← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الشيخ محمد بن الحسن: كلام المواق صريح في ترجيح الصحة مع السهو مطلقا حصل قبل انصرافه أو حصل بعد ذلك، وعلى الصحة فإن أدرك شيئا مع الإمام حمل عنه سهوه، وإلا سجد بعد السلام، وأما الكلام لإصلاحها كشراء ما يغسل به الدم، فلا يبطل، إذ يجوز عقد البيع في الصلاة بإشارة خفيفة، ومعاطاة في غير ضرورة، فكيف بهذه الضرورة المتعلقة بتصحيح الصلاة؟ تنبيه. اختلف في المأموم إذا انصرف لغسل الدم، هل يخرج عن حكم الإمام أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها أنه يخرج عن حكمه حتى يرجع إليه جملة من غير تفصيل، الثاني أنه لا يخرج عن حكمه جملة من غير تفصيل، الثالث أنه إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة خرج عن حكمه حتى يرجع إليه، وإن عقد معه ركعة لم يخرج عن حكمه، الرابع النظر إلى ما آل إليه أمره، فإن أدرك ركعة من صلاة الإمام بعد رجوعه كان في حكمه حال خروجه، وإن لم يدرك معه ركعة بعد رجوعه لم يكن في حكمه حال خروجه. نقله الإمام الحطاب. وقال عن المقدمات: فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع إليه، يقول إن أفسد الإمام صلاته متعمدا قبل أن يرجع لم يُفْسِد عليه هو، وإن تكلم سهوا سجد بعد السلام ولم يحمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب الذي يرى أن ذلك يبطل عليه البناء وإن ظن أن الإمام قد أتم صلاته [فأتم صلاته (١)] في موضعه ثم تبين أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة أجزأته صلاته، وإن سها الإمام لم يلزمه من سهوه شيء. ومن رأى أنه لا يخرج من حكمه يقول إن أفسد الإمام صلاته، متعمدا فسدت عليه هو صلاته وإن أتم صلاته في موضعه ثم تبين أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة لم تجزه صلاته، وإن سها الإمام لزمه سهوه، وإن تكلم ساهيا حمله عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب المذكور. وإن قرأ الإمام بسجدة فسجدها فرجع هو بعد سلام الإمام كان عليه أن يقرأها ويسجدها، والجاري على المشهور هو القول الأول؛ لأنه سيأتي أنه إذا فرغ الإمام فإنه يتم مكانه، وتصح صلاته، ولو تبين خطؤه. وصوب ابن يونس بطلان صلاته إذا بطلت صلاة الإمام. انتهى كلام الحطاب. ولخامسها بقوله:

стр. 807

إن كان بجماعة؛ يعني أنه إذا كان بجماعة فإنه لا إشكال في بنائه إماما أو مأموما، ولم يأت بهذا الشرط على مساق ما قبله لكونه وجوديا وما قبله عدميا، فإن كان مأموما فهل يخرج عن حكم إمامه حتى يرجع إليه أولا؟ تقدم الكلام على ذلك قريبا فراجعه إن شئت. وأما إن كان إماما فأشار إليه بقوله: واستخلف الإمام، يعني أن الإمام في رعاف البناء يستخلف من يتم بهم عند ذهابه لغسل الدم ندبا في الجمعة وغيرها، فإن لم يستخلف وجب عليهم في الجمعة وندب في غيرها، وإذا غسل الدم تأخر مؤتما للمستخلف بالفتح منه أو منهم، وصلى معه ما أدرك من صلاته. ويستخلف بغير الكلام فإن تكلم سهوا بطلت عليه دونهم، وعمدا أو جهلا بطلت عليه وعليهم. وقال ابن القاسم: عليه فقط. وعلى قوله: يخرج المأموم عن حكم الإمام بمجرد حصول رعافه، وإلا بطلت عليهم ببطلان صلاته. وفي بناء الفذ خلاف. قال صاحب الطراز: اتفق أصحابنا على أن المأموم يبني في الرعاف، وكذلك الإمام لأنه واحد من الجماعة. واختلفوا في الفذ: فأجاز مالك في العتبية أنه يبني، ومنعه ابن حبيب، وفي المقدمات ذهب ابن حبيب إلى أنه لا يبني؛ لأن البناء إنما هو ليحوز فضل الجماعة، وقال ابن مسلمة: يبني، ومثله لمالك في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وقال ابن بزيزة: مذهب المدونة بناء الفذ، والحاصل أنهما قولان مشهوران وذكر ابن فرحون وصاحب الجمع وغيرهما في بناء الإمام قولين، وهو خلاف ما تقدم من اتفاق مالك وجميع أصحابه على بناء الإمام. وهو لصاحب المقدمات وصاحب الطراز واللخمي. وقوله: "وفي بناء الفذ خلاف" مبناه هل رخصة البناء لحرمة الصلاة أو لتحصيل فضل الجماعة؟ وقال صاحب الطراز: إن بناء الفذ أبين؛ لأن ما يمنع البناء وما لا يمنعه لا يختلف فيه الفذ من غيره، كالسلام من اثنتين فيما طال وفيما قصر؛ ولأنه قد عمل شيئا من الصلاة فلا يبطله بغير تفريط منه، ولأنه قد حاز فضيلة أول الوقت بذلك القدر فلا يفوته ذلك عليه كفضل الجماعة. انتهى. وإذا بني لم يعتد إلا بركعة كملت، يعني أن الراعف إذا بنى ولم يقطع صلاته، وخرج لغسل الدم وغسله، ثم رجع لتكميل صلاته، فإنه لا يعتد بما مضى من صلاته إلا بالركعة الكاملة

стр. 808

بسجدتيها. وقوله: "بنى"؛ أي من له البناء من مأموم وإمام، وفذ على أحد القولين، ومعنى "كملت" بسجدتيها: أن يجلس بعدها إن كان بتشهد، أو يقوم بالفعل إن كان بغيره فيعتد بتلك الركعة، ويبتدئ بعد غسل الدم من أول التي تليها، فيشرع في القراءة ولا يرجع لمحل السجود. فلو ركع وسجد السجدتين، وأخذ فرضه فيهما، ثم قبل الجلوس أو القيام رعف، لم يعتد بتلك الركعة بعد غسله. ويبني على الإحرام إن كانت هي الأولى، ويبتدئ القراءة فالبناء يكون ولو على الإحرام، ولا يعتد إلا بركعة كاملة لا أقل، سواء كانت هي الأولى أو غيرها. وابتداء القراءة المذكور واضح في الإمام والفذ وغيره إن فرغ الإمام، وإلا تبع الإمام على أي حال كان كما هو واضح. وقوله: "وإذا بنى لم يعتد" الخ، هذا هو مذهب المدونة، وهو المشهور وقيل: يعتد بما عمل من صلاته سواء رعف في الركعة الأولى أو غيرها، فإن كان قد رعف بعد القراءة في الركعة الأولى أو غيرها فإذا رجع ركع ولم يعد القراءة، وإن رعف في أثناء القراءة قرأ من الموضع الذي انتهى إليه اللخمي: ولا يحتسب الراعف بما فعله بعد رعافه، وقبل خروجه لغسل الدم، وأجاز ذلك ابن حبيب في ثلاث. انتهى. وهي: أنه إن رعف وهو راكع ثم رفع رأسه للرعاف فذلك رفع من الركعة، وإن رعف وهو ساجد فرفع للرعاف فذلك رفع للسجدة، فإذا رجع سجد الثانية، وفي جلسة التشهد فقيامه للرعاف قيام من الجلسة، فإذا رجع ابتدأ بقراءة الركعة الثالثة، إلا أن يكون ذلك في مبتدإ الجلوس قبل تمام التشهد، فليرجع إلى الجلوس حتى يتم التشهد؛ وهذا القول لابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون. وعزاه المصنف في التوضيح، وغيره لابن مسلمة، واستظهره هو وابن عبد السلام وغيرهما. وحكى في المقدمات: ثالثا وهو أنه إن كان في الركعة الأولى استأنف الإحرام، وإن كان في الثانية بنى على ما مضى منها، والفذ على القول ببنائه يفعل ما ذكر، وكذا الإمام والمأموم إن وجدا الإمام المستخلف قد فرغ، وإما إن وجداه في الصلاة فيتبعانه على أي حال كان، ولا يأتيان بما فاتهما حتى يفرغ الإمام من الصلاة كما مر قريبا. وعلى القول بأنه يعتد بما فعل من أجزاء الركعة إذا عاد فعل الأجزاء الباقية من الركعة ما لم يكن تشاغله بفعلها يفيته مع الإمام عقد الركعة التي صادفه فيها ولا يمنعه من إكمال ما بقي عليه من الركعة صلاة الإمام ركعة في غيبته. وفهم من كلام المصنف أن من رعف بعد أن أحرم،

стр. 809

وقبل أن يركع يبني على إحرامه، وهذا في غير الجمعة كما يقول، وإن لم يتم ركعة في الجمعة الخ، وقيل: يبني على إحرامه مطلقا جمعة كانت أو غيرها إماما أو مأموما أو فذا، وهو قول سحنون. وقيل: لا يبني، ويستأنف الإقامة والإحرام جملة أيضا من غير تفصيل؛ وهو قول ابن عبد الحكم. وقيل: إن كان وحده أو إماما ابتدأ، وإن كان مأموما بنى على إحرامه. قاله الإمام الحطاب. فتلك أربعة أقوال فيمن رعف بعد أن أحرم، وقبل أن يركع. واستعمل المصنف البناء في هذا الباب على معنيين: الأول في مقابلة القطع، الثاني في مقابلة القضاء. وأتى بقوله: "كملت" بعد قوله: "بركعة" لدفع توهم أن المراد بالركعة الركعة اللغوية؛ وهي الركوع. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم مما مر أن الراعف يبني على تكبيرة الإحرام وإن لم يعتد إلا بركعة كملت فلا منافاة بين كلام المصنف وغيره، وقوله: "وإذا بنى لم يعتد إلا بركعة كملت"، هوأحد مواضع تعتبر الركعة فيها بسجدتيها، ثَانِيها من ذكر صلاة في صلاة، ثالِثُها من أقيمت عليه الصلاة وصلى ركعة، رَابعُهَا الركعة التي تقدر بها الحائض، خَامِسُهَا ركعة المزاحم، سَادِسُهَا الركعة التي يدرك بها المصلي فضل الجماعة، سَابعُهَا الركعة التي يؤخر لها من ترك إحدى الخمس. قاله الشيخ عبد الباقي. واعلم أن الراعف إذا فرغ من غسل الدم فإنه يرجع لصلاته بغير تكبير. ابن رشد: لأنه لم يخرج من صلاته، وإنما يرجع إلى صلاته بتكبير من خرج منها بسلام. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وأتم مكانه؛ يعني أن الراعف إذا غسل الدم فإنه يتم صلاته وجوبا مكانه ذلك إن كان فذا إن أمكن، وإلا ففي أقرب موضع يصلح للصلاة من غير مجاوزة له، وإلا بطلت. وإن كان مأموما أو إماما لصيرورته بالاستخلاف مأموما فإنه يتم مكانه أيضا، وإنما يتم المأموم مكانه أو الإمام. إن ظن فراغ إمامه من الصلاة الآن، أو قبل وصوله إليه بتقدير، واجتهد أو بإخبار عدل، ولو وصل إليه العلم وهو راجع وجب عليه الإتمام بذلك المحل. ولا فرق بين مسجد مكة والمدينة وغيرهما على المشهور، وتصح صلاته وإن تبين خطؤه في بقاء إمامه، وظاهره: ولو سلم قبل إمامه. وقوله: إن ظن، وأحرى إن علم. وأمكن؛ يعني أن الراعف إذا غسل الدم، وقلنا إنه يجب عليه أن يتم صلاته في الموضع الذي غسل فيه الدم، فإنما ذلك إن أمكن إتمام الصلاة فيه بأن طهر واتسع.

стр. 810

وإلا أي وإن لم يمكن الإتمام فيه لعدم صلاحيته لذلك كما لو كان ضيقا أو نجسا، فالواجب لإتمام صلاته المكانُ الأقرب لمكان غسل الدم الصالِحُ لإتمام الصلاة فيه، وتصح صلاته في المسألتين، ولو أخطأ ظنه ببقاء إمامه على المشهور. واعترض بأنه قد يسلم قبل إمامه، وأجيب بأن هذا مبني على أنه يخرج عن حكم الإمام بخروجه للرعاف حتى يرجع إليه. قاله عبد الباقي. وإذا علم ببقاء الإمام ولكنه يتم صلاته قبل وصول المأموم إليه، فإنه يتم مكانه أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي أيضا، ومر قريبا ما يفيده. قال: ولا يقال قد يسبق الإمام في الفعل والسلام لما علمت أن هذا مبني على أنه يخرج عن حكمه حتى يرجع إليه، وقد مر أنه لو وصل إليه العلم بإتمام إمامه وهو راجع من غسله صار موضع وصول العلم إليه كموضع غسل الدم، فيتم فيه وإلا أي وإن لم يتم مكانه مع إمكان الإتمام به والحال أنه ظن فراغ إمامه، ولا بالأقرب إليه مع عدم إمكان ذلك به. بطلت صلاته ولو أخطأ ظنه، ولو فعل ذلك متأولا. وأشار إلى مفهوم قوله: "إن ظن فراغ إمامه"، بقوله: ورجع إن ظن بقاءه؛ يعني أنه إذا ظن بقاء إمامه فإنه يرجع إلى أقرب موضع يصلي فيه مع الإمام، ولا يرجع إلى محل مصلاه لأنه زيادة في الصلاة. قاله ابن فرحون. أو شك، أي وكذا يجب عليه الرجوع إلى أقرب موضع يصلي فيه مع الإمام حيث شك أنه يدرك الإمام، ولا يرجع إلى محل مصلاه، وقوله: "أو شك" يغني عن قوله: "أو ظن". ولو بتشهد؛ يعني أنه إذا ظن أو شك وأولى إن علم أنه يدركه في التشهد أو ظن أو شك أنه يحصل السلام معه، فإنه يرجع إلى أقرب موضع يصلي فيه مع الإمام، وإنما لزمه الرجوع مع الشك؛ لأن الأصل لزومُ متابعة الإمام فلا يخرج عنه إلا بعلم أو ظن. والحاصل أنه إذا علم أو ظن فراغ إمامه فإنه يتم في مكانه الممكن، أوأقرب الأمكنة الممكنة إليه مع عدم إمكان الأول، وهاتان صورتان أو أربع صور. وإذا علم، أو ظن بقاءه، أو شك في ذلك ولو بتشهد، فإنه يرجع وجوبا إلى الموضع الذي يتمكن فيه من الاقتداء بإمامه. فتلك ثلاث صور. فالصور خمس وقد علمت أحكامها.

стр. 811

وفي الجمعة مطلقا، يعني أن الراعف إذا كان في الجمعة وذهب لغسل الدم، فإنه إذا غسله يرجع مطلقا، ظن بقاءه أو فراغه، أو شك، أو علم أحدهما. لأول الجامع؛ يعني أنه إذا قلنا إنه يرجع في الجمعة مطلقا فإنه يرجع لأول الجامع، ولا يجاوزه أي لا يجاوز أول جزء من أجزاء الجامع، أعني الجامع الذي ابتدأ فيه الجمعة: ولا يكفي رحابه ولا طرقه المتصلة به حيث لم يبتدئها بأحدهما، خلافا لابن شعبان. ولو حال بينه وبين الجامع حائل أضاف ركعة لركعته، وابتدأ الظهر بإحرام، وإذا ابتدأ الجمعة قبل الرعاف مع الإمام برحابه أو طرقه المتصلة به حيث يسوغ له، اكتفى بالرجوع للرحاب والطرق المتصلة به. قاله ابن عبد السلام. وبحث فيه الحطاب بأن الذي يظهر من كلامهم أنه حيث أمكنه الرجوع إلى الجامع لا بد من رجوعه إليه، وكذا صاحب الجمع فإنه قال قد يقال: كان ذلك لموجب وقد انتفى. قاله الشيخ عبد الباقي. وإلا؛ أي وإن لم يرجع في غير الجمعة حيث ظن بقاءه، أو شك، أو لم يرجع في الجمعة مطلقا، أو رجع فيها لكن جاوز أول الجامع. بطلتا؛ أي الجمعة وغيرها. وقوله: "وفي الجمعة مطلقا" محله حيث حصل معه ركعة أو ظن أنه يدرك معه ركعة، وإلا فلا. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن مستند الظن في فراغ الإمام وبقانه يرجع إلى تقدير الشخص واجتهاده، أو إلى خبر عدل كما مر، وقد مر أيضا أن قوله: "إن ظن فراغ إمامه" يشمل ما إذا ظن فراغه عند تمام غسله، وما إذا ظن أنه الآن باق ولكنه يفرغ قبل أن يصل إليه: وإذا ظن بقاء الإمام فرجع، ثم ظن في بعض الطريق فراغه فإنه يتم مكانه إن أمكن، وإلا ففي أقرب موضع يمكنه الإتمام فيه فإن جاوز ذلك بطلت صلاته -وهذا ظاهر- وقد صرح به شراح ابن الحاجب. قاله الإمام الحطاب. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ظاهر كلامهم هنا أنه تبطل صلاته إن لم يتم مكانه، ولا بأقرب الأمكنة المكنة إليه، وكذا لو جاوز الموضع الطاهر الذي يتمكن فيه من الاقتداء بإمامه، أو جاوز أول الجامع فلا تغتفر له الخطوة ولا الخطوتان في جميع ذلك. هذا ظاهر كلامهم هنا. وقد مر عند قوله: "إن لم يجاوز أقرب مكان" أنه تغتفر له الخطوة والخطوتان، فاغتفروا في الذهاب ما لم يغتفروا بعده. والله سبحانه أعلم. وقوله: "إن ظن فراغ إمامه"، قد مر أنه لا فرق في ذلك بين مسجد مكة والمدينة وغيرهما على المشهور، ومقابله ما روي عن مالك أنه يرجع إلى المسجد في

стр. 812

مكة والمدينة، ولو سلم الإمام. قال الباجي: فجعل الرجوع لفضيلة المكان. قاله الإمام الحطاب. وقال: ظاهر كلام صاحب الطراز أن هذه الرواية هي المذهب، وقد مر أنه إن ظن فراغه وأتم مكانه صحت صلاته، ولو أخطأ ظنه. وهذا هو المشهور. وقيل: تبطل صلاته إذا أخطأ ظنه فإن خالف ظنه ورجع بطلت صلاته أصاب ظنه أو أخطأ، وقوله: "ولو بتشهد" هو المشهور، ورد "بلو" قول الشيخ أبي إسحاق: إن رجا أن يدرك مع إمامه ركعة، وإلا صلى في مكانه. وقال ابن شعبان: إن لم يطمع بإدراك ركعة لم يرجع. انتهى. وقد علمت أن المشهور أنه يرجع ولو للسلام فقط. وإذا ظن بقاء الإمام ورجع فوجده قد أتم، أَتَمَّ هُوَ لنفسه، وصحت صلاته. واعلم أن هذا التقسيم الذي ذكره المصنف إنما هو في المأموم والإمام؛ لأنه إذا استخلف صار حكمه حكم المأموم، وأما الفذ فيتم مكانه وجوبا مع الإمكان أو بأقرب الأمكنة الممكنة إليه مع عدم إمكان الأول، وإلا بطلت كما مر. وقوله: "بطلتا"؛ أي الجمعة وغيرها هذا هو المشهور. وقال ابن رشد: قال بعض أصحابنا: يبني في أقرب مسجد إليه وهو ظاهر تعليل ابن القاسم، بأن الجمعة لا تصلى في البيوت. وقوله: "وفي الجمعة مطلقا وإلا بطلتا"؛ أي ولو لم يبق له من الجمعة إلا السلام، كما إذا خرج لغسل الدم قبل أن يسلم فإنه يرجع وجوبا ليوقع السلام في المسجد، وإلا بطلت قال فيها: وإذا رعف المأموم بعد فراغه من التشهد قبل سلام الإمام ذهب فغسل الدم ثم رجع فتشهد وسلم. انتهى. قال في الطراز: قوله: رجع، معناه إذا طمع بإدراك الإمام قبل أن يسلم أو يكون في جمعة. انتهى. باختصار. وإن لم يتم ركعة في الجمعة ابتدأ ظهرا بإحرام؛ يعني أن الراعف إذا لم يتم ركعة بسجدتيها في الجمعة قبل انصرافه لغسل الدم ولا بعده، فإنه يحرم أي يجدد إحراما للظهر ولا يصليها بإحرامه الأول؛ لأنه للجمعة، ويصلي في أي مكان شاء هذا هو المشهور وكونه يصلي الظهر متفق عليه. وقال سحنون: يبني على إحرامه، ويصلي الظهر. وقال أشهب: إن شاء قطع وابتدأ كالمذهب، وإن شاء بنى على إحرامه، كقول سحنون، وإن شاء بنى على إحرامه وعلى ما تقدم له من فعلها. وظاهر كلام ابن الحاجب أن أشهب لم يستحب شيئا، والذي حكى عنه ابن يونس وابن رشد وغيرهما: استحباب القطع. قاله الإمام الحطاب. وعلى المشهور الذي مشى عليه

стр. 813

المصنف لو لم يقطع، وبنى على إحرامه. فالظاهر صحة صلاته مراعاة لقول سحنون وأشهب. كما في الحطاب. وقوله: "ابتدأ ظهرا بإحرام" هذا إن لم تتعدد الجوامع، وإلا وجب عليه طلب الجمعة إن شك أنه يحصلها، ومن أحرم مع الإمام بعد رفعه ظانا أنه في الأولى من الجمعة فإذا هو في الثانية، بنى على إحرامه وصلى أربعا. ولا يعارض هذا ما هنا؛ لأن ما هنا في الراعف، وهذا في غيره. واعلم أن من أدرك جلوس الجمعة، يحرم بنية الظهر مع الإمام، ويجلس معه، ثم يأتي بعده بأربع ركعات. وأما من أتم ركعة في الجمعة قبل غسل الدم، وفاتته الثانية مع الإمام، فإنه يتمها جمعة. وكذا غير راعف أدرك مع الإمام ثانيتها، ثم بعد سلام الإمام ذكر سجدة منها، فإنه يتلافاها ويتمها جمعة. وسلم وانصرف إن رعف بعد سلامه إمامه. يعني أن من رعف بعد سلام الإمام يسلم وجوبا، وينصرف حينئذ. وقال ابن حبيب: يسلم ويذهب يغسل الدم ثم يعود، فيتشهد ويسلم. قاله الشيخ إبراهيم. وما قاله المصنف هو المشهور؛ وهو مذهب المدونة لخفة سلامه بالنجاسة عن خروجه لغسل الدم لكثرة المنافي، وسواء في ذلك الجمعة وغيرها. وقال سحنون: يخرج لغسل الدم ثم يرجع للسلام كسائر أركان الصلاة. وقوله: وسلم وانصرف إن رعف بعد سلام إمامه، وكذا لو رعف فسلم الإمام في الوقت قبل انصرافه، فإنه يسلم ويجزئه. لا قبله؛ يعني أنه إذا رعف قبل سلام الإمام فإنه لا يسلم، بل يخرج لغسل الدم إن لم يسلم الإمام بالحضرة، وإلا سلم وانصرف. كما مر قريبا. ونص عليه غير واحد. ونقل الشيخ عبد الباقي عن السوداني أنه لو انصرف لغسل الدم، وجاوز الصفين والثلاثة، فسمع الإمام يسلم، فإنه يسلم ويذهب. فإذا خرج لغسل الدم فغسله، فإنه يأتي بالتشهد قبل أن يسلم سواء تشهد قبل ذهابه أم لا. قال ابن عرفة: وفيها إن رعف بعد تشهده قبل سلام إمامه ذهب لغسله، ورجع فتشهد وسلم وبعد سلامه سلم بحاله، الصقلي واللخمي: وكذا لو سلم إمامه قبل ذهابه، وقول ابن عبد السلام: إن رعف بعد تشهده لم يعد خلاف نصها. وقوله: "وسلم وانصرف إن رعف بعد سلام إمامه لا قبله"، هذا حكم المأموم كما عرفت، وأما لو رعف الإمام أو الفذ بعد أن أتى بمقدار

стр. 814

السنة، فالظاهر أنه يسلم كل منهما. كما أن الظاهر أن من لم يأت منهما بمقدار السنة إن كان فذا خرج لغسل الدم، وإن كان إماما استخلف من يتم بهم التشهد، وخرج لغسل الدم ويصير حكمه حكم المأموم. انظر الحطاب. وقد مر أن الراعف إذا رجع لإتمام صلاته فإنه يرجع لها بلا تكبير؛ لأنه لم يخرج عن صلاته بالرعاف، وإنما يرجع إلى إتمام صلاته بالتكبير من خرج منها بسلام. ولا يبني بغيره، الضمير المضاف إليه غير يرجع للرعاف؛ يعني أن المصلي لا يبني بغير الرعاف من حدث وقيء، وسقوط نجاسة، أو شك في ذلك، أو غير ذلك مما يبطل الصلاة، بل يستأنفها ويأتي بها بتمامها لبطلانها. قاله غير واحد. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يبني بغيره أي الرعاف كسبق حدث أو ذكره، أو سقوط نجاسة، أو ذكرها، أو حدث شك فيه بصلاته فلم يتماد عليه، بل خرج للوضوء غير رافض لها ثم تذكر بقاء وضوئه، إلا أن يقل شكه ويشرع، فتذكر حين الهم وقبل الانصراف، فيبني على صلاته، ولا يبني أيضا بغير الرعاف الأول، بل تبطل صلاته ولو ضاق الوقت. ذكره ابن فرحون. ورده الحطاب بقول ابن عبد السلام: مسائل البناء والقضاء تقتضي عدم البطلان. وقال أبو حنيفة: يبني مع الحدث الغالب، وقال أشهب: يبني من رأى في ثوبه أو جسده نجاسة، أو أصابه ذلك في الصلاة. كظنه فخرج فظهر نفيه؛ يعني أن من ظن أنه رعف فخرج ليغسل الدم، فبعد أن خرج تبين له أنه لم يخرج منه رعاف، تبطل صلاته، فلا يبني على ما فعل منها بل يستأنفها بإحرامها. وكذا لو ظن الحدث فخرج فظهر نفيه. كما يأتي في قوله: وبانصراف لحدث ثم تبين نفيه وقوله "فظهر نفيه" كما لو ظهر أنه ماء سائل من أنفه، فتبطل، فذا أو مأموما أو إماما. وتبطل على مأموميه على الراجح. وقيل: لا، وقيل: إن كان معذورا بأن كان في ليل مظلم، لم تبطل عليهم، وإلا بطلت. وعلى ما للمصنف قول الشيخ الأمير: من العجيب إمام القوم لابسه … سقوط طارئة بجسمه اتصلت تصح للكل إن بانت نجاستها … وإن تبين شيء طاهر بطلت

стр. 815

ويبني الناعس نعاسا خفيفا لا ينقض الوضوء، والمزاحم حتى سلم الإمام. ابن يونس: قال سحنون: من خرج من الصلاة لرعاف: ثم شك في الوضوء وهو يغسل الدم فدفع الشك باليقين فابتدأ الوضوء، فلما توضأ ذكر أنه على وضوء، بطلت صلاته. ابن يونس: كمن ظن أنه أصابه رعاف وهو في الصلاة فخرج يغسله، فإذا هو ماء سائل. فقد أبطل صلاته. قال: ولو ذكر أنه متوضئ حين هم بالوضوء، وقبل أن يعمل بنى على صلاته. انتهى. قلت: إذا عزم على رفض الصلاة وهم بالوضوء، فالظاهر بطلان الصلاة. نعم إن تفكر قليلا لما حصل له الشك، ثم ذكر أنه متوضئ فهذا يبني على صلاته. قاله الإمام الحطاب. ومن ذرعه قيء لم تبطل صلاته، يعني أن من ذرعه القيء أو القلس لم تبطل صلاته وذرعه بالذال المعجمة غلبه وهذا بشرط أن يكون كل منهما يسيرا طاهرا، فتبطل في الكثير منهما، كان طاهرا أم لا، كما تبطل في النجس منهما كان كثيرا أم لا. ويشترط أيضا أن لا يزدرد من ذلك شيئا بعد إمكان طرحه فإن ازدرده بعد إمكان طرحه؛ أي بعد انفصاله إلى محل يمكن طرحه منه -كما قاله الشبراخيتي- بطلت في العمد، وفي السهو صحت، وسجد بعد السلام، وفي الغلبة قولان في البطلان والصحة. وعلى القول بالصحة فلا سجود فيما يظهر، ومفهوم قوله: "ذرعه" أنه لو استقاء طائعا لبطلت صلاته وهو كذلك. قال صاحب الطراز: القيء في الصلاة منه ما يبطل الصلاة في المشهور وإن لم يتعمده، ومنه ما لا يبطلها إلا أن يتعمده، فالأول هو ما كان نجسا مما خرج عن صفة الطعام، والثاني ما كان طاهرا فيختلف فيه العامد من غيره كالأكل على ما بينته في الأكل. وعلم مما مر أن القيء والقلس لا تبطل الصلاة بهما بقيود أربعة: أحدها عدم العمد وهو مأخوذ من قوله: "ذرعه" ومن قوله: الآتي، "أو قاء غلبة أو قلس"، ثانيها اليسارة وهو مأخوذ من جعل التنوين للتقليل والتحقير، والثالث الطهارة وتؤخذ مما تقدم في الطاهر، والرابع عدم الازدراد ويؤخذ من قوله الآتي في السهو. "وبتعمد كسجدة أو نفخ أو أكل أو شرب أو قيء"، فتؤخذ القيود الأربعة من مجموع كلامه. قاله الشيخ إبراهيم. وإذا اجتمع بناء وقضاء لراعف؛ يعني أنه إذا اجتمع للراعف المسبوق البناء والقضاء، فإنه يقدم البناء على المشهور، وهو قول ابن القاسم، والبناء هو فعل فائت بعد الدخول مع الإمام، والقضاء

стр. 816

هو فعل فائت قبل الدخول مع الإمام. وقال سحنون: يقدم القضاء. وذكر المصنف لذلك أمثلة منها: أن يدرك المأموم مع الإمام الوسطيين كما قال: أدرك الوسطيين أي الثانية والثالثة بعد أن فاتته الأولى، ويفوت عليه الرعاف الركعة الرابعة، فيقدم البناء بأن يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس عند ابن القاسم؛ لأنها آخرة الإمام، فيجلس فيها وإن لم تكن ثانيته كما سيقول المصنف، ثم يأتي بالأولى قضاء بالفاتحة وسورة جهرا إن كانت جهرية، وتلقب بأم الجناحين على مذهب ابن القاسم، وعند سحنون العكس ولا يجلس إلا للسلام، ومعنى العكس أن يقدم القضاء بأن يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية، ولا يجلس، بل يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن فقط سرا. ومن إساءة الأدب تلقيبها على مذهب سحنون بالعرجاء، ومنها أن يدرك إحدى الوسطيين، وذلك صادق بصورتين: إحْدَاهُما أن يدرك الثانية، الثَّانِيَةُ أن يدرك الثالثة، وإلى ذلك أشار بقوله: أو إحداهما، فإذا أدرك مع الإمام الثانية بعد أن فاتته الأولى، وفوت عليه الرعاف الثالثة والرابعة، فإنه يقدم البناء فياتي بالثالثة بالفاتحة فقط عند ابن القاسم سرا، ويجلس لأنها ثانية نفسه، ثم بالرابعة كذلك أي بأم القرآن فقط سرا، ويجلس لأنها آخرة الإمام. وسيقول المصنف وجلس في آخرة الإمام، ولو لم تكن ثانيته، ثم يقضي الأولى بسورة ويتشهد ويسلم فهي أم التشهدات، وكل سنة. وعند سحنون: يقدم القضاء فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية، ويجلس لأنها ثانيته، ثم بركعتين بأم القرآن فقط سرا ولا يجلس بينهما، وإذا أدرك مع الإمام الثالثة بعد أن فاتته الأولى والثانية وفوت عليه الرعاف الرابعة، فإنه يقدم البناء فيأتي بالرابعة أي بركعة بأم القرآن فقط سرا عند ابن القاسم، فإذا أتى بها جلس لأنها ثانيته، ثم يقضي الأوليين بسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية، ولا يجلس بينهما فهي منقلبة. وعند سحنون بالعكس أي يأتي بركعتين بسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية، ويجلس بينهما ثم بركعة بأم القرآن فقط سرا، ويتشهد ويسلم. ومنها ما أشار إليه بقوله: أو كحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر؛ يعني أن الحاضر إذا أدرك من صلاة إمامه المسافر الركعة الثانية بعد أن فاتته الأولى فقد اجتمع له البناء والقضاء، فيقدم البناء

стр. 817

على المشهور الذي هو مذهب ابن القاسم، فيأتي بركعة بأم القرآن فقط سرا، ويجلس لأنها ثانيته، ثم بركعة بأم القرآن فقط سرا، ويجلس لأنها آخرة الإمام، ثم بركعة بأم القرآن وسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية، ثم يتشهد ويسلم. وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية ويجلس، ثم بركعتين بأم القرآن فقط سرا ولا يجلس بينهما، ثم يتشهد ويسلم. وقوله: "أو كحاضر" بالكاف. قاله الشيخ إبراهيم. وقال هو معطوف على لراعف، وخوف بحضر هذا أيضا من أمثلة ما اجتمع فيه البناء والقضاء، وقوله: "أو خوف" عطف على قوله: "مسافر"؛ يعني أن الحاضر إذا أدرك ثانية صلاة الخوف في الحضر فقد اجتمع له البناء والقضاء، فيقدم البناء على المشهور، فيأتي بركعة بأم القرآن فقط سرا على مذهب ابن القاسم، ويجلس لأنها ثانيته، ثم بركعة رابعة أي بأم القرآن فقط سرا، ويجلس لأنها آخرة الإمام، ثم يأتي بركعة بأم القرآن، وسورة جهرا في الجهرية، وسرا في السرية. وعند سحنون يقدم القضاء فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ويجلس، ثم بركعتين بأم القرآن فقط ولا يجلس بينهما. وقوله: "أو خوف بحضر"، أي إن كان المأموم حضريا كان الإمام مسافرا أو حضريا، فتأتي معه الطائفة الأولى إن كان سفريا بركعة، ثم يفارقونه ويأتون بثلاث ركعات ويسلمون، فتأتي الطائفة الثانية وقد فاتتهم ركعة فهي قضاء، ويفعلون معه ركعة، وبعد سلامه يأتون بثلاث: واحدة منهن قضاء، واثنتان منهن بناء، فيقدم البناء عند ابن القاسم، خلافا لسحنون. ففي سفر الإمام اجتمع البناء والقضاء للطائفة الثانية، وفي حضريته يجتمعان للطائفة الأولى. والله أعلم. أشار له الإمام الحطاب. وبما قررت علم أن قوله: قدم البناء راجع إلى المسائل الخمس، أي يقدم فعل ما فاته بعد الدخول مع الإمام على مذهب ابن القاسم، خلافا لسحنون القائل، إنه يقدم القضاء بأن يفعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام قبل أن يفعل ما فاته بعده. وعلم أيضا مما قررت أن قوله: وجلس في آخرة الإمام ولو لم تكن ثانيته راجع إلى المسائل الخمس أيضا؛ يعني أنه يجلس في آخرة الإمام حيث كانت ثانيته كما لو أدرك أخرى الوسطيين، بل ولو لم تكن ثانيته فإنه يجلس فيها أيضا عند ابن القاسم، كما لو أدرك

стр. 818

الوسطيين، أو أولاهما. ويجلس في ثانيته ولو لم تكن آخرة إمامه. ورد المصنف بقوله: قدم البناء على سحنون، وبلو على ابن حبيب الموافق للمصنف في تقديم البناء المخالف له في نفي الجلوس في آخرة الإمام حيث لم تكن ثانية للمأموم، فإنه يقول بنفي الجلوس فيها هذا على أن قوله: "وجلس في آخرة الإمام" مرتب على قوله: "قدم البناء"، وأما على أنه فرع مستقل راجع إلى المسائل الخمس كما قررت أولا فيصح قصد الرد بلو على سحنون وابن حبيب معا، فإن سحنونا موافق لابن حبيب في نفي الجلوس، أشار له الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. تنبيهان: الأول: اعلم أنه إذا جلس في آخرة الإمام ولو لم تكن ثانيته، فإنه يقوم بعد التشهد من غير تكبير؛ لأن جلوسه في غير محله وإنما جلس متابعة للإمام. قاله أبو علي. نقله العلامة بناني. الثاني: علم مما مر أن كلام المصنف في هذه المسائل الخمس حيث لم يدخل المأموم فيها مع الإمام ثانيا. كما قاله الشيخ إبراهيم. وأما لو دخل معه ثانيا فله صور منها: أن يدرك الأولى ويرعف في الثانية، ويدرك الثالثة وتفوته الرابعة فالرابعة بناء بلا إشكال، واختلف في الثانية فعلى مذهب الأندلسيين بناء نظرا للمدركة قبلها، وظاهر المدونة أنها قضاء نظرا للثالثة المدركة، فعلى أنها قضاء يبدأ بالرابعة بأم القرآن فقط سرا، ويجلس لأنها آخرة الإمام، ثم بركعة بأم القرآن وسورة جهرا في الجهر وسرا في السر، وعلى مذهب الأندلسيين أنها بناء يأتي بهما نسقا من غير جلوس بينهما بأم القرآن فقط، ومنها أن تفوته الأولى والثالثة، ويدرك الرابعة والثانية، فعلى مذهب الأندلسيين الثالثة بناء نظرا المدركة قبلها فيقدمها على الأولى، ويقرأ فيها بأم القرآن فقط سرا، ولا يجلس لأنها ثالثته، ثم بركعة القضاء بأم القرآن وسورة جهرا في الجهر، وأطلق على الثالثة في المدونة قضاء نظرا للرابعة المدركة بعدها، فيقدم الأولى بأم القرآن وسورة، ثم الثالثة بأم القرآن فقط سرا. أشار له الأمير. قال: ومن مسائل الخلاف: أيضا أن يدرك الأولى ثم يرعف فتفوته الثانية والثالثة، ثم يدرك الرابعة. قال التتائي: قال بعض الأندلسيين: هما بناء، قال الرماصي: وعليه فيأتي بركعتين بأم القرآن فقط من غير جلوس بينهما. قاله ابن ناجي، وغيره. وعلى مذهب المدونة قال أبو الحسن: قال ابن حبيب: يأتي بركعتين ثانية وثالثة، يقرأ

стр. 819

في الثانية بأم القرآن وسورة، ولا يجلس لأنها ثالثة بنائه، ويقرأ في الثالثة بأم القرآن ويجلس لأنها آخر صلاته. انتهى. وبما فسرت به البناء والقضاء علم أنهما بمعنى المصدر، وبذلك فسر ابن عرفة وغيره، وفسرهما ابن عبد السلام بمعنى اسم المفعول. وعليه فالبناء ما فاته بعد الدخول مع الإمام: والقضاء ما فاته قبل الدخول مع الإمام. وبالله تعالى التوفيق. ولما أنهى الكلام على ما قصده من الشرطين المذكورين، شرع في الكلام على الثالث فقال:

стр. 820

فصل: في حكم ستر العورة وحدها، وصفة الساتر وما يتعلق بذلك، وهي في اللغة: الخلل في الثغر وغيره، وما يتوقع منه ضرر، ومنه عورة المكان، قال تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، أي خالية يتوقع الفساد فيها، ولذلك سميت السوءتان عورة لأنه بكشفهما يحصل خلل في حرمة مكشوفهما، والمرأة عورة لأنه يتوقع من رؤيتها أو سماع كلامها خلل في الدين والعرض والمروءة، لا من العورة بمعنى القبح لعدم تحققه في الجميلة من النساء لميل النفوس إليها. قاله الشيخ إبراهيم وافتتح المصنف الكلام بالاستفهام على لسان سائل سأل فقال: هل ستر بفتح السين هنا لأنه مصدر، وأما الستر بالكسر فهو ما يستتر به. قاله الشيخ بناني. وقوله: "ستر"، مبتدأ أضيف إلى مفعوله، وهو قوله: عورته أي المصلي المكلف، وأما الصبي إذا صلى بلا ساتر فإنه يعيد في الوقت، وإن صلى بلا وضوء فلأشهب يعيد أبدا أي ندبا، ولسحنون يعيد بالقرب لا بعد يومين وثلاثة. أبو الحسن: إنما قال أشهب يعيد أبدا ليلا تركن نفوسهم إلى التهاون بالصلاة. والفرق بين المسألتين أن الصلاة بدون ستر أخف منها بدون وضوء؛ لأن من عجز عن الستر يصلي عريانا، ومن عجز عن رفع الحدث والتيمم سقطت عنه الصلاة. بكثيف متعلق بمقدر وهو يكون أو كائن فهو ظرف مستقر حالا من ستر، وليس متعلقا به فيكون ظرفا لغوا، ليلا يوهم أن القول الثاني غير مقيد بالكثيف، أوأن معناه: أو ليس ستر عورته بكثيف بشرط وبغيره شرط. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وإن بإعارة أي ولو كان الستر حاصلا بإعارة من غير طلب ولزمه قبوله، ولو تحقق المنة، ويدل على هذا أنه لم يقل باستعارة أو طلب بشراء أو باستعارة ممن جهل بخلهم به لكل صلاة، وإن توهمه لا تحقق عدمه كما في طلب الماء في التيمم، ويجري فيه. "فالآيس أول المختار" الخ، وإنما قال المصنف: وإن بإعارة أو طلب لأنه مع ذلك قادر على الستر فيطلب به، وإن أعير لزمه القبول كالماء للتيمم (١). قاله في الذخيرة. أو نجس أي وإن كان الستر حاصلا بنجس كجلد خنزير

стр. 821

أو ميتة، وأحرى المتنجس، وأحرى أن يستتر بهما عن أعين الناس. ومحل وجوب استتاره بالنجس إن كان النجس وحده أي لم يوجد غيره. فإن وجد طاهرا يستتر به بطلت الصلاة بالنجس، والمتنجس كحرير تشبيه في الأمرين أي يستتر بالحرير إن لم يجد غيره طاهرا؛ لأن علة المنع وهو خوف الكبر والسرف منتفية مع الضرورة، فإن وجد ثوبا طاهرا غير الحرير لم يجز له أن يصلي بالحرير: وقيل: يقدم التعري على الحرير. وهو مقدم يعني أن الحرير مقدم على النجس والمتنجس، فمن لم يجد إلا حريرا أو نجسا أو متنجسا فإنه يلبس الحرير ويصلي به؛ لأنه لا منافاة بينه وبين الصلاة. وقال أصبغ: يقدم النجس لأن الحرير يمنع مطلقا، والنجس إنما يمنع في الصلاة، ويقدم المتنجس على النجس؛ لأن نجاسته عارضة، ولما قالوه فيمن أكره على الزنى بمحرمه أو أجنبية؛ من تقديم الأجنبية لأن حرمتها تزول بعقد صحيح بناء على تعلق الإكراه بالزنى. شرط خبر عن قوله: "ستر" إن ذكر في حال الصلاة أنه مكشوف العورة. وقدر أي قدر على الصلاة بساتر بأن وجد ما يستتر به حيث كان بحضرة الناس، بل وإن بخلوة أي انفراد عن الناس في ضوء أو ظلام. للصلاة متعلق بقوله شرط، "واللام" بمعنى. "في" كما في شرح الشيخ عبد الباقي، وقوله: للصلاة أي في صحة الصلاة فرضا أو نفلا. وأما ستر العورة عن أعين الناس فواجب إجماعا. كما قاله ابن عبد السلام. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "شرط" أي: هل الستر المذكور واجب وجوب شرط، أو هو واجب غير شرط؟ في ذلك خلاف فهو مبتدأ حذف خبره كما في نظائره ومعنى كلام المصنف من قوله: "هل ستر عورته" إلى قوله: خلاف أن أهل المذهب اختلفوا في حكم ستر عورة المكلف المغلظة في الصلاة، فمنهم من ذهب إلى أنه واجب وجوب شرط لكن مع الذكر والقدرة، فمن صلى بلا ساتر عامدا قادرا، أثم، وأعاد أبدا، وهذا هو الذي لابن عطاء الله، فإنه قال: والمعروف من المذهب أن ستر العورة المغلظة من واجبات الصلاة وشرط فيها مع العلم والقدرة، ومنهم من ذهب إلى أنه واجب وجوبا غير شرط. فمن صلى بلا ساتر عامدا قادرا أثم وصحت صلاته، وشهره في القبس، واختاره القاضي إسماعيل، والأبهري وابن بكير. وعلى كلا القولين فلا يكون إلا بكثيف. فالشاف كالعدم على كلا القولين؛ وهو الذي

стр. 822

تظهر البشرة تحته بلا تأمل، ويجب تحصيل الساتر الكثيف بشراء أو غيره كقبول إعارته أو طلبها، ويجب عليه الستر بالنجس إذا لم يجد غيره، وكذا المتنجس، وكذا يجب عليه الستر بالحرير للصلاة إذا لم يجد طاهرا غيره، ويقدم الحرير على النجس والمتنجس، ويقدم المتنجس على النجس، ولا فرق في وجوب الاستتار للصلاة بين أن يكون المصلي مع الناس أو منفردا عنهم، ولا فرق في ذلك أيضا بين أن يكون في ظلام وغيره. واللباس في الصلاة إن كان صفيقا لا يصف العورة فهو الذي تصح الصلاة به على وجه الكمال، فإن كانت البشرة تظهر منه بلا تأمل فكالعدم. كما مر. فيعيد معه أبدا، فإن أبداها بتأمل أعاد بالوقت، وكره وإن بغير صلاة كمحدد بلا ريح، بل لضيقه. أو لرقته. واعلم أن الراجح من القولين، القول الأول، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي ما يواري عوراتكم والمساجد الصلوات، أو الصلوات في المسجد، وقيل: نزلت ردا لما كانوا يفعلونه من الصلوات عراة. وفي الأمير: ووجب طلب الساتر لكل صلاة بإعارة أو معتاد شراء كالماء لا هبة. انتهى. وقيل: إن ستر العورة للصلاة سنة. وقيل: مندوب، ولا تصح إرادتهما هنا لأنهما لم يشهرا، وكشف بعض العورة ككشف كلها. واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في الصلاة، وأما الستر عن أعين الناس فواجب إجماعا. كما مر عن ابن عبد السلام. ومحله أيضا في العورة المغلظة، وقوله بعد: "وهي من رجل" الخ في العورة الشاملة للمغلظة والمخففة. والمغلظة من الرجل: السوءتان، وهما من المقدم: الذكر والأنثيان، ومن المؤخر: ما بين الأليتين، فلا يعيد لكشف فخذه. وظاهره ولو عمدا. ولا يعيد أيضا لكشف إحدى أليتيه، أو بعضهما، أو هما، أو لكشف عانته وما فوقها أبدا فيما يظهر، بل في الوقت. قاله بعضهم. ويبحث فيه بأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فالقياس أن يعيد أبدا لكشف أليتيه، أو إحداهما، أو عانته، ونحو ذلك. والمغلظة من مؤخر أمة: الأليتان، ومن مقدمها: فرجها وما والاه. كذا ينبغي بدليل ذكره أنها تعيد في الوقت لكشف الفخذ والفخذين، وينبغي أن تعيد أبدا لكشف بعض الأليتين، وما يعيد فيه الرجل بوقت. والمغلظة لحرة: بطنها، وساقاها، وما بينهما، وما حاذى ذلك خلفها، كما قد

стр. 823

يفيده قول ابن عرفة: إن بدا صدرها أو شعرها أو أقدامها (١) أعادت في الوقت، وإلا أبدا. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. ثم قال: ومثل الصدر الظهر في الإعادة في الوقت فيما يظهر من الالتذاذ به كصدرها عادة وكتفها، وأما المخففة: كالفخذ لأمة أو رجل، وكصدر وشعر وأطراف لحرة، فليست من محل الخلاف المذكور في المصنف، وإن كان يجب على الحرة الستر لذلك لصحة صلاتها مع كشف ذلك أو بعضه اختيارا. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وانظر قوله: بطنها وساقاها وما بينهما، وما حاذى ذلك خلفها فإنه يفيد أنها تعيد أبدا في كشف ما يقابل البطن من الظهر مع قوله، ومثل الصدر الظهر في الإعادة في الوقت فيما يظهر، والظاهر ما أفاده بقوله وما حاذى ذلك خلفها لقول ابن عرفة: إن بدا صدرها أو شعرها أو أقدامها (٢) أعادت في الوقت، وإلا أبدا. انتهى. تنبيهات: الأول: تقدم أنه ينبني على الخلاف المذكور أنه لو صلى مكشوف العورة عامدا قادرا يأثم، وتبطل على الشرطية، وأما إن كان عاجزا أو ناسيا، فإنه يعيد في الوقت، فلو سقط ساتره في الصلاة بطلت، ولو رده بالقرب واستخلف الإمام وخرج، فإن تمادى بطلت عليه وعليهم، وإن رده بالقرب عند سحنون وهو المشهور، بخلاف قول ابن القاسم: لا شيء عليه إن رده بالقرب، وإن أخذه بالبعد أعاد في الوقت. ابن رشد: هو على أن الستر سنة. انتهى. وفهم من كلام ابن رشد بالأحروية أنه يعيد في الوقت على أنه واجب غير شرط مع العجز والنسيان، وأنه على القول بأنه واجب غير شرط لو صلى مكشوفا مع العلم والقدرة لسقط عنه الفرض، وإن كان آثما عاصيا فلو صلى مكشوفا ناسيا أو عاجزا على هذا القول فإنه يعيد في الوقت لعدم تقييدهم لهذا القول بالذكر والقدرة، وليس معناه يجب الستر على العاجز والناسي، وإنما معناه يعيد في الوقت عامدا أو عاجزا أو ناسيا عدم الستر، بخلاف القول بالشرطية، فيعيد

стр. 824

أبدا مع الذكر والقدرة لا مع عدمهما ففي الوقت، ويفيد ذلك ما رد به قول المصنف: لا عاجز صلى عريانا. الثاني: قول المصنف: وإن بخلوة، رد بالمبالغة القول بالندب حيث كان خاليا عن أعين الناس، قال في بديع الشرمساحي: وإن كان في صلاة غير خال عن الناس فيجب الستر قولا واحدا، وإن كان خاليا. فحكى اللخمي قولين: الوجوب والاستحباب. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. قال: وبه تعلم أن إنكار الرماصي القول بالاستحباب، ودعواه أن ابن بشير لم ينقله إلا في الخلوة في غير الصلاة قصور. الثالث: قول ابن بشير: لا خلاف في الوجوب وإنما الخلاف في الشرطية: ضعفه ابن عطاء الله، وابن شأس، وابن عرفة. والقول بالسنة هو قول إسماعيل، وابن بكير، والأبهري. ونقله ابن محرز عن الأكثر. وأخذه ابن رشد من كلام ابن القاسم قاله القلشاني. واعلم أن الرماصي تعقب المصنف في تقييده الشرطية بالذكر والقدرة، بأنه تبع فيه ابن عطاء الله كما في التوضيح، ولم يقيده غيره بالذكر. قال: وهو الظاهر فيعيد الناسي أبدا، وقد صرح الجزولي بأنه شرط مع القدرة ذاكرا أو ناسيا وهو الجاري على قواعد المذهب. انتهى. باختصار قاله الشيخ محمد بن الحسن. ورد على الرماصي بما في الحطاب عن الطراز، ونصه: قال القاضي عبد الوهاب: اختلف أصحابنا هل ستر العورة من شرائط الصلاة مع الذكر والقدرة، أو فرض ليس بشرط في صحة الصلاة حتى إذا صلى مكشوفا مع العلم والقدرة يسقط عنه الفرض، وإن كان آثما عاصيا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وبه تعلم أن تعقبه على المؤلف وقوله: لم يقيده غيره، كل ذلك قصور. والله تعالى أعلم. انتهى. الرابع: قال الشيخ عبد الباقي: ودخل في قوله: "بكثيف"، الحشيش، وكذا الطين على أحد القولين، والآخر لا يستتر به إما لأنه يغلظ العورة بدون فائدة، وإما لأنه مظنة يبسه وتطايره عنها فتكشف، وهما إذا لم يجد غيره، كما يفيده ذكر الشارح لهما عند قوله: ومن عجز الخ. انتهى. وقوله: وهما إذا لم يجد غيره الخ، هذا صريح في التوضيح، ونصه: قال الطرطوشي في تعليقاته اختلف إذا لم يجد ما يستتر به إلا الطين، هل يتمعك به ويستتر أم لا؟ انتهى. قاله الشيخ

стр. 825

محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: ولا يجب بالطين على الظاهر من قولين؛ لأنه مظنة التساقط، ويكبر الجرم فهو كالعدم، بل بماء لمن فرضه الإيماء، وإلا فالركن مقدم. انتهى. الخامس: اعلم أن جلد الميتة يجوز لبسه اختيارا في غير الصلاة، كما يفيد ذلك قول المصنف: "ورخص فيه مطلقا" انظر حاشية الشيخ بناني. السادس: اعلم أن للشيخ عبد الباقي بحثا مع ابن رشد في قوله: إن قول ابن القاسم يعيد في الوقت إن رد الساتر بالبعد مبني على السنية وهو بحث ساقط. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. واعلم أن ما تقدم من أن الشاف الذي تظهر البشرة تحته بلا تأمل كالعدم، وما يصف لضيقه أو لرقته مكروه، هو الذي يظهر، وهو الصواب. لا أنه يعيد فيهما أبدا، ولا أنه يعيد فيهما في الوقت. ولما اختلفت عورة المصلي باختلاف أحواله من ذكورة وحرية وضديهما، أشار إلى ذلك بقوله: وهي من رجل يعني أن عورة الرجل بالنسبة للصلاة والنظر ما بين السرة والركبة، والغايتان خارجتان أي ليستا من العورة، والعورة شاملة هنا للمغلظة والمخففة. وقد مر تحديد المغلظة في الرجل بأنها من المقدم: الذكر والأنثيان، ومن المؤخر ما بين الأليتين، فإن قيل سيأتي أن المرأة ترى من الأجنبي ما يراه من محرمه. فالجواب أن المراد بما يأتي: بيان ما يباح لها أن تنظر من الأجنبي، وما يحرم عليها نظره منه، ولا يلزم أن يكون ذلك عورة منه لأنه لا يجب عليه أن يستره. هذا هو المتعين. وأما تقييد هذا بما يأتي فغير صحيح لما علمته. قاله الرماصي. نقله الشيخ محمد بن الحسن. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وهذا صريح في أن الرجل لا يجب عليه أن يستر ساقيه، ولا ما فوق سرته عن الأجنبية كركبتيه وسرته، ولكن لا يجوز لها هي أن ترى منه إلا الوجه والأطراف، وسيأتي بيان الأطراف إن شاء الله تعالى. وأمة يعني أن عورة الأمة بالنسبة للصلاة والنظر مع كل أحد، ما بين السرة والركبة، وهما؛ أي السرة والركبة ليستا من عورتها كالرجل كما مر، فهما مستويان في العورة إلا أنها هي تخالفه في المغلظة. كما مر: لأن عورتها المغلظة من المؤخر: الأليتان، ومن المقدم: فرجها، وما والاه. وسيأتي ما تراه الأجنبية من الرجل. واعلم أن السوأتين من الرجل عورة بلا خلاف، وأن ما فوق السرة وتحت الركبة منه ليس بعورة بلا

стр. 826

خلاف، واختلف فيما عدا ذلك، والذي تقتضيه نصوص أهل المذهب أنه يجب على الرجل أن يستر من سرته لركبتيه. وقال الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل: إن إظهار بعض الفخذ مكروه على المشهور. وقيل: حرام. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال الش: عورة الأمة القن أو من فيها شائبة حرية، من السرة إلى الركبة، ولا تدخلان، وقد اختلف في ذلك. وأما الرجل فاتفق على أن السوءتين منه عورة، واختلف فيما عداهما. فقيل: هي ما بين السرة والركبة، وإليه ذهب جمهور أصحابنا. قاله الباجي. وشهره مصنف الإرشاد. وقيل: السوءتان فقط، وقيل: السرة والركبة داخلتان فيها، وقيل: السوءتان والفخذان، وفي المقدمات: أنه لا خلاف أن فخذ الأمة عورة، وإنما اختلف في فخذ الرجل. وإن بشائبة يعني أن عورة الأمة؛ وهي ما بين السرة والركبة بالنسبة للصلاة، والرؤية لا فرق فيها بين القن، ومن فيها شائبة حرية، كمبعضة، ومكاتبة، وأم ولد، ومدبرة، ومعتقة لأجل، وما يأتي من أن أم الولد يندب لها ستر واجب على الحرة لا يرد على ذكر أم الولد هنا؛ لأن الكلام هنا فيما هو عورة يجب ستره. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "شائبة" من الشوب، وهو الخلط؛ أي اختلطت برقيتها حرية. وشمل قوله: "وإن بشائبة" المعتق بعضها. كما مر؛ لأن أحكام المبعض قبل العتق لبعضه الآخر، كالقن كما يأتي للمصنف، خلافا لقول القباب إنها كالحرة، وعليه رد المصنف بالمبالغة. والله تعالى أعلم. تنبيه: في الحطاب: أن رجلا حصل في شجرة عريانا، فحلف له آخر إنك لا تنزل إلا مستورا ولا يمد لك أحد ما تستتر به، فأفتى بعض فقهاء أهل ذلك الزمان أنه ينزل بالليل ولا حنث على الحالف، وتلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، وهذا على مراعاة الألفاظ في الأيمان بين، وعلى مراعاة العرف أو البساط أو النية على أصل ملك فلا بد من حنثه. والأول مذهب الحنفية فعلى هذا المذهب يحتمل أن لا إعادة عليه للصلاة؛ لأن الليل يستره والله تعالى أعلم. انتهى. ابن فرحون: إذا خشي من الأمة فتنة وجب الستر لدفعها، لا لأنه عورة. قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 827

وحرة مع امرأة يعني أن عورة الحرة بالنسبة للرؤية؛ أي رؤية امرأة لها حرة أو أمة ما بين السرة والركبة، وأما بالنسبة للصلاة فجميع بدنها؛ أي ما عدا الوجه والكفين، ولو صلت بحضرة مثلها وهذا مما أطبق عليه أهل المذهب كما في بناني ولا يلزم من ترك واجب بطلان الصلاة، بل منه ما يبطل ككشف بطنها ونحوه مما مر أنه يبطلها، ومنه ما لا يبطلها كصدرها وأكتافها. وظاهر قوله: "مع امرأة" ولو كافرة، خلافا لابن الحاج القائل: وأما الكافرة فالمسلمة معها كالأجنبية مع الرجل اتفاقا، فعورتها معها ما عدا الوجه والكفين إلا أن تكون أمة للمسلمة فكالمسلمة مع المسلمة. وأما الذمي فلا يجوز له أن يرى المسلمة بحال وينبغي إلا أن يكون عبدا لها فيكون كالأجنبي المسلم معها. وعلم مما مر أن العورة يجب سترها في الصلاة مخففة ومغلظة ولو صلى بحضرة مثله: لكن المغلظة يبطل ترك سترها. والمخففة لا يبطل ترك سترها وما ذكره المصنف من أن عورة الحرة مع المرأة بين السرة والركبة هو المشهور، وقيل: كالرجل مع محرمه، فترى المرأة من المرأة الوجه والأطراف فقط. وقيل: كالرجل مع الأجنبية فلا ترى المرأة من المرأة إلا الوجه والكفين إن أمنت الفتنة. قاله الشيخ ميارة. قال: ومقتضى كلام ابن الحاج أن الخلاف إنما هو في المسلمة مع المسلمة، وأما المسلمة مع الكافرة فكالأجنبية مع الرجل اتفاقا. انتهى. بين سرة وركبة هذا هو خبر المبتدأ، أعني قوله: وهي فهو راجع للمسائل الثلاث أي عورة الرجل وعورة الأمة. وعورة الحرة مع المرأة هي ما بين السرة والركبة، وقد علمت أن السرة والركبة ليستا من العورة في المسائل الثلاث على المشهور. واعلم أن بين من الظروف المتصرفة، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالرفع، وبقوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾، ولم يجعلوا تصرفها لغة قليلة، ومن تصرفها قولهم: بعيد بين المنكبين، ونقي بين الحاجبين. وأما كونها مبنية على الفتح فغير صحيح؛ إذ لا وجه لبنائها. تنبيه: لا يجوز له أن يمكن دلاكا يدلك له فخذه. ابن القطان: هو أشد من النظر إليه، وأما الضرب على الفخذ فاختار ابن القطان جوازه. والله تعالى أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال ابن عبد البر في التمهيد: قال ملك: السرة ليست بعورة وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. انتهى. قاله الحطاب. وفي الكافي: عورة الأمة كعورد الرجل إلا أنه يكره النظر إلى ما

стр. 828

تحت ثيابها لغير سيدها، وتأمل ثديها وصدرها وما يدعوا إلى الفتنة منها، ويستحب لها كشف رأسها. انتهى. قاله الحطاب. ومن لبس السراويل تحت السرة فقد ارتكب النهي فيما بين السرة إلى حد السراويل. أشار له الحطاب. ومع أجنبي غير الوجه والكفين يعني أن عورة الحرة بالنسبة لرؤية الأجنبي هي جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين حتى دلائلها (١) وقصتها وأما الوجه والكفان ظاهرهما وباطنهما فله رؤيتهما مكشوفين ولو شابة بلا عذر من شهادة أو طب، ومحل جواز رؤية الوجه والكفين إن لم يخش فتنة ولا قصد لذة وإلا حرم النظر لذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. ويجب عليها حينئذ ستر وجهها على المشهور، وقيل: لا يجب عليها وعلى الرجل غض بصره، وقيل: إن كانت جميلة وجب، وإلا استحب. انظر حاشية الشيخ بناني. واعلم أنه لا يجوز السفر مع العرب الذين لا يحجبون حريمهم حيث لا يمكن التحفظ من النظر المحرم ولم تدع ضرورة إلى السفر معهم، فإن دعت إليه ضرورة خوف الهلاك على نفسه أو ما يجحف به من ماله جاز السفر معهم، ويؤمر بالتحفظ جهده، ولا يجوز له أن ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه [من نسائهن (٢)]، وإن كان لا غرض له فيهن ولا يميل طبعه إليهن، ولا يجوز له أن يؤاكل النساء إلا زوجته أو ذات محرم إلا المتجالة منهن. على هذا يحمل ما وقع في الرواية عن مالك ﵁. وأما رفع الأحمال مع النساء، فإن دعت إليه ضرورة شديدة جاز، وإلا فلا. وبالله التوفيق. انتهى. من نوازل ابن هلال. وقوله: "ومع أجنبي غير الوجه والكفين"، في كلام بعضهم ما يدل على أنه إنما يباح النظر لوجه المتجالة دون الشابة إلا لعذر. وقوله: "ومع أجنبي"، معطوف على قوله: "مع امرأة". وفي شرح الشيخ عبد الباقي أنه يحرم النظر لأمرد كما للفاكهاني والقلشاني، كخلوة به وإن أمنت الفتنة. كما نقله زروق عن نص الشافعي وفي المواق

стр. 829

الكبير ما يفيده. وقال ابن الفاكهاني: مقتضى مذهبنا أن ذلك لا يحرم إلا بما يتضمنه، فإن غلبت السلامة فلا تحريم، ومذهب الشافعي أحسن. وفي الشيخ سالم: ابن القطان: لا يلزم غير الملتحي التنقب لكن ينهى الغلمان عن الزينة، وأجمع على حرمة النظر إليه بقصد اللذة وإمتاع البصر بحاسته، (١) وعلى جوازه بغير قصد اللذة، والناظر أَمِنَ من الفتنة وجنايةُ البصر صغيرة تكفرها الطاعات إن اجتنبت الكبائر. وقوله: "ومع أجنبي"، قال الشيخ عبد الباقي: مسلم، ولو عبدها فيما يظهر، ثم قال: وقولنا: مسلم، لإخراج كافر غير عبدها، فإن عورتها معه جميع جسدها حتى الوجه والكفين. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وعبدها الوخش كالمحرم في الرؤية، وفي الخلوة خلاف، والجميل كالأجنبي، وإن مجبوبا وعبد الزوج المجبوب كعبدها، فإن كان وخشا فكالمحرم، ومطلق الجس حرام ولو لغير العورة كوجه أجنبية؛ لأنه أشد من النظر، ويجوز في المحرم ففي صحيح البخاري: (أن الصديق قبل عائشة ﵄ (٢))، ونقل عن الشيخ سالم أن الحرمة في المتصل، وحرمت الشافعية المنفصل حتى قالوا: إن علم شعر عانة بعد حلقه، حرم النظر إليه. انتهى. وقوله: غير الوجه والكفين، قيل: والقدمين، قاله الحطاب. وأعادت لصدرها وأطرفها بوقت يعني أن الحرة إذا صلت مكشوفة الصدر كلا أو بعضا، أو مكشوفة الأطراف كلا أو بعضا عامدة أو جاهلة أو ناسية؛ فإنها تعيد في الوقت، وتعيد الظهرين للاصفرار، والعشاءين لطلوع الفجر، والصبح لطلوع الشمس، وتعيد لما فوق المنحر في الوقت المذكور كما أفاد ذلك المصنف بقوله إن تركتا القناع، وكذا كتفها فإنه كصدرها فيما يظهر، قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر أنها تعيد لكشف بطنها أبدا كفخذيها: خلافا لقول أشهب تعيد في البطن أو في الفخذين في الوقت. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. ومثل الحرة في إعادتها لكشف صدرها وأطرافها في الوقت، أم الولد. ابن غازي: المعيدون فيها؛ أي في المدونة في الوقت ثلاثون: عشرة

стр. 830

للاصفرار، وعشرة للغروب، وعشرة لآخر المختار، وقد كنت نظمت أصولهم في ثلاثة أبيات فقلت: لوقت الاصفرار في المدونة … طهران لبس قبلة مبينه ومطلق العذر إلى الغروب … كالعجز عن طهر وكالترتيب ولاختيار مقتد بمبتدع … ومطلق المسح ففصل تطلع أي فصل الطهرين لخمسة؛ وهي من توضأ بماء مختلف في نجالسته، ومن تيمم على موضع نجس، ومن صلى ومعه جلد ميتة ونحوه، ومن صلى بثوب نجس، ومن صلى على مكان نجس. وفصل اللبس بضم اللام، وهو اللباس لثلاثة وهي: الحرة إذا صلت بادية الشعر، أو الصدر، أو ظهور القدمين. ومن صلى بثوب حرير، ومن صلى بخاتم ذهب، وفصل القبلة لاثنين: من أخطأ القبلة، ومن صلى في الكعبة، أو في الحجر فريضة. فهذه عشرة. وفصل مطلق العذر لسبعة وهي: الكافر يسلم، والصبي يحتلم، والمرأة تحيض أو تطهر، والمصاب يفيق أو عكسه، والمسافر يقدم أو عكسه، ومن صلى في السفر أربعا، ومن عسر تحويله إلى القبلة. وفصل الترتيب إلى اثنين وهما من صلى وهو ذاكر لصلاة، وتارك ترتيب المفعولات إلى العاجز عن طهر الخبث كمن صلى بثوب نجس لا يجد غيره. فهذه عشرة. وفصل المسح لتسعة وهي: من تيمم إلى الكوعين، وناسي الماء في رحله، والخائف من سبع أو نحوه، والراجي، والموقن إذا تيمم أول الوقت، واليائس إذا وجد الماء الذي قدره، والمريض لا يجد مناولا، والماسح على ظهور الخفين دون بطونهما، والمستجمر بفحم ونحوه إلى المقتدي بالمبتدع. فهذه عشرة. فهذه ثلاثون. وإطلاق الإعادة على جميعهم تغليب؛ لأن ذوي الأعذار لا تتصور فيهم إعادة. والله أعلم. وفي عد اليائس إذا وجد الماء نظر لما قدمناه في التيمم عن المدونة من أن اليائس لا يعيد مطلقا، وقد بحث فيه الشيخ ميارة بذلك، انظر حاشية الشيخ بناني. وقوله: وتارك ترتيب المفعولات، قال الشيخ

стр. 831

ميارة: قلت أي الحاضرة الوقت مع يسير الفوائت كمن صلى الظهر والعصر، ثم تذكر فوائت يسيرة فإنه يصلي الفوائت ويعيد الظهر والعصر إلى الغروب. انتهى. ككشف أمة فخذا يعني أن الأمة تعيد في الوقت المذكور لكشف فخذ أو فخذين منها، وسواء في ذلك ذات الشائبة وغيرها، ويحرم النظر لفخذها ولو لغير شهوة. كما مر ما يفيده. وقوله: "فخذا" مفعول لكشف؛ وهو مصدر مضاف إلى فاعله. لا رجل يعني أن الرجل لا يعيد لكشف فخذه، ولا لكشف فخذيه. لا في الوقت، ولا في غيره ويحرم كشفه والنظر له، وشهر في المدخل كراهة النظر له، وقد مر أنه يحرم تمكين دلاك من الفخذ. قال الشيخ عبد الباقي: ظاهره حرمة تمكينه. ولو بحائل ككيس، وأولى في التحريم تدليكه أليتيه؛ لأن جس العورة أقوى من نظرها والمنع ولو كان الجس على ذي شيبة؛ لأن علة المنع ليست هي النظر أو الجس بشهوة، والنظر للعورة مستورة غير حرام، بخلاف جسها مستورة. وقال في الرسالة: الفخذ عورة وليس كالعورة نفسها. ابن عمر: الفخذ عورة خفيفة يجوز كشفها مع الخاصة: ولا يجوز في الجموع، (وقد كشفه النبي ﷺ مع أبي بكر وعمر وستره مع عثمان (١)). انتهى. وهذا دليل على أن عثمان عنده ﷺ ليس من الخاصة الذين يجوز كشفه بحضرتهم. قاله الأجهوري. قال عبد الباقي: وفيه نظر؛ إذ لم يأت ابن عمر بالفاء لتدل على جري الحكم الذي أفاده، وإنما أتى بالواو، فقال: وقد كشفه لقصد إفادة الحديث، وأن عثمان كالخاصة، ولكن غطاه لعلة؛ وهي استحياء الملائكة منه، فعن عائشة أنه ﵊ كان جالسا كاشفا عن فخذيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، فاستأذن عمر فأذن له وهو على حاله: ثم استأذن عثمان فأرخى ﵊ ثيابه. فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذنك عثمان أرخيت عليك ثيابك فقال يا عائشة: (ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه (٢))، رواه أحمد.

стр. 832

وسئل الحافظ السخاوي عن المواطن التي استحيت الملائكة فيها من عثمان، وقال: لم أقف عليه في حديث معتمد، ولكن لشيخنا البدر النسابة في بعض مجاميعه عن الحمال الكازوري (أنه ﷺ لما دخل (١) بين المهاجرين والأنصار بالمدينة في بيت أنس، وتقدم عثمان كذلك كان صدره مكشوفا، فتأخرت الملائكة منه فأمره النبي ﷺ بتغطية صدره، فعادوا إلى مكانهم، فسألهم النبي ﷺ عن سبب تأخيرهم (٢) فقالوا: حياء من عثمان))، قلت: وروى الطبراني في الكبير، وابن عساكر في تاريخه، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : (مر بي عثمان وعندي جيل من الملائكة فقالوا شهيد من الآدميين يقتله قومه إنا نستحيي منه (٣)). انتهى. من شرح مسلم للسنباطي. نقله الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: والظاهر أن النظر لفخذ الأمة حرام بلا نزاع. انتهى. ومع محرم غير الوجه والأطراف يعني أن عورة الحرة مع رجل محرم لها بنسب أو صهر أو رضاع، جميع جسدها ما عدا وجهَها وأطرافَها. والأطراف هي: الذراعان، والقدمان، وما فوق المنحر، والذراع من المرفق إلى طرف الأصابع. فليس له أن يرى منها غير ما ذكر من الوجه والأطراف، وأما الوجه والأطراف فله أن يراها. وفي الشبراخيتي ما نصه: قال الحطاب: ولا يجوز ترداد النظر وإدامته إلى امرأة شابة من محارمه أو غيرهن إلا عند الحاجة إليه والضرورة في الشهادة ونحوها، وعليه فيقيد كلام المصنف بغير ترداد النظر وإدامته، ومفهوم الشابة أنه يجوز ذلك في المتجالة. وعلم مما مر أنه ليس للرجل أن يرى ثدي محرمه، ولا صدرها، ولا ساقها ولا عضدها. بخلاف شعرها. كما مر. القرافي: لا بأس أن ينظر الرجل شعر أم زوجته، ولا ينبغي إن قدم من سفر أن تعانقه وإن كانت عجوزا. قاله أحمد. وقوله: "غير الوجه والأطراف"، يقيد

стр. 833

جواز نظره للوجه والأطراف بغير شهوة، وإلا حرم في بنته وأمه وغيرهما من محارمه. وفي الحطاب: وقال ابن عبد البر في التمهيد: وجائز أن ينظر إلى الوجه والكفين منها لغير ريبة ولا مكروه. انتهى. وفي الحطاب أيضا: وأما النظر للشهوة فحرام تأملها فوق ثيابها لشهوة، فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة. انتهى. وفي الموطإ قال مالك: ليس على الرجل أن ينظر إلى شعر امرأة ابنه، أو شعر أم امرأته (١). الباجي: قول مالك ﵀: ليس على الرجل إلى آخره، يريد -والله أعلم- على الوجه المباح من نظره إلى ذوات محارمه كأمه وأخته وابنته، ولا خلاف في ذلك، كما أنه لا خلاف في منعه على وجه الالتذاذ والاستمتاع. والله أعلم. انتهى قاله الإمام الحطاب. ونقل الأبي: وكل ما أبيح النظر إليه من جميع ما تقدم فإنما هو لغير شهوة، وأما مع الشهوة فيمتنع حتى نظر الرجل إلى ابنته وأمه، وكل ما منع النظر إليه من جميع ما تقدم فإنما هو لغير الحاجة، فإن كان لحاجة، جاز. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقال في جامع الكافي ولا بأس أن ينظر إلى وجه أم امرأته وشعرها وكفيها، وكذلك زوجة أبيه وزوجة ابنه، ولا ينظر منهن إلى معصم ولا ساق ولا جسد، ولا يجوز ترداد النظر وإدامته إلى امرأة شابة من ذوي المحارم أو غيرهن إلا عند الحاجة إليه والضرورة في الشهادة ونحوها. وإنما يباح النظر إلى القواعد التي لا يرجون نكاحا والسلامة من ذلك أفضل. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه يعني أن المرأة حرة أو أمة يجوز لها أن ترى من الرجل الأجنبي وجهه وأطرافه، وذلك هو الذي يسوغ للرجل أن ينظره من محارمه. وقد تقدم أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وحينئذ فلا يجب على الرجل أن يستر إلا ما بين السرة والركبة، ويحرم على المرأة أن تنظر منه ما عدا وجهه وأطرافه، وأما الوجه منه والأطراف فلا يحرم عليها نظرها حرة أو أمة. وعلم من هذا أن قوله: "وترى من الأجنبي"، ليس مخصصا لقوله: وهي من رجل الخ؛ لأنه لا يلزم من عدم جواز نظر الأجنبية لغير الوجه والأطراف أن يكون ما عداهما

стр. 834

عورة، بل عورته إنما هي ما بين سرته وركبته. والله أعلم. فالأمة ترى من الأجنبي الوجه والأطراف فقط لا غير، ويرى هو منها ما عدا ما بين السرة والركبة. وقال ابن رشد في سماع أصبغ: اختلف في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة فلا يجوز لها أن تنظر منه إلا ما يجوز للرجل أن ينظره من المرأة: والصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه. قاله الإمام الحطاب. واعلم أن الحجاب على ضربين: حجاب عن الأبصار مباشر للذات، فلا يجوز للأجنبي مباشرته؛ لأن مباشرته مباشرة للمرأة، وحجاب للذات مفارق لها منفصل عنها، فهذا سائغ للأجنبيين مباشرته للضرورة في ذلك إذا كان فيهم أهلية ومعرفة، كما كان الأهلية في الحاملين لهودج السيدة عائشة ﵂ المذكور في حديث الإفك. انظر العميري على العمليات الفاسية. ومن المحرم كرجل مع مثله، يعني أن المرأة يجوز لها أن ترى من الرجل المحرم بنسب أو رضاع أو صهر ما يجوز للرجل أن يراه من الرجل؛ وهو ما عدا ما بين السرة والركبة كما مر، وسواء كان هذا الرجل المحرم مسلما أو كافرا، وهذا تكرار مع بعض مفردات ما مر من قوله: وهي من رجل الخ ولما قدم تحديد عورة الأمة الواجب سترها، أشار إلى حكم ما عداها بقوله: ولا تطلب أمة بتغطية رأس، يعني أن الأمة لا تطلب بتغطية رأسها لا وجوبا ولا ندبا، بل يندب لها أن لا تغطيه وكان عمر ﵁ يضرب من تغطي منهن رأسها ليلا يتشبهن بالحرائر. وقد تقدم أنه إذا خشي منها الفتنة، وجب الستر لدفعها لا لأنه عورة. وقوله: ولا تطلب أمة؛ يعني وإن بشائبة ما عدا أم الولد، ويلزم الإماء بهيئة من اللباس يعرفن بها من الحرائر. وقال عياض: الصواب كشفُ رأسها بغير صلاة، ونَدْبُ تغطيتِها بها، قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وفي المدونة: وللأمة، ومن لم تلد من السراري، والمكاتبة، والمدبرة، والمعتق بعضها: الصلاةُ بغير قناع، ولا يصلين إلا بثوب يستر جميع الجسد. انتهى. وما ذكره في الكتاب خلاف قول الجلاب، والمكاتبة بمنزلة أم الولد، ومثله ابن عبد البر، وقوله: لا يصلين إلا بثوب يستر جميع الجسد، هو المطلوب. انتهى قاله الإمام الحطاب. وسئل إمامنا مالك: أتكره أن تخرج جارية

стр. 835

متجردة؟ قال: نعم، وأضربها على ذلك. قال محمد بن رشد: يريد متجردة مكشوفة الظهر أو البطن، وأما خروجها مكشوفة الرأس فهو سنتها ليلا تتشبه بالحرائر اللواتي أمرهن الله بالحجاب. قال في الواضحة: وما رأيت بالمدينة أمة تخرج، وإن كانت رائعة إلا وهي مكشوفة الرأس في ضفائرها أو في شعر محمم لا تلقي على رأسها جلبابا لتعرف الأمة من الحرة، إلا أن ذلك لا ينبغي اليوم لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت اليوم جارية رائعة مكشوفة الرأس في الأسواق والأزقة لوجب على الإمام أن يمنع من ذلك، ويلزم الإماء من الهيئة في لباسهن ما يعرفن به من الحرائر. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وفي التوضيح: واعلم أنه إذا خشي من الأمة الفتنة، وجب الستر لخوف الفتنة لا لأنه عورة. انتهى ومنع عمر ﵁ الإماء من لبس الإزار، وقال لابنه: ألم أخبر أن جاريتك خرجت في الإزار وتشبهت بالحرائر؟ ولو لقيتها لأوجعتها ضربا. قاله في الذخيرة. وذلك لأنه جرت عادة السفهاء بالتعرض للإماء دون الحرائر، فخشي ﵁ من تشبههن بالحرائر تعرض السفهاء للحرائر ذوات الجلالة فتكون المفسدة أعظم: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي يتميزن بعلاماتهن من غيرهن. انتهى. نقله الشيخ إبراهيم. ومعنى قوله: أدنى الخ؛ أي أقرب لمعرفتهن بسبب نميزهن بالعلامات، فلا يؤذين بالتعرض لهن. وندب سترها بخلوة؛ يعني أنه يندب في غير الصلاة ستر العورة المغلظة لمن هو منفرد عن الناس، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وكره تجرد لغير حاجة، حياء من الملائكة، وأما المخففة كالفخذين، فلا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: وندب بغير صلاة ستر السوءتين وما قاربهما بخلوة من كل أحد، وقيل: المغلظة على اختلافها، وقيل: السوءتان فقط. وفي الحطاب: قال الشيخ أحمد زروق: حكى ابن القطان في نظر الإنسان عورته من غير ضرورة قولين: بالكراهة، والتحريم. قال الترمذي الحكيم: ومن داوم على ذلك ابتلي بالزنى. انتهى. كلام الشيخ زروق. والذي رأيته في أحكام ابن القطان إنما هو قول عن بعض العلماء بالكراهة، وردَّه، وكذلك اختصره القباب. انتهى. كلام الحطاب. وفي الشبراخيتي: وأما نظر المرء إلى عورة نفسه خارج الصلاة، فقال ابن القطان: كرهه بعض الفقهاء، ولا معنى له، ولعله أراد أنه ليس من المروءة،

стр. 836

وإلا فلا مانع من جهة الشرع انتهى. وأما ستر العورة في الصلاة فقد مر أنه واجب في الخلوة وغيرها، وقوله: "وندب سترها بخلوة"، وقيل: بالوجوب، حكى القولين ابن بشير واستظهر الوجوب لقوله ﷺ : (إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله (١)). انظر التوضيح. ولأم ولد؛ يعني أنه يندب لأم الولد دون غيرها من ذوات الشائبة إذا كانت تصلي أن تستر جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين، وهو الستر الواجب على الحرة البالغة في الصلاة، وقوله: "ستر"، واجب على الحرة، أي الستر الزائد على القدر المشترك فيه، فإن أم الولد يجب عليها ستر ما بين السرة والركبة. وصغيرة؛ يعني أنه يندب للحرة الصغيرة أي التي تؤمر بالصلاة كبنت سبع فأكثر إذا كانت تصلي، أن تستر جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين: وهو الستر الواجب على الحرة البالغة في الصلاة، وقوله: "وصغيرة" قال الشيخ عبد الباقي: وصغير، قال الشيخ محمد بن الحسن: ذكره الصغير هنا سهو. كما هو ظاهر. انتهى. وبما قررت علم أن قوله ستر واجب على الحرة راجع لأم الولد، والصغيرة التي تؤمر بالصلاة، وقوله: "ستر"، عطف على نائب ندب، ويقدر بعده مجرور أي في الصلاة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي وقوله: "واجب"، صفة لقوله: "ستر". وأعادت إن راهقت؛ يعني أن الصغيرة الحرة إذا تركت القناع في الصلاة، بأن صلت بادية الشعر فإنها تعيد الظهرين. للاصفرار، والعشاءين للفجر، والصبح لطلوع الشمس، وهذا إذا تركته وهي مراهقة، فإن لم تكن مراهقة فلا إعادة عليها اتفاقا. قال الرجراجي: وأما الحرائر غير البوالغ فلا تخلو من أن تكون مراهقة أو غير مراهقة، فإن كانت مراهقة فصلت بغير قناع، أو كان الصبي عريانا، فهل عليهما الإعادة في الوقت أم لا؟ قولان: أحدهما الإعادة، وهو لأشهب، والثاني: لا إعادة، وهو لسحنون. وأما غير المراهق منهم كابن ثمان سنين فلا خلاف في المذهب أنها تؤمر بأن

стр. 837

تستر من نفسها ما تستره البالغة، ولا إعادة عليها إن صلت مكشوفة الرأس، أو بادية الصدر انتهى قاله الشيخ محمد بن الحسن وقال: ويكفي هذا شاهدا للمصنف. انتهى. فينتفي عنه اعتراض الرماصي بأن القائل بالإعادة هنا هو أشهب؛ وهو مصرح بأن من تؤمر بالصلاة تعيد في الوقت. انتهى. ومعنى راهقت قاربت البلوغ كبنت إحدى عشرة سنة. ككبيرة، يعني أن الكبيرة أي البالغة حرة أوأم ولد إن تركت القناع في الصلاة بأن صلت وهي بادية الشعر فإنها تعيد الظهرين للاصفرار، والعشاءين لطلوع الفجر، والصبح لطلوع الشمس. وبما قررت علم أن قوله إن تركا. أي الشخصان المراهقة والبالغة. القناع شرط قوله: "وأعادت"، فهو راجع للمراهقة والبالغة حرة أو أم ولد. والله سبحانه أعلم. ولم تعد كل منهما في الاصفرار، لأنه لا تصلى نافلة في الاصفرار وصلاة ذي العذر فرض فكانت للغروب. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وأعادت إن راهقت، ولو صلت عريانة لكانت كالصبي يصلي عريانا. وقد مر أنه يعيد في الوقت كمصل بحرير تشبيه في الإعادة في الوقت؛ يعني أن من صلى بحرير لابسا له، وكذلك من صلى بخاتم ذهب لابسا له، يعيد الظهرين للاصفرار، والعشاءين لطلوع الفجر، والصبح لطلوع الشمس. ولو صلى حاملا لما ذكر من الحرير وخاتم المذهب غير لابس له فإنه لا إعادة عليه. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن انفرد؛ يعني أن من صلى لابسا للحرير يعيد في الوقت كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن ينفرد الحرير بأن لا يوجد غيره، وبين أن يكون الحرير موجودا عنده هو وغير الحرير، خلافا لأصبغ القائل إنه لا يعيد إذا صلى بالحرير عادما غيره. وعلى هذا فما قبل المبالغة حيث صلى بالحرير واجدا له ولغيره، وما بعدها حيث صلى بالحرير عادما غير الحرير، ويحتمل المصنف أن معناه وإن انفرد باللبس مع وجود غيره؛ أي إنما استتر في الصلاة بالحرير فقط مع وجود غير الحرير، خلافا لابن حبيب القائل: إذا صلى فيه وحده مع وجود غيره يعيد أبدا، وعلى هذا فما قبل المبالغة حيث صلى بالحرير وغيره، وما بعدها حيث صلى في الحرير وحده مع وجود غيره. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ إبراهيم. والاحتمالان صحيحان؛ لأن الخلاف موجود في المسألتين. أو بنجس. يعني أن من صلى بنجس أو متنجس لابسا له أو حاملا له يعيد الظهرين للاصفرار،

стр. 838

والعشاءين للفجر، والصبح للطلوع. وقوله: "بغير" متعلق بيعيد المدلول عليه بالتشبيه، والضمير المقدر راجع لما ذكر من الحرير والنجس؛ يعني أن من صلى لابسا للحرير إنعا يعيد في الوقت بغير الحرير؛ أي إنما يعيد بطاهر غير الحرير صلى بالحرير اختيارا مع وجود غيره، أو صلى به اضطرارا لا مع وجود غيره، وكذلك من صلى بنجس أو متنجس فإنه يعيد بغير متنجس ولا نجس، وكذا لا يعيد بالحرير من صلى بمتنجس أو نجس، وكذا من صلى بالحرير لا يعيد بنجس ولا متنجس. كما صرح به الشبراخيتي قائلا: كما نص عليه سحنون. أو بوجود مطهر راجع للنجس؛ يعني أن من صلى بالنجس أو المتنجس يعيد في الوقت إن وجد طهورا واتسع الوقت وأمكنه التطهير وَطَهَّر، وبالغ على الإعادة بقوله: وإن ظن عدم صلاته وصلى بطاهر؛ يعني أن من صلى بنجس أو متنجس أو حرير فإنه يعيد في الوقت بطاهر غير الحرير. كما مر. ولا فرق في ذلك بين من لم تحصل منه إعادة لها أصلا، وبين من أعادها بطاهر، لكنه ظن أنه لم يصل أصلا بأن نسيها فصلاها بطاهر غير حرير؛ لأن هذه الثانية لم يوقعها جابرا بها الأولى. ألا عاجز صلى عريانا، قوله: "لا عاجز"، بالجر، عطف على "مصل"؛ يعني أن من عجز عن الستر بطاهر أو نجس أو حرير وصلى عريانا، ثم وجد ما يستتر به لا إعادة عليه في وقت، ولا في غيره عند ابن القاسم. ولم يحك ابن رشد غيره، وقال المازري: المذهب أنه يعيد في الوقت. ابن عرفة: وتبعوه، وبحث بعضهم في كلام ابن عرفة بأن أتباع المازري هم: ابن بشير، وابن شأس، وابن الحاجب. وفي كتاب الشيخ الأمير ترجيح ما للمازري، وتضعيف ما مشى عليه المصنف. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: ولا يخفى قوة ما للمصنف لكونه قول ابن القالم، ولم يحك ابن رشد غيره. فهذا يعادل قول المازري. انتهى. وقوله: "لا عاجز صلى عريانا"، مالك: يصلي قائما يركع ويسجد ولا يومئ. كفائتة تشبيه في عدم الإعادة؛ يعني أن من صلى فائتة ثم تبين أنه صلاها بنجس أو حرير لا يعيدها إن وجد غير ما ذكر؛ لأن كل ما تعاد منه الحاضرة في الوقت لا تعاد منه الفائتة لانقضاء وقتها، ولا تعاد منه النافلة أيضا.

стр. 839

وكره محدد؛ يعني أن المحدد أي الواصف للعورة لرقته أو إحاطته بها كحزام بالزاي وسراويل، يكره في الصلاة وخارجها. فقد كره مالك السراويل دون قميص، ولو تردى على ذلك رداء. وقال: ما السراويل من لباس الناس، وإن الحياء من الإيمان. ابن رشد: لأن الرداء على السراويل دون قميص مما يستقبح من الهيئات في اللباس، ولا يفعله إلا ضعفة الناس، قاله الشيخ عبد الباقي. لا بريح. يعني أنه إذا وصف الثوب العورة بسبب ريح فإنه لا يكره، ومثل الريح البلل، وكذا إن كان المحدد مئزرا كبردة؛ وهي الملحفة أو حرام بالراء المهملة ينضم بجميعه به حتى يصير تحديدا للعورة، لكن دون تحديد السراويل، كما قال القرافي: لكون جزنه على الكتف، فلا يكره لكونه من زي العرب، ويحتاجون إليه بخلاف السراويل فإنه من زي العجم، ويمكن تغطيته بثوب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي تدل عليه عبارة ابن يونس والجلاب وغيرهما أن المئزر غير محدد، ولذا كان غير مكروه: فالسراويل فيه علتان: التحديد، وكونه من زي العجم. والمئزر انتفى منه الأمران. ثم قال: على أن أبا الحسن اختار كراهة الصلاة بالإزار وعللها بكون كتفيه ليس عليهما شيء، لا بالتحديد لعدمه أو قلته ونقل ابن عرفة الكراهة عن ابن حارث، ولم يعترضها. انتهى. وانتقاب امرأة، يعني أنه يكره للمرأة الانتقاب في الصلاة؛ وهو تغطية الوجه بالنقاب وأولى الرجل. وعبارة الأمير: وكره في صلاة انتقاب وتلثم وإن لامرأة أو اعتيد. انتهى. وبما قررت علم أن الانتقاب في الصلاة مكروه، جعل لأجلها، أم لا. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. ككفت كم. يعني أن كفت الكم لأجل الصلاة؛ أي تشمير مكروه، وأحرى تشمير الذيل عن الساق. كما في الشامل. قاله الشيخ عبد الباقي. وشعر؛ يعني أنه يكره كفت الشر لأجل الصلاة أي ضمه، وإذا فسر الكفت بالضم تسلط على المعمولين، وفي الحديث: (إذا سجد الإنسان فسجد معه شعره كتب له بكل شعرة حسنة)). وبما قررت علم أن اللام في قوله: لصلاة بالتنكير للتعليل، وأن قوله: "لصلاة" راجع للأمرين بعد

стр. 840

الكاف، فيفيد أن محل الكراهة حيث جعل ذلك لأجل الصلاة لما في ذلك من ترك الخشوع والتذلل، فلو فعله لغيرها كشغل، ثم حضرت الصلاة وهو على تلك الحالة لم يكره، لكن الأكمل إرساله، ثم عدم الكراهة سواء عاد لشغله أم لا، وحمله الشبيبي على ما إذا عاد لشغله، وصوبه ابن ناجي. قاله العلامة بناني. وعلم أيضا مما قررت أن قوله: "لصلاة"، لا يرجع لقوله: "وانتقاب"؛ لأن النقل يدل على أنه هو والتلثم مكروهان في الصلاة جعلا لها أم لا. وهذا الذي قررت به كلام المصنف من أن اللام في قوله: "لصلاة"، تعليلية فلا يكره ذلك إن لم يكن لأجل الصلاة هو الذي يفيده ابن يونس، فقد قال: إن النهي عنه إنما هو إذا قصد به الصلاة، وما لابن يونس هو ظاهر المدونة. كما قاله ابن عرفة. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني ويحتمل أن تكون "اللام" بمعنى: في، فيرجع قوله لصلاة للانتقاب، وما بعد الكاف. ففي الحطاب عن الشيخ زروق أن المشهور كراهة كفت الكم والشعر في الصلاة لغير شغل كان لأجلها أم لا. انتهى. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب: ومن الكمال حل الشعر إن كان معقوصا: وإرسال الثياب إن كانت مشمرة انتهى. نقله عن ابن الفاكهاني على الرسالة، قال: وقال في شرح الرسالة في قوله: ويكره أن يصلي بثوب ما نصه: يريدَ والله تعالى أعلم أنه يكره أن يصلي ولحم كتفيه بارز مع المقدرة على ما يستتر به من اللباس. انتهى. ويكره شد الوسط للصلاة. ذكره في الإرشاد، وغيره. قاله الإمام الحطاب. وتلثم، يعني أنه يكره التلثم في الصلاة للرجل والمرأة، وهو تغطية الشفة السفلى. كما في الصباح، وفي النهاية أنه سد الفم باللثام والنقاب ما يصل إلى العيون. انتهى. وقد تقدم أن الانتقاب والتلثم مكروهان في الصلاة فعلا لأجلها أم لا، وقد مر قول الأمير: وكره انتقاب وتلثم وإن لامرأة أو اعتيد، وقال الشيخ زروق: يمنع تلثم لكبر ونحوه، وكره لغير ذلك إلا أن يكون ذلك شأنه كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فاستمر عليه. انتهى. ابن عرفة: استحب ابن رشد تلثم المرابطين لأنه زيهم، وهم حماة الدين، ويستحب تركه في الصلاة لغيرهم، ومن صلى به منهم فلا

стр. 841

حرج. قال بعضهم: (نهى النبي ﷺ العرب عن التشبه بالعجم)). ولم يأت أنه نهى وفد قوم من العجم عن زيهم، وندبهم إلى زي العرب، وليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، والأصل في الأشياء الإباحة حتى يثبت النهي. وسئل إمامنا مالك ﵁ من الصلاة في البرانس؟ فقال: هي من لباس المصلين، وكانت من لباس الناس في القديم، وما أرى بها بأسا، واستحسن لباسها ابن رشد ولا تجوز الصلاة بها وحدها؛ لأن العورة تبدو من أمامه، وهذا في البرانس العربية، وأما العجمية فلا خير في لباسها في الصلاة، ولا في غيرها. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ابن حبيب: يحرم لبس البرانس التي من زي النصارى، ويؤدب لابسها، وعليه الإثم والفدية إن لبسها وهو محرم. قاله الإمام الحطاب. والبرنس بضم الباء والنون: كل ثوب رأسه منه درعا أو جبة أو غيرهما، ومما وافق الجاهلية، ولم يرد نهي شرعنا عنه، وصلة الناس أرحامهم في المباحات في النيروز. (وقد حفر النبي ﷺ الخندق ولم تكن العرب تعرفه)، ومدح قسي العجم، وقال: (هم أقوى منكم رمية)، قال مالك: ولقد سمعت عبد الله بن أبي بكر: وكان من عباد الناس ومن أهل الفضل ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان: برنس يغدو به، وخميصة يروح بها. ولقد رأيت الناس يلبسون البرانس، فقيل له: ما كان ألوانها؟ قال: صفر. ابن رشد: البرانس: ثياب مِتان في شكل الغفائر عندنا مفتوحة من أمام تلبس على الثياب في المطر والبرد مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو إزار أو سراويل؛ لأن العورة تبدو من أمامه، والخمائص: أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف فيها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب. ككشف مشتر صدرا أو ساقا. يعني أنه يكره لرجل مريد شراء أمة أن يكشف منها صدرا أو ساقا أو معصما. خشية تلذذه، وإن جاز النظر للأمة، ما عدا ما بين سرتها وركبتها. كما مر. ابن القاسم: وإنما ينظر الوجه والكف ونحوهما كخطبة الحرة. وروي عنه ينظر ما عدا الفرج، وأما جس ما ذكر باليد عند الشراء فحرام. وذكر الشيخ محمد بن الحسن من النقول ما يفيد أن المشهور خلاف ما للمصنف من جواز ما ذكر، وأن القول بالكراهة مقابل للمشهور. قال: والتعليل بأن أفعال العقلاء تصان عن العبث، يقال عليه نعم، لكن لا عبث هنا؛ لأنه يقلب للشراء.

стр. 842

والأصل في فعل المسلم عدم المعصية، والغالب هو قصد التقليب لا قصد التلذذ. وفي بعض النسخ مسدل، يقال: سدل شعره يسدله ويسدله وأسدله: أرخاه، وفي بعض النسخ مستر، قال الشيخ إبراهيم: بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر التاء، والمعنى أنه يكره للمستر أن يكشف صدره أو ساقه في الصلاة. انتهى. وصماء؛ يعني أن لبسة الصماء بالفتح وشد الميم والمد مكروهة في الصلاة. بستر؛ يعني أن محل كراهة الصماء في الصلاة إذا كان معها ساتر، وإنما كرهت مع الساتر؛ لأنه يبدو معها جنبه فهو كمن صلى بثوب ليس على أكتافه منه شيء؛ لأن كشف البعض ككشف الكل والصماء أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه مخرجا إحدى يديه من تحته، وأما التوشيح وهو أخذ أحد طرفيه من تحت يده اليمنى ليضعه على كتفه اليسرى، وأخذ الطرف الآخر من تحت اليسرى ليضعه على كتفه اليمنى، فإنه جائز. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب: عن البوني في شرح الموطإ: هو أن يلتحف بالثوب، ويخالف بين طرفيه، ويعقده في عنقه. انتهى. والستر بالكسر والضم: ما يستتر به، وبالفتح مصدر ستر كقتل. وإلا؛ أي وإن لم تكن الصماء معها ساتر. منعت لحصول كشف العورة أو خوفه، وكره اضطباع وهو أن يرتدي بثوب ويجعل يده اليمنى من فوق طرفه، فالمسائل ثلاث: توشيح جائز كما تقدم، وصماء، واضطباع مكروهان بساتر ممنوعان بغيره. كاحتباء لا ستر معه؛ يعني أن الاحتباء الذي لا ستر معه يمنع في غير الصلاة، وفيها في بعض أفعالها كحالة التشهد، ويجوز مع الستر في الصلاة وغيرها. وبما قررت علم أن التشبيه في قوله: "كاحتباء" الخ، في المنع. وقال الإمام مالك: إذا مد المصلي قاعدا رجليه طالبا للراحة أرجو أن يكون خفيفا. اللخمي: وليس يحسن مع الاختيار. ابن حبيب: وله مد إحدى رجليه إن أعيا، وكان سعيد بن جبير يصلي قاعدا محتبيا، فإذا بقي عليه عشر آيات قام فقرأ وركع. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي المدونة: ولا بأس أن يصلي محلول الأزرار وليس عليه سراويل ولا مئزر، وهو أستر من الذي يصلي متوشحا بثوب، ومن صلى بسراويل أو متَّزرا وهو قادر على الثياب لم يعد في وقت ولا غيره. والأزرار جمع زر، وهي:

стр. 843

الأقفال التي يقفل بها الثوب من ناحية الصدر. أبو محمد: صحيح (١) هذا إذا كان مستور العورة. وعصى وصحت إن لبس حريرا؛ يعني أن من صلى بلباس من حرير خالص تصح صلاته، ولكنه عصى الله تعالى بلبس الحرير إن كان ذكرا بالغا، وكذا لو جلس عليه لحرمة لبسه بغير الصلاة على بالغ: والتحاف به وركوب وجلوس عليه ولو بحائل. ابن عرفة: وإجازة ابن الماجشون افتراشه والاتكاء عليه خلاف قول مالك بالمنع؛ أي ولو تبعا لزوجته، فقول ابن العربي: يجوز للزوج الجلوس عليه تبعا لزوجته لا أعرفه. وابن العربي: حجة حافظ. وقد نقل صاحب المدخل عن شيخه ابن أبي جمرة وناهيك بهما في الورع والتشديد أنه لا يجوز له افتراشه إلا تبعا لزوجته، ولا يدخل الفراش إلا بعد دخولها له، ولا يقيم فيه بعدها ولو قامت لضرورة ثم ترجع، بل ينتقل حتى ترجع، وإن قامت عنه وهو نائم فتوقظه أو تزيله عنه، ويجب عليه أن يعَلِّمها ذلك. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله وابن العربي: حجة حافظ الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو مع كونه حجة حافظا، شأنه أن يدخل في كتابه أقاويل ومسائل من غير المذهب. كما قاله في التوضيح قبيل الرعاف. انتهى. ويمنع لبس الحرير لحكة أو في جهاد على المشهور، خلافا لابن حبيب في الأول، ولابن الماجشون في الثاني، وأجازه في الجهاد جماعة من الصحابة والتابعين. ومحل منعه لحكة إن لم يتعين طريقا للدواء، وإلا جاز كتعليقه ستورا من غير مسه فإنه جائز، ولو منع ذلك لمنع دخول الكعبة؛ لأن سقفها مكسو بالحرير. قاله الإمام الحطاب. ويجوز اتخاذ الراية منه بلا خلاف، قال ابن عرفة: وأجاز الكل خيط العلم، والخياطة به، وجوز بعض أصحاب المازري الطوق واللبة؛ وهي قبة من حرير تجعل في الثوب كالرقعة. ابن حبيب: لا يجوز جيب ولا زر. انتهى. وفي التتائي على الرسالة: واختلف في العلم في الثوب، فروى ابن حبيب لا بأس به، وإن عظم. وقيل: ينهى عنه كراهة، واختلف في مقداره، فقيل: أربع أصابع، وقيل: ثلاثة، وقيل: إصبعان، وقيل: إصبع. قال ابن القاسم: ولم يجز مالك إلا الخط الرقيق، أي دون الإصبع فإنه

стр. 844

جائز اتفاقا. وروي عنه ﷺ : (من إصبعين إلى أربع (١)). ابن حبيب: ولا يستعمل ما بطن بالحرير أو حشي أو رقم به. قال القاضي أبو الوليد: يريد إذا كان كثيرا هذا حكم خالص الحرير، وأما الخز وهو ما سداه حرير، ولحمته وبر، وما في معناه مما لحمته قطن أو كتان، فقال ابن رشد: أظهر الأقوال وأولاها بالصواب أن لبسها مكروه يؤجر على تركه ولا يأثم في فعله؛ لأنه من المشتبهات المتكافئة أدلة حلها وحرمتها التي قال فيها رسول الله ﷺ : (من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه (٢))، وعليه يأتي ما روي من لباس ملك كساء إبريسيم كساه إياه هارون الرشيد. والإبريسيم: ما سداه حرير، ولحمته قطن، وقيل: لباسها جائز، من لبسها لم يأثم، ومن تركها يؤجر على تركها؛ وهو قول ابن عباس، وجماعة من السلف. منهم ربيعة، وقيل: لباسها غير جائز، وإن لم يطلق عليه أنه حرام، فمن لبسها أثم، ومن تركها نجا. وهو مذهب ابن عمر. وقيل: يجوز لباس الخز، ولا يجوز لباس ما سواه؛ وهو مذهب ابن حبيب، وهو أضعف الأقوال. قاله الإمام الحطاب. فتلك أربعة أقوال. واعلم أن خير الألوان في الثياب البياض ما لم يكن خلقا فيكره، كما كره مالك لباس الصوف خوف الشهرة؛ لأن في غيره من القطن ونحوه ما يغني عنه، وأجاز مالك والشافعي لبس الأحمر والمعصفر والمزعفر. النووي: وترك المعصفر أولى، ومفهوم قوله: "إن لبس حريرا"، أنه لو حمل ذلك في كمه أو جيبه ونحوهما، ولم يلبسه لم يعص وهو كذلك. وأما الصبي فالحرير في حقه مكروه. وفي المدخل أن المنع أولى. قال: ويستخف ذلك للرضيع، قاله الشيخ إبراهيم: ويستحب أن يُتَجَمَّل في الصلاة بأحسن الثياب، ويستحب للإمام أفضل ذلك، وأحسنه زينة كالرداء وشبهه. نقله الإمام الحطاب. واعلم أن لباس الحرير الخالص حرام بالإجماع على الرجال. نقله الإمام الحطاب. وتحصل مما مر أن الحرير على ثلاثة أقسام: لبس خالص الحرير حرام على

стр. 845

المذكور البالغين بالإجماع، وتجوز الخياطة والخط الرقيق والراية بلا خلاف، وقد قيل بكراهة الخط الرقيق، وقد مر الخلاف في غير هذين القسمين. أو ذهب يعني أن الذكر البالغ إذا صلى وهو لابس للذهب خاتما أو غيره فإنه تصح صلاته ولكنه عصى الله تعالى، ويعيد في الوقت كان المذهب خاتما أو غيره، لا إن حمله في كم أو جيب أو نحوهما أو فم ولم يشغله عن القراءة. قاله الشيخ عبد الباقي. ابن يونس: وكره لبس الحرير والذهب للصبيان، واختلف في التوضؤ من آنية الذهب والفضة فعندنا أنه يصح مع تحريم فعله، وقال داوود: إنه لا يصح، قاله الإمام الحطاب: أو سرق. يعني أن المكلف إذا سرق شيئا في صلاته تصح، ولكنه عصى الله تعالى. أو نظر محرما؛ يعني أن المكلف إذا نظر محرما في صلاته فإنه تصح صلاته ويعصي ربه إلا عورة إمامه عمدا، وإن نسي كونه في الصلاة كعورته هو إن تعمد، وذكر كونه في الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: والنصوص تدل على بطلان صلاة من تعمد النظر لعورة نفسه، وإن لم يذكر كونه في الصلاة. انتهى. وقال الحطاب: من حس في ذكره بنداوة وهو في الصلاة، فرفعه ونظر فلم ير شيئا، بطلت صلاته؛ لأنه نظر عورة نفسه. وأما نظر عورة غير نفسه وإمامه فإنما تبطل صلاته به إن تلذذ، أوأدى نظره إلى خلل ركن لا انتفيا. وقوله: فيها؛ أي في الصلاة يتنازعه الأفعال الثلاثة، وهي لبس: وسَرَقَ، ونَظَرَ. وقد مر أنه يعيد في الوقت فيما إذا لبس حريرا أو ذهبا فيها. تنبيه: قال أبو عمران: يؤخذ من مسألة النهي عن الطلاق في الحيض أن الصلاة في الدار المغصوبة ينهى عنها ابتداء، وإذا وقعت أجزأت، الزناتي: إنما ذلك في الغاصب نفسه، وأما غيره، أي وهو غير عالم بالغصب فلا يدخل في ذلك، وهذا أيضا في الدار خاصة، وأما غيرها من الأراضي المغصوبة فلا يدخلها النهي عن الصلاة فيها؛ لأن الغالب عدم التشاح في ذلك، ويؤخذ من مسألة الصلاة في الدار المغصوبة أن السوق المغصوب لا يجوز البيع والشراء فيه. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير: وعصى وصحت بمحرم لا يشغل عن الأركان كفي مغصوبة حازها غاصب، وإلا جاز ولو بلا إذن المالك. كما قاله أبو بكر بن عبد الرحمن. ومثله الفراش المتسامح فيه. وإن لم يجد إلا سترا لأحد فرجيه، يعني أن مريد الصلاة إذا لم يجد إلا ما يستر به أحد
следующие страницы →