن من وقف مسجدا أو قنطرة وما أشبه ذلك ولم يزل واضع اليد على ذلك إلى أن فلس مثلا فإن الوقف يبطل، اللخمي: حوزُ المساجد والقناطر والواجل والآبار رفع يد المحبس عنها وتخليته بين الناس وبينها، فإذا مات قبل التخلية لم يحصل فيها الحوز وبطل وكان ميراثا، ويستفاد من كلام ابن عرفة وابن الحاجب وغيرهما أن حوز التخلية يكون الشيء حبسا بمجردها وإن لم يحصل من المحبس صيغة الحبس، فقول المؤلف: بحبست، في غير هذا، ثم كلام المص فيما إذا حصل التحبيس في الصحة، فإن حصل في المرض فإنه يخرج من الثلث، قال في الرسالة: ولا تتم صدقة ولا هبة ولا حبس إلا بالحيازة، فإن مات قبل أن يحاز عنه فهو ميراث إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث إن كان لغير وارث. قاله الخرشي. وقال الحطاب: قال في الشامل وصح الحوز بوكالة من محبس عليه وإن بحضوره وإن قدَّم الواقف من يحوز له جاز، وفي الهبة والصدقة يجوز للغائب فقط انتهى ويأتي

стр. 7622

لهذا الكلام مزيد بيان قريبا إن شاء الله تعالى. وقال عبد الباقي عند قوله: أو لم يخل بين الناس وبين كمسجد ما نصه: والتخلية فيما ذكر حوز حكمي، وفي المسألتين قبله حوز حسي فتغاير المعطوف والمعطوف عليه. قبل فلسه وموته ومرضه، يتنازعه يُحَزْ ويخل، يعني أن الحيازة التي هي شرط في صحة الحبس إنما تكون قبل حدوث واحد من هذه الثلاثة للواقف، فإن بقي بيده إلى أن فلس بطل الوقف وبيع للغرماء، وكذا إذا لم يخل بين الناس وبين كمسجد حتى فلس فإنه يباع للغرماء، وما قيل في الفلس يقال في الموت وفي المرض المتصل بالموت، والمراد بالفلس الإحاطة، كما في الهبة "وبطلت إن تأخر لدين محيط" لأنه لا فرق بين الهبة والصدقة والوقف، فمتى تأخرت الحيازة حتى حصل للواقف واحد من هذه الأمور بطل الوقف لعدم التمام لحق الغرماء في الأول ولحق الورثة في الأخيرين، والضمير في فلسه وموته عائد على الواقف، وفي مرضه عائد على الموت أي ومرض موته ومرض الموت لا يكون إلا متصلا بالموت، فلله در المص ما أدق إشارته وألطف عبارته، وكم له مثل هذا من الصناعة العجيبه، والإشارات اللطيفة الغريبة، ومعنى كلام المص كما مر أن من حبس في صحته على معين أو غيره ولم يحز عنه - والتخلية حوز حكما - حتى حصل مانع من أحد الثلاثة فإن الوقف يبطل، فأما من تبرع في مرضه بشيء من التبرعات فإنه لا يحتاج لحيازة بل ينفذ من الثلث، واعلم أن من حبس في صحته واطلع عليه قبل حصول مانع فإنه يجبر على التحويز وليس له إبطاله إلا أن يشترط لنفسه الرجوع عنه أو البيع إن احتاج فيعمل بشرطه، فإن لم يشترط ذلك في أصل الوقف لم يكن له إبطاله خلاف ما توهم متوهم أن له إبطاله عند كبر سنه، ومراد المص بالبطلان قبل الثلاثة المذكورة عدم التمام لا حقيقته لأن ذلك حق للغرماء في الأول وللورثة في الأخيرين، فإن أجازوه مضى، ومفهومُ قوله: لم يحزه: أنه لو حازه من ذكر قبل المانع لصح ويشترط معاينة البينة لقبض المحبس عليه ولو بدفع المفاتيح له أو عقد الكراء أو المزارعة إن كانت بياضا أو دفع عقد المساقاة إن كانت سوادا، ولا يكتفى بإقرار المحبس. قاله عبد الباقي. وقوله: ويشترط معاينة البينة، قال في المدونة: ولا يقضى بالحيازة إلا في معاينة البينة لحوزه في حبس أو رهن أو هبة أو صدقة، ولو أقر المعطَي في صحته أن المعطى قد حاز وقبض وشهدت عليه بإقراره بينة ثم مات لم يقض بذلك إن أنكر ورثته

стр. 7623

حتى تعاين البينة الحوزَ. انتهى. وقال في المتيطية: ويصح حوز الحبس بعقد كرائه أو زراعته إن كان بياضا أو مساقاته إن كان سوادا، ويستغنى بذلك عن معاينة الحوز، وهذا هو المشهور وبه العمل، ودفع مفاتح الدار إلى المتصدق عليه حوز. قاله في سماع يحيى. ونحوه في ابن سلمون. قاله بناني. قوله: ومرضه، دخل في المرض الجنون، قال في المتيطية: قال ابن القاسم في العتبية: وكذلك إن فقد عقله قبل أن تحاز عنه الصدقة بطلت، يريد إلا أن يرجع إليه عقله قبل أن تحاز الصدقة عنه أو يصح من مرضه فتنفذ الصدقة وتؤخذ منه، وفي التوضيح: حوز غير المحبس عليه بوكالة يكفي حضر أو غاب، وبغيرها فإن غاب وجعل الواقف أو الواهب ذلك بيد حائز حتى يقدم جاز، وإن حضر جاز تقديم المحبس من يحوز له ويُجري الغلة عليه ولا يجوز ذلك في الهبة والصدقة. انتهى. ونحوه لابن سلمون، وفي المدونة: أن من تصدق على رجل بدراهم وجعلها بيد غيره والموهوب له عالم حاضر جائز الأمر فلم يقم ولا قبض حتى مات الواهب فذلك نافذ إن لم يكن نهى الذي بيده عن دفعها إليه إلا بأمره، فإن نهاه فهي لورثته، وإن لم ينهه فللمعطى أخذها بعد موته وفي حياته. انتهى. إلا لمحجوره، مستثنى من قوله: أو لم يحزه، يعني أن الولي إذا وقف على محجوره وبقي الموقوف بيد الولي فإنه يصح وقفه عليه وينفذ، وسواء كان المحجور صغيرًا أو سفيها، كان الولي أبا أو غيره، وإنما يصح ذلك بشروط أشار إلى أولها بقوله: إذا أشهد، يعني أنه إذا بقي الموقوف بيد الواقف إلى أن حصل له مانع وكان الوقف على محجوره فإنما يصح إذا أشهد الواقف بأصل الوقف ليكون بذلك حائزًا لمحجوره، وتحقيق هذا أن الوقف إذا كان على معين فإنه لا بد فيه من الحوز الحسي إلا أن يكون الموقوف عليه محجورا للواقف فإنه يكفي حينئذ الحوز الحكمي وهو الإشهاد وما معه من قوله: وصرف الغلة له لخ، قال الخرشي: وسواء كان الحائز الأب أو الوصي أو المقام من قبل الحاكم فيصح الوقف، ولو كان تحت يد الحائز إلى موته أو إلى فلسه أو إلى مرضه الذي مات فيه لكن الصحة تكون بشروط ثلاثة، الأول: أن يشهد الواقف على الحبس قبل حصول المانع ولا بد من معاينة البينة لذلك الإشهاد، فلا يكفي إقرار الواقف لمنازعة الغرماء أو الورثة، ولا يشترط أن يقول: المواقف عند الإشهاد على الوقفية رفعت يد الملك ووضعت يد

стр. 7624

الحوز ونحو ذلك، فقوله: أشهد أي على الوقف لا على الحيازة فإنه لا يشترط. انتهى كلام الخرشي. وقال الرهوني: وكذا لا يشترط أيضا أن يقول في الوثيقة: وحاز لهم ذلك حتى يبلغوا مبلغ القبض لأنفسهم فيحوزوا كما في نوازل الأحباس من المعيار. انتهى. وقال الشبراخيتي: إذا أشهد على التحبيس على المحجور وليس المراد أنه أشهد أنه يحوز للمحجور. انتهى. وقال الحطاب: قال في الشامل: وفي حوز الحاضر ثالثها إن كان أما أو جدة أو جدا صح، والنصوص ليس بحوز مطلقا. انتهى. الشرط الثاني أشار إليه بقوله: وصرف الغلة له، يعني أنه يشترط في صحة وقف الولي على المحجور مع الإشهاد أيضا أن يصرف الغلة للمحجور أي يثبت أنه صرف الغلة له أو يحتمل أنه صرفها له، فإن تحقق عدم صرفها له بطل الوقف، قال الحطاب: فلو شهدت بينة أن الأب صرف الغلة في مصالح نفسه فالمشهور البطلان. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: وصرف الغلة له أي كلها أو جلها قياسا على الهبة، أما إذا لم يصرف الغلة له أو لم يصرف له إلا الأقل أو النصف بطل الوقف. انتهى. يعني بطل نصفه في مسألة النصف. والله تعالى أعلم. الشرط الثالث أشار إليه بقوله: ولم تكن دار سكناه، يعني أن الولي إذا وقف على محجوره وبقي الوقف بيده إلى أن حصل مانع للواقف فإنه يصح وينفذ بشرط الإشهاد وصرف الغلة للمحجور عليه في غير دار سكنى المواقف، وأما إن كان الموقوف دار سكنى الواقف فلا يصح وقفها على محجوره إلا بعد مشاهدة البينة لها فارغة من شواغل المحبس، لكن ظاهره أنها إذا كانت دار سكناه بطل الوقف مطلقا وليس كذلك، بل يجري على الهبة وكذا لو صرف الغلة أو جلها للمحجور وأكرى له جل دار سكناه صح في الجميع والنصف فلكل حكمه، وإن سكن لنفسه أو استغل لنفسه الأكثر بطل الجميع، وبقي على المص شرط رابعٌ للصحة، وهو: أن لا يكون ما حبسه عليه مشاعا، فإن كان مشاعا ولم يعين له حصته حتى مات بطل وصار إرثا بينه وبين إخوته الرشداء، وخامس على أحد قولين، وهو: أن يكري الأب لمحجوره ما حبسه عليه، فإن تركه بغير كراء بطل على أحد قولين، والآخر لا يبطل؛ وفهم من كلامه أن حيازة الأم ما حبسته على ولدها غير معتبرة. انتهى. قاله عبد الباقي. إلا أن تكون وصية، قال الرهوني: قول عبد الباقي: وبقي على المص شرط رابع

стр. 7625

للصحة، وهو: أن لا يكون ما حبسه عليه مشاعا فيه نظر، بل ما فعله المص من إسقاط هذا الشرط هو الصواب لمواقفته لقول مالك وابن القاسم المصرح بهما في غير ما موضع من العتبية، وفي المنتقى: ومن تصدق على ابنه الصغير أو وهبه نصف غنمه أو نصف داره أو نصف عبده مشاعا، قال القاضي أبو محمد: فيها روايتان إحداهما الجواز والأخرى البطلان، ومعنى ذلك أن من تصدق بجزء من ذلك وترك بقية لنفسه أو جعل الباقي للسبيل فحاز ذلك الأب حتى مات ففي كتاب محمد والعتبية: ما كان للابن فهو نافذ ويبطل ما كان للسبيل، رواه أصبغ عن ابن القاسم، ورواه أشهب في المدونة عن مالك، وقال أصبغ: أرى أن يبطل ذلك كله في المسألتين جميعا ولا شيء للابن ولا للسبيل. انتهى. ولا يصح حمل المدونة على قول أصبغ، لأنه بنى ذلك على مذهبه من أن الحوز في المشاع لا يصح إلا في الأجنبي والابن الرشيد، وقوله في ذلك شاذ، والراجح المعمول به خلافه، ومذهب المدونة في هذا خلاف قول أصبغ. انتهى. ثم جلب من النقول على عادته مما يدل على ما للمص ما لا مزيد عليه، والحاصل منها: أن الراجح المعمول به المشهور صحة حوز المشاع فيحوزه الأب بما يحوز لمحجوره وكذا غيره من الأولياء ويحوز غير من ذكر مع بقاء يد المتبرع بأن يبقى تحت يد المتبرع ويد المتبرَّع عليه. وفي الرهوني بعد جلب كثير من النقول: فتحصل مما سبق كله أن الولي كالأب ونحوه إذا تصدق على محجوره بجزء شائع من ماله أووهبه له أو حبسه عليه وأبقى الباقي لنفسه أو جعله في السبيل مثلا فحيازته له في غير دار السكنى وما ألحق بها صحيحة على الراجح، لأنه الذي نسبه ابن سهل لابن القاسم في موضعين من المدونة، ولمالك في العتبية والواضحة، ولكافة أصحابه، ونسبه الباجي لمالك في المدونة، وابن القاسم في العتبية، ولم يعز مقابله إلا لأصبغ، ونسبه ابن هلال لظاهر فتوى ابن عات، وصريح فتوى ابن مالك، ونقلِ ابنِ سهلٍ عن الأكثر، ولم يعز مقابله إلا لأصبغ، ونسبه ابن رشد لابن القاسم وروايته عن مالك، ولابن الماجشون، ولم يعز مقابله إلا لأصبغ، وعزاه الرجراجي لابن القاسم وأشهب، ولم يعز مقابله إلا لأصبغ، وأخذ من تصريح الأئمة بأن ما جرى في الجزء الشائع إذا كان لأجنبي أو للابن الرشيد يجري في هذا أنه المشهور المعمول به، وأن قول أصبغ شاذ لم يصحبه عمل. انتهى. وقال بناني: وفي البيان: اختلف فيمن تصدق بجزء شائع من

стр. 7626

ماله على ولده الصغير هل تصح حيازته له؟ على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها جائزة سواء أبقى الباقي لنفسه أو تصدق به على كبير أو في السبيل وهو قول مالك، والثاني: أن حيازته له غير جائزة وهو قول أصبغ، والثالث: إن أبقَى الباقي لنفسه أو تصدق به في السبيل فحيازته جائزة، ولا يجوز إن تصدق به على كبير إلا أن يحوز الكبير لنفسه وللصغير، وهو قول ابن القاسم في العتبية. انتهى. ولا فرق على مذهب المدونة بين الحبس والصدقة في ذلك. انتهى. قال الرهوني: ليس الأمر كذلك، بل هي خاصة بالهبة والصدقة، وقد صرح بذلك ابن رشد في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الحبس، فإنه قال: فهي ثلاثة أقوال، قول مالك: وقول أصبغ، وقول ابن القاسم، والحبس خارج عن هذا كله لا اختلاف في أنه إذا حبس علي بنيه الصغار والكبار فلم يحز الكبار بطل نصيب الصغار من أجل أن القسمة فيما بينهم لا تصح من أجل أنهم لا يثبت نصيبهم على شيء واحد. انتهى. واعلم أنه لا خلاف أنه يجوز بيع جزء شائع من الغنم مثلا، كما أنه لا خلاف أنه لا يجوز بيع عشرة من الغنم من مائة منها من غير تعيين، واختلف في جواز حيازة الأب للابن فيما إذا تصدق عليه بعدد من غنمه أو خيله، فقيل: حيازته لا تجوز حتى يعين العدد باسم أو سمة، وهو لمالك في الموازية والعتبية، وبه قال ابن القاسم ومطرف، قال أصبغ: وقد كان مالك يقول: إن ذلك جائز، قال ابن حبيب: وبه أخذ ابن وهب وابن عبد الحكم وابن الماجشون والمغيرة وابن دينار، وفي المسألة ثلاثة أقوال: الجواز فيهما، الجواز في الجزء الشائع وعدم الجواز في العدد، عدم الجواز فيهما. تنبيه: قال الشبراخيتي عند قوله: ولم تكن دار سكناه، ومثل السكنى اللبس، والظاهر أن الانتفاع به بركوب ونحوه إلى أن مات كذلك. انتهى. أو على وارث بمرض موته، يعني أن الوقف على الوارث بمرض موت المواقف باطل وسواء حمله الثلث أم لا أم لا لأنه وصية بوقف على وارث، والوصية للوارث باطلة لقوله صلى الله عليه (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (١)). فإن صح المواقف بعد ذلك ثم مات صح الموقف،

стр. 7627

وقوله: أو على وارث بمرض موته سواء وقف على بعض الورثة أو على جميعهم. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: أو وقف على وارث بمرض موته أي المرض الذي عقبه الموت ولو خفيفا فيبطل الوقف ولو حمله الثلث، لأنه كالوصية ولا وصية لوارث، ثم محل بطلانه إذا لم يجِزهُ باقي الورثة، فإن أجازوه لم يبطل، ولذا كان دخول الأم والزوجة فيما للأولاد في الآتية محله حيث لم تجيزا فإن أجازتا لم تدخلا. انتهى. وقال الشبراخيتي: وكلام الشارح يفيد أن المرض الذي يعقبه الموت إذا تصرف فيه وكان حال تصرفه غير مخوف أنه كتصرفه في حال صحته وهو ظاهر كلامهم كالمص في باب الحجر، وفهم منه أنه لو لم يكن مرض موته بأن صح منه ثم مات لم يبطل وهو كذلك، وكذا لو وقف في صحته. انتهى. ثم استثنى من عدم صحة وقف المريض على الوارث المسألة المعروفة بمسألة ولد الأعيان وهي من حسان المسائل وقل من يعرفها فقال: إلا معقبا خرج من ثلثه فكميراث للوارث، قال أبو محمد: اعلم أن هذه المسألة من المسائل التي يتسع فيها المقال، ويتفرعُ فيها السؤال، يعني أنه إذا وقف في مرض موته على ورثته والثلث يحمل وقفه والحال أنه عقَّبَ وقفه بأن قال: هو وقف على أولادي وعقبهم، فإنه يصح وينفذ، ولا يبطل ما ناب أولاد الأعيان لتعلق حق الغير بالوقف، لأن أولاد الأعيان إذا ماتوا رجع الوقف لأولاد الأولاد، فإذا صح الوقف على هذا الوجه كان ما بأيدي أولاد الأعيان وقفا لا ملكا، ويأخذ الذكر مثل حظ الأنثيين، وإليه أشار بقوله: فكميراث للوارث، ويدخل في الوقف جميع الورثة، فقوله: إلا معقبا، هو شرط في صحة الوقف، وقوله: خرج من ثلثه من ابتدائية، ومعناه أنه يصح كله إن حمله الثلث، فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه صح منه ما حمله الثلث وبطل ما لم يحمله الثلث إلا أن يجيزه الورثة، وقوله: فكميراث للوارث، إشارة إلى أنه ليس ميراثا على الحقيقة فهو كالميراث بالنسبة للغلة في كون الذكر له مثل حظ الأنثيين، وأما الرقاب فلا يتصرفون فيها تصرف الملاك بل هي وقف، ومثل للمسألة بقوله: كثلاثةِ أولادٍ وأربعةِ أولادِ أولادٍ، يعني أنه إذا وقف في مرض موته على ولده وعقبهم وله ثلاثة أولاد لصلبه وأربعة أولاد أولاد، ثم مات وخلف السبعة وترك أمه وزوجته، فإن الوقف يقسم على سبعة أسهم، لأولاد الصلب الثلاثة ثلاثة أسهم وهو بأيديهم كالميراث للذكر مثل حظ

стр. 7628

الأنثيين، ولكونه وقفا لم يبطل ما ناب أولاد الصلب لتعلق حق غيرهم به، فتدخل فيه الأم والزوجة وغيرهما من الورثة، فتأخذ الأم سدس الغلة إرثا وتأخذ الزوجة ثمنها، والباقي من الأسهم الثلاثة يقسم بين أولاد الصلب الثلاثة، ولأولاد الأولاد أربعة أسهم، فالأسهم السبعة أربعة منها لأولاد الأولاد، وثلاثة سدسها للأم، وثمنها للزوجة، والباقي يقسم أثلاثا بين أولاد الصلب للذكر مثل حظ الأنثيين أو بالسوية إن كانوا ذكورا فقط أو إناثا فقط. فقوله: وعقّبه، بتشديد القاف أي قال: وقف على ولدي وعقبهم، وقوله: وترك أما وزوجة، أي ترك بعد موته مع السبعة المذكورين أما أي أما للواقف وزوجة له، فإنه يقسم جميع الموقوف على السبعة القسم المذكور، وإذا قسم فإن الزوجة والأم تدخلان فيما للأولاد، فتأخذان السدس والثمن، والباقي يقسم بين الأولاد القسم المار، وسواء كان الولد ذكورا أو إناثا أو ذكورا وإناثا، وسواء قال المواقف للذكر مثل حظ الأنثيين أو لا، وهذا إذا منعتا وأما إن أجازتا فلا تدخلان. وأربعة أسباعه لولد الولد وقف، فالذكر والأنثى فيه سواء إن لم يشترط فيه فضلا، وهذا هو نكتة قوله: لولد الولد وقف، وحاصل المسألة أن الموقوف في المرض المذكور يقسم ابتداء على سبعةٍ عددِ الرؤوس، لأولاد الأعيان ثلاثة، ولأولاد الأولاد أربعة، ثم تقسم الثلاثة التي لأولاد الأعيان للذكر مثل حظ الأنثيين، وتدخل فيها الأم والزوجة، للأم سدسها، وللزوجة ثمنها، فتقسم من أربعة وعشرين مخرج الثمن والسدس، للأم سدسها أربعة، وللزوجة ثمنها ثلاثة، تبقى سبعة عشر لا تنقسم على أولاد الأعيان الثلاثة، فتضرب عدد رؤوسهم في أربعة وعشرين تبلغ اثنين وسبعين، ومن له شيء من أربعة وعشرين أخذه مضروبا في ثلاثة عدد رؤوس الأولاد، فللزوجة تسعة، وللأم اثنا عشر، ولأولاد الأعيان الثلاثة سبعة عشر في ثلاثة بواحد وخمسين، فلكل واحد سبعة عشر. واعلم أنه إذا قال: وقف على أولادي وأولاد أولادي، فإن الوقف صحيح وإن لم يقل: وعقبهم، لأن ذلك الأول يفيد التعقيب، فلا معنى لقول عبد الباقي: فإن لم يقل: وعقبهم، بأن قال: وقف على أولادي وأولاد أولادي بطل على الأولاد وصح على أولاد الأولاد. انتهى كلام الرهوني. وعلم مما قررت أنه يقسم أولا على حكم الوقف فيسوى فيه بين الذكر والأنثى، ثم ما ناب أولاد الأعيان تقسم غلته على حكم الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وتدخل فيه الأم والزوجة، وسواء

стр. 7629

أطلق أو سوى بين الذكر والأنثى، أو شرط للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن شرطه لا يعتبر فيما ناب أولاد الأعيان، لأنهم لا يأخذون على حكم الوقف، وإنما يأخذون على حكم الميراث، ولهذا قال: فكميراث للوارث. قاله عبد الباقي. فإن حبس على الأم والزوجة مع من ذكر فإنه يحسب رؤوسهما في القسم أولا بين الأولاد وأولاد الأولاد، ويقسم ما ناب الأولاد والزوجة والأم على حكم الميراث، واعلم أنه إن لم تجز الزوجة والأم الوقف في مسألة المص هو حيث تدخلان فيما للأولاد: وأما إن أجازتا فلا شيء لهما من الوقف أصلا، لأن المحبس لم يدخلهما في الوقف. قاله بناني. والله تعالى أعلم ومفهوم قول المص: إلا معقبا، بأن عين الأولاد الموقوف عليهم، فإن الوقف باطل وهو داخل فيما قبل الاستثناء، وفي نقل المواق: واعلم أنه إذا حبس على ولده وولد ولده والتلث يحمل ذلك كان ذلك حبسا على غير وارث وهم ولد الولد وعلى وارث وهم الولد، فنحن لا نقدر أن نبطل ما كان للولد من ذلك لأن فيه شركاء ليسوا بورثة من ولد الولد وما تناسل من الأعقاب، فلم يكن بد من إيقاف ذلك على معاني الأحباس، إلا أن ما صار من ذلك بيد ولد الأعيان دخل فيه بقية الورثة من أم وزوجة وغيرهم إن لم يجيزوا فيدخلون في تلك المنافع، إذ ليس لوارث أن ينتفع دون وارث معه، إذ لا وصية لوارث، وما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس، قال سحنون وابن المواز: إذا كانت حالتهم واحدة وإلا فعلى قدر الحاجة. انتهى. وهذا هو الذي شهره في البيان، وصرح في الأجوبة: بأن العمل بخلافه، ونصها: والذي جرى به العمل أن يقسم بينهم على السوية، الذكر والأنثى، والغني والفقير. انتهى. ابن عرفة: وفي قسمه بالسوية مطلقا أو إن استوت حالهم أي وإلا فعلى قدر الحاجة قولان، وقال المواق: إذا قال: وقف على ولدي، ثم على عقبه، فلا شيء للعقب حتى يموت الولد، بخلاف لو قال: على ولدي وعقبه، قال الباجي: لأن ثم للترتيب، وأما الواو فهي للجمع فاقتضى الشركة. انتهى. وقال بناني بعد كلام التوضيح فإن شرك المريض الوارث مع غيره فذلك لا يوجب صحة الوقف مطلقا، وإنما يصح منه ما للأجنبي، وما خص الوارث فميراث على جهة الملكية إن لم يكن معقبا وإن كان معقبا، رجع النصيب الموقوف بين جميع الورثة، ولا يبطل الوقف بسبب ما فيه من التعقيب. انتهى. ما نصه: ويعني أن غير المعقب يقسم فيه الحبس بذاته، فما ناب الأولاد يكون ذاته ميراثا، وما

стр. 7630

ناب أولاد الأولاد يكون حبسا، وأما المعقب فإنما تقسم غلته، وأما ذاته فحبس كلها، وقد فرض المص وغيره المسألة مع تساوي الدرجة لعطفه بالواو والمرتب كالمعطوف بثم مثله كما في العتبية، فيكون لأولاد الأعيان إرثا وتدخل فيه الأم والزوجة معهم لكن لا شيء لأولاد الأولاد لأجل الترتيب. انظر المواق. انتهى. وكلام البناني هذا يوهم تسليم كلام عبد الباقي الذي مر نقد الرهوني له: والصواب ما تقدم عن الرهوني، لأن لفظ ولدي تعقيب فكيف بلفظ ولدي وولد ولدي، وكلام التوضيح لا يدل لشيء من كلام عبد الباقي، ولم يتسع المحل لجلب النقول في ذلك. وانتقض القسم بحدوث ولد لهما، يعني أنه إذا حدث ولد أو أكثر لواحد من الفريقين الأولاد وأولاد الأولاد فإن القسمة تنتقض، لأنها كانت من سبعة فصارت من ثمانية، ومن تسعة إذا حدث اثنان، وهكذا، وهذا مما لا خلاف فيه. قاله عبد الباقي. كموته علي الأصح، يعني أنه ينتقض القسم بموت واحد من الفريقين الأولاد وأولاد الأولاد، هذا هو الأصح، قال المواق: قال ابن يونس: اختلف إن مات واحد من ولد الأعيان، فقال ابن القاسم وابن المواز وسحنون: ينتقض القسم كما ينتقض بحدوث ولد لولد الأعيان أو لولد الولد، ويقسم جميع الحبس على عدد بقية الولد وولد الولد، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس، وما صار لولد الأعيان أخذت الأم سدسه والزوجة ثمنه، وما بقي قسم على ثلاثةٍ عددِ أصل ولد الأعيان، فيأخذ الحيان سهميهما، وورثة الميت منهم سهما تدخل فيه أمه وزوجته إن كانت له زوجة وولده، وهو أحد ولد الولد، فيصير فيه لِولدِ هذا الميت نصيبٌ بمعنى الحبس من جده في القسم الأول والثاني ونصيب بمعنى الميراث، وروى عيسى: لا ينتقض القسم. انتهى. وقال عبد الباقي: على الأصح من قولي ابن القاسم وهو مذهب المدونة، ولذا أتى بالكاف، فيختص الخلاف بما بعدها على قاعدته الأكثرية. انتهى. وفيه نظر، فإن الذي نسب لظاهر المدونة هو مقابل الأصح، ونص المدونة: وإذا مات أحد ولد الأعيان قسم نصيبه على من بقي من ولد الأعيان وعلى ولد الولد لأنهم هم الذين حبس عليهم، ثم تدخل الأم والزوجة وورثة الميت من ولد الأعيان في الذي أصاب ولد الأعيان من ذلك على فرائض الله. انتهى. وعلى الأصح الذي مشى عليه المص اقتصر ابن الحاجب، وقوله: كموته

стр. 7631

على الأصح، قال عبد الباقي: فإذا مات واحد من ولد الأعيان فالقسمة من ستة، لهم سهمان من ستة، للأم منهما السدس، وللزوجة منهما الثمن، والباقي يقسم على ثلاثة، الاثنين الباقين من أولاد الأعيان، وعلى أخيهم الذي مات، فإنه يُحيَى بالذكر تقديرا، ولكن نصيبه لوارثه مفضوض على الفرائض، وكذا لو مات ثان، فلو مات أولاد الأعيان كلهم رجع الحبس جميعه لولد الولد وقفات مع رجوع ما بيد الزوجة والأم، لأن أخذهما إنما كان تبعا للأولاد، وإن كان الميت واحدا من ولد الولد صار لأولاد الأعيان النصف ولأولاد الأولاد النصف، فإن انقرض أولاد الأولاد رجع الحبس كله لأولاد الأعيان وللأم والزوجة مقسوما على الميراث، وليس لهم تصرف فيه ببيع ونحوه، فإن انقرضت السبعة رجع مراجع الأحباس كما يأتي في قوله "ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس". لا الأم والزوجة، بالجر عطف على موته، يعني أن زوجة المواقف أو أم المواقف إذا ماتت واحدة منهما فإن القسمة لا تنتقض ويكون ما بيد من مات منهما لورثتهما على الفرائض أي بالنسبة للغلة، وأما الرقاب فهي على وقفيتها المتيطي: فإن ماتت أم المحبس أو زوجته أو أحد من ورثة الابن الميت ممن لم يدخل في الحبس فنصيبه بين ورثته على فرائض الله تعالى، لا يدخل فيه غيره، ولا تنتقض القسمة بموته. انتهى. قال عبد الباقي: فإن لم يكن للأم أو الزوجة وارث فنصيبهما لبيت المال. انتهى. ونحوه للخرشي. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: تأمل هذا فالذي يظهر أنه غير صحيح، لأنه يرث الأم أولاد المواقف، فكيف يقول: ولا وارث لهما، نعم يصح ما قاله في زوجة الواقف التي ليست أمَّا للموقوف عليه، وقد مر النقل أنه إذا مات أحد الأولاد يصير لولده نصيب بمعنى الحبس ونصيب بمعنى الإرث. تنبيه: وقع في كلام عبد الباقي والخرشي عند قوله: لا الزوجة والأم، أنه إن ماتت الأم أو الزوجة يرجع منابها وقفا على ورثتها. انتهى. وتعقبه بناني بأن قوله: وقفلا الصواب إسقاطه، قال: وإنما يرجع لهم ملكا. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والذي يظهر لي أن كلام عبد الباقي والخرشي صحيح، ومعنى وقفا عندهما أن الرقاب باقية على وقفيتها، والغلة هي التي تكون ملكا فتقسم على الفرائض والله أعلم فيدخلان فيما للأولاد، هذا مرتب على قوله:

стр. 7632

وانتقض القسم بحدوث ولد لهما، أي وإذا انتقض القسم بحدوث ولد لأولاد الأولاد أو ولد لأولاد الأعيان فإن الزوجة والأم تدخلان فيما للأولاد، فيحصل لهما النقص بسبب حدوث الولد. ودخلا فيما زيد للولد، يعني أنه إذا مات بعض أولاد الأولاد واحدا أو أكثر فإن الزوجة والأم تدخلان فيما زيد لأولاد الأعيان بسبب موت واحد أو أكثر من أولاد الأولاد، وكذا تدخلان فيما زيد لأولاد الأعيان بالموت من الفريقين، كموت واحد من أولاد الأعيان، واثنين من أولاد الأولاد، فعلم أن قوله: فتدخلان فيما للأولاد، معناه يحصل لهما النقص الحاصل للأولاد، وأن قوله: ودخلا فيما زيد للولد تحصل لهما الزيادة بسبب ما زيد للولد، فلا تكرار، لكن لو اقتصر على قوله: فيدخلان، لكفى، أي فيدخلان فيما للأولاد حصل نقص أو زيادة؛ قوله: خرج من ثلثه، أي خرج جميع ما حبسه من ثلثه، قال أحمد: وهذا واضح حيث كان الحبس على بعض الورثة، فإن كان على جميعهم فانظر هل هو كذلك أم لا؟ نقله عبد الباقي، قال: ومراده أنه حبس على جميعهم ولم يكن فيهم غيرهم في الحبس بدليل ما قدمناه إذا حبس على جميعهم وعلى الأم والزوجة. انتهى. قال الرهوني: إنما يظهر وجه التوقف إذا حبس الثلث على جميعهم على قدر إرثهم، وأما على غير ذلك فلا وجه له، ثم لا محل للتوقف مع وجود النص، ففي تبصرة اللخمي: قال محمد: فيمن حبس داره في مرضه على جميع ورثته فلم يدخل غيرهم معهم فليس بحبس إن شاءوا باعوا وإن شاءوا حبسوا، وكذلك لو قال: حبس على ولدي فلم يدخل في ذلك غيرهم، وقاله ابن القاسم وأشهب، وأشار إلى الصيغة بقوله: بحبست، متعلق بوَقْفُ، يعني أنه لا بد في صحة الوقف من الصيغة، وهي تكون بالفعل كالتخلية بين الناس وبين كمسجد، وتكون بالقول كحبست بالتخفيف والتشديد. ووقفت، يعني أن الصيغة تكون بوقفت، وهاتان الصيغتان يقتضيان التأبيد من غير شرط، بخلاف تصدقت، كما يأتي قريبا. قال عبد الباقي: بحبست ووقفت أو ما يقوم مقامهما، كالتخلية بين كمسجد وبين الناس، ولم يخص قوما دون قوم ولا فرضا دون نفل، وكالإشاعة بشروطها فإنه يثبت الوقف بها، وكذا بكتابة على أبواب المدارس والربط في الأحجار القديمة وعلى الحيوان، وكذا يثبت بكتابة لفظ وقف على كتاب من مدرسة بها كتب مشهورة لا كتابة على كتاب لم يشتهر كونُه من

стр. 7633

محل مشهور، كما بين ذلك في تبصرة ابن فرحون. انتهى. قوله: ولم يخص قوما دون قوم لخ، هكذا في عبارة ابن الحاجب ونصه: الركن الثالث: الصيغة وما يقوم مقامها، فإن أذن في الصلاة مطلقا ولم يخص شخصا ولا زمانا فهو كالتصريح. انتهى. والذي في عبارة ابن فرحون في التبصرة بصيغة المبالغة، ونصه: ومن ذلك لو بنى مسجدا وأذن فيه فذلك كالتصريح بأنه وقف وإن لم يخص زمانا ولا شخصا ولا قيد الصلاة فيه بفرض ولا نفل فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، ويحكم بوقفيته. انتهى. وتبعه في المسائل الملقوطة. قاله بناني. انتهى. وفي الخرشي: الحبس بضمتين جمع حبيس، وهو كل ما وقف لله تعالى حيوانا كان أو أرضا أو دارا، يقال: حبس فرسا وأحبس فهو حبيس ومحبس، وقد جاء حبس بالتشديد، ومنه قول النبي ﷺ لعمر في نخل له (حبِّس الأصل وسبل الثمرة (١)). أي اجعله وقفا مؤبدا، واجعل ثمرته في سبيل الخير لله. انتهى. وقال الخرشي: ويثبت الوقف بالكتابة على الحيوان. انتهى. قال: ولو كان لفظ الواقف يحتمل احتمالات فإن كان حيا رجع إليه ولو فسر بأضعف الاحتمالات، فإن فسر بما لا يحتمله اللفظ فلا يعتبر، وإن كان ميتا عمل على أظهر الاحتمالات، وللواقف إذا ولى ناظرا أن يعزله متى شاء، ويولي من شاء بخلاف القاضي إذا ولى ناظرا، وليس له ولا لمن ولي بعده عزله إلا لجنحة، وإذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف قُبل قول الناظر إن كان أمينا، وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أمينا أيضا ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف لا يصرف إلا بعلمهم، وإذا ادعى الناظر أنه صرف على الوقف من ماله قبل قوله من غير يمين إلا أن يكون متَّهما فيحلف، ولو التزم حين أخذ النظر أنه يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك، وله الرجوع، وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إعلام الحاكم ويصدق في ذلك، وله عزل نفسه ولو كان من جهة الواقف، بخلاف وصي الأيتام، وإذا عزل نفسه لم يكن له الرجوع بعد ذلك خلافا للشافعية، وله أن يفعل في الوقف كل ما كان أقرب إلى غرض الواقف بحيث لو كان الواقف حيا لرضيه ولو خالف شرطه، ولو جعل الواقف النظر لغائب صح وينتظر قدومه،

стр. 7634

وليس للحاكم أن يولي غيره، ولو غفل الواقف عن أن يجعل على الوقف ناظرا فللقاضي أن يجعله ويجعل له معلوما من غلته، وإذا وقف على مصالح المسجد صرف في حُصُره وزيْتِه، ولا يصرف لمؤذنه وإمامه لأنهم ليسوا من مصالحه، فإن صرف لهم الناظر لا يرجع عليهم، والعبرة في الوقف بتقرير الناظر لا القاضي، لأن الناظر أخص والقاضي أعم، والأخص مقدم على الأعم، ولو شرط المواقف أن لا يخرج الكتاب من المدرسة أو لا يعطى منه أكثر من كراس جازت المخالفة إن كان الآخذ أهلا، ولو شرط أن لا يعطى ذلك إلا برهن فإن كان مراده الرهن الشرعي فلا يعمل بشرطه إن كان الآخذ أهلا، فإن وقع أجري عليه حكم الرهن الصحيح، وإن كان مراده التذكار خوفا من النسيان فلا بأس به. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. أو تصدقت يعني أن الوقف يثبت بقول الشخص تصدقت بشرط أشار إليه بقوله: إن قارنه، أي تصدقت. قيد لا يباع ولا يوهب، قال عبد الباقي: وتصدقت إن قارنه أي تصدقت فقط، ولذا أفرد الضمير، قيد لا يباع ولا يوهب بخلاف الصيغتين قبله فيفيدان التأبيد بلا مقارنة قيد. انتهى. قال بناني: ما قرره به من رجوع القيد للثالث فقط هو الراجح من المذهب على ما يفيده في التوضيح، وذكره الحطاب ونصه: الذي يتحصل من كلامه في التوضيح أن الراجح من المذهب أن حبست ووقفت يفيدَانِ التأبيد سواء أطلقا أو قيدا بجهة لا تنحصر أو على معينين أو غير ذلك إلا في الصورة الآتية، وذلك إذا ضرب للوقف أجل أو قُيِّد بحياة شخص، وأما لفظ الصدقة فلا يفيد التأبيد إلا إذا قارنه قيد. انتهى. وهذا خلاف ما قاله الحطاب أول تقريره من أن المقيد يرجع للثلاثة، وخلاف ما لابن شأس وابن الحاجب من رجوعه لحبست وتصدقت فقط، وقد جزم المصطفى بحمل المص على ما في أول كلام الحطاب، وما تقدم عن التوضيح يرده، وليس فيما نقله المصطفى عن ابن رشد ما يدل لما زعمه. فتأمله. والله تعالى أعلم. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: الشرط خاص بقوله: تصدقت، ولذا عطفه بأو، وهذه نكتة لطيفة. انتهى. وتحصل مما مر أن وقفت وحبست مترادفان يفيدان التأبيد مطلقا، وأن تصدقت إنما يفيد التأبيد إن قارنه قيد، هذا هو المعول عليه. والله سبحانه أعلم.

стр. 7635

أو جهة لا تنقطع، يعني أن تصدقت إذا قارنه جهة لا تنقطع كقوله: تصدقت على الفقراء، أو على المساكين، أو على المساجد، أو على طلبة العلم، أو ما أشبه ذلك، فإنه يثبت الوقفية بذلك، وهذا إنما يكون إذا قارنه مع ذلك قيد لا يباع ولا يوهب، قال عبد الباقي: وجهة لا تنقطع كتصدقت على الفقراء أو المساكين، أو على المساجد، أو على طلبة العلم، أو شبه ذلك إذا قارنه قيد أيضا كقوله: لا يباع ولا يوهب، وإلا كان ملكا للموقوف عليه يباع ويفرق ثمنه بالاجتهاد كما يأتي في قوله: أو المساكين، فحذف المص إن قارنه قيد من هذا لدلالة الأول عليه، وإن كان ظاهر عطفه بأو يقتضي أن الصدقة عليها حبس وإن لم يقارنها قيد وليس كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما إن قيدها أي تصدقت بالاستغلال والسكنى فهو في الجهة التي لا تنقطع كالتقييد بلا يباع ولا يوهب، وأما في المعين كداري صدقة على زيد يستغلها ويسكنها فهل يكون كقوله: لا يبيعها ولا يهبها وهو الظاهر أم لا؟ انتهى. وقال المواق: قال ابن رشد: التحبيس ثلاثة ألفاظ، حبس، ووقف، وصدقة، فأما الحبس والوقف فمعناهما واحد ولا يفترقان في وجه من الوجوه، وأما الصدقة فإن قال: داري أو عقاري صدقة، أو في سبيل الله، أو على بني زهرة، فإنها تباع ويتصدق بها على مساكين على قدر الاجتهاد، إلا إن قال: صدقة على المساكين يسكنونها ويستغلونها فتكون حبسا على المساكين للسكنى والاستغلال ولا تباع. انتهى. أو لمجهول وإن حصر، الواو للحال وليست للمبالغة، يعني أن الصدقة على مجهول محصور كزيد وعقبه تكون وقفا ولا يحتاج ذلك إلى قيد، ولا يصح جعل وإن للمبالغة لأنه يكون ما قبل المبالغة المجهول غير المحصور، وذلك هو قوله: أو جهة لا تنقطع، قال الخرشي عند قوله: أو لمجهول وإن حصر، ما نصه: معطوف على "إن قارنه قيد" تقريره أو وقع لِمجهولٍ محصور كعلى فلان وعقبه، فإنه يصح ويتأبد، ولا يحتاج إلى قيد لأن ذكر العقب قيد لأجل حق من يأتي بَعْدُ. واعلم أن بني تميم والمجاورين بالمحل الفلاني من غير المحصور، والمنقول في العتبية أن أهل مسجد كذا من غير المحصور. فائدةٌ: استشكل النووي قول الفقهاء: محصور، بأن كل ما في الكون محصور، وقال: لم أزل أطلب الفرق فلم أجد من أفصح عنه إلا الغزالي حيث قال: كل عدد اجتمع في صعيد واحد يمكن
следующие страницы →