على الأصح، قال عبد الباقي: فإذا مات واحد من ولد الأعيان فالقسمة من ستة، لهم سهمان من ستة، للأم منهما السدس، وللزوجة منهما الثمن، والباقي يقسم على ثلاثة، الاثنين الباقين من أولاد الأعيان، وعلى أخيهم الذي مات، فإنه يُحيَى بالذكر تقديرا، ولكن نصيبه لوارثه مفضوض على الفرائض، وكذا لو مات ثان، فلو مات أولاد الأعيان كلهم رجع الحبس جميعه لولد الولد وقفات مع رجوع ما بيد الزوجة والأم، لأن أخذهما إنما كان تبعا للأولاد، وإن كان الميت واحدا من ولد الولد صار لأولاد الأعيان النصف ولأولاد الأولاد النصف، فإن انقرض أولاد الأولاد رجع الحبس كله لأولاد الأعيان وللأم والزوجة مقسوما على الميراث، وليس لهم تصرف فيه ببيع ونحوه، فإن انقرضت السبعة رجع مراجع الأحباس كما يأتي في قوله "ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس".
لا الأم والزوجة، بالجر عطف على موته، يعني أن زوجة المواقف أو أم المواقف إذا ماتت واحدة منهما فإن القسمة لا تنتقض ويكون ما بيد من مات منهما لورثتهما على الفرائض أي بالنسبة للغلة، وأما الرقاب فهي على وقفيتها المتيطي: فإن ماتت أم المحبس أو زوجته أو أحد من ورثة الابن الميت ممن لم يدخل في الحبس فنصيبه بين ورثته على فرائض الله تعالى، لا يدخل فيه غيره، ولا تنتقض القسمة بموته. انتهى. قال عبد الباقي: فإن لم يكن للأم أو الزوجة وارث فنصيبهما لبيت المال. انتهى. ونحوه للخرشي. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: تأمل هذا فالذي يظهر أنه غير صحيح، لأنه يرث الأم أولاد المواقف، فكيف يقول: ولا وارث لهما، نعم يصح ما قاله في زوجة الواقف التي ليست أمَّا للموقوف عليه، وقد مر النقل أنه إذا مات أحد الأولاد يصير لولده نصيب بمعنى الحبس ونصيب بمعنى الإرث.
تنبيه: وقع في كلام عبد الباقي والخرشي عند قوله: لا الزوجة والأم، أنه إن ماتت الأم أو الزوجة يرجع منابها وقفا على ورثتها. انتهى. وتعقبه بناني بأن قوله: وقفلا الصواب إسقاطه، قال: وإنما يرجع لهم ملكا. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والذي يظهر لي أن كلام عبد الباقي والخرشي صحيح، ومعنى وقفا عندهما أن الرقاب باقية على وقفيتها، والغلة هي التي تكون ملكا فتقسم على الفرائض والله أعلم فيدخلان فيما للأولاد، هذا مرتب على قوله:
стр. 7632
وانتقض القسم بحدوث ولد لهما، أي وإذا انتقض القسم بحدوث ولد لأولاد الأولاد أو ولد لأولاد الأعيان فإن الزوجة والأم تدخلان فيما للأولاد، فيحصل لهما النقص بسبب حدوث الولد. ودخلا فيما زيد للولد، يعني أنه إذا مات بعض أولاد الأولاد واحدا أو أكثر فإن الزوجة والأم تدخلان فيما زيد لأولاد الأعيان بسبب موت واحد أو أكثر من أولاد الأولاد، وكذا تدخلان فيما زيد لأولاد الأعيان بالموت من الفريقين، كموت واحد من أولاد الأعيان، واثنين من أولاد الأولاد، فعلم أن قوله: فتدخلان فيما للأولاد، معناه يحصل لهما النقص الحاصل للأولاد، وأن قوله: ودخلا فيما زيد للولد تحصل لهما الزيادة بسبب ما زيد للولد، فلا تكرار، لكن لو اقتصر على قوله: فيدخلان، لكفى، أي فيدخلان فيما للأولاد حصل نقص أو زيادة؛ قوله: خرج من ثلثه، أي خرج جميع ما حبسه من ثلثه، قال أحمد: وهذا واضح حيث كان الحبس على بعض الورثة، فإن كان على جميعهم فانظر هل هو كذلك أم لا؟ نقله عبد الباقي، قال: ومراده أنه حبس على جميعهم ولم يكن فيهم غيرهم في الحبس بدليل ما قدمناه إذا حبس على جميعهم وعلى الأم والزوجة. انتهى. قال الرهوني: إنما يظهر وجه التوقف إذا حبس الثلث على جميعهم على قدر إرثهم، وأما على غير ذلك فلا وجه له، ثم لا محل للتوقف مع وجود النص، ففي تبصرة اللخمي: قال محمد: فيمن حبس داره في مرضه على جميع ورثته فلم يدخل غيرهم معهم فليس بحبس إن شاءوا باعوا وإن شاءوا حبسوا، وكذلك لو قال: حبس على ولدي فلم يدخل في ذلك غيرهم، وقاله ابن القاسم وأشهب، وأشار إلى الصيغة بقوله:
بحبست، متعلق بوَقْفُ، يعني أنه لا بد في صحة الوقف من الصيغة، وهي تكون بالفعل كالتخلية بين الناس وبين كمسجد، وتكون بالقول كحبست بالتخفيف والتشديد. ووقفت، يعني أن الصيغة تكون بوقفت، وهاتان الصيغتان يقتضيان التأبيد من غير شرط، بخلاف تصدقت، كما يأتي قريبا. قال عبد الباقي: بحبست ووقفت أو ما يقوم مقامهما، كالتخلية بين كمسجد وبين الناس، ولم يخص قوما دون قوم ولا فرضا دون نفل، وكالإشاعة بشروطها فإنه يثبت الوقف بها، وكذا بكتابة على أبواب المدارس والربط في الأحجار القديمة وعلى الحيوان، وكذا يثبت بكتابة لفظ وقف على كتاب من مدرسة بها كتب مشهورة لا كتابة على كتاب لم يشتهر كونُه من
стр. 7633
محل مشهور، كما بين ذلك في تبصرة ابن فرحون. انتهى. قوله: ولم يخص قوما دون قوم لخ، هكذا في عبارة ابن الحاجب ونصه: الركن الثالث: الصيغة وما يقوم مقامها، فإن أذن في الصلاة مطلقا ولم يخص شخصا ولا زمانا فهو كالتصريح. انتهى. والذي في عبارة ابن فرحون في التبصرة بصيغة المبالغة، ونصه: ومن ذلك لو بنى مسجدا وأذن فيه فذلك كالتصريح بأنه وقف وإن لم يخص زمانا ولا شخصا ولا قيد الصلاة فيه بفرض ولا نفل فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، ويحكم بوقفيته. انتهى. وتبعه في المسائل الملقوطة. قاله بناني. انتهى. وفي الخرشي: الحبس بضمتين جمع حبيس، وهو كل ما وقف لله تعالى حيوانا كان أو أرضا أو دارا، يقال: حبس فرسا وأحبس فهو حبيس ومحبس، وقد جاء حبس بالتشديد، ومنه قول النبي ﷺ لعمر في نخل له (حبِّس الأصل وسبل الثمرة (١)). أي اجعله وقفا مؤبدا، واجعل ثمرته في سبيل الخير لله. انتهى. وقال الخرشي: ويثبت الوقف بالكتابة على الحيوان. انتهى. قال: ولو كان لفظ الواقف يحتمل احتمالات فإن كان حيا رجع إليه ولو فسر بأضعف الاحتمالات، فإن فسر بما لا يحتمله اللفظ فلا يعتبر، وإن كان ميتا عمل على أظهر الاحتمالات، وللواقف إذا ولى ناظرا أن يعزله متى شاء، ويولي من شاء بخلاف القاضي إذا ولى ناظرا، وليس له ولا لمن ولي بعده عزله إلا لجنحة، وإذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف قُبل قول الناظر إن كان أمينا، وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أمينا أيضا ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف لا يصرف إلا بعلمهم، وإذا ادعى الناظر أنه صرف على الوقف من ماله قبل قوله من غير يمين إلا أن يكون متَّهما فيحلف، ولو التزم حين أخذ النظر أنه يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك، وله الرجوع، وله أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إعلام الحاكم ويصدق في ذلك، وله عزل نفسه ولو كان من جهة الواقف، بخلاف وصي الأيتام، وإذا عزل نفسه لم يكن له الرجوع بعد ذلك خلافا للشافعية، وله أن يفعل في الوقف كل ما كان أقرب إلى غرض الواقف بحيث لو كان الواقف حيا لرضيه ولو خالف شرطه، ولو جعل الواقف النظر لغائب صح وينتظر قدومه،
стр. 7634
وليس للحاكم أن يولي غيره، ولو غفل الواقف عن أن يجعل على الوقف ناظرا فللقاضي أن يجعله ويجعل له معلوما من غلته، وإذا وقف على مصالح المسجد صرف في حُصُره وزيْتِه، ولا يصرف لمؤذنه وإمامه لأنهم ليسوا من مصالحه، فإن صرف لهم الناظر لا يرجع عليهم، والعبرة في الوقف بتقرير الناظر لا القاضي، لأن الناظر أخص والقاضي أعم، والأخص مقدم على الأعم، ولو شرط المواقف أن لا يخرج الكتاب من المدرسة أو لا يعطى منه أكثر من كراس جازت المخالفة إن كان الآخذ أهلا، ولو شرط أن لا يعطى ذلك إلا برهن فإن كان مراده الرهن الشرعي فلا يعمل بشرطه إن كان الآخذ أهلا، فإن وقع أجري عليه حكم الرهن الصحيح، وإن كان مراده التذكار خوفا من النسيان فلا بأس به. انتهى. ونحوه للشبراخيتي.
أو تصدقت يعني أن الوقف يثبت بقول الشخص تصدقت بشرط أشار إليه بقوله: إن قارنه، أي تصدقت. قيد لا يباع ولا يوهب، قال عبد الباقي: وتصدقت إن قارنه أي تصدقت فقط، ولذا أفرد الضمير، قيد لا يباع ولا يوهب بخلاف الصيغتين قبله فيفيدان التأبيد بلا مقارنة قيد. انتهى. قال بناني: ما قرره به من رجوع القيد للثالث فقط هو الراجح من المذهب على ما يفيده في التوضيح، وذكره الحطاب ونصه: الذي يتحصل من كلامه في التوضيح أن الراجح من المذهب أن حبست ووقفت يفيدَانِ التأبيد سواء أطلقا أو قيدا بجهة لا تنحصر أو على معينين أو غير ذلك إلا في الصورة الآتية، وذلك إذا ضرب للوقف أجل أو قُيِّد بحياة شخص، وأما لفظ الصدقة فلا يفيد التأبيد إلا إذا قارنه قيد. انتهى. وهذا خلاف ما قاله الحطاب أول تقريره من أن المقيد يرجع للثلاثة، وخلاف ما لابن شأس وابن الحاجب من رجوعه لحبست وتصدقت فقط، وقد جزم المصطفى بحمل المص على ما في أول كلام الحطاب، وما تقدم عن التوضيح يرده، وليس فيما نقله المصطفى عن ابن رشد ما يدل لما زعمه. فتأمله. والله تعالى أعلم. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: الشرط خاص بقوله: تصدقت، ولذا عطفه بأو، وهذه نكتة لطيفة. انتهى. وتحصل مما مر أن وقفت وحبست مترادفان يفيدان التأبيد مطلقا، وأن تصدقت إنما يفيد التأبيد إن قارنه قيد، هذا هو المعول عليه. والله سبحانه أعلم.
стр. 7635
أو جهة لا تنقطع، يعني أن تصدقت إذا قارنه جهة لا تنقطع كقوله: تصدقت على الفقراء، أو على المساكين، أو على المساجد، أو على طلبة العلم، أو ما أشبه ذلك، فإنه يثبت الوقفية بذلك، وهذا إنما يكون إذا قارنه مع ذلك قيد لا يباع ولا يوهب، قال عبد الباقي: وجهة لا تنقطع كتصدقت على الفقراء أو المساكين، أو على المساجد، أو على طلبة العلم، أو شبه ذلك إذا قارنه قيد أيضا كقوله: لا يباع ولا يوهب، وإلا كان ملكا للموقوف عليه يباع ويفرق ثمنه بالاجتهاد كما يأتي في قوله: أو المساكين، فحذف المص إن قارنه قيد من هذا لدلالة الأول عليه، وإن كان ظاهر عطفه بأو يقتضي أن الصدقة عليها حبس وإن لم يقارنها قيد وليس كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما إن قيدها أي تصدقت بالاستغلال والسكنى فهو في الجهة التي لا تنقطع كالتقييد بلا يباع ولا يوهب، وأما في المعين كداري صدقة على زيد يستغلها ويسكنها فهل يكون كقوله: لا يبيعها ولا يهبها وهو الظاهر أم لا؟ انتهى. وقال المواق: قال ابن رشد: التحبيس ثلاثة ألفاظ، حبس، ووقف، وصدقة، فأما الحبس والوقف فمعناهما واحد ولا يفترقان في وجه من الوجوه، وأما الصدقة فإن قال: داري أو عقاري صدقة، أو في سبيل الله، أو على بني زهرة، فإنها تباع ويتصدق بها على مساكين على قدر الاجتهاد، إلا إن قال: صدقة على المساكين يسكنونها ويستغلونها فتكون حبسا على المساكين للسكنى والاستغلال ولا تباع. انتهى.
أو لمجهول وإن حصر، الواو للحال وليست للمبالغة، يعني أن الصدقة على مجهول محصور كزيد وعقبه تكون وقفا ولا يحتاج ذلك إلى قيد، ولا يصح جعل وإن للمبالغة لأنه يكون ما قبل المبالغة المجهول غير المحصور، وذلك هو قوله: أو جهة لا تنقطع، قال الخرشي عند قوله: أو لمجهول وإن حصر، ما نصه: معطوف على "إن قارنه قيد" تقريره أو وقع لِمجهولٍ محصور كعلى فلان وعقبه، فإنه يصح ويتأبد، ولا يحتاج إلى قيد لأن ذكر العقب قيد لأجل حق من يأتي بَعْدُ. واعلم أن بني تميم والمجاورين بالمحل الفلاني من غير المحصور، والمنقول في العتبية أن أهل مسجد كذا من غير المحصور.
فائدةٌ: استشكل النووي قول الفقهاء: محصور، بأن كل ما في الكون محصور، وقال: لم أزل أطلب الفرق فلم أجد من أفصح عنه إلا الغزالي حيث قال: كل عدد اجتمع في صعيد واحد يمكن
стр. 7636
عده من غير مباشرة للمعدود كان محصورا، وإلا كان غير محصور. انتهى. نقله الخرشي. وقال الحطاب عن النووي: قال الإمام الغزالي: إن قلت: كل عدد فهو محصور في علم الله، ولو أراد إنسان حصر أهل بلد لقدر عليه إن تمكن منهم، فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن، وإنما يضبط بالتقريب، فنقول: كل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر كالألف ونحوه فهو غير محصور، وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور، وبين الطرفين أوساط مشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع فيه الشك استفتيَ فيه القلب، وقال الحطاب بعد أن ذكر أن الكتب تثبت وقفيتها بكتابة لفظة وقف عليها، وقد اشتهرت بذلك مدة طويلة: وأما إذا رأينا كتبا لا نعلم مقرها ولا نعلم من كتب عليها الوقفية فهذه يجب التوقف في أمرها حتى يتبين حالها، وهو عيب يثبت للمشتري به الرد. انتهى.
ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس، يعني أن الحبس إذا كان على جهة معينة كزيد وعقبه فانقرضت تلك الجهة فإن الحبس يرجع إلى أقرب فقراء عصبة المحبس ويكون باقيا على وقفيته، قال الحطاب: فإن كان أهل المرجع أغنياء فقيل: يرجع إلى أولى الناس بهم، وقيل: يرجع إلى الفقراء. والله أعلم. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: لأقرب فقراء عصبة المحبس يوم المرجع نسبا وولاء بدليل أنه تدخل بنت المعتق في المرجع ويرجع لهم حبسا لا ملكا، ولو كان المحبس حيا فإنه يرجع لهم ولا يدخل هو في المرجع ويراعى في الأقربية الترتيب المذكور في باب النكاح المشار إليه بقوله: وقدم ابن فابنه لخ، وكلامه هنا يشمل عصبته وعصبة عصبته كما لو تزوج حر بأمة فأتت منه بولد ثم أعتقه سيده فالمعتِق بالكسر من عصبة الولد وليس من عصبة الأب فيرجع أولا للأقرب فالأقرب من عصبة المحبس الفقراء فإن كانوا أغنياء أو لم يكونوا رجع للأقرب فالأقرب من عصبتهم الفقراء، فلو أخذ الفقير كفايته وبقي شيء فهل يرد عليه أو يدفع للأبعد؟ قولان، كما لو انقطع المحبس عليهم وكان للواقف ابن وابن ابن مثلا وكلاهما فقير هل يعطى للابن الجميع ولو زاد على كفايته أو إنما يعطى قدر كفايته وما زاد يعطى لابن الابن؟ والأول هو الراجح كما يفيده كلام المواق، فإن لم يكن في المرجع فقراء فالمذهب أنه يعطى لفقراء المسلمين ولا يدخل المحبس في المرجع ولو كان فقيرًا. انتهى. وقال عبد الباقي: لأقرب فقراء
стр. 7637
عصبة المحبس نسبا وولاء، فبنت المعتق تدخل في المرجع، فإن كانوا أغنياء أو لم يوجدوا فلأقرب عصبتهم، وهكذا عصبة عصبتهم وهلم جرا، فإن كانوا أغنياء أولم يوجدوا فللفقراء على المشهور، ويستوي في المرجع الذكر والأنثى، ولو شرط الواقف في أصل وقفه للذكر مثل حظ الأنثيين فإن فرض أنه قال: إن انقطع رجع لأقرب فقراء عصبتي للذكر مثل حظ الأنثيين، فالظاهر أنه لا يعمل بشرطه. انتهى. قال بناني: فيه نظر، بل إذا فرض أن المحبس نص على المرجع فهو من جملة المحبس عليه فيتبع شرطه، وإنما قالوا بعدم اتباع شرطه في المرجع إذا سكت عنه ولم يذكر إلا من حبس عليهم أولا وشرط فيهم شرطه، ففي المواق عن محمد: والذكر والأنثى سواء في المرجع، فإن اشترط أن للذكر مثل حظ الأنثيين فلا شرط له، لأنه لم يتصدق عليهم أي لأنه لم يصرح بهم في حبسه، فلا يجري فيهم شرطه، فيفهم منه أنه لو صرح بهم في حبسه لجرى فيهم شرطه وهو ظاهر، وعبارة التوضيح عن الموازية صريحة فيما قلناه، ونصه: وعلى دخول النساء في المرجع فقال مالك في الموازية: الذكر والأنثى سواء، وإن شرط في أصل الحبس للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: لأن المرجع ليس فيه شرط ولو لم يكن له يوم يرجع إلا ابنة واحدة كان لها جميعه. انتهى. وبذلك صرح الأجهوري فانظره. انتهى. وبحث الرهوني مع بناني قائلا: إن ما استظهره عبد الباقي صحيح منصوص عليه، نص عليه ابن يونس ونقله المواق، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه الظاهر ما قاله بناني لا ما قاله الرهوني، وما استدل به لا يدل له بل الظاهر أنه يدل لبناني. والله تعالى أعلم.
وامرأة يعني أنه يدخل في مراجع الأحباس كل امرأة لوْ رجّلتْ أي قدرت رجلا عصَّبَ ذلك الرجل أي كان من العصبة كالعمة والأخت وبنات الأخت وبنات المعتق فلو لم يكن للواقف إلا بنت أو عمة فإنها تأخذ جميعه، وأما المرأة التي إذا رجلت لم يكن ذلك الرجل عاصبا فإنها لا تدخل في مراجع الأحباس، بلا خلاف، كالأخت للأم والخالة وبنت البنت وبنت الأخت. قاله الخرشي. وقال مالك: ولا يدخل في ذلك ولد الأخت ذكرا كان أو أنثى ولا بنو الأخوات ولازوج ولا زوجة. قاله المواق. وقال عبد الباقي: ورجع إلى امرأة أم أو عمة أو أخت أو بنت ابن أو بنت عم أو بنت معتق لأنها عاصب بتقدير ذكورتها لو رجلت، أي قدرت رجلا بتقدير واحد عصب
стр. 7638
ذلك الرجل المقدر، ولذا ذكر الضمير، فخرجت الخالة والجدة من قبل الأم وبنت البنت وبنت العمة لأن ما ذكر لا يكون عصبة إلا بتقديرين في بنت البنت وبنت العمة دون الخالة والجدة من قبل الأم، وقوله: وامرأة لو رجلت عصب أي وإن ساوت عاصبا موجودا كما في التوضيح والشارح والمتيطي، ولا يشترط كونها أقرب منه خلافا للمواق. انتهى. قال بناني: ليس في المواق ما يقتضي اشتراط كون النساء أقرب، وإنما فيه ما نصه: قلت: بأن كان ثمَّ مَن عصب من النساء وثَمَّ عصبة معهن والنساء أقرب. قاله ابن القاسم. قال مالك: يدخلون كلهم إلا أن لا تكون سعة فليبدأ بإناث ذكور ولده على العصبة. انتهى. فهذا لا يقتضي اشتراط كون النساء أقرب، وإنما هو سؤال عن دخول الرجال معهن حينئذ بدليل الجواب بدخولهم في السعة دون الضيق، وهذه الصورة هي قول المص: فإن ضاق قدم البنات، قال الشارح: واعلم أن الأقسام ثلاثة مشاركة في الضيق والسعة إذ (١) تساوى النساء مع العصبة في القعدد كأخ وأخوات وعدم مشاركة في الضيق والسعة إذا كان النساء أبعد من العاصب كأخ وعمة ومشاركة في السعة دون الضيق إذا كان النساء أقرب. انتهى. وقوله: وامرأةٍ بالجر. قال الرهوني عطف على عصبة لا على أقرب لأنه يقتضي أنها تدخل مع رجل أقرب منها كالأخت مع الابن والعمة مع الأخ ونحو ذلك، واعلم أن المرأة لا تدخل إلا إذا كانت فقيرة كالرجل، فلا فرق بينهما، وقول من قال: إن المرأة تدخل فقيرة أم لا لأنها فقيرة بالطبع غير صحيح، لأن حفاظ المذهب كالباجي وابن يونس واللخمي وابن رشد والمتيطي وابن عرفة وغيرهم قد حصلوا ما في المسألة من الخلاف، ولم يذكر أحد منهم هذا القول بالفرق بين الرجال فيشترط فيهم الفقر والنساء فلا يشترط فيهن، وحاصل ما لهم أنه اختلف في النساء هل هن من أهل المرجع بالشرط الذي ذكره المص أو بشرط إرثهن أو لا حظ لهن في ذلك أصلا؟ ثم إذا قلنا: إنهن من أهل المرجع فهي (٢) كالرجال فيجري فيهن ما جرى فيهم من اختصاص ذلك بالفقراء وعدم الاختصاص، وصرح في التوضيح نقلا عن ابن عبد السلام، وفي المعيار نقلا عن ابن رشد بأن الأول هو المشهور، ففي ابن رشد: فإن كان أصل الحبس على
стр. 7639
محتاجين مثل أن يقول: هو حبس على الفقراء من ولدي وولد ولدي أو على محتاج آل فلان وما أشبه ذلك فلا يرجع الحبس إلا إلى أقرب الناس بالمحبس من الفقراء، وأما إن كان الحَبس على ولده أو على آل فلان دون أن يخص الفقير منهم فالمشهور أن الحبس يرجع بعد انقراض المحبس عليهم إلى أقرب الناس إلى المحبس من الفقراء، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقد روى ابن نافع عن مالك في المدونة أنها ترجع إلى أقرب الناس إليه من الأغنياء والفقراء، إلا أنه يبدأ الفقير على الغني، وقد قيل: إن كان سكنى دخل فيه الفقير والغني إذ لا يستغني الغني عن مسكن، وإن كان غلة لم يكن للغني فيها مدخل وبالله تعالى التوفيق. انتهى. والقول الثاني أنهن لا يدخلن إلا بشرط إرثهن وهن البنات وبنات الابن والأخوات الشقائق والتي للأب، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون، والقول الثالث أنهن لا يدخلن أصلا، هو الذي في سماع أصبغ.
تنبيه: قال عبد الباقي: لا يصح عطف امرأة على عصبة لفساد المعنى لأن الكلام في المرأة نفسها. فإن ضاق قدم البنات، يعني أنه إذا قلنا إنه إن انقطع يرجع لأقرب فقراء لخ، وكان الأقرب عصبة مع نساء أقرب من العصبة كالبنات مع الإخوة أو الأعمام وضاق الحبس الراجع عن كفاية الجميع فإنه يقدم البنات أي يخصصن بما يغنيهن، وليس المراد إيثارهن بزيادة. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: قال ابن هارون: المشهور أن البنت إن كانت مساوية للعاصب شاركته في السعة والضيق، وإن كانت أقرب منه قدمت عليه في الضيق، وإن كانت أبعد منه قدم العاصب عليها في السعة والضيق، وعلم مما قررت أن قوله: قدم البنات، إنما هو مع كونهن أقرب من الذكور، إذ لو كن مساوياتهم لم يقدمن عليهم، بل الجميع شركاء ولو كن أبعد منهم لقدموا عليهن. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال الخرشي: قال عيسى: عن ابن القاسم: كل ما يرجع من الأحباس ميراثا يراعَى فيه من يرث المحبس يوم مات، وأما ما يرجع حبسا فلا. انتهى.
وعلى اثنين وبعدهما على الفقراء نصيب من مات لهم، يعني أنه إذا وقف على معينين كزيد وعمرو وبعد موتهما يكون وقفا على الفقراء فإنه إذا مات أحدهما فإن نصيبه يكون وقفا على
стр. 7640
الفقراء ولا يرجع لرفيقه، قال التتائي مفسرا للمص: ولو وقف على اثنين معينين عطف أحدهما على الآخر بالواو كزيد وبكر أو أشار إليهما كهذين وبعدهما أو ثم على الفقراء كان نصيب من مات من الاثنين لهم أي للفقراء لا لرفيقه. البساطي: هذا اختيار ابن رشد وهو الحق، فإن قوله: بعدهما، يحتمل أن يريد بعد موت كل واحد منهما، ويحتمِل أن يريد من بعدهما معا، والأول أرجح من وجهين، أحدهما احتياج الثاني إلى مقدر يفتقر إليه معناه بخلاف الأول، والثاني: أن بعدية الميت أولا لم تفد شيئا فلا حاجة إلى جَمعِهما في الضمير، فتأمل. وظاهر المص سواء كان الحبس مما يتجزأ بالقسمة كغلة الحائط أو لا كركوب دابة وسكنى دار وهو كذلك على إحدى الروايتين، والأخرى إن تجزأ صرف للفقراء وإن لم يتجزأ فلرفيقه، واحترز المص عما لو قال: هو وقف على فلان وعقبه أو على بني تميم، فإنه إن بقي واحد منهم فله الجميع. انتهى. وقال الشبراخيتي: وبعدهما على الفقراء كان نصيب من مات من الاثنين لهم أي للفقراء لا لرفيقه، سواء قال: حياتهما أم لا، ويوخذ من هذه المسألة أن قول الواقف: تحجب الطبقة العليا منهم أبدا الطبقة السفلى، المراد به أن كل أصل يحجب فرعه فقط، وليس المراد به أنه يحجب فرعه وفرع غيره، ويجري مثل ذلك في الترتيب بين الأصول والفروع نحو وقف على أولادي ثم على أولاد أولادي، وهذا حيث لم يجرِ العرف بخلاف ذلك فيعمل به لأن ألفاظ الواقفين مبناها على العرف. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. قوله: إن كل أصل يحجب فرعه فقط لخ، بهذا أفتى ابن رشد، وخالفه عصريه ابن الحاج، وحاصله: أنه إذا مات واحد من الطبقة العليا فقال ابن رشد: يكون حظه لولده بناء على أن الترتيب في الوقف باعتبار كل واحد وحده أي على فلان ثم ولده وعلى فلان ثم ولده وهكذا، فكل من مات انتقل حظه لولده، وكل واحد من الطبقة العليا إنما يحجب فرعه دون فرع غيره، وقال ابن الحاج: بل يكون حظ من مات من العليا لبقية إخوته بناء على أن الترتيب باعتبار المجموع أي لا ينتقل للطبقة الثانية حتى لا يبقى أحد من العليا، والله تعالى أعلم. انتهى. وقوله: نصيب من مات لهم، مبتدأ وخبر، والجملة جواب الشرط، أي وإن وقف على اثنين وبعدهما على الفقراء فنصيب من مات من الاثنين للفقراء، فحذف الفاء من جملة الجواب، وقوله:
стр. 7641
إلا كعلى عشرة حياتهم، مستثنى من قوله: ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس، يعني أنه إذا وقف على عشرة مثلا معينين حياتهم أو ما عاشوا فإنه إذا مات منهم شخص فإن نصيبه لأصحابه، فإن ماتوا كلهم فإنه يملك بعدهم، أي يرجع ملكا لمالكه إن كان حيا، ولوارثه إن مات، ومثل حياتهم ما إذا قيد بأجل، والفرق بين هذه والتي قبلها أن الأولى لما كان الوقف فيها مستمرا احتيط فيه لجانب الفقراء فكان لهم بعد كل وفي هذه يرجع ملكا، فاحتيط لجانب الموقوف عليهم ليستمر جميع الصدقة مدة حياتهم، وقوله: إلا كعلى عشرة حياتهم لخ، فإن لم يقل حياتهم ولا قيد بأجل رجع مراجع الأحباس على المعتمد لأنه هو رواية المصريين، ومنهم ابن القاسم وأشهب، ومقابله أنه يرجع ملكا رواية المدنيين، وقوله: إلا كعلى عشرة أي عدد معين سواء كانوا عشرة أو أقل أو أكثر، وقوله: حياتهم، أي مثلا وكذا حياة زيد مثلا أو حياته هو أو قيد بأجل معروف كعشرة أعوام.
وفي كقَنطَرَةٍ لم يُرْجَ عودُها في مثلها، القنطرة هي الجسر بفتح الجيم وكسرها وهي واحدة القناطر، يعني أن من حبس حبسا علي بناء قنطرة أو في مصالح مسجد وما أشبه ذلك فخربت القنطرة أو المسجد مثلا فإن رجي عود ذلك لما كان عليه فإن الحبس يوقف له، وإن لم يرج عود ذلك لما كان عليه فإنه يصرف في مثل ذلك، يعني في بناء مسجد أو قنطرة أو طريق أو مقبرة لأن كل ما كان لله تعالى فإنه يستعان به في مثله، قال ابن عرفة في نوازل الشعبي: عن ابن المكوي من حبس أرضا على مسجد فخربت وذهب أصله وصار ما حوله مزرعة لطول المعهد يجتهد القاضي في حبسه لما يراه، وقال الباجي: لو كانت أرض محبسة لدفن الموتى فضاقت بأهلها فلا بأس أن يدفنوا بمسجد بجانبها وذلك حبس كله. قاله ابن الماجشون. وقال أصبغ عن ابن القاسم في مقبرة عفت: لا بأس ببنائها مسجدا، وكل ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض، ولابن علاق في حبس على طلاب العلم الغرباء أنه إن لم يوجد غرباء دفع لغير الغرباء، قال: ويشهد لهذا مسائل المذهب منها فتوى سحنون في فضل الزيت عن المسجد أنه يوقد منه في مسجد آخر، وفَتْوى ابن دحون في حبس حصن تغلب عليه العدو يدفع في حصن آخر، قال: وما كان لله واستغني عنه فجائز أن يستعمل في غير ذلك الوجه مما هو لله، ومنها فتوى ابن رشد
стр. 7642
في فضل غلات مسجد زائدة على حاجته أنه يبنى منها مسجد تهدم. قاله الخرشي. قال: وقوله في مثلها أي مثلها بالنوع لا بالشخص. انتهى. وقال التتائي: وقوله: مثلها، فيه إجمال لأنه يحتمل المثل حقيقة كقنطرة أخرى، ويحتمل ما هو مماثل مما فيه منفعة للناس كمسجد وطريق وهما قولان. انتهى. وقال عبد الباقي في مثلها حقيقة إن أمكن كنقل فاضل زيت مسجد لوقيد مسجد آخر وإلا ففي مثلها من القرب. انتهى. وإلا بأن رجي عودها أو إحداثها المشترط وُقِفَ لَهَا للترميم أو الإحداث. قاله عبد الباقي.
وصدقة لفلان فله، يعني أنه إذا قال: داري صدقة لفلان أي لزيد مثلا فإنها تكون ملكا لزيد يصنع به ما شاء، وعلم مما قررت أن قوله: فله جواب شرط مقدر. أول لمساكين فرق ثمنها بالاجتهاد، يعني أنه إذا قال داري صدقة للمساكين أو للفقراء، فإنها تكون لهم ملكا فتباع ويفرق ثمنها بالاجتهاد من الحاكم أو غيره ممن له ولاية ذلك، وإنما كانت تباع لأن بقاءها يؤدي إلى النزاع، لأنه قد يكون الحاضر من المساكين في البلد حال الوقف عشرة مثلا ثم يزيدون فيؤدي إلى النزاع، بخلاف ما إذا بيعت وفرق ثمنها بالاجتهاد فيقطع النزاع لأنه لا يلزم التعميم كما في الوصية. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: والمراد بالاجتهاد ممن يتولى الصرف فيمن يعطَى ولا يعطى، وفي قدر ما يعطى، ثم إن قوله: صدقة لخ، تصريح بمفهوم القيد لقوله: أو تصدقت.
ولا يشترط التنجيز، يعني أن الوقف لا يشترط في صحته التنجيز، بل يصح منجزا وغير منجز، بأن يكون للأجل كالعتق، فإذا قال: إذا جاء اليوم أو الشهر أو العام الفلاني فداري مثلا وقف على كذا، فإنه يلزم إذا جاء ذلك الأجل، كما إذا قال لعبده: أنت حر إذا جاء الشهر الفلاني، فإنه يكون حرا إذا جاء الأجل الذي عينه، ولا إشكال في لزوم العقد عند مجيء الأجل، فإذا حدث على المواقف دين أو على المعتق في ذلك الأجل لم يضر في عقد العتق لتشوف الشارع للحرية، ويضر عقد الحبس إذا لم يحز عن الواقِف في ذلك الأجل، فإن حيز عنه وكانت منفعته لغير المواقف في ذلك الأجل لم يضر عقد الحبس، قال ابن عرفة بعد أن ذكر عن ابن عبد السلام أن استحداث الدين في الأجل لا يضر في العتق ويضر في الحبس: ما قاله ظاهر إن لم يحز عنه الحبس، ولو حيز عنه فإن بتل منفعته في الأجل لغيره لم يضره حدوث الدين، وإن أبقاها لنفسه
стр. 7643
بطل بحدوث الدين على المشهور في لغو حوز المستأجر لغيره، وعلى إعماله لا يبطل به. انتهى. وكلام المؤلف يقتضي أن الوقف صحيح ولو كان الشيء المعلق عليه الوقفية مجهولا كما إذا قال: هو وقف إذا أمطرت السماء في هذا الشهر أو قدم زيد، والظاهر اللزوم لأن الغرر والجهالة إنما يمنعان في المعاوضة. نقله الخرشي. وهذا الذي استظهره هذا القائل في التتائي والبساطي كما قاله الخرشي.
وحمل في الإطلاق عليه، يعني أن الواقف إذا أطلق فلم يصرح بالتنجيز ولا بالأجل فإنه يحمل على التنجيز فيكون وقفا من الآن، قال الخرشي: لأنه إنشاء يحصل معناه عند وجود لفظه، فإذا لم يقيده بزمن بل قال: هو وقف فإنه يكون منجزا. انتهى. وقال الشبراخيتي: وحمل الوقف في الإطلاق عن التقييد بتأجيل وتنجيز عليه أي على التنجيز لمقارنة لفظ الإنشاء لمعناه، وقال المواق: قال ابن رشد: لا خلاف أن من حبس أو وهب أو تصدق أنه لا رجوع له في ذلك، ويقضى عليه بذلك إن كان لمعين اتفاقا ولغير معين باختلاف. انتهى. كتسوية أنثى بذكر، يعني أنه إذا قال: هذا وقف على أولادي أو أولاد زيد مثلا وأطلق في ذلك أي لم يبين التسوية بين الذكر والأنثى ولا التفاوت، فإنه يلزم أن يسوى بينهما في غلة الوقف. قال الخرشي: والمعنى أن الإنسان إذا قال: داري وقف على أولادي ولم يعين تفضيل أحدهم على أحد فإن الذكر والأنثى في ذلك سواء. انتهى. فإن بَيَّن شيئا اتبع. قاله عبد الباقي.
ولا التأبيدُ، يعني أن الوقف لا يشترط فيه التأبيد بل يصح ويلزم مدة، ثم بعد ذلك يكون ملكا، فإذا قال: جعلت داري وقفا على فلان سنة وبعدها يكون ملكا، أو لزيد مثلا، فإن ذلك صحيح. قاله الخرشي. وقال المواق: ابن شأس: لا يشترط في الحبس التأبيد بل لو قال: على أن من احتاج منهم باع أو أن العين تصير لآخرهم ملكا صح واتبع الشرط. محمد: إذا قال: داري حبس على عقبي وهي للآخر منهم، فإنها تكون للآخر منهم بتلا، وهي قبل ذلك محبسة، فإن كان آخرهم رجلا يرجى له عقب وقفت عليه، فإذا مات ولم يعقب ورثها عنه ورثته لأنه تبين بموته أنها صارت له. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يشترط في صحة الوقف التأبيد بل يصح ويلزم مدة تعيينه سنة مثلا ويكون بعدها ملكا، ويؤخذ منه أن اشتراط التغيير والتبديل والإدخال والإخراج
стр. 7644
معمول به. قاله بعض شيوخنا. وفي المتيطي ما يفيد منع ذلك. انتهى. قوله: وفي المتيطي ما يفيد منع ذلك أي منعه ابتداء ويمضي إن وقع، ففي الحطاب ما نصه: في النوادر والمتيطية وغيرهما: أنه إن شرط في وقفه إن وجد فيه ثمن رغبة بيع واشتري غيره أنه لايجوز له ذلك، فإن وقع ونزل مضى وعمل بشرطه، وهو موافق لما يأتي للزرقاني أنه إن لم يقيد بالاحتياج منع ابتداء ومضى بعد الوقوع. انتهى. وقوله: أن اشتراط التغيير، المراد بالتغيير في الموقوف عليهم لا اشتراط إبطاله إن بدا له، لما سيأتي عن ابن عرفة عند قوله: لا بشرط إصلاحه. انتهى. قاله عبد الباقي. ولا تعيين مصرفه، يعني أن الوقف لا يشترط في صحته تعيين المصرف أي المحل الذي يصرف فيه الوقف، فإذا قال: داري وقف ولم يزد على ذلك صار وقفا لازما. قاله غير واحد. وقال عبد الباقي: ولا تعيين مصرفه بخلاف العمرى فلا يلزمه شيء حتى يعين المعمَر بالفتح، والفرق أن لفظ الحبس أكثر ما يستعمل على وجه المعروف، بخلاف العمرى، ومقتضى هذا أنه لو قال: داري مثلا صدقة ولم يعين المتصدق عليه أنه يلزمه لأن الصدقة سبيلها القربة. انتهى. وصرف في غالب، يعني أنه إذا لم يعين الواقف المصرف وتعذر سؤاله فإن الوقف يصرف في غالب مصرف أوقاف تلك البلد وإلا، بأن لم يكن لهم أوقاف أصلا أو لهم ولا غالب فيها فمصرفه الفقراء، قال المواق: عياض: أما لفظة الحبس المبهم كقوله: داري حبس، فلا خلاف أنه وقف مؤبد لا ترجع ملكا وتصرف عند مالك في الفقراء والمساكين وإن كان في الموضع عرف للوجوه التي توضع فيها الأحباس وتجعل لها حملت عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وإلا فالفقراء بمحل الوقف أو غيره. ولا قبول مستحقه، يعني أن الوقف إذا كان على غير معينين كالفقراء والمساجد وما أشبه ذلك فإنه لا يشترط في صحة الوقف القبول لتعذره من المساجد ونحوها، ولأنه لو اشترط قبوله لما صح على الفقراء ونحوهم. داله غير واحد. إلا المعين الأهل، يعني أن الموقوف عليه إذا كان معينا أهلا للقبول بأن يكون مكلفا رشيدا فإنه يشترط في صحة الوقف عليه القبول، قال الخرشي: يعني أن الوقف إذا كان على معين كزيد مثلا وهو أهل للرد والقبول فإنه يشترط في صحة الوقف عليه قبوله، وإن لم يكن أهلا للقبول كالمجنون والصغير فإن وليه يقبل له، فإن لم يكن له ولي أقيم عليه من يقبل عنه كما في الهبة والصدقة، واعلم أن الولي لا يجوز له رد ما وقف على المحجور.
стр. 7645
فإن رد فكمنقطع، يعني أن المعين الأهل إذا لم يقبل الوقف بأن رده على الواقف فإن حكم ذلك كحكم المنقطع المتقدم في قوله "ورجع إن انقطع لأقرب فقراء عصبة المحبس" هذا هو ظاهر المص، وهو الذي شرح به الشارح والتتائي، وقال عبد الباقي: فإن رد فكمنقطع فيرجع لأقرب فقراء عصبة المحبس، هذا مفاد التشبيه، والمعتمد أنه يرجع حبسا باجتهاد الحاكم، وهذا إن جعله حبسا سواء قَيله من عُيِّن له أم لا، وأما إن قصده بخصوصه فإن رد عاد ملكا للمحبس، والمعين غير الأهل لصبا أو جنون لا يعتبر رده فيقبل له وليه، فإن لم يكن له ولي أقيم له من يقبل له. قال بناني: ما حمله عليه التتائي عزاه لمالك ورده الرماصي بأن هذا ليس بموجود فضلا عن أن يكون مشهورا، ففي عزوه لمالك وتشهيره نظر، وإنما المنقول في المسألة كما في ابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد قولان، أحدهما لمالك: أنه يكون على غير من رده، والآخر لمطرف أنه يرجع ملكا للمحبس أو لورثته. انتهى. ولا شك أن مراد المص قول مالك، ولذا قال: فكمنقطع، والمتبادر من قول مالك: يكون لغيره، أن ذلك باجتهاد الحاكم كما قاله الزرقاني وهو الظاهر، خلاف ما قال الخرشي: من أنه يرجع حبسا على الفقراء والمساكين، ولم يأت به معزوا والله أعلم. قاله الشيخ المسناوي. وقول الزرقاني: وهذا إن جعله لخ، هذا التفصيل هو الذي ذكره ابن رشد في نوازله، ونقله المواق، وهو الذي يجعع ما ورد في ذلك من الروايات المختلفة التي في المواق وغيره. قاله الشيخ المسناوي. انتهى وقال الرهوني: إن المتبادر من قول مالك ما قاله الخرشي: من أنه يرجع للفقراء، إلا أنه ترك قيدا لا بد منه، فحقه أن يقول: إنه يرجع حبسا على الفقراء إن لم يكن غالب وإلا صرف فيه، وإيضاح ذلك أن موضوع المسألة أنه جعله حبسا سواء قبله من عُين له أم لا، ولم يقصد معينا بخصوصه، وإذا كان الأمر كذلك فقد رجعت المسألة برد المعين إلى تحبيس وقع مبهما من غير بيان المصرف، فهي في المعنى كمسألة المص السابقة قريبا في قوله وصرف في غالب وإلا فالفقراء، وليس في السابقة دخول الاجتهاد فكذلك في هذه، فتأمله بإنصاف. انتهى.
وائبع شرطُه إن جاز، يعني أن الواقف إذا شرط في وقفه شروطا فإنه يجب اتباعها حسب الإمكان إن كانت تلك الشروط جائزة، لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع، فإن
стр. 7646
شرط شروطا غير جائزة فإنه لا يتبع كما يأتي. قاله الخرشي. وقال بناني: واتبع شرطه إن جاز: أي أذن فيه ولو متفقا على كراهته، وأما الختلف في حرمته كشرطه إن وجد ثمن رغبة بيع واشتري غيره، وكاشتراط إخراج البنات من وقفه إذا تزوجن فهذا لا يجوز الإقدام عليه وإذا وقع مضى هذا ما يتحصل من نقل الحطاب. انتهى. وقولهم: ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع، قال بناني: كذا قال القرويون وهو أشهر من قول الأندلسين إن النظر إلى القصد، فإذا حبس على قربة فلا بأس أن يصرف إلى قربة أخرى لأن القصد الأجر، وهو حاصل لكل منهما. قاله الشيخ المسناوي. انتهى. وفي نَوازل الأحْباسِ من المعيار: سئل السيد أبو عبد الله القوري رحمه الله تعالى عن إمام خطيب بالجامع الأعظم كان له ولمن قبله بمدة طويلة مرتب من جزية اليهود ثم اتفق في اليهود ما اتفق فانقطع المرتب بسبب ذلك، فهل يجري المرتب من وفر الأحباس الذي يفضل عن جميع مصالحه ومرمته ومن تعلق به وما تعلق به أم لا؟ فأجاب: بأن المسألة ذات خلاف في القديم والحادث، وأن الذي جرت به الفتيا إباحة ذلك وجوازه وتسويغه وحله لآخذه، وهذا مروي عن ابن القاسم رواه عنه ابن حبيب عن أصبغ، وبه قال عبد الملك بن الماجشون، وأن ما قصد به وجه الله يجوز أن ينتفع ببعضه في بعض إن كانت لذلك الحبس غلة واسعة ووَفْرٌ بَيِّنٌ كثير يومن من احتياج الحبس إليه حالا ومئالا، وبالجواز أفتى ابن رشد ﵁ برم مسجدٍ من وفر غيره، وإلى هذا ذهب الأندلسيون خلاف مذهب القرويين، والأصح الجواز وهو الأظهر في النظر والقياس، ومن هذا ما جرت به العادة من إخراج الكتب من موضع شرط محبسها عدم إخراجها منه ومما بني على مراعاة اللفظ دون القصد ما أجاب به بعض الفقهاء فيمن بنى مدرسة وشرط أن لا يسكنها إلا من يصلي الصلوات الخمس في مسجدها لخ، من أنه يجب الوفاء بذلك، والظاهر أن هذا من اعتبار اللفظ والمقصد، ومنه ما أفتى به القابسي من أخذ كتابين فأكثر شرط محبسها أن لا يعطى منها إلا كتاب بعد كتاب إن كان مأمونا نقله البرزلي.
وللشيخ ميارة في تكميل المنهج:
قلت كذاك الحبس قالوا إن شرط … لا تخرج الكتب فخلف قد فرط
يجرى بها كذاك أن لا يدفعا … إلا كتاب بعد آخر اسمعا
стр. 7647
للقصد جاز فعل ما لو حضرا … موقفه رآه أيضا نظرا
وهذه قاعدة اللفظ إذا … عارضه المقصد فقيل ذا وذا
وذكر سيدي عبد القادر الفاسي في أجوبته أن العمل جرى بمراعاة المقصد، ونظم ذلك أبو زيد في عملياته فقال:
وروعي المقصود في الأحباس … لا اللفظ في عمل أهل فاس
ومنه كتب حبست تقرأ في … خزانة فأخرجت عن موقف
تنبيهات: الأول: إنما يتصور اختلاف اللفظ والقصد حيث لا يكون لفظ المحبس نصا صريحا في المراد، أما إذا كان كذلك فلا، بل يجب اتباعه كما نص عليه ابن رشد ونقله المحققون كابن هلال في نوازله والحطاب في التزاماته وغيرهما وقبلوه، فلو قال المحبس في مسألة القابسي لا يعطى منها إلا كتاب واحد ولو كان الطالب مأمونا لم يجز إعطاؤه ولا يخالف فيه القابسي: ولا غيره.
الثاني: ظاهر ما تقدم في إخراج الكتب من الوضع المشترط سواء كانت كتب فقه أو غيرها، وفي نوازل الأحباس من المعيار: وسئل عن كتب ومصاحف تحبس باسم قصر معين أو مسجد هل يجوز لمن يأخذ منها شيئا أن يمضي إلى داره به يقرأ فيه وينسخه ويرده؟ فأجاب: أما كتب العلم فإنها من أصلها من باب الحبس فوضعها في مكان بعينه [إنما المراد منه (١)] تعريفها بذلك المكان، وفائدة من يصلح له النظر فيها فيه فإذا انتفع بها في غير ذلك الموضع ويردها إليه فما به بأس إن شاء الله تعالى. وأما المصاحف فهي على شرط محبسها إن عرف شرطه.
الثالث: سلم الحطاب والشيخ ميارة وغيرهما ما ذكره البرزلي عن القابسي وسلمه، من أنه يجوز للمأمون أخذ أكثر من واحد، وبحث في ذلك أبو علي فقال: فيما ذكره نظر، لأن المأمون من
стр. 7648
الطلبة يعرض له النسيان والتلف وهو ليس له مال، وقد يكون ظاهر الأمانة وليس كذلك في نفس الأمر، ومن كانت عنده كتب ويعيرها علم ما أشرنا إليه، وما قاله ظاهر لكل منصف. قاله الرهوني. الرابع: قال عبد الباقي: واتبع شرطه بلفظه ولو في كتاب وقفه إن جاز وأمكن، لأن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع، وأراد به ما قابل المنع، فيجب اتباعه ولو مكروها متفقا على كراهته، كشرطه أن يضحى عنه كل عام، وهو يخصص قوله "وفعلها عن ميت" وهذا إن لم يمكن إلا فعل المكروه، فإن أمكن فعل غيره كشرطه أذانا على صفة مكروهة ووجد مؤذن على صفة شرعية لم يتعين ما شرطه، فإن لم يمكن اتباع لفظه كشرطه انتفاعا بكتاب في خزانة ولا يخرج منها ولا ينتفع به إلا بمدرسته التي بنى بصحراء أو طالب علم بها أيضا وتعذرا بها فتخرج لغيرها للانتفاع بها، ويأخذ الطالب استحقاقه بها حيث كان مقبلا على طلب العلم عملا بقصده عند تعذر لفظه ثم فعله كلفظه، كتقريره في مشيخة الحديث محدثا شافعيا على ما أفتى به الرملي الشافعي، وأفتى الشيخ سالم شيخ شيوخنا بأن العمل على كونه محدثا وإن لم يكن شافعيا لأنه لم يقرره في زمنه لكونه شافعيا بل بوصفه بمحدث. انتهى.
الخامس: قال الحطاب: مفهوم قوله: إن جاز أنه إن لم يجز لا يتبع وهذا إذا شرط - والله أعلم - شيئا متفقا على منعه وإلا فقد نص في النوادر والمتيطية وغيرهما أنه إذا شرط في وقف الرباع إن وجد فيه ثمن رغبة بيع واشتري غيره فإنه لا يجوز له ذلك وإن وقع ونزل مضى. السادس من التنبيهات: قال الحطاب: قال في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الحبس: وسئل عن الرجل يحبس الحائط صدقة على المساكين أيقسم بينهم تمرا أو يباع ثم يقسم الثمن بينهم؟ فقال: ذلك يختلف ذلك إلى ما قال المتصدق أو إلى رأي الذي يلي ذلك واجتهاده إن كان المتصدق لم يقل في ذلك شيئا، إن رأى خيرا أن يبيع ويقسم الثمن وإن رأى خيرا أن يقسم ثمره قسمه ثمرا، فذلك يختلف، فإن كان الحائط نائيا بالمدينة فإن حمل أضر بالمساكين حمله وربما كان في الناس الحاجة إلى الطعام فيكون ذلك خيرا لهم من الثمن فيقسم، وهذه صدقات عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه منها ما يباع فيقسم ثمنه ومنها ما يقسم تمرا، ابن رشد: هذا بين إن لم يقل المتصدق شيئا، وإن قال شيئا أو حد فيه حدا وجب أن يتبع.
стр. 7649
السابع: قال في المسائل الملقوطة من وقف وقفا على منافع الجامع صُرِفَ في العمارة والحُصُر والزيت وغير ذلك، ولا يعطى منه الإمام والمؤذن وقد مر ذلك، وكل جامع مسجد ولا ينعكس، فإن صرف للإمام شيء من غلته فلا يرجع به عليه ولا ضمان على من دفع ذلك لأن المحبس لم ينص على دخوله ولا خروجه، فلا يدخل إلا بيقين، فإذا قبض شيئا لم يغرم لاحتمال أن يكون المحبس قد أراد خلاف ظاهر لفظه. الثامن: قال في المسائل الملقوطة: من ولاه الواقف على وظيفة بأجرة فاستناب فيها غيره ولم يباشر الوظيفة بنفسه فإنه لا يجوز له تناول الأجرة ولا لنائبه لأنه لم يباشر الوظيفة بنفسه، [وما عين له الناظر لا يستحقه إلا بمباشرته بنفسه ولا عين الناظر النائب في الوظيفة فما تناولاه (١)] ولا عينه للناظر والناظر لا يستحق إلا بمباشرته فما تناوله حرام. البرزلي: سألت شيخنا الفقيه الإمام ﵀ هل يجوز أن يأتي بوظيفة القراءة التي عليه في الصلاة؟ فقال: لا كأنه جعله إجارة.
التاسع: سأل ابن وضاح سحنونا عن زيت المسجد يكون كثيرا يباع ويدخل في منفعة المسجد؟ قال: يجعل فتائل غلاظا ولم ير بيعه، قال: أيوقد في مسجد آخر؟ قال: لا بأس به. قال: فالخشبة تكون في المسجد قد عفت قد لا يكون فيها كبير منفعة أتباع ويشترى بثمنها خشب يرم بها المسجد؟ قال: أما أنا فلا أجعل سبيلا إلى بيعها أصلا إلا أن ثم قولا ضعيفا. قاله التتائي. كتخصيص مذهب أو ناظر، هذا مثال للجائز في قوله: واتبع شرطه إن جاز، يعني أن الواقف إذا اشترط في أصل وقفه تخصيص غلة الوقف بمذهب معين كمذهب إمامنا مالك وكمذهب الإمام الشافعي أو غيرهما فإن ذلك الشرط يتبع ويختص الوقف بذلك المذهب الذي عينه، وكذلك إذا جعل للوقف ناظرا بعينه فإنه يجب اتباع ذلك ويكون النظر لذلك الشخص الذي خصه بالنظر للوقف، قال الخرشي: والمعنى أن الواقف إذا خصص مذهبا بعينه أو مدرسة بعينها أو ناظرًا بعينه فإنه يجب اتباع ذلك الشرط ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، قال ابن عرفة: والنظر في الحبس لمن جعله إليه محبسه. المتيطي: لمن يثق به في دينه، فإن غفل المحبس عن ذلك كان
стр. 7650
النظر فيه للحاكم يقدم له من يرتضيه ويجعل للقائم به من كرائه ما يراه سدادا على حسب اجتهاده. قاله الخرشي. قال الأجهوري: قلت: فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر للحاكم، هذا والله أعلم إذا لم يكن المحبس عليه معينا مالكا أمر نفسه وإلا فهو الذي يحوزه ويتولاه، يدل على ذلك عبارات أهل المذهب، ثم إن ناظر الوقف لا يوصي بالنظر لغيره إلا أن يكون الواقف جعل له ذلك وله عزل نفسه ولو ولاه الواقف، وحيث لم يكن له أن يوصي به فإن مات والواقف حي جعل النظر لمن شاء، فإن مات فوصيه إن وجد وإلا فالحاكم.
تنبيهات: الأول: يجوز للناظر تغيير بعض الأماكن لمصلحة كتغيير ميضأة وقفها إلى محل آخر لانقطاع مسلك الماء مثلا وبناء موضعها بيوتا كما قاله البرزلي، وإذا جاز ما ذكر لمصلحة فأولى تحويل باب مثلا إلى مكان آخر مع بقاء المكان ذي البناء على حاله. الثاني: إذا ترك المحبس عليه الحبس بلا إصلاح وهو يستغله حتى وهى هل يلزمه في ماله إصلاح ما وهى منه؟ قال في نوازل ابن سهل: إذا ترك الوكيل جنان المحجور عليه وأهمل عمارتها حتى تبورت ويبست فعليه قيمة ما نقص منها لتضييعه إياها. الثالث: قال ابن عرفة: إذا كان علو وسفل لرجلين فلرب العلو رد تحبيس ذي السفل لأنه إن فسد منه شيء لم يجد من يصلح له وكذا العكس. قال الخرشي: ولو غاب الناظر في بلدة بعيدة واحتاج الحبس إلى من ينظر في بعض شأنه فالظاهر أن للقاضي أن ينظر في ذلك ويمضي ما فعله في غيبة الناظر، وليس للناظر إبطال ما فعله القاضي في غيبته.
الرابع: قال ابن عرفة: لو قدم المحبس من رأى لذلك أهلا فله عزله واستبداله، وإذا قدم القاضي على الحبس مقدما فلا يعزله من جاء بعده إلا لوجب لأنه كحكمه في القضايا، واعلم أنه لا يجوز للقاضي ولا للناظر التصرف إلا على وجه النظر ولا يجوز على غير ذلك، ولا يجوز للقاضي أن يجعل التصرف بيد الناظر كيف شاء. الخامس: سمع ابن القاسم من حبس علي بنات له وقد بلغن وكان عمهن يلي حبسهن فاتهمنه وطلب بعضهن أن توكل على حقها، فإن كان حسن النظر لم يكن لها ذلك، وإن كان على غير ذلك جعل معه من توكله على ذلك. ابن رشد: معناه أن العم قدمه المحبس ولو كان بتقديمهن له لكان لمن شاءت منهن توكيل غيره على حقها ولم
стр. 7651
يكن للسلطان في ذلك نظر. وقوله: وإن كان على غير ذلك، يريد سيء النظر أو غير مأمون، وإنما رأى أن توكل لحقها ولم تعزله لأنه رضي بعضهن به ولو لم ترضه واحدة منهن لعزله القاضي عنهن، ولو كن غير مالكات أنفسهن لوجب تقديم السلطان غيره.
السادس: في نوازل الأحباس من المعيار من جواب للإمام الحفار، وقد سئل عن النظر في المساجد في مصالحها من خدمتها من المؤذنين وغيرهم ما يليق بها من جهة الديانة والعلم والمعرفة، هل يكون ذلك للقضاة ولأثمة المساجد أهل العلم بما تقتضيه الشريعة أم لأشياخ المواضع وأهلها إن لم يكن لهم صلاح في موضعهم؟ فأجاب: النظر في ذلك إلى جماعة المسجد إن كان نظرهم جاريا على مقتضى القواعد الفقهية، فإن كان نظرهم خارجا عن الاستقامة نظر في ذلك القاضي بما توجبه السنة. وسئل الفقيه الحافظ أبو القاسم بن سيدي أبي عمران العبدوسي عمن قدمه سلطان البلد على النظر في حبس وعادة أمراء تلك البلد التسلف من مال الحبس والتوسع فيه فتسلف، فهل يقبل قول صاحب الحبس مع يمينه إن السلطان تسلف ذلك المال جريا على عادة من تقدمه أم لا؟ فأجاب: إذا ثبت أن العادة كما ذكرتم فالقول قوله، وقد وقعت الرواية بهذا منصوصا بنحو ما ذكرنا، وممن نص عليه المازري وغيره. قاله الرهوني. وهل للقاضي أن يجعل لمن قدمه للنظر في الأحباس أجرة منها، قال عبد الحق بن عطية: ذلك جائز لا أعلم فيه نص خلاف، وقال المشاور: لا يكون أجره إلا من بيت المال فإن أخذ الأجرة من الأحباس أخذت منه ورجع بها في بيت المال، وبمثل قول المشاور أفتى ابن ورد. انتهى. وقال ابن ورد: لا يجوز أخذ أجرته من الأحباس إلا أن يجهل على من حبست قاله الرهوني.
أو تبدئة فلان بكذا، يعني أن الواقف إذا شرط في وقفه أن يبدأ فلان من غلة الوقف بكذا كل عام فإنه يعطى ذلك القدر مبدءا على غيره. وإن من غلة ثاني عام، يعني أنه إذا شرط أنه يبدأ فلان كل عام من غلة الوقف بكذا، أي بمائة أردب مثلا ولم يحصل في بعض الأعوام ما يسع ذلك فإنه يعطى من العام الذي يلي ذلك ما فاته من ذلك القدر في العام الذي قبله مع ماله في العام الثاني، هذا إذا لم يضف الغلة لكل عام، وأما لو أضافها إليه بأن قال: يُجرَى على فلان
стр. 7652
من غلة كل عام كذا وكذا فجاء عام لا غلة فيه فإنه لا يعطى شيئا من غلة غير ذلك العام، ولهذا قال:
إن لم يقل من غلة كل عام والحاصل أنه إذا لم يضف الغلة أي لفظ الغلة إلى كل عام ولم يحصل في عام ما يعطى منه أو ما يفي بحقه وحصل في عام آخر ما يعطى منه حقه بعد إعطاء ما يستحقه في العام الآخر فإنه يعطى ما لم يحصل له في غيره، وأما إن أضاف لفظة غلة إلى كل عام فإنه لا يعطى من ريع عام من عام غيره واعلم أنه لا فرق بين أن يقول: يبدأ وأن يقول يعطى أو يدفع أو يجرى عليه أو نحو ذلك، فقوله: وإن من غلة مبالغة في التبدئة والوصية كالوقف في التفصيل. قاله غير واحد. وقال بناني: ما فرضه المص من أنه يجبر ما نقص في العام الأول ما حصل في العام الثاني هو الذي فرضه في رسم الوصايا من سماع أشهب، وفرض المتيطي عكسه وهو أنه يجبر ما نقص في العام الثاني مما كان فضل في العام الأول، وجعله الحطاب داخلا فيما قبل المبالغة، وكلام المدونة في كتاب الوصايا الثاني مشتمل على الفرضين معا، ونصها: فللموصَى له أخذ وصيته كل عام ما بقي من غلة العام الأول شيء، فإن لم يبق منه شيء فإذا أغل ذلك أخذ منه لكل عام مضى لم يأخذ له شيئا. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن من في قوله: وإن من غلة ثاني عام بمعنى عن، فيفيد الأخذ من فضل العام الأول للعام الثاني حيث لم يسع ما ذكر. انتهى. وعلم معا مر عن المدونة أنه يأخذ من العام الذي حصلت فيه غلة لما مضى من الأعوام ولو تعدد. والله سبحانه أعلم. وفي المدونة: ومن أوصى لرجل بدينار من غلة داره كل سنة أو بخمسة أوسق من حائطه كل عام والثلث يحمل الدار والحائط فأخذ ذلك عاما ثم بار ذلك أعوامًا فللموصى له أخذ وصيته كل عام ما بقي من غلة العام الأول شيء، فإذا أغل ذلك أخذ منه لكل عام لم يأخذ له شيئا، ولو أكروا الدار في أول سنة بعشرة دنانير فضاعت إلا دينارا كان ذلك للموصى له، لأن كراء الدار لا شيء للورثة منه إلا بعد أخذ الموصى له منه وصيته، وكذلك غلة الجنان، ولو قال: أعطوه من غلة كل سنة لم يعط من سنة أخرى، فلو اكتريت الدار أول عام بأقل من دينار وجاءت النخل بأقل من خمسة أوسق لم يرجع بتمام ذلك فيما بعده. انتهى. ولو طلب أن يوقف له من العام الأول شيء أو يعطاه في الصورة الأولى فهل يجاب إلى ذلك لا؟ قال
стр. 7653
اللخمي: وإذا أغلت أول سنة عشرة دنانير وأخذ دينارا وبقي تسعة نظر في ذلك فإن كانت مأمونة لا تبور أو إن بارت تأتي كل سنة بأكثر من دينار أخذ الورثة هذه التسعة، وإن كان يخشى أن لا تأتي بذلك وقف منها ما يخاف أن لا تأتي به إلا أن يكون الوارث مأمونا غير ملد ولا ممتنع [ورضي (١)] بأن يأخذها في ذمته فيكون أحق بها لأن له فيها شبهة الملك.
أو أن من احتاج من المحبس عليه باع، هذا من أمثلة ما يتبع فيه شرط الواقف لجوازه، يعني أن المحبس إذا شرط أن من احتاج من المحبس عليهم إلى بيع نصيبه باعه فله شرطه، وعلى من ادعى منهم الفقر والحاجة أن يثبت ذلك ويحلف أنه لا مال له ظاهرًا ولا باطنا، والاحتياج شرط لجواز شرط البيع لا لصحته إذ يصح شرطه بدون قيد الاحتياج، لكن لا يجوز ابتداء. قال الحطاب: وإن شرط له البيع إن وجد ثمن رغبة لم يجز لكن يمضي إن وقع. انتهى. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: أو شرط المحبس أن من احتاج من المحبس عليه أو هو نفسه إلى بيع باع فيتبع شرطه لخ، ما مر عن الخرشي قالا وقوله: إن جاز، شرط في مقدر أي ويجوز اشتراطه إن جاز. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن اشترط الواقف أن الموقوف عليه يصدق في الحاجة بغير يمين عمل بشرطه. انتهى. ونحوه في الحطاب.
أو تسور عليه قاض أو غيره رجع له أو لوارثه، هذا أيضا من أمثلة الشرط المتبع وسَوْرة السلطان سطوته واعتداؤه. قاله الجوهري. يعني أن الواقف إذا شرط في وقفه أنه إذا تسور عليه قاض أي تسلط عليه. بما لا يحل شرعا يرجع له ملكا إن كان حيا ولوارثه إن مات فإن ذلك الشرط يتبع، وكذلك لو شرط رجوعه صدقة لفلان عند التسور إليه اتبع شرطه. قاله المتيطي. قاله الخرشي. وقال: والمراد بوارثه يوم التسور والرجوع فيقدر موت الواقف الآن، فمن أخذ ميراثه رجع الوقف له، ومن مات قبل ذلك سقط، أشار له البساطي. قال البرزلي: قال مالك: فيمن حبس على ولده حبسا وشرط لهم إن احتاجوا باعوا ذلك فلحقهم دين، إن لأصحاب الدين بيع الحبس من أجل ما شرط المحبس لهم من البيع عند حاجتهم. انتهى. ابن رشد: لمالك في كتاب ابن المواز خلاف
стр. 7654
قوله هذا: أنه ليس للغرماء أن يجبرُوه على أن ياخذ أموالهم أي العبيد فيقضيها إياهم ولا لهم أن يأخذوها إلا أن يشاء هو أن يفعل ذلك. انتهى. قال البرزلي: قد يفرق بينهما بأن منفعة الدار حاصلة الآن ورقبتها كذلك للحاجة إليها وقد انفك الحبس عنها ومال العبد الأصل أنه له حتى ينتزعه، فالأصل بقاؤه على ملكه حتى يحدث السيد فيه حدثا يدل على الانتزاع. انتهى المراد منه.
كعلى ولدي ولا ولد له، تشبيه في رجوع الوقف ملكا للواقف أو لوارثه، يعني أن الشخص إذا قال هذا وقف على ولدي ولا ولد له حين التحبيس، فإنه يرجع للواقف ملكا، فله بيعه ما لم يولد له، فإن ولد له ولد فإنه لا يجوز له بيعه حينئذ. قال في الجواهر: إذا قال على أولادي ولا أولاد له حينئذ فله البيع ما لم يولد له، وقال ابن القاسم: ليس له البيع حتى يويس له من الولد. انتهى. فإن مات الأب قبل أن يولد له فلا حبس ويصير ميراثا. وفي الشامل: وفي جواز البيع قبل إياسه إن قال على ولدي ولا ولد له ومنعه قولان لمالك وابن القاسم، ومقتضى ما في الشارح أن محل هذا ما لم يكن قد ولد له سابقا، وإلا فينتظر بلا نزاع. قاله الخرشي. وقال التتائي: قال في اختصار المتيطية: إذا حبس على أولاده وأعقابهم فانقرض ولده وأعقابهم وهو حي رجع الحبس إلى مرجعه، إلا أن يولد له فيرجع الحبس إلى ولده، ولا يوقف الحبس في الفترة بعد موت المحبس عليهم. انتهى.
لا شرط إصلاحه على مستحقه، صورتها: وقف هذا الشيء على زيد مثلا فاستحقة أي استحق غلته لكونه وقف عليه، وشرط الواقف على زيد الموقوف عليه أن يصلح الوقف إن احتاج إلى الإصلاح من عنده، فإن ذلك الشرط لا يجوز لأنه كراء بمجهول، فيبطل الشرط ويصح الوقف، وقوله: لا شرط بالرفع عطف على شرطه، أي واتبع شرطه إن جاز لا شرط إصلاحه، أو بالجر عطف على مدخول الكاف من قوله: كتخصيص مذهب، أي واتبع شرطه إن جاز كشرط تخصيص مذهب لا شرط إصلاحه على مستحقه فيبطل الشرط والوقف صحيح ومرمته من غلته، وقال الشبراخيتي: قال في الشرح: فإن أصلح من شرط عليه الإصلاح رجع بما أنفق لا بقيمته منقوضا كما قال الشارح، بخلاف مسألة كتاب العارية إذا أعطى الرجل أرضه لشخص على أن
стр. 7655
يبني فيها ويسكن ما بدا له أي ثم يكون البناء للمعير لم يجز، فإن وقع فعليه قلع بنائه وعليه كراء ما سكن. قال في المدونة: ولك أن تعطيه قيمته مقلوعا لا نقضه، والفرق بينهما أن الباني في العارية إنما بنى لنفسه لينتفع، والباني هنا إنما بنى لرب الدار، لأن الوقف على ملك المحبس. انتهى. قلت: قف على قوله: فإن وقع فعليه قلع بنائه وعليه كراء ما سكن، فإنه يستغرب لأنه إنما سكن على وجه العارية، فكيف يكون عليه كراء في السكنى؟ ولعل وجهه أن العارية لما فسدت صارت كالعدم، فليس فاسد العارية كصحيحها في عدم الكراء. انتهى. وقال بناني بعد كلام ما نصه: فالحاصل أن نفقته من فائدته فإن عجزت بيع وعوض من ثمنه ما هو من نوعه، فإن عجز صرف في مصرفه. انتهى. وقال ابن عرفة قبل هذا: والأظهر عندي أن ينظر فإن كان ذلك يعني الحبس الذي لا تفي غلته بنفقته لا ثمن له رد لمحبسه، وأَن كان له ثمن يبلغ ما يشترى به ما فيه نفع ولو قل بيع واشتري بثمنه ذلك. وفي الزاهي: لو شرط الواقف أن يبدأ من غلته بمنافع أهله ويترك إصلاح ما ينخرم منه بطل شرطه. انتهى.
كأرض موظفة، تشبيه في مطلق النفي، يعني أن الأرض الموظفة أي التي عليها وظيفة أي مكس للحاكم لا يجوز تحبيسها إلا أن تكون الوظيفة من غلتها فإنه يجوز تحبيسها حينئذ على القول الأصح، ومقابل الأصح أنه لا يجوز تحبيسها ولو كانت الوظيفة من غلتها، قال بناني: لما قال في المدونة: إن اشترط على الذي حبس عليه إصلاح ما رث منها من ماله لم يجز، قال أبو الحسن: انظر قوله: من ماله، فلو كان من غلتها لجاز. قالوا: يقوم منه أنه يجوز تحبيس الأرض الموظفة، وحكى ابن الهندي في ذلك قولين، ولو كان على أن ترمَّ من غلتها ويخرج الوظيف من غلة الأرض لجاز تحبيسها، وقد قيل: لا يجوز. قال ابن كوثر: والأول أصوب، وهذا الذي قررت به المص هو الذي يفيده بناني والرهوني، وقرر المص غير واحد بأن معنى قوله: كأرض موظفة، أنه تشبيه في بطلان الشرط وعدم اتباعه وصحة الوقف، أي إذا حبس أرضا موظفة وشرط إخراج الوظيفة من مال الموقوف عليه فإن وقع ذلك صح الوقف وبطل الشرط لا شرط إخراج الوظيفة بعد غلة الأرض فصح الشرط ورجع غير واحد الاستثناء للمسألتين.
стр. 7656
أو عدم بدء بإصلاحه، يعني أن الواقف إذا شرط في وقفه عدم البدء بإصلاح ما انثلم من الوقف فإنه يصح الوقف ولا يتبع شرطه، قال المواق: قال ابن شعبان شرط الواقف البداءة بمنافع الموقوف عليه على إصلاحه باطل. ونفقته، يعني أن الواقف إذا شرط في وقفه عدم البداءة بنفقته فيما يحتاج للنفقة كالحيوان، فإن الوقف صحيح والشرط باطل، فيبدأ بنفقته، وقوله: أو عدم بدء عطف على إصلاحه، الشبراخيتي: أو عدم بدء بإصلاحه ونفقته فلا يوفى بشرطه لأن غرض الواقف دوام الانتفاع فشرط ما يؤدي لتعطيله ساقط.
تنبيه: قال ابن الحاجب: والوقف لازم، ولو قال: لي الخيار، وبحث فيه ابن عبد السلام بأنه إلزام له غير ما التزمه. انتهى. وهذا البحث ظاهر متجه فله الخيار، وقد قالوا فيمن قال: أنت طالق إن شئت إنه يتوقف الطلاق على مشيئته، وهذا خيار في الطلاق، ومدلوله إنشاء إجماعا، والاحتياط في الفروج أولى، والطلاق لا يتوقف نفوذه على شيء، والحبس يتوقف على الحوز ويبطله حصول مانع قبله. انتهى. انظر الرهوني. وأخرج الساكن الموقوف عليه للسكنى إن لم يصلح لتكرى له، يعني أن من وقف دارا أو نحوها على شخص معين لأجل أن يسكن فيها فاحتاج ذلك إلى إصلاح فإن الموقوف عليه يخير بين أن يصلح من عنده ما تهدم منها وبين أن يخرج منها لأجل أن تكرى تلك الدار ونحوها لأجل الإصلاح، فإن حصل الإصلاح وانقضى أجل الكراء رجع إليها من حبست عليه فسكنها. قاله الخرشي. قال: ونقل شيخنا ما صورته: قوله: فإن كانت دارا لخ، الشيخ أبو الحسن عن عبد الحق: قال يحيى بن عمرَ: إن احتاجت إلى مرمة أخرجناه منها وأكريناها من غيره بقدر مرمتها، فإذا رمت وانقضى الأجل رجع فسكن، إلا أن يقول المحبس عليه: أنا أسكن وأرم بقدر ما تكرى به من غيري فذلك له، وكذلك إن احتاجت بعد فهو على ما فسرنا، وهذا معنى ما في المدونة. انتهى. وصريحه أن اللام في لتكرى للتعليل وكذلك في له وكذلك للسكنى، وقال عن البساطي: إن اللام في لتكرى غاية للإخراج. انتهى. وفي الرهوني: عن اللخمي أن ديار الغلة والفنادق والحوانيت وما أشبه ذلك ينفق عليها من الغلة كان الحبس على معين أو مجهول إن احتاجت إلى إصلاح، وإن كانت الدار للسكنى خير المحبس عليه في أن يصلح أو يخرج فتكرى بما تصلح به ثم يعود، وأن البساتين إن كانت حبسا في
стр. 7657
السبيل أو على المساكين أو على عقب أو معين فلم تسلم إليهم الأصول، وإنما تقسم الغلة عليهم كانت النفقة منها تساقى أو يستأجر عليها فما فضل بعد ذلك صرف فيما حبس عليه، وإن كان على معينين وهم يلونه كانت النفقة عليهم، والحكم في الإبل والبقر والغنم على ما ذكرنا في الثمار إن كانت تقسم الغلة عليهم استوجر عليها وما فضل صرف في الوجه الذي جعلت له، وإن كانت حبسا على معينين سلمت إليهم كانوا بالخيار بين أن يلوها بأنفسهم أو يستأجروا عليها، وأن الخيل لا تواجر في شيء من النفقة عليها، فإن كانت حبسا في سبيل الله فمن بيت المال، وإن لم يكن بيعت واشتري بالثمن ما لا يحتاج إلى نفقة كالسلاح والدروع، وإن كانت حبسا على معين ينفق عليها إن قبلها على ذلك وإلا فلا شيء له. انتهى. ونحوه للشبراخيتي وزاد: والعبيد إن كانوا على السبيل ولهم صنعة تراد للسبيل فكالخيل من بيت المال، وإن كانوا للغلة فمنها، وفي كون نفقة المخدَم على ربه أو على المخدم أي من جعل له ربه خدمته قولان، الثاني أصوب لانقطاعه إليه ليلا ونهارا، ولو كان مأواه ليلا عند ربه كانت عليه، ولو قيل: نفقته نهارا على المخدَم، كان له وجه، وكذا العبد يحبس على معين ليخدمه، نقله عن ابن عرفة. قال: ثم قال: والمساجد والقناطر ليس نفقتها على محبسها بل من بيت المال وإن لم يكن ولم يتطوع أحد بقيت حتى تهلك. انتهى.
تنبيه: قال عبد الباقي في شرحه للمص هنا ما نصه: فعلم أن الموقوف عليه مخاطب ابتداء بالإصلاح فإن أباه أخرج إلى أن تكرى مدة لأجل الإصلاح، ثم قال: وأجيز ذلك يعني الكراء للضرورة وإن كان مالك الانتفاع لا يؤجر. انتهى. فجعل الموقوف عليه مالك انتفاع.
وأنفق في فرس لكغزو من بيت المال. يعني أن من وقف فرسا في سبيل الله لغزو أو رباط من ربط المسلمين ونحو ذلك فإن نفقته تكون في بيت مال المسلمين إن كان يوصل إليه، فإن وقفه على معين فإنه ينفق عليه من عنده فإن قبله على ذلك وإلا فلا شيء له، والفرس الموقوف في السبيل إن لم يكن بيت مال قد مر أنه لا يوجر في نفقته، فيباع ويشترى بثمنه ما لا يحتاج إلى نفقة كالسلاح والدروع. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وأنفق في فرس وقف في سبيل الله لكغزو ورباط وقنطرة ومسجد من بيت المال، ولا يلزم المحبس ولا المحبس عليه، ولا توجر. انتهى. وخرج
стр. 7658
بكغزو الموقوف على معين للجهاد فإنه ينفق عليه المعين له كما مر قريبا، فالمحبس للجهاد من الخيل لا يوجر في نفقته كان على معين أم لا، وأما قول التوضيح: لو كان وقفا على معين فإنه ينفق عليه من غلته. انتهى. فمراده: إذا كان حبسا لغير الجهاد والرباط بدليل أنه جعله محترزَ قولِ ابن الحاجب: وإن كان فرسا للجهاد وشبهه، لخ.
فإن عدم بيع وعوض به سلاح، يعني أن الفرس الموقوف في سبيل الله إذا لم يكن بيت مال ينفق عليه منه فإن الفرس يباع ويشترى بثمنه ما لا يحتاج لنفقة من السلاح كالسيوف والرماح والدروع. قال الخرشي مفسرا للمص: تقدم أن الفرس الموقوف في سبيل الله نفقته من بيت المال، فإن عدم بيت المال أو لم يصل إليه فإن الفرس يباع ويشترى بثمنه ما لا يحتاج إلى نفقة كالسلاح لأنه أقرب إلى غرض الواقف، والأولى أن الضمير في عدم راجع للإنفاق المفهوم من أنفق ليشمل ما إذا وجد بيت المال ولم يمكن الوصول إليه ولما إذا عدم، وأما رجوعه لبيت المال فلا يفيد حكم ما إذا وجد ولم يتوصل إليه إلا أن يقال العدم أعم من أن يكون حقيقة أو حكما فلا أولوية. انتهى. وقال عبد الباقي: نحو ما مر وزاد: فإن لم يوجد بيت مال لإصلاح قنطرة ومسجد ولم يتطوع أحد ولا غلة موقوفة عليهما بقيا حتى يهلكا. انتهى.
كَمَا لَوْ كَلِبَ قال الخرشي: كلب بكسر اللام إذا أصابه الكلَب الذي يعتري الكلاب فلا يأكل ولا يشرب وتحمر عيناه ويعض كل شيء قابله حتى يموت، وربما مات المعضوض وربما عاش أياما والمعنى أن الفرس الموقوف في سبيل الله ونحوه إذا أصابه الكلب وهو شيء يعتري الخيل كالجنون وصار لا ينتفع به في خصوص ما وقف فيه وهو الغزو ويمكن الانتفاع به في غيره كالطاحون مثلا فإنه يباع ويشترى بثمنه فرس كما في رواية ابن وهب عن مالك في المدونة لا سلاح، والمعنى يرشد إليه، لأن الذي يشترى بثمنه سلاح هو المحتاج للنفقة حيث عدمت بخلاف مسألة الكلب، فالتشبيه في كلام المؤلف في أنه يباع لا فيه وفي أنه يعوض بثمنه سلاح كما فعل الشارح والتتائي وغيره ففيه نظر. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وفيه: بل يباع ويجعل في مثله أو شقصه ويدل عليه ما بعده، ولو حذف هذا استغناء عنه لسلم من إيهام التشبيه الذي هو الأصل فيه وإن كان غير مراد هنا. انتهى. ومن المدونة قال مالك: ما ضعف من الدواب المحبسة
стр. 7659
في سبيل الله حتى لا يكون فيها قوة على الغزو بيعت واشتري بثمنها ما ينتفع به من الخيل فتجعل في السبيل. قال ابن القاسم: فإن لم يبلغ ثمن فرس. أو هجين أو برذون فليعَن بذلك في ثمن فرس قال ابن وهب عن مالك وكذلك الفرس يكلب ويخبث. قال ابن القاسم: وما بلي من الثياب المحبسة ولم يبق فيها منفعة بيعت واشتري بثمنها ثياب ينتفع بها فإن لم تبلغ تصدق به في السبيل. انتهى.
وبيع ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله أو شقصه. يعني أن الشيء الموقوف على معين أو على غير معين من غير عقار إذا صار لا ينتفع به في الوجه الذي [وقف (١)] فيه كالثوب يخلق والفرس يمرض أو يهرم والعبد يعجز وما أشبه ذلك فإنه يباع ويشترى بثمنه مثله مما ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه، فإن لم يبلغ ثمنه ما يشترى به مثله فإنه يستعان به في شقص مثله. قال ابن شأس: روى ابن القاسم ما سوى العقار إذا ذهبت منفعته التي وقف لها كالفرس يكلب أو يهرم بحيث لا ينتفع به في الوجه الذي وقف له وشبه ذلك فإنه يجوز بيعه ويصرف ثمنه في مثله ويجعل مكانه، فإن لم يصل ثمنه إلى كامل من جنسه جعل في شقص من مثله. انتهى. وقوله: وما لا ينتفع به المنفي كما أشرت إليه في أول الحل هو النفع المقصود للواقف ولكن ينتفع به في الجملة، لأنه يشترط في صحة البيع كون المبيع ينتفع به، وكلام المؤلف لا يشمل الحُصُرَ والزيت، لأن قوله: في مثله أو شقصه، يخرج ذلك. قاله الخرشي. وقد مر أنه لا يجوز بيع زيت المسجد ولا حُصُره. وقوله: من غير عقار أي موقوف غير عقار وهو في موضع الحال. وقوله: في مثله، يجوز أن يتعلق بفعل محذوف أي وجعل في مثله، ويجوز أن يكون في محل حال أي وبيع ما لا ينتفع به حال كونه مجعولا ثمنه في مثله. وما وقع في المدونة من أن الثوب إذا لم يبلغ ثمنه ثمن ثوب آخر تصدق به وإذا لم يبلغ ثمن الفرس فرسا شورك به، قال بعض القرويين: هو وفاق، وفي التوفيق وجهان: أحدهما: أن مسألة الثوب محمولة على ما إذا لم يوجد من يشارك، ومسألة الفرس على ما إذا وجد. والثاني: أنه لما كان المقصود في الخيل نفعَها في الغزو وجعل
стр. 7660
ثمنها في مثلها، ومنفعةُ الثياب للغزاة، وإذا تلفت لم ينتفعوا بها أعطوا ثمن ما بيع من خلقها.
وقوله: وبيع ما لا ينتفع به لخ، أي وجوبا كما في الخرشي.
كأن أتلف، يعني أن تلك الأشياء إذا أتلفها شخص فإنه يلزمه قيمتها، فإذا أخذت القيمة فإنه يشترى بها مثلها إن بلغت فإن لم تبلغ فإنه يشترى شقصها، وقوله: كأن أتلف أي ما ذكر لا بقيد كونه غير منتفع به. وفضل الذكور وما كبر من الإناث في إناث، يعني أن ما فضل من ذكور الأنعام الموقوفة عن النزو يباع ويشترى بثمنه إناث تكون حبسا كأصلها، وما كبر من الإناث وانقطع لبنه يباع ويشترى بثمنه إناث تحبس كأصلها. وقوله: وفضل الذكور، قال الخرشي مفسرا للمص: قد علمت أن ولد الحيوان المحبس مثل أصله في التحبيس، فإذا ولدت البقر أو الإبل أو الغنم ذكورا وإناثا فما فضل من الذكور عن النزو وما كبر من الإناث وانقطع لبنه يباع ويشتري بثمنه إناث تحبس كأصلها، فقوله: وفضل عطف على نائب بيع، وقوله: في إناث متعلق بمحذوف، أي وجعل ثمنه في إناث، ومثل ما كبر من الإناث ما كبر من الذكور مما لا يباع لكونه محتاجا إليه ثم طرأ عدم الحاجة له لعدم ما كان فيه من المنفعة فيشترى بثمنه مثله أو شقصة لحاجة الإناث له. انتهى. وقوله: كبر بكسر الباء. فإن قيل: قوله: وفضل الذكور داخل في قوله: وبيع ما لا ينتفع به لخ، قلت: ذكره لقوله: في إناث ولو لم يذكره لتوهم أن ثمنها إنما يجعل في مثلها أو شقصها. قاله الخرشي. وقال التتائي: ويباع فضل المذكور من نتاجها عن النزو وما كبر من الإناث في إناث وقفت ليقسم ألبانها، سمع ابن القاسم: ما ولد بقرات حبست ليقسم لبنها على المساكين من أنثى حبست معها ويحبس ولدها الذكر لنزوها وما فضل من ذكورها عنه وما كبر من أنثى فذهب لبنها بيعا ورد ثمنها في أنثى وفي علوفتها. انتهى. ومثلها في المواق، ابن عرفة: وهذه الرواية خلاف رواية من منع ذلك. وهو قول ابن الماجشون: من حبس غلاما فكبر أو كثرت سرقته وإباقه لم يجز بيعه ليشترى بثمنه [غيره (١)] مكانه، وكذا البعير والتيس إن انقطع ضرابه لكبره لم يبع ليشترى بثمنه غيره إلا أن يكون المحبس شرط ذلك
стр. 7661
في حبسه. انتهى. وقد مر جواز بيع ما كبر من المذكور في مثله أو شقصه لحاجة الإناث إليه، وهذا الخلاف إنما هو في بيعه ليشترى بثمنه غيره يكون مكانه، وأما بيعه فيما يلزم من علفها ورعيها فجائز اتفاقا. انظر التتائي.
لا عقار وإن خرب، يعني أنه لا يجوز بيع العقار الحبس خرب أم لا. قال مالك: لا يباع العقار الحبس ولو خرب، وبقاء أحباس السلف داثرة دليل على منع ذلك وقوله: عقار، يصح فيه الرفع عطفا على نائب بيع والجر عطفا على غير، نقله الخرشي. وقوله: وإن خرب بكسر الراء. وقال المواق؛ ابن عرفة عن المدونة وغيرها: يمنع بيع ما خرب من ربع حبس مطلقا قال ابن الجهم: إنما لم يبع الربع المحبس إذا خرب لأنه يجد من يصلحه بإجارته سنين فيعود كما كان.
ونقض ولو بغير خرب، النقض بكسر النون بمعنى المنقوض، واقتصر الأزهري على الضم، فقال: النقض بالضم اسم للبناء المنقوض إذا هدم، وبعضهم يقتصر على الكسر ويمنع الضم، والجمع نقوض؛ يعني أن نقض الحبس لا يجوز بيعه، وكذلك لا يجوز أن يبدل ربع خرب بغير خرب، وقوله: ونقض، كان نقض مسجد أو غيره، وفتوى ابن عبد الرفيع ضعيفة. وقال أبو الحسن الصغير: بيع حُصُر المسجد جائز إذا استغني عنها وكذلك أنقاضه وتصرف في مصالحه، نقله ابن سهل في أحكامه، والقولان قائمان من المدونة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي عند قوله: ولو بغير خرب: أي لا يجوز أن يبدل ربع خرب بربع غير خرب، وظاهره أن الإغياء الثاني راجع للربع الخرب والنقض، ولم أره منصوصا إلا في الربع الخرب قاله ابن غازي. انتهى. وقال التتائي: وحكى ابن الحاجب في بيع النقض قولين، واختلف إذا خرب المسجد هل يؤخذ نقضه ويعمر به مسجد بموضع غير خرب إن وفي وإن لم يوف رمم به في مسجد آخر أو لا؟ ابن عبد السلام: والأصل منع بيعه ونقله. وللشيوخ خلاف في حصره العتيقة هل تباع في مصالحه وكذا بسطه وفضلات ترميمه وقناديله المكسرة ونحو ذلك. انتهى. وقال المواق: وعبارة الرسالة: ولا يباع الحبس وإن خرب، ثم قال: واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب. وقال ابن رشد: إذا كانت القطعة من الأرض المحبسة انقطعت منفعتها وعجز عن عمارتها وكرائها فلا بأس بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبسا مكانها ويكون ذلك بحكم من القاضي بعد ثبوت ذلك
стр. 7662
السبب والغبطة في العوض عنه ويسجل ذلك ويشهد به. وفي الزاهي: لا يباع نقض الحبس، وأجاز بعض أصحابنا بيعه ولا أقوله، وفي الطرر عن ابن عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها إذا خيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك وتوقيفه لها إن رجي عمارتها أمثل، وإن لم يرج عمارتها بيع وأعين بثمنه في غيره أو صرف النقض إلى غيره، وحكيَ عن أحمد أنه إن فقد أهل المسجد ولم يرج له عمارة أنه يباع أصله وينفق في أقرب المساجد إليه، وهذا شبيه بما في الفرس المحبس يكلب، ويذكر عن ابن مزين: أنه يؤخذ نقضه وينتفع به في سائر المساجد، ويترك ما يكون علما له ليلا يدرس أثره. ونحوه حكى ابن حبيب عن غير ابن القاسم، وكذلك قال المشاور: في شقص محبس على المساكين أو غيرهم إنه يباع الجميع ويشترى بما يقع منه للحبس مثل ما بيع فيه يكون صدقة محبسة مسبلة كما سبلها صاحبها، قال: وبه العمل قال وهي في الواضحة منصوصة. وأفتى ابن عرفة في جوامع خربت وأيس من عمارتها برفع أنقاضها إلى مساجد عامرة احتاجت إليها. انتهى.
إلا لتوسيع كمسجد، مستثنى من منع بيع العقار، يعني أنه يجوز بيع العقار في هذه المسألة وهي ما إذا ضاق المسجد بأهله واحتيج إلى توسعته وبجانبه عقار حبس أو ملك فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة المسجد وإن أبي صاحب الحبس أو صاحب الملك على المشهور. ولهذا قال: ولو جبرا، وإذا جبر على ذلك في الوقف ففي الملك أولى. قال: المواق قال ابن رشد: اختلف متأخرو الشيوخ إن امتنعوا من البيع للمسجد، فقال أكثرهم: يؤخذ منه بالقيمة جبرا. انتهى. وقال بناني: إلا لتوسيع كمسجد، أي فيجوز بيع الحبس إن احتيج إليه لتوسيع المسجد، وظاهره سواء كان حبسا على معين أو على غير معين، وأنه في ذلك كله لا يدخل في المسجد إلا بثمن وهو ظاهر النقل في التوضيح والمواق وغيرهما، وذكر الشيخ المسناوي في جواب له أن ما وُسَعَ به المسجد من الرباع لا يجب أن يعوض منه إلا ما كان ملكا أو حبسا على معين قال وأما ما كان حبسا على غير معين فلا يلزم تعويضه سواء كان من أحباس المسجد الموسع أو غيره، أو على الفقراء ونحوهم، على ما يفيده جواب أبي سعيد بن لب. انتهى. وقال عبد الباقي: واستثنى من منع بيع العقار الحبس خرب أم لا قوله: إلا أن يباع لتوسيع كمسجد للجماعة كما في النص
стр. 7663
تقدم عن العقار أو تأخر وطريق ومقبرة فيجوز بيع حبس غير هذه الثلاثة لتوسيع الثلاثة أو واحد منها، أي يؤذن فيه، ولهذا قال: ولو جبرا، وكذا يجبر صاحب ملك على بيعه لتوسيع ما ذكر، واحترز بقوله: كمسجد عن ميضأته فلا يباع حبس لتوسيعها، والفرق أن إقامة الجماعة فيه سنة يقاتل على تركها على الأظهر أو واجبة، والوضوء في الميضئات لا فضل فيه. انتهى. قوله: للجماعة كما في النص، هكذا في نسخ هذا الشارح فأفاد أن المنصوص مسجد الجماعات أقيمت فيه الجمعة أم لا، والذي في المواق ما نصه: ابن رشد: ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد كقول سحنون، وفي النوادر عن مالك والأخوين وأصبغ وابن عبد الحكم: أن ذلك إنما يجوز في مساجد الجوامع إن احتيج إلى ذلك لا في مساجد الجماعات إذ ليست الضرورة فيها كالجوامع. انتهى. نقله بناني. قال: وللمسألة نظائر عشرة تقدمت في أول البيوع. انتهى. وعلم مما مر أن الكاف أدخلت الطريق والمقبرة. والله سبحانه أعلم. وفي نقل الخرشي: ولا يهدم المسجد لتوسيع الطريق بخلاف الدفن فيه لضيق المقبرة.
وأمروا بجعل ثمنه لغيره، يعني أن العقار الحبس إذا بيع لأجل توسعة مسجد أو طريق أو مقبرة فإن ثمنه يشترى به عقار مثله يجعل حبسا مكانه، وهل يجبر البائع على البدل أو لا يجبر؟ فيه خلاف، والمشهور عدم الجبر على جعل الثمن في غيره، قاله ابن رشد. قال: وهو قول ابن القاسم، وإنما لم يجبروا على جعل الثمن لغيره لأنه لما جاز لهم البيع اختل حكم الوقفية المتعلقة به، فقوله: وأمروا أي المحبس عليهم. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وأمروا أي المحبس عليهم بجعل ثمنه أي الحبس الذي بيع لتوسيع الثلاثة لغيره وجوبا، أي يشترى بالثمن عقار مثله ويجعل حبسا مكانه من غير قضاء على المشهور، لأنه لا جاز بيعه اختل حكم الوقفية، وسكت عن توسيع بعض الثلاثة من بعض وهي ست صور، ويؤخذ الجواز من قول الشارح عند قول المص: واتبع شرطه إن جاز ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه في بعض. انتهى. وفي الخرشي: ولا يأخذ الثمن إلا الواقف أو ورثته لأن الثمن عوض الرقبة وهي على ملك الواقف لقوله: والملك للواقف. انتهى. وقال التتائي: ولمالك وابن القاسم: إن استحق حبس فعل ربه بثمنه ما شاء، وفهم من قوله: أمروا أي الموقوف عليهم عدم القضاء به وهو كذلك، واختلف
стр. 7664
متأخرو الشيوخ إن امتنعوا من البيع للمسجد فقال أكثرهم يؤخذ منهم بالقيمة جبرا، وهو الآتي على قول ابن القاسم: إنه لا يحكم عليهم بجعل الثمن في دار أخرى هي تكون حبسا، وعلى قول ابن الماجشون يقضى عليهم بجعل الثمن في أخرى لا يقضى عليهم ببيعها إن امنتعوا. انتهى. وسئل العبدوسي عن حبس يستأجر بغلته معلم صبيان في مسجد بعينه فوجد المعلم شجرة عظيمة لا تصلح إلا للحطب؟ فأجاب: لا يجوز للمعلم احتطابها ولا أن ينتفع بشيء منها بإجماع، بل تباع ويغرس بثمنها شجرة أخرى مكانها إن أمكن وإلا صرف ثمنها في مصالح ذلك الحائط. اهـ بنقل المعيار. اهـ من الرباطي على العمليات الفاسية.
ومن هدم وقفا فعليه إعادته، يعني أن من هدم بناء موقوفا فإنه يجب عليه إعادته إلى الحالة التي كان عليها قبل الهدم، ولا يجوز أخذ القيمة لأنه كبيعه، وتبع المص في ذلك ابن الحاجب وابن شأس، واقتصر عليه في النوادر، وعليه اقتصر ابن سلمون، وفي نوازل المياه من المعيار ما نصه: وعلى من هدم الحائط بناؤه ورده على صفته، ولا يجوز لهم ما فعلوا، وهذا قول أصحاب مالك ونص أهل العلم أجيب به عمن هدم بناء إنسان لسد طريق كانت على أرضه، وإذا كان هذا في غير الحبس فالحبس أولى، فقول المص: ومن هدم وقفا فعليه إعادته، هو المذهب والصحيح، وهو الآتي على قول ابن القاسم الذي رجحه اللخمي وعبد الحق، وصريح قول ابن كنانة. نقله الرهوني عن الشيخ أبي علي. قال: وما قاله ظاهر. اهـ. وقال عبد الباقي: والذي ارتضاه ابن عرفة ونحوه شهر عياض وهو ظاهر المدونة أن عليه قيمته كغيره من التلفات، فيقوم قائما ومهدوما. ويؤخذ ما بين القيمتين والنقض باق على الوقفية. اهـ. وقال: قال الشيخ أحمد بابا: واعترض ابن فائد الزواوي على ابن عرفة بأن تشهير عياض لم يقله إلا في حائط حبدر ولا يلزم تعميمه في هدم جميعه، وما ذكر عن ظاهر المدونة معارض لنقل النوادر عن العتبية. اهـ. وقال الرهوني: قد اعترض أبو علي أيضا كلام ابن عرفة بأبين وأوضح مما اعترضه به ابن فائد إلي آخر كلامه. وقال عبد الباقي: وجمع الناصر بين القولين فقال: عليه إعادته إن كانت الأنقاض باقية وقيمته إن أزال الهادم أنقاضه بحرق ونحوه، وعلى ما للمص لو أعاده على غير صفته حمل على التبرع إذا زاده. اهـ. فإن نقصه أخذ النقص، وعلى القول بأخذ القيمة ولم يطلع عليه حتى
стр. 7665
بناه وكانت قيمة البناء أنقص لا ينقض بل يوخذ النقض. قاله الخرشي. وقول المص: هدم أي تعديا، فإن هدمه خطئا فعليه قيمته كما إذا هدمه يظنه غير وقف، وعلى غير ما مشى عليه المص لا فرق بين هدمه تعديا أو خطئا، وظاهر قوله: فعليه إعادته ولو كان المهدوم باليا لأنه ظالم ومفهوم قوله: وقفا: أن من هدم ملكا عليه قيمته وهو المشهور. اهـ كلام عبد الباقي. وقال بناني عند قول المص: ومن هدم وقفا فعليه إعادته: قال الأبي على حديث جريج. (أعيدوه ترابا (١)) ما نصه: عياض: يحتج به من يقول: يقضى في المتلفات كلها بمثلها، وهو قول الشافعي والكوفيين، ولمالك في العتبية مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه إنما يقضى بالمثل في المكيلات والموزونات، وأما في غيرها فإنما يقضى فيه بالقيمة، ولا حجة للأولين فيه لأنه شرع غيرنا وليس فيه أنهم أمروا بذلك، ولعله تراض من الجميع، ألا ترى قولهم: نبنيه بذهب فإنما هو بتراضيهم، فكذلك بناؤه بالطين. الأبي: وألحق أهل المذهب بالكيل والموزون في القضاء بالمثل المعدودات. اهـ. وقال عبد الباقي: ومن قلع شجرا أو حرقه أو قطعه أو ضيع أوقتل حيوانا أو أتلف ثوبا أو كتابا أو مكتوبا وقفا تعديا فعليه بدل ما أتلفه وقيمة الثوب والكتاب والمكتوب والحيوان. اهـ. قال الرهوني: انظر من قال هذا، فإن أراد القياس على الهدم فلا يصح قطعا لأن إعادة البناء كما كان ممكن ولذلك فرقوا بين مثل الغلام والفرس مثلا المحبسين وبين هدم الحائط على ما اعتمده المص، قال أبو علي: وبإمكان العود في البناء فارقت الدور العبد الحبس إذا قتل لأنه بعد موته لا يمكن رده على ما كان عليه ولا كذلك الدار إلى آخر كلام أبي علي. قال الرهوني: وليست الشجرة كذلك إذ ليس في طوق أحد غرس شجرة تاتي بعد غرسها مثل ما أتلف. فتأمله.
وتناول الذرية، يعني أن قول الواقف: هذا وقف على ذريتي، يتناول الحافد أي ولد البنت أي يشمله ذلك، فقوله: الذرية فاعل تناول وهو على حذف مضاف أي لفظ الذرية، ومفعول تناول الحافد الآتي. قال الشيخ الخرشي رحمه الله تعالى: هذا شروع في بيان ألفاظ الواقف باعتبار ما
стр. 7666
تدل عليه، والمعنى أنه إذا قال: هذا وقف على ذريتي فإنه يتناول ولد البنت، حكى ابن العطار الاتفاق على ذلك لأن سيدنا عيسى من ذرية سيدنا إبراهيم ﵉. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ وهو ولد بنتٍ، وحكى ابن رشد قولا بعدم دخول ولد البنات وهو نقض للاتفاق، ويتناول لفظ الذرية الحافد وإن سفل ذكرا أو أنثى.
وولدي فلان وفلانة، يعني أن لفظ الواقف وقف على ولدي فلان وفلانة وأولادهم يتناول الحافد ذكرا أو أنثى وإن سفل. أو الذكور والإناث، يعني أن الشخص إذا قال هذا وقف على أولادي الذكور والإناث وعلى أولادهم فإن هذا اللفظ يتناول الحافد أي ولد البنت وإن سفل ذكرا أو أنثى، وعلم مما قررت أن قوله: وأولادهم، راجع لكل من الصيغتين، أعني قوله: ولدي فلان وفلانة، وقوله: الذكور والإناث، إذ لو لم يقل فيهما وأولادهم لم يتناول، وأما لفظ الذرية فلا يشترط فيه ذلك لأنه مستغنى عنه. وقوله،
الحافد. قد مر أنه مفعول تناول، قال عبد الباقي: وهو ولد البنت وإن سفل ذكرا أو أنثى، والظاهر أن إفراد ضمير أولادهم في الصيغتين كجمعه بتأويل أولاد من ذكر، وفي القاموس: حفدة الرجل بناته وأولاد أولاده كالحفيد. اهـ. وفي البيضاوي في ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: أولاد أولاد أو بنات فإن الحافد هو المسرع في الخدمة، والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة، وفي القاموس: السبط بالكسر ولد الولد جمعه أسباط. اهـ.
فرع: إن قال: حبس على ولدي الذكور والإناث فمن مات منهم فولده بمنزلته دخل ولد البنت إن ذكر فمن مات لخ، من تمام صيغة الوقف، فإن ذكره بعد مدة لم يدخل عند مالك، واقتصر عليه في معين الحكام لتأخره عن تمام الوقف إلا أن يكون اشتَرَط لنفسه الإدخال والإخراج والتغيير والتبديل، وذكر أنه أدخلهم، فإن قال: وقف على ابنتي وولدها دخل ولدها المذكور والإناث، فإن ماتوا كان لأولاد الذكور ذكورهم وإناثهم، ولا شيء لولد البنت ذكرا أو أنثى. قاله ابن القاسم، واستحسنه اللخمي. ثم هذه الألفاظ المذكورة في المص تحمل على العرف، فإن جرى
стр. 7667
عرف بإطلاق لفظ على معنى غير ما وقع عليه النص أعم من معناه أو أخص أو مباين له حمل عليه. اهـ كلام عبد الباقي.
مسألة: لو قال: وقف على ولدي فلان وفلانة ولم يسم الآخرين فهل تجري على مسألة الشيوخ المشهورة فيمن قال في الإيصاء: جعلت النظر على ولدي فلان وفلان إلى فلان وفي أولاده من لم يسم، فهل الإيصاء قاصر على المسمَّيْنَ أو لا؟ فيه تنازع بين ابن زرب وغيره، فهل مسألة التحبيس مثلها أو لا؟ قال بعض الفضلاء المشارقية: ليس مثلها لا يدخل في الحبس ويدخل في الإيصاء، والفرق بينهما أن الوصية بالأولاد قد علم المقصود بها وهو القيام بهم وهو مظنة التعميم، فالتسمية ليست للتخصيص، وأما الوقف فالمقصود به صرف المنافع ويجوز قصرها على بعض، دون بعض فيصح أن يقال للتسمية أثر، قال المشدالي: قلت: وهذا فرق لا بأس به. قال الوانوغي: وفي نوازل ابن رشد نحوه. اهـ. قاله الحطاب. وقال الخرشي: إذا قال: وقفت على ولدي (١) أولادي فيتناول ولد الصلب وولده المذكور دون الإناث، ويؤثر البطن الأول، وقال المغيرة: بل يسوى بين الجميع. اهـ. وقال الخرشي أيضا: والذرية بضم الذال المعجمة وكسرها لغتان حكاهما صاحب المحكم، والأولى أفصح من ذرأ الله الخلق أي خلقهم. انتهى.
لا نسلي، يعني أن الشخص إذا قال هذا وقف على نسلي، فإن ذلك لا يتناول الحافد. قال ابن رشد: اختلف الشيوخ في الذرية والنسل، فقيل: إنهما بمنزلة العقب والولد لا يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك، وقيل: إنهم يدخلون فيهما، وفرق ابن العطار النسل كالولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنت بخلاف ذريتي فتشمل ولد البنات اتفاقا لقول الله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله ﴿وَعِيسَى﴾.
وعقبي، يعني أن لفظ العقب لا يتناول الحافد، فإذا قال هذا وقف على عقبي اختص به الأولاد وأولاد الذكور وهلم جرا، ولا يدخل فيه ولد البنت. ابن رشد: [لا فرق (٢)] عند أحد من العلماء بين لفظ العقب والولد في المعنى، فإذا قال المحبس: حبست على ولدي أو على أولادي ولم يزد على
стр. 7668
ذلك فيكون الحبس على أولاده دنية الذكران والإناث وعلى أولاد بنيه الذكور دون الإناث، ولا يدخل في ذلك أولاد البنات للإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم قاله المواق. يعني أن الإجماع انعقد على أنهم غير داخلين في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآيات.
وولدي وولد ولدي، يعني أن الشخص إذا قال: وقف على ولدي وولد ولدي فإن هذا اللفظ لا يتناول الحافد بل يختص بالوقف أولاد الصلب وأولاد الأولاد الذكور، فلا يدخل أولاد الإناث ذكورا أو إناثا، هذا الذي رواه ابن وهب وابن عبدوس عن مالك ورجحه ابن رشد في المقدمات، وقال الشيخ أبو الحسن: إذا قال: وقف على ولدي وولد ولدي يدخل أولاد البنات، قال ابن غازي: وهو المشهور. قاله بناني. وقال الرهوني: هكذا قال في تكميل التقييد لكنه خلاف ما يفيده كلام ابن الحاجب والتوضيح، ونص ابن الحاجب: وولدي وولد ولدي، المنصوص أيضا لا يدخل ولد البنات. التوضيح: والمنصوص قول مالك وهو مذهب المدونة على ما وقع في بعض الروايات، ومقابله ما ذكره ابن العطار أن أهل قرطبة كانوا يفتون بدخولهم.
وأولادي وأولاد أولادي، يعني أنه إذا قال: وقف على أولادي وأولاد أولادي فإن هذا اللفظ لا يتناول الحافد بل يختص بأولاد الصلب وأولاد البنين أي البنين الذكور وهلم جرا، وقوله: ولدي وولد ولدي، علم مما قررت أنه جمع بين اللفظين، بأن قال: وقف على ولدي وولد ولدي وكذا قوله: وأولادي وأولاد أولادي، وكذا الحكم بالأولى لو أفرد في كل من الصيغتين بأن قال: وقف على ولدي، أو قال: هو وقف على ولد ولدي، أو قال: هو وقف على أولاد، أو قال: هو وقف على أولاد أولادي، فهذه الصور كلها لا يدخل فيها الحافد.
وبنيَ وبني بنيَّ، يعني أن الشخص إذا قال هو وقف علي بنيَّ وبني بنيَّ فإن هذا اللفظ لا يتناول الحافد، ودخل بنات الأبناء دون أولاد البنات، قال الشيخ أحمد: المفهوم من كون هذه الألفاظ لا تتناول الحافد أنها تتناول أولاد الذكور ذكورا وإناثا وهو كذلك، وحينئذ فالمراد بقوله: بني، وبني بني أولادي وأولاد أولادي. انتهى. انتهى. ومقتضى تقرير الشارح أن هذه الألفاظ مفردة لقوله: إنها ثمانية: أحدُها نسلي. ثانيها: عقبي. ثالثها: ولدي. رابعها: ولد ولدي. خامسها:
стр. 7669
أولادي. سادسها: أولاد أولادي. سابعها: بني. ثامنها: بني بنيَّ. فكل واحد من هذه الألفاظ الثمانية لا يتناول الحافد وجعل غير واحد من الشراح الألفاظ ستة أولها: نسلي. ثانيها: عقبي. ثالثها: ولدي. رابعها: ولد ولدي. خامسها: أولادي وأولاد أولادي. سادسها: بنيَّ وبني بنيَّ. وجعلها عبد الباقي خمسة، أولها: نسلي. ثانيها: عقبي. ثالثها: ولدي وولد ولدي. رابعها: أولادي وأولاد أولادي. خامسها: بني وبني بني. وقال في ولدي وولد ولدي ما نصه ويدخل ولده الذكر والأنثى وأولاد ولده الذكر، وقال في أولادي وأولاد أولادي: ويعلم منه حكم ما إذا أفرد بالأولى في عدم التناول وكذا في الآتية. اهـ. يعني بنيَّ وبني بنيَّ. واعلم أنه إذا قال: وقف على ولدي ولم يزد على ذلك فهو معقب، وكذا لو قال: على أولادي كما في الخرشي، وكذا لو قال: وقف على نسلي، وكذا لو قال: على عقبي، وكذا لو قال: على بني بخلاف ما لو قال وقف على ابني لأن اسم ابني معين، وفي نقل الرهوني ما نصه: الحبس المعقب له خمسة ألفاظ، الولد والعقب والبنون والذرية والنسل. اهـ. ويأتي كلام الحطاب عند قوله:
وفي ولدي وولدهم قولان، يعني أن الشخص إذا قال: وقف على ولدي وولدهم فإنه اختلف في هذا اللفظ هل يتناول الحافد أو لا يتناوله؟ قال الخرشي: يعني أنه اختلف إذا قال: حبس على ولدي وولدهم هل يدخل في ذلك ولد البنت أو لا؟ قولان، أفتى أهل قرطبة بدخوله نظرا لآخر الكلام، وقال مالك بعدم دخوله نظرا لأول الكلام، ومثل ولدهم ولده بضمير الإفراد. انتهى. وقال الرهوني: الذي يظهر رجحانه في هذه هو تناول الحافد لخ، ومثل وقف على ولدي وولدهم وقف على عقبي وعقبهم ففيها القولان كما في بناني.
تنبيه: قال الخرشي: وأما لفظ البنين فإنه يتناول عند مالك الولد وولد الولد الذكور ذكورهم وإناثهم، قال مالك: من تصدق علي بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بنيه يدخلن في ذلك، وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنات بنيه يدخلن مع بنات صلبه، قال أبو الوليد: والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنت لا يدخل في البنين. اهـ. وقوله: وفي ولدي وولدهم قولان بدخول الحافد قضى محمد بن السليم بفتوى أكثر أهل زمانه، قال الرهوني: جعل ابن رشد قضاء ابن السليم في هذه الصورة، وجعله الباجي في التي قبلها، قال أبو علي: ويمكن
стр. 7670
أن يكون وقع منه القضاء في كل من اللفظين بفتوى أهل زمانه. اهـ. وفي الحطاب: ينبغي أن يكون مراد المص إذا قال: وقف على ولدي وولد ولدي، أو قال: على أولادي وأولاد أولادي، أو قال: على بني وبني بني فإن الحافد لا يتناوله هذا اللفظ، وليس مراده أن الواقف أتى بلفظة من الألفاظ الستة، فقال: وقف على ولدي، أو قال: على ولد ولدي، أو قال: على أولادي، أو قال: على أولاد أولادي، أو قال: على بني، أو قال: على بني بني، فإنه يفوته التنبيه على ما إذا جمع بين اللفظين والخلاف فيه قوي، فإن ابن العطار ذكر أن أهل قرطبة كانوا يفتون بدخولهم، قال: وقضى به محمد بن السليم بفتوى أهل زمانه، وأما إذا قال: وقف على أولادي أو على ولدي فالمعروف من المذهب عدم دخولهم، وكذلك ينبغي أن يكون الحكم إذا قال: على ولد ولدي فقط. اهـ. وقوله: وفي ولدي وولدهم قولان. قال بناني: هنا لا يظهر كبير فرق بين هذه المسائل كلها، ولهذا قال بعضهم في مسألة القولين: لعل الشيوخ إنما اعتمدوا في ذلك على عرف تقرر عندهم لأن أكثر هذه المسائل مبنية على العرف كما لابن رشد وغيره، وبذلك تزول صعوبة الفرق. اهـ. والله أعلم. وهذا كلام حسن.
وتناول الإخوة، يعني أن الواقف إذا قال: هذا وقف على إخوتي فإنه يتناول الأنثى، قال الخرشي: يعني أنه إذا قال: هو حبس على إخوتي فإنه يتناول الأنثى ولو كانت أختا لأم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فإنه يشمل ذلك، فقوله: والإخوة الأنثى عطف على الذرية والحافد. اهـ.
ورجالُ إخوتي ونساؤهم الصغيرَ، يعني أن الشخص إذا قال هذا وقف على رجال إخوتي، أو قال: هذا وقف على نساء إخوتي فإنه يتناول الصغير فيدخل فيه من لم يبلغ من الذكور، ويدخل فيه من لم يبلغ من الإناث، قال الخرشي: يعني أنه إذا قال: هذا وقف على رجال إخوتي أو على نسائهم فإنه يتناول الصغير والصغيرة منهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ فإنه يشمل الصغير والصغيرة. انتهى. قوله: ورجال والصغير عطف على الذرية والحافد، وشمل كلام المصنف ما لو جمع الواقف بين اللفظين كما لو قال: وقف على رجال إخوتي ونسائهم، وما إذا لم يجمع بينهما بأن قال: وقف على رجال إخوتي فقط أو على نسائهم فقط فإنه يشمل