الاستحقاق. وقال ابن [راشد] (١) في اللباب: الصيغة ما يدل على ذلك نحو اعتصرت ورددت ثم ذكر بعض ما تقدم وهو أن بيعه لا يكون اعتصارا، قال: ولا يجوز اعتصارها بعد البيع والثمن للولد، ولا يكون اعتصار الأبوين إلا بإشهاد. اهـ. واعلم أن ابن ورد متأخر عن ابن عبد الغفور صاحب الاستغناء بكثير، فكيف ينقل عنه؟ فصدور هذا من ابن عرفة وهم. قاله بناني. وفي الحطاب: ولو تصدق على ابنه بعرض ثم باعه بعد ذلك فإن الثمن يكون للابن سواء باع العرض لابنه باسمه أو جهل ذلك فلم يعلم إن كان باع لنفسه أو لابنه، وأما إن باع ذلك لنفسه على سبيل الرجوع فيها والأكل لها فالبيع مردود والصدقة جائزة، ويتبع المشتري الأب بالثمن في حياته وبعد وفاته وجده أو لم يجده لأن الصدقة قد كانت حيزت للابن، ولو كانت الصدقة دارًا يسكنها الأب فباعها قبل أن يرحل عنها لنفسه استرجاعا لصدقته واستخلاصا لنفسه بطل البيع إن عثر عليه في حياته، ومضت الصدقة للابن، وإن لم يعثر على ذلك حتى مات الأب بطلت الصدقة ولم يكن للابن فيها حق ولا في الثمن وصح البيع للمشتري. والله أعلم. اهـ. وقال في مفيد الحكام: ومن وهب عبدا لولده الصغير ثم أعتقه لم ينفذ عتقه فيه إلا أن يكون الوالد موسرا فيعطي الولد قيمة العبد وينفذ العتق، وإلا فلا وقد قيل إن ذلك رجوع فيما وهب من العبد، وليس عليه شيء، وهذا في الوضع الذي يجوز له الرجوع في هبته. قاله الحطاب. وفيه أيضا أن من ملك ولده بيرا أو أرضا ثم أوقف بعد ذلك جميع أملاكه على أولاده وأدخل في ذلك الأرض والبير التي أوقفها على ولده فإن ما ملَّكه من البير والأرض للولد الأول صحيح لا يبطله الوقف الذي بعده، هذا إذا كان الولد الأول كبيرا وحاز لنفسه أو صغيرا وأشهد أبوه أنه حاز له، ومحل الصحة المذكورة حيث لم يشهد الأب أنه رجع فيما ملكه لولده قبل الوقفية، وإن كان الولد كبيرا ولم جز أو صغيرا ولم يحز الأب له حتى أوقفه فالوقف صحيح، والتمليك باطل، إلا أن يحكم به حاكم لا يشترط الحيازة، وهذا على القول الراجح أن الاعتصار لا يكون إلا بالقول ولا يكون بالعتق اهـ.
стр. 7737
كأمٍّ يعني أنه يجوز للأم أن تعتصر ما وهبته لولدها، وقوله: فقط، راجع للأم والولد والأب، فالأب هو الذي يعتصر فقط لا الجد مثلا، والولد هو الذي يُعْتَصَرُ منه فقط لا غير الولد، والأم هي التي تعتصر ما وهبته لولدها فقط لا الجدة مثلا، ورَاجِعٌ للهبة أي إنما تعتصر الهبة فقط أي وما في معناها لا الصدقة وما في حكمها وعلم مما مر أن الاعتصار لا يكون إلا باللفظ على الراجح، فلا يكون بالبيع إلا أن يشهد عند بيعه أو قبله أن بيعه اعتصار كما في أحمد. قاله عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: والحق أن الاعتصار يكون بكل لفظ يدل على استرجاع الهبة من الولد كما يفيده ابن عرفة وغيره. اهـ. قال الرهوني: كأنه لم يقف على نص صريح في ذلك، مع أنه مصرح به في كلام غير واحد، ثم جلب النقل في ذلك.
وهبت ذا أب، يعني أن الأم إذا وهبت لولدها فإنما تعتصر ما وهبت إن كان له أب، فإن لم يكن له أب فليس لها أن تعتصر منه وهذا إذا كان الولد صغيرا وأما إن كان كبيرا فلها أن تعتصر منه كان له أب أو لم يكن قاله الحطاب. وقال في المدونة: وللأم أن تعتصر ما وهبت أو نحلت لولدها الصغير في حياة أبيه أو ولدها الكبير، فإن لم يكن للصغير أب حين وهبته أو نحلته فليس لها أن تعتصر، وإن وهبتهم وهم صغار والأب مجنون جنونا مطبقا فهو كالصحيح في وجوب الاعتصار لها، وإلى هذا الأخير أشار المص بقوله: وإن مجنونا، قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ومحل جواز اعتصار الأم حيث وهبت صغيرا لا يتيما حين هبتها بل ذا أب، فلها أن تعتصرها منه، وسواء كان الأب والابن موسرين أو معسرين أو أحدهما وإن كان الأب مجنونا جنونا مطبقا وقت الهبة، وأخذ منه أن البكر بنت المجنون لا تستأمر إذا قدم القاضي من يزوجها لأن لها أبا، ولكن المشهور رواية عيسى أنه لا بد أن تستأمر كاليتيمة وابنة الغائب، وانظر لو جن الأب بعد هبته لولده هل لوليه الاعتصار أم لا؟ والظاهر الأول وإنما قلنا صغيرا لأجل قوله:
ولو تيتم على المختار، يعني أنها إذا وهبت لولدها الصغير وهو ذو أب فإنها تعتصر منه وإن مات أبوه بعد الهبة إن طرأ له اليتم بعد هبتها له في حياة أبيه، هذا هو المشهور كما قاله غير واحد، ومقابل المختار لابن المواز وأبي محمد، فإنه قال: والأم تعتصر ما دام الأب حيا، واعترض المص بأن هذا اختيار للخمي من عند نفسه، فالمناسب التعبير بالفعل، وأجيب بأنه عبر بالاسم لأنه
стр. 7738
ظاهر المدونة، ونصها: وللأم اعتصار ما وهبت أو نحلت لولدها الصغير في حياة أبيه أو لولدها الكبير لخ، أبو الحسن: انظر قوله: في حياة أبيه ما العامل فيه، هل هو قوله: تعتصر، أو قوله: وهبت؟ فإن كان العامل فيه تعتصر فيكون كقول محمد، وإن كان العامل فيه وهبت فمثل ما رجحه اللخمي، فيتخرج القولان منه. اهـ. ولا شك أن ظاهرها هو التعلق بأقرب الفعلين وهو الثاني. اهـ. انظر حاشية الشيخ بناني، وفي الرهوني تقوية ما للمص وأنه اختيار له من الخلاف، وأن ما مشى عليه المص من القول الذي اختاره اللخمي هو الصواب. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قد مر عن الخرشي وعبد الباقي أن الحبس لا يعتصر. قال بناني: ظاهره أن الحبس لا يعتصر مطلقا وفيه نظر، ففي المدونة ما نصه: وأما الهبة والعطية والعمرى والنحل فلهما الاعتصار في ذلك، وأما الحبس فإن كان بمعنى الصدقة لم يعتصر وإن كان بمعنى الهبة تكون سكنى أو عمرى إلى شهر أو شهرين ثم مرجعه إليه فإنه يعتصر. قال ابن عبد الغفور في كتاب الاستغناء: وقال سحنون: تعتصر العمرى على كل حال ضرب لها أجلا أو لم يضرب كان قريبا أو بعيدا وكذلك الحبس. انتهى.
إلا فيما أريد به الآخرة، مستثنىمن قوله: وللأب اعتصارها لخ، يعني أن ما كان من الهبة وما في معناها من العمرى والإخدام والإسكان والعارية والعطية مرادًا به ثواب الآخرة فإنه ليس للأب ولا للأم اعتصاره، وإنما لهما اعتصار ما ذكر حيث لم يريدا بذلك الآخرة، قال الخرشي: يعني أن الهبة والإخدام والعمرى أو نحو ذلك إذا أراد المعطي بما ذكر وجه الله تعالى وثواب الآخرة صار صدقة وهي لا تعتصر، وسواء كان الواهب أبا أو غيره، وكذلك لا اعتصارَ للأب ولا للأم إذا أراد كل بالهبة صلة الرحم كما إذا كان الولد صغيرًا محتاجا أو كبيرا بائنا عن أبيه، وكذا لا اعتصارَ لأحدهما إذا أشهد على الهبة على المشهور ونحوه لعبد الباقي، وقوله: لا اعتصارَ لأحدهما إذا أشهد لخ، قال بناني: لم أجده في أبي الحسن ولا ابن عرفة ولا التوضيح ولا غيرهم ممن وقفت عليه فانظر من أين أتيا به. اهـ. وقال التاودي ليس هو في الشيخ إبراهيم، ولا في الأجهوري، ولا في التتائي، ولا في الحطاب، ولا في الشامل، ولا في التوضيح، ولا في ابن عبد السلام، ولا في ابن الحاجب، ولا ابن شأس، ولا في المدونة، ولا أبي الحسن عليها، وليس
стр. 7739
بظاهر. اهـ. وقال التتائي: إلا فيما أريد به الآخرة من الهبة، لأنها صارت صدقة والصدقة لا تعتصر. وقال مطرف: له الاعتصار وبالأول جرى العمل. اهـ. وقال المواق: في نوازل سحنون هبته لابنه للصلة لا يجوز اعتصارها، وكذا هبته لضعفه وخوف الخصاصة عليه، وقال ابن الماجشون: كل هبة لوجه الله أو لطلب الأجر أو لصلة الرحم لا تعتصر. ابن رشد: هذا مثل قول عمر في المدونة، ونحوه في مختصر ابن عبد الحكم وهو أظهر من قول مطرف اهـ.
كصدقة بلا شرط، شبه ما وقع بلفظ الصدقة بما وقع بلفظ الهبة وما في حكمها مرادًا به الآخرة، يعني أنه إذا تصدق على ولده بأن قال: هذا صدقة عليك ونحوه فإنه لا اعتصار له، سواء كان المتصدق أبا أو أما، وهذا حيث لم يشترط الاعتصار، وأما إن اشترط فيه الاعتصار فإنه يعمل بالشرط المذكور فيكون له الاعتصار. قال الخرشي: أي إذا تصدق على ولده الصغير أو الكبير بلفظ الصدقة ولم يشترط أن يعتصرها فإنه لا يجوز له أن يعتصرها منه، فلو اشترط المتصدق أنه يرجع في صدقته كان له شرطه وله أن يعتصرها. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، وقال: فإن شرط المتصدق أنه يرجع في صدقته كان له شرطه وله أن يعتصرها، وكذا يعمل بشرط عدمه في الهبة، وكما يعمل بشرط الاعتصار في الصدقة من الأب والأم يعمل بشرطه فيها على أجنبي كما في أحمد، وفي المشدالي: لا يعمل به في الأجنبي. اهـ. قال بناني: ما ذكره أحمد هو الذي يؤخذ من توجيه ابن الهندي، ففي المتيطية: إذا شرط الأب في صدقته الاعتصار ففي وثائق ابن الهندي أن ذلك له، وحكاه أيضا الباجي في وثائقه، قال: وقال غيره: شرطه لا يجوز: وقال ابن الهندي: فإن قيل: كيف يجوز له أن يشترط الرجوع في الصدقة والصدقة لا تعتصر؟ قيل: وسنة الحبس لا يباع وإذا شرطه المحبس في نفس الحبس كان له شرطه، وقال ابن رشد الاعتصار لا يكون في الصدقات إلا بشرط. اهـ من التكميل. اهـ.
إن لم تفت، شرط في الاعتصار من الأب أو الأم، يعني أن محل ما مر من قوله وللأب اعتصارها، وقوله: كأم إنما هو حيث لم تفت الهبة وما في حكمها، وأما إن فاتت فليس للأب ولا للأم اعتصار، قال عبد الباقي: إن لم تفت عند الموهوب ببيع أو غصب أو عتق أو تدبير أو بوجه من وجوه المفوتات فإن حصل شيء من ذلك فلا اعتصار لواهبها حينئذ. اهـ.
стр. 7740
لا بحوالة سوق، يعني أن حوالة الأسواق لا تفيت الاعتصار، هذا هو الذي تجب به الفتوى واقتصر عليه في معين الحكام، وبه جزم ابن الحاجب وتبعه في الشامل، ولذا قال ابن عرفة: تغير الأسواق لغو، وظاهر كلام ابن رشد واللخمي وغيرهما الاتفاق عليه، وبه صرح عياض. قاله الشبراخيتي وغيره. ولم يفت الاعتصار بحوالة السوق لبقاء الموهوب بحاله، وزيادة القيمة أو نقصها عارض لا يعتد به كنقلها من موضع لآخر. اهـ. بل بزيد أو نقص، يعني أن الهبة يفوت اعتصارها بزيد في الموهوب أو نقص فيه، قال عبد الباقي: بل بزيد أي زيادة معنوية كتعليم صنعة لها بال، أو حسية ككبر صغير وسمن هزيل، أو نقص كهزال السمين، أو نسيان صنعة لها بال، وكذا يفوت بخلط الموهوب له المثلي بمثله دراهم أو غيرها فليس للوالد اعتصار حينئذ ولا يكون شريكا للولد بقدره. قاله في الجلاب. وقد اقتصر في الفيد على ما للجلاب والمعونة والمنتقى وساقه غير معزو كأنه المذهب، ونص الجلاب: وإن وهب له دنانير أو دراهم أو شيئا من ماله مثلي (١) فخلطه بمثله فليس للوالد فيها رجعة ولا يكون شريكا للولد بقدره انتهى وهذا هو المنصوص، ومقابله مخرج، ولا يخفى أن العول عليه هو النصوص لا المخرج، وفي الخرشي: يفوت الاعتصار ببيع أو غصب أو عتق أو تدبير أو بزيادة أو نقص كما إذا كبر الصغير أو سمن الهزيل أو هرم الكبير، أو بجعل الدنانير حليا أو بوجه من وجوه المفوتات. انتهى. وقال المواق: وأما إذا تغيرت الهبة في عينها فقد قال مطرف وابن الماجشون: زيادتها في عينها ونقصها لا يمنع اعتصارها، وقال أصبغ: يمنع اعتصارها وهو الظاهر من قول مالك وابن القاسم، لأن تغير حالة ذمة المعطَى تمنع الاعتصار، فأن يمنعه تغير الهبة في نفسها أولى. وقال مطرف وابن الماجشون: زيادتها في عينها ونقصها لا يمنع اعتصارها. قاله الباجي. اهـ. ونقل في الميسر عن الأجهوري أنه إذا اشترط الرجوع في الصدقة يرجع فيها ولو تغيرت كما أن للحبس مدة يرجع فيه بعدها ولو تغيرت وهذه المفوتات خاصة بالهبة. والله تعالى أعلم.
стр. 7741
ولم يُنكَحْ أو يداين لها، ببناء الفعلين للمفعول ونائب الفاعل الموهوب ذكرا كان أو أنثى، ومعنى كلامه أن اعتصار الأبوين يفوت بما إذا أنكح الابن لأجل هبة الوالد له أو أنكحت البنت لأجلها: فإذا زُوِّجَ رجل لأجل هبة والده له فليس لوالده أن يعتصر تلك الهبة، وإذا تزوج رجل امرأة رغبة فيها لأجل هبة والدها لها فإن تلك الهبة لا تعتصر، وكذا لا تعتصر الهبة إذا داين رب الدين الولد لأجل الهبة ليسره بها، قال عبد الباقي: ولم ينكح أو يداين ببناء الفعلين للمجهول ونائب الفاعل الموهوب ذكرا أو أنثى لها قيد فيهما كما في ابن غازي وغيره، خلافا للشارح في قوله: إنه للثانية فقط، والمراد بالإنكاح العقد، وبهذا الضبط علم أن المانع من اعتصار الأبوين قصد الأجنبي العقد للذكر الموهوب أو على البنت الوهوبة رغبة لهبة كل منهما وحصل عقد بالفعل، وكذا إعطاء الدين لأجل يسرهما بالهبة، فإن لم يقصد الأجنبي ذلك وإنما قصد ذاتها فقط لم يمنع الأبوان من الاعتصار. اهـ. وقال بناني: التقييد بكونهما أي الإنكاح والمداينة لأجل الهبة هو الذي في الموطإ والرسالة وسماع عيسى، لكن قال ابن عرفة ظاهر المدونة والجلاب خلاف السماع المذكور، ونص التهذيب: وللأب اعتصار ما وهب أو نحل لبنيه الصغار والكبار، وكذلك إن بلغ الصغار ما لم ينكحوا أو يحدثوا دينا. اهـ. ففي فقل المواق عن المدونة التقييدَ نظرٌ انظر المصطفى. قلت: ظاهر كلام أبي الحسن أنه حمل المدونة على التقييد ولذلك والله أعلم اعتمده المص. اهـ.
أو يطأ ثيبا، يعني أن الولد إذا وهب له أبوه أو أمه أمة ثيبا فوطئها الولد الكبير فإن ذلك يفيت الاعتصار. قال الشبراخيتي: أو يطأ الولد وهو بالغ ثيبا، وأما غيره فإنما يفيت الاعتصار إذا كانت بكرا واقتضها، وقوله: أو يطأ ثيبا، ظاهره ولو كان الوطء حراما كما إذا وطئها وهي حائض ونحو ذلك ويصدق الابن في دعواه الوطء إذا غاب عليها، وفي معنى ذلك الكتابة والتدبير والعتق إلى أجل، وقوله: ثيبا ليس للاحتراز وإنما نص على المتوهم، وكان الأولى بالاختصار لو حذف ثيبا. أو يمرض، يعني أنه إذا حدث مرض الولد المخوف بعد الهبة فإن ذلك يفيت الاعتصار، قال عبد الباقي: أو يمرض الولد الموهوب له مرضا مخوفا فلا اعتصار لتعلق حق ورثته بالهبة. ونحوه للخرشي. كواهب، يعني أنه إذا حدث المرض للواهب بعد الهبة فإنه ليس له
стр. 7742
الاعتصار. قال الشبراخيتي: أو يمرض موهوب له كواهب إذ مرض كل منهما بعدها يمنع الاعتصار، أما مرض الموهوب له فلتعلق حق ورثته بالهبة، وأما مرض الواهب فاعتصارها لغيره وهو وارث. وقيد الزرقاني المرض بالمخوف. اهـ. وقال التتائي: أو يمرض موهوب له كوارث إذْ مرض كل منهما يمنع الاعتصار عند ملك وابن القاسم. قال في البيان: وهو المشهور، أما مرض الموهوب له إلى آخر ما مر عن الشبراخيتي، وقال المواق: قال يحيى بن عمر: إن مرض الأب والابن فلا اعتصار في مرض أحدهما، وإن زال المرض فله أن يعتصر بخلاف النكاح والدين، وقال أصبغ: إذا منع الاعتصار بمرض أحدهما أو بنكاح الولد أو بدين ثم زال المرض والدين والنكاح فلا اعتصار، وإذا زالت العصرة يوما فلا تعود. اهـ.
إلا أن يهب على هذه الأحوال، يعني أن الأب أو الأم إذا وهب أحدهما ولده هبة وهو متزوج أو هو مديان أو هو مريض فله أن يعتصرها منه لأن وجود هذه الأحوال وقت الهبة لا يكون مانعا من الاعتصار. قال المواق: ابن الحاجب: لو وهب على هذه الأحوال ففي إفاتتها الرجوع قولان، ابن عبد السلام: الأقرب صحة الاعتصار. اهـ. وقوله: إلا أن يهب على هذه الأحوال أي والولد على هذه الأحوال، وأما هبة الوالد وهو مريض فإنها لا تصح لأنها وصية لوارث إلا أن يصح بعد فتصح هبته والله سبحانه أعلم. وقوله: إلا أن يهب على هذه الأحوال، الاستثناء منقطع قاله غير واحد وقال الشبراخيتي: إلا أن يهب على هذه الأحوال المانعة من الاعتصار وهي النكاح والدين ومرض الموهوب له فله الاعتصار. أو يزول المرض، يعني أنه إذا زال مرض الواهب فإن الهبة يصح اعتصارها، وكذا يصح الاعتصار إذا زال مرض الولد الموهوب، والحاصل أن المرض المانع للاعتصار إذا زال فإن الاعتصار ثابت سواء في ذلك مرض الواهب ومرض الموهوب له. قال الشبراخيتي: أو إلا أن يزول المرض الحاصل للموهوب له وللواهب بعد الهبة فيعود الاعتصار حينئذ على المختار عند اللخمي وهو قول ابن القاسم وأشهب والمغيرة، وصورة المسألة أنه وهبه وهو صحيح فله أن يعتصر في هذه الحالة، فإذا مرض لم يكن له ذلك، فإذا زال المرض فله أن يعتصر على ما قاله ابن القاسم وأشهب والمغيرة وهو الذي اختاره اللخمي، لأن مانع الاعتصار وهو المرض قد زال، وتخصيصه المرض يقتضي أن غيره من النكاح والمداينة ليس حكمه حكمه
стр. 7743
وهو كذلك، فإن مرض الأب أو الابن فلا اعتصار في مرض أحدهما، وإن زال المرض فله أن يعتصر، بخلاف النكاح والدين، لأن المرض أمر لم يعامله الناس عليه، بخلاف النكاح والمداينة. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: أو إلا أن يزول المرض الحاصل للموهوب له أو الواهب فيعود الاعتصار على المختار عند اللخمي. وهو قول ابن القاسم وأشهب والمغيرة وابن دينار وابن الماجشون. وعن ملك في الواضحة: لا يعود. البساطي: لو قام الأب ليعتصر في مرض الابن فمنع من ذلك ثم زال المرض فليس له أن يعتصر، وإن قلنا: إنه يعتصر عند زواله اهـ وقال الخرشي عند قوله: بل بزيد أو نقص ما نصه فلو زال النقص ورجع الزيد فإنه يعود الاعتصار. اهـ. وقال عبد الباقي: أو يزول المرض الحادث بعدها من موهوب أو واهب فله الاعتصار بعد زواله على المختار، وكذا إن اعتصر في وقته ثم صح المريض فيصح الاعتصار السابق، وتخصيصه بالمرض يقتضي أن زوال النكاح والدين يمنع الاعتصار وهو كذلك، وفرق ابن القاسم بأن المرض لم يعامله الناس عليه، بخلاف النكاح والمداينة، ويقتضي أيضا أن زوال النقص أو الزيادة ليس كزوال المرض، وذكر بعض أنه يعود الاعتصار. اهـ.
وكره تملك صدقة بغير ميراث، قال الخرشي: يعني أن عود الصدقة إلى ملك من تصدق بها ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك مكروه، واحترز بالصدقة من الهبة فإنه يجوز أن يتملكها على المشهور، واحترز بقوله: بغير ميراث مما إذا عادت إليه بميراث فإنه لا كراهة فيه لانتفاء التسبب فيه، ويستثنى من كلام المؤلف العرية كما مر في قوله ورخص لمعر وقائم مقامه اشتراء ثمرة تيبس، لخ. اهـ. وقال عبد الباقي: وكره تملك صدقة ببيع أو هبة أو صدقة أو نحو ذلك واجبة أم لا من متصدق عليه أو ممن وصلت له منه ولو تعدد، وأشعر قوله تملك بقصد ذلك، فقوله: بغير ميراث غير داخل حتى يخرجه إلا على ضرب من التجوز، واحترز بالصدقة عن الهبة فيجوز تملكها على المشهور، وأما العود فيها فمكروه لغير الأب كما مر، وبغير الميراث عن ملكها به فلا كراهة، ويستثنى من قوله كره، لخ، الغلة المتصدق بها دون الذات فله شراؤها. نقله ابن عرفة عن ملك وأصحابه، وما يأتي من قوله: ولا يركبها، لخ، في هبة الذات والعارية لقوله فيما تقدم: ورخص لمعمر وقائم مقامه اشتراء ثمرة تيبس والعمرى، ففي أحمد عن معين
стр. 7744
الحكام: ويجوز للمعمر أو ورثته أي كلهم أن يبتاعوا من المعمَر بالفتح ما أعمر له وإن كان حياة المعمر لأنها من المعروف، إلا أن تكون معقبة فيمنع، ولكل واحد من ورثة العمر بالكسر أن يشتري قدر ميراثه منها لا أكثر. اهـ. ويستثنى منه أيضا تصدق بالماء على مسجد أو غيره فله أن يشرب منه لأنه لم يقصد به الفقراء فقط بل هم والأغنياء كما لبعض شراح الرسالة، وفي العلمي عليها: من أخرج كسرة لسائل فلم يجده فلابن رشد إن كان معينا أكلها مخرجها وإلا فلا، وفي النوادر: إن أخرجها له فلم يقبلها فليعطها لغيره وهو أشد من الذي لم يجده اهـ قوله وأما العود فيها فمكروه، لخ، تأمل العود فيها كيف يتصور مع أن المشهور لزومها بالقول. وقال بعضهم: يتصور فيما إذا أسقط الوهوب له حقه من الطلب، قال بناني: وقوله: ويستثنى الغلة المتصدق بها، يعني كالإخدام وما يذكره بعد من العرية والعمرى، ولعل الفرق بين صدقة الذات وصدقة المنفعة أنه في المنفعة تكون الرقبة على ملكه وهو لا يأمن عليها من تفريط المتصدق عليه فيها فتهلك أو تتغير. والله أعلم. اهـ. وقال المواق عند قوله: وكره تملك صدقة بغير ميراث، من المدونة قال ملك: لا يشتري الرجل صدقته من المتصدق عليه ولا من غيره. محمد: ولا ترجع إليه باختيار من شراء أو غيره وإن تداولته أملاك وميراث واختلف هل النهي على الندب أو الوجوب؟ فقال ملك: لا ينبغي أن يشتريها. وقال: يكره. وظاهر الموازية أنه لا يجوز. اللخمي: والأول أحسن لأن المثل ضرب لنا بما ليس بحرام. ابن عرفة: التعليل يدل على ذم الفاعل وشبهه بالكلب العائد في قيئه، والذم على الفعل يدل على حرمته، ورجوعها بالإرث جائز اتفاقا لأنه جبري. اهـ. وقال بناني عند قوله: وكره تملك صدقة بغير ميراث، عبارة ابن الحاجب: لا ينبغي. ولفظ المدونة والموازية وسماع ابن القاسم: لا يجوز. اللخمي: اختلف هل النهي على الندب أو الوجوب؟ والأول أحسن. ابن عبد السلام والتوضيح: المشهور أنه على الكراهة. ابن عرفة: وفيه نظر، وقال قبله: التعليل يدل على ذم الفاعل لتشبيهه بالكلب العائد في قيئه والذم على الفعل يدل على حرمته. وقاله عز الدين. التوضيح: ظاهر المدونة الكراهة لقوله في باب
стр. 7745
الزكاة: وأكره للرجل شراء صدقته، والأصل فيه قوله ﷺ لعمر في الفرس الذي نصدق به (لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) (١). والحديث في الموطإ والبخاري وغيرهما. الباجي: المذهب أن كل ارتجاع يكون باختياره فهو ممنوع كالابتياع، فتحصل أن المذهب عند اللخمي وابن عبد السلام والتوضيح الكراهة، وعند الباجي وابن عرفة التحريم. والله أعلم. وقد مر قول عبد الباقي عن ملك وأصحابه: استثناء الغلة المتصدق بها. قال الرهوني: ابن عرفة نقله عن الصقلي لكنه استثنى فقال: قاله ملك وأصحابه إلا عبد الملك، ومثله للخمي إلا أنه اختار قول عبد الملك، وقال الأبي بعد كلام: الذي تلخص من جميع ما ذكر أنه اختلف في شراء الصدقة بالكراهة والتحريم والجواز، وأنه اختلف في إلحاق الهبة بالصدقة، وزعم ابن عبد السلام أن المشهور في شراء الصدقة الكراهة، وأن المشهور عدم إلحاق الهبة بالصدقة، وإذا وقع شراء الصدقة فعلى القول بالكراهة لا يفسخ وعلى قول الداوودي بالحرمة يفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسخ. وقول بناني: فتحصل أن المذهب عند اللخمي. لخ. يفيد أن القولين متساويان مع أن أبا علي رجح الكراهة قائلا ما نصه: وليس اعتمادنا في هذا على تشهير ابن عبد السلام فقط، بل جل كلام الناس على هذا ولذلك نقلناه. اهـ. وقال الحطاب: واحترز بالصدقة من الهبة فإنه يجوز له أن يتملكها على المشهور. ولا يركبها، يعني أنه لا يجوز لمن تصدق على ولده أو غيره أن يركب صدقته أي الدابة التي تصدق بها. أو يأكل من غلتها، يعني أنه لا يجوز لمن تصدق بصدقة على ولده أو على أجنبي أن يأكل من غلتها. قال عبد الباقي: ولا يركبها أي الدابة المتصدق بها على ولده أو على أجنبي أي [أو يأكل] (٢) من غلتها كثمرتها أو يشرب من لبنها أو ينتفع بصوفها أو بشيء من غلتها غير ما ذكر، واعلم أن عبارة المص هنا كالمدونة كالصريحة في المنع انظر الشبراخيتي. وهل محل عدم الجواز حيث لم يرض الابن الكبير باستعمال الوالد للغلة وأما لو رضي باستعماله للغلة، فإنه يجوز للوالد حينئذ أن يأكل الثمرة ويستعمل الصوف ويركب ويشرب اللبن كما قال: إلا أن يرضى
стр. 7746
الابن الكبير بشرب اللبن، فلو قال: بكشرب اللبن لشمل الصوف والركوب والثمار ونحو ذلك، وعلى هذا توافق المدونة الموازية، فإن ابن المواز يقول: إنه يجوز للمتصدق الانتفاع بصدقته إذا كانت الصدقة على ابنه الكبير أي المالك أمر نفسه ورضي بانتفاع أبيه بالركوب ونحوه ولو كان له ثمن كثير أو عدم الجواز غير مقيد برضى الولد المالك لأمر نفسه، وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وأفاد المص أن التأويلين متفقان على عدم الجواز حيث لم يكن الولد مالكا لأمر نفسه مطلقا أو مالكا لأمر نفسه ولم يرض باستعماله للغلة، وأن محلهما حيث رضي الولد المالك لأمر نفسه باستعمال الغلة. واعلم أن في كلام المص تدافعا حيث حكم بالكراهة في تملك الصدقة، وحكم بعدم الجواز في استعمال غلتها. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: ولا يجاب عنه بأن المراد هنا بالنهي الكراهة لقول المص: إلا أن يرضى الابن، لخ، لأنه يفيد الكراهة حيث لم يرض الابن بذلك وذلك لا يصح والله سبحانه أعلم. واعلم أن مقتضى المص عدم جواز استعمال الغلة كانت الصدقة على أجنبي أو ولد إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا رضي الولد الكبير باستعمالها ففيه تأويلان، وخرج عن التأويلين ما إذا كانت على أجنبي فلا يجوز استعمالها رضي أم لا، وما إذا كانت على ولد صغير أو كبير لم يرض، هذا هو ظاهر المص، وفي المدونة: من تصدق بصدقة على أجنبي لم يجز له أن يأكل من ثمرتها ولا يركبها إن كانت دابة ولا ينتفع بشيء منها، وقال أبو محمد في الرسالة: ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به، فظاهره خلاف ما هنا، وقيل: معنى ما في الرسالة إن كان حيث لا ثمن له، وقيل: يخرج ما في الرسالة على ما في كتاب محمد أن للرجل أن يأكل من لحم غنم تصدق بها على ابنه ويشرب من لبنها ويكتسي من صوفها إذا رضي الولد وكذا الأم. قال محمد: وهذا في الولد الكبير، وأما الصغير فلا يفعل. قاله أبو الحسن. نقله بناني. وقال: فأنت ترى تقييده المدونة بالأجنبي موافقا بظاهره لكلام محمد. اهـ. وفي الميسر عن الشارح عن الموازية: للرجل أن يأكل من لحم غنم تصدق بها على ابنه ويشرب من لبنها ويكتسي من صوفها إذا رضي الولد وكذا ثمر الحائط. وقاله في العتبية. وزاد محمد: وكذلك الأم، قال: وهذا في الولد الكبير، وأما الصغير فلا يفعل. قاله ملك. وأما الأجنبي فلا إلا أن يخلط طعامه بطعامه أو نفقته وفي الكافي: ولكل من الأبوين مما تصدق به
стр. 7747
على ابنه أكل ثمرة وشرب لبن وركوب ظهر مما لا يضر بنسل ولا ينهك حلبا ولا يفسد شيئا. اهـ. وقال الحطاب عند قول المص: ولا يركبها، لخ، انظر هل النهي على الكراهة أو على المنع؟ وظاهر المدونة المنع.
وينفق على أب افتقر منها، قال الخرشي: يعني أن الأب إذا تصدق على ولده بصدقة فافتقر الأب فإنه ينفق عليه منها ولا يدخل تحت النهي. اهـ. وهو تقييد لقوله: ولا يركبها أو يأكل غلتها. اهـ. وقال عبد الباقي: وينفق على أب تصدق على ابنه بصدقة أو أم كذلك افتقر منها، وكذا على زوجه من صدقتها عليه وإن غنية لوجوب نفقتها عليه. اهـ. وقال المواق: من المدونة: من تصدق على أجنبي بصدقة لم يجز له أن يأكل من ثمرتها ولا يركبها إن كانت دابة ولا ينتفع بشيء من ثمنها، وأما الأب والأم إذا احتاجا فلا بأس أن ينفق عليهما مما تصدقا به على الولد قال محمد: ولا يستعير ما تصدق به أو أعطاه لرجل في السبيل، وإذا تصدق بذلك عليه فلا يقبله. قال محمد: وإن لم يبتل الأصل وإنما تصدق بالغلة عمرى أو أجلا فله شراء ذلك. قاله ملك وأصحابه إلا عبد الملك. اهـ. وقال التتائي: ويُنفِق الابن المتصدق عليه على أب افتقر منها، وكذا على أم كما تقدم عن المدونة، وفي شرح عبد الباقي: أن من عزل زكاته وضاع أصلها وصار فقيرا لا يجوز له الأخذ منها لأنها صارت حقا للفقراء وهم أجانب من ربها، فلا يجب عليهم الإنفاق عليه منها. وتقويم جارية أو عبد لضرورة، يعني أن الأب إذا تصدق على ولده الصغير بأمة فتبعتها نفسه فله أن يقومها على نفسه للضرورة، وإذا قومها على نفسه فإنه يستقصي في القيمة لأجل الولد ويشهد بذلك، وأما لو تصدق بها على ولده الكبير أو أجنبي فإنه لا يجوز له أن يقومها، وكذلك العبد للأب أن يقومه على نفسه بعد أن تصدق به على ولده الصغير، والمراد بالاستقصاء السداد في الثمن بأن لا يشتريَ بأقل من القيمة، فالشراء بالقيمة سداد وليس المراد الزيادة عليها، وأخل المؤلف بالتقييد بالصغير وكذا بإشهاد الأب أنه إنما أخذها بثمن لا باعتصار ثم هذا في الصدقة ومثلها الهبة التي لا تعتصر. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وللأب تقويم جارية تصدق بها على ابنه أو تقويم عبد على أب وأو أم تصدقا به على ابنهما للضرورة وهي أن تتبعها نفس الأب وتميل إليها، وأن يحتاج الأصل إلى خدمة العبد بحيث تتعسر بدونه
стр. 7748
ويستقصي في الثمن بأن يكون سدادا، والمراد به أن لا تقوم بأقل من القيمة فالشراء بها سداد، وأخل المص بالتقييد بالابن الصغير، ومثله السفيه البالغ، وأما الكبير الرشيد فليس للأب ذلك، وأخل أيضا بإشهاد الأب على أنه إنما أخذ بثمن لا باعتصار، لكن الظاهر أن الإشهاد حق له لخوف دعوى الابن عليه الاعتصار. اهـ. قال الرهوني: ما حاصله أن الأم ليست كالأب، فإن كانت وصية فيجب الجزم بأنها مثله. اهـ. وقال بناني: المراد بالتقويم شراؤه من نفسه كما عبر به في العتبية لا تقويمه بالعدول، ولذا قال أبو الحسن وانظر أجاز له أن يشتري من نفسه لنفسه وحمله على السداد، وفي كتاب الجعل جعله كالوصي يتعقب الإمام فعله ابن رشد لأن بيعه من نفسه محمول على غير السداد، بخلاف بيعه من غيره فأجاز هنا أن يشتري الرجل ما تصدق به على ابنه ودعموه بوجوه منها الضرورة، الثاني: أن له شبهة الملك، وله أيضا شبهة التصرف في مال الصغير، بخلاف الكبير الذي ليس له فيه إلا شبهة الملك. اهـ. قال الرهوني: كلام بناني يوهم أن في المدونة ذكر العبد والأمة وكذا في العتبية وليس كذلك، وإنما ذكر في المدونة الجارية وفي العتبية: العبد، ثم قال: حاصل ما أفاد أبو الحسن أن ما ذكر أن للأب شراء الأمة والعبد هنا محمول فيه على السداد، وجواب العارضة المذكورة أن ما هنا في شرائه ما تصدق به هو عليه مع شرطه وإلا فلا بد من إثبات السداد، وقد صرح بذلك ابن ناجي، ثم قال: هذه غفلة منهم ﵃ عن كلام أبي الوليد بن رشد، فإنه صريح في أنه لا معارضة أصلا وأنه لا بد من معرفة السداد أيضا، فإنه قال في آخر كلامه: ويحتاج في هذا أيضا إلى معرفة السداد هنا للابن ليلا يشتريه منه بأقل من قيمته، لأن الأمر فيما بينه وبينه محمول على غير السداد، بخلاف ما يبيعه له أو يشتريه من غيره وذلك بين من قول ابن القاسم في كتاب الجعل والإجارة: من المدونة: وفي رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب النكاح لأنه شَرَطَ في شراء الأب لنفسه الرأس يساق إلى ابنته البكر في صداقها أن يكون الشراء صحيحا ببينة وأمر معروف. وبالله تعالى التوفيق. اهـ. ونقل الرهوني عن ابن رشد أنه لابد من أن يشتري العبد بعد مدة ليعلم بذلك أنه شراء صحيح بعد صدقة متقدمة، وأما إن تصدق عليه بالعبد ثم اشتراه منه في فور ذلك فإنه يتهم على أنه لم يتصدق عليه بالعبد وإنما أراد أن يكتب له على نفسه دينا يأخذه بعد موته فتحيل لجواز
стр. 7749
ذلك بإظهار الصدقة. اهـ. قال الشبراخيتي: ويستقصي، وليس المراد بالاستقصاء الزيادة على القيمة وإنما المراد بأن لا يشتريها بأقل من القيمة. اهـ.
وجاز شرط الثواب، يعني أنه يجوز اشتراط الثواب في الهبة أي المكافأة. واعلم أن الهبة للثواب حكمها حكم المبيع، وصورة اشتراط الثواب أن يقول له أهب لك هذا على أن تثيبني عليه فهذا جائز ولو لم يذكر الثواب قياسا على نكاح التفويض وقوله شرط أي اشتراط، قال الخرشي: والثواب العوض وأصله من ثاب إذا رجع فكأن المثيب يَرْجِعُ للمثاب مثل ما دفع. اهـ. وقال الشبراخيتي: وجاز شرط أي اشتراط الثواب على الموهوب له مقارنا للفظ الهبة سواء عين المثاب به أم لا، فالأول كوهبته لك بمائة والثاني كوهبت هذا على أن تثيبني، ولا يقدح اشتراط الثواب في عقد الهبة لأنها كالبيع، فاشتراط الثواب كالثمن. ابن عرفة. هبة الثواب عطية قصد بها عوض مالي، وشرط الثواب ليس من مكارم الأخلاق. اهـ. وقال عبد الباقي: وجاز للواهب في عقد الهبة شرط أي اشتراط الثواب أي العوض على الموهوب مقارنا للفظها كوهبتك كذا على أن تثيبني، ولا يقدح اشتراطه في عقدها لأنها حينئذ بيع، فاشتراطه كالثمن وإن لم يذكر عينه قياسا على نكاح التفويض، وهو المعتمد من قولين هنا. اهـ، وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أن الهبة تجوز بشرط الثواب، وسواء عين الواهب الثواب الذي يريد أم لا، أما إذا عينه فقالوا: إنها جائزة وهي حينئذ بيع من البيوع قال في التوضيح: كما لو قال: أهبها لك بمائة دينار ويشترط في ذلك شروط المبيع. اهـ. ولم يذكر في ذلك خلافا، وأما إن شرط الواهب الثواب ولم يعينه فأجاز ذلك ابن القاسم في المدونة وقاله أصبغ، ومنعه ابن الماجشون، لأنه كبيع سلعة بقيمتها. الباجي: والأول أولى. اهـ وقال المواق: ابن يونس: الهبة لثواب كالبيع في أكثر الحالات وإن لم يسم العوض عند الهبة، أجازها العلماء على ما رويَ عن عمر وغيره، وخالفت البيع في هذا كخلاف نكاح التفويض نكاح التسمية.
ولزم بتعيينه، قال الخرشي: فاعل لزم هو الثواب والضمير المجرور بالمضاف يرجع للثواب أيضا، والمعنى أنه إذا قال: وهبت لك هذا على أن تثيبني الشيء الفلاني لشيء معين حاضر أو معلوم غائب جاز ذلك وليس لأحدهما رجوع بعد ذلك كالبيع إذا انعقد. اهـ. وقال الحطاب:
стр. 7750
يعني أن الموهوب إذا عين الثواب لزمه تسليمه للواهب وليس له الرجوع فيه ولو لم يقبضه الواهب. قاله ابن شأس وابن الحاجب. قال في التوضيح: لأنه التزمه، وقال بناني: قال ابن الحاجب: ليس له الرجوع في الثواب بعد تعيينه وإن لم يقبض. اهـ. وقال بناني: والذي يظهر أنه إذا عين الثواب عند عقد الهبة ورضي الموهوب به أنها لازمة بالعقد لأنها حينئذ بيع من البيوع كما قال ابن رشد، وأن اللزوم بالقبض للواهب إنما هو إذا لم يعين الثواب. اهـ. فَتحَصَّلَ من هذا أنه إذا عُيِّنَ الثواب لزم عقد الهبة أي لزم الواهب والموهوب معا. والله تعالى أعلم. ومفهوم قوله: بتعيينه، أنه لو لم يعين الثواب أنها لا تلزم، فلا يلزم الواهب دفعها ولو بذل له الموهوب أضعاف قيمتها، فإن قبضها الموهوب له لزمت الواهب بالقبض ولا تلزم الموهوب له بالقبض، بل له ردها للواهب إلا أن تفوت والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ولزم الثواب بتعيينه أي تعيين الثواب قدره ونوعه حاضرا أو معلوما من موهوب أو واهب ورضي به الآخر. اهـ. وتحصل مما مر أنه يلزم دفع الثواب بتعيينه، فإن اختلف نوع ما عين جودة ورداءة فالظاهر تعين الوسط قاله عبد الباقي. وقال محمد بن الحسن بناني عن التوضيح واختلف في فوات الهبة بالنسبة إلى الواهب حتى يلزمه أخذ القيمة على خمسة أقوال، الأول: مجرد الهبة. ثانيها: القبض وهو المشهور. ثالثها: التغير بالزيادة والنقص. رابعها: بالنقص فقط. خامسها: لا تفوت إلا بذهاب عينها أو العتق ونحوه. اهـ. وقال المواق: ابن رشد: هبة الثواب على ثلاثة أوجه، الأول: أن يهب على ثواب يرجوه ولا يسميه ولا يشترطه فهذا على مذهب ابن القاسم كنكاح التفويض. والثاني: أن يهب على ثواب يشترطه ولا يسميه، فقيل: إنه كالهبة التي يرى أنه أراد بها الثواب. قاله أصبغ. وقاله ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: هذا غرر لأنه باع سلعة بقيمتها. الثالث: أن يهب على ثواب يشترطه ويسميه فهذا بيع من البيوع يحله ما يحل البيع ويحرمه ما يحرم البيع. الباجي: من الجهالة في الثمن أن يبيعه السلعة بقيمتها أو بما يعطى فيها، ولو قال: بعتكها بما شئت. قال ابن القاسم: إن أعطاه القيمة لزمه، الباجي: حمل ابن القاسم هذا على المكارمة كهبة الثواب، واعتبر محمد لفظ البيع فمنعه، ولم يجعله كهبة الثواب فجعل لِلفظِ تأثيرا. اهـ. ثم قال: والمعروف في المذهب أن الموهوب له بالخيار بعد القبض بين
стр. 7751
الإمساك والرد ما لم يفت الموهوب. اهـ. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: قال في معين الحكام: مسألة: اختلف في الذي يثيبُ جهلا عما لا ثواب فيه أو المثيب عن الصدقة، فقال ملك: يرد إليه ثوابه ولا شيء له إذا فات. اهـ.
تنبيه: قال البساطي: فاعل لزم العقد. قال بناني: وهو صحيح أيضا على معنى لزوم العقد لهما بتعيين الثواب، لقول ابن رشد: إن وهب على ثواب يشترطه ويسميه فهو بيع من البيوع. اهـ.
وصدق واهب فيه إن لم يشهد عرف بضده، يعني أن الهبة إذا وقعت مطلقة أي غير مقيدة بثواب ولا بعدمه ثم اختلفا بعد ذلك، فقال الواهب: إنما وهبت للثواب، وقال الموهوب له: بل وهبت لي لغير ثواب، فإن القول قول الواهب إن شَهد له العرف أو لم يشهد له ولا عليه، وأما إن شهد العرف للموهوب له بأن كان مثل الواهب لا يطلب في هبته ثوابا فالقول حينئذ قول الموهوب له، فقوله: وصدق واهب فيه أي في الثواب أي في قصده وإرادته لا في شرطه لأنه إذا ادعى الشرط فلا بد من إثباته، ولا ينظر لعرف ولا ضده، وقوله: وصدق واهب فيه، هذا إذا قبض الموهوب له الهبة وإلا فالقول لربها مطلقا. اهـ. قاله الخرشي وغيره. وفي نسخة باللام بدل الباء أي إن لم يشهد عرف لضده أي الواهب وهو الموهوب له ويصدق ذلك بثلاث صور، فيكون القول للواهب فيها وهي أن يشهد له العرف أو لا يشهد له ولا عليه أو يشهد لهما، ومفهومه أن يشهد العرف للموهوب له بأن الواهب مثله لا يطلب في هبته الثواب فيكون القول للموهوب له، فالصور أربع. انظر الشبراخيتي. والله تعالى أعلم. وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: وما وهبت لقرابتك أو ذوي رحمك وعلم أنك أردت ثوابا فذلك لك إن أثابوك وإلا رجعت فيها، وما علم أنه ليس للثواب كصلتك لفقيرهم وأنت غني فلا ثواب لك ولا تصدق أنك أردته ولا رجعة لك في هبتك، وكذلك هبة غني لأجنبي فقير أو فقير لفقير ثم يدعي أنه أراد الثواب فلا يصدق إذا لم يشترط في أصل هبته ثوابا ولا رجعة له في هبته.
وإن لعرس، يعني أن الواهب يصدق في إرادة الثواب بالقيد المذكور وإن كانت هبته لأجل عرس حدثت للموهوب له. قال عبد الباقي وبالغ على تصديق الواهب أنه إنما وهب لثواب مع قيده بقوله: وإن كان الشيء الموهوب لعرس، ويرجع بقيمة شيئه معجلا ولا يلزمه تأخير إلى حدوث
стр. 7752
عرس عنده. قاله الأجهوري. وظاهره أنه لا يعمل بعرف التأخير، ونحوه للتتائي. وفي البرزلي: أنه يعمل به وللموهوب له أن يقاصَّه بقيمة ما أكله هو ومن حضر الوليمة تبعا له. اهـ. قوله: ويرجع بقيمة شيئه معجلا، لخ، هذا الذي عزاه المتيطي لأبي بكر بن عبد الرحمن قاله بناني، وقال الرهوني عن شيخه الجنوي: ظاهر قوله ولا يلزمه تأخيره لخ، أنه يجوز التأخير إذا رضي، وليس كذلك، لأن القائل بأنه يعجل هو أبو بكر بن عبد الرحمن، وهو يقول بوجوبه، قال: يجمع بينه وبين ما للبرزلي بأن ما لأبي بكر بن عبد الرحمن في الطعام وما للبرزلي في غيره. اهـ. قال الرهوني: انظر من نقل عن أبي بكر بن عبد الرحمن الوجوب، والذي في نقل المتيطي عنه موافق لما قاله عبد الباقي، ففي اختصار المتيطية: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ولو قال له المعْطَى: لا أعطيك إلا أن تحدث عرسًا فله الرجوع عليه بقيمة هديته معجلا. قال أبو عمران: وإذا كانت المكافأة عندهم كالشرط فهو فاسد يُقضَى فيه بالقيمة فيما يقوم وبالمثل فيما له مثل، وكذلك الجفان التي توجه إلى أولياء الميت. وقال ابن أبي زيد: أما الجفان الموجهة لأهل الميت بخلاف ما يهدَى في نفاس أو عرس فإن للناس فيه عرفا يقوم مقام الشرط، ومثله في مختصر ابن عبد الحكم. وقال أبو الحسن القابسي: لا رجوع في شيء من ذلك كله. اهـ. ونقله ابن عرفة، وقال: قلت: مقتضى المذهب أنه إن اقتضى العرف قصد الثواب أثيب وإلا سقط، ثم إن اقتضاه على ما يوجب الفساد في وقته أو قدره أو نوعه حكم فيه بحكم البيع الفاسد، وإلا حكم بحكم ثواب الهبة، والغالب في صور ثوته عرفا الفساد، ولذا ينبغي عدم الأكل منه فيمن حضره، وربما يفرق في ذلك بين حاله قبل الفوت فيتأكد الكف وبعد فوته فيخف. اهـ. وقال أبو علي عقب نقله كلام ابن عرفة: انظر قوله: وإلا سقط فهو خلاف المتن في صورة الإشكال، ثم قال: وإنما يأتي ما قاله ابن عرفة على ما قاله اللخمي ومن تبعه وليس هو المذهب. انتهى. وهو ظاهر. انتهى كلام الرهوني. وقال الشبراخيتي: ولو قال: وإن لكعرس ليكون شاملا للنفاس والعزاء كان أحسن، ولو قال المهدَى له في العرس: لا أكافئك إلا أن تحدث عرسا وذلك شأن الناس فله الرجوع بهديته معجلا. اهـ. وهل يحلف أو إن أشكل، يعني أنه حيث يكون الواهب مصدقا في قصد الثواب فهل يحلف أنه أراد الثواب مطلقا شهد له العرف أم لا؟ أو لا يحلف الواهب إلا إذا أشكل الأمر
стр. 7753
فيحلف حينئذ، في ذلك تأويلان. الأول: قال عياض هكذا وقع في بعض نسخ المدونة. البساطي: سوَّى جماعة بينهما وهو الظاهر لأن العرف وإن شهد قد يقصد الواهب التبرع، والثاني: قال البساطي: ذهب إليه جماعة من شيوخ المدونة. اهـ. قاله التتائي. والتأويلان متفقان على حلف الواهب حال الإشكال، والخلاف في حال شهادة العرف للواهب هل يحلف أم لا؟ وقال المواق عند قوله: تأويلان ما نصه: عياض: قوله: في هبة الفقير إن قال: إنما وهبت للثواب القول قول الواهب وقع في بعض نسخ المدونة مع يمينه، ومثله في كتاب ابن الجلاب، وقال ابن زرب: لا يمين عليه، وقال أبو عمران: أما إذا أشكل فإحلافه صواب، وإن لم يشكل وعلم أنه أراد الثواب فلا يحلف. اهـ. وقررت كلام المص بأن فاعل يحلف هو الواهب تبعا للخرشي، وجعل عبد الباقي التأويلين فيمن هو مصدق من واهب وموهوب ونحوه للشبراخيتي والتتائي، قال بناني عند قول عبد الباقي ذلك ما نصه: جعل التأويلين في كل من الواهب والموهوب له وليس كذلك، بل هما في كلامها في الواهب فقط كما لابن رشد وعياض وأبي الحسن وابن عرفة. اهـ. وقوله: تأويلان، قال عبد الباقي مبنيان على أن العرف كشاهد فيحلف معه أو كشاهدين فلا يحلف، ومفاد كلامه اتفاقهما على حلفه عند الإشكال، وأن الخلاف في حال شهادة العرف. اهـ.
في غير المسكوك، متعلق بقوله: وصدق يعني أن محل تصديق الواهب في إرادة الثواب إنما هو في غير المسكوك وأما المسكوك، ومثله المكسور والتبر فلا ثواب فيه بخلاف الحلي ففيه الثواب. إلا لشرط، يعني أن محل كون المسكوك لا ثواب فيه إنما هو حيث لم يشترط ثواب، وأما إن اشترط فيه الثواب فإنه يكون فيه الثواب ويكون العوض عرضا أو طعاما قال المواق: من المدونة قال ملك: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم وإن وهبها فقير لغني، وما علمته من عمل الناس. ابن القاسم: إلا أن يشترط الثواب فيثاب عرضا أو طعاما، وأجاز ملك هبة الحلي المصاغ للثواب ولا يعوِّض من ذلك عينا لا ذهبا ولا فضة. قاله في المدونة. الباجي: يريد بعد التفرق، ويجوز قبله بغير جنسه بحضرة الحلي. اهـ. وقال الحطاب: في غير المسكوك أي فلا ثواب فيه ولو رأى أنه وهبه للثواب إلا بشرط، وثوابه عرض أو طعام، ومثل المسكوك السبائك والحلي المكسور على الأصح بخلاف الحلي الصحيح. اهـ. وقال الشبراخيتي: في غير المسكوك من الدراهم والدنانير
стр. 7754
ومثل المسكوك السبائك والحلي المكسور والتبر فلا يصدق الواهب في دعوى الثواب فيه، ولو قال: في غير نقد إلا الحلي لكان أشمل لإفادته أن المسكوك والمكسور والتبر لا ثواب فيه. قال في الشرح:
تنبيه: كل من قوله: فيه، وقوله: في غير المسكوك، متعلق بقوله: صدق، وقد علمت أنه يمتنع تعلق جارين متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد، والجواب: أن قوله: في غير المسكوك حال أو أنه أخص من الأول، وهو جائز نحو جلست بالمسجد بمحرابه. اهـ.
وهبة أحد الزوجين، عطف على المسكوك، يعني أن الزوج إذا وهب لزوجته شيئا أو وهبت هي له شيئا ثم إنه طلب منها الثواب وادعى أنه قصده أو طلبت هي منه الثواب وادعت أنها أرادته فإنه لا ثواب لأحدهما على الآخر لقضاء العرف بنفي الثواب في ذلك، إلا أن يُشترطَ الثوابُ عند عقد الهبة أو تقوم قرينة على إرادته فيأخذ الثواب في غير المسكوك، وأما هو فلا بد فيه من الشرط ولا تكفي القرينة، ومثل الزوجين جميع الأقارب. قاله الخرشي وعبد الباقي. وقال: ومثل الزوجين الهبة بين الوالد وولده كما في المدونة، وألحق بهما الأقارب. اهـ. ونحوه للشبراخيتي فإنه قال: ولا مفهوم لقوله: أحد الزوجين، وكذلك جميع الأقارب إلا لشرط أو قرينة ينبغي أو عرف في غير المسكوك، وأما المسكوك فلا بد فيه من الشرط ولا تكفي القرينة. اهـ. وقال المواق: من المدونة قال ملك لا يقضَى بين الزوجين بالثواب في الهبة ولا بين والد وولده إلا أن يظهر ابتغاء الثواب بينهم، مثل أن تكون للمرأة جارية فارهة فطلبها منها زوجها وهو موسر فأعطته إياها تريد بذلك استغزار صلته، والرجل كذلك يهب لامرأته، والابن لأبيه مما يرى أنه أراد بذلك استغزار ما عند أبيه، فإن كان مثل ذلك مما يرى الناس أنه وجه ما طلب في هبته ففي ذلك الثواب، فإن أتى به وإلا رجع كل واحد منهما في هبته، وإن لم يكن وجه ما ذكرنا فلا ثواب بينهما. اهـ. وقال التتائي: وفيها: الهبة بين القرابة وذوي الأرحام إن علم قصد الثواب قضي به، وإن علم نفيه كغني لفقير سقط. اللخمي: لم يذكر حكم فقد دليل القصدين. اهـ. وقد مر عن الخرشي وعبد الباقي والشبراخيتي أن الهبة بين الأقارب لا ثواب فيها اهـ فعلم مما هنا وما مر أن الأقسام في هبة الأقارب ثلاثة، علم قصد الثواب ففيها الثواب، علم عدم قصده فلا
стр. 7755
ثواب فيها، أشكل الأمر فلا ثواب فيها. والله سبحانه أعلم. قال التتائي: الباجي لمحمد عن أشهب: لا ثواب فيما وهبه ذو سلطان، وفي كون الهبة كذلك قول ابن شعبان ونقل الباجي عن ظاهر المذهب. ابن شعبان: لا ثواب في هبة لفقيه. اللخمي عن القاضي: وكذا لرجل صالح، وفيما أهداه الثواب. الباجي: الظاهر أنه أراد الفقير منهم والغنيُّ كسائر الأغنياء إلا أن تكون بين فقيهين، الباجي: لا ثواب فيما أهداه المولى لسيده. ابن عرفة: إن كان المولى غنيا وإلا فلا. انتهى. وقال الحطاب: وهبة أحد الزوجين للآخر وكذا الأب وولده. قال في المدونة: إلا أن يظهر ابتغاء الثواب. انتهى. فمسألة الزوجين والأقارب ليست كمسألة المسكوك ومسألة السبائك والحلي فإنه لا ثواب فيها ولو فهم ذلك، بخلاف مسألة الزوجين فإنه إذا دلت قرينة على إرادة الثواب حكم به، فهي إنما تخالف هبة الثواب بين الأجانب في كونها لا يحكم فيها بالثواب إلا لقرينة، وهبة الأجانب يحكم فيها بالثواب إلا إذا قامت قرينة على عدم الثواب.
ولقادم عند قدومه وإن فقيرا لغني، عطف على المسكوك بتقدير مضاف إليه، أي وغير هبة لقادم، يعني أن القادم إذا أهدى إليه شخص هدية من الفواكه والرطب وشبه ذلك عند قدومه وقال: إنما أهديت إليه ليثيبني وكذبه القادم في ذلك فإن القول قول القادم في نفي الثواب، ولو كان دافع الهبة فقيرا والقادم غني، وقوله: ولقادم عند قدومه، يعني إلا لشرط أو عرف. قاله غير واحد. وقال المواق: من المدونة قال ملك: وإذا قدم غني من سفره فأهدى إليه جاره الفقير الفواكه والرطب وشبهه ثم قام يطلب الثواب، وقال: إنما أهديت إليه رجاء أن يكسوني أو يصنع بي خيرا فلا شيء فيه لغني أو فقير. اهـ. وقال الشبراخيتي: وهذا في الفواكه والرطب وشبهه كما في المدونة، وأما في الخراف والدجاج والقمح والشعير والثياب وشبهه فالقول قول الواهب في الثواب إن ادعاه. اهـ.
ولا يأخذ هبته وإن قائمة، يعني أن الهبة للقادم عند قدومه لا ثواب فيها كما علمت إلا لشرط أو عرف، وحيث كانت لا ثواب فيها فليس للواهب أن يأخذ هبته التي أهداها للقادم ولو كانت عند القادم قائمة بعينها. قال ابن القاسم: وليس له أخذ هديته وإن كانت قائمة بعينها. اهـ. وقال التتائي: ولا يصدق في دعوى الثواب من أهدى لقادم عند قدومه من سفر حج أو غيره وإن
стр. 7756
فقيرا لغني، وهذا من قول ملك، وقال ابن القاسم: لا يأخذ الفقير هبته وإن قائمة وهو المشهور، وأطلق المص اعتمادا على العرف فلا ينافيه ما قيد في المدونة بالفواكه والرطب وشبهه، ولذا قال محمد: أما القمح والشعير ففيه الثواب. اهـ. وعلى هذا فالثياب ونحوها أولى. اهـ. ولابن غازي رحمه الله تعالى في الهبة للفقيه:
ليس على الفقيه من ضيافه … ولا شهادة ولا مكافه
ذكر ذا القاضي لدى المدارك … عن سعد المعافري عن ملك
قال عبد الباقي: وحيث كان ذلك عن ملك فلعله أراد بالفقيه من هو مثله في الاجتهاد واستنباط الأحكام من الأدلة لشغله بذلك عما ذكر، فلا يشمل مجرد نقل كلام الغير، ويؤخذ من نقل التتائي أنه ليس على الفقيه مكافأة إلا أن يكون غنيا أو يجري العرف بمكافأته أو يكون المهدي فقيها مثله. اهـ. قال بناني: مقتضى ما نقله ابن غازي في التكميل عن شيخه القوري خلاف ذلك وهو ظاهر، فإن من شغل أوقاته بالمطالعة والتعليم والفتوى جدير بذلك وإن قصر عن الاجتهاد. وسعد المعافري هو سعد بن عبد الله بن سعد المعافري من كبار أصحاب ملك المصريين، سمع منه ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، وبه تفقه ابن وهب وابن القاسم، توفي بالأسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائة، والمعافري بفتح الميم وكسر الفاء نسبة إلى معافر بن يعفر بن ملك بن النضر. اهـ. وقوى الرهوني أنه ليس على الفقيه مكافأة الهدية ولو أهدى إليه فقيه.
فائدة: قال الرهوني: سعد المعافري هذا من كبار أصحاب ملك، سمع منه ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، وهو ثقة، وكان سعد فاضلا حتى إن الليث الذي هو من نظراء ملك قال: لو كان أهل الإسلام في ناحية وسعد في ناحية كنت قرينا له، يعني لسعد، ويذكر أن سعدا أوصى بابنته لابن القاسم وابن وهب فطلبها رجل بعد موته ذا يسار وليس هو بذلك الدين وطلبها آخر فقير ذا دين، فمال ابن القاسم إلى ذي الدين، ومال ابن وهب إلى ذي اليسار، فتناظرا فيه، فقال ابن القاسم: أرأيت لو كان سعدٌ حيا لمن يعطيها؟ أليس يقدم ذا الدين؟ فقال ابن وهب: نعم فقال
стр. 7757
له ابن القاسم: ونحن في موضع سعد نفعل ما كان يفعل، فسلم له ابن وهب فهو شيخ ابن القاسم وابن وهب وبه تفقها. اهـ.
مسألة: في حكم هبة الطعام للثواب، قال الحطاب: قال في المدخل في آخر فصل آداب الأكل: وينبغي له أن يتحفظ من هذه العادة المذمومة التي أحدثت وهو أن يهدي أحد الأقارب أو الجيران طعاما فلا يمكن المهدى إليه أن يرد الوعاء فارغا، وقد وُجِدَ على فاعل ذلك فكان سببا لترك المهاداة، ولسانُ العلم يمنع من ذلك كله لأنه يدخله بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، ويدخله أيضا بيع الطعام بالطعام متفاضلا، ويدخله الجهالة، فإن قيل: ليس هذا من باب البياعات إنما هو من باب الهدايا وقد سومح فيها، فالجواب: هو مسلم لو مشوا فيه على مقتضى الهدايا بالشريعة، لكنهم يفعلون ضد ذلك لطلبهم العوض، فإن الدافع يتشوف له والمدفوع إليه يحرص على المكأفاة، فخرج بالمشاحة من باب الهدايا إلى باب البياعات، وإذا كان كذلك فيعتبر فيه ما تقدم ذكره. اهـ. وقول أبي علي إنه ترك هذا النقل لأنه لا يعلم ما فيه مما نقله. قال فيه الرهوني: الظاهر أن النقول تدل على صحته فراجعه متأملا. والله تعالى أعلم. وقال في التوضيح: قوله: ولقادم عند قدومه لخ، خلافا لابن عبد الحكم. اللخمي: وهو أبين إلا أن الناس على ضربين، من لا يتكلم على ذلك إن لم يكاف فهذا لا شيء له إن وقعت بينهما مقابحة على الهبة، ومن يتكلم على الثواب فيقضى له. اهـ.
ولزم واهبها لا الموهوب له القيمة، يحني أن الواهب إذا طلب الثواب في الهبة المدفوعة للثواب ودفع له الوهوب له قيمة هبته فإنه يلزمه قبولها، وأما الموهوب فإنه لا يلزمه أن يدفع القيمة للواهب، بل له أن يقول للواهب خذ عني هبتك لا حاجة لي بها إلا أن تفوت بيد الموهوب له بزيادة ككبر الصغير أو سمن الهزيل، أو بنقص كهرم الصغير مثلا، وإلى هذا أشار بقوله:
إلا أن تفوت بزيد أو نقص، أي إذا قبض الموهوب له الهبة للثواب وفاتت عنده بزيادة أو نقص فإنه يلزمه أن يدفع القيمة للواهب للزوم الهبة للموهوب حينئذ، وقوله: ولزم واهبها، هذا بعد قبض الموهوب له للهبة، وأما قبل القبض فله الامتناع من قبول القيمة، ولو بذل له الموهوب له أضعافها وهذا أيضا فيما إذا لم يعين الثواب، وأما لو عين فقد مر أن العقد لازم للواهب والموهوب
стр. 7758
له لأنها حينئذ كصريح البيع. والله تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: إلا لفوت بزيد أو نقص أو ما هو أولى من ذلك كعتق وبيع لا حوالة سوق، ويجب تقييده بما إذا كان الفوات بيده أي الموهوب له، وأما إن كان الفوات بيد الواهب فإنه لا يلزم الموهوب له دفع القيمة بل هو مخيرٌ في قبول الهبة وردها. اهـ. ونحوه للخرشي. وقال المواق: هبة الثواب يكون الموهوب له مخيرا ما كانت الهبة قائمة لم تفت بين أن يثيبه ما يكون فيه وفاء بقيمة الهبة أو يردها عليه، ولا تجب عليه القيمة إلا بالفوات، وعلى قول مطرف وروايته عن ملك لا يلزم الواهب الرضى بقيمة الهبة إلا بعد فواتها بذهاب عينها، كقول ابن الماجشون في الذي يتزوج المرأة على حكمها: إنه لا يلزمها الرضى بصداق المثل إلا بعد الدخول، بخلاف مذهب ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ في قولهم: إنه يلزمها الرضا بصداق المثل إذا فرضه لها في التفويض. اهـ. وقوله: القيمة قال الشبراخيتي: فاعل لزم نفيا أو إثباتا. اهـ. قال في الميسر: وهل القيمة يوم القبض كما في الموطأ وشفعة المدونة واختاره محمد أو يوم الهبة كما في المدونة والعتبية، وفي الكافي: أنها إن فاتت واختلفا في قيمتها فالقول للموهوب. اهـ. أي لأنه غارم. اهـ. وقال التتائي: إلا لفوت بزيد أو نقص على المشهور ويلزمه القيمة يوم القبض اهـ وقال الخرشي والقيمة يوم القبض. اهـ. وقال عبد الباقي: والقيمة يوم القبض، وقيل: يوم الهبة وله ردها إن ارتفع المفيت إلا فيما إذا باعها ثم اشتراها وكان البائع المذكور مليا فإنما عليه دفع القيمة. اهـ. وله منعها حتى يقبضه، يعني أن الواهب للثواب له أن يحبس الهبة عنده حتى يقبضه أي ثوابها المشترط أو ما يرضى به من الموهوب له، ولو قبضها الموهوب له قبل الثواب وقف فإما أثابه أو ردها، ويتلوم لهما تلوما لا يضر بهما، ولو مات الواهب للثواب والهبة بيده فهي نافذة كالبيع أي حيث عين الثواب كما في بناني، وللموهوب قبضها إن دفع العوض للورثة، وإن مات الموهوب له قبل أن يثيب الواهب فلورثته ما كان له. اهـ. قاله الخرشي وغيره. وعلم مما مر أن الهبة للثواب ضمانها من الواهب ما دامت بيده، فإذا قبضها الموهوب له فضمانها منه.
تنبيه: قال عبد الباقي: واعتُرض قول المص: القيمة بأن مثل هذا التركيب لا نظير له في العربية، إذ التقدير في الأول قبول وفي الثاني دفع، وأجيب بأنها محذوفة من الأول لدلالة
стр. 7759
الثاني، والمعين للتقدير في الكل ما يناسبه. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: مثل هذا التقدير سائغ في العربية كما في الحديث (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فقد فسرها رسول الله ﷺ بقوله: (ألا أخبرك بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله).
وأثيب بما يقضى عنه ببيع، يعني أنه إذا أثابه بما فيه وفاء بالقيمة لزمه بشرط أن يراعى في الثواب ما يراعى في البيع، أي لابد أن يثيبه بما يجوز أن يقضى به في السلم، وقوله: عنه، أي عن الشيء الموهوب حال كون الموهوب المقضي عنه كائنا ببيع أي مراعًى فيه شروط بيع السلم، ومعنى ذلك أن الموهوب له إذا أثاب الواهب له في هبته ما يعاوض الناس عليه في البيع وفيه وفاء بالقيمة فإنه يلزمه قبوله، فقوله: عنه، متعلق بيقضى وهنا أمران، أحدهما: أنه إذا أثابه بما فيه وفاء بالقيمة فإنه يلزمه قبوله، ويُراعَى مع ذلك أمر ثان لا بد منه، وهو أن يكون ذلك الثواب مما لو كانت الهبة رأس مال السلم يجوز أن يقضى عن المسلم فيه، فإذا كانت الهبة لحما فلا يثاب عنها بحيوان من جنسه، أو طعاما فلا يثاب عنها بطعام على ما مر، أو ذهبا فلا يثاب عنها بورق أو عكس ذلك، إلا أن يكون ذلك قبل التفرق فيجوز للسلامة من الصرف المؤخر، ويثاب عن العرض بطعام أو ذهب أو فضة، ولا يثاب عن الذهب بذهب، ولا عن الفضة بفضة إلا بالحضرة على ما مر، قال المواق: قال أبو محمد: ولما كانت الهبة للثواب كالبيع في أكثر الحالات كان لها حكمه فيما يحل ويحرم من عوضها. قال ابن القاسم: ومن وهبك حنطة فلا خير في أن تعاوضه عنها حنطة أو تمرًا أو غيره من مكيل الطعام أو موزونه، إلا أن تعاوضه قبل التفرق طعاما من طعام فإنه يجوز لأن هبة الثواب بيع من البيوع إلا أن تعاوضه مثل طعامه في صفته وجودته وكيله فلا بأس بذلك وإن افترقا اهـ ولو فاتت أو تغيرت فعوضت منافع لم يجز ذلك، بخلاف ما إذا لم تتغير، وإن تغيرت وأحلته على دين لجاز ذلك لأنه حوالة إذا كان مثل القيمة في الصفة والقدر لا أكثر من القيمة.
وإن معيبا، يعني أنه إذا أثابه بمعيب فيه وفاء بالقيمة أو ليس فيه وفاء بها ولكن كملها له ولا مانع من جهة الاقتضاء فإنه يلزم الموهوب له قبوله، ومحل هذا إذا لم يكن العيب فادحا كجذام
стр. 7760
وبرص وإلا فلا يلزمه قبوله ولو كمل له القيمة. انظر ابن غازي. قاله بناني. وقال الحطاب عند قوله: وإن معيبا: هو من العيب، كما قال ابن غازي. وعكسه في المدونة أيضا، قال في كتاب الهبات منها: وإذا وجد الموهوب بالهبة عيبا فله ردها وأخذ العوض. اهـ. وقوله: وأثيب بما يقضى عنه ببيع، هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل: يجوز ذلك. والخلاف مبني على أن هبة الثواب بيع أو لا كما أشار إليه في تكميل المنهج بقوله:
هل هبة الثواب بيع أو لا … فالبيع قبل القبض والربا انجلا
ونسب في التوضيح القابل للموازية، وقد نقله عنها ابن يونس وغيره، ونصه: قال في كتاب محمد: ويعاوض عن الذهب ورقا وعن الورق ذهبا، ونقله أبو الحسن وزاد ما نصه: اللخمي: وجه ما في كتاب محمد أن هبة الثواب خرجت على وجه المعروف والمكارمة فضعفت التهمة فيها، وعلى هذا يجوز أن يأخذ عن الحنطة تمرا، ونقل جسوس عن نوازل ابن هلال: أن ما يهدى للعروس لا بأس بالأكل منه على ما في الموازية، ولا يجوز على مذهب المدونة، قال: فصار ترك الأكل من باب الورع على القاعدة فيما اختلف فيه، وكان بعض الفضلاء إذا أهدي لهم شيء من الطرف والفواكه ونحوها يترك ما أهديَ له من الطعام بالموضع حتى يخرج إليه شيئا من الطعام فيحصل التناجز ليخرج من الخلاف. اهـ. ونقل التاودي هنا وسياقه أنه منقول عن الأجهوري ما نصه: يجوز ما يفعله الناس من إهداء الطعام في الولائم والأعياد ويثيبون عليه طعاما آخر مثله أو أكثر من الجنس أو غيره، لا يدا بيد، وذلك لأنهم لا يقصدون المبايعة والمعاوضة. والحمد لله على اختلاف العلماء. اهـ. قاله الرهوني.
تنبيه: قال عبد الباقي: الهبة للثواب كالبيع في أكثر الحالات فيما يحل ويحرم وتخالفه في أقلها، وذلك في ستة أمور:
١ - جوازها مع جهل عوضها حين عقدها،
٢ - وأنه لا يلزم عاقدها الإيجاب والقبول،
٣ - ولا تفيتها حوالة سوق،
٤ - وعوضها إنما يلزم بتعيينه،
٥ - ويجوز جهل أجل العوض،
٦ - ولا يجوز تعويضها بأكثر من قيمتها إلا لعرف. اهـ المراد منه.
стр. 7761
قوله: وعوضها إنما يلزم بتعيينه، لا فرق بين البيع والهبة في هذا، وقوله: ولا يجوز تعويضها بأكثر من قيمتها، نفي الجواز غير صحيح. قاله بناني. فلم يصح من الأمور الستة إلا أربعة وفي كلام الشيخ عبد الباقي هنا غير هذا. واعلم أن جميع ما مر في الهبة الصحيحة، وأما الفاسدة فترد إن كانت قائمة، فإن فاتت لزم عوضها من قيمة في القوم ومثل في المثلي.
إلا كحطب، مستثنى من قوله: ولزم واهبها، يعني أن الموهوب له إذا دفع للواهب ثواب هبته حطبا أو تبنا أو نحو ذلك مما لم تجر العادة أن يثاب به فإن الواهب لا يلزمه قبوله لعدم جريان العرف بدفعه في مقابلة ما وهب، ولهذا لو جرى العرف بالإثابة به لزمه قبوله. انظر حسن نتائج الفكر وغيره. وقوله: إلا كحطب لخ، هو قول ابن القاسم، وقال سحنون: يلزمه قبول ما فيه وفاء بالقيمة. اهـ. وقال المواق: قال ابن شأس: نوع الثواب الذي يلزم قبوله باتفاق الدنانير والدراهم، وروى أشهب انحصاره فيهما إلا أن يتراضيا على غيرهما، وروى سحنون أن كل ما يصح أن يكون ثوابا يلزم الواهب قبوله إذا كان فيه وفاء بقيمتها، ووافقه ابن القاسم في عدم الاقتصار على العين، إلا أنه استثنى الحطب والتبن وشبههما مما لا يثاب في العادة بمثله.
وللمأذون وللأب في مال ولده الهبة للثواب، يعني أن العبد المأذون له في التجارة يجوز له أن يهب من ماله هبة للثواب، ويجوز له أخذ هبة للثواب، وكذلك الأب يجوز له أن يهب من مال ولده هبة للثواب، ولا يجوز له أن يهب من مال ولده هبة لغير الثواب، والمراد بالولد هنا المحجور لا الرشيد، فلا يجوز ذلك في ماله وليس له إبراء من مال ولده مجانا، وليس الوصي كالأب في جواز الهبة للثواب، وأعاد اللام في للأب لاختلاف المتعلق إذ الأول في ماله والثاني في مال ولده.
وإن قال داري صدقة بيمين مطلقا، يعني أن الشخص إذا قال: داري صدقة، فإن كان ذلك في صيغة يمين وحنث فإنه لا يقضى عليه بإخراجها من يده مطلقا كان ذلك على معين كقوله: هي صدقة على زيد إن دخلت، أو لم يكن على معين كقوله: هي صدقة على الفقراء والمساكين، وهو وإن لم يقض عليه فإنه يجب عليه تنفيذ ذلك فيما بينه وبين الله، والكلام هنا فيما يفيد إنشاء
стр. 7762
الصدقة، فلا يدخل هنا قوله: والله لأتصدقن بداري لأن هذا وعد بالصدقة، وإنما المراد باليمين هنا مجرد التعليق. قاله ابن عاشر. قاله بناني.
قال مقيده عفا الله عنه: وهذا صريح في أنه لا فرق بين قوله: إن شفى الله مريضي فداري صدقة على الفقراء مثلا أو على زيد، وقوله: إن دخلت الدار ممتنعا من دخولها فداري صدقة على الفقراء أو على زيد، ويأتي ما يخالفه. والله سبحانه أعلم. وقوله: وإن قال: داري صدقة لخ وكذا لو قال: هي هبة أو حبس، وقال الشبراخيتي عند قوله: مطلقا ما نصه: كان المتصدق عليه غير معين كعلى الفقراء، أو لم يقل: على كذا بأن قال: صدقة أو حبس أو هبة إن فعلت كذا أو قال: على زيد.
أو بغيرها ولم يعين، يعني أنه إذا قال داري صدقة في غير يمين ولم يعين المتصدق عليه بأن قال: داري صدقة، وكذا لو قال: حبس أو هبة على الفقراء أو صدقة أو حبس وسكت، فإنه لا يقضى عليه بإنفاذ ذلك، ولكن يجب عليه إنفاذه فيما بينه وبين الله، ومفهوم قوله: إن لم يعين أنه لو عين بأن قال: داري صدقة أو حبس مثلا على زيد لقضي عليه بتنفيذ ذلك كما يأتي. وعلم مما قررت أن قوله: لم يقض عليه، جواب الشرط، فهو راجع للمسائل كلها. قال عبد الباقي: لم يقض في واحدة من هذه الصور، لكن يجب عليه تنفيذ ذلك في الصور المذكورة فيما بينه وبين الله. وقيل: يستحب. اهـ. وقال المواق من المدونة: من قال: داري صدقة على المساكين أو على رجل (١) بعينه بيمين فحنث لم يقض عليه بشيء، وإن قال ذلك في غير يمين وإنما بتله لله أجبره السلطان إن كان للرجل بعينه. عياض: على هذا اختصرها أكثر المختصرين. وفي نوازل ابن الحاج: إذا كانت الصدقة بغير يمين لغير معينين كالمرضى والمساكين ففيها قولان، في حبس المدونة. وفي الهبات منها: من المدونة قال ملك: من قال لمديان أنا أهبك فلا يلزمه. اهـ.
بخلاف العين، يعني أنه لو قال: داري صدقة أو حبس أو هبة لزيد مثلا لقضي عليه بذلك أي حكم عليه بأنها لزيد.
стр. 7763
تنبيه: قال غير واحد: إن المراد باليمين في قوله: وإن قال: داري صدقة بيمين التعليق لامتناع من أمر كان يمينا أو نذرا، ولهذا لو قصد بالالتزام القربة لقضي عليه. قال عبد الباقي: بخلاف المعين للصدقة أو الهبة أو الحبس بغير يمين، كداري صدقة أو هبة أو حبس على زيد، فيقضى عليه بها لزيد لأنه قصد التبرك (١) والقربة حينئذ. اهـ. وقال الشبراخيتي: وأما إن كان قاصدا بالتزامه الخير والصلة فإنه يقضى عليه، وكذا لو كان التزامه بغير يمين لمعين. قاله عند قوله: بيمين مطلقا ونحوه للخرشي فإنه قال: المراد باليمين ما فيه حرج ومشقة وإلا قضي عليه، كما إذا قال: إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي، ولو تصدق بداره على زيد ثم من بعده على الفقراء أو المرضى مما هو غير معين وطلبها غير المعين فامتنع ربها فإنه يقضى عليه بذلك نظرًا للحال الأول، كما أجاب به ابن الحاج. اهـ. وقال عبد الباقي: مفهوم قوله: وإن قال: داري صدقة، أن من قال: إن فعلت كذا فعبدي فلان حر أو عبدي ولا عبد له سواه حر وحنث فيقضى عليه به كما يفيده قوله: في باب العتق ولم يقض إلا ببت معين.
وفي مسجد معين قولان، يعني أنه لو قال: داري صدقة أو حبس على المسجد الفلاني، فإنه اختلف فيه هل يجبر على إنفاذ ذلك وهو قول ابن زرب كمن تصدق على رجل بعينه أو يؤمر بذلك ولا يجبر وهو قول عبد الملك؟ ومحل القولين إن لم تكن الصيغة في يمين فإن كانت مع يمين فلا قضاء قطعا في المعين وأولى في غيره. وقضي بين مسلم وذمي فيها بحكمنا، يعني أن الذمي إذا وهب للمسلم أو وهب له المسلم وتنازعوا في ذلك فإنه يحكم بين الذمي والمسلم فيها بحكمنا أي بحكم المسلمين من لزوم وإثابة عليها وغير ذلك، لا بحكمهم لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وأما فيما بين الذميين فلا نتعرض لهم فيها لأنه ليس من التظالم الذي نمنعهم منه، واختلف إذا ترافعوا إلينا في العتق والطلاق والنكاح والزنى والهبة هل يحكم بينهم بحكمنا على قولين؟ واعلم بأن الوفاء بالوعد مطلوب اتفاقا وهو إخبار عن إنشاء المخبر معروفا، وفي لزوم الوفاء به أربعة أقوال، أحَدُها: يلزم الوفاء به مطلقا. قاله عمر بن عبد العزيز. الثاني: إن كان على
стр. 7764
سبب لزم وإن لم يدخل به في السبب. وهو لأصبغ مع ملك. الثالث: إن كان على سبب ودخل بسببه في السبب. لابن القاسم. الرابع: لا يقضى به مطلقا. لابن القاسم أيضا مع سحنون. قاله بناني.
تنبيهات: الأول: اعلم أن معنى الالتزام في اللغة إلزام الشخص نفسه ما لم يكن لازما له، وهو في هذا المعنى شامل للبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق وسائر العقود، وهو في عرف الفقهاء إلزام الشخص نفسه شيئا من المعروف مطلقا أو معلقا على شيء، فهو بمعنى العطية، وقد يطلق في العرف على ما هو أخص من ذلك، وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام، وهو الغالب في عرف الناس اليوم، وأركان الالتزام أربعة: كأركان الهبة، الملتزم بالكسر، الملتزَم له، والملتزم به، والصيغة؛ فيشترط في كل ركن منها ما يشترط في الهبة، فأما الركن الأول وهو الملتزم بالكسر فيشترط فيه أن يكون أهلا للتبرع وهو المكلف الذي لا حجر عليه وليس بمكره، فلا يلزم التزام المحجور عليه كالسفيه، والمأذون له في التجارة، والمكاتب، والمعتق بعضه، ومن أحاط الدين بماله، والمكره، والزوجة، والمريض في ما زاد على الثلث، ومن أنواع الالتزام ما يكون من باب المعاوضة فيشترط في الملتزم فيه أهلية المعاوضة فقط وذلك الرشد وعدم الإكراه، وأما الركن الثاني وهو الملتزم له فهو من يصح أن يملك أو يملك الناس الانتفاع به كالمساجد والقناطر، وأما الركن الثالث وهو الملتزم به فهو كل ما فيه منفعة، وسواء كان فيه غرر أم لا إلا فيما كان من باب المعاوضة فيشترط فيه انتفاء الغرر كما يأتي، وأما الركن الرابع وهو الصيغة فهي لفظ أو ما يقوم مقامه من إشارة أو نحوها تدل على إلزام الشخص نفسه ما التزمه. واعلم أن الالتزام إذا لم يكن على وجه المعاوضة فلا يتم إلا بالحيازة ويبطل بالموت والفلس قبلها كما في سائر التبرعات، وينقسم الالتزام إلى أربعة أقسام، لأنه إما معلق، أو غير معلق والمعلق إما معلق على فعل الملتزم بكسر الزاي أو على فعل الملتزم له بفتح الزاي أو على غير ذلك.
الثاني: اعلم أن الالتزام الذي ليس بمعلق هو إلزام الشخص نفسه شيئا من المعروف من غير تعليق على شيء، فدخل في ذلك الصدقة والهبة والحبس والعارية والعمرى والعرية والمنحة والإرفاق والإخدام والإسكان والنذر إذا كان غير معلق والضمان، والالتزام بالمعنى الأخص أعني
стр. 7765
بلفظ الالتزام، والفرق بين هذه الحقائق إنما هو بأمور اعتبارية اعتبرها الفقهاء، فخصوا الصدقة والهبة بتمليك الرقاب، وجعلوا الأولى فيما كان لقصد الثواب من الله تعالى خاصة، والثانية فيما كان لقصد ثواب من المعطى، أو لوجه المعطى لصداقة أو قرابة أو نحو ذلك، وخصوا الحبس وما بعده إلى الإسكان بإعطاء المنفعة، فإن كان ذلك على التأبيد فهو الحبس، وإن كان ذلك مدة حياة المعطى فهو العمرى، وإن كان بمدة أو غير محدود فهو العارية، فإن كان ذلك في عقار أطلق عليه الإسكان، وإن كان في ثمرة أطلق عليه العرية، وإن كان في غلة حيوان أطلق عليه المنحة، وإن كان في خدمة عبد أطلق عليه الإخدام، وإن كان في منافع تتعلق بالعقار أطلق عليه الإرفاق، وخصوا الضمان بالتزام الدين لمن هو له، وخصوا النذر المطلق بالتزام طاعة لله تعلي بنية القربة، والالتزام الأخص بما كان بلفظ الالتزام، وتخرج العدة لأنه لا التزام فيها، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما يقضى به؛ منها وما لا يقضى به قال الإمام الحطاب: وهذا القسم يقضى به على الملتزم ما لم يفلس أو يمت أو يمرض مرض الموت إن كان الملتزم له معينا، ولا أعلم في القضاء به خلافا إلا على القول بأن الهبة لا تلزم بالقول، وهو خلاف المعروف من المذهب، وأما إن كان الملتزم له غير معين فيأتي الكلام عليه إن شاء الله. ابن زرقون: قال المازري: للواهب الرجوع في هبته قبل حوزها عند جماعة، وفي قولة شاذة عندنا، وحكاه الطحاوي عن ملك، وابن خُوَيْز مَنْدَادَ عن ملك، وقال ملك في المدونة: وإن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن لا قُضِيَ به لفلانٍ على فلان أو أنا كفيل بفلان على فلان وهما حاضران أو غائبان أو أحدهما لزمه ما أوجبه على نفسه من الكفالة والضمان، لأن ذلك معروف، والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه، ومن ضمن لرجل ماله على ميت ثم بدا له فقد لزمه وذلك لأن المعروف كله إذا أشهد به على نفسه لزمه. قال الإمام الحطاب: وذكر الإشهاد هنا ليس شرطا في اللزوم وإنما خرج مخرج الغالب. وقال ابن رشد عن ملك: إذا قال له: بع ولا نقصان عليك لزمه، لأن معناه: بع ولا نقصان عليك والنقص علي، فهذا أمر أوجبه على نفسه، والمعروف على مذهب ملك وجميع أصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه ما لم يمت أو يفلس إلى آخره، ومن التزم الإنفاق على شخص مدة معينة أو مدة حياة المنفق أو المنفَق عليه أو حتى يقدم زيد أو إلى أجل مجهول لزمه ذلك ما لم يفلس أو يمت، ومن
стр. 7766
التزم الإنفاق على رجل وأبى أن يكسوه، فقال: إنما أردت الإنفاق لا الكسوة فقد قال ابن زرب: لزمه أن ينفق عليه ويكسوه، والحجة إجماع العلماء على وجوب الكسوة مع النفقة في الحوامل في قوله : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وخالفه ابن سهل: وقال من التزم الإنفاق على أحد إحسانا إليه لا يلزمه كسوته إذا قال: إنما أردت الإطعام، بدليل قول ملك في المدونة لا بأس أن يستاجر العبد السنة على أن على الذي استأجره نفقته وكذا الحر، فقلت لملك: فلو شرط الكسوة؟ فقال: لا بأس بذلك. فإنه يدل على أن النفقة لا تقتضي الكسوة، ولو كانت عنده مقتضية لها لقال له: لفظ النفقة يقتضيها، ويؤيده أيضا أنه لو التزم الإنفاق على إنسان فأنفق عليه شهرا أو سنة وقال: هذا الذي أردت ولا أزيد على ذلك وطلب الآخر الإنفاق عليه حياته لصدق الملتزم ولا يلزمه أكثر مما ذكر أنه أراده. وفي المدونة: من تصدق على رجل بحائطه وفيه ثمرة مأبورة أو طيبة، وقال: إنما تصدقت بالأصل لا الثمرة فهو مصدق بلا يمين، وكذا روى أشهب في كتاب ابن المواز أنه لا يمين عليه، وقد يتخرج من بعض مسائل هذا المعنى أنه يحلف، وفي سماع أشهب: من استرعى أنه متى أعتق عبده أو متى حبس داره التي بموضع كذا ثم أعتق أو حبس لم يلزمه وإن لم ترف البينة ذلك وصدق فيما يدعيه ويذكره، وقد مر أن كل متطوع مصدق، وأما إن قال ملتزم الإنفاق: لم تكن لي نية في مطعم ولا ملبس فإنه يقال له: قم بهما جميعا. اهـ. نقله الإمام الحطاب. المتيطي في الموازية: قال ملك: من أوصى بنفقة رجل حياته أخرج له من الثلث ما يقوم به منتهى سبعين سنة من ماء وحطب وطعام وكسوة. اهـ. قال الإمام الحطاب: الذي يظهر من كلام ابن رشد أن لفظ النفقة يطلق في العرف على الطعام والكسوة وعلى الطعام فقط، وأن الأول هو الأشهر، فإذا أطلق الملتزم اللفظ ولم تكن له نية حمل على الأول، يعني لزومهما معا وهو الأشهر، وإن ادعى الملتزم أنه أراد المعنى الآخر قبل قوله مع يمينه، وإلى هذا يرجع كلام ابن سهل والمتيطي. اهـ. وقال أيضا بعد جلب كلام في الحبس ما نصه: فعلم منه أنه إذا كان المحبس حيا وفسر اللفظ بأحد محتملاته قبل تفسيره ولو كان خلاف الأظهر، ولا يقبل قوله في الصريح إنه أراد خلاف معناه. اهـ. وإن طاع الزوج لزوجته بجميع مؤنة ولدها من غيره من كسوة وغيرها مدة الزوجية بينهما لزمه، ولا يكون هذا الشرط إلا بعد
стр. 7767
البناء، ولو كان في عقد النكاح لم يجز، وفسخ قبل البناء ويثبت بعده بالدون من صداق المثل والمسمى، قال أبو بكر بن عبد الرحمن: إلا أن يكون إلى أجل معلوم فيجوز لانتفاء الغرر، فإن مات الولد رجعت بنفقته بقية المدة ويلزمه لأنه من صداقها وإنما تأخذه على حسب ما اشترطت، وقال ابن زرب: لا يجوز وإن كان الأجل معلومًا ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل ويسقط الشرط. اهـ. نقله الحطاب عن اختصار المتيطية إلا قوله: ويسقط الشرط، فإنه من المتيطية، وقوله: بالدون من صداق لخ، صوابه: وثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل، ولفظ المتيطية: ولو كان يعني الشرط في عقدة النكاح لم يجز وفسخ قبل البناء وثبت بعده بصداق المثل وبطل الشرط. اهـ. والمشهور في المسألة أعني مسألة اشتراط المرأة على الزوج أن ينفق على ابنها فساد النكاح وإن أسقطت المرأة الشرط، وعن أصبغ: أن النكاح لا يفسخ إذا أسقطت المرأة الشرط. ابن رشد: والفساد فيه بين لاشتراطها نفقة مجهولة غير محدودة بمدة معلومة.
فرع: وللزوج الرجوع على المرأة بما أنفق بالشرط على ولدها أو على من لا تلزمه نفقته من خدمها إلى حين فسخ النكاح أو تصحيحه بصداق المثل. قاله ابن رشد.
فرع آخر: قال البرزلي: وفي الطرر رأيت في بعض الكتب إن كان التطوع بنفقة الولد لمدة الزوجية فإنما يلزم الزوج الإنفاق على الربيب ما دام صغيرا لا يقدر على الكسب. اهـ. وجزم به ابن سلمون، وهذا يحتمل أن يكون تقييدا لما مر كما هو الظاهر، وفي الطرر: إن اختلف الزوج والزوجة في نفقة بنيها من غيره فقالت: شرطت عليك الإنفاق، وأنكر ذلك، فإنه يحلف. قاله ابن الهندي؛ ولابن فتحون لا يمين عليه. الحطاب: إن ادعت أنه شرط في العقد فلا يمين عليه إلا على القول بصحة ذلك إذا كان لمدة معلومة وإلا فهي مدعية لفساد النكاح، فالقول قول الزوج كما قالوا فيما إذا ادعت أنه تزوجها في العدة، وقال الزوج: بعدها، إلا أن يشهد العرف لها فيكون القول قولها، وإن ادعت عليه أنه التزم ذلك بعد العقد فيجري الخلاف في توجه اليمين على الخلاف فيمن ادعى عليه شخص أنه وهبه، قال ابن عرفة: وفي إيجاب دعوى هبة معين يمينَ الواهب قول الجلاب ونقل الباجي عن ظاهر المذهب، وقال الرعيني: من ادعى على أحد من الناس هبة لله أو صدقة أو عطية أو نحلة أو عارية إلى أجل أو سكنى أو عمرى أو حبسا أو
стр. 7768
إخدام عبد أو وصية وكان ذلك بيد المدعى عليه وعجز المدعي عن إثبات ذلك بالبينة فلا يمين على المدعى عليه إذا أنكر، وإن كانا أخوين أو خليطين أو كانت هذه الأشياء بيد المدعي وأنكر المدعى عليه ذلك حلف وأخذ متاعه استحسانا، والقياس أنه أولى بمتاعه بلا يمين، وفي المدونة: من تصدق بحائطه على رجل وفيه ثمرة فزعم أنه لم يتصدق بثمرتها، فإن كانت الثمرة يوم الصدقة لم تؤبر فهي للمعطى، وإن كانت مأبورة فهي للمعطي ويقبل قوله، ولا يمين عليه، وكذا الهبة. اهـ. وتفصيل الرعيني وابن عرفة ظاهر فليعتمد عليه. قاله الحطاب وتفصيلهما هو الذي عناه ابن عاصم بقوله:
ولليمين أيما إعمال … فيما يكون من دعاوي المال
إلا بما عد من التبرع … ما لم يكن في الحال عند المدعي
مسألة: امراة لها أولاد تأخذ نفقتهم من أبيهم وتزوجت رجلا وشرطت عليه نفقة الأولاد أجلا معلوما أو تطوع بها بعد العقد مدة الزوجية وأرادت الرجوع بذلك على أبيهم، فوقعت الفتيا: إن كان ذلك مكتوبا من حقها بحيث لها الرجوع متى شاءت وإسقاطه عن زوجها فلها أن ترجع بنفقتهم على أبيهم، وإن كان ذلك للولد فلا رجوع على أبيه بشيء، وهو جار على الأصول، وكأنه شيء وهب للولد والأول مال وهب لأمه، فإذا أنفقته على الولد رجعت به على أبيه. اهـ. قلت: وللأب أن يمتنع من إنفاق الزوج على ولده. اهـ. كلام الحطاب.
قال مقيده عفا الله عنه: هذا واضح إلا فيما اشترط حال العقد من مدة معينة فإن ذلك لا يكون إلا من حق الأم لما مر في الصداق من قوله: وهدية اشترطت لها أو لوليها والله تعالى أعلم. ومن زوج عبده وأشهد على نفسه تطوعا بعد العقد أنه ينفق عليها مدة الزوجية ثم مات فلا شيء في تركة السيد لأنها هبة لم تقبض. ابن رشد: اختلف قول ملك في شرط النفقة في النكاح على أبي الصغير حتى يبلغ وولي السفيه حتى يرشد، فأجازه مرة وكرهه أخرى، وقال بكل منهما كثير من أصحابه، وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يقع بيان إن مات الأب قبل بلوغ الصبي أو الولي قبل
стр. 7769
رشد اليتيم فسقطت النفقة بموتهما هل تعود في مال الصغير ومال اليتيم أو لا تعود عليهما إلى بلوغ الصغير ورشد اليتيم؟ فإن شرط عودها في مالهما جاز اتفاقا، وإن شرط سقوطها إلى بلوغ الصبي ورشد اليتيم فسد النكاح اتفاقا، وإنما الخلاف إذا وقع الشرط مبهما، وعلى القول بالفساد قال ابن القاسم: إن دخل جاز وكانت النفقة على الزوج، ولم يبين هل هو بالمسمى أو بصداق المثل؟ وهو الأظهر، قال الإمام الحطاب والقول بفساد النكاح وفسخه قبل البناء هو قول ابن القاسم وروايته عن ملك، ثم قال ابن رشد: ولو شرطت النفقة في نكاح الكبير المالك أمر نفسه في نفس العقد على غيره فسخ قبل البناء. ابن حبيب: إلا أن ترضى المرأة بكون النفقة على الزوج ويثبت بعده وتكون النفقة على الزوج. انتهى. وقوله: فسخ قبل البناء ولا يدخله الخلاف الذي في المسألة الأولى، ولا يجوز النكاح على إعطاء حميل بالنفقة لأنها ليست بدين ثابت في ذمته كالمهر، فإن وقع النكاح على ذلك فسخ قبل البناء وثبت بعده بمهر المثل إن كان أكثر من المسمى إذ لم ترض بالمسمى إلَّا لأجْلِ ما اشترطته من الحمالة، وتسقط الحمالة ولو وقع في مسألة المالك أمر نفسه بيان رجوعها على الزوج إن مات من شرطت عليه، أو طرأ عليه دين أو ما يبطل النفقة عنه جاز النكاح على قياس ما تقدم، وقيل: يفسخ قبل البناء على كل حال، لأن شرطها على غير الزوج خلاف السنة، ويمضي بعده بمهر المثل، ويبطل الشرط، وإليه نحا الأبهري، وما قلناه أظهر وأبين اهـ واعلم أن الضمان لما قد وجب من الحقوق يلزم في تركة الضامن لأنه خرج على عوض وهو ما رضي المتحمل له من ترك ذمة غريمه بخلاف (١) لما يجب كضمانه بعد العقد نفقة زوجة ابنه سنين مثلا فذلك يلزم ما دام الأب حيا، فإذا مات سقط ذلك عنه والله تعالى أعلم. وسئل ملك عمن طلق امرأته وهي حامل فأقام شهرا ثم بارأها على أن عليها إرضاع ولدها فطلبته بالنفقة لما مضى من الشهور قبل المبارأة؟ فقال: ذلك لها. قيل: أرأيت إن قالت: إنما باريتك على رضاعه فأما نفقة الحمل فلا؟ قال: أما نفقة حملها قبل المبارأة فذلك لها، وأما بعد مبارأتها فإنه يعرف أنه لم يكن يمنعها الرضاع ويعطيها هذا.
стр. 7770
فرع: إذا خالع الزوج زوجته على نفقة الولد إلى الحلم على القول بجوازه فبلغ مجنونا أو زمنا عادت نفقته على الأب، ولو قال: إلى حين سقوط النفقة عن الأب لزمت المرأة النفقة حينئذ قاله في المتيطية.
فرع آخر: إذا خالع زوجه على أن تتحمل بالولد مدة معينة، وشرط عليها أن لا تتزوج مدة الرضاع ففي سماع أشهب عن ملك أن ذلك لا يلزمها، ولها أن تتزوج، وقال: يشترط عليها تحريم ما أحل الله، ولملك في كتاب ابن المواز أن ذلك يلزمها ولا تنكح حتى تفطم ولدها. وقاله ملك في سماع أشهب وأما اشتراطه عليها ترك النكاح بعد أمد الحولين مدة قريبة أو بعيدة فلا اختلاف أن ذلك لا يلزمها كما لا يلزم الزوج اشتراط ذلك انتهى وهو مخالف لما ذكره ابن سلمون عن الاستغناء: إذا التزمت الأم حضانة ابنتها وتزوجت فسخ النكاح حتى تتم أمد الحضانة. قال بعضهم: يريد قبل البناء، وقال الأبهري: شرطه باطل. قال الإمام الحطاب: ولا شك أن ما ذكره ابن رشد وإن لم يكن متفقا عليه هو الظاهر، وفي كلام ابن سلمون ترجيح القول بأنه لا يلزم ولا في مدة الرضاع وهو الظاهر. اهـ المراد منه. وأما عكس هذه المسألة فذكر في رسم سعد من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير في رجل صالحته زوجته على أن يفارقها وتعطيه شيئا من مالها على أن لا ينكح أبدا فإن فعل رد إليها مالها، قال ملك: له ما أخذ منها والشرط باطل. ابن رشد: هذا بين لأنه إذا لم يلزمه بالشرط أنه لا يتزوج عليها فأحرى أنه لا يلزمه أن يرد إليها ما أخذ منها إن نكح لأن الخلع يؤول بذلك إلى فساد إذ لا تدري هل يرجع إليها فيكون سلفا أو لا يرجع؟ وإذا أعطى الرجل زوجته أو أم ولده مالا على أن لا تتزوج فذلك جائز، ويُرجَعُ عليها بما أخذت، فإذا أوصى لإحداهما بشيء على أن لا تتزوج جاز ذلك، فإذا تزوجت أخذ ذلك منها. عبد الحق: ولو أوصى لأم ولده بعرض على أن لا تتزوج فباعته أو وهبته ثم تزوجت ففعلها ماض ويرجع عليها بقيمته، وقال بعض شيوخنا: إذا باعته فليس عليها إلا الثمن ولو ضاع العرض بأمر من الله تعالى لم تضمنه. أبو الحسن: هذا إذا قامت البينة على الضياع، ولو أعطت المرأة زوجها مالا على أن لا يتزوج عليها فمتى تزوج عليها رجعت عليه بما أخذ منها، ومر أن الالتزام المطلق يقضى به على الملتزم ما لم يفلس أو يمت أو يمرض، وهذا إذا حصل شيء من هذه
стр. 7771
الأمور قبل حوز الشيء الملتزم به كما في الهبة، فإن التزم شخص لشخص السكنى في دار مدة فأسكنه إياها ثم مات الملتزم لا تبطل السكنى لأن الحوز قد حصل، قال البرزلي: في (١) مسائل الأنكحة من نوازل ابن الحاج: فيمن زوج ابنته والتزم لصهره الإسكان مدة العصمة ثم أرهقه دين ثم مات فقام أرباب الديون يطلبون ديونهم وذهبوا لبيع الدار وإبطال السكنى، أنه إذا حاز الزوج السكنى بالفعل قبل الدين وجبت له، ولا تباع الدار حتى تنقضي مدة العصمة بموت أو طلاق. اهـ. وعلم مما مر أنه يصح التزام المجهول لأنه كالهبة وهبة المجهول صحيحة، قال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب من كتاب القراض: ولو شرط الربح لغيرهما جاز: قال ابن عبد السلام: وهل يلزمهما الوفاء بذلك إن كان المشترط له معينا؟ فأصل المذهب أنه يلزم الوفاء به ويقضى به على الملتزم إن امتنع، وأما إن كان غير معين كالمساكين فالمشهور أنه لا يقضى به إن امتنع، قال أبو الحسن في قول المدونة: ولا أحب لهما الرجوع فيه ولا يقضى بذلك عليهما، يعني إذا كانوا غير معينين، وأما لو كانوا معينين لقضي به. البرزلي: في أخ التزم لأخيه وأخته مثل ما التزم لهما أخ لهم رابع في قطع دعواه عنهما من ميراث لهم ولم يكن الرابع بين للأخ جميع ما التزمه فلما علم بذلك ذهب إلى أنه لم يقصد إلا أشياء معينة لا غير، فأفتى ابن عيسى وأكثر أصحابه أنه لا يلزمه إلا ما نص وفسر، وقال ابن خلف: الذي أعتقده أنه يلزمه ما التزمه أخوه، قلت: إن كان الأخ الملتزم أولا قد ذكر لأخيه بعض أشياء مما التزمه وأفهمه أن ذلك جميع ما التزمه فلا إشكال أنه لا يلزم الملتزم ثانيا إلا ما بين له، وكذا إن دل سياق الكلام والبساط على أشياء معينة ثم ذكر له أشياء أجنبية عن ذلك، وإن كان الأمر على خلاف ذلك فالظاهر ما قاله ابن خلف وأنه يلزمه جميع ما التزمه أخوه، وللشخص الرجوع عن وصيته بلا خلاف إن لم يلتزم عدم الرجوع فيها، فإن التزم عدم الرجوع عنها فالأصح أنه يلزمه، وقيل: لا يلزمه، وقيل: يلزمه، إن كان كعتق. وفي مختصر الحوفي: إن التزم عدم الرجوع لزمه على الأصح. قاله الحطاب.
стр. 7772
فرع: لو التزم الواهب من الوالدين عدم الاعتصار من ولده فالظاهر لزوم ذلك له، ولم أقف عليه منصوصا. والله أعلم. قاله الحطاب. والوكالة إن لم يتعلق بها حق للغير فله عزل وكيله، والظاهر أن له ذلك ولو التزم عدم عزله، وأما إن تعلق بها حق الغير فالراجح أنه ليس للموكل عزل الوكيل، قال في الذخيرة عن ابن الجلاب: إذا وكلت في بيع الرهن فليس لك عزل الوكيل إلا برضى المرتهن لأن القاعدة أن الوكالة عقد جائز من الجانبين ما لم يتعلق بها حق للغير، وعلى القول بأن للموكل أن يعزل وكيله ولو تعلق بالوكالة حق للغير فإذا التزم عدم عزل الوكيل فالظاهر أنه يلزمه كما يفهم من كلام ابن عبد السلام، ومن أعتق رضيعا فإنه إن كان له أب حر ملي كان رضاعه ونفقته على أبيه، وإن لم يكن له أب أو كان له أب وكان عبدا أو معدما فإرضاعه ونفقته على معتقه، قال ابن رشد: في آخر سماع ابن القاسم من كتاب الرضاع لأن من أعتق صغيرا ليس له من ينفق عليه فنفقته عليه إلى أن يبلغ لأنه يتهم أن يكون إنما أعتقه ليسقط عن نفسه نفقته. اهـ. وقوله: حتى يبلغ ظاهره حتى يبلغ الحلم وهو الذي يفهم من كلامه في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم، بل هو كالصريح في ذلك، لكنه مخالف لا صرح به هو في غير هذا الموضع، ولما صرح به غيره من أنه إنما تجب نفقته إلى حين قدرته على الكسب ولو بالسؤال، وصرح في مختصر الوقار بأن نفقته تسقط إذا بلغ القدرة على الكسب، ونقل البرزلي أن نفقته تلزم ما دام لا يقدر على السؤال الكسب. اللخمي: القياس أن لا نفقة على سيده وتكون مواساته على أهل بلده وسيده أحدهم، قال المتيطي: وهو الذي في وثائق ابن العطار. قال المتيطي: ثم حكى ابن العطار جواب ملك في شرط نفقته، وقال: هذا يدل على أن نفقته عليه، وكلام اللخمي: وفي كتاب محمد أن على من أعتق صغيرا نفقته لعجزه عنها، والقياس أن لا شيء عليه وتكون مواساته على من بذلك البلد، والسيد أحدهم، وإن كان بيت مال أنفق عليه.
فتحصل في نفقة الصغير إذا أعتق ثلاثة أقوال، الأول: نفقته على من أعتقه حتى يقدر على الكسب، والسؤال وهو المنصوص في كتاب ابن المواز وغيره، وهو المأخوذ من المدونة. الثاني: أنها على من أعتقه إلى البلوغ، وهو الذي يفهم من كلام ابن رشد في كتاب التجارة إلى أرض الحرب، ومما نقله البرزلي عن ابن عرفة. الثالث: أنه لا نفقة على سيده، ونفقته في بيت المال أو على
стр. 7773
المسلمين، وهو الذي في وثائق ابن العطار، وقال اللخمي: إنه القياس، والراجح أن النفقة على معتقه إلى حين قدرته على الكسب ولو بالسؤال، فإن استمر عجزه استمرت النفقة إلى البلوغ، ومقتضى كلام ابن عبد السلام أن النفقة تسقط بالبلوغ ولو استمر عاجزا، وهو ظاهر على القول بأن من أعتق زَمِنًا لا تلزمه نفقته، وأما على القول بأنها لازمة للمعتق فالظاهر لزومها، وجعل ابن رشد نفقة هذا الصغير كالدين فلم يسقطها بالفلس فيحاص الغرماء بمبلغ جميع نفقته الواجبة له عليه بعتقه إياه وهو صغير لأنه يضر به في ذلك، فصارت نفقته كالدين الواجب له عليه. اهـ. قال الحطاب: وإذا قال بذلك في الفلس فأحرى في الموت، فيؤخذ من تركته قدر رضاعه ومؤنته حتى يقدر على الكسب، ويوقف ذلك ليصرف عليه، فإن مات الصغير قبل استكمال ذلك رجع للورثة، وكذلك مسألة الفلس يوقف فإن مات رجع للغرماء، واختاره ابن عرفة، واختار البرزلي أنه لا يلزمه في تركته شيء، قال الحطاب: وهو الظاهر عندي، وكذلك عندي في مسألة الفلس لأن هذا من باب المعروف اهـ
قال مقيده عفا الله عنه: قد مر لابن رشد أنه أضر به بعتقه صغيرا فصار كالدين الواجب، وهو كالصريح في أن ذلك عنده ليس من باب المعروف. والله تعالى أعلم. ولملك في مختصر ما ليس في المختصر، إن أعتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة فتنازعاه فأمه دِنْيةً أحق به إلا أن يكون ذلك مضرا به، ومثله في العتبية، ومن أعتق ابن أمته الصغير فله بيع أمه ويشترط على المبتاع نفقة الولد ومؤنته وأن لا يفرق بينه وبين أمه إلى وقت التفرقة فترجع النفقة عليه إلى أن يبلغ القدرة على الكسب، وقيل: لا يجوز البيع إلا عند الضرورة من فلس أو شبهه، وقيل: إن البيع لا يجوز بحال لأنه غرر إذ لا يُدرَى هل يعيش الصبي إلى حد التفرقة أو يموت قبل ذلك؟ وقيل: البيع جائز، وإذا مات الولد قبل الإثغار رجع البائع على المشتري بقدر ذلك من قيمة الأم، ولو اشترط أن تكون النفقة مضمونة إلى حد الإثغار وإن مات الولد قبل ذلك لجاز المبيع باتفاق. قاله ابن رشد. نقله الحطاب. ومن أعتق زمنا كانت نفقته عليه، ومثله في كتاب محمد، وقيل: نفقته على المسلمين وهو واحد منهم أو على السلطان. اهـ.
стр. 7774
قال مقيده عفا الله عنه: فهو كالصغير وقد مر أن المشهور من المذهب المنصوصَ عليه هو وجوبُ النفقة. والله تعالى أعلم. ومن أعتق صغيرا فإنه يخرج عنه زكاة الفطر لأن نفقته وجبت بسبب الرق السابق. قاله في مختصر الوقار.
فرغ: اختلفوا في التزام المتسلف التصديق في القضاء دون يمين تلزم السلف في دعوى القضاء، فأجازه ابن العطار على الطوع، ومنعه أحمد بن سعد مطلقا، لأنه إن كان شرط فهو سلف جر نفعا، وإن كان بعد العقد فهدية مديان. اهـ. وحاصلُ كلام ابن رشد أن الذي يختاره أن المنصوص في اشتراط التصديق في اقتضاء الديون دون يمين أنه لا يفيد واليمين لازمة، وأما من باع رقيقا واشترط أنه لا يحلف إن ادعي عليه بعيب قديم فذلك لازم في الرجل المأمون وفي الذي يبيع لغيره، وأما غير المأمون إذا باع لنفسه ففيه قولان.
فرع: قد يكون الالتزام بالكلام النفسي. قال ابن رشد: من عزل لمسكين معين شيئا وبتَّله له أي جعله له من الآن فلا يجوز له أن يصرفه إلى غيره وهو ضامن له إن فعل، وسواء كان المال من عنده أو جُعل له تفرقتُه. قال: ولو نوى أن يعطيه ولم يبتله بقول ولا نية كره له أن يصرفه إلى غيره. والله أعلم. قاله الحطاب. وقد مر أن الملتزم له من يصح أن يملك، فيصح الالتزام للحمل ولمن سيوجد، كما تصح الصدقة عليه والهبة، فمن التزم لحمل بشيء لزمه ووقف ذلك الشيء، فإن ولد حيا وعاش كان ذلك له، وإن استهل صارخا ومات كان لورثته، وإن خرج ميتا أو انفش الحمل بقي الشيء على ملك صاحبه، كما قاله المتيطي. قاله الحطاب. ومن التزم لمن سيوجد بشيء صح الالتزام إذا وجد الملتزم له، والملتزم حي لم يفلس وكان الشيء الملتزم به بيده لم يفوته، كما لو قال شخص: إن ظهر لفلان ولد فهذه الدار له أو هذا العبد أو هذا الثوب أو نحو ذلك، فإن أراد الملتزم تفويته ببيع أو غيره قبل وجود الملتزم له فالظاهر من قول ملك أن ذلك له. قاله الحطاب. واستدل على ذلك بمسألة من حبس على ولده ولا ولد له وذكر فيها ثلاثة أقوال، الأوَّلُ: قول ملك: له بيع ما حبَّسه ما لم يولد له. الثاني: قول ابن القاسم ليس له أن يبيع حتى ييئس من الولد، وإن مات قبل أن يولد له صار ميراثا. الثالث: قول ابن الماجشون: يحكم بحبسه ويخرج إلى يد ثقة ليصح الحوز وتوقف ثمرته، فإن ولد له فلهم وإلا فلأقرب الناس إليه
стр. 7775
قال الباجي مُتِمًا لقول ابن الماجشون: وإن ولد له رد الحبس إليه لأنه هو الحائز لولده، وقال في كتاب العتق من المدونة: من قال لأمته في صحته: كل ولد تلدينه فهو حر لزمه عتق ما ولدت، واستثقل ملك بيعها وأنا أرى بيعها جائزا إلا أن تكون حاملا حين قال ذلك أو حملت بعد قوله، أو يقول: ما في بطنك حر، أو إذا وضعته فهو حر، فإن الأمة لا تباع حتى تضع إلا أن يرهقه دين فتباع فيه ويرق الجنين. قال أبو الحسن: الاستثقال بمعنى الكراهة، وأباحه ابن القاسم من غير كراهة، ولو قال: ما في بطنك حر وليس في بطنها شيء فلم يبعها حتى حملت فله بيعها ولا عتق عليه، فإن تبين بعد قوله بها حمل فلا يدري أكان بها يوم القول أو حدث فلا عتق إلا أن تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم القول. اهـ. والظاهر أنه ليس له الرجوع عما التزمه من عتق ما تلده وإن كان بيعه لها ماضيا أو جائزا. انظر التزامات الحطاب. فرع: واعلم أن الحر الفقير نفقة أولاده الصغار على المسلمين، واعلم أن الملتزم له بفتح الزاي إذا كان غير معين كالمساكين والفقراء ونحو ذلك فالمشهور من المذهب أنه يؤمر بالوفاء بما التزمه ولا يقضى به. قال في المدونة: ومن قال: داري صدقة على المساكين أو رجل في يمين فحنث لم يقض عليه بشيء، وإن كان ذلك في غير يمين فليقض عليه إن كان لرجل بعينه، وفي كتاب ابن سهل: فليخرجه السلطان إذا كان لرجل بعينه أو للمساكين.
فَرْع: وكذا حكم النذر المطلق، فإن كان لمعين قضي به وإن كان لغير معين لم يقض به على المشهور.
فرع: قال الإمام الحطاب: يجب الوفاء بنذر العتق ولا يقضى به، ولو كان المنذور عتقه معينا كقوله: لله علي أن أعتق عبدي فلانا، وإنما يعتقه عليه السلطان أن لو حلف بعتقه فحنث أو أبت عتقه بغير يمين، وقال أشهب: إذا قال: لله علي عتق رقيقي فأمر بعتقهم، فقال: لا أفعل، قضي عليه بعتقهم، وإن قال: أفعل ترك فإن مات قبل أن يفعل لم يعتق عليه في ثلث ولا في غيره. وقال في آخر سماع يحيى في الرجل يقول: علي نذر أن أعتق عبدي فلانا ماذا عليه؟ قال: أحب إلي الوفاء بما جعل لله ولا أرى ذلك لازما كالحنث فيه، وإنما هو رجل نذر ليفعلن خيرا. ابن رشد: ليس قوله: أحب، على ظاهره من أن ذلك مستحب، فهو تجوز في العبارة لأن