الأمور قبل حوز الشيء الملتزم به كما في الهبة، فإن التزم شخص لشخص السكنى في دار مدة فأسكنه إياها ثم مات الملتزم لا تبطل السكنى لأن الحوز قد حصل، قال البرزلي: في (١) مسائل الأنكحة من نوازل ابن الحاج: فيمن زوج ابنته والتزم لصهره الإسكان مدة العصمة ثم أرهقه دين ثم مات فقام أرباب الديون يطلبون ديونهم وذهبوا لبيع الدار وإبطال السكنى، أنه إذا حاز الزوج السكنى بالفعل قبل الدين وجبت له، ولا تباع الدار حتى تنقضي مدة العصمة بموت أو طلاق. اهـ. وعلم مما مر أنه يصح التزام المجهول لأنه كالهبة وهبة المجهول صحيحة، قال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب من كتاب القراض: ولو شرط الربح لغيرهما جاز: قال ابن عبد السلام: وهل يلزمهما الوفاء بذلك إن كان المشترط له معينا؟ فأصل المذهب أنه يلزم الوفاء به ويقضى به على الملتزم إن امتنع، وأما إن كان غير معين كالمساكين فالمشهور أنه لا يقضى به إن امتنع، قال أبو الحسن في قول المدونة: ولا أحب لهما الرجوع فيه ولا يقضى بذلك عليهما، يعني إذا كانوا غير معينين، وأما لو كانوا معينين لقضي به. البرزلي: في أخ التزم لأخيه وأخته مثل ما التزم لهما أخ لهم رابع في قطع دعواه عنهما من ميراث لهم ولم يكن الرابع بين للأخ جميع ما التزمه فلما علم بذلك ذهب إلى أنه لم يقصد إلا أشياء معينة لا غير، فأفتى ابن عيسى وأكثر أصحابه أنه لا يلزمه إلا ما نص وفسر، وقال ابن خلف: الذي أعتقده أنه يلزمه ما التزمه أخوه، قلت: إن كان الأخ الملتزم أولا قد ذكر لأخيه بعض أشياء مما التزمه وأفهمه أن ذلك جميع ما التزمه فلا إشكال أنه لا يلزم الملتزم ثانيا إلا ما بين له، وكذا إن دل سياق الكلام والبساط على أشياء معينة ثم ذكر له أشياء أجنبية عن ذلك، وإن كان الأمر على خلاف ذلك فالظاهر ما قاله ابن خلف وأنه يلزمه جميع ما التزمه أخوه، وللشخص الرجوع عن وصيته بلا خلاف إن لم يلتزم عدم الرجوع فيها، فإن التزم عدم الرجوع عنها فالأصح أنه يلزمه، وقيل: لا يلزمه، وقيل: يلزمه، إن كان كعتق. وفي مختصر الحوفي: إن التزم عدم الرجوع لزمه على الأصح. قاله الحطاب.
стр. 7772
فرع: لو التزم الواهب من الوالدين عدم الاعتصار من ولده فالظاهر لزوم ذلك له، ولم أقف عليه منصوصا. والله أعلم. قاله الحطاب. والوكالة إن لم يتعلق بها حق للغير فله عزل وكيله، والظاهر أن له ذلك ولو التزم عدم عزله، وأما إن تعلق بها حق الغير فالراجح أنه ليس للموكل عزل الوكيل، قال في الذخيرة عن ابن الجلاب: إذا وكلت في بيع الرهن فليس لك عزل الوكيل إلا برضى المرتهن لأن القاعدة أن الوكالة عقد جائز من الجانبين ما لم يتعلق بها حق للغير، وعلى القول بأن للموكل أن يعزل وكيله ولو تعلق بالوكالة حق للغير فإذا التزم عدم عزل الوكيل فالظاهر أنه يلزمه كما يفهم من كلام ابن عبد السلام، ومن أعتق رضيعا فإنه إن كان له أب حر ملي كان رضاعه ونفقته على أبيه، وإن لم يكن له أب أو كان له أب وكان عبدا أو معدما فإرضاعه ونفقته على معتقه، قال ابن رشد: في آخر سماع ابن القاسم من كتاب الرضاع لأن من أعتق صغيرا ليس له من ينفق عليه فنفقته عليه إلى أن يبلغ لأنه يتهم أن يكون إنما أعتقه ليسقط عن نفسه نفقته. اهـ. وقوله: حتى يبلغ ظاهره حتى يبلغ الحلم وهو الذي يفهم من كلامه في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم، بل هو كالصريح في ذلك، لكنه مخالف لا صرح به هو في غير هذا الموضع، ولما صرح به غيره من أنه إنما تجب نفقته إلى حين قدرته على الكسب ولو بالسؤال، وصرح في مختصر الوقار بأن نفقته تسقط إذا بلغ القدرة على الكسب، ونقل البرزلي أن نفقته تلزم ما دام لا يقدر على السؤال الكسب. اللخمي: القياس أن لا نفقة على سيده وتكون مواساته على أهل بلده وسيده أحدهم، قال المتيطي: وهو الذي في وثائق ابن العطار. قال المتيطي: ثم حكى ابن العطار جواب ملك في شرط نفقته، وقال: هذا يدل على أن نفقته عليه، وكلام اللخمي: وفي كتاب محمد أن على من أعتق صغيرا نفقته لعجزه عنها، والقياس أن لا شيء عليه وتكون مواساته على من بذلك البلد، والسيد أحدهم، وإن كان بيت مال أنفق عليه.
فتحصل في نفقة الصغير إذا أعتق ثلاثة أقوال، الأول: نفقته على من أعتقه حتى يقدر على الكسب، والسؤال وهو المنصوص في كتاب ابن المواز وغيره، وهو المأخوذ من المدونة. الثاني: أنها على من أعتقه إلى البلوغ، وهو الذي يفهم من كلام ابن رشد في كتاب التجارة إلى أرض الحرب، ومما نقله البرزلي عن ابن عرفة. الثالث: أنه لا نفقة على سيده، ونفقته في بيت المال أو على
стр. 7773
المسلمين، وهو الذي في وثائق ابن العطار، وقال اللخمي: إنه القياس، والراجح أن النفقة على معتقه إلى حين قدرته على الكسب ولو بالسؤال، فإن استمر عجزه استمرت النفقة إلى البلوغ، ومقتضى كلام ابن عبد السلام أن النفقة تسقط بالبلوغ ولو استمر عاجزا، وهو ظاهر على القول بأن من أعتق زَمِنًا لا تلزمه نفقته، وأما على القول بأنها لازمة للمعتق فالظاهر لزومها، وجعل ابن رشد نفقة هذا الصغير كالدين فلم يسقطها بالفلس فيحاص الغرماء بمبلغ جميع نفقته الواجبة له عليه بعتقه إياه وهو صغير لأنه يضر به في ذلك، فصارت نفقته كالدين الواجب له عليه. اهـ. قال الحطاب: وإذا قال بذلك في الفلس فأحرى في الموت، فيؤخذ من تركته قدر رضاعه ومؤنته حتى يقدر على الكسب، ويوقف ذلك ليصرف عليه، فإن مات الصغير قبل استكمال ذلك رجع للورثة، وكذلك مسألة الفلس يوقف فإن مات رجع للغرماء، واختاره ابن عرفة، واختار البرزلي أنه لا يلزمه في تركته شيء، قال الحطاب: وهو الظاهر عندي، وكذلك عندي في مسألة الفلس لأن هذا من باب المعروف اهـ
قال مقيده عفا الله عنه: قد مر لابن رشد أنه أضر به بعتقه صغيرا فصار كالدين الواجب، وهو كالصريح في أن ذلك عنده ليس من باب المعروف. والله تعالى أعلم. ولملك في مختصر ما ليس في المختصر، إن أعتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة فتنازعاه فأمه دِنْيةً أحق به إلا أن يكون ذلك مضرا به، ومثله في العتبية، ومن أعتق ابن أمته الصغير فله بيع أمه ويشترط على المبتاع نفقة الولد ومؤنته وأن لا يفرق بينه وبين أمه إلى وقت التفرقة فترجع النفقة عليه إلى أن يبلغ القدرة على الكسب، وقيل: لا يجوز البيع إلا عند الضرورة من فلس أو شبهه، وقيل: إن البيع لا يجوز بحال لأنه غرر إذ لا يُدرَى هل يعيش الصبي إلى حد التفرقة أو يموت قبل ذلك؟ وقيل: البيع جائز، وإذا مات الولد قبل الإثغار رجع البائع على المشتري بقدر ذلك من قيمة الأم، ولو اشترط أن تكون النفقة مضمونة إلى حد الإثغار وإن مات الولد قبل ذلك لجاز المبيع باتفاق. قاله ابن رشد. نقله الحطاب. ومن أعتق زمنا كانت نفقته عليه، ومثله في كتاب محمد، وقيل: نفقته على المسلمين وهو واحد منهم أو على السلطان. اهـ.
стр. 7774
قال مقيده عفا الله عنه: فهو كالصغير وقد مر أن المشهور من المذهب المنصوصَ عليه هو وجوبُ النفقة. والله تعالى أعلم. ومن أعتق صغيرا فإنه يخرج عنه زكاة الفطر لأن نفقته وجبت بسبب الرق السابق. قاله في مختصر الوقار.
فرغ: اختلفوا في التزام المتسلف التصديق في القضاء دون يمين تلزم السلف في دعوى القضاء، فأجازه ابن العطار على الطوع، ومنعه أحمد بن سعد مطلقا، لأنه إن كان شرط فهو سلف جر نفعا، وإن كان بعد العقد فهدية مديان. اهـ. وحاصلُ كلام ابن رشد أن الذي يختاره أن المنصوص في اشتراط التصديق في اقتضاء الديون دون يمين أنه لا يفيد واليمين لازمة، وأما من باع رقيقا واشترط أنه لا يحلف إن ادعي عليه بعيب قديم فذلك لازم في الرجل المأمون وفي الذي يبيع لغيره، وأما غير المأمون إذا باع لنفسه ففيه قولان.
فرع: قد يكون الالتزام بالكلام النفسي. قال ابن رشد: من عزل لمسكين معين شيئا وبتَّله له أي جعله له من الآن فلا يجوز له أن يصرفه إلى غيره وهو ضامن له إن فعل، وسواء كان المال من عنده أو جُعل له تفرقتُه. قال: ولو نوى أن يعطيه ولم يبتله بقول ولا نية كره له أن يصرفه إلى غيره. والله أعلم. قاله الحطاب. وقد مر أن الملتزم له من يصح أن يملك، فيصح الالتزام للحمل ولمن سيوجد، كما تصح الصدقة عليه والهبة، فمن التزم لحمل بشيء لزمه ووقف ذلك الشيء، فإن ولد حيا وعاش كان ذلك له، وإن استهل صارخا ومات كان لورثته، وإن خرج ميتا أو انفش الحمل بقي الشيء على ملك صاحبه، كما قاله المتيطي. قاله الحطاب. ومن التزم لمن سيوجد بشيء صح الالتزام إذا وجد الملتزم له، والملتزم حي لم يفلس وكان الشيء الملتزم به بيده لم يفوته، كما لو قال شخص: إن ظهر لفلان ولد فهذه الدار له أو هذا العبد أو هذا الثوب أو نحو ذلك، فإن أراد الملتزم تفويته ببيع أو غيره قبل وجود الملتزم له فالظاهر من قول ملك أن ذلك له. قاله الحطاب. واستدل على ذلك بمسألة من حبس على ولده ولا ولد له وذكر فيها ثلاثة أقوال، الأوَّلُ: قول ملك: له بيع ما حبَّسه ما لم يولد له. الثاني: قول ابن القاسم ليس له أن يبيع حتى ييئس من الولد، وإن مات قبل أن يولد له صار ميراثا. الثالث: قول ابن الماجشون: يحكم بحبسه ويخرج إلى يد ثقة ليصح الحوز وتوقف ثمرته، فإن ولد له فلهم وإلا فلأقرب الناس إليه
стр. 7775
قال الباجي مُتِمًا لقول ابن الماجشون: وإن ولد له رد الحبس إليه لأنه هو الحائز لولده، وقال في كتاب العتق من المدونة: من قال لأمته في صحته: كل ولد تلدينه فهو حر لزمه عتق ما ولدت، واستثقل ملك بيعها وأنا أرى بيعها جائزا إلا أن تكون حاملا حين قال ذلك أو حملت بعد قوله، أو يقول: ما في بطنك حر، أو إذا وضعته فهو حر، فإن الأمة لا تباع حتى تضع إلا أن يرهقه دين فتباع فيه ويرق الجنين. قال أبو الحسن: الاستثقال بمعنى الكراهة، وأباحه ابن القاسم من غير كراهة، ولو قال: ما في بطنك حر وليس في بطنها شيء فلم يبعها حتى حملت فله بيعها ولا عتق عليه، فإن تبين بعد قوله بها حمل فلا يدري أكان بها يوم القول أو حدث فلا عتق إلا أن تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم القول. اهـ. والظاهر أنه ليس له الرجوع عما التزمه من عتق ما تلده وإن كان بيعه لها ماضيا أو جائزا. انظر التزامات الحطاب. فرع: واعلم أن الحر الفقير نفقة أولاده الصغار على المسلمين، واعلم أن الملتزم له بفتح الزاي إذا كان غير معين كالمساكين والفقراء ونحو ذلك فالمشهور من المذهب أنه يؤمر بالوفاء بما التزمه ولا يقضى به. قال في المدونة: ومن قال: داري صدقة على المساكين أو رجل في يمين فحنث لم يقض عليه بشيء، وإن كان ذلك في غير يمين فليقض عليه إن كان لرجل بعينه، وفي كتاب ابن سهل: فليخرجه السلطان إذا كان لرجل بعينه أو للمساكين.
فَرْع: وكذا حكم النذر المطلق، فإن كان لمعين قضي به وإن كان لغير معين لم يقض به على المشهور.
فرع: قال الإمام الحطاب: يجب الوفاء بنذر العتق ولا يقضى به، ولو كان المنذور عتقه معينا كقوله: لله علي أن أعتق عبدي فلانا، وإنما يعتقه عليه السلطان أن لو حلف بعتقه فحنث أو أبت عتقه بغير يمين، وقال أشهب: إذا قال: لله علي عتق رقيقي فأمر بعتقهم، فقال: لا أفعل، قضي عليه بعتقهم، وإن قال: أفعل ترك فإن مات قبل أن يفعل لم يعتق عليه في ثلث ولا في غيره. وقال في آخر سماع يحيى في الرجل يقول: علي نذر أن أعتق عبدي فلانا ماذا عليه؟ قال: أحب إلي الوفاء بما جعل لله ولا أرى ذلك لازما كالحنث فيه، وإنما هو رجل نذر ليفعلن خيرا. ابن رشد: ليس قوله: أحب، على ظاهره من أن ذلك مستحب، فهو تجوز في العبارة لأن
стр. 7776
من نذر طاعة، فالوفاء بها عليه واجب، وقوله: ولا أرى ذلك لازما، معناه لا يحكم به عليه لا أن ذلك ليس بلازم فيما بينه وبين الله.
فرع: اعلم أن العِدَة ليس فيها إلزام الشخص نفسه شيئا الآن، وإنما هي كما قال ابن عرفة: إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل، ولا خلاف في أن الوفاء بها مطلوب شرعا، واختلف في وجوب القضاء بها على أربعة أقوال، قيل: يقضى بها مطلقا، وقيل: لا يقضى بها مطلقا، وقيل: يقضى بها إن كانت على سبب وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء، كقولك: أريد أن أتزوج أو أن اشتري كذا أو أن أقضي غرمائي فأسلفني كذا، أو أريد أن أركب غدا إلى بلاد كذا فأعرني دابتك، أو أن أحرث أرضي فأعرني بقرك، قال: نعم، ثم بدا له قبل أن يتزوج أو قبل أن يشتري أو أن يسافر فإن ذلك يلزمه ويقضى عليه به ما لم يترك الأمر الذي وعدك عليه، وكذا لو لم تسأله وقال لك هو من نفسه: أنا أسلفك كذا أو أهب لك كذا لتتزوج أو لتقضي دينك أو نحو ذلك، فإن ذلك يلزمه ويقضى عليه به، ولا يقضى بها إن كانت على غير سبب، كما إذا قلت: أسلفني كذا ولم تذكر سببا أو أعرني دابتك أو بقرتك ولم تذكر سفرا ولا حاجة، فقال: نعم، ثم بدا له. القولُ الرابع: يقضى بها إن كانت على سبب ودخل في الشيء بسبب العدة، وهذا هو المشهور من الأقوال. قاله ابن رشد. قاله الحطاب. وقد مر ذكر هذه الأقوال على سبيل الاختصار.
التنبيه الثالث: قال الإمام الحطاب: الالتزام المعلق على فعل الملتزِم بالكسر لا يخلو إما أن يكون القصد بالالتزام الامتناع من ذلك الفعل المعلق عليه كقوله: لزوجته إن تزوجت عليك فلك ألف دينار، وإما أن يكون القصد حصول ذلك الفعل ويكون الشيء الذي التزمه شكرا لله على حصوله، كقوله: إن قدمت من هذا السفر فلفلان علي ألف درهم، وإن أتممت هذه الدار أو هذا الكتاب فعلي كذا، وهذا الثاني من باب النذور، وقد ذكروا في باب النذر أن من علق العتق أو الهدي أو الصدقة على الملك يلزم مثل أن يقول: إن ملكت عبد فلان فهو حر، فإنه يلزمه العتق إذا ملكه، وذكر ابن عبد السلام وغيره: أن المفلس إذا التزم عطية شيء إن ملكه أنه يلزمه إذا ملكه بعد ذلك ولم يكن عليه دين. قال الحطاب: وهذا في العتق لازم ويقضى به، وأما الهدي فإنه لازم ولا
стр. 7777
يقضى به لأن الكفارات والهدايا واجبة على التراخي، وأما الصدقة فإن كانت على وجه اليمين فهي النوع الأول المعقود له هذا الباب، وإن لم تكن على وجه اليمين وإنما القصد بها القربة فهي لازمة ويقضى بها إن كانت لمعين، ولا يقضى بها إن كانت لغيره على المشهور، والنوع الأول الذي يسمى يمينا اختلف في القضاء به، والمشهور من المذهب أنه لا يقضى به سواء كان الملتزم له بفتح الزاي معينا أم لا. اهـ. وفي المدونة: من نكح امرأة بألف درهم على أنه إن كانت له امرأة أخرى فصداقها ألفان لم يجز كالبعير الشارد، وإن نكح بألفين فوضعت عنه في عقد النكاح ألفا على أن لا يخرجها من بلدها، أو نكحها بألف على أنه إن أخرجها من بلدها فمهرها ألفان، له أن يخرجها وليس لها إلا الألف، وهو كالقائل لزوجته: إن أخرجتك من الدار فلك ألف فله أن يخرجها بغير شيء، قال أبو الحسن الصغير: قوله: فله أن يخرجها بغير شيء، قال أبو عمران: لأن هذه ليست على وجه البر وإنما قصد بها اليمين، وما كان من الهبات لمعين على وجه اليمين فإنه لا يقضى به لأن الهبة التي يقضى بها لمعين إنما هي التي يقصد بها وجه البر والصلة لا معنى اليمين، وكل شيء إذا خرج عن حكمه، بطل حكمه وعلم أنه لم يقصد نفس العطية والهبة وإنما حرم على نفسه ما أحل الله له، وأما الذي يقول: إن شفاني الله من مرضي فلك ألف درهم، فهذا يقضى عليه لأنها بر، وما كان على هذا الوجه يقضى به على قائله، وكذا الذي يقول: إن قدمت فلك درهم لأن هذه عطية محضة غير متعلقة بيمين ولا معاوضة ونحوه في التنبيهات، وعلم مما مر أن هذا كله في غير العتق، وأما هو فيقضى به ولو كان في يمين. قاله الحطاب. وفي المدونة: ومن أبتَّ عتق عبده أو حنث بذلك في يمين عتق عليه بالقضاء.
فرع: من قال لعبده: إن بعتك فأنت حر، ثم باعه عتق على البائع ورد الثمن للمشتري، قال عبد الحق: ومال العبد هنا للبائع، ولو كان المشتري استثنى ماله كان المال تبعا للعبد لانتقاض شراء المشتري والبائع لم يبق مال العبد لنفسه. اهـ. قاله الحطاب. ولو قال: إن بعت هذا الشيء فهو صدقة فباعه لم ينتقض المبيع وتصدق بالثمن وجوبا أو ندبا على خلاف في ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 7778
واعلم أن الشروط في النكاح إذا لم تتعلق بطلاق أو عتق معين أو تمليك للعصمة فالمشهور عدم القضاء بها، وامرأة تزوجها رجل وكانت قبله تحت آخر فارقها والتزمت للزوج الثاني أنها متى تزوجت الأول مدة عشرين سنة فعليها مائة دينار لزوجها الثاني، ففارقها الثاني وتزوجت الأول قبل تمام المدة، الجاري على المشهور لا شيء عليها، وحديث (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) (١) في الصحيحين، وهو إنما هو في اشتراط المرأة على الزوج، فالحانث في العطية لا يقضى عليه كهي في هذا الفرض، فلا فرق بين زوج وغيره. والله تعالى أعلم.
فرع: لو طلبت الحاضنة الانتقال بالأولاد إلى موضع بعيد فشرط الأب عليها نفقتهم وكسوتهم جاز ذلك، وكذا إن خاف أن تخرج بهم بغير إذنه فشرط عليها إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليها لزمها ذلك. قاله بعض الأندلسيين. قال الحطاب: بل الظاهر أن خروجها بهم إلى المكان البعيد بغير إذنه يوجب نفقتهم عليها لا سيما إن تعذر على الأب ردهم، بل قد اختلف في سقوط النفقة عن الأب إذا خرجت بهم إلى المكان القريب الذي يجوز لها الخروج بهم إليه ولا تسقط حضانتها. قال ابن راشد القفصي: حيث قلنا: تخرج بهم فحقهم في النفقة باق على أبيهم في ظاهر المذهب، وحكى في الطرر عن ابن جماهر الطليطلي إذا خرجت ببنيها إلى الصائفة يسقط الفرض عن أبيهم مدة مقامهم. اهـ. واقتصر ابن عرفة على ما حكاه صاحب الطرر، ورجح في الشامل الأول، وحكى الثاني بقيل. ومن التزم لإنسان أنه إن سافر من هذه البلدة فله عليه كذا وكذا فالمشهور أنه لا يقضى عليه بهذا الالتزام.
التنبيه الرابع: اعلم أن الالتزام المعلق على فعل الملتزم له بفتح الزاي على سبعة أنواع، لأن ذلك الفعل إما أن يكون غير اختياري أو اختياريا، والاختياري إما أن يكون واجبا أو حراما أو جانزا، والجائز إما أن يكون لا منفعة فيه أو فيه منفعة، والذي فيه المنفعة لا يخلو إما أن تكون المنفعة فيه للملتزم بكسر الزاي أو الملتزَم له بفتح الزاي أو لغيرهما. النوع الأول: الالتزام المعلق على الفعل الذي ليس باختياري كقوله لزوجته: إن ولدت غلاما فلك كذا وكذا، وحكمُه إذا وجد
стр. 7779
المعلق عليه حكمُ الالتزام المطلق في اللزوم والقضاء به نحو إن ولدت غلاما فلك كذا وكذا من مالي.
النوع الثاني: الالتزام المعلق على الفعل الواجب على الملتزم له بفتح الزاي كقولك: إن جئتني بعبدي الآبق أو بعيري الشارد أو متاعي الضائع فلك عندي كذا وكذا إن كان العبد أو البعير أو المتاع عنده أو يعلم مكانه، فإن ذلك غير لازم للملتزم ولا يحكم به عليه، ورد ذلك واجب عليه، وكذلك الإعلام بموضعه، ولا يجوز له أن يأخذ على ذلك شيئا لأن ذلك من باب الجعل، وقد قالوا: إن من شروط الجعل أن لا يكون الفعل مما يلزم المجعول له، أما ما كان واجبا على الكفاية فيلزم الالتزام المعلق عليه كقوله: إن غسلت هذا الميت فلك كذا، قال ابن القاسم: في رجل قالت له امرأته، وكانت صرورة: إيذن لي أن أحج وأنا أعطيك المهر الذي عليك، فقبل وتركها تحج، قال: يلزمه المهر لأنه كان يلزمه أن يأذن لها في أن تحج وقد بلغني ذلك عن ربيعة، قال ابن القاسم: وذلك إذا لم تعلم أنه يلزمه أن يأذن لها، وأما إذا علمت بذلك فإنه لازم لها لأنها أعطته مالها طيبة بذلك نفسها، ولو أعطته مهرها على أن يأذن لها في الخروج قبل أشهر الحج أي قبل خروج الحاج من ذلك البلد لزمها ذلك ولم يكن لها أن ترجع فيه إذ لا يلزمه الإذن في الخروج في ذلك الوقت. نقله الحطاب عن ابن رشد. ثم قال: فعلى ما لابن رشد إذا كان الملتزم يعلم أن ذلك الفعل يجب على الملتزم له ثم علق الالتزام عليه فإنه يلزمه، ويحمل على أنه أراد أن يرغبه في الإتيان بذلك الفعل، كقوله: إن صليت الظهر اليوم فلك عندي كذا وكذا ونحو ذلك والله أعلم. وقال في الذخيرة: من وجد آبقا أو ضالا بغير عمل فلا جعل له، وكذلك من علم موضعه فدل عليه لأن ذلك واجب عليه، وقال أيضا: من طلب من يعلم موضعه فلا شيء له. وقال في اللباب في شروط الجعل: الأول: أن يكون مما لا يلزم المجعول عليه عمَلُه فإن كان مما يلزمه عمله لم يجز له أخذ الجعل عليه، مثل أن يجد آبقا من غير عمل لأن رده واجب عليه، وكذلك ما لا يجوز له فعله لا يجوز له أخذ الجعل عليه، كالجعل على فعل الحرام سواء كان فعلا أو قولا، كما إذا قال له: إن اشتريت هذا الإناء من الخمر أو إن سببت فلانا فلك كذا، وفي النوادر: وإنما يجوز الجعل على طلب عبد يجهل مكانه، فأما من وجد آبقا أو ضالة أو ثيابا فلا يجوز له أخذ الجعل على رده ولا على أن يدل على مكانه لأن ذلك واجب
стр. 7780
عليه، فأما من وجد ذلك بعد أن جعل ربه فيه جعلا فله الجعل علم بما جعل فيه أو لم يعلم تكلف طلب هذه الأشياء أو لم يتكلف، ومن قال لكافر: إن أسلمت فلك عندي كذا فإنه لازم له ويحكم به عليه، ولم يحكوا في ذلك خلافا وإنما اختلفوا هل ذلك من باب العطية فيفتقر إلى الحيازة أو من باب المعاوضة فلا يفتقر إلى حيازة؟ ولا فرق في ذلك بين الزوجة وغيرها، وفي كلام ابن رشد ترجيح أن ذلك لا يفتقر لحوز، وبذلك أفتى ابن الحاج، ومن قال لعبده: إن تركت شرب الخمر فأنت حر أو تركت الزنى فأنت حر فإن ذلك لازم له، لكن لا يصدق العبد في قوله: تركت ذلك حتى يظهر صدقه النوع الثالث: الالتزام المعلق على فعل محرم على الملتزم له، كقوله: إن قتلت فلانا أو إن شربت الخمر فلك كذا وكذا، وحكمه أن ذلك غير لازم، ومن قال لرجل: إن قتلتني فلك كذا أو إن قتلت عبدي فلك كذا فلا جعل له، واختلف هل يقتل أو يسقط عنه القصاص؟ ولا يأتي في هذا النوع ما مر في النوع الثاني أن الملتزِم بكسر الزاي إذا كان يعلم أن ذلك الفعل لخ، لأن ذلك قربة ومعروف، وهذه إعانة على معصية وترغيب في فعل المعصية، فلو قبض الملتزم له الشيء الملتزم به فهل يرده على ربه أو يتصدق به، يأتي فيه الخلاف الذي في حلوان الكاهن وما تأخذه الزانية والقواد والمخنث ونحوهم، هل يلزمهم أن يردوا ما أخذوه على من أعطاهم أو يتصدقوا به؟ والظاهر لي من القولين التصدق بذلك، وعدم رده لربه، لأنه دفع في غير حق فلا يرده له أدبا له، وقالوا: إنه لا ينفع التحليل في هذه المسائل.
النوعُ الرابعُ: الالتزام المعلق على الفعل الجائز الذي لا منفعة فيه لأحد، كقوله: إن صعدت هذا الجبل فلك كذا، واختلف فيه على قولين ذكرهما ابن الحاجب والشيخ خليل وغيرهما، وكلام الشيخ خليل هو قوله: وفي شرط منفعة الجاعل قولان، قال ابن غازي: وظاهر كلام عياض في التنبيهات أن المشهور اشتراط منفعة الجاعل. قاله الحطاب. وقال: تنبيه: وقع في كلام القاضي عياض وكلام ابن يونس وكلام غيرهما أن تكون فيه منفعة للجاعل، والظاهر أن قولهم: للجاعل خرج مخرج الغالب وأنه لا مفهوم له، بل القصد أن يكون في ذلك منفعة سواء كانت للجاعل أو غيره. انتهى.
стр. 7781
النوع الخامس: الالتزام المعلق على الفعل الذي فيه منفعة الملتزم بكسر الزاي وهو على أربعة أوجه، الوجه الأول: أن يكون الفعل المعلق عليه إعطاء الملتزم له للملتزم أو لغيره شيئا وتمليكه إياه نحو إن أعطيتني عبدك أو دارك أو فرسك فقد التزمت لك بكذا أو فلك علي كذا لشيء يسميه، أو فقد أسقطت عنك الدين الذي لي عليك، أو إن أعطيت ذلك لفلان أو أسقطت الدين الذي لك على فلان فلك عبدي الفلاني أو داري أو نحو ذلك، فهذا من باب هبة الثواب، وقد صرحوا بأنه إذا سمي فيها الثواب أنها جائزة ولم يحكوا في ذلك خلافا، وأنها حينئذ بيع من البيوع، يشترط في كل من الملتزم به والملتزم عليه ما يشترط في الثمن والمثمون من انتفاء الجهل والغرر، إلا فيما يجوز في هبة الثواب مما سيأتي ذكره في الفرع الرابع من الفروع التي أذكرها، ويشترط فيهما أيضا كون كل منهما طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه، فلا يجوز أن يكون أحدهما آبقا، ولا بعيرا شاردا، ولا جنينا، ولا ثمرة لم يبد صلاحها، ولا يجوز أن يكونا طعامين، كقولك: إن أعطيتني أردبا من القمح فلك عندي قنطاران من السمن إلا أن يكون ذلك في موضع واحد والطعامان حاضران، ولا يجوز أن يكونا دينين كقولك: إن التزمت لي ثوبا صفته كذا وكذا فلك في ذمتي عشرة دنانير، أو إن أسقطت عني الدين الذي كان لك علي فلك في ذمتي كذا وكذا، ولا يجوز أن يؤجل أحدهما بأجل مجهول، ويشترط في صحة ذلك أن يكون كل من الملتزم والملتزم له مميزا وأن يكون طائعا رشيدا.
فروع الأول: لا فرق بين أن يقول: إن أعطيتني أو ملكتني أو إن زوجتني، وبين أن يقول: تصدقت علي، فإن الصدقة وإن كانت لا يقضى فيها بالثواب فإنه إذا شرط فيها الثواب لزم كما صرح به في كتاب الهبات من المدونة، وصرح به ابن رشد في أول رسم من سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات في المرأة تضع مهرها عن زوجها على أن يهب لها منزله أو يتصدق عليها أن ذلك [لازم] (١).
стр. 7782
الثاني: إذا قال الملتزم بكسر الزاي: إن أعطيتني عبدك فلانا فلك عندي كذا وكذا، فقال له الآخر: قد أعطيتك أو قد فعلت أو نحو ذلك مما يدل على العطاء، فإن أجابه الآخر بما يدل على قبول ذلك فقد لزم كل واحد منهما ما التزمه بالقول الصادر منه وإن لم يحصل قبض، قال ابن الحاجب: وليس له الرجوع في الثواب بعد تعيينه وإن لم يقبض، وإن قال الأول: لا أرضى وإنما أردت اختبارك هل ترضى أم لا؟ فإن كان ذلك في مجلس واحد فالظاهر أنه يحلف ما أراد إلا اختباره ولم يرد إيجاب الالتزام، فإن حلف وإلا لزمه، وإن انقضى المجلس ثم جاء الملتزم له إلى الملتزم وقال له: قد رضيت، فالظاهر أنه لا يلزم الملتزم ما التزمه، وأنه لا يمين عليه إلا أن يكون قد أتى في التزامه بلفظ يقتضي اللزوم وإن انقضى المجلس، كقوله: متى أعطيتني كذا فلك كذا وكذا، وأي وقت ونحو ذلك، ولم أقف في جميع هذا على نص فليتأمل. قاله الحطاب.
الثالث: إذا قلنا: إن ذلك لازم فللملتزم له الامتناع من التسليم حتى يسلم الملتزم ما التزمه كالبيع، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك الخلاف الذي في هبة الثواب، لأنه حيث صرح بالعوض صار حكمه حكم البيع، على أن مذهب المدونة أن للواهب المنع من قبض الهبة حتى يقبض الثواب خلافا لابن المواز. الرابع: إذا قال: إن أعطيتني عبدك أو سلعتك فلك علي أن أرضيك فذلك جائز، لأنه يجوز في هبة الثواب اشتراط الثواب دون تعيينه، كقولك: أهب لك كذا على أن تثيبني فإن أعطاه ما رضي به فلا إشكال، وإن قال: لا أرضى بهذا، فالظاهر أنه ينظر في ذلك الشيء الذي أعطاه فإن كان دون قيمة سلعته فلا يلزمه قبوله، وإن كان قدر قيمة سلعته أو أكثر مما يقول الناس إن فيه إرضاء له فيلزمه قبوله. قاله الحطاب.
الخامس: إذا قال: إن بعتني سلعتك بكذا فلك عندي كذا وكذا، أو فقد التزمت لك بكذا وكذا، فالشيء الملتزم به دخل في جملة الثمن، فيشترط فيه ما يشترط في الثمن، وكذلك إن قال: إن اشتريت مني سلعتي بكذا فلك عندي كذا وكذا، فالشيء الملتزم به دخل في جملة المبيع، فيشترط فيه شروطه وهذا ظاهر. والله تعالى أعلم.
الوجه الثاني: أن يكون الفعل المعلق عليه إعطاء الملتزم له للملتزم أو لغيره منفعة شيء من دار أو عبد أو دابة أو غير ذلك، نحو إن أسكنتني دارك سنة أو سنين مسماة، أو أسكنت فيها فلانا
стр. 7783
سنة أو سنين مسماة فلك كذا وكذا، أو إن أخدمتني عبدك، أو إن أعطيتني ثوبك ألبسه مدة معينة، أو إن حملتني على دابتك إلى موضع كذا فلك كذا وكذا، فهذا من باب الإجارة يشترط فيه شروط الإجارة، وهي أن تكون المدة معلومة، والمنفعة معلومة، والشيء الملتزم به مما يصح أن يكون أجرة، فلا يجوز إن أسكنتني دارك مدة حياتي أو حياتك أو حياة زيد، أو إلى أن يقدم فلان وقدومه غير معلوم، فلك عندي كذا وكذا، أو إن أسكنتني دارك فلك عبدي فلان الآبق أو بعيري الشارد أو نحو ذلك، ولا يجوز أن يقول: أسكنتك داري على أن أسكن دارك، ولا أسكنتك داري بعشرة دنانير في كل سنة على أن أسكن دارك بعشرة أو بخمسة في كل سنة حتى يبين مدة السنين.
الوجه الثالث: أن يكون الفعل المعلق عليه عملا يعمله الملتزم له للملتزم أو لغيره، نحو إن جئتني بعبدي الآبق أو بعيري الشارد، أو إن حفرت لي بيرا في أرضي، أو إن جئت بعبدي فلان أو غيره فلك كذا وكذا، فهذا من باب الجعل، فيشترط فيه أن لا تحصل منفعة للملتزم بكسر الزاي، أو ممن اشترط العمل له إلا بتمام العمل، وأن لا يضرب في ذلك أجل، وأن يكون الشيء الملتزم به معلوما مما يجوز كونه جعلا وغير ذلك من شروط الجعل. الوجه الرابع: أن يكون الفعل المعلق عليه أن يترك الملتزم له حقا من حقوقه لأجل ما التزمه له الملتزم، نحو قول الشخص للحاضنة: إن أسقطت حقك من الحضانة فلك كذا وكذا، و (١) كمسألة إعطاء الزوجة زوجها شيئا على أن لا يتزوج عليها، وهذا يشبه أن يكون من باب الجعل، وَمِنَ الوجه الأول ما لو أعطته مالا على أن يمسكها ثم فارقها بقرب العطية كان لها أن ترجع فيما أعطته، وإن كان فراقه بعد أن طال الأمر وما يرى أنها بلغت الغرض في مقامها لم ترجع، وإن طال ولم تبلغ ما يرى أنها دفعت المال لمثله كان لها من المال بقدر ذلك على التقريب فيما يرى، ولو أعطته شيئا على أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى عليها، أو وضعت له شيئا من صداقها على ذلك، فظاهر كلامه في المدونة أنه إن تزوج عليها أو تسرى فلها أن ترجع عليه، سواء كان ذلك بالقرب أو بَعدَ
стр. 7784
بُعدٍ، ولو أسقطت عن زوجها صداقها على أن لا يتزوج عليها فطلقها بحضرة ذلك فلها أن ترجع عليه، وإن طلقها بعد ذلك فيما يرى أنه لم يطلقها لم ترجع عليه قاله ملك. أصبغ: إلا أن يعليه كون الطلاق بحدثان الإسقاط ليمين نزلت ولم يتعمد ولم يستأنف اليمين فلا شيء عليه أيضا، اللخمي: وأرى أن ترجع في عطيتها وإن كان الطلاق بيمين حنث فيها، وإذا أعطته الزوجة شيئا على أن يطلق ضرتها فطلقها ثم أراد أن يراجعها فنص في التوضيح في الكلام على الشروط على أنه يفصل في ذلك بين القرب والبعد كما في المسائل المتقدمة، ولم أقف على ما يخالفه. قاله الحطاب. والله تعالى أعلم. وإن أسقطت حضانتها فقال ابن رشد: الذي أراه على منهاج قول ملك أنه يلزمها تركها للأب تركتها له على عوض أو مجانا لأن الحضانة حق لها، وعلى القول بأنها حق للولد لا يلزمها تركها، فلها أن ترجع فيها تركتها بعوض أو بغير عوض، ويرجع الزوج في العوض إن كانت تركتها على عوض، وإن أعطته شيئا على أن يبيح لها صيام أيام يسيرة نذرتها فليس له منعها من صومها ولا يجوز له أن يأخذ منها شيئا على ذلك، وإن كانت الأيام كثيرة فله أن يمنعها من صيامها لا عليه في ذلك من الضرر، ويجوز له أن ياخذ ما أعطته على أن لا يمنعها، ويجوز أن تترك الحضانة على ثمرة لم يبد صلاحها وما أشبه ذلك من الغرر إذ ليس بمبايعة، وإنما هو صلح على غير مال فيشبه الخلع. قاله ابن رشد. نقله الحطاب. وقال: ما قاله ابن رشد من جواز الغرر في ذلك ظاهر، ويقاس عليه ما أشبهه مثل مسألة إذن الزوج لزوجته في حج التطوع والصوم، وإعطاء الزوجة شيئا لزوجها على أن يمسكها ونحو ذلك من مسائل هذا النوع، وعكس هذه المسألة ما إذا أسقطت الحضانة بزواجها أو غير ذلك ووجب للأب أخذ الولد منها فأرادت إبقاءه عندها على أن تلتزم نفقته فذلك لازم، وقال الرماح: إن التزمت الأم نفقة البنات على أن لا ينتزعن منها وإن تزوجت لم يجز ذلك، وعلى أن يكون الأمر إليها في تزويجهن ويكون العاقد غيرها فيجوز. قال البرزلي: في الأول نظر. قال الحطاب: أما إن كان التزامها نفقة الولد على أن لا ينتزع منها فإن كان ذلك في عقد الخلع فعلى اللزوم العمل، كما
стр. 7785
قال البرزلي، ولعل هذا الوجه هو الذي فيه كلام الرماح وأما إذا كان ذلك بعد الخلع فإن التزمت نفقة [الأولاد] (١) بعد الخلع على أن يكونوا عندها ولو تزوجت إلى البلوغ ونحو ذلك فلا إشكال في لزوم ذلك والله أعلم وأما إذا التزمت نفقة البنات على أن يكون الأمر في تزويجهن إليها، فإن كان على أنها تلي ذلك بنفسها فلا إشكال في فسادها. وقال ملك في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم: في رجل قال لرجل: بلغني أنك تشتمني، فقال: ما قلت، فقال: احلف لي ولك كذا وكذا هبة مني، فحلف، أنه يلزمه ذلك ابن رشد: هذا فيه منفعة للجاعل وهي تطييب نفسه من جهته وتحسين ظنه به حتى لا يعتقد شرا ولا مكروها فيأثم باعتقاده ذلك فيه، وكذا قوله في رسم إن خرجت: ولني بيع دارك ولك كذا وكذا، وهو أن يشتري الدار من أحب، وأما قوله في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب النكاح: والذي يقول وَلِّني إنكاح ابنتك ولك كذا وكذا أنه لا يجوز، فإنما لم يجز ذلك لأن لصاحب الولية أن يعزله عما جعل له من ذلك فدخل الغرر. انتهى. المتيطي: ومن الحزم للمدعى عليه إذا طلب المدعيَ عليه أن يلزم المدعى أنه أسقط بينته ما علم منها وما لم يعلم، فإذا عقد على نفسه عقدا لم يكن له أن يقوم عليه بعد يمينه بالبينة. انتهى. فهذا التزام من المدعي معلق على حلف المدعى عليه، ولا يلزم المدعيَ التزام ذلك إلا أن يشاء. قاله الحطاب. وسئل ابن القاسم عن الرجل يقول للرجل: ولني إنكاح وليتك ولك كذا وكذا أو يجعل ذلك إليه ولا يأخذ شيئا ثم يريد أن يعزله عما جعل إليه من ذلك؟ فأجاب: لا يحل ذلك ولا يصح ويرد الجعل على كل حال وله عزله في الوجهين جميعا إن شاء، فإن وقع النكاح رد الجعل على كل حال، ثم إن كانت المرأة مالكة أمر نفسها ورضيت بالزوج قبل العقد أو كانت بكرا في ولاية أبيها ثبت النكاح، وإن كانت مالكة لنفسها ولم يسم لها الزوج ولم تعرفه فسخ النكاح إن كان لم يدخل، وإن دخل بها رأيت أن يثبت ذلك لأنه رضي منها. وقال سحنون: إذا فوضت إليه نكاحها ليزوجها ممن شاء فزوجها كفؤا فالنكاح جائز سمى لها أو لا، بكرا كانت أو ثيبا، ومن وكل رجلا على أن يبيع له سلعة فباعها واشترط لنفسه شيئا على
стр. 7786
المشتري يأخذه منه فلا حق له فيه وهو لرب السلعة كمسألة شرط الولي على الزوج لنفسه شيئا فلا فرق بينهما. والله تعالى أعلم. ابن القاسم: من قال لرجل: ولِّني بيع دارك ولك عندي عشرة دنانير. قال: إذا فعل وسمى للدار ثمنا فالعشرة لازمة فلا بأس بهذا. قال محمد بن رشد: قوله: وسمى للدار ثمنا يريد أو فوض إليه الاجتهاد فيما يبيعها به، فلو لم يسم له ثمنا ولا فوض إليه الاجتهاد فيما يبيعها به لما جاز ذلك إذ لعله لا يرضى ببيعها بما يعطَى فيها فتذهب العشرة التي أعطى باطلا أو يردها فتكون سلفا جر منفعة، وإذا ولى له بيع الدار على ما بذل له فليس له أن يعزله عن ذلك قبل أن يبيع إذ لا يتعلق بذلك حق لغيره، بخلاف النكاح الذي يتعلق به حق للولية المتزوجة. ملك: من قال: دُلَّ عَليَّ من يشتري مني جارية ولك كذا وكذا فدله عليه فذلك لازم، ومن قال: دلني على امرأة أتزوجها ولك كذا وكذا فلا شيء له. وقول أصبغ وسحنون، إن ذلك يلزم في النكاح معناه أنهما فهما ذلك على أنه أراد ابحث لي عن امرأة تصلح لي ودلني عليها ولك كذا وكذا، فأوجبا له الجعل إذ لا يلزم الرجل أن يبحث للرجل عمن يصلح له من النساء، والفرق بين البيع والنكاح أن البيع مباح والنكاح مندوب إليه وقد يكون واجبا، فلو اضطر الرجل إلى بيع سلعته في أمر لا بد له منه فقال الرجل: دلني على من يشتري مني سلعة وهو يعلم من يمكن أن يشتريها منه لما حل له أن يقول لا أدلك إلا أن تعطيني كذا وكذا لوجوب ذلك عليه، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وعلى هذا اتفق الروايات، ومن التزم لشخص أن يزوجه ابنته أو من له ولاية الجبر عليها فإنه يقضى عليه بذلك إلا أن يعقد نكاحها لغيره فإنه لا يفسخ. والله سبحانه أعلم. قاله الحطاب. ومن قال لبعض الحاضرين في البيع: كف عن الزيادة ولك دينار مثلا، جاز ذلك ولزمه اشترى أو لم يشتري ولو قال: كف عني ولك نصفها على سبيل الشركة لجاز أيضا، ولا يجوز أن يعطيه النصف على طريق العطية. قاله الحطاب. ثم قال: ولا يشترط ظهور المنفعة بل يكفي مظنتها لأن العاقل لا يفعل إلا ما فيه مصلحة، ولذلك أجازوا الخلع من الأجنبي وجعلوه لازما، بل قالوا: إنه لا يفتقر لحيازة ولا يبطل بالموت والفلس، فإذا قال شخص لرجل: طلق زوجتك ولك عندي كذا وكذا أو علي كذا وكذا وطلقها لزمه ذلك. الحطاب: الالتزام هنا - يعني في باب الجعل - مخالف لغيره في أنه لا يبطل بالموت والفلس
стр. 7787
لأنه معاوضة، وينظر فإن مات الملتزم قبل أن يشرع الملتزم له في العمل فلا يلزم الورثة التمادي، وإن مات بعد أن أتم العمل لزم الجعل، وإن مات في أثناء العمل فإن كان مما لا يتبعض كطلب الآبق وحفر الآبار فهذا ليس للورثة أن يمنعوه من إتمامه، وأما ما يتبعض كالحصد واللقط (١) وحفر الآبار فهذا لا يلزم ورثة الملتزم أن يبقوه على ذلك إلا أن يكون الاقتضاء يحتاج إلى شخوص من البلد ومات الملتزم بعد أن شرع الملتزم له في الطلب والشخوص. قال ابن رشد: فهذا يجب أن يكون له القيام في اقتضاء ما كان قام فيه ولورثته إن مات يعني الملتزمَ له القيامُ مقامَه. والله تعالى أعلم؛ واعلم أن في كلام ابن رشد الخلاف في مسألة الخلع وفي مسألة من قال: احلف لي ولك كذا وكذا هل يفتقر للحوز قبل الموت والفلس أم لا؟ والظاهر من كلامه ترجيح القول بأنه لا يفتقر إلى ذلك. والله أعلم. وفي المدونة: وإن كان لك عليه ألف درهم حالة فأشهدت أنه إن أعطاك مائة من الألف الحالة إلى شهر فباقيها ساقط عنه وإن لم يفعل فالألف كله لازم له فذلك جائز ولكما لازم. قال أبو الحسن: إن أتى بالحق كله للوقت فذلك لازم، وإن مضى الأجل ولم يأت به أو بقي منه ما له بال رجع إليه بجميع حقه، وإن أتى به للوقت إلا درهما أو بعد الوقت بيوم فهل يلزمه أم لا؟ في ذلك اختلاف. اهـ. وهذا كله إذا كان الحق حالا أو حل أجله، وأما إذا كان مؤجلا ولم يحل الأجل فلا يجوز أن يضع بعض الحق على أن يعجله له لأنه يدخله ضع وتعجل، وإن وقع ذلك فالحق باق إلى أجله.
النوع السادس: الالتزامُ المعلق على الفعل الذي فيه منفعة للملتزَم له بفتح الزاي كقولك لشخص: إن بنيت بيتك أو إن تزوجت فلك كذا وحكمه حكم الالتزام المعلق على فعل غير الملتزم والملتزم له فهو لازم إذا وقع العلق عليه، إلا أنهم لاحظوا في هذا كونه في معنى العوض عن تلك المنفعة فجعلوه لازما لا يفتقر إلى حيازة. قال عبد العزيز بن أبي حازم: في رجل قال لابنه: إن تزوجت فلك جاريتي فلانة، هل يلزمه ذلك؟ قال: نعم، إذا تزوج فهي له، فإن مات الأب أخذها من رأس المال، قال ابن أبي حازم: وإن كان على الأب دين حاص الغرماء بذلك. قال عيسى: قال
стр. 7788
ابن القاسم: هي له دون الغرماء إن فلس وإن مات أخذها من رأس المال ولم يكن لأهل الدين فيها شيء. قال ابن القاسم: ولو قال: لك مائة دينار إن تزوجت كان هو والغرماء سواء في الموت والفلس لأنه ليس شيئا بعينه. وقول ابن القاسم: يكون أحق بالجارية من الغرماء وأنه يحاصهم بالدين هو الصحيح لا ما قاله ابن أبي حازم، ومعناه إذا وهبت له الهبة بالتزويج قبل أن يتداين الأب. وبالله التوفيق. قاله الحطاب. قال: ومن هذا النوع ما إذا قال البائع للمشتري: بع السلعة التي اشتريتها ولا نقصان عليك فكأنه قال له: إن بعتها بأقل مما اشتريتها مني فالنقصان عليَّ. ابن رشد: لا يخلو هذا من أن يبيع السلعة على ذلك أو يقول ذلك بعد تمام المبيع، فقال ملك في سماع أشهب: إن ذلك لازم له. قال ابن رشد: وهذا كما قال: إنه يلزمه، لأن معنى قوله: بع ولا نقصان عليك، أي والنقصان علي فهو أمر قد أوجبه على نفسه، والمعروف على مذهب ملك وجميع أصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه يحكم به عليه ما لم يمت أو يفلس، وسواء قال ذلك قبل أن ينتقد أو بعد ما انتقد، إلا أن يقول له قبل أن ينتقد، انقدني وبع ولا نقصان عليك، فلا يجوز لأنه يدخله بيع وسلف. وقال في سماع عيسى من كتاب العدة: إنه لا خير في ذلك، لأنه يكون فيه عيوب وخصومات. اهـ. وكلام ابن رشد هذا صريح في أنه إذا قبض البائع الثمن جاز له أن يقول للمشتري: بع ولا نقصان عليك، وأما إن باع السلعة على ذلك فقال ابن رشد: اتفق ملك وأصحابه فيما علمت أنه لا يجوز أن يبيع الرجل سلعته أو جاريته من الرجل بثمن يسميه له على أنه لا نقصان عليه فيه، فإن وقع وعثر على ذلك قبل أن يفوت بوجه من وجوه الفوات فسخ، وإن لم يعثر عليه حتى فات ببيع أو حوالة سوق أو موت، فاختلف هل يحكم في ذلك بحكم البيع الفاسد أو بحكم الإجارة الفاسدة؟ فعلى القول بأنه بيع فاسد يفسخ البيع في ذلك كله بالقيمة يوم القبض، وهو أحد قولي ملك، وأحد قولي عبد العزيز بن أبي سلمة، وقيل: يحكم في ذلك بحكم الإجارة الفاسدة لأنه كأنه استأجره على [بيعها] (١) بما كان فيها من ربح على الثمن الذي سماه له، فتكون المصيبة فيها من البائع إن [كانت] (٢) وترد إليه إن فاتت بحوالة الأسواق أو
стр. 7789
عيب من العيوب المفسدة، ويكون له الثمن الذي بيعت به إن فاتت بالبيع كان أقل من الثمن الذي سماه له أو أكثر، ويكون للمبتاع أجر مثله في بيعه إياها، وهذا قول ملك في هذه الرواية، وقوله في موطئه، وقول عبد العزيز بن أبي سلمة في الواضحة، وأما إذا لم يعثر على ذلك حتى فوَّتها المبتاع بهبة أو صدقة أو عتق إن كان عبدا وحملٍ إن كانت أمة، فاختلف في ذلك على القول بأنها إجارة فاسدة فقيل: إنما يكون في ذلك على المبتاع القيمة يوم الهبة أو الصدقة أو العتق أو الإحبال مراعاة لمن يقول: إنها بيع فاسد ويراها في ضمانه بالقبض، وهو قول ملك في هذه الرواية، وقيل: إنها في السلعة تكون عليه بالثمن الذي اشتراها به، لأن ذلك رضى بالثمن، وهو قول ابن القاسم من رواية أصبغ، وأما على القول: بأنه بيع فاسد، فتكون عليه القيمة في ذلك يوم القبض على حكم البيع الفاسد قولا واحدا. اهـ المراد منه.
النوع السابع: الالتزام المعلق على الفعل الذي فيه منفعة لغير الملتزِم والملتزَم له كقولك: إن وهبت لفلان عبدك فلك عندي كذا، أو إن جئت بعبده فلك عندي كذا، أو إن أسكنته دارك فلك عندي كذا، وهو كالنوع الخامس، فهو إما من باب هبة الثواب، أو من باب الإجارة، أو من باب الجعل، فيشترط في كل نوع شروطه، ولذلك أجازوا أن يقول له: إن أعتقت عبدك فلك عندي كذا، أو خذ كذا وأعتق عبدك، وقالوا: إنه لازم لأنه بيع بشرط العتق وهو جائز، بخلاف خذ مائة ودبر عبدك أو اتخذ أمتك أم ولد فإنه لا يجوز، فإن وقع لزمه التدبير ويرد المال.
التنبيه الخامس: اعلم أن الالتزام المعلق على غير فعل الملتزم والملتزم له حكمه حكم الالتزام المطلق فيقضى به إذا وجد المعلق عليه إن كان الملتزم له معينا، وإن لم يكن معينا فلا يقضى به، فمن قال: إن شفاني الله من مرضي فلك ألف درهم، وحصل الشفاء، يقضى بذلك على قائله، ومن قال لرجل: إن لم يوفك فلان حقك فهو علي، تلوم لذلك السلطان بقدر ما يرى، ثم ألزمه المال إلا أن يكون [القديم] (١) حاضرا مليا، وإن قال: إن لم يوفك حقك حتى يموت فهو علي فلا شيء على الكفيل حتى يموت الغريم لأنه أجل ضربه لنفسه، وإن كان الالتزام إلى أجل معين
стр. 7790
كقوله: لك علي كذا بعد سنة أو شهر أو عشر سنين، وكان الشيء الذي أعطاه معينا كالعبد والدابة والثوب فإنه يمنع من بيعه وإخراجه عن ملكه، بخلاف ما إذا علق الالتزام إلى أجل مجهول، كقوله: إذا جاء أبي أو فلان الغائب فإنه لا يمنع من البيع. قال في كتاب العتق من المدونة: ومن قال لعبده: أنت حر إذا قدم أبي، فذلك يلزمه ولا يعتق حتى يقدم أبوه. قال ملك: ويوقف لينظر أيقدم أبوه أم لا؟ وكان يُمَرِّضُ في بيعه، وأجاز ابن القاسم بيعه ووطأها إن كانت أمة، وقال: هي في هذا كالحرة، يقال لها: أنت طالق إن قدم فلان، فله وطؤها ولا تطلق حتى يقدم فلان: وأما إن أعتق إلى أجل آتٍ لا بد منه، كقوله: أنت حرة إلى شهر أو سنة، أو إذا مات فلان أو إذا حضت فهو ممنوع من البيع والوطء، وله أن ينتفع بغير ذلك حتى يحل الأجل، قال ابن يونس: قال محمد: إن قال: أنت حرة إن قدم أبي، فكان ملك يصرح بإجازة بيعها ويُمَرِّض في بيع التي يقول فيها: إذا قدم أبي، ثم جعلهما سواء، ونحوه في كتاب الطلاق، قال ابن يونس: إنما فرق بين إن وإذا في أحد قوليه لأن إذا كأنها تختص بأجل يكون وقد يمكن أن لا يكون، قال الله تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وذلك كائن لابد منه، وإن أغلب مواضعها الشرط وقد تكون بمعنى الأجل، فحمل مالك كل لفظ على الغالب من أمره، ثم رجع فسوى بينهما لأن العامة لا تكاد تفرق بينهما. اهـ. قاله الإمام الحطاب. ثم قال بعد جلب كلام ما نصه فتحصل من هذا أنه يجوز البيع سواء قال: إن أو إذا على القول المرجوع إليه، وإذا جاز هذا في العتق فيجوز في التزام الهبة والصدقة من باب أحرى، وهذا بَيِّنٌ. والله تعالى أعلم. ولو قال الأب: اشهدوا عَليَّ أني وهبت لابني كذا وكذا دينارًا أوجبتها له في ذمتي، لم يجز ذلك وبطل إذا مات وهي عليه قبل أن يحضرها، ولو قال رجل لشخص: إن تصدقت على ابنك بعشرة دنانير تصدقت عليه بمثلها وابنه صغير ولم يخرجها حتى مات فذلك باطل وترجع أنت في عشرتك لأن الأب لم [يحز] (١) العشرة ولم يخرجها، ولو وضعها على يد عدل لم يكن لك أن ترجع وكانت للابن. والله تعالى أعلم. البرزلي: من التزم الكفارة عن غيره إذا حنث لزم الملتزم الوفاء ولا شيء
стр. 7791
على الحالف. قوله: ولا شيء عليه، قال الحطاب: يريد إن أخرجها الملتزم، وأما إن لم يخرجها وامتنع ولم يقدر على إجباره على إخراجها فيلزم الحالف أن يخرجها ويرجع بها على الملتزم متى قدر عليه. والله أعلم. اهـ. اللخمي: واختلف إذا قال: إن صار في ملكي فهو لك بكذا وكذا ولم ينقد، وأن يجوز أحسن لأنه لا غرر فيه، وليس من هذا الباب ما إذا علق شيئا على جهة الإقرار ولم يرد به إنشاء المعروف، قال في كتاب الإقرار من النوادر قال ابن سحنون وابن عبد الحكم: وإذا قال: لفلان عليَّ ألف درهم إن شاء فلان، فهذا باطل شاء فلان أو لم يشأ، لأنه خطر، كما إذا قال: له علي ألف درهم إن تكلم، أو إن دخل الدار، وقاله ابن المواز، وقال: هو كمن قال: فلان مصدق في شهادته فذلك لا يلزمه، قال ابن سحنون: وكذلك إن أمطرت السماء أو هبت الريح أو دخل فلان الدار، فهو باطل في إجماعهم، ولو قال: له علي ألف إن حمل متاعي إلى منزلي بالبصرة ففعل فهذه إجارة وهو جائز. اهـ. فهذا كله إذا كان على جهة الإقرار لا يلزمه شيء، ولو كان ذلك على وجه المعروف والهبة فالظاهر لزومه. والله أعلم. قاله الحطاب.
قال مقيده عفا الله عنه: تقدم ما هو كالصريح في اللزوم إذا كان على وجه المعروف.
التنبيه السادس: في إسقاط الشيء قبل وجوبه، اعلم أنه إذا أسلم الشفيع الشفعة بعد البيع فلا قيام له، ولو قال للمبتاع قبل الشراء: اشتر، فقد سلمت لك الشفعة وأشهد بذلك فله القيام بعد الشراء، لأنه سلم فيما لم يجب له، وإن سلم بعد الشراء على مال أخذه وقبل الشراء بطل ورد المال وكان على شفعته، قال ابن يونس: لأن من وهب ما لا يملك لم تصح هبته. قال أشهب وعبد الملك: كمن أذن له ورثته أن يوصي بأكثر من ثلثه في صحته فلا يلزمهم ذلك، وقال اللخمي: ويختلف إذا سلمها قبل الشراء، وقال: اشتر، فإذا اشتريت فلا شفعة لي عليك، فقيل: لا يلزمه ذلك وله أن يستشفع، ويجري فيها قول آخر: أنه لا شفعة له قياسا على من قال: إن اشتريت عبدَ فلان فهو حر، أو تزوجت فلانة فهي طالق، ومن جعل لزوجته الخيار إن تزوج عليها فأسقطت ذلك الخيار قبل أن يتزوج عليها فقد قالوا: إن ذلك لازم لها، وإذا أجاز الورثة الوصية بأكثر من الثلث أو لبعض الورثة فلهم ثلاثة أحوال، الأول: أن يكون ذلك في
стр. 7792
الصحة من غير سبب، فإجازتهم غير لازمة لهم، كمن أعطى شيئا قبل ملكه أو جريان سبب ملكه، هكذا أشار إليه ملك في الموطإ، وروي عن ملك أن ذلك لازم لهم، ومثله في الموازية فيمن قال: ما أرث من فلان صدقة عليك، وفلان صحيح، قال: يلزمه ذلك إذا كان في غير يمين. اللخمي: الأول أشهر، وهذا أقيس. اهـ. قال الحطاب: كلام اللخمي يدل على أنه خرج القول باللزوم من مسألة الموازية، والظاهر أنه لا يتخرج لأن الوارث في مسألة الإجازة لم يهب شيئا وإنما أجاز فعل شخص لا يقدر على رد فعله الآن، قال في الموطإ: إن الشخص إذا كان صحيحا كان أحق بجميع ماله يصنع به ما يشاء، وفي مسألة الموازية: الوارث نفسه وهب ما يرثه إذا دخل في ملكه.
الثاني: إذا أجاز الورثة الوصية في الصحة لسبب كالسفر والغزو، فروى ابن القاسم في العتبية أن ذلك يلزمهم، وقاله ابن القاسم، وقال ابن وهب في العتبية: كنت أقول بهذا ثم رجعت إلى أن ذلك لا يلزمهم، وقاله محمد، وهو الصواب. اهـ. واقتصر الشيخ خليل في مختصره على عدم اللزوم.
الثالث: إذا أجاز الورثة الوصية في المرض فإن كان غير مخوف فحكمه كالإجازة في الصحة، وإن كان مخوفا فإن صح بعده لم يلزمهم الإجازة حتى يأذنوا له في المرض الثاني. قاله ابن القاسم. وقبله ابن رشد، ونقل نحوه عن ابن كنانة، لكن قال: بعد أن يحلفوا ما سكتوا إلا عن غير رضى ولا يلزمهم ذلك، وعلى قول ابن القاسم اقتصر الشيخ خليل في مختصره، وإن لم يصح بعد ذلك المرض بل مات فيه فالورثة على ثلاثة أقسام، فمن كان منهم بالغا رشيدا بائنا عن الموصي ولا سلطان له عليه ولا نفقة فلا رجوع له، ومن كان منهم سفيها فهذا لا يجوز إذنه ولا يلزمه، ولم يحك أبو الحسن في هذين القسمين خلافا، وصرح الرجراجي بنفي الخلاف في الثاني، وحكى في الأولين قولين، قال: والمشهور اللزوم، والقسم الثالث: من كان رشيدا وهو في نفقة الموصي كزوجته وأولاده أو له عليه دين أو في سلطانه، فلا يخلو إما أن يسألهم في الإذن أو يتبرعوا له به، فإن تبرعوا بالإذن ففي لزوم ذلك لهم قولان، المشهور منهما عدم اللزوم، وهو مذهب المدونة، وإن سألهم في ذلك لم يلزمهم قولا واحدًا. وإذا قال الوارث بعد أن أجاز الوصية في الحال الذي
стр. 7793
يلزمه إجازتها فيه: لم أعلم أن لي ردّ الوصية، فإن كان مثله يجهل مثل ذلك حلف ولم يلزمه هذا إذا لم ينفذوها، فإن أنفذوها ثم ادعوا الجهل ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يرجع فيما نفذوا إن علم أنه جهل. والثاني: أنه يرجع إذا كان يشبه ما ادعاه من الجهل. والثالث: ليس له أن يرجع إلا أن يُعْلَمَ أنه جهل ذلك، وفي المختصر: ولزم إجازة الوارث بمرض لخ، وسئل ابن القاسم عن رجل صالح مالكٍ لأمر نفسه تصدق على آخر مثله بميراثه من أبيه إذا مات والأب باق أيجوز هذا؟ فقال: أرى أن يجوز هذا ولا أقضي به عليه، وليس للأمة إسقاط حقها في قسمها إلا بإذن سيدها كالعزل لحقه في الولد إلا أن تكون غير بالغة أو يائسة أو حاملا. المتيطي: الذي عليه العمل وقاله غير واحد أن الأم إذا أسقطت حضانتها بشرط المبارأة أن ذلك يرجع إلى الجدة والخالة. وقاله أبو عمران. وقال غيره من القرويين: يسقط بذلك حق الجدة والخالة ولا كلام لهما في ذلك، ولبعضهم:
وإسقاط حق المرء قبل وجوبه … حكى فيه خلفا أهل مذهب ملك
ويجري على هذا الخلاف مسائل … يحققها أهل النهى والمدارك
شريك سخا طوعا بإسقاط شفعة … وذلك حق قبل بيع المشارك
وتارك إرث أو مجيز وصية … بصحة موروث له غير هالك
كذلك من أمضى وصية منفق … عليه مريض قد غدا في المهالك
وراضية بالهجر ليلة وصلها … ومِن بعد أمسى سِنُّها غيرَ ضاحك
ومختارة من بعد عتق لنفسها … تروم فكاكا من فتى متماسك
стр. 7794
وتاركة للشرط من بعد عقدها … تشكت بحال بعد ذلك حالك
ومسقط حق للحضانة لم تجب … كذا حكمه فاحذر مقالة آفك
وعاف صحيح قبل قتل يناله … تجاوز عن جان عليه وفاتك
وقد كملت تسعا وأحكم نظمها … فجاءت (١) بحمد الله سهل المسالك
على أنني إن ألف بعد زيادة … فلست لها يوما أصاح بتارك
وزاد بعضهم فيها هذا البيت:
على أن مشهور المسائل كلها … سقوط لزوم فاعتمد قول ملك
أي ما عدا مسألة ذات الشرط، وزاد بعضهم:
ومسقطة الإنفاق قبل وجوبه … ومنكوحة التفويض يا خير ناسك
إذا أبرأت من قبل فرض لها ومن … عفا عن مئال الجرح قبل المهالك
وربة شرط واحد ومعدد … إذا أبرأت قبل الوقوع لماسك
وهذا الخلاف في إسقاط الحق قبل وجوبه، وليس لأحد أن يأخذ الحق قبل وجوبه بلا خلاف، كالذي يقول: إن طلقت امرأتي يوما فقد ارتجعتها ثم طلقها. واعلم أن الشروط المتعلقة بالقرض
стр. 7795
على ثلاثة أقسام: قسم يفسد به المقرض، وهو كل ما جر نفعا لغير القترض جره للمقرض أو لغير المقرض والمقترض، وقسم لا يفسد به المقرض ويلزم الوفاء به، كشرط رهن أو حميل أو أجل، وقسم مختلف فيه، وهو ما إذا شرط فيه ما يوجبه الحكم، كما إذا شرط رد المثل، وقد منع ابن القاسم أن يقول الشخص: أقرضك هذه الحنطة على أن تعطيني مثلها، وإن كان المقرض يقتضي إعطاء المثل لإظهار صورة المكايسة، وقال أشهب إن قصد بالمثل عدم الزيادة فغير مكروه وكذا إن لم يقصد شيئا فإن قصد المكايسة كره، ولا يفسد العقد لعدم النفع للمقرض، وقال ابن ناجي: واختلف في فساد العقد به إن وقع وشرط على ثلاثة أقوال، ثالثها في الطعام، فإن وقع فسخ، وقال المغيرة في كتاب المدنيين: فيمن وهب أمة وشرط لنفسه كل ولد تلده فهو حلال جائز، وقد يهب الرجل الحائط ويشترط ثمرته، يريد اشتراط الثمرة السنة والسنتين، ولا يجوز فيما كثر، وتجوز في الولد، وإن كانت السنون لأن المقصود منها المنافع والخدمة وهي للموهوب له والولد تبع ليس بمقصود وقد يكون أو لا يكون. اهـ. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب. ومن قال لعبده: أعتقتك على أن لا تفارقني كان حرا وشرطه باطل، ومن أعتق أمة وشرط عليها إرضاع صبي فهي حرة ولا شيء عليها لأنه لا يجوز أن يعتق عبدًا ويشترط عليه خدمة. قال ابن رشد: وهذا كما قال: أنه لا يجوز للرجل أن يعتق عبده ويشترط عليه خدمة بعد العتق. قاله في المدونة وغيرها. ويجوز أن يعتقه ويشترط عليه دنانير بعد العتق. قال ابن القاسم: وإن قال: أنت حر واحمل هذا العمود فهو حر ولا شيء عليه، إلا أن يقول: أنت حر على أن تخدمني سنة، ولم يعجل الحرية قبل الخدمة فذلك، وفي المدونة: ولا بأس أن تأخذ مالا على أن تعتق مدبرك وولاؤه لك، ولا أحب أن تبيعه ممن يعتقه، أبو الحسن: انظر قوله: لا أحب هل هو على بابه أم لا؟ ونقله ابن يونس بلفظ: لا يجوز أن تبيعه، قال سحنون: قال ابن شهاب وعمرو بن شعيب: لا يباع إلا من نفسه، قال الشيخ أبو الحسن: كبيع العمري من المعمر لتخلص لك فكذلك المدبر إذا اشترى نفسه، فكأنه اشترى ما للسيد عليه من الخدمة لتخلص له رقبته، وإن أعتق أمته لأجل على أن يطأها بطل الشرط وجاز العتق لأجل. قاله الحطاب.
стр. 7796
مسألة: قال الشبراخيتي وغيره: إن الحيوان الموقوف ليفرق نسله يزكى أي الحيوان، كأن يقول: نسل حيواني هذا في عام أو عامين أو على الدوام يعطى للفقراء مثلا، وليس له التصرف في الأمهات ببيع ولا بهبة مثلا، وهذا لا يستلزم وقفها. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: يعلم من هذا حكم نازلة، وهي: أن شخصا وهب جنينا في بطن ناقة لشخص آخر ثم أراد المالك أن يبيعها، هل له ذلك أم لا؟ والحكم في ذلك والله تعالى أعلم أنه لا يجوز له ذلك، وفي المختصر: ولا يستثني لبيع أو عتق، ويعلم من هذا أيضا حكم نازلة كثيرة الوقوع جدا، وهي: أن يهب الوالد لولده ناقة أو أكثر مثلا ويستثني الوالد ما ولدت من المذكور، فالحكم في ذلك والله تعالى أعلم أنه لا يجوز للولد التصرف في ذلك ببيع ولا هبة مثلا إلا بإذن الواهب. والله تعالى أعلم.
ولما أنهى الكلام على الهبة وكان تملكها بغير عوض واللقطة كذلك أتبعها بالكلام عليها فقال:
стр. 7797
باب ذكر فيه اللقطة والضالة والآبق
وأحكام كل منها وما يتعلق به
واللقطة فيها أربع لغات، لُقَطَة كهمزة، ولقطة كغُرْفَةٍ، ولُقاطة بضم اللام، ولقط بالتحريك، ونظمها ابن ملك بقوله:
لقاطة ولَقَط ولُقَطَه … ولُقْطَة ما لاقط قد لَقَطة
وقال الشبراخيتي: عياض: هي بضم اللام وفتح القاف ما التقط، وعليه الأكثر ابن عبد السلام، وهو خلاف القياس، لأن فعلة اسم لمن يكثر منه الفعل كهمزة، وفسرها الزبيدي على الأصل فجعل سكون القاف للشيء الملتقَط وبفتحها للرجل الملتقِط لها، وظاهره وإن لم يتكرر ذلك منه، وحكى ابن الأثير القولين، قال: والأول أصح، وفيها لغة ثالثة لقاطة بضم اللام، ورابعة بفتح اللام والقاف، وأصل الالتقاط وجود الشيء من غير طلب ولا قصد. وعرفها ابن عرفة بقوله: اللقطة مال وجد بغير حرز محترما ليس حيوانا ناطقا ولا نعما، فخرج بالأول اللقيط لأنه آدمي حر صغير، وبالثاني السرقة، وبالثالث مال الحربي والركاز، وبالرابع الرقيق والإبل، لأن الأول يسمى آبقا والثاني ضالة، ويدخل في التعريف الدجاجة وحمام الدور، ولا تدخل فيه السمكة تقع في السفينة فهي لمن وقعت إليه. قاله ابن عات وابن شعبان. ابن عرفة: والضالة نعم وإن بغير حرز محترما، والآبق حيوان ناطق وجد كذلك، ومقتضى قول ابن الحاجب وابن شأس كون الجميع لقطة خلاف ظاهرها مع غيرها. انتهى. قال الحطاب: واعلم أن حده اللقطة غير مانع، لأنه يدخل فيه التمر المعلق وليس لقطة، فقول الجماعة: معرض للضياع أحسن فتأمله. انتهى. قلت: ويرد عليه أيضا أنه غير جامع لعدم شموله الرقيق الصغير لأنه لقطة كما صرح به ابن عرفة نفسه في تعريف اللقيط، وهو وارد أيضا على طرد تعريف الآبق. [فتأمل (١)]. قاله بناني. وقال الشبراخيتي عن ابن عرفة: الأظهر في السمكة إن كانت بحيث لو لم يأخذها من سقطت له لنجت بنفسها لقوة حركتها وقرب محل سقوطها من ماء البحر فهي كما قال ابن شعبان وإلا فهي لرب السفينة. انتهى. وقال الخرشي بعد إتيانه بتعريف ابن عرفة: فيدخل في اللقطة
стр. 7798
الذهب والعروض وما وجد بشاطئ البحر من رمي المسلمين للنجاة، وقيل: لواجده. انتهى. وعرف المؤلف اللقطة بقوله: اللقطة مال معصوم عرض للضياع، يعني أن اللقطة هي مال معصوم عرض للضياع، فمال جنس يشمل كل مال معصوما كان أم لا، وخرج بالمعصوم غيره كمال الحربي والركاز، وبعرض للضياع الإبل وما بيد حافظ، والمال المعصوم هو الذي لا يجوز لواجده التصرف فيه لنفسه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: اللقطة مال معصوم وهو ما لا يتصرف فيه أحد لنفسه، عرض للضياع بأن وجد بمضيعة في غامر بمعجمة أي خراب وبمهملة ضد الأول، فخرج بمعصوم غيره كمال حربي وركاز، وبعرض للضياع الإبل وما بيد حافظ، وعرض بالتخفيف مبني للفاعل لا بالثقيل مبني للمفعول، لإيهامه أن ما ضاع ولم يقصد ضياعه ليس بلقطة، والمراد عرض الضياع له ففيه قلب، نحو عرضت الحوض على الناقة فهو بديع.
وإن كلبا يعني أنه لا فرق في المال المعصوم الذي عرض للضياع بين أن يكون كلبا أي مأذونا في اتخاذه وبين أن يكون غير ذلك فالكل لقطة، وأما الكلب غير المأذون في اتخاذه فليس بلقطة لجواز قتله، ومن قتله فلا شيء عليه فيه، وبالغ على الكلب لأنه يتوهم من منع بيعه أنه غير لقطة، فهو مبالغة في قوله: مال، ويعلم كونه مأذونا في اتخاذه بعلم الملتقط حال ربه فيه أو بغلبة صنعه للصيد. قاله غير واحد.
وفرسا وحمارا، يعني أن المال المعصوم الذي عرض للضياع إذا كان فرسا أو حمارا فإنه لقطة، قال التتائي: ذكرهما للخلاف في كونهما يستقلان بحياتهما كالإبل أو لا، وسيذكر البقر. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: بالغ على الفرس والحمار ليلا يتوهم أنهما كضالة الإبل لا تلتقط، وقال ابن سلمون: واختلف في البقر والخيل والبغال والحمير، فقيل: إنها كالإبل لا تلتقط، وقيل: ليست كالإبل وتلتقط. انتهى. وقال المواق: قال ابن شأس: من وجد كلبا التقطه إن كان بمكان يخاف عليه. ابن عرفة: يخص هذا بالمأذون فيه، لقول المدونة: من قتل كلبا من كلاب
стр. 7799
الدور [مما (١)] لم يؤذن فيه فلا شيء عليه لأنه يقتل ولا يترك، وإن كان مأذونا في اتخاذه فعليه قيمته، هذا وجه قول ابن شأس، وفيه مع هذا نظر. انتهى. وقال الحطاب: وفي المدونة: ولا يصاد حمام الأبرجة، ومن صاد منها شيئا رده أو عرف به إن لم يعرف ربه ولا يأكله، وإن دخل حمام برج لرجل في برج لآخر ردها إلى ربها إن قدر وإلا فلا شيء عليه، ومن وضع أجباحا في جبل فله ما دخلها من النحل، ومن صاد طائرا في رجليه سباقان، أو ظبيا في أذنيه قرطان، أو في عنقه قلادة، عرف بذلك ثم ينظر فإن كان هروبه ليس بهروب انقطاع ولا توحش رده وما وجد عليه لربه، وإن كان هروبه هروب انقطاع وتوحش فالصيد خاصة لصائده دون ما عليه، فإن قال ربه: ندَّ مني منذ يومين، وقال الصائد: لا أدري متى نَدَّ منك، فعلى ربه البينة والصائد مصدق. انتهى. وانظر قوله: وإن كان هروبه ليس هروب انقطاع فهل يجب تعريفه في هذه الحالة كاللقطة؟ وهو الظاهر. فتأمله.
ورد بمعرفة مشدود فيه وبه وعدده بلا يمين، يعني أن من عرف هذه الأوصاف الثلاثة تدفع إليه اللقطة بلا يمين على عارفها، وهي المشدود فيه، وهو العفاص، أبو عمر: أجمعوا أن العفاص الخرقة المربوط فيها وهو لغة ما يسد به فم القارورة، والمشدود به، وهو الوكاء أي الخيط المربوط به، والعدد أي عدد الدنانير أو الدراهم مثلا ككونها ثمانية مثلا أو أقل أو أكثر. والله سبحانه أعلم. والوكاء بالمد. قال الشبراخيتي: وكذا لو عرف العفاص والوكاء فقط فإنه يأخذها بلا يمين على المشهور، وقال أشهب: لا بد من اليمين، وقال الخرشي وعبد الباقي: وكذا لو عرف العفاص والوكاء فقط فإنه يأخذها بلا يمين على ظاهرها، فلو حذف المؤلف وعدده لطابق المشهور، وقوله: ورد بمعرفة، لخ، ومن باب أولى لو قامت له بينة، وقال الشبراخيتي: قال في شرح اللمع: وما لا عفاص له ولا وكاء فإنه يُكتفى فيه بذكر الأوصاف التي يغلب على الظن صدق الآتي بها. انتهى. وقال التتائي: إذا لم يكن عفاص ولا وكاء ووصف بصفات خاصة محصلة للظن رد بذلك، وقوله: بلا يمين، قال المواق عن الباجي: هل يلزمه يمين إذا وصف
стр. 7800
العفاص والوكاء والعدد؟ المشهور أن لا يمين عليه، ووجهه أنه ليس هناك من ينازعه فيها ولا من ينازع عنه. اهـ. والأصل في اللقطة قوله ﷺ لما سئل عن لقطة الذهب والورق: (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ثم استمتع بها فإن جاء ربها فأدها إليه (١)).
وقضي له على ذى العدد والوزن، يعني أنه لو اختلف اثنان في وصف اللقطة فرف أحدهما عفاصها ووكاءها وعرف الآخر عددها ووزنها فإنه يقضى بها لمن عرف العفاص والوكاء بعد يمينه اتفاقا. قاله ابن رشد. قال الخرشي: وكذا يقضى لمن عرف العفاص والعدد على من عرف العفاص والوكاء بيمين، هذا هو الظاهر كما أن الظاهر أن من عرف أوصافا يقوى بها الظن يقدم على من عرف أوصافا يحصل بها ظن دونه بيمين، وكذا يقضى لمن عرف العفاص وحده بيمين على من عرف العدد والوزن، وإنما قدم من عرف الصفات الظاهرة على من عرف الصفات الباطنة كالوزن والعدد وكان الأولى العكس لموافقة الحديث في قوله ﵊ (اعرف عفاصها ووكاءها) وإن وافق الآخر العرف. انتهى. وقال المواق: قال أصبغ: لو عرف واحد العفاص والوكاء ووصف الآخر عدد الدنانير ووزنها كانت لمن عرف العفاص والوكاء، وكذلك لو لم يعرف إلا العفاص وحده. انتهى. وقال بناني عن البيان: سئل أشهب عن الرجلين يدعيان اللقطة فيصف أحدهما العفاص والوكاء ويصف الآخر العدد والوزن؟ فقال: فهي للذي عرف العفاص والوكاء، وكذلك لو عرف العفاص فقط وحده كانت له أيضا بعد يمين الاستبراء. ابن رشد: قوله: فهي للذي عرف العفاص والوكاء يريد مع يمينه ولا اختلاف في هذا، وإنما الاختلاف إذا جاء وحده فقيل: إنها تدفع إليه بالصفة دون يمين وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة، وقيل لا تدفع إليه إلا بيمين وهو قول أشهب. انتهى.
وإن وصف ثان وصف أول ولم يبن بها حلفا وقسمت بينهما، قال الخرشي: يعني أن اللقطة إذا وصفها شخص وصفا يستحقها به وقبضها ولم ينفصل بها انفصالا يمكن معه إشاعة الخبر، ثم جاء شخص آخر فوصفها مثل وصف الأول، فإن كل واحد منهما يحلف أنها له وتقسم بينهما
стр. 7801
وكذا لو نكلا، ويقضى للحالف على الناكل وأما إن كان الأول قد انفصل بها بحيث يمكن منه المعلم للثاني فلا شيء للثاني لاحتمال أن يكون سمع وصف الأول، وكذا لو لم ينفصل ولكن اشتهر وصفه لها بحيث أمكن علمه لغيره كما قاله عبد الباقي، وقد مر أنهما لو نكلا تقسم بينهما وهو الذي اختاره اللخمي ونقله في البيان عن ابن حبيب، وقال أشهب: لا يدفع لهما. كبينتين لم تؤرخا، يعني أنه إذا أقام شخص بينة أن اللقطة له وأقام آخر بينة أنها له وتكافأت البينتان بأن استوتا في العدالة ولم تؤرخ واحدة منهما: بأن قالت كل واحدة منهما ضاع له مائة دينار مثلا ولكن لا نعلم في أي زمن ضاعت، أو أرختا واستوتا في التاريخ وفي غيره من المرجحات، فإنها تقسم بينهما بعد حلفهما، ونكولهما كحلفهما، ويقضى للحالف على الناكل، فلو أرخت إحداهما فهي لمن أرخت بينته، وكذا تكون لمن كانت بينته أعدل.
وإلا بأن أرختا بأن قالت إحداهما: ضاعت له مائة في ذي القعدة، وقالت الأخرى: ضاعت له مائة في المحرم، فإنها تكون للأقدم تاريخا، أي تكون لأولهما ملكا بالتاريخ، وفي التوضيح عن أشهب ما يخالف هذا وهو: أنه إن دفعها للأول ببينة ثم أقام الثاني بينة فهي لأولهما ملكا بالتاريخ، فإن لم يكن التاريخ فهي لأعدلهما، فإن تكافأتا كانت لمن هي في يده وهو الأول بعد يمينه أنها له ما يعلم لصاحبه فيها حقا، فإن نكل حلف الثاني وأخذها، فإن نكل فهي للأول ابن يونس: ويحتمل على أصل ابن القاسم أن تقسم بينهما وإن حازها الأول، قال التتائي والفيشي ومصطفى: إن المص مشى على قول ابن القاسم أولا وآخرا، لأن ابن القاسم لا يخالف أشهب في الترجيح بالأعدلية أو تقدم التاريخ، ولم ينفرد أشهب إلا ببقائها عند التكافؤ عند من هي بيده، والمص خالفه فيه ومشى على ما عزاه ابن يونس لأصل ابن القاسم، وبه تعلم قصور نقل المواق. والله أعلم. نقله بناني. فقوله كبينتين لخ، تشبيه في اليمين والقَسْمِ. والله تعالى أعلم. وعلم من قوله: كبينتين، أنها لو دفعت للأول بالوصف وأقام الثاني بينة أنها له فإنها تنزع من الأول وتدفع للثاني، ويأتي ما يدل له، وهو ظاهر من قوله: ولا ضمان على دافع لخ، ولو قال المص: كبينتين لم ترجح إحداهما وإلا فللمرجحة، لكان أشمل، وفي نقل التتائي: ولو أخذت اللقطة بالصفة فأقام غيرك بينة ثم أقمت بينة لَقُدِّمْتَ لرجحانك بالصفة وتبقى في يدك. انتهى.
стр. 7802
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: قال في النوادر في باب الصبي الصغير تدعي أمه أنه التقط دنانير: ومن كتاب ابن سحنون: وكتب شجرة إلى سحنون في امرأة أتت بابن لها صغير معه أربعة دنانير فزعمت أنه التقطها من الطريق في غير صرة، فرفعتها على أيدي أُنَاس، فأتى من ادعاها ووصف سكة بعض الدنانير ولم يصف البعض، فكتب إليه الأمُّ مقرة أن الصبي أصابها فليس لها أن تقر على غيرها، فأرى الدنانير للصبي، وما كان من لقطة معروفة فوصف الدعي لها بعضا ولم يصف بعضا فلا شيء له الثاني: قال في البيان: وسئل ملك عن رجل دخل حانوت بزار يشتري منه ثوبا ثم خرج منه فاتبعه صاحب الحانوت فقال: يا عبد الله هذا دينار وجدته في حانوتي ولم يدخل عليَّ اليوم أحد غيرك، فَعَدَّ الرجل نفقته فافتقد منها دينارا، أترى أن يأخذه؟ قال ملك: لا أدري هو أعلم بنفقته إن استيقن أنه ديناره فليأخذه، قيل له: التاجر يقول لم يدخل علي اليوم أحد غيرك وقد افتقد الرجل من نفقته دينارا؟ قال: إن استيقن أنه له فليأخذه. قال محمد بن رشد في قوله: إن استيقن أنه له فليأخذه، دليل على أنه لا يأخذه إلا أن يستيقن أنه له بزيادة على ما ذكره له، فحصل له بها اليقين أنه له، وهذا على سبيل التورع والنهاية فيه إذ لم يعترضه (١) شك في أنه له فأخْذُه له حلال سائغ، لأن الغالب على ظنه أنه له إذ قد افتقد من نفقته دينارا، ولو لم يعلم عدد نفقته لساغ له عندي أخذه لقول صاحب الحانوت له: إنه لم يدخل عَلِيَّ اليوم أحدٌ غيرك وإن كان التورع عن أخذه أولى وأَحْسَنَ، ولو قال له صاحب الحانوت: هذا الدينار وجدته في مكانك بعد خروجك عني ولا أدري هل هو لك أو لغيرك ممن دخل الحانوت؟ والرجل لا يعلم عدد نفقته لا ساغ له أن يأخذه. وبالله التوفيق. انتهى.
الثالث: قال في البيان: وسئل ملك عن اللقطة يجدها الرجل فعرَّفها (٢) سنة فلا يجد صاحبها فيستنفقها ثم تحضره الوفاة فيوصي بها ويترك دينا عليه لا وفاء له، قال: أرى أن يحاص الغرماء أهل المدين بقدر ما يصيبها، قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن إقْرَارِ الديان عند ملك
стр. 7803
جائز لمن لا يتهم عليه كان إقراره في صحته أو في مرضه، إنما تفرق عنده الصحة من المرض في رهنه وقضائه بعض غرمائه دون بعض، وفي إقراره بالدين لمن يتهم عليه، فلا يجوز شيء من ذلك عنده في المرض، واختلف قوله في جواز ذلك في الصحة، فمرة أجاز ذلك كله، ومرة لم يجزه، ومرة فرق بين الرهن والقضاء والإقرار لمن لا يتهم عليه، فأجاز الرهن والقضاء، ولم يجز الإقرار، ومرة أجاز القضاء خاصة ولم يجز الرهن ولا الإقرار، وأما إن أقر أنه استنفق اللقطة ولا دين عليه ولم يقم بذلك عليه حتى مات فإن كان إقراره بذلك في صحته جاز ذلك من رأس ماله على ورثته، وإن كان إقراره بذلك في مرضه فإن كان يورث بولد جاز إقراره من رأس المال أوصى أن يتصدق بها عن صاحبها أو توقف له، واختلف إن كان يورث كلالة فقيل: إنه إن أوصى أن تحبس وتوقف حتى يأتي صاحبها جازت من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق بها عنه لم يقبل قوله ولم تخرج من رأس المال ولا من الثلث، وقيل: من الثلث، وقيل: إن كانت يسيرة جازت من رأس المال، وإن كانت كثيرة لم تكن في رأس المال، ولا في الثلث، وقد مضى هذا المعنى مجودا في رسم ليرفعن من سماع ابن القاسم من كتاب الديان والتفليس. وبالله التوفيق.
ولا ضمان على دافع بوصف، يعني أن الملتقط إذا دفع اللقطة لشخص بوصف يسوغ دفعها به وأولى البينة فإنه لا ضمان عليه لمن وصفها بعد ذلك وصفا تؤخذ به بل وإن قامت بينة لغيره، أي لغير الواصف المدفوع له لأنه دفعها له بوجه يسوغ دفعها به ويكون النزاع بين القائم والقابض، ويجري على ما مر من وصف الثاني وصف أول ولم يبن بها أو بان ومن إقامة بينة لكل منهما أو لأحدهما. قاله عبد الباقي. وقال المواق عن المدونة: إن دفعها لمن عرف عفاصها ووكاءها وعددها ثم جاء آخر فوصف مثل ما وصف الأول أو أقام بينة أن تلك اللقطة له لم يضمنها لأنه دفعها بأمر يجوز له. انتهى. قوله: وإن قامت بينة لغيره هو مذهب ابن القاسم وأشهب. قاله التتائي. وقولي: ويكون النزاع بين القائم والقابض، يدل على أن موضوع المص أن الملتقط يرد المال وإلا ضمن على ما نقله غير واحد عن ابن الماجشون، واختلف هل هو وفاق للمذهب أو خلاف؟ وكلام ابن الماجشون يدل على أن الضمان عنده ليس مقصورا على ذلك، بل الدار عنده على التفريط بترك الإشهاد، فيشمل أيضا ما إذا قال: دَفعْتُها لفلان فأنكر فلان. قاله الرهوني.
стр. 7804
واستوني في الواحدة إن جهل غيرها يعني أن من عرف واحدة من العفاص والوكاء وجهل غيرها بأن قال: لا أدري، فإنه يستأنى بدفع اللقطة له مدة باجتهاد الإمام ولا تدفع له عاجلا، فإن أثبت غيره أكثر منه أخذها وإلا دفعت للأول قاله عبد الباقي. قال بناني: هو نحو عبارة ابن رشد حيث قال: يستبرأ أمره، فإن لم يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت إليه. انتهى. وظاهره أنه إذا عرف أحدهما العفاص فقط وعرف الثاني الوكاء فقط أو العكس أنها تدفع للأول، لأن الثاني لم يأت بأثبت منه، وهو غير ظاهر، والظاهر أنها تقسم بينهما كما يؤخذ من ظاهر قول ابن الحاجب: ولو وصفها اثنان بما يأخذها به المنفرد تحالفا وقسمت بينهما انتهى ولا ينافي هذا ما مر من دفعها لواصف العفاص على ذي عدد ووزن لأنه لا ينافي الاستيناء واعلم أنه لا بد من الاستيناء في الواحدة كان ثمَّ منازع أم لا.
لا غلط، يعني أنه إذا عرف واحدة من العفاص والوكاء وغلط في غيره بأن ذكر الصفة على غير ما هي عليه، لأن الغالط هو الذي يبدِّل وصفا بوصف بأن قال: أحمر، فإذا هو أسود مثلا، فإنه لا شيء له، وهذا التفصيل فيما إذا عرف واحدة من العفاص والوكاء بين أن يجهل غيره فلا يضر ذلك بل تدفع له اللقطة بعد الاستيناء، وبين أن يغلط في ذلك الغير فيضر فلا تدفع له اللقطة، وهو القول الذي استظهره ابن رشد، ولهذا قال: على الأظهر، فهو راجع لهما. والله سبحانه أعلم. قال بناني: واستوني في الواحدة أي من العفاص والوكاء لا من غيرهما، ونص ابن رشد: الاختيار أن يصف مدعي اللقطة العفاص والوكاء وما اشتملا عليه من عدد الدارهم والدنانير وصفتهما، فإن وصف بعضا وجهل بعضا أو غلط فيه ففي ذلك خلاف وتفصيل، فأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر أو غلط فيه ففي ذلك ثلاثة أقوال. ثالثها: إن ادعى الجهالة استبرئ أمره، وإن غلط لم يكن له شيء، وهذا أعدل الأقوال وهو نص المقدمات أيضا. انتهى. وإلى قول ابن رشد: وهذا أعدل الأقوال، أشار المص بقوله: على الأظهر. والله سبحانه أعلم. وقال المواق: لا غلط على الأظهر، أي إذا عرف واحدا من العفاص والوكاء وجهل الآخر أو غلط فيه ففي ذلك ثلاثة أقوال، أعدل الأقاويل إن ادعى الجهالة استبرئ أمره، وإن ادعى الغلط لم يكن له شيء. انتهى. وقال التتائي: وتعقب البساطي قول المص: واستوني بالواحدة إن جهل
стр. 7805
غيرها لا غلط بأمرين، الأول: أن ابن رشد فرض المسألة في الغلط في معين من العفاص والوكاء والمص عمم، والثاني: إذا قلنا: إنه غلط لا يستأنى أعم من أنه لا شيء له أو تدفع له عاجلا. انتهى. والأول ظاهر، وقد يجاب عن الثاني بأنه إنما تركه للعلم بأن ابن رشد إنما رجح القول بأن لا شيء له، ومفهوم قوله: استوني في الواحدة أنه إذا وصف اثنتين دفعت له ناجزا وهو كذلك. قاله أشهب. ابن الحاجب: وهو الأصح، ومقابله لابن عبد الحكم لو أصاب تسعة أعشار الصفة وأخطأ بالعاشر لم يعطها إلا في معنى واحد أن يذكر عددا فيوجد أقل منه لاحتمال أن يكون اغتيل عليه. انتهى.
ولم يضره جهل بقدره، يعني أنه إذا عرف العفاص والوكاء أو أحدهما وجهل قدر الدنانير مثلا فإن ذلك لا يضره بل تدفع له اللقطة، وتحرير المسألة أنه إذا عرف العفاص فقط أو الوكاء فقط وجهل الآخر لم يضره ذلك، بخلاف ما لو غلط فيه على ما استظهره ابن رشد، ومقابله قولان أن ذلك يضره مطلقا، والثاني: لا يضر مطلقا، وأما الدنانير مثلا مع معرفة العفاص أو الوكاء فجهلها أي جهل قدرها لا يضر، وفي جهل صفتها خلاف، كما أن معرفة السكة فقط فيها خلاف، وأما الغلط فيها فإن كان بزيادة فلا يضر، وإن كان بنقص ففيه قولان، وإن غلط في صفة الدنانير مثلا فلا شيء له بلا خلاف، وأما لو عرف العفاص والوكاء معا فمقتضى مفهوم المص واستوني بالواحدة التعميم، فيقال: مفهوم قوله في الواحدة تدفع لمن عرف العفاص والوكاء معا مطلقا، أي سواء جهل القدر أو غلط فيه بزيادة أو نقص لجواز الاغتيال عليه، أو جهل صفة الدنانير أو غلط فيها وهو كذلك في توضيحه عن ابن رشد ما عدا الصورة الأخيرة، وهي إذا عرف العفاص والوكاء وغلط في صفة الدنانير، فقال عنه: لا أعلم خلافا أنه لا شيء له. انظر التتائي.
ووجب أخذه لخوف خانن، يعني أن المكلف يجب عليه أن يأخذ المال المعصوم الذي عرض للضياع إذا خاف عليه من عدم أخذه الخائن، وهذا إذا علم أمانة نفسه، وإنما وجب لوجوب خفظ مال الغير. لا إن علم خيانته هو، يعني أنه إذا علم خيانة نفسه فإنه لا يأخذ اللقطة بل يحرم عليه أخذها سواء خاف الخائن أم لا. وإلا أي وإن لم يخف عليها الخائن ولا علم من نفسه الخيانة كره له أخذها، قال الشبراخيتي: وإلا كره، شامل لثلاث صور إن قيد قوله:
стр. 7806
ووجب أخذه لخوف خائن بما إذا علم أمانة نفسه، وهي ما إذا شك في أمانته سواء خاف الخائن أم لا، وما إذا علم أمانة نفسه ولم يخف الخائن. وإن لم يقيد بما ذكر كان قوله: وإلا كره شاملًا لصورتين، وهما: إذا شك في أمانة نفسه ولم يخف الخائن، أو علم أمانة نفسه ولم يخف الخائن. واعلم أن حاصل صور هذه المسألة ست، لأن مريد أخذ اللقطة إما أن يعلم أمانة نفسه أو خيانته أو يشك في ذلك، وفي كل إما أن يخاف الخائن أم لا، فمتى علم خيانة نفسه حرم عليه أخذها خاف الخائن أم لا، ومن علم أمانة نفسه وجب أخذها إن خاف الخائن وإلا كره، ومتى شك في أمانة نفسه فإن لم يخف الخائن كره أيضا، وإن خافه فظاهر كلام ابن الحاجب الكراهة أيضا، وفي كلام الطخيخي ما يفيد اعتماده، وظاهر كلام المص أنه يجب أخذه، فلو قال المص: وحرم لمن علم خيانة نفسه أخذه، ووجب لمن علم أمانتها وخاف الخائن وإلا كره، كأن شك في أمانته ولم يخف الخائن، كأن خافه على الأحسن، لَوَفَى بهذه الصور، ومشى على المعتمد في مسألة ما إذا شك في أمانة نفسه وخاف الخائن، وأكد المص الضمير المتصل بالمنفصل لرفع إيهام عود الضمير على الخائن بالنظر إلى ظاهر اللفظ من غير ملاحظة المعنى، وليس هنا شيء جرى على غير من هو له، وأبرز الضمير لذلك كما لا يخفى. انتهى. وقال عبد الباقي بعد تقرير المصنف: فالوجوب في صورة والحرمة في صورتين والكراهة في ثلاث، فالصور ست. انتهى. فالوجوب فيما إذا خاف الخائن مع علمه أمانة نفسه، والحرمة فيما إذا علم خيانة نفسه (١) خاف الخائن أم لا، والكراهة فيما إذا لم يخف الخائن علم أمانة نفسه أو شك، وفيما إذا خاف الخائن وشك في أمانة نفسه، وفي التوضيح: الأقسام ثلاثة، الأول: أن يعلم من نفسه الخيانة فيحرم التقاطها. الثاني: أن يخاف ولا يتحقق ذلك فيكره. الثالث: إن لم يتبين أمانة نفسه، وهذا ينقسم إلى قسمين، إما أن يخاف عليها الخونة أم لا، فإذا خاف وجب عليه الالتقاط، وإن لم يخف فثلاثة أقوال للك، الاستحباب، والكراهة، والاستحباب فيما له بال، والترك في غيره أفضل، واختار التونسي من هذه الأقوال الكراهة كما في الجواهر، وإليه أشار المص بقوله: على
стр. 7807
الأحسن، وبهذا تعلم أن المص فيه إجمال لإيهامه أن الخلاف والاستحسان في الصور المكروهة كلها، مع أن ذلك إنما هو في صورة واحدة، وهي أن يعلم أمانة نفسه ولم يخف خائنات واستظهر ابن عبد السلام فيما إذا علم خيانة نفسه أو شك فيها وجوب الالتقاط عليه وترك الخيانة، ولا يكون ذلك عذرا يسقط عنه ما وجب عليه من حفظ مال الغير، قال الحطاب: وما قاله حسن. انتهى. والله أعلم. نقله بناني. وتعريفه سنة، يعني أنه يجب على الملتقط أن يعرف اللقطة سنة من يوم الالتقاط. قاله غير واحد. قال الشبراخيتي: ووجب تعريفه أي المال الملتقط وهو معطوف على أخذه سنة من حين أخذه، وإنما قلنا من حين أخذه لأن التعريف واجب على الفور، واتضح من هذا أن قول الشراح من يوم الالتقاط متعلق بتعريفه، ولهذا قال الحطاب: يجب التعريف من يوم الالتقاط، وقال الشبراخيتي: إن التعريف واجب على الفور، فإن أخر فتلفت أو ضاعت ضمن، وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: ويجب تعريفها سنة عقبه، قال في التوضيح أي عقب الالتقاط، وظاهره لو أخر التعريف لضمن، وفي اللخمي: إن أمسكها سنة ولم يرفها ثم عرفها فهلكت ضمن. انتهى. وينبغي أن لا يتقيد بالسنة. انتهى. وقال ابن عبد السلام: الضمير من قوله: عقبه، راجع إلى الالتقاط المفهوم من السياق، ولا يؤخر التعريف، فإن ذلك داعية إلى إياس، فلا يتعرض إلى طلبها، فإن ترك تعريفها حتى طال ضمنها، هكذا قال بعض الشيوخ، نقلت كلامه على ما فهمت، وفي معين الحكام: وإذا أمسك الملتقط اللقطة سنة ولم يعرفها ثم عرفها في الثانية فهلكت ضمنها، وكذلك في السنة الأولى ضمنها إلا أن يتبين أن صاحبها من الموضع الذي وجدت فيه، وإن كان من غيره فغاب بقرب ضياعها ولم يقدم في الوقت الذي ضاعت فيه لم يضمن، وجزم المؤلف بأن الكثير وما دونه وفوق التافه يعرف سنة، أما الكثير فلا خلاف فيه، وأما ما دون الكثير وفوق التافه وهو المشار إليه بقوله:
ولو كدلو، فحكى ابن الحاجب قولين فيه، تعريفه سنة، وتعريفه أياما مظنة طلبه، ورجح في التوضيح الثاني. ابن رشد: ولا خلاف في وجوب تريفه إلا أنه يختلف في حده، فقيل: سنة كالذي له بال وهو ظاهر رواية ابن القاسم في المدونة وقيل: لا يبلغ به الحول وهو قول ابن القاسم في المدونة، ورواية عيسى عن ابن وهب في العتبية في مثل الدريهمات والدينار أنه يعرف ذلك
стр. 7808
أياما. ابن عبد السلام: تأول المدونة بعضهم على القول بتعريفه أياما مظنة طلبه وهو الذي عليه الأكثر من أهل المذهب وغيرهم. انتهى. فترك المؤلف القول الذي عليه الأكثر. قاله الحطاب. وقوله: كدلو، واحد الدلاء التي يسقى بها وجمع القلة أَدْلٍ وفي الكثرة دلاء، ومما يدخل تحت الكاف المِخْلاة بكسر اليم وسكون الخاء العجمة ما يوضع فيه العلف للدواب. قاله الرهوني. وقوله: وتعريفه، يحتمل أنه من إضافة المصدر للفاعل أي الملتقط بكسر القاف، ويحتمل أنه من إضافة المصدر للمفعول أي الملتقط بفتح القاف.
لا تافها، يعني أن الشيء الملتقط إذا كان تافها فإنه لا يجب تعريفه بل للملتقط أكله والتافه ما لا تلتفت إليه النفوس. قال التتائي: لا تافها لا تلتفت إليه النَّفْس كفلس وتمرة وكسرة فلا يُعَرَّف أصلا وهو لمن وجده إن شاء أكله أو تصدق به، وجعل الشارح من أمثلة التافه العصا والسوط وفيه شيء لأن قيمة كل منهما قد تكون أكثر من قيمة الدلو فلا ينبغي الإطلاق فيهما. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا تافها وهو ما دون الدرهم الشرعي، كما قاله الشيخ أبو الحسن، وهو مأخوذ من قول المدونة: درهما فصاعدا، وقال أشهب في الدرهم وما أشبهه: لا بأس أن يتصدق به قبل السنة. انتهى. قاله الرهوني. وقوله لا تافها، مخرج من تعريفه لا من سنة، فلا يُعَرَّف التافه أصلا ويجوز للملتقط أكله، ولا ضمان عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: لا تافها بالنصب عطف على محل الضمير في تعريفه، بناء على أنه من إضافة المصدر لمفعوله، أو على محل كدلو لأنه خبر كان المحذوفة بعد لو بناء على أنه من إضافة المصدر لفاعله، وهو ما دون الدرهم الشرعي أو ما لا تلتفت إليه النَّفْس وتسمح بتركه كعصا وسوط لا كثير قيمة لهما، فإن لم تسمح بتركه عادة عُرِّفَ، ثم له أكل التافه ولا ضمان عليه حيث لم يعلم ربه وإلا لم يجز له أكله ويضمن، ويجري نحوه في قوله: وله أكل ما يفسد.
تنبيه: حجة القول الذي لم يفرق بين الكثير وما فوق التافه في السنة أن النبي ﷺ أمر بتعريف اللقطة سنة ولم يفرق بين قليل ولا كثير.
بمظان طلبها، يعني أنه يجب تعريف اللقطة بمظان طلبها أي المواضع التي يظن أن أربابها يطلبونها فيها، وقوله: بمظان طلبها، مقتضى كلام التتائي والخرشي أنه متعلق بالكون، أي
стр. 7809
والتعريف يكون بمظان طلبها، ومقتضى كلام عبد الباقي والشبراخيتي أو صريحه أنه متعلق بالتعريف. والله سبحانه أعلم. بكباب مسجد، بدل من قوله: بمظان طلبها، يعني أنه يعرفها بباب المسجد والجامع لا داخلهما للنهي عنه لخبر مسلم عنه ﷺ (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: (لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا (١)) وفي بعض النسخ: أو سوق عطف على باب أي يعرفها بالسوق ولو داخله.
في كل يومن أو ثلاثة، يعني أن التعريف يكون مرة في كل يومين أو مرة في كل ثلاثة من الأيام. ابن عبد السلام: ينبغي أن يكون أكثر من ذلك في أول تعريفه، وقوله: في كل يومين أو ثلاثة، رواه ابن نافع عن ملك. قاله التتائي. وقال الحطاب: قال في المدونة: وتعرف اللقطة حيث وجدها وعلى أبواب المساجد وحيث يظن أن ربها هناك أو خبره. انتهى. وفي سماع أشهب من كتاب اللقطة: وسأله يعني مالكا عن تعريف اللقطة في المساجد؟ فقال: لا أحب رفع الصوت في المساجد، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب أمر أن تعرف اللقطة على أبواب المساجد، وأحب إلي أن لا تعرف في المساجد، ولو مشى هذا إلى الحلق في المساجد يخبرهم بالذي وجد لا يرفع صوته لم أر بذلك بأسا. انتهى. وقال ابن الحاجب: في الجوامع والساجد، قال في التوضيح: ظاهره أن التعريف يكون فيها ولعل ذلك مع خفض الصوت، ويحتمل أن يكون ذلك على حذف مضاف أي أبواب الجوامع والمساجد وهو أحسن لأنه كذلك في المدونة وغيرها. و (للحديث). انتهى. وفي التمهيد: التعريف عند جماعة الفقهاء فيما علمت لا يكون إلا في الأسواق، وأبواب المساجد، وموضع العامة، واجتماع الناس، انتهى.
بنفسه، يعني أنه يخير في تعريفها بين أن يعرفها بنفسه وبين أن يعرفها بمن يثق به كما قال: أو يعرفها بمن يثق به، أي بأمانته مثل نفسه ولو لإمام مأمون، أو يدفعها لمن يعرفها بأجرة منها إن لم يعرف مثله، أي لا يناسب أن يعرف عليها، فإن استوني بتعريفه مع وجوبه عليه حتى ضاعت ضمنها، وإن ضاعت ممن يثق به فلا ضمان عليه. قاله عبد الباقي. قال بناني: قال في
стр. 7810
التوضيح: ونحوه لابن عرفة عن اللخمي هو مخير بين أربع، بين أن يعرفها بنفسه، أو يدفعها إلى السلطان إذا كان عدلا، أو إلى مأمون يقوم مقامه، أو يستأجر منها من يعرفها، فجاز له أن يعرفها للحديث، وأجاز له في المدونة أن يدفعها إلى السلطان، وأجاز ابن القاسم في العتبية أن يدفعها إلى المأمون يرفها، وأجاز ابن شعبان أن يستأجر عليها. انتهى. ابن عرفة: الباجي: قال ابن القاسم: لو دفعها لغيره ليعرفها وهو مثله في الأمانة لم يضمنها لأن ربها لم يعينه لأمانته، بخلاف الوديعة؛ قال: وفي قبول قوله: ضاعت، دون يعين قولا ابن القاسم والقرينين. انتهى. وهو يقتضي اعتبار المثلية في الأمانة، وكلام اللخمي يقتضي عدم التقييد بالمثلية، وقوله: إن لم يعرف مثله، قال بناني عن ابن عرفة: تبع ابنُ الحاجب ابنَ شأس في قوله: ثم أجرة تعريفه منها إن كان لا يعرف مثله، وظاهر لفظ اللخمي أجاز ابن شعبان أن يستأجر عليها منها، أنه ولو كان ممن يلي ذلك إن لم يلتزمه. انتهى. وقال التتائي: بنفسه أو بمن يثق به ليدفعها له ليعرفها بغير أجرة، كما أجازه ابن القاسم في العتبية، أو بمن يثق به بأجرة منها. قاله ابن شعبان. وقيده اللخمي بأن يكون مثله لا يلي ذلك، وإلى تقييد اللخمي أشار بقوله: إن لم يعرف مثله، فإن كان مثله يلي ذلك بنفسه لم يستأجر عليها إلا من مال نفسه، لأنه بالتقاطه كالملتزم تعريفها وهذا ظاهر كلامه تبعا لابن الحاجب وابن شأس، وقال ابن عرفة: ظاهر لفظ اللخمي أجاز ابن شعبان أن يستأجر عليها منها أنه لو كان ممن يلي ذلك لم يلتزمه، وقيده اللخمي أيضا بأن لا يلتزم تعريفها ولم يذكره المص ولا الأمر الرابع الذي أجازه في المدونة، وزاده اللخمي على الثلاثة السابقة، وهو دفعها للإمام إن كان عدلا، وسأل المص لم جاز له هنا أن يستنيب ولم يجز في الوديعة. والمقصود فيهما الحفظ؟ وأجيب: بأن رب اللقطة لم يعين الملتقط للحفظ، بخلاف الودع، قال: ولا ضمان على الملتقط إذا دفعها لمن يرفها إذا ادعى ضياعها، ولو ادعى صاحبها أنه التقطها ليذهب بها فالقول لملتقطها أنه أخذها للتعريف. انتهى كلام التتائي. وقال الشبراخيتي: إن لم يعرف مثله فإن كان مثله يلي ذلك بنفسه لم يستأجر عليها إلا من مال نفسه لأنه بالتقاطه كالملتزم لتعريفها، وبقي وجه رابع ذكره في المدونة وزاده اللخمي على الثلاثة