← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وفيما يأتي لأن اللقيط إنما ينسب لمحله الموجود فيه ولا يوجد إلا في قرية واحدة. انتهى. وقال عبد الباقي: وحكم بإسلامه أي اللقيط إن وجد في قرية من قرى المسلمين لأنه الأصل والغالب، وإن كانت بين قرى الكفار ولو التقطه كافر. كأن لم يكن فيها إلا بيتان إن التقطه مسلم، يعني أن اللقيط إذا وجد في قرية أهلها كفار ولم يكن فيها من المسلمين إلا بيتان فإنه يحكم بإسلامه بشرط أن يكون ملتقطه مسلما، فإن التقطه ذمي فإنه يحكم بكفره على المشهور. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وقوله: إلا بيتان، هكذا يقع في كثير من النسخ، ويقع في بعضها إلا بيتين، ويمكن تصحيحها بجعل إلا اسما بمعنى غير في محل رفع فيكون بيتين مضافا إليه، وأما على ما في كثير من النسخ وإلا استثنائية، وقال عبد الباقي: كأن لم يكن فيها أي القرية لا بقيد كونها للمسلمين وإلا نافى قوله: إلا بيتان للمسلمين أو ثلاثة، فيحكم بإسلامه تغليبا للإسلام إن التقطه مسلم، فإن التقطه مشرك فمشرك ولا يحكم بإسلامه، وظاهر المص الحكم بإسلامه حيث التقطه مسلم، ولو سئل أهل البيتين فجزموا بأنه ليس منهم وينبغي أن يكون كذلك لخبر: (كل مولود يولد على الفطرة (١))، وقياسا على إسلام المسبي تبعا لإسلام سابيه، ولأنهما قد يُنكرَانِه لنبذهما إياه، واستظهر علي الأجهوري أنه لا يكون مسلما، فإن كان فيها أربعة فأكثر حكم بإسلامه، وإن التقطه كافر كما هو مفهوم المصنف، وهو المفهوم من المدونة أيضا. قاله الحطاب. وفي الشارح تبعا للتوضيح: إنما يحكم بإسلامه مطلقا إن ساوى المسلمون الكفار في القرية أو تقاربوا أي عرفا، وأولى إن كان المسلمون أكثر لا إن كانوا دون الكفار من غير تقارب، فيفصل في ملتقطه. قال علي الأجهوري: وما في التوضيح والشارح ظاهر صنيعهما أنه ليس من عندهما فهو من حمل الشيوخ المدونة عليه فيتبع دون ما فهمه الحطاب عنهما. انتهى. ولا يخفى أن ما للحطاب مفهوم المص وإلا ضاع قوله: كأن لم يكن فيها إلا بيتان لخ، قوله: لا إن كانوا دون الكفار من غير تقارب لخ، قال بناني: هذا القيد لم يصرح به في التوضيح لكنه مفهوم كلامه لكن [نكت (٢)] عليه الحطاب بمفهوم المدونة الذي هو كمفهوم

стр. 7842

المص. انتهى. وقال التتائي كأن لم يكن فيها أي القرية التي وجد بها اللقيط إلا بيتان من المسلمين إن التقطه مسلم. وأما إن التقطه كافر فكافر عند ابن القاسم خلافا لأشهب، والذي في النوادر والمدونة: قال ابن القاسم: من التقط لقيطا من قرية ليس فيها إلا البيتان والثلاثة من المسلمين فهو للنصارى إلا أن يلتقطه مسلم فيجعله على دينه. وقال أشهب: هو مسلم التقطه مسلم أو نصراني أو غيرهما من الأديان. البساطي: هذا الحكم إذا ثبت الالتقاط بالبينة وأما لو أقر أنه التقط ولم تقم بينة بالالتقاط فلا ينزع من يد الملتقط الذمي، رأيت ذلك في النوادر لسحنون في يهودية أقرت أنها التقطت صبية فربتها على دينها. انتهى. ونص النوادر: ومن كتاب ابن سحنون: كتب شجرة لسحنون في نصرانية التقطت صبية فربتها حتى بلغت على دينها؟ قال: إن ثبت أنها لقطة تردها إلى الإسلام وهي حرة. انتهى. وقال الحطاب: وانظر قولهم: البيتين والثلاثة، لو لم يكن فيها إلا واحد والظاهر أن الحكم متحد. والله أعلم. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: إن التقطه مسلم وأما إن التقطه كافر فكافر، ومفهوم المدونة أنه إذا كان أكثر من الثلاثة ولم يكونوا قريبا من التساوي يحكم بإسلامه مطلقا أي سواء التقطه مسلم أو كافر، خلافا لما في الشارح والتوضيح من أنه يفصل في اللقيط بين أن يلتقطه مسلم أو كافر، وأما لو كان المسلمون [مساوين (١)] للكفار أو أكثر منهم أو قريبا من التساوي لحكم بإسلام اللقيط وهو واضح تغليبا للإسلام على غيره، وسواء التقطه مسلم أو كافر، وجَعْلُ الضمير في فيها راجعا للقرية أي المفهومة من قرى واضح مطابق للنقل، ولا يصح رجوعه لقرى لأنه يقتضي أنه إذا كانت قرى ووجد في قرية منها بيتان أنه يحكم بإسلامه إن التقطه مسلم، وإن كانت القرية التي التقط منها ليس فيها أحد من المسلمين وليس هذا بصحيح. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: هذا مبني على أنه إذا التقطه مسلم في قرية ليس فيها إلا المشركون يحكم بكفره ويأتي الكلام فيه عند قوله:

стр. 7843

وفي قرى الشرك مشركٌ، يعني أن اللقيط إذا وجد في قرية من قرى المشركين فإنه يحكم بكونه مشركا. قال عبد الباقي وغيره: وإن التقطه مسلم، قال بناني: نحوه لأبي الحسن، والذي في الذخيرة أنه إن التقطه مسلم يكون على دينه وهو الظاهر. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن وجد في قرية من قرى الشرك ولو كانت بين قرى المسلمين فهو مشرك، وإن التقطه مسلم تغليبا للدار وإنما لم يعبر كما في الجواهر في الموضعين بقرية كما قررناه به فيهما لفهم ذلك من المعنى إذ يستحيل أن اللقيط يوجد في بلد واحد في قريتين، ولا يقدح في ذلك أن ضمير فيها لقرية لا لقرى لأن المعنى يفهم منه ذلك أيضا، ولا يقال: عبَّر بقرى وإن كان المراد قرية للاحتراز عما وجد في قرية مسلمين بين قرى الشرك وكذا يقال في قوله: وفي قرى الشرك، لأنا نقول: ظاهر ابن شأس وغيره أن من وجد بقرية مسلمين مسلم ولو كانت بين قرى مشركين وأن من وجد في قرية مشركين، مشرك ولو كانت بين قرى مسلمين كما أشرنا له. انتهى. وقال التتائي: وفي قرى الشرك مشرك عند ابن القاسم سواء وجده مسلم أو كافر، وقال أشهب: إن التقطه مسلم فمسلم تغليبا للإسلام. انتهى. وقال المواق: ومن المدونة قلت: من التقط لقيطا في مدينة الإسلام أو في قرية الشرك في أرض أو كنيسة أو بيعة وعليه زي أهل الذمة أو المسلمين وكيف إن كان الذي التقطه في بعض المواضع مسلم أو ذمي ما حاله؟ قال: إن التقطه نصراني في قرى أهل الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى الشرك وأهل الذمة ومواضعهم فهو مشرك، وإن وجد في قرية ليس فيها إلا اثنان أو ثلاثة من المسلمين فهو للنصارى، ولا يعرض له إلا أن يلتقطة هناك مسلم فيجعله على دينه، وقال ابن الحاجب: يحكم بإسلام اللقيط في قرى الإسلام ومواضعهم، فإن كان في قرى الشرك فمشرك، وقال أشهب: إلا أن يلتقطه مسلم فإن لم يكن فيها غير بيتين من المسلمين فمشرك إلا أن يلتقطه مسلم. انتهى. يعني عند ابن القاسم. وأما أشهب فمسلم عنده ولو التقطه كافر، ومحل الخلاف إذا كان في أرض الإسلام وحكمهم وإلا فكافر بلا خلاف. فقول أشهب مقيد بما قاله الرهوني.

стр. 7844

ولم يلحق بملتقط ولا غيره، يعني أن اللقيط لا يلحق بملتقطه إذا استلحقه ولا يلحق بغير الملتقط إذا استلحقه، قال عبد الباقي مفسرا للمص: ولم يلحق أي لم يلحقه الشرع بملتقطه ولا غيره إذا استلحقه. إلا ببينة، تشهد لكل بأن هذا ولده، ولا يكفي قولها: طرح له ولد فإذا أقامها لحق به ملتقطا أو غيره مسلما أو كافرا، سواء في هذه الأربعة كان اللقيط محكوما بإسلامه أو بكفره، فهذه ثمانية. أو وجهٍ، يعني أن اللقيط إذا استلحقه شخص ملتقطا أو غيره فإنه يلحق به إن أتى بوجه أي أمر يدل على ما قال، كرجل لا يعيش له ولد فزعم أنه رماه لا سمع أنه إذا طرح الجنين عاش، ونحوه مما يدل على صدقه، وكما إذا طرحه بغلاء أو عجز ونحو ذلك، فيلحق بصاحب الوجه. قال عبد الباقي: وهل في الصور الثمانية المتقدمة وهو ما يفيده ابن عرفة والتتائي والشيخ عبد الرحمن الأجهوري أو في أربع منها فقط، وهي إذا استلحقه مسلم كان هو الملتقط أو غيره كان المستلحق بالفتح محكوما بإسلامه أم لا؟ وهو ما ذهب إليه بعضهم ونحوه في أحمد قائلا: وأما إذا استلحقه ذمي فلا بد فيه من البينة. انتهى. أو في صورتين فقط من الثمانية، وهما: إذا استلحقه مسلم غير الملتقط سواء حكم بإسلام اللقيط أم لا؟ وهو ما ذهب إليه بعضهم، فإن قيل: لِمَ تَوقَّف الاستلحاق هنا على البينة والوجه كما قال المص وقد قدم أن الأب يستلحق مجهول النسب؟ قلت: تقدم أن شرطه أن لا يكون مولى لمن كذب المستلحِقَ بالكسر وهذا لا ثبت ولاؤه للمسلمين كان ذلك بمنزلة تكذيب مولاه لمن استلحقه فلذا توقف هنا على ما ذكر. انتهى. قوله: وهو ما يفيده ابن عرفة لخ، قال بناني: فيه نظر، بل ابن عرفة نقل قبول الوجه من الذمي عن أبي إسحاق التونسي، واعترضه بحرمة الإسلام، ونصه: قال ابن الحاجب: وأما الذمي فلا يلحقه إلا ببينة، فقبله ابن عبد السلام، والظاهر تعليله بأن الاستلحاق خبر وخبر الكافر لغو. وما نقله ابن الحاجب خلاف قول التونسي: النصراني يدعي اللقيط في بلد الإسلام أنه ابنه فإذا كان له دليل مثل ما ذكرنا أنه سمع قول الناس أنه إذا طرح عاش وجب أن يلحق به، قلت: فَجَعَلَهُ كالسلم وفيه نظر لحرمة الإسلام وقبول خبر المسلم، وتقدم قولها: اللقيط حر وولاؤه للمسلمين. انتهى

стр. 7845

كلامه. فعزوه الإطلاق لابن عرفة فيه نظر بل مرتضاه هو القول الثاني. وهو قول ابن الحاجب وابن عبد السلام أيضا كما علمت، وأما الثالث فعزاه ابن عرفة لنقل اللخمي عن محمد، وقول الزرقاني: وهذا لما ثبت لخ، هذا التوجيه نحوه في التوضيح، واعترض بأن مجهول النسب مثله في كون ولائه للمسلمين فلا فرق، ولهذا قال ابن يونس: خالف ابن القاسم هنا أصله في الاستلحاق كما في المواق، وقال المواق: من المدونة قال ملك: من التقط لقيطا فأتى رجل فادعى أنه ولده لم يصدق ولم يلحق به إلا أن يكون لدعواه وجه، كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد فزعم أنه رماه لقول الناس إذا طرح عاش ونحوه مما يدل على صدقه، فإنه يلحق به وإلا لم يصدق إلا ببينة، قيل لابن القاسم: فإن صدقه الملتقط؟ قال: أراه شاهدا ولا تجوز شهادة واحد مع اليمين في النسب. ابن يونس: خالف ابن القاسم أصله في الاستلحاق. انتهى. وقال التتائي: وسكت المص هنا عن تصديق المرأة وعدمه في قولها لمن التقطته: هذا ابني، لما تقدم في الاستلحاق أنه إنما يكون من الأب. انتهى. ولا يرده بعد أخذه، يعني أن الملتقط إذا أخذ اللقيط فإنه لا يجوز له بعد ذلك أن يرده إلى موضعه ولا إلى غيره، لأنه تعين عليه حفظه بمجرد أخذه لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ولا يرده ملتقطه بعد أخذه لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يرده أي الملتقط أي يحرم عليه رده لموضعه بعد أخذه ليحفظه أو بلا نية حفظه ولا رفعه للحاكم لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع. وقال التتائي: ولا يرده ملتقطه بعد أخذه لأنه فرض كفاية يتعين بالشروع. قاله ملك في الموازية. وقيده أشهب فقال: إلا أن يأخذه ليرفعه للحاكم، يعني أن الملتقط إذا أخذ اللقيط ليرفعه للحاكم لا لقصد تربيته ولا التزمها فرفعه له، فلم يقبله والموضع مطروق لا يخشى هلاكه فيه بل يوقن أن غيره يأخذه فله رده لعدم أخذه للحفظ، فلم يشرع في فرض الكفاية حتى يتعين عليه، فإن لم يكن الموضع مطروقا بأن لم يوقن أن غيره يأخذه حرم رده، فإن تحقق عدم أخذه حتى مات اقتص منه، وإن شك في أخذه ثم مات ضمن ديته، وانظر هل دية خطإ أو عمد؟ ومثل أخذه لرفعه للحاكم أخذه ليسأل معينا

стр. 7846

هل هو ولده أم لا؟ انتهى. وقال الخرشي عند قوله: ولا يرده بعد أخذه لخ، يعني أن الملتقط إذا أخذ الطفل اللقيط فإنه لا يجوز له بعد ذلك أن يرده إلى موضعه ولا إلى غيره، لأنه تعين عليه حفظه بمجرد أخذه، لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه، إلا أن يكون إنما أخذه ليرفعه للحاكم لينظر في أمره فلما رفعه إليه لم يقبله منه، والحالة أن الموضع الذي أخذه منه مطروق بأن يكون موضعه لا يخاف عليه فيه الهلاك لكثرة الناس ويوقن أن غيره يأخذه فإنه يجوز له أن يرده إلى الموضع المأخوذ منه، فإن لم يكن الموضع مطروقا أو لم يوقن أن غيره يأخذه فإن تحقق عدم أخذه حتى مات اقتص منه، وإن شك ضمن ديته إلى آخر ما مرث وقوله: والموضع مطروق، هذا التقييد للباجي والواو للحال. قاله التتائي. وقد علم مما مر أن معنى قوله: والموضع مطروق أنه تيقن أن غيره يأخذه. تنبيه: قال غير واحد: إن الاستثناء في قوله: إلا أن يأخذه لخ، منقطع لأن ما قبله في أخذه للالتقاط وهذا أخذه ليرفعه للحاكم. انتهى. وهو خطأ بل هو متصل، لأن ما قبله يشمله وغيره، انظر حاشية الشيخ بناني. وهو ظاهر، وقد وقع في كلام عبد الباقي هنا ما نصه: ولا يرده الملتقط أي يحرم عليه رده لموضعه ولا إلى أحد. قوله: ولا إلى أحد، قال بناني: غير صحيح، وعبارة غيره يحرم رده لموضعه ولغيره أي غير موضعه. انتهى. وقُدِّم الأسبقُ، يعني أنه لو رأى اللقيط اثنان فأكثر فبادر إليه أحد منهم وسبق إليه فإنه يكون للأسبق أي لذلك الذي سبق إليه. ثم الأوْلى، يعني أنه إذا لم يسبق إليه أحدهم فإن استويا أو استووا في وضع اليد عليه فإنه يقدم في كونه عنده الأولى أي الأصلح لحفظه والقيام به مع الأمن من بيعه. وإلا فالقرعة، أي وإن لم يكن أصلح بأن استويا في الأصلحية والسبق فالقرعة متعينة، قال عبد الباقي مفسرا للمص: ولو رأى اللقيط اثنان فأكثر وأراد كل أخذه للحفظ وكل أهل لحفظه وكفايته قدم الأسبق في وضع اليد، فإن أخذه غيره بعد وضع يد الأسبق نزع منه ودفع للأسبق، فقوله: قدم: أي ابتداء أو بعد نزع الطفل من يد من هو دونه، وكذا يقال في قوله: ثم إن استويا في

стр. 7847

وضعهما قدم الأولى أي الأصلح لحفظه والقيام به مع الأمن من بيعه، وإلا يكن أصلح بل استويا في الأصلحية والسبق فالقرعة، وظاهر المدونة تقديم الأكفى في مؤنته وكفايته مع الأمن من بيعه على الأسبق، ومثل اللقيط فيما ذكر المص اللقطة، وقال التتائي: وقدم الأسبق ولو كان غيره أولى منه. وقال الحطاب: وقدم الأسبق لخ، قال في التوضيح: وهذا مقيد بما إذا لم يود إلى ضياعه عند الأول. انتهى. ونقله في الجواهر ونصه: لو ازدحم اثنان كل منهما أهل قَدَّم السابق فإن استويا قدم الإمام من هو أصلح للصبي، فإن استويا في ذلك أقرع بينهما. انتهى. وقال في تضمين الصناع من المدونة: ومن التقط لقيطا فكابره عليه رجل فنزعه منه فرافعه إلى الإمام نظر الإمام إلى الصبي فأيهما كان أقوى على مؤنته وكفايته وكان مأمونا دفعه إليه. اهـ. قال الشيخ أبو الحسن: قال أبو إسحاق: هي للأول إلا أن يكون الثاني أكفى وأحرز، الشيخ: وهو معنى الكتاب، وقوله: مأمونا أي من بيعه. انتهى. فتأمل كلام المدونة وشارحها فإنه يقتضي تقديم الأكفى ثم الأول فتأمله مع كلام التوضيح، وانظر هل يرجح هنا بالصلاح فيقدم غير الفاسق على الفاسق فيتلمح ذلك من قول المدونة وكان مأمونا. فتأمله. والله أعلم. انتهى. وينبغي الإشهاد، يعني أن من التقط لقيطا يستحب له الإشهاد عند التقاطه أنه التقطه خوف الاسترقاق، ومثل اللقيط اللقطة، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وينبغي للملتقط الإشهاد عند التقاطه أنه التقطه خوف الاسترقاق، فإن تحقق أو غلب على الظن الاسترقاق وجب الإشهاد واللقطة كذلك فيهما، وليس لمكاتب ونحوه التقاط بغير إذن السّيد، يعني أنه ليس للمكاتب ومن فيه شائبة حرية وأولى القن أن يلتقط أي يأخذ لقيطا إلا أن يأذن له سيده في ذلك. قال عبد الباقي: وليس لمكاتب ونحوه ممن فيه شائبة حرية وأولى قن التقاط بغير إذن السيد واحتاج المكاتب لإذنه مع أنه أحرز نفسه وماله، لأن التقاطه ربما أدى لعجزه لاشتغاله بتربيته، ولأن حضانته تبرع، وليس المكاتب من أهله، فقوله: التقاط أي أخذ لقيط، وأما الالتقاط بمعنى أخذ اللقطة أي المال فتقدم في قوله: وذو الرق كذلك فله ولو قنا أخذها وتعريفها بغير إذن السيد لعدم اشتغاله بتعريفها عن خدمة سيده، ثم إذا التقط لقيطا بغير إذن السيد فله إجازته ورده إلى موضع

стр. 7848

الالتقاط إن كان الموضع مطروقا وأيقن أن غيره يأخذه كما مر، ومفهوم بغير إذن السيد جوازه بإذنه، ويلزم السيد حضانته ونفقته لأنه بإذنه كأنه هو الملتقط، والظاهر أن الزوجة أولى من المكاتب في المنع من التقاطها بغير إذن زوجها، بل وكذا من لقطة بغير إذنه. انتهى. وقال بناني عند قوله: وإلا فالقرعة ما نصه: القرعة والإشهاد ومنع المكاتب كل من الثلاثة أصله للغزالي في وجيزه. قاله ابن عرفة. انتهى. وقال التتائي: وليس لمكاتب ونحوه من قن وذي شائبة التقاط بغير إذن السيد، ابن عرفة في وجيز الغزالي: لو التقط العبد والمكاتب بغير إذن السيد انتزع من أيديهما فإن الحضانة تبرع وليس لهما ذلك، فإن أذن السيد فهو الملتقط، فنقله ابن شأس كأنه نص المذهب، وتبعه ابن الحاجب ولا أعرفه نصا لأهل المذهب، لكنه مقتضى أصل المذهب في أن العبد ومن فيه بقية رق ليس له أن يتبرع بشيء من عمله دون إذن ربه، والحق فيما ليس نصا في المذهب واقتضته أصوله أن لا ينقل على أنه نص فيه، بل على أنه مقتضاه. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وفي كلام ابن عرفة من الدلالة على ترشيح ما للمص ما لا يخفى. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وليس لمكاتب ونحوه من قن وذي شائبة التقاط أي أخذ لقيط، وأما أخذ لقطة فتقدم في قوله: وذو الرق كذلك فله أخذ اللقطة بغير إذن، والفرق بينهما ظاهر لأن اللقطة الواجب فيها التعريف، وذلك لا يشغل عن خدمة السيد لأنه يمكن صدوره منه في حال تصرفه لسيده، وأما حضانة اللقيط فتشغله عن مصالح سيده لأنها قد لا تتيسر له حالة اشتغاله بمصالح سيده، والظاهر أن الزوجة أولى من المكاتب في الاحتياج إلى الإذن، وهذا ما لم يخف على اللقيط فيجب عليها، وانظر نفقة من التقطه المكاتب ونحوه بإذن السيد ومن التقطته الزوجة بإذن زوجها، والظاهر أنه على السيد والزوج لأنه بإذنه كالملتقط. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: بغير إذن السيد راجع للمكاتب ونحوه، وقال المواق: عن ابن شأس: لو التقط العبد والمكاتب بغير إذن السيد انتزع من أيديهما فإن الحضانة تبرع ولييس لهما ذلك، فإن أذن السيد فهو الملتقط. ابن عرفة: قاله الغزالي. وإن كان مذهبنا يقتضيه لكن الحق أنه لا ينقل على أنه نص فيه بل على أنه مقتضاه. انتهى.

стр. 7849

ونزع محكوم بإسلامه من غيره، يعني أن اللقيط الذي حكم الشرع بإسلامه كالموجود في قرى المسلمين التقطه مسلم أو كافر أو في قرية ليس فيها إلا بيتان أو ثلاثة إن التقطه مسلم يُنزَعُ ممن وجد بيده إذا كان كافرا. قال الشبراخيتي مفسرا للمص: ونزع محكوم بإسلامه أي من حكم الشرع بإسلامه كالموجود في قرى المسلمين أو في قرية ليس فيها إلا بيتان أو ثلاثة من المسلمين إن التقطه مسلم، لا أنه حكم فيه حاكم، وسواء كان المحكوم بإسلامه صغيرا أو كبيرا، بأن لم يطلع عليه حتى كبر، لكن إن كان صغيرا يجبر على الإسلام، وإن لم يطلع عليه حتى كبر فيؤمر بالإسلام، فإن أسلم فواضح وإن أبي أجري عليه حكم الرتد يُستتاب ثلاثة أيام، فإن أسلم فيها وإلا قتل مرتدا مِن غَيْرِه أي غير المسلم، وهو الكافر خشية أن يربِّيَه على دينه أو يطول الأمر فيسترقه. قاله مطرف وأصبغ. انتهى. والضمير في غيره عائد على المسلم المفهوم من قوله: بإسلامه، ومفهوم قوله: بإسلامه، أنه لو لم يحكم بإسلامه كما لو التقطه كافر في قرى الشرك فإنه لا ينزع من يده. والله سبحانه أعلم. وقال التتائي: ونزع محكوم بإسلامه من غيره. ابن عبد السلام: لو لم يفطن له حتى كبر الصبي أو الصبية على دين ملتقطه لم يلتفت إلى ذلك وحكم بإسلامه وإلا فهو مرتد، هذا هو ظاهر كلامهم، وقال عبد الباقي: ونزع لقيط محكوم بإسلامه من جهة الشرع وإن لم يحكم حاكم به بأن وجد في قرية المسلمين على ما مر من ملتقط غيره أي من غير المحكوم بإسلامه وهو الكافر، فالضمير عائد على المحكوم بإسلامه من باب عندي درهم ونصفه، ويصح عوده على المسلم المفهوم من قوله: بإسلامه. قاله أحمد. أي التقطه كافر مع الحكم بإسلامه أي اللقيط فينزع منه ويبقى تحت يد المسلمين، فإن لم ينزع حتى عقل نزع وجبر على الإسلام قبل بلوغه، فإن نزع بعده فمرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال المواق عن ابن عرفة: فيها مع غيرها: اللقيط في قرى الإسلام مسلم ولو التقطه كافر. مطرف وابن الماجشون: إن التقطه نصراني نزع منه ليلا ينصره أو يسترقه. ابن سحنون: إن التقطت نصرانية صبية فربتها حتى بلغت على دينها ردت للإسلام وهي حرة. ومن المعونة: إن التقط كافر لقيطا فرباه على دينه لم يترك على النصرانية إلا أن يبلغ على ذلك فيختلف فيه هل يقر عليه؟ انتهى.

стр. 7850

ولما أنهى الكلام على اللقيط شرع في الكلام على أحكام الآبق، فقال: وندب أخذ آبق لمن يعرف يعني أنه يندب لمن يَعْرِفُ مَالكَ الآبق أن يأخذه ليعرفه لربه حفظا للمال، فقوله: لمن يعرف متعلق بندب، ومفعوله محذوف أي مالكه، قال التتائي: وندب أخذ آبق لمن يعرف ربه قريبا أو جارا أو غيره، ويعرف ثلاثي أي مضارع عرف بالتخفيف. وإلا يعرف ربه فلا يأخذه، أي يكره له أخذه إن لم يعرف ربه، قال المواق: من المدونة قال ملك: ومن وجد آبقا فلا يأخذه إلا أن يكون لقريبه أو جاره أو لمن يعرفه فأحب إلي أن يأخذه، قال ابن القاسم: فإن لم يأخذه أيضا فهو في سعة. انتهى. وقال عبد الباقي: ومحل الندب يعني قوله: وندب أخذ آبق لخ، إذا لم يخش ضياعه وإلا وجب حفظا لمال الغير. انتهى. وقال الشبراخيتي: ووقع في بعض التقارير أن محل ندبه حيث لم يخف الخائن ولم يعلم خيانة نفسه، فإن خاف الخائن وعلم أمانة نفسه وجب، وإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ، والآبق هو الذاهب خفية بغير سبب، والهارب هو الذي يذهب خفية أيضا لكن بسبب، كذا فرق بينهما ابن حجر العسقلاني. انتهى. وقال عبد الباقي: وندب آخذ آبق لخ، وإنما أخذه لأنه يخبر ربه من غير إنشاد وتعريف إذ الإنشاد يخشى منه أن يصل إلى علم السلطان فيأخذه. وقال الشبراخيتي: وإلا بأن لم يعرف ربه فلا يأخُذْه نهي وهو محتمل للحرمة والكراهة، والمراد الثاني أي يكره له أخذه البساطي: ما لم يخش هلاكه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وندب أخذ آبق وهو كما قال ابن عرفة: حيوان ناطق وجد بغير حرز محترم. قال شارحه: وتأمل حده للآبق فإنه صادق على اللقيط فهو غير مانع. انتهى. قلت: فلو زاد في الحد رقيق غير صغير لسلم من هذا، إذ الرقيق الصغير لقطة لا آبق، واللقيط والحر ولو صغيرا ليسا بلقطة ولا آبق، وقال الحطاب: قال اللخمي: أما إذا كان على الأميال اليسيرة من الموضع الذي أبق منه فلا سعة في تركه إذا لم يخف منه. الشيخ: لأن تركه تلف. انتهى. فإن أخذه رفع للإمام، مفرع على قوله: وإلا فلا يأخذه، يعني أنه إذا لم يعرف رب الآبق فإنه يكره له أخذه كما عرفت، فإن فعل الأمر المكروه بأن أخذه وهو لا يعرف ربه فإنه يرفعه إلى

стр. 7851

الإمام رجاء من يطلبه منه، قال الشبراخيتي: فإن أخذه وهو لا يعرف ربه رفعه للإمام، قال أبو الحسن: ظاهر المدونة أنه مطلوب بذلك، وقال الرجراجي: إن كان الإمام عدلا فهو مخير في الرفع إليه، وإن كان جائرا فلا ينبغي له أن يرفعه إليه، ومحل رفعه للإمام إن لم يخف ظلمه. انتهى. وقوله: رفع للإمام ولو جاء من يدعيه. قال الشبراختي: ونقل التتائي هنا في غير محله. انتهى. ووقف سنة، يعني أنه إذا رفع الآبق للإمام فإن الإمام يوقفه عنده سنة وينفق فيها عليه، فإن أرسله فيها ضمن. قال الشبراخيتي: ووقف عنده سنة على مذهب المدونة المشهور وأنفق عليه في زمن إيقافه، وهذا إن لم يخش عليه الضيعة في هذا الأمد، فإن خيف عليه بيع قبل السنة. ثم إن لم يأت ربه بيع، أي باعه الإمام بعد السنة، قال عبد الباقي: إن لم يخش عليه قبلها وإلا بيع قبلها، كما روى عيسى عن ابن القاسم. ابن رشد: وهو تفسير للمدونة. ولا يهمل، قال الشبراخيتي: صادق بأمرين أحدهما لا يهمل أمره بعد بيعه بل يكتب الحاكم اسمه وحليته وبلده وزيه ويشهد بجميع ذلك ويجعله عنده، فإذا جاء من يطلبه قابله بما عنده، فإن ظهر أنه له دفع له بقية ثمنه أي لأنه يأخذ نفقته من الثمن ويحبس بقيته لربه في بيت المال كما قال: وأخذ نفقته، أي إذا باعه الإمام فإنه يأخذ ما أنفق عليه في سنة الإيقاف من ثمنه عاجلا، ولا يلزمه الصبر بها إلى قدوم ربه، ويحبس بقيته لربه في بيت المال، وأجرة الدلال كالنفقة كما دل عليه كلام الجزيري وإنما كان الإمام يحبس بقية الثمن لربه في بيت المال لأنه لا يضع أمانة تحت يده لا يعلم ربها لاحتمال موته فتصير مالا من أمواله فتضيع على ربها. والأمرُ الثاني لا يهمله أي لا يطلقه بعد السنة، بخلاف ضالة الإبل لقول المدونة: أمر مالك ببيع الأبّاق بعد السنة، ولم يأمر بإطلاقهم يعملون ويأكلون لأنهم يأبقون ثانية، كذا في التتائتي والأمران منقولان أي ولا يهمل أمره بعد المبيع ولا يطلق بعد السنة، إلا أن الثاني يغني عنه ثم بيع. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يهمل أمره أي يكتب اسمه وحليته وبلده وزيه إن علمه بأمارة ونحوها، ويشهد بجميع ذلك، ويجعل ثمنه في بيت المال، فإن جاء من يطلبه قابل ما عنده، فإن وافق دفع له

стр. 7852

الثمن، وهذا أحسن من حمله على أن معناه لا يطلقه بعد السنة كضالة الإبل ليلا يأبق لاستفادة ذلك من قوله. بيع وأخذ نفقته عليه، أي مقابلها من ثمنه ولا يلزمه الصبر إلى أن يحضر ربه، وكذا أجرة الدلال، وظاهره وإن كانت النفقة من بيت المال لأنه لِلأحْرَارِ ومصالحهم، والعبد غني بسيده أو بيعه لمن ينفق عليه وهذا هو الظاهر. انتهى. وقال المواق: قال ملك: من أخذ آبقا رفعه للإمام فوقفه سنة وأنفق عليه ويكون فيما أنفق عليه كالأجنبي فإن جاء صاحبه وإلا باعه وأخذ من ثمنه ما أنفق وحبس بقية الثمن لربه في بيت المال. قال سحنون: ولا أرى أن يوقف سنة ولكن بقدر ما يتبين أمر ثم يباع ويكتب الحاكم صفته عنده حتى يأتي طالبه. ابن يونس: وهذا هو الصواب. انتهى. ومضى بيعه، أي بيع الإمام للعبد بعد السنة، ويجوز ابتداء حيث لم يقل ربه كنت أعتقته بل وإن قال ربه كنت أعتقته، نَاجِزًا أو لا قبل أن يأبق أو بعده وقبل أن يباع فإنه لا يعمل بدعواه لاتهامه على نقض بيع الإمام الواقع بوجه جائز، وكذا لا يعمل بقوله كنت أولدتها إلا أن يحضره ويقول: هو ولدها، إن لم يتهم فيها لمحبة ونحوها فلا ترد إليه ولا يرد ثمنها وقول المص في الاستلحاق: ورد ثمنها، مقيد بما إذا ردت إليه كما مر أنه يفيده النقل خلافا للطخيخي، فإن لم ترد هي لم يرد الثمن ويفعل به ما شاء، وإذا ثبت عدم رد الثمن في هذه الحالة التي هي أقوى من دعوى العتق فأولى في دعوى العتق، ومفهوم قال أنه إذا ثبت ذلك ببينة عمل بمقتضاها. قاله عبد الباقي. وقد مر أن قوله: ومضى بيعه أي بعد السنة، وقال الشبراخيتي: ومضى بيعه إذا كان لمصلحة ولو قبل السنة، وقوله: ومضى أي ويجوز ابتداء. انتهى. تنبيهات: الأوَّل: قال الحطاب: قال الرجراجي: فإن ادعى أنها ولدت منه فلا يخلو من أن يكون معها ولد أم لا، فإن كان معها ولد فهل ترد إليه أم لا؟ على قولين منصوصين في المدونة، أحدهما: [أنها (١)] ترد إليه سواء اتهم أم لا، وهو قول أشهب والثاني: أنها ترد إليه إن لم يتهم،

стр. 7853

وإن اتهم فيها لم ترد إليه، وهو قول ابن القاسم، فإن لم يكن معها ولد فإن اتهم فيها لم ترد إليه قولا واحدا، وإن لم يتهم فهل ترد إليه أم لا؟ المذهب على قولين قائمين من المدونة، أحدهما: أنها لا ترد إليه، وهي رواية أكثر الأندلسين، وهي رواية [ابن (١)] اللباد. والثاني: أنها ترد إليه، وهي رواية أكثر القرويين وعليه اقتصر الشيخ أبو محمد وابن أبي زمنين والْبَرَادُعي وحكاها ابن حبيب عن ابن القاسم. الثاني: قال الحطاب قبل هذا الكلام: قال في المدونة: ولو كانت أمة فباعها الإمام بعد السنة ثم جاء سيدها فقال: قد كانت ولدت مني وولدها قائم فإنها ترد إليه إن كان ممن لا يتهم. وقاله ملك فيمن باع جارية له وولدها ثم استلحق الولد أنه إذا كان ممن لا يتهم على مثلها ردت إليه، ولو قال: كنت أعتقتها لم يصدق ولم ترد إليه إلا ببينة، قيل: فإن لم يكن معها ولد فقال بعدما باعها: كانت ولدت مني، قال: أرى أن ترد إليه إن لم يتهم فيها. قال عبد الحق: إنما قال في العتق لا يصدق، وفي الاستيلاد يصدق إن لم يتهم فيها من أجل أن العتق سبيله أن يتوثق فيه ويشهد، هذا عادة الناس فلما لم يثبت ذلك اتهم، وولادة الأمة ليس شأن الناس فيها الإشهاد والإشهار، فإذا انتفت التهمة صدق. انتهى. وقوله في المدونة: يتهم، قال عياض: يعني بصبابة إليها. انتهى. من أبي الحسن. والله أعلم. الثالث: قد مر قول المص: ووقف سنة ثم بيع، قال الحطاب: قال الرجراجي: قال ملك في المدونة: لم أزل أسمع أن الآبق يحبس سنة وذلك يختلف باختلاف الأحوال، وتحصيله أن العبد لا يخلو من أن يخشى عليه الضَّيعة في هذا الأمد أم لا، فإن خيف بيع قبل السنة وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وهي تفسير لقول ملك، وإن لم يخش عليه فهل ينتظر به سنة وهو مذهب المدونة وهو المشهور، والثاني أنه لا يوقف سنة وإنما يوقف قدر ما يتبين أمره وهو قول سحنون، وقال في سماع أشهب: إنه إذا عرفه فلم يجد من يعرفه أن يخليه خير له من أن يبيعه

стр. 7854

فيهلك ثمنه، ويوكل أو يطرح في السجن فيقيم ولا يجد من يطعمه. قال ابن رشد: أما الأُبَّاق فساوى في هذه الرواية بينهم وبين ضوال الإبل في أنهم يُرْسَلَونَ إذا عُرِّفُوا فلم يُعْرَفُوا، وقال في المدونة: إنهم يحبسون ثم يباعون فتحبس أثمانهم لأربابهم ولا يرسلون، والظاهر أن ذلك اختلاف من القول، وعلى ذلك يحمله الشيوخ، والأولى أن لا يحمل ذلك على الخلاف، فيكون الوجه في ذلك أنه إن خشي عليه أن يضيع في السجن بغير نفقة وأن يتلف ثمنه إن بيع كان إرساله أولى من حبسه على ما قال في هذه الرواية، وإذا لم يخش عليه أن يضيع في السجن ولا يتلف ثمنه إن بيع كان حبسه سنة ثم يبيعه بعد السنة واستمساك ثمنه أولى من إرساله، وموضع الخلاف عند من حمله على الخلاف إنما هو إذا خشي عليه أن يضيع في السجن وأن يتلف ثمنه إذا بيع، فمرة رأى أن إرساله أولى ليلا يضيع أو يتلف ثمنه، ومرة رأى أن حبسه وبيعه واستمساك ثمنه أولى ليلا يأبق ثانية، والاختلاف إنما هو بحسب الاجتهاد وأي الخوفين أشد، وأما إن لم يخش عليه أن يضيع في السجن ولا أن يتلف ثمنه إذا بيع فلا يرسل ليلا يأبق قولا واحدا، وإن لم يخش عليه أن يضيع في السجن وخشي على ثمنه أن يضيع لموجب أن يسجن سنة يعرف فيها ثم يسرح ولا يحبس أكثر منها التي هي حد تعريف اللقطة، ولو لم يخش على ثمنه ضياعا وخشي عليه إن سجن لموجب أن يباع ويوقف ثمنه ولا يسجن. انتهى. فتأمله. والله أعلم. وقد مر قول المص: فإن أخذه رفعه للإمام، وهو كقوله في المدونة: رفعه إلى الإمام، أبو الحسن: ظاهره أنه مطلوب بذلك وإن كان لا يجب عليه، فالرفع إلى الإمام أولى، وله أن يفعل فيه ما يفعل الإمام، وقوله: ويكون فيما أنفق عليه كالأجنبي، يظهر منه أن الأجنبي يفعل فيه ما يفعل الإمام ولا يجب عليه الرفع. انتهى. وقال الرجراجي: فإن أخذه فلا يخلو السلطان من أن يكون عدلا أو جائرا، فإن كان عدلا خير في الرفع إليه، وإن كان جائرا فلا ينبغي أن يرفعه إليه ويُعَرّفُه سنة وينفق عليه ويكون حكمه في النفقة حكم السلطان. انتهى. الرابع: قال الشبراخيتي عند قوله: وإن قال ربه: كنت أعتقته والظاهر أن له أخذ ثمنه، ويفهم من قوله: وإن قال: لخ، أنه لو ثبت ذلك بالبينة فإن المبيع ينتقض، وينبغي أن تذهب نفقته

стр. 7855

عليه ولا تكون في ذمة العبد، وكلامه يفيد أن غير العتق من تدبير، ونحوه أولى بهذا الحكم، وقد صرح بذلك الرجراجي. انتهى. وله عتقه، يعني أن رب الآبق له أن يعتقه في حال إباقه، قال عبد الباقي: وله أي لرب الآبق عتقه حال إباقه وتدبيره وإيصاء به وتصدق به على الغير. انتهى. وقال الشبراخيتي: وله أي لرب الآبق عتقه ناجزا مجانا وعن ظهاره، ويمنع من زوجته حتى تظهر حياته وسلامته من العيوب، وإلى أجل وكتابته وتدبيره والتصدق به والوصية به، وقال التتائي: وله أي رب الآبق عتقه ناجزا مجانا، وعن ظهاره وإلى أجل وكتابته وتدبيره والتصدق به، وقال: وله عتقه لخ، أبو الحسن: وجميع المعروف فيه جائز. ابن يونس: وهو لازم وكذلك عتقه إلى أجل، فإن جعل الأجل من يوم أبق ثم لم يقدر عليه حتى انقضى الأجل كان حرا. انتهى. وقال التتائي: وأما عتقه عن الظهار فجائز ويمنع من زوجته حتى تعلم حياته وسلامته من العيوب يوم العتق، وأما عتقه إلى أجل فإن جعل الأجل من يوم عتقه ولم يقدر عليه حتى مضى الأجل فهو حر، وقبله خدمه بقيته وإن جعله بعد وجوده جاز واستونف الأجل بعد وجوده، وأما كتابته فتجوز موقوفة على رضاه إن وجده، وفائدتها الآن انعقادها على السيد فإن قبلها العبد لم يكن للسيد رجوع، ذكره كله في التبصرة. انتهى. وهبته لغير ثواب، يعني أن الآبق لربه أن يهبه لغير الثواب، قال الخرشي: يعني أن لرب الآبق أن يعتقه ويهبه لغير الثواب، وأما للثواب فلا يجوز لأنها بيع والآبق لا يجوز بيعه. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وهبته لغير ثواب، وأما الثواب فلا تجوز كبيعه للغرر. ونحوه للتتائي وعبد الباقي. وتقام عليه الحدود، يعني أن الآبق إذا فعل حال إباقه فعلا يوجب عليه الحد فإنه تقام عليه الحدود وجوبا. قال عبد الباقي: أي يقيمها السلطان ولو رجما كاللواط فاعلا أو مفعولا، ونص على ذلك ليلا يتوهم أنها لا تقام عليه لغيبة سيده ولتعلق حق من أنفق عليه خشية ضياعها بموته في الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وتقام عليه أي على الآبق الذي رفع للحاكم أو بقي

стр. 7856

عند أخذه الحدود إن سرق أو زنى أو قذف، أي تجب إقامة الحدود عليه، وإنما نص على هذا لأنه قد يتوهم أنه لا يقام عليه الحدود فيما إذا كان في يد من أنفق عليه نفقة، وكان يخشى إن أقيم عليه الحد أن يموت خشية ضياع نفقة النفق فنص عليه لدفع هذا التوهم. انتهى. ونحوه للخرشي، وقال التتائي عند قوله: وتقام عليه الحدود: ونحوه في المدونة. البساطي: تحير الشارح في فائدة هذا الكلام حتى قال: انظر وعندي أنه لا تقرر أن السيد يقيم الحد على رقيقه قد يتوهم منه أن السلطان لا يقيمه على الآبق فدفع هذا التوهم. انتهى. وسبق الشارح إلى هذا التنظير المغربي حيث قال في قول المدونة: إنه يقيم عليه الحد: انظر ما الذي يتوهم؟ قلت: خاف أن يتوهم أن غيبة سيده تمنع من إقامة الحد عليه فنفاه. انتهى. ولما لم يستحضر البساطي هذا الجواب أو لم يقف عليه قال. وعندي. والله أعلم. وضمنه إن أرسله، يعني أن من أخذ آبقا فأرسله بعد أخذه فهلك فإنه يضمنه، قال عبد الباقي: وضمنه الملتقط إن أرسله بعد أخذه فهلك، ولو كان إرساله لشدة النفقة عليه أي ضمن قيمته يوم الإرسال إذا حضر. انتهى. أي إذا حضر ربه. والله سبحانه أعلم. وقال الخرشي: يعني أن العبد الآبق إذا أرسله الذي أخذه فهلك ثم جاء ربه فإنه يضمنه له ولو كان أرسله لشدة النفقة عليه. وقال التتائي: وضمنه آخذه إن أرسله بعد أخذه نحوه في المدونة. قال ابن عبد الحكم: إلا إن أرسله لخوف منه، فإنه لا يضمنه حينئذ، وقال المواق: من المدونة قال ملك: من أخذ آبقا فأبق منه فلا شيء عليه، وإن أرسله بعد أخذه ضمن. قال ابن عبد الحكم: ولو خاف بعد أن أخذه لعذر، كما لو خاف أن يقتله أو يضربه فلا شيء عليه، وإن أرسله بعد أخذه لشدة النفقة فهو ضامن. انتهى. وقال التتائي: إلا لخوف منه أن يقتله أو يضربه فلا يضمنه حينئذ، وظاهره أنه لا ضمان عليه إن أرسله في حاجة فأبق، وإن كانت مما يأبق في مثلها خلافا لأشهب في تضمينه فيما يأبق في مثله، وأما حاجة خفيفة فلا لأنه ليس بتفريط عادة. انتهى. وقال الشبراخيتي عقب نقله هذا الكلام: وفيه نظر، فقد ذكر الش كلام أشهب ولم يذكر له مقابلا، ويمكن دخوله في كلام المص، وفي كلام المواق ما يدل عليه، والظاهر أنه حيث وجدت قرينة

стр. 7857

بتصديق أحدهما عمل بها وإلا فالأصل أنه أرسله لخوف منه، لأن الأصل عدم العداء، وانظر إذا خاف منه ولكنه يمكنه التحفظ منه فهل يرسله ولا يكلف الحيلة في التحفظ منه أو لا يرسله؟ والظاهر ارتكاب أخف الضررين، وفي الحطاب ما يفيد ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا لخوف منه أن يقتله أو يؤذيه أو يسرق متاعه، أو من السلطان بسبب أخذه أن يفعل به ما ذكر حتى الصفع لذي مرؤة فيما يظهر، فلا يضمنه لربه إذا هلك بإرساله، ويقبل قوله: إنه خاف منه بقرائن الأحوال، والظاهر أن عدم الضمان حيث لا يمكن رفعه للإمام وإلا فليرفعه ولا يرسله وإلا ضمن، والظاهر أنه إذا أمكنه التحفظ منه بحيلة أو أجرة عند خوفه منه لا يرسله ارتكابا لأخف الضررين، وقال الشبراخيتي: وضمنه آخذه إن أرسله بعد أن أخذه إلا لخوف منه أن يقتله أو يضربه أو يسرق ماله فإنه لا ضمان عليه إذا أرسله كما قاله ابن عبد الحكم، والظاهر أن هذا حيث لا يمكن رفعه للإمام وإلا فليرفعه ولا يرسله. قاله الحطاب: فإن أرسله ضمن. وقال الحطاب: قال الرجراجي: فإن أرسله لعذر كما إذا خاف منه أن يقتله أو يضربه أو يذهب بحوائج بيته ونحو ذلك، فقد قال ابن عبد الحكم: لا ضمان عليه وينبغي أن لا يختلف فيما إذا غلب على الظن الخوف، كما إذا ظهر من ظواهر العبد ثم قال: وليس شدة النفقة بعذر يسقط عنه الضمان. قاله ابن عبد الحكم. انتهى. والظاهر أن هذا إذا لم يمكن رفعه إلى الإمام وإلا فلا يرسله وليرفعه إلى الإمام. فتأمله. انتهى. وقوله: منه، ليست من للتعليل بل هي للتعدية. قاله بناني. كمن استأجره فيما يعطب فيه، يعني أن من استأجر عبدا آبقا أو غير آبق بغير إذن سيده في عمل يعطب فيه وعطب أو سلم فإنه يضمن قيمته يوم الإيجار في الأول أي فيما إذا عطب ومنفعته في الثاني أي فيما إذا سلم حيث كان لها بال، قال عبد الباقي: وشبه في الضمان قوله كمن استأجره من الملتقط أو من نفس العبد الآبق فيما أي في عمل يعطب فيه وعطب أو سلم فيضمن قيمته يوم الإيجار في الأول ومنفعته في الثاني إن كان لها بال، وسواء علم المستأجر أنه آبق أو لم يعلم، فيضمن المستأجر، ويقدم على الملتقط إن آجر لأنه مباشر، والملتقط متسبب. انتهى. وقال

стр. 7858

الشبراخيتي: كمن استأجره من نفسه أو غيره لأنه مباشر وغيره متسبب، والمباشر مقدم على المتسبب فيما أي في عمل يعطب فيه وعطب أو سلم فإنه يضمن، لكنه يضمن فيما إذا سلم قيمة المنفعة، وكلام المصنف صادق بهذا إذ الضمان يشمل ضمان الذات وضمان المنفعة، وقال التتائي: كمن استأجره فيما أي في عمل يعطب فيه فعطب فإنه يضمن، ونحوه في المدونة في موضع ودرج عليه المؤلف، وفي موضع أطلق الضمان ولم يقيده بكونه يعطب في مثله، وأما إن لم يعطب فالأجرة لربه فيما له بال لأنه منفعة عبده، وقال الخرشي: قوله: استأجره أي من نفسه أو من غيره لأنه مباشر وغيره متسبب والمباشر مقدم. انتهى. وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: من استأجر آبقا فعطب في عمله ولم يعلم أنه آبق ضمنه لربه. وقاله ملك فيمن واجر عبدا على تبليغ كتاب أو لبلد ولم يعلم أنه عبد فعطب في الطريق أنه يضمنه. انتهى. وبهذا تعلم أن من استأجر عبدا بغير إذن سيده فيما يعطب فيه وعطب فإنه يضمنه سواء كان آبقا أو لا، علم أنه عبد أو لا، علم أنه آبق فيما إذا كان آبقا أو لا. قاله مقيده عفا الله عنه. لا إن أبق منه لأ يعني أن من أخذ آبقا ثم ادعى أنه أبق منه أوأنه مات أوتلف فلا شيء عليه. قال الخرشي: يعني أن من أخذ عبدا آبقا فادعى أنه أبق من عنده أو أنه مات أو تلف مثلا فإنه يصدق بلا يمين ولا ضمان عليه لأنه أمين. انتهى. وقال عبد الباقي: لا إن التقط آبقا ثم بعد أخذه ادعى أنه أبَق بفتح الباء منه أي من عند ملتقطه أو أنه مات عنده أو تلف فلا ضمان عليه لربه حيث لم يفرط لأنه أمين ولا يمين عليه. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا إن أبَق بفتح الباء وفي مضارعه الكسر والفتح والضم لأنه جاء من باب ضرب ومنع ودخل، منه أي من آخذه حيث لم يكن أرسله في حاجة أو أرسله في حاجة لا يأبق في مثلها، وفي القاموس: أبق العبد كسمع وضرب ومنع أبقا ويحرك وإباقا ككتاب ذهب بلا خوف ولا كد عمل أو استخفى ثم ذهب فهو آبق وأبوق جمعه ككفار ورُكَّع. وقال المواق: من المدونة قال ملك: من أخذ آبقا فأبق منه فلا شيء عليه، وقال التتائي: لا إن أبق منه أي من ءاخذه فلا شيء عليه إن لم يفرط وقال الحطاب: يعني أن العبد إذا أبق من الذي هو في يديه فلا ضمان عليه، ثم بالغ فقال:

стр. 7859

وإن كان هذا الذي في يديه مرتهنا، أي أخذه من ربه على جهة الرهن لكن يحلف، فقوله: وحلف، راجع إلى مسألة الرهن لأنه إذا أبق منه، قال الرجراجي: فلا يخلو أن يهرب من الدار أو يرسله إلى بعض حوائجه، فإن أبق من داره فإن ظهر ذلك واشتهر قبل قوله بلا يمين قولا واحدا كان [مما يتهم (١)] أم لا، فإن لم يكن إلا دعواه هل يحلف أم لا؟ المذهب على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يمين عليه، وهو ظاهر المدونة. والثاني: أنه يحلف لقد انفلت منه من غير تفريط، وهو قول ابن الماجشون. والثالث: إن كان من أهل التهمة حلف وإلا فلا، وإن أرسله في حاجة خفيفة فلا ضمان عليه، وإن أرسله في حاجة يأبق في مثلها فهو ضامن، وهو قول أشهب في كتابه. واقتصر ابن يونس على الثاني فانظره فيه. انتهى كلام الحطاب. وقال عبد الباقي: وإن كان الآخذ لعبد لا بقيد كونه آبقا مرتهنا بكسر الهاء ويصح فتحها ويقدر وإن كان الآبق عبدا مرتهنا وفيه على كل منهما استخدام، لأن الكلام كان في آخذ الآبق إذا ادعى آخذه أنه أبق منه فخرج منه لأخذ العبد رهنا في دين فادعى المرتهن أنه أبق منه فلا ضمان عليه لأنه مما لا يغاب عليه فإن وجده سيده وقامت الغرماء عليه فالمرتهن أحق به إن كان قد حازه قبل الإباق، إلا أن يعلم أنه بيد الراهن فتركه حتى فلس فهو أسوة الغرماء، وحلف المرتهن أنه أبق بغير تفريطه، ولم يحلف الملتقط كما مر مع أنه أمين أيضا لأن نفقته في رقبة العبد، فلا يتهم في إباقه لضياع نفقته عليه، ونفقة المرتهن في ذمة الراهن. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن مرتهنا، أي أن العبد إذا أبق من المرتهن فإنه لا ضمان عليه، وحذف كان المحذوفة مع اسمها بعد إن، ويصح فيه فتح الهاء وكسرها، أي وإن كان العبد مرتهَنًا أو وإن كان آخذ العبد موتهنا لا بقيد كون الأخذ من إباق، فهو كقول ابن الحاجب: وفي لبن الجلالة وبيضها ففيه استخدام، كما قال ابن غازي، ويمكن أن يقال: منه، أي ممن هو في يده وإن كان الذي هو في يده مرتهنا فلا استخدام، وهذا أولى من كلام ابن غازي، وحلف المرتهن أنه أبق على إحدى روايتي المدونة، والأخرى: لا

стр. 7860

يمين، قال التتائي: لا خصوصية للإباق بل وكذلك دعوى التلف والموت إلا أن يدعي موته في مستعتب. انتهى. ومحل الخلاف في اليمين وعدمه إذا لم يتبين كذبه، أما لو تبين كذبه فهو ضامن من غير نزاع. انتهى. وقوله: لا إن أبق عطف على إن أرسله، وقال المواق: وإن مرتهنا وحلف، من المدونة: إذا أبق العبد الرهن لم يضمنه المرتهن وصدق في إباقه ولا يحلف وكان على حقه، وفي رواية الدباغ: يحلف. انتهى. وقال التتائي: وحلف أنه أبق، كذا في إحدى روايتي المدونة. عياض: وهي التي في كتب شيوخنا وفي أصل ابن عتاب وابن سهل، وهي رواية الدباغ، وعليها اختصر أبو محمد، والرواية الأخرى لا يحلف، وعليها اختصر البرادعي وابن يونس وابن ناجي. انتهى. واستحقه سيده بشاهد ويمين، مني أن من أقام شاهدا على عبد آبق أنه له يحلف أنه له ويستحقه، وأما لو أقام عليه شاهدين فإنه يأخذه بلا يمين، قال عبد الباقي: ومن التقط آبقا لم يعرف سيده فحضر استحقه سيده ملكا بغير استثناء بشاهدٍ أقامَه ويمينٍ، ولو شهد له شاهدان أخذه بغير يمين. قاله غير واحد. وقال المواق: من المدونة: قال ملك: من اعترف آبقا عند السلطان وأثبت شاهدا حلف معه وأخذ العبد. وأخذه إن لم تكن إلا دعواه إن صدقه، يعني أنه إذا ادعى شخص أن الآبق عبده وصدقه العبد على ذلك، فإنه يأخذه بذلك لأن الاعتراف حجة، وذلك بعد أن يتلوم الحاكم في أمره، ويضمنه إن جاء غيره بأثبت مما جاء به. قوله: وأخذه، أي حوزا بعد الاستيناء لا ملكا، ولهذا غاير بين العبارتين فعبّر في الأولى باستحق المقتضي للملك، وفي الثاني بأخذ المشعر بالحوز، وذلك بعد الرفع للحاكم. انتهى. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ومن ادعى أن الآبق له ولم يُقِم على دعواه بينة أخذه إن لم يكن إلا دعواه من غير منازع له إن صدقه العبد أنه سيده، قال ابن يونس: يأخذه بعد التلوم، يعني باجتهاد الحاكم وهذا مأخوذ من كلام المصنف، لأنه لا يعلم حصر دعواه إلا بعد الاستيناء والتلوم، وفي مفهوم صدقه تفصيل، وهو أنه إن وصفه ولم يقر لغيره أو أقر لغيره وكذبه ذلك الغير فيدفع له أيضا، وإن صدقه دفع لمن أقر له. قاله الحطاب. وأما إن

стр. 7861

لم يصفه فلا يدفع له بحال حيث كذبه، وقال عبد الباقي: وأخذه إن لم يكن إلا دعواه أنه عبده من غير شاهدين أو شاهد ويمين إن صدقه العبد على دعواه وصفه أم لا، أقر العبد بعد ذلك أنه لغيره أم لا، إذ لا يعتبر إقراره ثانيا لغير من صدقه قبل ذلك، وذلك أي الأخذ بعد الرفع للحاكم وتلومه في أمره، ويضمنه إياه إن جاء غيره بأثبت مما جاء به، وقوله: وأخذه، أي حوزا بعد الاستيناء واليمين لا ملكا، ولذا غاير حيث عئر في الأولى باستحقة المقتضي للملك، وفي الثاني بأخذ الشعر بالحوز، فليس له وطؤها إن كانت أمة فيما بينه وبين الناس، وله فيما بينه وبين الله حيث كان صادقا، ومفهوم صدقه فيه تفصيل، وهو أنه إن وصفه الدعي أخذه أيضا حوزًا حيث لم يقر العبد لغيره أو أقر لغيره وكذبه ذلك الغير، فإن صدقه نزع من الأول وكان لمن صدقه العبد وإن لم يصفه. انتهى. وقال بناني: اعلم أن الذي في المدونة هو أنه يدفع إليه. فقال ابن يونس: يريد بعد الاستيناء. وقال أشهب: وبعد أن يحلف. فظاهره أنه وفاق، وجعله عبد الحق خلافا لها لأنه عارض بين سقوط اليمين هنا ووجوبها مع الشاهد، وأجاب بأنه يأخذه حوزا ومع الشاهد ملكا. انتهى. وقال المواق: من المدونة: إن ادعى أن هذا الآبق عبده ولم تقم بينة فإن صدقه العبد دفع إليه يريد بعد التلوم وتضمينه إياه، قال ملك: في متاع وجد مع لصوص يدعيه قوم لا يعرف ذلك إلا بقولهم إن الإمام يتلوم فيه فإن لم يأت سواهم دفعه إليهم فكذلك الآبق. قال أشهب: لأن هذا أكثر ما يوجد. انتهى. وقال التتائي: وأخذه إن لم يكن إلا دعواه من غير منازع له إن صدقه الآبق أنه ربه. قال ابن يونس: بعد التلوم ويضمنه إياه. انتهى. وفي المدونة: إن اعترف العبد أنه رق ولكن يقول: ليس هذا سيدي وإنما سيدي فلان ببلد كذا، قال: يكتب السلطان إلى البلد فإن كان كما قال وإلا ضمن هذا ودفعه إليه، وإن وصف العبد رجل وأقر هو لآخر قدم المقر له. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وأخذه إن لم يكن إلا دعواه إن صدقه: هذا نحو قوله في المدونة: وإن ادعى أن هذا الآبق عبده ولم تقم بينة فإن صدقه العبد دفع إليه. ابن يونس: يريد بعد التلوم ويضمنه إياه. قال أشهب في كتابه: بعد أن يحلف مدعيه، ثم إن جاء له طالب لم يأخذه إلا ببينة عادلة وإن أقر له العبد بمثل ما أقر للأول من الرق. انتهى.

стр. 7862

تنبيه: قال الرجراجي: فإن ادعاه يعني الآبق أحد بغير بينة يقيمها فلا يخلو العبد من أن يقر له أم لا، فإن أقر له أخذه بعد الاستيناء ويضمنه كما لو اعترف له وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها، والثاني لا يدفع له وهو قول أشهب، واعلم أن ابن القاسم إنما قال: يدفع إليه وإن لم يقر له إذا وصفه ولم يعترف لغيره بالرق. وقال الشيخ أبو الحسن: قال اللخمي: إن اعترف الآبق لأحد بالرق كان لمن اعترف له دون من وصفه قولا واحدا، فإن اعترف لغائب كتب إليه فإن ادعاه كان أحق به، واختلف إذا أنكر العبد هذا المدعي ولم يقر لغيره وهو مقر بالعبودية، أو قال: أنا حر، وهو معروف بالرق، هل يكون لمن ادعاه؟ فأما بالصفة فأرى أن يدفع إليه إذا وصفه صفة تخفى وليست ظاهرة، فمفهوم الشرط في قول المؤلف: إن صدقه ليس على إطلاقه، بل وكذلك يدفع إليه وإن لم يصدقه إذا وصفه ولم يقر لغيره أو أقر وأكذبه الغير. انتهى كلام الحطاب. وليرفع للإمام إذا لم يعرف مستحِقَّه، بكسر الحاء يعني أن من أخذ آبقا لا يعرف ربه ثم جاء رجل فادعى العبد أنه له فإنه لا يدفعه له إلا بعد الرفع للإمام، فليس هذا مكررًا مع قوله: فإن أخذه رفعه للإمام، ولا يخفى أن هذا اقتحم النهي أولا وثانيا، أما أولا فحيث التقط آبقا لا يعرف مالكه، وأما ثانيا فحيث أبقاه بيده ولم يرفعه للإمام، ويَحْتَمِلُ أن معنى كلامه إن التقط من يعرف مالكه فمات ثم جاء شخص لا يعرف أنه وارثه، أو التقط من يظن أنه لزيد الذي يعرفه فجاء غيره فادعاه فليرفعه للإمام عند مجيء الوارث أو المدعي أنه ربه ومن بيده لا يعرفه، ويحتمل أنه التقط عبدا لا يعرف سيده فإنه يرفعه للإمام، وعليه فهو مكرر مع قوله: فإن أخذه رفعه ل ٤ لإمام، وأعاده ليرتب عليه قوله: إن لم يَخَفْ ظلمَه، أي إنما يرفعه للإمام إذا لم يخف ظلم الإمام بأن كان الإمام عادلا، وأما إن خاف ظلمه فلا يرفعه للإمام، ويجري فيه قوله: واستحقه سيده بشاهد ويمين لخ، كما أنه يجري ذلك فيما إذا رفعه للإمام حيث لم يخف ظلمه. وإن أتى رجل أبق له عبد من قُطر إلى قاضي قُطر ’خر بكتاب أي مكتوب قاض قد أقام عنده الرجل الذي أبق له عبد ببينة تشهد بأنه أبق له عبد صفته كذا وحليته كذا وكان ذلك الوصف

стр. 7863

مطابقا لوصف عبد آبق بالقطر الذي فيه القاضي الذي أتى الرجل إليه بالكتاب، ويبدل من قوله: كتاب قوله: أنه قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان خبر مبتدأ محذوف، أي وهو فلان أو بدل من اسم أن على مذهب الكوفيين، وخبر أنَّ الثانية هو قوله: هرب منه عبد ووصفه فليدفع إليه وجوبا بذلك، ولا لجث عن البينة ولا يطلب إحضارها إليه بعد يمين القضاء أنه ما خرج عن ملكه. قال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن من أبق له عبد من قطر إلى قطر فأقام صاحب العبد بينة عند قاضي قطره شهدت له أنه أبق له عبد ووصفته البينة وحَلَّته وصفا يطابق العبد الذي هو عند القاضي المرسل إليه الكتاب المتضمن للشهادة المذكورة، فإذا جاء هذا الكتاب إلى القاضي المرسل إليه ووجد فيه ما يطابق العبد الذي عنده فإنه يدفع العبد لصاحبه بذلك، فقوله: بكتاب أي مكتوب قاض والمكتوب هو ما في الكاغد، فقوله: إنه قد شهد عندي لخ، بدل كل من كل، وقوله: فلان بدل من محل اسم أن، لأن محله رفع بالابتداء، والخبرُ قوله: هرب. والله تعالى أعلم. وقال المواق: من المدونة قال ابن القاسم: وإن أتى رجل إلى قاض بكتاب من قاض يذكر فيه أنه قد شهد عندي قوم أن فلانا صاحب كتابي هذا إليك قد هرب منه عبد صفته كذا فحلَّاه ووصفه في الكتاب، وعند هذا القاضي عبد محبوس على هذه الصفة، فليقبل كتاب القاضي والبينة التي شهدت فيه على الصفة، ويدفع إليه العبد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أتى رجل بكتاب قاض أي مكتوب قاض والمكتوب هو ما في الكاغد، وحينئذ فقوله: قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا لخ، بدل اشتمال أو بدل كل من كل فلان ليس خبرًا لأن الثانية، لأنه ليس محط الفائدة وإنما مَحَطُّها هرب لخ، فكان الأولى نصبه على أنه بدل من اسم أن لأنه منصوب، فرفعه على أنه بدل من محل اسم أن لأنه في محل رفع بالابتداء عند من لا يشترط المُحرِزَ وهم الكوفيون، والخبر قوله: هرب منه عبد ووصفه القاضي في الكتاب، وعند القاضي المكتوب إليه عبد محبوس بهذه الصفة، فليدفع هذا العبد إليه بذلك ويقبل الكتاب والبينة التي فيه على الصفة، وذلك بعد يمين القضاء أنه ما خرج عن ملكه، ونحوه في المدونة. انتهى. وقال التتائي: وإن أتى رجل بكتاب قاض إلى قاض، قال الشارح: أو نحوه ممن يلي أمور الناس في ذلك الموضع أنَّه شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان هرب منه عبد صفته كذا وحلَّاه ووصفه

стр. 7864

وعند القاضي المكتوب إليه عبد محبوس على هذه الصفة فليدفع هذا العبد إليه بذلك ويقبل الكتاب والبينة التي فيه على الصفة، ونحوه في المدونة. والله تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وإن أتى رجل أبق له عبد من قطر إلى قاضي قطر آخر عنده آبق، فأقام بينة عند قاضي قطره شهدت له أنه أبق له عبد صفته كذا وحليته كذا وصفا يطابق الذي في القطر الآخر، وكتب له به كتابا، فأتى بكتاب أي مكتوب قاض، وذكر ما كتب فيه بدل كل من كل بقوله: أنه قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان هرب منه عبد ووصفه فليدفع إليه بذلك، ولا يبحث عن البينة ولا يطلب إحضارها إليه بعد يمين القضاء أنه ما خرج عن ملكه، ثم نقل عن الشيخ أحمد ما يقتضي أنه رفع فلان على أنه بدل من اسم أن الثانية عند من لا يشترط وجود المُحْرِزِ وهم الكوفيون. انتهى المراد منه. والمُحْرِزُ هو الطالب لذلك المحل، وهو هنا الابتداء، ولم يوجد بل انعدم لأجل وجود الناسخ. والله سبحانه أعلم. وما ذكره المص هنا لا يخالف قوله في القضاء: ولم يفد وحده، قال بناني: قال مصطفى: الظاهر أنه قبل هنا وحده لخفة الأمر فيه إذ له أخذه بمجرد قوله، وقد أشار لهذا في المدونة. انظر تمامه. ولما كان الإنسان لا يقوم بمعيشته غالبا إلا باجتماعه مع غيره وهو مود للتنازع عادة لاختلاف الأغراض في الأشياء، احتيج للحاكم لدفع النزاع المفضي لإتلاف النفوس، فلذا عقد للقضاء المص بابا فقال:

стр. 7865

باب: في القضاء قال الأزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، وقال القسطلاني: القضاء في اللغة بمعنى الأمر، ومنه ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ والمعلم منه وقضيت لك بكذا أعلمتك به، والموت منه ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، والإتمام منه ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ والفعل منه ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾، والإرادة منه ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾، والكتابة منه ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، والفصل منه ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، والخلق ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، وفي الصحاح: قد يكون القضاء بمعنى الأداء، تقول: قضيت ديني، والإنهاء ومنه ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي أنهيناه إليه وبلغنا له ذلك، وقال الشيخ طفى: اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، والأكثر أنه بمعنى أمَر لا حَكَمَ إذ لو حكم لم يقع إلا ما حكم به. ابن عطية: ويصح أن يكون بمعنى حكم على أن الضمير في أن لا تعبدوا للمؤمنين. انتهى. ويقال: قضى نحبه أي مات، وأصل النحب النذر واستعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان. وقال القرافي قوله تعالى ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾: [أي امضوا إلي (١)] ويقال استقضي فلان أي صير قاضيا، وفي الخرشي: القضاء الحكم والجمع الأقضية، والقضية مثله والجمع القضايا، وعرف ابن عرفة القضاء عند أهل الشرع بقوله: صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين، فيخرج التحكيم وولاية الشرطة وأخواتها والإمامة، قوله: صفة حكمية، يعني أن القضاء في الشرع معنى حكمي لا فصل بين الخصوم كما زعم بعضهم لقصوره عن الفصل الفعلي، والقضاء أعم من ذلك لأن القضاء معنى يوجب. له نفوذ الحكم فصل أو لم يفصل، وقوله: نفوذ بالذال المعجمة أي مضي ولزوم، وقوله: حكمه، والمراد به الإلزام الذي يطاوعه اللزوم الذي هو النفوذ، فالقاضي هو الذي إذا ألزم أحدا شيئا لزمه، فتفسير الشيخ ميارة النفوذ في كلام ابن عرفة بالإلزام غير جيد، قال الشيخ أبو علي: وقوله: توجب لخ، أخرج به من لم تكن له هذه الصفة التي اختص بها عن غيره ولا يلزم ما

стр. 7866

ألزمه. والله سبحانه أعلم. وقول ابن عرفة: إن التحكيم يخرج من تعريفه، قال الحطاب: لم يظهر لي وجه خروجه أي لأن القاضي وإن كان له الحكم في كل شيء ولا كذلك المحكم يشاركه المحكم في النفوذ وإنما يفترقان في الجواز ابتداء. والله سبحانه أعلم. وقول ابن عرفة: ولو بتعديل لخ، أي توجب له نفوذ حكمه بكل شيء ولو كان الحكم بتعديل لخ، وقوله: لا في عموم مصالح المسلمين، أخرج به الإمامة لأن القاضي ليس له قسمة الغنائم، ولا تفريق أموال بيت المال، ولا ترتيب الجيوش، ولا قتل البغاة، ولا الإقطاعات. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أن ولاية الشرطة وأخواتها تخرج بقوله: الشرعي، قال الشيخ بناني: فيه نظر إذ الجميع شرعي، نعم يخرج بهذا العموم ولاية الشرطة. اهـ. وعرفه ابن رشد (١) بأنه: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، وقال الشيخ بناني (٢): وكما أن القضاء يطلق في الاصطلاح على الصفة المذكورة ويطلق على الحكم بين الخصمين كما يقال: قضى القاضي بكذا وقضاء القاضي حق أو باطل اهـ ولا كان مستحق القضاء هو من اجتمعت فيه أوصاف وهي ثلاثة أقسام، الأول: ما هو شرط في صحة ولايته ابتداء ودواما، وما هو شرط جواز ولايته ومتى خلا منها عزل، وما هو مستحب لا يمنع فقده صحة ولا يوجب عزلا، أشار إلى القسم الأول بقوله: باب في القضاء. أهل القضاء عدل، يعني أن المتأهل للقضاء أي الصالح له في نفس الأمر والمستحق له من اجتمعت فيه أوصاف أربعة، أحدها: العدالة، والمراد عدل الشهادة، ويأتي للمؤلف تعريفه في باب الشهادة، وهو وصف مركب من خمسة أوصاف، الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وعدم الفسق؛ وقوله: عدل ولو عتيقا عند الجمهور، وعن سحنون المنع لاحتمال أن يستحق فترد أحكامه، واحترز بالعدل عن غير العدل فلا تصح ولايته، وقال ابن رشد: انفرد الله تعالى بالحكم والقضاء بين عباده في الآخرة، فقال ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، وصرف ﵎ الحكم بينهم في الدنيا إلى من استخلفه في الأرض عليهم من

стр. 7867

الأنبياء، ومَن بعدهم من الخلفاء، وأُولِي الأمر من القضاة والحكام والعلماء، وفرض عليهم العدل بينهم في الحكم، وأن لا يتبعوا الهوى، ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وفرض لهم على الناس التسليم والطاعة والانقياد، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. نقله الرهوني. ثانيها: أشار إليه بقوله: ذكر، يعني أنه يشترط في تولية القاضي أن يكون ذكرا محققا، فتولية المرأة لغو لخبر: (لمن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (١)). والخنثى كذلك، وروي عن ابن القاسم جواز تولية المرأة، واعلم أن القول بأن الفسق لا ينافي القضاء ضعيف جدًّا. والله سبحانه أعلم. ثالثها: أشار إليه بقوله. فطن، يعني أنه يشترط في صحة تولية القاضي أن يكون فطنا أي جيد الذهن بأن يكون عنده من جودة العقل ما يرد به التحد متعددا، وما يرد به التعدد متحدا، وما يرد به الصحيح فاسدا، والفاسد صحيحا، كما إذا كان عند غيره متحد البلاهة أو البلادة ويكون عنده هو متعددا أو بالعكس: أو يكون عند غيره صحيحا وعنده هو فاسدا أو بالعكس، فلا يكتفى بالعقل التكليفي، بل لا بد أن يكون بَيِّن الفطنة بعيدا من الغفلة، وعَدَّ ابن رشد وابن شأس الفطنة من الصفات المستحبة، وفي الحطاب: والحق أن مطلق الفطنة المانع من كثرة التغفل من القسم الأول، يعني المشترطة [الموجبة (٢)] للشهرة بها غير النادرة ينبغي كونها من الصفات المستحبة، فلو قال المؤلف: ذو فطنة لكان أحسن لأن فطنا من أبنية المبالغة كحذر. والله سبحانه أعلم. وقوله: فطن، قيل: يستغني عنه بعدل، قال التتائي: وليس بظاهر لأن المراد كونه أشد تفطنا بحجاج الخصوم وخداعهم. انتهى. وفي الشبراخيتي: أن فطنا من باب النسب وليست للمبالغة، وأنه من جملة ما أخذ من مفهوم العدل، وقال ابن عبد السلام: والمراد من الفطنة بحيث لا يستزل في رأيه ولا تتمشى عليه حيَل المشهود وأكثر الخصوم. انتهى. لطيفة: قال المشدالي في حاشية المدونة: روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بالبصرة عدي بن أرطاة أن اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة فول القضاء أنفذهما، فجمع

стр. 7868

عدي بينهما وقال لهما ما عهد به عمر إليه، فقال له إياس: سل عني فقيهي المصر الحسن وابن سيرين وكان القاسم يأتي الحسن وابن سيرين وإياس لا يأتيهما: فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال له: لا تسل عمي ولا عنه فوالله الذي لا إله إلا هو لإياس أفقه مني وأعلم بالقضاء، فإن كنت كاذبا فما عليك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل مني قولي، فقال له إياس: إنك جئت برجل وأوقفته على شفير جهنم فنجَّى منها نفسه بيمين كاذبة فيستغفر الله منها وينجو مما يخاف، فقال له عدي: أمَا إنك إذ فهمتها فأنت لها [فاستقضاه (١)] انتهى. نقله غير واحد. رابعها: أشار إليه بقوله: مجتهد، يعني أنه يشترط في تولية القاضي أن يكون مجتهدا، فلا تصح تولية المقلد إن وجد المجتهد يعني المطلق، وأما غير المطلق فهو داخل في قوله: وإلا أي فإن لم يوجد مجتهد فأمثل مقلد، أي فالمتأهل للقضاء والمستحق له الأمثل أي الأفضل من المقلد وهو الذي له فقه نفس إن طبع (٢) وقدرة على الترجيح لأقوال مذهبه ويعلم منها ما هو أجرى على قواعد إمامه، وظاهر قوله: إن وجد جواز الاجتهاد المطلق بعد الأربعة وفيه نزاع، وقوله: فأمثل مقلد، قال الشيخ بناني: هذا يقتضي أن ولاية الأمثل شرط صحة فلا تنعقد ولاية من دونه مع وجوده، ولا أظن هذا يسلم، وعبارة ابن عبد السلام وغيره: ينبغي أن يختار أعلم القلدين ممن له علم نفس. انظر الحطاب وغيره. وقوله: مجتهد، المجتهد هو الذي يقدر على إقامة الأدلة، الشبراخيتي: وظاهره يعني المص أن تولية أمثل مقلد مع وجود المجتهد باطلة، وهذا قول وعليه طائفة من أهل المذهب، وقول الآخر أنها صحيحة وعليه طائفة أيضا كالمازري وغيره، وعليه العمل في زمن ملك وغيره ممن قبله ومن بعده من المجتهدين، فكان ينبغي الاقتصار عليه أو يذكر القولين، وقوله: فأمثل مقلد، ظاهر كلام المص أنه شرط صحة وهو الذي فهمه ابن عرفة من كلام المازري وغيره، وظاهر المدونة أنه شرط كمال. انتهى. وفي الحطاب: بقي على المؤلف شرط آخر وهو أن يكون القاضي

стр. 7869

واحدا، نص عليه في المقدمات، ونصه: فأما الخصال المشترطة في صحة الولاية فهي أن يكون حرا مسلما عاقلا بالغا ذكرًا واحدًا فهذه الستة الخصال لا يصح أن يولَّى القضاء على مذهبنا إلا من اجتمعت فيه، فإن ولِّي من لم تجتمع فيه لم تنعقد له الولاية، وإن انخرم شيء منها بعد انقضاء الولاية سقطت الولاية. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: معنى كونه واحدا أن يكون مستقلا بالحكم لا يتوقف على غيره. والله سبحانه أعلم. وهذا الذي فسرت به فسر به الشيخ ميارة وغيره: وأما تعددُ القاضي المستقل فلا خفاء فيه. والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأول: قال البرزلي: إذا تحَرج الناس لعدم القضاة أو لكونهم غير عدول فجماعتهم كافية في الحكم في جميع ما وصفته وفي جميع الأشياء، فيجتمع أهل المدين والفضل فيقومون مقام القاضي مع فقده في ضرب الآجال والطلاق وغير ذلك، نقله الحطاب. وفي الرهوني عند قول المص: وكمل هو العباسي، أن جماعة المسلمين الذين ينزلون منزلة الإمام هم أهل العدالة والمعلم بما تتوقف عليه صحة الإمامة. الثاني: نص في النوادر على أنا إذا لم نجد في جهة إلا غير العدل أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورا للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم ليلا تضيع المصالح، وما أظنه يخالفه أحد في هذا، لأن التكليف مشروط بالإمكان، وإذا جاز نصب المشهود فسقة لأجل عموم الفساد جاز التوسع في أحكام المظالم. قاله الحطاب. الثالث: قال في التبصرة: قال المازري في شرح التلقين: القضاء ينعقد بأحد وجهين، أحدهما: عقد أمير المؤمنين أو أحد أمرائه الذين جعل لهم العقد في مثل هذا. والثاني: عقد ذوي الرأي وأهل المعلم والمعرفة والعدالة لرجل منهم كملت فيه شروط القضاء، وهذا حيث لا يمكنهم مطالعة الإمام في ذلك، ولا أن يستدعوا منه ولايته، ويكون عقدهم له نيابة عن عقد الإمام الأعظم أو نيابة عمن جعل له الإمام للضرورة الداعية إلى ذلك. الرابع: قال في التبصرة: قال سحنون: واختلف أبو محمد عبد الله بن فروخ وابن غانم قاضي إفريقية وهما من رواة ملك، قال ابن فرُّوخ: لا ينبغي للقاضي إذا ولاه أمير غير عادل أن يلي

стр. 7870

القضاءت وقال ابن غانم: يجوز أن يلي وإن كان الإمام غير عادل فكتبا [بها (١)] إلى ملك، فقال ملك: أصاب الفارسي يعني ابن فرُّوخ وأخطأ الذي زعم أنه عربي، يعني ابن غانم، واعلم أن القاضي له الإنهاء، (٢) وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما، فقد [يفوض (٣)] إليه التنفيذ فقد لا يندرج في ولايته انظر التبصرة والشبراخيتي ولاية القضاء للإمام الأعظم ولنائبه إن كان عدلا وإلا فلجماعة المسلمين، وولاية الإمام للقاضي إن كانت مشافهة فلا بد من القبول على الفور، وإن كانت بإرسال فلا يشترط ذلك ولا يشترط التصريح، بل يكفي الشروع في الأحكام، ويكفي في الولاية معرفة خط المولّي دون إشهاد، ويكفي فيها الشياع فلو حكم من غير شياع مضى، وللقاضي أن يستنيب في غير محل ولايته بخلاف حكمه فلا بد أن يكون في محل ولايته، ولا تجوز تولية القضاء لمن يسأل فيه إلا أن يكون منفردا بشروط القضاء، فإن ولي مضى ونفذت أحكامه إلا أن يكون سأل التولية بدفع مال فلا تمضي ولايته ولو تعين عليه القضاء، ولا تنفذ أحكامه ولو وافقت الحق، وكذلك لا يجوز لأحد أن يدفع مالا على عزل قاض آخر ليتولى موضعه، فإن وقع فهو باطل والمعزول باق على ولايته، وكذلك لا يجوز للقاضي أن يتولى من الإمام غير العدل، ويجوز للإمام أن يولي قاضيا لا يرى مذهبه، ومن ادعى [أن القاضي (٤)] استنابه قُبل قوله، ولا يلزمه الإثبات، لكن لا يلزم الناس العمل بمجرد قوله حتى يثبت ما ادعاه، ويشترط في القاضي معرفة الأمير الذي ولاه، والمحل الذي ولي عليه، والنوع الذي ولي فيه، وألفاظ الولاية صريحة وكناية، فالصريحة: وليتك. والكناية: أقمتك مقامي ونحو ذلك. انتهى. الخامس: اعلم أن حكمة القضاء رفع التهارج، [ورَدُّ التواثب: وقمع المظالم، ونصر المظلوم، (٥)] وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قاله ابن [راشد (٦)] وغيره. قال (٧) في التبصرة.

стр. 7871

السادس: اعلم أن أكثر المولفين بالغوا من التحذير من الدخول في ولاية القضاء، وشددوا في كراهة السعي فيها، ورغبوا في الإعراض عنها والنفور والهروب منها، وفي الجامع الصغير: (عجَّ حجر إلى الله تعالى فقال: إلهي وسيدي عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في أسِّ كنيف، فقال: أو ما ترضى أن عدلت بك عن مجلس القضاء (١)). قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: تأمل هذا الحديث الشريف حيث منَّ على هذا الحجر بالعدول عن مجلس القضاة إلى الكنيف القذر المستبشع الخبيث الرائحة الكريه المنظر الذي يكاد تزهق معه الروح لخبثه وقذارته ونفور النفوس منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقال الزقاق بعد أن ذكر فصل القضاء: ولكن حِذارًا يا عليما بشرعة … توقاه واحذر واهرب إن كنت مبتلى تأمل حديث القاضيين وثالثا … وقول رسول الله يحيا مُغَلَّلا وقوله في ذبح بلا مدية وآ … ية الجن فيمن جار تكفي لتعدلا ويروى بتفضيل عُتُوّ وبغضه … وبعد بمن قد جار إياك والبلا قوله حذارا بكسر الحاء منونة أي احذر، ومفعول توقاه للقضاء وحقه أن يحذف ألفه، واهرب أي منه، وقوله: وقول رسول الله ﷺ ، عطف على حديث، وكذا قوله: وقوله في ذبح وآية وفي من جار حال، وتكفي جواب تأمل، ومعنى كفاية الأحاديث والآية المذكورة معها أنه تكفي عن غيرها من الأحاديث والآي الواردة في وعيد من جار ولم يعدل، ويحتمل أنما تكون آية الجن مبتدأ ومضاف إليه وجملة تكفي خبره وفيمن جار يتعلق بتكفي، وقوله: لتعدلا يتعلق بتأمل. وقوله: بتفضيل أي بصيغته وباء بمن قد جار ظرفية تتعلق بيروى، وكذا بتفضيل يتعلق

стр. 7872

بيروى أيضا، وقوله: إياك والبلا تحذير من الجور، والآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي الجائرون، وأما الأحاديث فالأولُ منها قوله ﷺ : (القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عمل بالحق في قضائه فهو في الجنة، وقاض علم الحق فجار متعمدا فذلك في النار، وقاض قضى بغير علم واستحيا أن يقول: إني لا أعلم فهو في النار (١)) وقد يتبين من هذا أن الوعيد في القاضي الجائر أو الجاهل، وأما من اجتهد في طلب الحق على علم فأخطأ فلا يلحقه الوعيد المذكور بل هو مأجور، لقوله ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد (٢)). والثاني من الأحاديث قوله ﷺ : (إن القاضي يأتي يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه فيطلقها عدله ويوثقها جوره) نقله التيطي أول كتاب القضاء، ويحيى أي يبعث مضارع حيي. والثالث قوله ﷺ : (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين (٣)). وفي هذا الحديث تنبيه على عظم هذا الأمر لأن الغالب عدم السلامة إلا من عصمه الله تعالى. والرابع قوله ﷺ : (إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمر أمة محمد ﷺ شيئا ثم لم يعدل بينهم). وقوله صلى الله عليه: فقد ذبح بغير سكين أورده أكثر الناس في معرض التحذير من القضاء، وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظم منزلته، وأن التولي له لمجاهد لنفسه وهواه، فجعله ذبيح الحق لتعظم له الثوبة، فقد استسلم لحكم الله وصَبَر على لمخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم، فلم تأخذه في الله لومة لائم حتى قادهم إلى أمر الحق وكلمة العدل، وكفهم عن دعاوي الهوى والعناد. انتهى. وجاء عن عائشة أنه ﷺ قال: (هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سألوه بذلوه، وإذا حكموا للمسلمين

стр. 7873

حكموا حكمهم لأنفسهم وقال ﷺ : المقسطون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين. وقال عبد الله بن مسعود: لأن أقضي يوما أفضل من عبادة سبعين سنة. فلذلك كان العدل بين الناس أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر. السابع: اعلم أن حكم القضاء الوجوب كفاية، ولا خلاف بين الأمة أن القيام بالقضاء واجب، ولا يتعين على أحد إلا أن [لا (١)] يوجد منه عوض، وقد اجتمعت فيه شرائط القضاء فيجب عليه. ابن المناصف: ويجب على من ولي القضاء أن يعالج نفسه ويجتهد في مصالح نفسه وبذل حاله ويكون ذلك من أهم ما يجعله من باله، فيحمل نفسه على آداب الشرع، وحفظ المروءة، وعلو الهمة، ويتوقى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله ويحطه في منصبه وهمته، فإنه أهل لأن ينظر إليه ويعتنى به، وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره، وفي التبصرة: أنه قد تقرر في ذهن كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه وألقى بيده إلى التهلكة، وهذا غلط فاحش تجب التوبة منه، إلى أن قال واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد فإنما هو في حق قضاة الجور من العلماء وفي حق الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم. انتهى. وقوله: غلط فاحش، قال الشيخ ميارة ليس هو غلطا وإنما هو نظر للغالب الذي هو كالمحقق، فإن الطبيعة البشرية واحدة، وما جاز على المثل يجوز على مماثله، والعيب يحدث لمن لم يكن فيه، والنفس مجبولة على حب الدنيا والإمارة والميل للنفس والأقارب والأصحاب، فالتحذير من القضاء من باب سد الذرائع وتقديم درء المفاسد على جلب الصالح، ومن باب قول القائل: إن السلامة من سلمى وجارتها … أن لا تمر بواد حول واديها

стр. 7874

وزيد للإمام الأعظم قرشي، يعني أنه يشترط في الإمام الأعظم وهو الخليفة أن يكون عدلا ذكرا فطنا مجتهدا إن وجد وإلا فأمثل مقلد، ويشترط زيادة على ذلك وصف خامس وهو كونه قرشيا، وقريش هم ولد فهر فهو جِمَاعُهُم وهذا هو الأصح والأكثرون على أنهم ولد النضر قال عبد الباقي وكون الخليفة من بني العباس [أولى (١)] لا واجب. انتهى. قال بناني: هذا أصله للشارح، وتبعه التتائي وعلي الأجهوري، وقال مصطفى: وذلك خطأ صراح إذ لم أو من قال إن الأولى كونه عباسيا ولا وجه له، وقول المص في الأضحية: ليس المراد أنه يطلب فيه كونه عباسيا، وإنما اختصر قول اللخمي وغيره: وهل الإمام المعتبر سبقه الخليفة كالعباسي اليوم. انتهى. وقال ذلك لأنه في زمن دولة بني العباس فافهم، وقد نبهنا على ذلك في الأضحية. انتهى. وفي كتاب الأسير: أن الخليفة لا يتعدد إلا بقطر بعد جدا، واعلم أن النسبة لقريش قرشي وربما قالوا قريشي قال: وكل قريشي عليه مهابة … سريع إلى داعي الندى والتكرم تنبيهات: الأول: اعلم أنه انعقد الإجماع على وجوب نصب الإمام الأعظم وهو الخليفة، والخليفة هو الذي له الخلافة، والخلافة هي خلافة شخص للرسول ﷺ في إقامة الشرع وحفظ الله على وجه يوجب اتباعَه كافةُ الناس وهذا التعريف للآمدي، وقال الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوءة لحراسة المدين وسياسة الدنيا. الشريف الجرجاني: محل وجوب نصب الإمام إذا وجد الجامع لشروطها، وأما إن لم يوجد فلا يجب نصبه، لكن للأمة أن ينصبوا فاقدها دفعا للمفاسد التي تندفع بنصبه. انتهى. وإذا ثبت وجوب الإمامة وأنها فرض على الكفاية فإن لم يقم بها (٢) خرج فريقان أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا للإمامة إماما. والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة،

стр. 7875

أحدها: العدالة الجامعة لشروطها. الثاني: المعلم الذي يتوصل به إلى من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة. الثالث: الرأي والمكنة الوديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح ولتدبير الصالح أقوم وأعرف، وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد مزية، وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. والثاني: المعلم الودي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام. والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك معها. الرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض. الخامس: صحة الرأي الفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. السادس: الشجاعة والنجدة المودية إلى حماية البيضة وجهاد العدو السابع: النسب وهو أن يكون من قريش لوجود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه، ولا اعتبار بمن شذ فجوزها في جميع الناس لأن أبا بكر ﵁ احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي ﷺ : (الأئمة من قريش (١)) فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء (٢)). وقال ﷺ : (قدموا قريشا ولا تتقدموها (٣))، فليس مع هذا النص المسلَّم شبهة لمنازع فيه ولا قول لمخالف له. قاله الماوردي. قال الشيخ ميارة: ويعني بالعدالة في الشرط الأول عدالة الفقهاء لا عدالة المحدثين، فيخرج العبد والمرأة والصبي والكافر وغير العاقل، واحترز بوصف العدالة من الفاسق ولا شك أن الموصوف بالفسق قبل عقدها لم يجز نصبه بلا خلاف وإن طرأ عليه الفسق بعد نصبه لم يجز عزله ولا الخروج عليه عند بعض أهل السنة لا في ذلك من الفتن وانتشار المفاسد بأضعاف مضاعفة عما كانت عليه مع بقائه، بل ظاهر المنصوص والأحاديث أن الإمامة إذا وقعت لمتصف بالفسق ابتداء تفوت ولا تنقض لما ينشأ عن نقضها من المفاسد، وقد وصف النبي ﷺ الأزمنة الفاسدة ووصف ملوكها بما هو مشهور،

стр. 7876

ولم يأمر بالقيام عليهم ولا بالخروج عنهم، بل أمر أن تؤدى إليهم حقوقهم ويسأل الإنسان حقه من الله تعالى، وزاد الشيخ السنوسي أن يكون مقتدرا على إنفاذ حكمه، فإن قيل: يلزم سقوط إمامة عثمان رضي الله تعالى عنه حين حصره، أجاب الآمدي: بأنا لا نسلم عدم قدرته بل كانا أمره نافذا شرقا وغربا، وإنما هاش عليه رجال أوباش فقصد المسلم وترك الفتنة. انتهى. وعد بعضهم في الشروط كونه ذا كفاية يقدر بها على تجهيز العساكر، وإقامة الحدود، والذب عن بيضة الإسلام، واشتراط كونه قرشيا هو مذهب أهل السنة، وخالف في ذلك الخوارج وبعض المعتزلة، قال المازري: غلا بعضهم فقال: لو استوى قرشي وقبطي في شروط الإمامة ترجح القبطي الأنه أقرب لعدم الظلم والجور، واحتج أصحابنا بإجماع الصحابة والأحاديث. الثاني: اعلم أن الإمامة تنعقد بوجهين، اختيار أحل الحل والعقد، والثاني بعهد الإمام من قبل، واختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة، فقالت طائفة: أقل من تنعقد بهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضى الأربعة استدلالا بأمرين، أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعت عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة. والثاني أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جعل الشورى في ستة تنعقد لأحدهم برضى الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة، وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وقالت طائفة: لا تنعقد إلا بإجماع جمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضى به عاما والتسليم لإمامته إجماعا، وهذا مذهب مدفوع لبيعة أبي بكر ﵁ على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر بها قدوم غائب عنها، وإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فيهم شروطها، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإذا أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت بينهم الإمامة، ولزم كافة الأمة الدُّخول في بيعته والانقياد في طاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يُجب إليها لم يجبر عليها لأنه عقد مراضاة

стр. 7877

واختيار ولا يدخله إكراه ولا إجبار، وعدل عنه إلى سواه من مستحقها ولو تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم إليها أشبههما، فإن بُويع أصغرهما سنا جاز، ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدْعَى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل المعلم لظهور البدع مثلا كان الأعلم أحق، فإن وقع الاختيار على أحد من متكافئين فتنازعا فقال بعض الفقهاء: يكون قدحا يمنعهما منها ويُعدل إلى غيرهما، والذي عليه جمهور الفقهاء والعلماء أن التنازع فيها لا يكون قدحا مانعا وليس طلب الإمامة مكروها، فقد تنازع فيها أهل الشورى فلم يرد على طالبها ولم يمنع منها راغب، وَاختلف الفقهاء فيما يقطع به تنازع المتكافئين، فقيل: يقرع بينهما، وقيل: يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعة أيهما شاءوا من غير قرعة، وإذا تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه ثم ظهر بعده من هو أفضل منه انعقدت إمامة الأول، ولو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل نظر فإن كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبا أو كان المفضول أطوعَ في الناس وأقرب إلى القلوب انعقدت بيعة المفضول، وإن بويع لغير عذر فاختلف في انعقاد البيعة وصحة إمامته، والقول بصحتها هو قول الأكثر من الفقهاء والمتكلمين، وإذا انفرد في الوقت بشروط الإمامة واحد لم يشاركه فيها غيره تعينت فيه الإمامة ولم يجز أن يعدل بها عنه، واختلف في ثبوت إمامته وانعقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار، فذهب فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وإن لم يعقدها أهل الاختيار، وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنها لا تنعقد إلا بالرضى والاختيار، وإذا انعقدت الخلافة في بلدين لشخصين لم تنعقد لأنه لايجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزود فاختلف الفقهاء في الإمام منهما فقالت طائفة: هو الذي عقدت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تقدمه، وعلى كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم ويسلموها لمن بايعوه، وقال آخرون: بل على كل واحد منهما أن يدفع الإمامة عن نفسه ويسلمها إلى صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة ليختار أهل العقد غيرهما، وقال آخرون: يقرع بينهما دفعا للتنازع، والصحيح في ذلك ما عليه الفقهاء أن الإمامة لأسبقهما مبايعة وعقدا، وعلى المسبوق تسليم الأمر إليه والدخول في بيعته، وإن عقدت الإمامة لهما في حال واحد ولم يسبق لها أحدهما

стр. 7878

فسد العقد واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما، وإن تقدمت بيعة أحدهما وأشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف، فإن تنازعاها وادعى كل واحد منهعا أنه أسبق لم تسمع دعواه ولم يحلف عليها، ولو سلم أحدهما إلى الآخر لم تسمع إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه، فإن أقر أحدهما لصاحبه بالتقدم وشهد مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع ولم تسمع منه إن لم يذكر الاشتباه لا في القولين من التكاذب، وإذا لم تقم بينة لأحدهما لم يقرع بينهما ويستأنف أهل الاختيار عقدها لأحدهما، فلو أرادوا العدولَ بها إلى غيرهما فقيل: بجوازه لخروجهما منها، وقيل: لا يجوز لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداهما، ولأن الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما، وانعقاد الإمامة بعهد من قبله مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين، أحدهما: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عهد بها إلى عمر ﵁ فأثبت المسلمون إمامته بعهده، والثاني أن عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر، وإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم لشروطها، فإذا تعين الاجتهاد في واحد نظر فيه فإن لم يكن ولدا أو والدا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له، فإن كان ولدا أو والدا ففيه ثلاثة مذاهب، أحدها: لا يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ولا لوالد حتى يشاور فيها أهل الاختيار فيرونه أهلا لها فيصح منه حينئذ عقد البيعة، والمذهب الثاني يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ووالد، والمذهب الثالث يجوز أن ينفرد بعقد البيعة للوالد لا للولد، فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته فكعقدها للأباعد الأجانب في جواز انفراده بها: وإن عهد بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه كان العهد موقوفا على قبول المُوَلَّى، واختلف في زمان قبوله فقيل هو بعد موت المولي في الوقت الذي يصح نظر المولَّى، وقيل وهو الأصح: أنه ما بين عهد المولِّي وموته وليس للإمام المولِّي عزل من عهد إليه ما لم يتغير حاله وإن جاز له عزل من استنابهُ من سائر خلفائه لأنه مستخلف لهم في حق نفسه، ومن عهد إليه مستخلف في حق المسلمين، فلم يكن له عزله كما لم يكن لأهل الاختيار عزل من بايعوه إذا لم يتغير حاله عما كان عليه، وتعتبر شروط الإمامة في المولَّى وقت العهد

стр. 7879

إليه، فإن كان صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا عَدْلًا عند موت المولِّي لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته، وإذا عهد الإمام إلى غائب وهو مجهول الحياة لم يصح عهده، وإن كان معلومَ الحياة صح وكان موقوفا على قدومه، وإن مات المستخلف وولي العهد على غيبته استقدمه أهل الاختيار، فإن بعدت غيبته واستضر المسلمون بتأخُّر النظر في أمورهم استأنف أهل الاختيار نائبا عنه يبايعونه بالنيابة دون الخلافة، فإذا قدم الخليفة الغائب انعزل المستخلف وكان نظره قبل قدوم الخليفة ماضيا وبعد قدومه مردودا، ولو أراد ولي العهد قبل موت الخليفة أن يرد ما إليه من ولاية العهد إلى غيره لم يجز لأن الخلافة لا تستقر إلا بعد موت المستخلف، وكذا لو قال: جعلته ولي عهدي إذا أفضيت الخلافة إليَّ لم يجز لأنه في الحال ليس بخليفة، فلا يصح عهده بالخلافة، وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلَى وَلِيِّ عهده وقام خلعه لنفسه مقام موته، وَلَو عهد الخليفة إلى اثنين لم يقدِّم أحدهما على الآخر جازَ اختيارُ أهل الاختيار أحدَهما بعد موته كأهل الشورى، فإن عمر ﵁ جعلها في ستة، ويجوز للخليفة أن ينص على أهل الاختيار كما يجوز له أن ينص على أهل العهد، فلا يجوز إلَّا اختيار من نص عليه، كما لا يصح إلا تقليد من عهد إليه، ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة بينهم، فقال الخليفةُ: بعدي فلانٌ، فإن مات فالخليفة بعده فلان، جاز وكانت الخلافة منتقلة إلى الثلاثة على ما رتب، فقد رتب رسول الله ﷺ على جيش مؤتة زيد بن حَارِثَة، وقال: (إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليتربص المسلمون رجلا (١)). فتقدم زيد بن حارثة فقتل، فأخذ الراية جعفر فقتل، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم فقتل، فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد. والظاهر من مذهب الشافعي ما عليه جمهور الفقهاء أنه يجوز لمن أفضيت إليه الخلافة من أولياء العهد أن يعهد بها إلى من شاء ويصرفها عمن كان مرتبا معه، ويجوز للخليفة العهد بالإمامة، ويجوز له الترك. انظر شرح الشيخ ميارة للأمية الزقاق، وفيه: وقد تلقينا من بعض شيوخنا المحققين أن الخلافة تنعقد بوجه

стр. 7880

ثالث وهو التغلب وعظم الشوكة، ولا تجوز منازعته لارتكاب أخف الضررين، ولا يشترط فيه إذ ذاك شرط من الشروط، ودليل هذا الوجه ما قاله الشيخ محيي المدين النووي في منهاجه في قوله ﷺ : (اسمع وأطع وإن كان عبدا (١)) قال: تتصور إمامة العبد إذا ولاه بعض الأئمة وتغلب على البلاد بشوكته وأتباعه فيسمع له ويطاع، وقال ابن العربي في الحديث (وأن لا تنازع (٢) الأمر أهله (٣)) يعني من ملكه لا من استحقه، فإن الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه، والطاعة واجبة في الجميع، فالصبر على ذلك أولى من التعرض لإفساد ذات البين. انتهى. نقله المواق أول فصل الباغية. الثالث: اعلم أنه تجب طاعة الأمير ولو كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، وقد منع عمرو بن العاص ﵁ جيشه وَقِيدَ النار في ليلة باردة، فلما قدموا شكوا لرسول الله صلى الله عليه رسلم فقال عَمْرٌو: كَان أصحابي في قلة فكرهت أن يراهم العدو فأعجبه ﷺ ، وإنما يسألونه فيما يخاف فيه الهلكة ويجمع على أنه خطأ، فيسألونه ويناظرونه فإن ظهر صوابه أطاعوه، وإلا فلا وقد رجع الصحابة لرأي أبي بكر في قتال أهل الردة. واعلم أن الإكراه لا ينفع في فعل يتعلق به حق المخلوق كالقتل والغصب، فلا يعذر أحد بالإكراه على ذلك. وفي معين الحكام: ومن هدِّد بقتل أو غيره على أن يقتل رجلا أو يقطع يده أويأخذ ماله أو يزني بامرأة أو يبيع متاع رجل فلا يسعه ذلك، فإن فعل فعليه القود ويغرم ما أتلف، ويحد إن زَنَى، ويضرب إن ضرب ويأثم، ويجب للرعية على الإمام أن يحكم بينهم بالعدل والرفق بهم ورعايتهم والنصح لهم. وسئل ملك عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال. أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم، وأما غيره فلا، فدعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما وسئل ملك إذا بايع الناس رجلا بالإمارة ثم قام آخر فدعا الناس إلى البيعة فبايعه بعضهم؟ فقال: قد رَوَى معاوية أن البايَع الثاني يُقتل، وهذا عندي إذا كان
следующие страницы →