← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

ولم يأمر بالقيام عليهم ولا بالخروج عنهم، بل أمر أن تؤدى إليهم حقوقهم ويسأل الإنسان حقه من الله تعالى، وزاد الشيخ السنوسي أن يكون مقتدرا على إنفاذ حكمه، فإن قيل: يلزم سقوط إمامة عثمان رضي الله تعالى عنه حين حصره، أجاب الآمدي: بأنا لا نسلم عدم قدرته بل كانا أمره نافذا شرقا وغربا، وإنما هاش عليه رجال أوباش فقصد المسلم وترك الفتنة. انتهى. وعد بعضهم في الشروط كونه ذا كفاية يقدر بها على تجهيز العساكر، وإقامة الحدود، والذب عن بيضة الإسلام، واشتراط كونه قرشيا هو مذهب أهل السنة، وخالف في ذلك الخوارج وبعض المعتزلة، قال المازري: غلا بعضهم فقال: لو استوى قرشي وقبطي في شروط الإمامة ترجح القبطي الأنه أقرب لعدم الظلم والجور، واحتج أصحابنا بإجماع الصحابة والأحاديث. الثاني: اعلم أن الإمامة تنعقد بوجهين، اختيار أحل الحل والعقد، والثاني بعهد الإمام من قبل، واختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة، فقالت طائفة: أقل من تنعقد بهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضى الأربعة استدلالا بأمرين، أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعت عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة. والثاني أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جعل الشورى في ستة تنعقد لأحدهم برضى الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة، وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وقالت طائفة: لا تنعقد إلا بإجماع جمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضى به عاما والتسليم لإمامته إجماعا، وهذا مذهب مدفوع لبيعة أبي بكر ﵁ على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر بها قدوم غائب عنها، وإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجود فيهم شروطها، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإذا أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت بينهم الإمامة، ولزم كافة الأمة الدُّخول في بيعته والانقياد في طاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يُجب إليها لم يجبر عليها لأنه عقد مراضاة

стр. 7877

واختيار ولا يدخله إكراه ولا إجبار، وعدل عنه إلى سواه من مستحقها ولو تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم إليها أشبههما، فإن بُويع أصغرهما سنا جاز، ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدْعَى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل المعلم لظهور البدع مثلا كان الأعلم أحق، فإن وقع الاختيار على أحد من متكافئين فتنازعا فقال بعض الفقهاء: يكون قدحا يمنعهما منها ويُعدل إلى غيرهما، والذي عليه جمهور الفقهاء والعلماء أن التنازع فيها لا يكون قدحا مانعا وليس طلب الإمامة مكروها، فقد تنازع فيها أهل الشورى فلم يرد على طالبها ولم يمنع منها راغب، وَاختلف الفقهاء فيما يقطع به تنازع المتكافئين، فقيل: يقرع بينهما، وقيل: يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعة أيهما شاءوا من غير قرعة، وإذا تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه ثم ظهر بعده من هو أفضل منه انعقدت إمامة الأول، ولو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل نظر فإن كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبا أو كان المفضول أطوعَ في الناس وأقرب إلى القلوب انعقدت بيعة المفضول، وإن بويع لغير عذر فاختلف في انعقاد البيعة وصحة إمامته، والقول بصحتها هو قول الأكثر من الفقهاء والمتكلمين، وإذا انفرد في الوقت بشروط الإمامة واحد لم يشاركه فيها غيره تعينت فيه الإمامة ولم يجز أن يعدل بها عنه، واختلف في ثبوت إمامته وانعقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار، فذهب فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وإن لم يعقدها أهل الاختيار، وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنها لا تنعقد إلا بالرضى والاختيار، وإذا انعقدت الخلافة في بلدين لشخصين لم تنعقد لأنه لايجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم فجوزود فاختلف الفقهاء في الإمام منهما فقالت طائفة: هو الذي عقدت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تقدمه، وعلى كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم ويسلموها لمن بايعوه، وقال آخرون: بل على كل واحد منهما أن يدفع الإمامة عن نفسه ويسلمها إلى صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة ليختار أهل العقد غيرهما، وقال آخرون: يقرع بينهما دفعا للتنازع، والصحيح في ذلك ما عليه الفقهاء أن الإمامة لأسبقهما مبايعة وعقدا، وعلى المسبوق تسليم الأمر إليه والدخول في بيعته، وإن عقدت الإمامة لهما في حال واحد ولم يسبق لها أحدهما

стр. 7878

فسد العقد واستؤنف العقد لأحدهما أو لغيرهما، وإن تقدمت بيعة أحدهما وأشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف، فإن تنازعاها وادعى كل واحد منهعا أنه أسبق لم تسمع دعواه ولم يحلف عليها، ولو سلم أحدهما إلى الآخر لم تسمع إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه، فإن أقر أحدهما لصاحبه بالتقدم وشهد مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع ولم تسمع منه إن لم يذكر الاشتباه لا في القولين من التكاذب، وإذا لم تقم بينة لأحدهما لم يقرع بينهما ويستأنف أهل الاختيار عقدها لأحدهما، فلو أرادوا العدولَ بها إلى غيرهما فقيل: بجوازه لخروجهما منها، وقيل: لا يجوز لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداهما، ولأن الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما، وانعقاد الإمامة بعهد من قبله مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين، أحدهما: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه عهد بها إلى عمر ﵁ فأثبت المسلمون إمامته بعهده، والثاني أن عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر، وإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم لشروطها، فإذا تعين الاجتهاد في واحد نظر فيه فإن لم يكن ولدا أو والدا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له، فإن كان ولدا أو والدا ففيه ثلاثة مذاهب، أحدها: لا يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ولا لوالد حتى يشاور فيها أهل الاختيار فيرونه أهلا لها فيصح منه حينئذ عقد البيعة، والمذهب الثاني يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ووالد، والمذهب الثالث يجوز أن ينفرد بعقد البيعة للوالد لا للولد، فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته فكعقدها للأباعد الأجانب في جواز انفراده بها: وإن عهد بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه كان العهد موقوفا على قبول المُوَلَّى، واختلف في زمان قبوله فقيل هو بعد موت المولي في الوقت الذي يصح نظر المولَّى، وقيل وهو الأصح: أنه ما بين عهد المولِّي وموته وليس للإمام المولِّي عزل من عهد إليه ما لم يتغير حاله وإن جاز له عزل من استنابهُ من سائر خلفائه لأنه مستخلف لهم في حق نفسه، ومن عهد إليه مستخلف في حق المسلمين، فلم يكن له عزله كما لم يكن لأهل الاختيار عزل من بايعوه إذا لم يتغير حاله عما كان عليه، وتعتبر شروط الإمامة في المولَّى وقت العهد

стр. 7879

إليه، فإن كان صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا عَدْلًا عند موت المولِّي لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته، وإذا عهد الإمام إلى غائب وهو مجهول الحياة لم يصح عهده، وإن كان معلومَ الحياة صح وكان موقوفا على قدومه، وإن مات المستخلف وولي العهد على غيبته استقدمه أهل الاختيار، فإن بعدت غيبته واستضر المسلمون بتأخُّر النظر في أمورهم استأنف أهل الاختيار نائبا عنه يبايعونه بالنيابة دون الخلافة، فإذا قدم الخليفة الغائب انعزل المستخلف وكان نظره قبل قدوم الخليفة ماضيا وبعد قدومه مردودا، ولو أراد ولي العهد قبل موت الخليفة أن يرد ما إليه من ولاية العهد إلى غيره لم يجز لأن الخلافة لا تستقر إلا بعد موت المستخلف، وكذا لو قال: جعلته ولي عهدي إذا أفضيت الخلافة إليَّ لم يجز لأنه في الحال ليس بخليفة، فلا يصح عهده بالخلافة، وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلَى وَلِيِّ عهده وقام خلعه لنفسه مقام موته، وَلَو عهد الخليفة إلى اثنين لم يقدِّم أحدهما على الآخر جازَ اختيارُ أهل الاختيار أحدَهما بعد موته كأهل الشورى، فإن عمر ﵁ جعلها في ستة، ويجوز للخليفة أن ينص على أهل الاختيار كما يجوز له أن ينص على أهل العهد، فلا يجوز إلَّا اختيار من نص عليه، كما لا يصح إلا تقليد من عهد إليه، ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة بينهم، فقال الخليفةُ: بعدي فلانٌ، فإن مات فالخليفة بعده فلان، جاز وكانت الخلافة منتقلة إلى الثلاثة على ما رتب، فقد رتب رسول الله ﷺ على جيش مؤتة زيد بن حَارِثَة، وقال: (إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليتربص المسلمون رجلا (١)). فتقدم زيد بن حارثة فقتل، فأخذ الراية جعفر فقتل، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم فقتل، فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد. والظاهر من مذهب الشافعي ما عليه جمهور الفقهاء أنه يجوز لمن أفضيت إليه الخلافة من أولياء العهد أن يعهد بها إلى من شاء ويصرفها عمن كان مرتبا معه، ويجوز للخليفة العهد بالإمامة، ويجوز له الترك. انظر شرح الشيخ ميارة للأمية الزقاق، وفيه: وقد تلقينا من بعض شيوخنا المحققين أن الخلافة تنعقد بوجه

стр. 7880

ثالث وهو التغلب وعظم الشوكة، ولا تجوز منازعته لارتكاب أخف الضررين، ولا يشترط فيه إذ ذاك شرط من الشروط، ودليل هذا الوجه ما قاله الشيخ محيي المدين النووي في منهاجه في قوله ﷺ : (اسمع وأطع وإن كان عبدا (١)) قال: تتصور إمامة العبد إذا ولاه بعض الأئمة وتغلب على البلاد بشوكته وأتباعه فيسمع له ويطاع، وقال ابن العربي في الحديث (وأن لا تنازع (٢) الأمر أهله (٣)) يعني من ملكه لا من استحقه، فإن الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه، والطاعة واجبة في الجميع، فالصبر على ذلك أولى من التعرض لإفساد ذات البين. انتهى. نقله المواق أول فصل الباغية. الثالث: اعلم أنه تجب طاعة الأمير ولو كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، وقد منع عمرو بن العاص ﵁ جيشه وَقِيدَ النار في ليلة باردة، فلما قدموا شكوا لرسول الله صلى الله عليه رسلم فقال عَمْرٌو: كَان أصحابي في قلة فكرهت أن يراهم العدو فأعجبه ﷺ ، وإنما يسألونه فيما يخاف فيه الهلكة ويجمع على أنه خطأ، فيسألونه ويناظرونه فإن ظهر صوابه أطاعوه، وإلا فلا وقد رجع الصحابة لرأي أبي بكر في قتال أهل الردة. واعلم أن الإكراه لا ينفع في فعل يتعلق به حق المخلوق كالقتل والغصب، فلا يعذر أحد بالإكراه على ذلك. وفي معين الحكام: ومن هدِّد بقتل أو غيره على أن يقتل رجلا أو يقطع يده أويأخذ ماله أو يزني بامرأة أو يبيع متاع رجل فلا يسعه ذلك، فإن فعل فعليه القود ويغرم ما أتلف، ويحد إن زَنَى، ويضرب إن ضرب ويأثم، ويجب للرعية على الإمام أن يحكم بينهم بالعدل والرفق بهم ورعايتهم والنصح لهم. وسئل ملك عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال. أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم، وأما غيره فلا، فدعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما وسئل ملك إذا بايع الناس رجلا بالإمارة ثم قام آخر فدعا الناس إلى البيعة فبايعه بعضهم؟ فقال: قد رَوَى معاوية أن البايَع الثاني يُقتل، وهذا عندي إذا كان

стр. 7881

الأول عدلا، وأما إن كان مثل هؤلاء فليس له بيعة وفي تفسير القرطبي: لا ينبغي للناس أن يسارعوا إلى نصرة مظهر العدل وإن كان الأول فاسقا، لأن كل من يطلب الملك يظهر من نفسه الصلاح حتى يتمكن فيعود بخلاف ما أظهر، وسئل ملك عن الفتن بالأندلس وكيفية الخرج منها إذا خاف الإنسان، فقال: أما أنا فما أتكلم في هذا بشيء، فأعاد الرجل الكلام عليه، وقال: إني رسول من خلفي إليك، فقال له ملك: كف عني الكلام في هذا ومثله وأنا لك ناصح ولا تُجِبْ فيه. ولابن محرز: من شارك في عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمر بسفك دم مسلم فقد شَارَك في سفك دمه إن سُفك. وقال عياض في إكماله: أحاديث مسلم كلها حجة في منع الخروج عن الأئمة الجَوَرَة وفي لزوم طاعتهم. قال: وجمهور أهل السنة من أحل الحديث والفقه والكلام أنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه، وقال أبو عمر في قوله ﷺ : (الدين النصيحة (١)) كل من أمكنه نصح السلطان لزمه. قال ملك: وذلك إذا رجا أن يسمع، قال أبو عمر: وإلا دعا لهم، فإنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء، ومن كلام سحنون: وإن كان الإمام غير عدل وخرج عليه عدل فعَلَيكَ الخُرُوج مع العدل حتى يظهر دين الله، وإن كان الخارج غير عدل وَسِعك الوقوف إلا أن يريد نفسك ومالَكَ فادفع عن نفسك ومالِكَ وعن ظلم المسلمين إن قدرت، وإن كانوا يطلبون الوالي المظالم فلا يجوز لك الدفع عنه ولا يسعك الوقوف عن العدل كان هو القائمَ أو المقومَ عليه. انتهى المراد منه. وقال ابن المنذر: وقد روينا عن جماعة من أهل المعلم أنهم رأوا قتل اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم، هذا ووهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة وملك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوامُّ أهل المعلم: أنَّ للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلمه. انتهى. وفي حديث مسلم والبخاري عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنتَ شهيد، قال: فإن قتلتُه؟ قال:

стр. 7882

هو في النار (١)). انتهى. ويستثنى من هذا السلطان فإن جماعة أهل الأثر والحديث كالمُجمِعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج عن السلطان ومحاربته لا يخرج عنه اللأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة (٢)). وفي الإكمال: وقد اختلف العلماء في الفاسق، وحكى ابن مجاهد الإجماع على أنه لا يقام عليه. انتهى. ورد عليه بعضهم بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحَجّاج، وأجاب الجمهور بأن القيام على الحجاج لما غير من الشرع وبيعه الأحرار وتفضيله الخليفة على النبي ﷺ . ابن عطية: وذكر أن الحجاج لما قر آية ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ الآية قال: كان سليمان حسودا، ولا خلاف أن هذه الكلمة توجب كفره وزندقته إن ثبتت، وبكفره كان يصرح ابن عرفة وغيره من الشيوخ المعاصرين له مع ما أضيف إلى هذه الكلمة من كثرة سفك الدماء وعظيم الظلم، فقيل: إنه قتل مائة ألف وأربعين ألف رجل وستين ألف امرأة، ومات وفي سجنه مائة ألف وعشرون ألفلا وضاقت سجونه حتى صار يسجن في الحمامات، وإنما يجب قيامهم على الكافر منهم أو الفاسق في أحد القولين إذا تخيل المسلمون العزة عليه، وإن تحقق العجز عنه لم يجب القيام على الأول، ويحرم القيام على الثاني، ويجب على المسلم الهجرة من أرضه إلى غيرها. ابن عرفة عن المازري: ومن ثبتت إمامته وجبت طاعته واتباعه في اجتهاده فيما ليس بمعصية، فإن تغيرت حالته بكفره فواضح خلعه، وببدعته كالاعتزال فإن دعا إليها لم يطع، فإن قاتل قوتل، وإن لم يدع إليها فعلى تكفيره يخلع، وعلى تفسيقه ففي خلعه إن أمكن دون إراقة دم وكشف حرم مذهبان، الأول: خلعه وإن تغيرت بفسق كالزنى وشرب الخمر، فإن قدر على خلعه دون سفك دِمَاءٍ ولا كشف حرم ففي وجوبه أول قولي الشافعي وثانيهما مع كثير مع أهل السنة والقاضي مستدلا بالأحاديث انتهى وحكم القائم على

стр. 7883

الخليفة حكم المحارب، وقد مر الكلام على ولاية الشرطة والرد والمظالم والسوق والمصر في فصل المفقود فراجعه إن شئت. فحكم بقول مقلده، يعني أنه لا يجوز للمقلِّد بكسر اللام قاضيا أو الإمام الأعظم أن يحكم إلا بقول مقلَّده بفتح اللام أي بالمشهور أو الراجح من قول مقلده ولا خصوصية له بذلك، بل وكذا قول أصحابه فالحاصل أنه لا يحكم إلا بمشهور المذهب. والله سبحانه أعلم. واعلم أن الذي يجب أن يحكم به ويفتَى به إنما هو المتفق عليه والراجح والمشهور. والراجح ما قوي دليله، والمشهور ما كثر قائله، كما يناسب معناه لغة، فإن تعارضا فمقتضى نصوص الفقهاء والأصوليين أن العمل بالراجح واجب، وقيل: المشهور ما قوي دليله فيترادف مع الراجح واعلم أن قول ملك في المدونة مقدم على قول ابن القاسم فيها، وأحرى في غيرها، وقول ابن القاسم فيها مقدم على قول غيره فيها وأحرى في غيرها، وقول غيره فيها مقدم على قوله أي ابن القاسم في غيرها، ويؤخذ مما مر تقديم قول ابن القاسم على قول غيره إذا كانا معا في غيرها ولم يكن للمسألة ذكر فيها، وهذا لمن قصر عن الاجتهاد وإلا وجب عليه بذل وسعه في الترجيح كما قاله غير واحد. قاله الشيخ الهلالي. ومقابل المشهور يسمى الشاذ والضعيف ومقابل الراجح. واعلم أيضا أن رواية ابن القاسم في المدونة عن الإمام، مقدمة على رواية غيره فيها عن الإمام ويقدم أيضا قول ابن القاسم في المدونة على رواية غيره في غيرها عن الإمام. تنبيه: قال الشيخ بناني عن المسناوي: إذا جرى العمل ممن يقتدى به بمخالف المشهور لمصلحة وسبب فالواقع في كلامهم أنه يعمل بما جرى به العمل وإن كان مخالفا للمشهور، وهذا ظاهر إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب، وإلا فالواجب الرجوع إلى المشهور، وهذا هو الظاهر، ثم فائدة ذكر الأقوال مع امتناع الحكم بغير المشهور أمران، اتساع المنظر ومعرفة مدارك الأقوال، وليعمل بالضعيف في نفسه إذا تحقق ضرورته، ولا يجوز للمفتي أن يفتي بغير المشهور لأنه لا يتَحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه، ولذلك سدوا الذريعة فقالوا: يُمنع الفتوى بغير المشهور خوف ألَّا تكون الضرورة محققة لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوما ما. انتهى. وقد مر الكلام على ما يجب على القاضي والمفتي من الحكم والفتوى بالراجح

стр. 7884

والمشهور، وأشار إلى القسم الثاني بقوله: ونفذ حكم أعمى وأبكم وأصم، يعني أن القاضي إذا حكم وهو متصف بصفة من هذه الصفات الثلاث وهي العمى والبكم والصمم فإنهُ حكمُه ينفذ سواء ولي كذلك أو طرأ عليه، لأن عدم واحد من هذه الأمور ليس شرطا في صحة ولايته ابتداء ودواما، وإنما هو شرط في جواز ولايته ابتداء ودواما، ولهذا قال: ووجب عزله، بخلاف الخليفة يطرأ عليه ذلك فلا يعزل. قال عبد الباقي: والظاهر أنه يضر وجود اثنين منها أو الثلاثة. انتهى. قال بناني: هذا يقتضي أن ذلك من عنده وأنه لم يقف عليه لغيره، مع أن ابن عبد السلام صرح بذلك ونقله عنه الحطاب، ونصه بعد ذكره أنَّ هذه الأوصاف إنما يوثر فقدها في وجوب العزل لا في انعقاد الولاية، قال: وإنما يظهر هذا إذا انعدم واحد من تلك الأجزاء بقيد الوحدة، وأما إذا انعدم اثنان منها فأكثر فلا تنعقد الولاية. انتهى. قال عبد الباقي. ويجوز تولية الأعمى الفتوى كما للبرزلي. تنبيه: ترك المؤلف الكلام على الكتابة، قال ابن رشد والباجي: هل يشترط في القاضي أن يكتب؟ وعن الشافعية قولان أظهرهما الجواز. انتهى. ابن عبد السلام: رجح الباجي وابن رشد صحة الولاية. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وَلنصرف العِنان إلى أمور لا بد منها قد تقدم ذكر شيء منها عند قول المص مبينا لما به الفتوى، فأقول وبالله تعالى التوفيق: قال ابن فرحون: يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه، وذكر عن المازري ﵀ أنه بلغ درجة الاجتهاد وما أفتى قط بغير المشهور، وعاش ثلاثا وثمانين سنة وكفى به قدوةً في هذا، فإن لم يقف على المشهور من القولين أو الروايتين فليس له التَّشهِّي والحكم بما شاء منهما من غير نظر وترجيح، فقد قال ابن الصلاح ﵀ في كتاب أدب المفتي والمستفتي: اعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخَرَق الإجماعَ، وسبيلُهُ سبيل الذي حكى عنه أبو الوليد الباجي من فقهاء أصحابه أنه كان لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وحكى الباجي عمن يثق به أنه وقعت له واقعة وهو غائب من فقهائهم يعني المالكية من أهل الصلاح بما

стр. 7885

يضره، فلما عاد سألهم؟ فقالوا: ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، قال الباجي: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز. انتهى. واعلم أن قول من قال: من قلد عالما لقي الله سالما، محله حيث لم يبحث في كلام العالم أو يظهر بطلان قوله قاله الشيخ أبو علي عند قول ابن عاصم: كل من يمينه باللازمه … ....................... الأبيات الثلاثة، وقال الحطاب: قال ابن الصلاح: فإذا وجد من ليس أهلا للتخريج والترجيح اختلافا بين أئمة المذاهب في الأصح من القولين أو الوجهين فينبغي أن يفزع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة لزيادة [الثقة (١)] بآرائهم، فيعمل بقول الأكثر والأورع والأعلم، فإذا اختص أحدهما بصفة أخرى قدم الذي هو أحرى منهما بالإصابة، فالأعلم الورع مقدم على الأورع العالم، وكذلك إذا وجد قولين أو وجهين لم يبلغه عن أحد من أئمة المذاهب (٢) بيان الأصح منهما اعتبر أوصاف ناقليهما أو قائليهما، قال ابن فرحون: وهذا الحكم جار في أصحاب المذاهب الأربعة ومُقَلّدِيهم، وقال بعده بأسطر يسيرة: وهذه الأنواع من الترجيح معتبرة أيضا بالنسبة إلى أئمة المذاهب. ابن أبي زيد: ولا ينبغي الاختيار من الاختلاف للمتعلم ولا للمقصر، ومن لم يكن فيه محلٌّ لِاختيارِ القول (فله في اختيار المتعصبين من أصحابنا (٣) من نقادهم) مقنع، مثل سحنون وأصبغ وعيسى بن دينار، ومن بعدهم مثل ابن المواز وابن عبدوس وابن سحنون، وابنُ المواز أكثرُهم تكلفا للاختيارات، وابن حبيب لا يبلغ في اختيارته وقوة رواياته مبلغ من ذكرنا. انتهى. والحاكم إن كان مجتهدا لم يجز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه، وأما اتباعُ الهوى في القضاء والفتوى فحرام إجماعا، واعلم أن الفتيا والحكم بما هو مرجوح

стр. 7886

فخلاف الإجماع، وإذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا ينبغي أن يفتي العامة بالتشديد والخواص وولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة والتلاعب بالمسلمين، وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق، نعوذ بالله من صفات الغافلين، والحاكم في هذا كالمفتي. وإذا تعارضت الأدلة عند المجتهد وتساوت وعجز عن الترجيح فهل يتساقطان أو يختار أحدهما؟ قولان للعلماء. قاله القرافي. وقال أيضا: إن للحاكم أن يحكم يأحد القولين المتساويين من غير ترجيح. انتهى. وما ذكره من العمل بأحد المتساويين حكى غيره الإجماع على منعه، وقد أنكر الشاطبي القول بالتخيير غاية، وبالغ في إبطاله، وقال: إن القولين عند المقلد كالدليلين عند المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز له العمل بأحد الدليلين من غير نظر بل لا بد له من الترجيح أو الوقف، فكذلك المقلد إن تعذر الترجيح توقف، وقول المفتي للمقلد: أنت مخير بين القولين إحداثُ قولٍ ثالث بلا دليل، وإذا لم يجد المقلد في النازلة نصا فنقل في التوضيح عند قول ابن الحاجب، فيلزمه المصير إلى قول مقلده عن ابن العربي ما نصه ويقضي حينئذ بفتوى مقلده بنص النازلة، فإن قاس على قوله أو قال يجيء من كذا [كذا (١)] فمتعذٍ، خليل: وفيه نظر والأقرب جوازه للمطلع بمدارك إمامه، وقال ابن عرفة إثر كلام ابن العربي: قلت: يرد كلامه بأنه يؤدي إلى تعطيل الأحكام لأن الفرض عدم المجتهد، فإذا كان حكم النازلة منصوصا عليه ولم يجز للمقلد المولَّى القياس على قول مقلده في نازلة أخرى تعطلت الأحكام، وبأنه خلاف عمل متقدمي أهل المذهب كابن القاسم في المدونة في قياسه على أقوال ملك، ومتأخريهم كاللخمي وابن رشد والتونسي والباجي وغير واحد من أهل المذهب، بل من تأمل كلام ابن رشد يعد اختياراته بتخريجاته في تحصيله الأقوال أقوالًا. انتهى. وقال القرافي: لمن حفظ روايَاتِ المذهب وعلم مطلقها ومقيدها وعامها وخاصها أن يفتي بمحفوظه منها، وما ليس محفوظا له منها لا يجوز له تخريجه على ما هو محفوظ له منها إلا إن حصَّل علم أصول الفقه

стр. 7887

وكتاب القياس وأحكامه وترجيحاته وشرائطه وموانعه، وإلا حرم عليه التخريج، وكثير من الناس يُقدِمون على التخريج دون هذه الشروط، بل صار يفتي من لم يُحط بالتقييدات ولا التخصيصات من قول إمامه وذلك فسق ولعب، وشرط التخريج على قول إمامه أن يكون القول المخرج عليه ليس مخالفا للإجماع ولا لنص ولا لقياس جلي، لأن القياس عليه حينئذ معصية، وقول إمامه ذلك غير معصية لأنه باجتهاد أخطأ فيه. قاله القرافي. والظاهر أن قول القرافي وعِلم مطلقَها لخ، معناه أن يغلب على ظنه أن هذه الرواية مطلقة وهذه مقيدة، وأما القطع بأن هذه الرواية ليست مقيدة فبعيد، ويكفي الآن في ذلك وجود المسألة في التوضيح أو في ابن عبد السلام. قاله الحطاب. ابن رشد: لانعقاد الولاية ثلاثة شروط: المعلم بشرط الولاية في المولَّى. الثاني: ذكر المولَّى له كالقضاء والإمارة، فإن جهل ذلك فسدت. الثالث: ذكر البلد الذي عقدت عليه الولاية ليمتاز عن غيره. والألفاظ التي تنعقد بها الولايات صريح وكناية، فالصريح: وليتك، وقلدتك واستخلفتك واستنبتك والكناية: اعتمدت عليك، وعولت عليك، ورددت عليك، وجعلت إليك، وفوضت إليك، ووكلت إليك، وأسندت إليك، وعهدت إليك. وفي الذخيرة: قال الشافعية إذا انعقدت الولاية لا يجب على المتولي المنظر حتى تشيع ولايته في عمله ليذعنوا له، وهو شرط أيضا في وجوب الطاعة، وقواعد الشريعة تقتضي ما قالوه، فإن التمكن والمعلم شرطان في التكليف عندنا، فالشياع يوجب له المكنة والعلم لهم. انتهى. وللإمام أن يستخلف من يرى غير رأيه كالمالكي يولي شافعيا أو حنفيا، ولو شرط الإمام على القاضي الحكم بما يراه الإمام من مذهب معين أو اجتهاد له كان الشرط باطلا وصح العقد، نقله في الجواهر عن الطرطوشي، وقال غيره: العقد غير جائز، وينبغي فسخه وردُّه، وهذا إنما هو إذا كان القاضي مجتهدا، وإلا فلا يحرم على الإمام أن يأمره أن لا يتعدى في قضائه مذهب ملك مثلا، وقول من قال: إن المجتهد ينهى عن الخروج عن مذهب أهل بلده لتهمة أن يكون خروجه هوى عمل بمقتضى السياسة، ومقتضى الأصول خلافه، والمشروع اتباع المجتهد مقتضى اجتهاده. تنبيهان: الأول: قال ابن عرفة: قال ابن سهل: قال بعض الناس: خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا وأجلها خطرا لا سيما إذا جمعت إليها الصلاة أي إمامة الصلاة، ومقتضاه حسن

стр. 7888

اجتماعهما، والمعروف ببلدنا قديما وحديثا مَنْعُ إمامة قاضي الجماعة بها أو الأنكحة [إمامة (١)] الجامع الأعظم بها، وسمعت بعض شيوخنا يعللون ذلك بأن القاضي مظنة لعدم طيب نفس المحكوم عليه به مع تكرر ذلك في الآحاد فيودي إلى إمامة الإمام من هو له كاره: وقد خرج الترمذي عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قومٍ وهم له كارهون (٢)) الثاني: قال في النوادر: قال ملك: أول من استقضى معاوية، ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأبي بكر ولا لعثمان قاض، بل الوُلَاةُ يقضون، وأنكر قول أهل العراق: إن عمر استقضى شريحا، وقال: كيف يستقضي بالعراق دون الشام واليمن وغيره؟ فليس كما قالوا. ولزم المتعين، يعني أن التعين للقضاء أي المنفرد بشروطه يلزمه قبول تولية القضاء إن طلب، وطلب التولية إن لم يُطلب، ولا يجوز له الهروب، ووجب على الإمام توليته. أو الخائف فتنة إن لم يتول، يعني أن الخائف فتنة بين المسلمين منه أو من غيره إن لم يتول، أو خافها على نفسه أو ولده أو ماله إن لم يتول، يلزمه أن يقبل تولية القضاء إن طلب، وأن يطلبها إن لم يطلب وإن لم ينفرد بصفات القضاء، بل ولو كان هناك من هو أفضل منه، وقوله: على نفسه، الرهوني: في كلام ابن بشير نحوه لكن جعل ذلك جائزا لا واجبا ويرد هو وما في الطرر ما قاله عبد الباقي. قال الأبهري: إن دعي إلى العمل فإن أبى وخشي ضرب ظهره أو سجنه وصبر فهو أفضل، وإن خشي على دمه فإن عمل فهو في سعة أن يتحرى العدل والإنصاف، وإن لم يمكنه لم يجز أن يتعدى الحق، إذ لا يجوز أن يبطل حق المسلمين وحرمتهم بحق نفسه. أو ضياع الحق، يعني أن الخائف ضياع حق له أو لغيره إن لم يتول يلزمه أن يقبل تولية القضاء إن طلب بها، وأن يطلبها إن لم يطلب بها وإن لم ينفرد بصفات القضاء، وعلم مما قررت أن قوله القبول فاعل لزم والطلب عطف على القبول.

стр. 7889

تنبيهان: الأول: قوله: ولزم المتعين، قال ابن عرفة: قال ابن عبد السلام: هذا حين كان القاضي يعان على ما وُلِّيَه وربما كان بعضهم يحكم على من ولاه ولا يقبل شهادته إن شهد عنده، وأما إذا صار القاضي لا يعان بل من ولاه ربما أعان عليه من مقصودُه بلوغُ هواه على أي حال كان فإن ذلك الواجب ينقلب محرما، نسأل الله السلامة. وأكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة. انتهى. ونقله في التوضيح. نقله بناني. وكلام ابن عبد السلام هذا ارتضاه غير واحد، ففي قول أبي علي: قد لا يسلم، نظر. قاله الرهوني. الثاني: قوله: ولزم لخ، هذا ما لم يكن الطلب بدفع مال وإلا فالظاهر أنه لا يجوز له بذله إن لم تكن المفسدة المترتبة على عدم ولايته أشد من دفع المال وإلا جاز ولو بدفعه ارتكابا لأخف الضررين. قاله الشبراخيتي. قال بناني عن غير ابن مرزوق: يجب عليه الطلب إذا لم يكن بمال، وأفرط قوم كعلي الأجهوري ومن تبعه فقالوا: ولو بمال، وفي الحطاب: وإذا. منع من التولية من لزمه الطلب إلا ببذل مال فهل يجوز له بذله؟ والظاهر أنه لا يجوز له بذله، لأنهم قالوا: إنما يلزمه القبول إذا تعين إذا كان يعان على الحق، وبذل المال في القضاء من أول الباطل الذي لم يعن علي تركه، فيحرم عليه حينئذ. وقد يفهم ذلك من الفرع الآتي لابن فرحون. والله تعالى أعلم. انتهى. وهذا هو الظاهر، والذي لابن فرحون هو ما نقله عن أبي العباس تلميذ ابن سريج الشافعي: من يقبل القضاء بقبالة وأعطيَ عليه الرشوة فولايته باطلة وقضاؤه مردود وإن كان قد حكم بحق انتهى وقوله: والطلب، قال بناني: أشار به إلى قول المازري: يجب على من هو من أهل الاجتهاد والعدالة السعي في طلب القضاء إن علم أنه إن لم يله ضاعت الحقوق أو وليَه من لا يحل أن يولَّى، وكذا إن كان وَلِيَه من لا تحل تَولِيَتُه ولا سبيل لعزله إلا بطلبه، ويحرم طلبه على فاقد أهليته، ويستحب لمجتهد خَفِي علمُه وأراد إظهاره بولاية القضاء، وللعاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء. انتهى. ابن عرفة: هذا كله ما لم تكن توليته ملزومة لما لا يحل من تكليفة تقديم من لا يحل تقديمه للشهادة، وقد شاهدت من ذلك ما الله أعلم به. انتهى. واعترض ابن مرزوق ما ذكره المازري من وجوب الطلب بأنه لم يقف عليه للأقدمين، بل حالة الأقدمين النهي عن طلبه مطلقا: وإن لم يدل كلامهم على التحريم فلا أقل من الكراهة، وجَلَب على ذلك أدلة. انتهى.

стр. 7890

وأجبر وإن بضرب، يعني أن المتعين إذا امتنع من القبول فإنه يجبر ولو بضرب أو سجن، قال عبد الباقي: وهو راجع للمسألة الأولى، وأما من خاف الفتنة أو ضياع الحق فلا يتأتى في حقه غير الطلب والقبول، لكن لو كان الخوف من الإمام لَتأتى الجبر، والمصنف إنما علق الخوف بغير الإمام. قاله أحمد انتهى. وقال الخرشي: وإذا امتنع من وجب عليه من القبول أجبر وإن بضرب أو سجن، فقد أقام الإمام حولا يجبر سحنونا على القبول للقضاء ولم يقبله، فلما تخوف منه قبله، ولما ولي سحنون القضاء قال له رجل من أهل الأندلس: وددنا والله أن نراك فوق أعواد نعشك ولا نراك قاضيا. قاله الخرشي. وقال الرهوني: وبقي ابن الأغلب يطلب أبا سعيد سحنون نحو العام وهو يمتنع منه حتى حلف لئن لم تتقدم لأقدمن على الناس رجلا من الشيعة، فتقدم لما تعين على شروط شرَطَها عليه. انتهى. وإلا، أي وإن لم يتعين عليه القضاء بأن لم يختصَّ بشروط القضاء ولم ينفرد بها، بل هناك من هو مثله، ولم يخف فتنة ولا ضياع الحق بأن انتفى كل من الثلاثة المذكورة، فله الهرب: لينجوَ بنفسه ويستعين بالله على خلاصه. وإن عين، يعني له أن يهرب حيث انتفى الثلاثة ولو كان الإمام قد عينه للقضاء، لأن القاعدة أن فُرُوضَ الكفاية تتَعَين بتعيين الإمام إلا القضاء فإنه لا يتعين حينئذ لشدة خطره في الدين، قال ابن مرزوق: وهذا دليل على أن ولايته من أعظم المحن، حيث جازت له مخالفة الإمام هنا، ولم تجز له في الجهاد الذي فيه تعريض النفس للتلف، الأن التلف في الجهاد تعقبه سعادة دانمة، وفي القضاء ضرر دائم لعسر التخلص منه. قوله: وإلا فله الهرب، ظاهره تساوي الأمرين، وفي شرح الرسالة لابن ناجي: والأصل أن ذلك مكروه إلا لعارض. قاله الرهوني. واعلم أن طلب القضاء ينقسم إلى خمسة أقسام: واجب، وأشار إليه بقوله: ولزم المتعين لخ، وحرام، وإليه أشار بقوله: وحرم لجاهل، يعني أنه يحرم على الجاهل طلب القضاء وقبوله، ففاعل حرم ضمير مستتر أي هو، أي ما ذكر من القبول والطلب، ومثل القاضي في ذلك السلطان فيحرم عليه القبول والطلب إن كان جاهلا لأن الجهل يؤدي إلى مخالفة الأمور المتفق عليها، وحكى ابن رشد عن بعضهم أنه

стр. 7891

أجاز تولية الجاهل ورأى كونه عالما مستحبا لا شرطا في الصحة ولا موجبا للعزل، وهو قول شاذ بعيد من الصواب. قاله ابن فرحون. وهذا القول الشاذ هو الذي مر عليه ابن عاصم حيث قال: ويستحب العلم فيه والورع … .................... لخ، وكما يحرم على الجاهل من قاض وسلطان القبول والطلب، يحرم على قاصد الدنيا القبول والطلب أيضا. ولهذا قال: وقاصد دنيا أي يحرم على قاصد دنيا أن يطلب القضاء وأن يقبله ليلا يوديه غرضه الدنيوي إلى أخذ أموال الناس بالباطل، كأخذ الرشا، وكقصد الانتقام من أعدائه، فيحرم عليه، ومراد المص حرم كل بانفراده، فالواو بمعنى أو، ولو قال المص: وحرم لمن لم يكن فيه أهلية، لكان أشمل، كأن يطلب وهو من أهل العلم لكنه متلبس بما يوجب فسخه. والثالث: الإباحة وهو الأصل في القضاء، وربما يشير له قوله: فله الهرب. قاله عبد الباقي. وقال في التبصرة: المباح أن يكون فقيرا وله عيال، فيجوز له السعي في تحصيله لسد خلته، وكذلك إن كان يقصد به دفع ضرر عن نفسه فيباح له أيضا. انتهى. والرابع: الكراهة، كأن يكون سعيه في طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس، فهذا يكره له السعي ولو قيل إنه يحرم كان وجهه ظاهرا لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ويكره أيضا إذا كان غنيا عن أخذ الرزق للقضاء، وكان مشهورا لا يحتاج إلى تشهير نفسه وعلمه بالقضاء، ويحتمل أن يلحق هذا بقسم المباح. قاله في التبصرة. خامس الأقسام: الندب، وإليه أشار بقوله: وندب ليشهر علمه، يشهر بضم الياء وهو المحفوظ من أشهر، وبفتحها من شهر، وهو الموافق لقوله الآتي: إن شهر عدلا، وربما يدل عليه كلام الصحاح. قاله عبد الباقي. يعني أنه يستحب لعالم خامل الذكر القبول والطلب ليعلم الجاهل ويرشد المستفتي، لا الشهرة لرفعة دنيوية، وكذا يندب لمن يعلم أنه أنهض وأنفع للمسلمين من غيره. قال عبد الباقي: وكذا لفقير عاجز عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء من بيت المال أو من مرتب وقف عليه، كما اقتصر عليه ابن عرفة،

стр. 7892

وفي ابن ناجي والتبصرة: أنه مباح فقط. انتهى. وقال الخرشي: ومن أقسام المستحب أن يكون عاجزًا عن قوته وقوت عياله إلا برزق القضاء وهو أهل له، والمراد برزق القضاء المجعول للقاضي من بيت المال أو من الأوقاف على القضاء، لا من مال من حكم له بالحق فإن ذلك لا يجوز كما نقله صاحب الجواهر في الشرط الرابع. انتهى. وأشار إلى القسم الثالث وهو شرط الكمال بقوله: كورع، يعني أنه يستحب أن يكون القاضي ورعا، فتولية الورع مندوبة، ولا يشترط في صحتها أن يكون من ولَّى ورعا، والورِع هو التارك للشبهات خوف الوقوع في المحرمات. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ثم شبه في الندب قوله: كورع، أي شديد الورع كحَذِر أي شديد الحَذَر، وهو التارك للشبهات وبعض المباحات خوف الوقوع في المحرم. انتهى. وقال عبد الباقي: كورع بكسر الراء أي تارك شبهات وبعض مباحات خوف وقوع في محرم انتهى وقال الحطاب: إن الورع هو التارك للشبهات انتهى. الخرشي: ويستحب أن يكون القاضي بلديا لعلمه بأحوال الشهود على الراجح. ونحوه للشبراخيتي. الحطاب: زاد ابن الحاجب أن يكون مليا، ولا يخاف في الله لومة لائم، والمص إنما ترك الأول لأن ابن رشد وابن عبد السلام قالا: إن الوُلَاة اليوم يرجحون غير البلدي على البلدي، وترك الثاني لأنه قال في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: الظاهر أنه راجع إلى النوع الأول لأن الخوف من لومة لائم راجع إلى الفسق. انتهى. غني، يعني أنه يستحب في حق القاضي أن يكون غنيا، أي ذا مال غير محتاج بحيث لا تتطلَّع نفسه لما في يد غيره، ولا تتطرق مقالة السوء فيه، فالغني مظنة التنزه عن الطمع، لأن المال عند ذوي الدين زيادة لهم في الخير والفضل، لا سيما من نصب نفسه للناس، ولهذا قال الإمام الشافعي: من تولى القضاء ولم يفتقر فهو سارق، ولا ينافي ذلك ما مر عن ابن ناجي من إباحته لفقير ليستعين [بمرتبه] (١) من نحو بيت المال على عياله لأنه في المباح، وما هنا في المندوب. قاله عبد الباقي وغيره.

стр. 7893

حليم، يعني أنه يستحب في حق القاضي أن يكون حليما لا يحمله الغضب على تعجيل العقوبة ما لم تنتهك حرمات الشرع أو يسيء عليه أحد في مجلسه كما يأتي. نَزِهٍ يعني أنه تستحب النزاهة في حق القاضي. ابن غازي: والنزه الكامل المروءة، وقال غيره: النزه هو الذي لا يتشوف لما في أيدي الناس، وقال الجوهري: النزاهةُ البعد عن السوء. وقال ابن مرزوق: أي مترفعا عن الوقوع في الرذائل. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: نزه أي كامل المروءة بترك ما لا يليق بمثله، بأن لا يصحب الأرذال، ولا يجلس مجالس السوء. ابن عرفة: قول عمر بن عبد العزيز: أن يكون ذا نزاهة عن الطمع مستخفا بالأَئِمّة، يريد أنه يدير الحق على من دار عليه ولا يبالي بمن لامه على ذلك. نسيب، يعني أنه يستحب في القاضي أن يكون نسيبا، وهو من ألفاظ المبالغة، ومعناه معروف النسب ليلا يتسارع إليه ألْسِنَةُ الناس بالطعن، وظاهره أن تولية غير النسيب جائزة سواء كان انتفاء نسبه محققا أم لا وهو كذلك، وحينئذ فتجويز سحنون ولاية ولد الزنى موافق للمذهب، زادَ: ولكن لا يحكم في الزنى لعدم شهادته فيه، وقد نقله ابن عرفة استقلالا على أنه خلاف، فقال: وأما المحدود في الزنى فعند أصبغ أنه يحكم فيه ولا يشهد فيه، وعند سحنون أنه لا يحكم فيه كولد الزنى. قاله الخرشي. وقال التتائي: نسيب أي معروف النسب ليلا يُتسارَع للطعن فيه. سحنون: يجوز أن يستقضى ولد الزنى ولا يحكم فيه. انتهى. وقال عبد الباقي: نسيب، أي معروف النسب ليلا يتسارع للطعن فيه، وظاهره أن تولية غير النسيب جائزة سواء كان انتفاء نسبه محققا أم لا وهو كذلك، قال ابن رشد: من الصفات المستحبة أن يكون معروف النسب ليس بابن لعان. انتهى. ثم قال عبد الباقي: ويأتي قريبا ما يفيد ترجيح ما لأصبغ؛ وقال الحطاب: قال ابن عرفة: قال سحنون: ولا بأس بولاية ولد الزنى ولا يحكم في حده. قال الباجي: الأظهر منعه لأن القضاء موضع رفعة فلا يليه ولد الزنى كالإمامة. الصقلي عن أصبغ: لا بأس أن يستقضى من حُدَّ في زنى إذا تاب ورضيت حالته وكان عالما، ويجوز حكمه في الزنى وإن لم تجز شهادته فيه.

стр. 7894

مستشير، يعني أنه يندب في حق القاضي أن يكون مستشيرا لأهل العلم، أي معروفا بالاستشارة قبل التولية، فلا يتكرر مع قوله: أو شاوَرَهم، لأنه فيما بعد التولية كما يفيده السياق. قاله الرهوني. وإنما ندب فيه ذلك لأن ذلك مما يعينه ويوصله إلى الصواب، فلا يستقل برأيه خوف الخطإ، وقوله: مستشير، قال الخرشي: وبعبارة أي كثير الاستشارة لأنه وإن كان مجتهدا أو أمثل مقلد لا يتقيد الصواب به لإمكان أن يكون الصواب عند من هو أدنى منه. بلا دَيْن، يعني أنه يندب أن يكون القاضي غير مدين، لأن الدين يحط، ولا يغني عن هذا قوله: غني، لأنه قد يكون غنيا وهو مدين. وحد أي وبلا حد يعني أنه يندب أن يكون القاضي غير محدود في زنى وغيره مما يوجب الحد، وظاهره سواء قضى فيما حد فيه أو في غيره، بخلاف الشاهد فإنه لا يقبل فيما حد فيه، ويقبل في غيره، وفرق بأن القضاء وصف زائد يعتبر فيه ما يسقط اعتباره في غيره، واستناد القاضي لبينة بخلاف الشاهد فبعدت التهمة، والموضوع أنه تاب مما حد فيه بالفعل، فإن ترتب عليه ولم يحد وتاب فلا بأس به. قاله عبد الباقي. قوله: وفرق بأن القضاء لخ، قال بناني: هذا الكلام كله للتتائي، وبينه مصطفى فقال: ذكر فرقين، الأول: بين كون القضاء يطلب فيه أن يكون القاضي غير محدود مطلقا، قضى فيما حد فيه أو في غيره بقوله: فإن القضاء وصف زائد، والثاني: بين كون القضاء يقبل من القاضي فيما حد فيه، ولا تقبل شهادة الشاهد في ذلك بقوله: استناد القاضي إلى بينة، وقوله: وحد، قال في التوضيح: وجوز أصبغ حكمه. فيما حد فيه، ومنعه سحنون قياسا على الشهادة. انتهى. وزاندٍ في الدهاء، أي وبلا زائد في الدهاء، يعني أنه يندب أن يكون القاضي غير زائد في الدهاء بفتح الدال والمد كما ضبطه غير واحد كالخرشي والتتائي وعبد الباقي والشبراخيتي والحطاب، وقال: كذا ضبطه ابن قتيبة، وهمزته منقلبة عن الياء، والمراد به الفطنة والحذاقة لأن ذلك يحمله على أن يحكم بين الناس بالفراسة ويعطل أبواب الشريعة من إقامة بينة وما أشبه ذلك قاله الخرشي. وقوله: وزائد في الدهاء، أي وبلا عقل زائد في الدهاء، قال الشبراخيتي: ولو عبَّر بالمصدر كان أولى كزيد أو زيادة.

стр. 7895

وبطانة سوء، أي وبلا بطانة سوء، بطانة الرجل أصحابه المطلع بعضهم على ما بطن من بعض، سُموا بها تشبيها ببطانة الثوب وهي خلاف ظهارته لاطلاعهم على الأمور الباطنة، يعني أنه يستحب أن يكون القاضي خاليا عن خليل يتهم منه السوء، لأن المرء على دين خليله، والسلامة من ذلك رأس كل خير، وكثيرا ما يُوتَى أهل الخير من جهة المعاشرين لهم من قرناء السوء. ابن عرفة: الذي في المعونة أخص من هذا وهو أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة فيستعين بهم، وأما البطانة التي لا يتهم منها السوء بل تحقق منها فالسلامة منها واجبة، وفي التتائي: وينبغي للإمام أن يعزل من قضاته من يخشى عليه الضعف والوهن وبطانة السوء وإن أمن عليه الجور. ومنع الراكبين معه، يعني أنه يستحب للقاضي أن يمنع من الركوب معه، إذ بكثرتهم تعظم نفسه ويهابه ذو الحاجة فلا يصل إليه، ولاعتقاد كثير أنه لا يستوفي الحق منهم، وهذا إذا كان في غير حاجة ولا رفع مظلمة ولا خصومة. قاله الشبراخيتي. والمصاحبين له، يعني أنه يندب للقاضي أن يمنع من مصاحبته، أي يندب للقاضي أن يمنع من الركوب معه، ويندب له أيضا أن يمنع من المصاحبة له، أي يندب كل منهما، فهما مندوبان، كما في الشبراخيتي، وقال عبد الباقي: ومنع الراكبين معه والمصاحبين له، أي ندب له منع من ذكر من ركوبهم معه ومن مصاحبتهم له ليلا يتوهم أنه لا يستوفي عليهم الأحكام الشرعية، إلا أن يحتاج للراكبين في رفع مظلمة أو خصومة، أو يكون المصاحبون له أهل أمانة ونصيحة. وتخفيف الأعوان، يعني أنه يندب للقاضي أن يخفف الأعوان أي يقللهم، لأنهم لا يسلمون غالبا من تعليم الخصوم وقلب الأحكام، وينبغي أن يبعد عنه من طالت مدته في هذه الخدمة، فإنه يزاد سُوءُهم بالناس، والأعوان هم الرسل والوكلاء. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وندب تخفيف الأعوان لأنه لم يكن لأبي بكر وعمر أعوان، إلا أن يضطر إلى الأعوان فليخفف منهم ما استطاع، وقال في التوضيح: قال مطرف وابن الماجشون: ولو استغنى عن الأعوان أصلا لكان أحب إلينا. واتخاذ من يخبره بما يقال في سيرته، يعني أنه يندب للقاضي أن يتخذ من يخبره بما يقال في سيرته، قال في القاموس: والسيرة بالكسر السنة والطريقة والهيئة والمنزلة، فيجتنب

стр. 7896

ما يكرهه الناس. وحكمه، فيجتنب ما يُكره من ذلك. وشهوده، ليعمل بمقتضى الأخبار من عزل أو إبقاء: وقد كان لعمر ﵁ من يخبره بذلك. وتأديب من أساء عليه، يعني أنه يندب للقاضي أن يؤدب من أساء عليه، كقوله: ظلمتني، وظاهر كلام ملك أنه على الوجوب، ويستند في ذلك لعلمه فيفعل وإن لم تشهد به بينة، بخلاف تأديب من أساء على خصمه فإنه واجب. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي وندب له تأديب من أساء عليه، أي على القاضي العدل في مجلسه وإن لزم منه الحكم لنفسه، لانتهاك حرمة الشرع، ولو بغير بينة لأن هذا مما يستند فيه لعلمه، والعقوبة في هذا أولى من العفو، لا بغير مجلسه وإن شهد عليه به عنده لأنه لا يحكم لنفسه في مثل ذلك فيرفعه لغيره إن شاء. انتهى. وقال بناني: وتأديب من أساء عليه، حمل بعضٌ هذا على الوجوب لحرمة الشرع، وهو ظاهر كلام ابن عبد السلام، وحمله بعض على الندب وهو ظاهر كلام ابن رشد نظرا إلى أنه كالمنتقم لنفسه، وهذا إن أساء على القاضي، أما على غيره فالوجوب. وفي رجز ابن عاصم: ومن جفا القاضيَ فالتأديب … أولى وذا لِشاهدٍ مطلوب تنبيه: وقع في سماع ابن القاسم أن القاضي إذا كان من أهل الفضل وأراد الخصم إذايته عاقبه. قال: وما ترك ذلك حتى خاصم أهل الشرف في العقوبة في الإلداد، أي ما ترك الناس إذاية القضاة حتى قام أهل الشرف بحقوقهم وعاقبوا أي الحكام من ءاذاهم وألدَّ عليهم فانكفوا عن إذايتهم. انظر أبا علي. إلا في مثل اتق الله في أمري، يعني أنه إذا قال للقاضي: اتق الله في أمري، أو اذكر وقوفك للحساب بين يدي الله، وما أشبه ذلك مما فيه وعظ وإشارة فإنه يجب عليه أن يترك أدبه، ويندب أن يرفق به، كما قال: فليرفق به وليعرض عن الإشارة، وقوله: فليرفق به، بأن يجيبه جوابا لينا، بأن يقول له: رزقني اللهُ وإياك تقواه، أو ما أمرت إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي الله، أو ذكَّرني وإياك الوقوف للحساب والأعمال كلها مكتوبة ونحو ذلك. والله سبحانه أعلم.

стр. 7897

تنبيه: قد علم من المص أي من قوله: مجتهد لخ، ومن قوله: وحرم لجاهل، أن العلم من الصفات المشترطة وليس من الصفات المُسْتَحَبَّةِ وهو خلاف ما لابن عاصم حيث يقول: منفذ للشرع للأحكام … له نيابة عن الإمام واستحسنت في حقه الجزاله … وشرطه التكليف والعداله وأن يكون ذكرا حرا سلم … من فقد رؤية وسمع وكلِم ويستحب العلم فيه والورع … مع كونه الحديث للفقه جَمَع قوله: منفذ، خبر مبتدإ محذوف، أي القاضي منفذ، وللأحكام يتعلق بمنفذ، وكذا بالشرع، وله نيابة مبتدأ وخبر، والجملة خبر ثان، والرابط لجملة الخبر ضمير له، يعني أن القاضي هو المنفذ للأحكام بمقتضى الشرع وموافقته، وأن له نيابة عن الإمام، فللإمام عزله متى شاء لسبب ولغير سبب كما هو الشأن فيمن استناب غيره، بخلاف من أوصى له الإمام بالخلافة وقَيلَ فليس له عزله لأن ذلك حكم حَكَم به على المسلمين، وأحكامه عليهم نافذة، وقوله: واستحسنت أي استحبت، والجزالة الوقار وأمالة الرأي، وعد ابن عاصم العلم من الصفات المستحبة، وهو ما ذهب إليه ابن زرقون وابن رشد، خلاف ما ذهب إليه عياض والمازري، من كونه من الشروط الواجبة، قال عياض: وشرط العلم إذا وجد لازم، ولا يصح تقديم من ليس بعالم، ولا ينعقد له تقديم مع وجود العالم المستحق للقضاء، وعلى كل حال فلا بد أن يكون له علم ونباهة وفهم بما يتولاه، وإلا لم يصح له أمر. انظر شرح الشيخ ميارة. وقال الإمام الحطاب عند قول المص: "مجتهد إن وجد وإلا فأمثل مقلد" يشير إلى أن القاضي يشترط فيه أن يكون عالما، وجعل ابن رشد العلم من الصفات المستحبة، وقال ابن عبد السلام: والمشهور أنه من القسم الأول. انتهى. وكذا عده صاحب الجواهر والقرافي من القسم الأول، وعليه عامة أهل المذهب، وعليه فلا يصح تولية الجاهل، ويجب عزله وأحكامه مردودة ما وافق الحق منها وما لم يوافقه، وسيصرح المؤلف بأنها مردودة ما لم يشاور، والله أعلم. انتهى. وقوله: مع كونه، الحديث لخ، يعني ليتهيَّأَ له النظر في النوازل والبحث عن الدلائل والترجيح عند وقوع الخلاف والاختيار عند تعارض الأقوال.

стр. 7898

ولم يستخلف، يعني أن القاضي المولى من الخليفة الذي لم ينص له على استخلافه ولا عدمه لا يجوز له أن يستخلف في جهة قريبة، ولو اتسع عمله فيها، ولو مرض أو سافر عند سحنون، وقال الأخوان: له ذلك حينئذ، فإن استخلف لغير عذر لم ينفذ حكم مستخلَفه إلا أن ينفذه. انظر الحطاب. وتنظير علي الأجهوري فيه قصور. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وإذا ولَّى الخليفة قاضيا وأطلق وسكت عن الإذن له في الاستخلاف وعدمه لم يستخلف أي لا يجوز له أن يستخلف أي يحرم عليه الاستخلاف، وأما لو نص له على الاستخلاف فله الاستخلاف مطلقا اتسع عمله أم لا، قربت الجهة أو بعدت، أو نص على عدمه فليس له الاستخلاف مطلقا. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن عبد السلام: إذا نهي عن الاستخلاف فيتفق على منع الاستخلاف، ويتفق أيضا على جواز الاستخلاف إذا أذن له في ذلك من ولَّاه. إلا لوسع عمله، يعني أن محل الحرمة في الاستخلاف المذكور إنما هو إذا استخلف في الجهة القريبة، أما إن كان عمله متسعا فيريد أن يستخلف في الجهات البعيدة فالمشهور الجواز، وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز إلا بإذن الخليفة، وإلى المشهور أشار بقوله: في جهة بعدت، والمجرور متعلق بعامل محذوف، أي فيستخلف في جهة بعدت، وقوله في جهة بعدت، قال الشبراخيتي: لأنه قرينة على الإذن له في الاستخلاف، والذي يفيده كلام المتيطي أن البعد ما كان زائدا على مسافة العدوى أي القصر، وفهم من كلام المص منع الاستخلاف في الجهة القريبة مع وسع عمله، وظاهره ولو لعذر كمرض أو سفر وهو كذلك خلافا لطرف وابن الماجشون، وقال عبد الباقي: ثم محل تفصيل المص فيما إذا لم يخص على الاستخلاف في القريبة فيستخلف، اتسع عمله أم لا، كان له عذر من مرض أو سفر أم لا، أو على عدمه فيمنع مطلقا، وينبغي أن العرف في الأمرين كذلك. من علم ما استخلف فيه، يعني أنه إذا استخلف لوجود شرط الاستخلاف فإنما يستخلف شخصا يكون عالما بالأمر الذي استخلف فيه. فقط، أي لا يشترط علمه بجميع أبواب الفقه، وإنما يشترط علمه بالأمر الذي ولي فيه نكاحا أو بيعا أو شركة أو غير ذلك، فعلمه بما استخلف عليه كاف.

стр. 7899

تنبيه: قد علمت أن قوله: ولم يستخلف إلا لوسع لخ، فيما إذا كان المولِّي للقاضي هو الإمام، وأما لو كان المولي له القاضي فكذلك أيضا على ما للحطاب، فإنه قال بعد كلام: وعلى هذا فيكون حكم النواب مع من استنابهم حكم القضاة مع السلطان، فإن منعهم الذي قدمهم من الاستنابة فلا تجوز لهم الاستنابة اتفاقا، وإن أجاز لهم الاستنابة جاز أن يستنيبوا على مقتضى الإذن، فإن كان الإذن مطلقا جازت الاستنابة مطلقا، وإن كان مقيدا بمرض أو سفر جازت الاستنابة في المرض والسفر، وإن عريَ عقد التولية عن الإذن وعدمه فالأصح أنه لا يجوز لهم الاستنابة، وقيل: تجوز الاستنابة عند المرض والسفر، هذا ما ظهر لي. والله سبحانه أعلم. انتهى. فرع: قال في التوضيح: ابن محرَز: ولم يختلفوا أن القاضي ليس له أن يوصي بالقضاء عند موته لغيره، بخلاف الموصي والإمام الأكبر، وضَابط ذلك: كل من ملك على وجه لا يُمْلَك معه عَزْلُه فله أن يوصي به ويستخلف عليه كالخليفة والوصي وإمام الصلاة، وكل من ملك حقا على وجه يُملَك معه عزلُه عنه فليس له أن يوصي به كالقاضي والوكيل ولو كان مفوَّضا إليه أو خليفة القاضي للأيتام وشبه ذلك. انتهى. وقوله: إمام الصلاة، ظاهره أنه لا يملك الإمام عزله، وإذا كان للوصي أن يومي فله أن يوكل غيره في حياته، وفي المتيطية: ولا يجوز لقدم القاضي على النظر لليتيم أن يوكل بما جعل إليه أحدا غيره حَييَ أو مات، ولا أن يومي به إلى أحد. وقاله ابن أبي زمنين وابن الهندي وغيرهما من الموثقين، وحكى بعض الموثقين أن الذي مضى عليه الحكم أن حكمَ مقدمِ القاضي على من قدمه عليه كحكم الوَصِيِّ من قبل الإذن في جميع أموره، لأن القاضي أقامه مقام الموصي قال بعض الشيوخ: فعلى هذا يكون لقدم القاضي أن يوكل في حياته من يقوم على المحجور مقامه. قاله الحطاب. وانعزل بموته: يعني أن من استخلفه القاضي لوسع عمله في جهة بعدت ينعزل بموت القاضي الذي استخلفه لأنه وكيل، والوكيل ينعزل بموت موكله، وكذا ينعزل بعزله، وأما الموصي على يتيم فلا ينعزل بموت من قدمه ولا بعَزلِه، وقولي: لوسع عمله لخ، يخرج به ما إذا أذن الخليفة للقاضي في الاستخلاف، أو جرى العرف به واستخلف، فلا ينعزل بموت القاضي ولا بعزله،

стр. 7900

وظاهر هذا ولو كان مذهب المستخلف بالكسر يقتضي عزل نائبه بذلك، ولا يعتبر مذهب القاضي الحنفي إذا استناب مالكيا بإذن من ولاه أو جرى عرف به، فلا ينعزل المالكي بموت الحنفي ولا بعزله كما هو ظاهر إطلاقِهم، ولا يعترض على المص بهذا لأن موضوع كلام المص هو الاستخلاف من غير إذن الإمام. انظر حاشية محمد بن الحسن، فإنه قال: لا وجه للاعتراض بهذا فإن موضوع لخ، وقوله: وانعزل بموته، وقيل: لا يَنْعَزِل المستخلَف بالفتح بموت القاضي المستخلِف بالكسر ولا بعزله، واقتصر عليه المتيطي وابن شأس، ومقتضى كلام ابن مرزوق ترجيحه، والله سبحانه أعلم. لا هو بموت الأمير، يعني أن القاضي لا ينعزل بموت الأمير الذي استخلفه، ولو كان هذا الأمير الذي استخلفه هو الخليفة، فالمراد بالأمير من له سلطنة، قال في التوضيح: وانظر ما الفرق بين نائب القاضي في انعزاله وبين نائب الأمير في عدم انعزاله؟ وقد استشكله فضل وغيره. انتهى. وفهم من قول المص: لا هو بموت الأمير، أن القاضي ينعزل بعزل الأمير له أو الخليفة وهو كذلك، فإن حكم بشيء قبل بلوغ عزله نفذ كما في التبصرة لابن فرحون عن ظاهر المذهب لضرورة الناس لذلك، وانظر هل يستحق القاضي المتولي معلوم القضاء من يوم ولايته إذا ولي بلدا يحتاج إلى السفر إليها أو لا يستحق شيئا إلا بالمباشرة؟ فالمعلوم للمعزول إلى يوم بلوغ العزل له أي لأن أحكامه من يوم بلوغ العزل لا تنفذ، فوجودها كعدمها، فلا يستحق ما يقابلها من العلوم والله سبحانه أعلم. وقوله: ولو الخليفةَ قد علمت أن معناه إذا مات الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة وقد قدَّم قضاة وحكاما فأقضيتهم نافذة وأحكامهم جائزة فيما بين موت الأول وقيام الثاني، وكذا بعد قيامه وقبل أن ينفذ لهم الولاية، وهم بمنزلة وُلاة الأيتام يقدمهم القاضي ثم يموت أو يعزل، فتقديمه لهم ماض وفعلهم جائز لا يحتاج إلى أن يمضيه القاضي الذي ولي بعده، قال ابن العطار: ونزلت عندنا واختلَف فيها فقهاؤنا وفيها اختلاف، قد قيل: إن أحكامهم في الفترة غير نافذة وينقض ما حكموا به قبل أن يُمْضِيَ الإمامُ القائمُ تقديمَهم وَوِلايتَهم، والقول بأن أحكامهم نافذة قبل إمضاء الإمام الموالي لولايتهم أحسن. انظر الحطاب.

стр. 7901

ولا تقبل شهادته بعده أنه قضى بكذا، يعني أن القاضي المعزول إذا شهد بعد عزله أنه قضى بكذا فإنه لا تقبل شهادته، وكذا لو شهد قبل عزله أنه قضى بكذا، وأما إخباره لا على وجه الشهادة فإنه يقبل قبل العزل لا بعده. قال بناني: وَحَاصِلُ المسألة أن إخباره بذلك إن كان على وجه الشهادة لم يقبل لا قبل العزل ولا بعده، وإن كان على وجه الإعلام والخطاب فإنه يقبل قبل العزل ولا يقبل بعده. نقله المواق عن ابن رشد. ونقل الشيخ أبو علي عن العبدوسي أن لا فرق بينهما وأن الإخبار يجوز قبل العزل وإن كان شهادة ويمتنع بعده. انتهى. والفرق بين الشهادة والإخبار يعلم بنقل كلام المواق عن ابن رشد وذلك أنه قال: ابن رشد: في هذه المسألة معنى خفي وهو أن قول القاضي قبل عزله: قضيت بكذا، لا يقبل إن كان في معنى الشهادة كتخاصم رجلين عند قاض يحتج أحدهما بأن قاضيَ بلد كذا قضى لي بكذا أو ثبت عنده كذا، فيسأله البينة على ذلك، فيأتي بكتاب من عنده: إني حكمت لفلان، أو إنه ثبت عندي كذا لفلان، فهذا لا يجوز لأنه شاهد، ولو أتى الرجل ابتداء للقاضي فقال له: خاطب لي قاضيَ بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان أو بما حكمت لي به عليه قُبلَ لأنه مخبر. انتهى. والله سبحانه أعلم. قوله: ولا تقبل شهادته لخ، قال عبد الباقي: ومن باب أولى في البطلان إذا قال القاضي بعد عزله: شهد عندي شاهدان بكذا وقد كنت قبلت شهادتهما، فللطالب حينئذ تحليف المطلوب أن الشهادة التي بديوان القاضي ما شهد عليه بها أحد، فإن نكل حلف الطالب وثبتت الشهادة، ولا يجوز للقاضي أن يقضي وهو في غير محل ولايته، ولا تجوز شهادة محكم فيما حكم به لأنها شهادة على فعل النفس، وقوله: ولا تقبل شهادته بعده أنه قضى بكذا ولو شهد معه آخر. وجاز تعدد مستقل، يعني أنه يجوز للإمام الأعظم أن ينصب قاضيين أو أكثر يحكم كل في كل ناحية وفي كل نوع، ولا بد من الاستقلال، فلا يصح تولية قاضيين أو أكثر لا يستقل الحكم إلا بهما أو بهم كانوا أو كانا بناحية أو كل بناحية في نوع خاص أم لا. والله سبحانه أعلم. أو خاص بناحية، بالجر عطف على مقدر، أي جازتعدد مستقلٍّ عام في جميع النواحي وجميع أبواب الفقه، أو خاص بناحية يحكم فيها في جميع أبواب الفقه. أو نوع، يعني أنه يجوز تعدد قاض مستقل خاص بنوع من الفقه يحكم في جميع النواحي، وقد علمت أنه لا بد من الاستقلال.

стр. 7902

ابن شعبان: لأن الحاكم لا يكون نصف حاكم. ابن عرفة: منع ابن شعبان إنما هو في القضاة، وأما في نازلة واحدة فلا أظنهم يختلفون فيها أي في الجواز، وقد فعله عليٌّ ومعاوية في تحكيمهما أبا موسى وعمرو بن العاص. انتهى. وقوله: أو خاص بناحية أو نوع، وكذلك يجوز تعدد مستقل خاص بناحية ونوع، قال عبد الباقي: وأشعر كلامه يعني المص بجواز تولية القضاء عامة وخاصة وهو كذلك، خلافًا لقول أبي حنيفة: تنعقد عامة، ثم على انعقادها عندنا مطلقا يجوز للقاضي الكبير أن يمنع نوابه من الحكم بقضية معينة، كما يقع بمصر أن بعض قضاةِ عسكرها يمنع نائبه المالكي من الحكم بشاهد ويمين في المال، والحنبلي من الإجارة الطويلة، فيجوز للخليفة أن يستثني على القاضي أن لا يحكم في قضية بعينها أو لا يحكم بين فلان وفلان، وأشعر فرض المص جواز تعدد القاضي بعنع تعدد الإمام الأعظم وهو كذلك، ولو تناءت الأقطار جدا، وقيل: إلا أن لا تمكن النيابة، واقتصر عليه ابن عرفة، ونحوه للأصوليين. انتهى. المازري: تجوز تولية قاضيين في بلد على أن يخص كل واحد منهما بناحية من البلد أو نوع من المحكوم فيه، لأن هذه الولاية يصح فيها التخصيص والتحجير، وكذلك عدم التخصيص مع استقلال كل منهما بنفوذ حكمه، ومنعه بعض الناس بمقتضى السياسة خوف تنازع الخصوم فيمن يحكم بينهم، ومقتضى أصول الشرع جوازه. انتهى. والقول للطالب، يعني أنه إذا اختلف الطالب والمطلوب في المدعى عنده فطلب كل المحاكمة عند قاض مع اتفاقهما على عين الطالب كان القول للطالب. ثم من سبق رسوله، يعني أنه إذا لم يتميز الطالب من المطلوب ودعا كل إلى قاض غير الذي دعا إليه الآخر فإن القول قول من دعا إلى القاضي الذي سبق رسوله إلى من لم يأت من المتداعيين، كما إذا ذهب أحد المتداعيين لقاض وذهب الآخر لقاض آخر فأرسل كل قاض عونه أي رَسُولَهُ إلى من لم يأت من المتداعيين. والله أعلم. وإلا، بأن استويا فلم يسبق رسول واحد منهما أقرع بينهما فيمن يذهبان إليه من القاضيين. المازري: ولو فرضنا الخصمين جميعا طالبين كل منهما يطلب صاحبه فلكل واحد منهما أن

стр. 7903

يطلب حقه عند من شاء من القضاة ويطلب الآخر حقه عند من شاء، وإن اختلفا فيمن يبتدئ بالطلب وفيمن يذهبان إليه من القاضيين أوجبت للسابق من رسول القاضيَين، وإن لم يكن لأحدهما ترجيح بسبقِ الطلب ولا بغير ذلك أقرع بينهما. انتهى كلام المازري. وهو يفيد أنه يعمل بقول كل واحد منهما في تعيين القاضي الذي يُدَّعَى عنده، لأنه لا يكون كلٌّ طالبًا إلا مع اختلاف الدعوى، وإنما يعتبر سبق الرسول فيما إذا اختلفا فيمن يبتدئ بالطلب وفيمن يذهبان إليه، فإن سبق أحدهما بالطلب ترجح قوله وإلا فالمعتبر من جاء رسوله أولا من القضاة. انتهى. انظر حاشية الشيخ بناني. ولا حاجة إلى ما في بعض النسخ من زيادة: كالادعاء بعد قوله: أقرع، لأن ما يفيده التشبيه ذكره تصريحا فيما يأتي من قوله: وأمر مدع لخ، فلا فائدة لذكره هنا. والله سبحانه أعلم وقوله: وإلا أقرع، أي إن اتفقا على القرعة، وإلا فلا بد من حاكم يقرع بينهما. قاله التتائي. وتحكيم غير خصم، عطف على قوله: تعدد، يعني أنه يجوز للخصمين أن يتفقا على أن يحكما شخصا ليس مُوَلًّى بشرط أن لا يكون أحد الخصمين بحيث يكون حاكما لنفسه أو عليها. قاله بناني وغيره. وقال عبد الباقي: لا تحكيم خصم لهما أو لأحدهما. قال بناني: فيه نظر إذ ليس المراد نفي أن يحكم الخصمان من هو خصم لهما أو لأحدهما، وإنما المراد نفي أن يحكم أحد الخصمين الآخر بحيث يكون حاكما لنفسه أو عليها. ابن عرفة: ففي جواز تحكيم الخصم خصمه مطلقا وكراهته إن كان القاضي، ثالثهما: لا ينفذ حكمه إن كان القاضيَ، لنقل المازري مع اللخمي عن المذهب، والشيخ عن أصبغ، وظاهر قول الأخوين. انتهى. وجزم ابن فرحون في تبصرته بالجواز، فقال: مسألة: وإذا حَكَّم أحد الخصمين صاحبه فحكم لنفسه أو عليها جاز ومضى ما لم يكن جورا بينا، وظاهر كلام ابن عرفة وابن فرحون ترجيح الجواز ابتداء، وقال الحطاب: ظاهر كلامهم أن الجواز بعد الوقوع. انتهى. وعلى كل فعلى المص درك في التقييد بغير خصم، لأن تحكيم الخصم على ما ذكر من الجواز ابتداء وبعد الوقوع يكون مساويا لتحكيم غير الخصم، وعبارة ابن الحاجب: لو حكم خصمه، فثالثها: يمضي ما لم يكن خصمُه القاضِيَ. ابن عرفة: القول بعدم مضيه مطلقا لا أعرفه. انتهى. انتهى. الرهوني: لا درك على المص، وما نقله

стр. 7904

اللخمي والمازري عن المذهب واعتمده العلامة ابن عبد السلام والمص هو الصواب، وفي كلام ابن عرفة ومن تبعه نظر. انتهى. ورد الرهوني ما لابن عرفة بما يعلم بالوقوف عليه، وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: فلو حكم خصمه، فثالثها: يمضي ما لم يكن المحكم القاضِيَ. قال ابن عبد السلام: هذه الأقوال صحيحة حكاها غير واحد، وأشار بعضهم أو صرح بنفي الخلاف في أن حكمَه غير ماض، وحكى بعضهم أنه يمضي لكنه لم يتعرض لنفي الخلاف. انتهى. ونقله في التوضيح. انتهى. وقال عبد الباقي: وأجاز تحكيم غير الخصم. اللخمي والمازري: ابن عرفة: ظاهر ما لهما الجواز ابتداء، ولفظ الروايات إنما هو بعد الوقوع. اهـ. ويكفي المص شاهدا ما للخصي والمازري. انتهى. وقوله وتحكيم غير خصم، فلو حكما خصما فإن ذلك لا يجوز ولا ينفذ حكمه، وقال الشبراخيتي: وجاز تحكيم غير خصم، وأما أحد الخصمين فلا يجوز للآخر تحكيمه، وكذا إذا حكما خصما لهما أو لأحدهما. انتهى. وتقدم بحث بناني فيما إذا حكما خصما لهما أو لأحدهما، وقال التتائي: فلو حكما خصما لم يجز، وإن حكم لم يمض حكمه، قيل: اتفاقا، وقيل: مختلف فيه. انتهى. وجاهل، يعني أنه لا يجوز تحكيم الجاهل، فلو حكما جاهلا فإن ذلك لا يجوز ولا ينفذ حكمه إن حكم، وقوله: وجاهل، عطف على خصم، قال الإمام الحطاب: قال في التوضيح: وأشار المازري واللخمي إلى أن الجاهل يتفق على بطلان حكمه، لأن تحكيمه خطر وغرر، ثم قال في التوضيح: ونص اللخمي على أنه لا يلزم حكم المحكم إذا كان [مالكيا والخصمان] (١)، كذلك إذا خرج عن قول ملك وأصحابه، وإن لم يخرج باجتهاده عن ذلك لزم، وقال اللخمي: إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكم عدلا من أهل الاجتهاد أو عاميا واسترشد العلماء، فإن حكم ولم يسترشد رُدَّ وإن وافق قول قائل، لأن ذلك تخاطر منهما، وفي العمدة: إن حكما رجلا ورضيا بحكمه لزمهما حكمه إذا كان جائزا شرعا وإن خالف حكم البلد، بخلاف التحكيم في الشهادة فله الرجوع عنه. انتهى. يعني والله سبحانه أعلم إذا قال: ما شهد به عليَّ فلان فهو حق.

стр. 7905

قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن ما في العمدة لا يخالف ما نقله الحطاب عن المازري: إذا كان المحكم من أهل الاجتهاد مالكيا ولم يخرج باجتهاده عن مذهب ملك لزم حكمه، وإن خرج لم يلزم إذا كان الخصمان مالكيين، لأنهما لم يحكماه على أن يخرج عن قول ملك وأصحابه، وكذلك إذا كانا شافعيين أو حنفيين وحكماه على مثل ذلك لم يلزم حكمه إن حكم بينهما، والظاهر أيضا أنه لا يخالف ما تقدم عن اللخمي، تأمل. وكافر، عطف على خصم، ومعناه أن الكافر لا يجوز تحكيمه ولا ينفذ حكمه إن حكم. وغير مميز، يعني أنه لا يصح تحكيم غير الميز، ولو حذفه لكان أولى لأنه مستغنى عنه بقوله: وجاهل، وقوله: وغير عطف على قوله: خصم، أي وجاز تحكيم غير غيرِ مميز وهو المميز، ولو أسقط المص غير هنا وعطف مميز على غير لكان صوابًا. والله سبحانه أَعلم. وقوله: مميز، أي من البالغين بدليل قوله: إلا الصبي، وعلم مما قررت أن معنى كلام المص يجوز تحكيم شخص مميز ليس بخصم ولا جاهل. المازري: لا يحكَّم إلا من يصح أن يُوَلَّى القضاء، وفي الخرشي: ولو شاور الجاهل العلماء وعلم الحكم لم يكن حكمَ جاهل، ولو حكم الخصم أو الجاهل أو الكافر كان الحكم مردودا، وينبغي إذا قَتَل أحدٌ منهم أن تكون الدية على عاقلته، وإذا أتلف شيئا أن يكون ضامنا له. انتهى. في مال وجرح، متعلق بتحكيم كما يفيده الخرشي، أو بالجواز كما يفيده غير واحد، يعني أن التحكيم إنما يكون في المال والجرح وإن عظم كقطع يد أو رجل، قال عبد الباقي: فإن حكما خصما أو جاهلا أو كافرا أو غير مميز لم ينفذ حكم كل، وينبغي إذا أتلف أحد منهم عضوا أن تكون الدية على عاقلته أو مالًا ففي ماله. انتهى. وذكر سبع مسائل لا يجوز التحكيم فيها، أولاها: الحد وإليه أشار بقوله: لا حَدٍّ، يعني أنه لا يجوز التحكيم في الحدود، فلا يحكم في الزنى، ولا في شرب الخمر، ولا في القذف، ولا في غير ذلك مما يترتب فيه حد، وأشار إلى الثانية بقوله: وقتل، يعني أنه لا يجوز التحكيم في القتل عمدا، فلو ادعى شخص على آخر أنه قتل أخاه مثلا وأنكر فلا يجوز التحكيم في ذلك، وأشار إلى الثالثة بقوله: ولعانٍ، يعني أنه لا يجوز التحكيم في

стр. 7906

اللعان، فلو رمى رجل زوجته بالزنى مثلا أو نفى حملها فلا يجوز التحكيم في ذلك، وإلى الرابعة بقوله: وولاءٍ، يعني أنه لو ادعى شخص ثبوت الولاء له على أحد فإنه لا يجوز التحكيم في ذلك، وإلى الخامسة بقوله: ونسبٍ، يعني أنه لا يجوز التحكيم في النسب، فلو ادعى شخص أنه ابن فلان فلا يُحَكَّم في ذلك محكَّمٌ، وإلى السادسة بقوله: وطلاق، يعني أنه لا يجوز التحكيم في الطلاق، وإلى السابعة بقوله: وعتق، يعني أنه لا يجوز التحكيم في العتق، وإنما لم يجز التحكيم في واحد من هذه السبعة، لأنه يتعلق بها حق لغير الخصمين إما لله تعالى وإما لآدمي، ففي اللعان حق للولد لقطع النسب وكذلك النسب، وفي الطلاق والعتق حق لله تعالى إذ لا يجوز بَقَاءُ المطلقة البائن في العصمة ولا رد العبد في الرق، و (الولاء لُحمة كلُحمة النسب) (١)، والقتل يتعلق به حق لله إذ لا يجوز قتل نفس بغير موجب، وترك المص هنا بعض مسائل ذكرها في باب الحجر حيث قال: وإنما يحكم في الرشد وضده لخ، وترك هناك بعض مسائل ذكرها هنا، فينبغي أن يزاد في كل محل ما نقصه من المحل الآخرة وعبر هناك بالقصاص وهنا بالقتل فَيُقَيَّدُ ذلك بما هنا قاله الخرشي. ومضى إن حكم صوابا، يعني أن المحكم إذا حكم صوابا فيما لا يجوز التحكيم فيه فإن حكمه يمضي، وليس لأحدهما ولا لحاكم غيرهما أن ينقضه. وأُدِّبَ، يعني أنه وإن قلنا: إن حكمه يمضي، يؤدب أي إذا استوفى الحكم بالحد والقتل لافتياته على الإمام في الاستيفاء، وإلا فلا يؤدب بل يزجر ولا يؤدب على المعول عليه، وحينئذ إذا حكم بالقتل وعُفيَ عن المحكوم عليه لم يكن عليه أدب كما يستفاد من كلام المواق. قاله الخرشي. وقوله: ومضى إن حكم صوابا، هو في جميع ما ذكره هنا وفي باب الحجر، أصبغ: إذا حكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه فإن القاضيَ يُمضِي حكمَه وينهاه عن العودة، فإن فعل المحكم ذلك بنفسه فَقَتلَ أو اقتَصّ أو حَدّ ثم رفع إلى الإمام أدبه السلطان وزجره وأمضى ما كان صوابا من حكمه. انتهى. ومثله في المواق، فقوله: فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه، ظاهره العموم، وبالنقل المذكور يعلم أن الأدب إنما يكون إذا أنفذ

стр. 7907

الحكم بنفسه، أما إذا حكم ولم ينفذ فلا أدب عليه، خلافا لظاهر المص. انظر الحطاب. قاله بناني. وقال عبد الباقي، وأدب إن وقع استيفاء ما حكم به لافتياته على الإمام في الاستيفاء وإلا لم يؤدب بل يزجر فقط. انتهى المراد منه. وفي الحطاب: في التوضيح: قال أصبغ: إذا حكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه فإن القاضي يُمضِي حكمَه وينهاه عن العودة، زاد ابن عبد السلام: ويقيم الحد وغيره. انتهى. ثم قال في التوضيح: وإن فعل المحكم ذلك بنفسه فقتَل أو اقتصَّ أو حَدَّ ثم رفع ذلك إلى الإمام أدبه السلطان وزجره وأمضى حكمه الصواب. ونقله القرافي وغيره عن سحنون، وزاد القرافي وابن فرحون بَعْدَ هذا الكلام الأخير وبقي المحدود محدودا والتلاعن ماضيا، وقوله: ومضى إن حكم صوابا، قال في التوضيح: ولا يكون لواحد منهما ولا لحاكم غيرهما نقضه إلا أن يكون جورا بينا، وقال الشبراخيتي: ومقتضى كلام المص أن حكمه فيما ذكر من قوله: لا حد لخ، غير جائز، فإذا حكم فيها فقد فعل معصية فيؤدب عليها وجوبا وإن لم يحصل استيفاء لموت المحكوم عليه أو العفو عنه، ولكن ما ذكره المواق عن أصبغ خلافُه، أي أن الأدب إنما هو بعد استيفاء الحكم بالقتل والحد، فإن لم يستوفه فإنه يزجر ولا يؤدب، وعليه فَلَنا معصيةٌ لا يجب الأدب فيها إلا بانضمام شيء إليها فيخصص به قول المص الآتي: وعزر الإمام لمعصية الله تعالى. وفي صحة أو مضي تحكيم صبي مميز وعبد وامرأة وفاسق في مال وجرح، وكذا غيرهما كما هو ظاهر النقل أربعة أقوال، أولها: المضي في الأربعة ثانيها: عدمه فيها. ثالثها: أي الأقوال يمضي ما حكموا به، إلَّا في تحكيم الصبي فإنه لا يصح تحكيمه ولا يمضي حكمه لأنه غير مكلف ولا إثم عليه إن جار. ورابعها: أي الأقوال المضي إلا في تحكيم صبي وفاسق، قال بناني: الأقوال في المضي وعدمه كما يشعر به ما قبله وهو ظاهر ابن عرفة والمواق، لا في صحة التحكيم كما في التتائي وتبعه الزرقاني، لأنه خلاف ظاهر المص، والقول الأول لأصبغ، والثاني لطرف، والثالث لأشهب، والرابع لابن الماجشون، وجعل ابن رشد الخلاف في الجواز وعدمه، ونصه: واختلف في العبد والمرأة والمسخوط والمولَّى عليه والصغير الذي لم يعقل، فأجاز أصبغ تحكيمهم كلهم، وأجاز ابن الماجشون في أحد قوليه تحكيم العبد والمرأة والمولَّى عليه. انتهى. نقله أبو الحسن. قال مقيد

стр. 7908

هذا الشرح عفا الله عنه: الأمر سهل في التفريق بين المضي والصحة. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: وفي صبي وعبد لخ، أدخل معهم ابن رشد المولَّى عليه. وضربُ خصم لدّ، عطف على فاعل جاز، يعني أنه يجوز للقاضي أن يضرب الخصم إذا لد أي امتنع من إعطاء الحق أو الشرع، ويجتهد في قدره ويضربُه بيده أو بأعوانه، قال عبد الباقي: ويستند في ذلك لعلمه خلافا لما يفهم من كلام أبي الحسن. قال بناني: بل كلام أبي الحسن صريح في ذلك كما في الحطاب، ونصه: قال في المدونة: ولا بأس أن يضرب الخصم إذا تبين لدده. أبو الحسن: قوله: إذا تبين لدده، معناه إذا تبين ببينة إذ لا يقضي بعلمه إلا في التعديل والتجريح، وسلمه الحطاب، واعتراض الزرقاني تبع فيه التتائي وليس بظاهر. والله أعلم انتهى. والاعتراض على أبي الحسن المذكور أصله لابن ناجي. والله تعالى أعلم. قاله الرهوني. قال عبد الباقي: وظاهر المص كالمدونة جوازه، وفي البيان وجوبه، وعليه فالمراد بالجواز الإذن فيشمل الواجب، أو يقال: الواجب زجره بما هو أعم من الضرب، وأما الضرب بخصوصه فحكمه الجواز لأن أمره شديد. انتهى. يعني إذا كان ينزجر بغير الضرب وإلا وجب كما صرح به ابن مرزوق. قاله الرهوني. وقال الشبراخيتي: وجاز للقاضي ضرب خصم لد عن إعطاء الحق، وكذا يؤدب من امتنع من الشرع إن كان القاضي عدلا، وعليه أجرة الرسول وإلا فله الامتناع ولا أدب عليه، قال في الشرح: وظاهر نقل المواق أنه واجب لا جائز، ونحوه في البيان كما ذكره الزرقاني، وعليه فالمراد بالجواز هنا الإذن فيتناول الواجب، ولكن في المدونة: ولا بأس أن يضرب الخصم إذا تبين لدده وظلمه. ابن ناجي: يأمر الإمام أعوانه بذلك، ولو ضربه بيده جاز، ومقتضى كلام المص كغيره أنه لا يعزر بغير الضرب، ثم يرجع في قدره لاجتهاد الحاكم. وقال الخرشي: يعني أن الخصم إذا لد عن إعطاء الحق فللقاضي أن يضربه وأن يسجنه، وحكم الأدب الوجوب على الإمام، كما صرح به ابن رشد في سماع ابن القاسم. انتهى. وكلام ابن رشد هو قوله: لأن لدد أحد الخصمين بصاحبه إذاية له وإضرار به، وواجب على الإمام أن يكف أذى بعض الناس عن بعض، ويعاقب عليه بما يؤدي إليه اجتهاده. انتهى. وقال ابن فرحون في الأمور التي تنبغي

стр. 7909

للقاضي مع الخصوم: منها أن الغريم إذا دعا غريمه فلم يجبه أدبه وجرحه إن كان عدلا، فإن تغيب فأجرة الرسول على الطالب، فإن تغيب المطلوب وتبين لدده فالأجرة عليه، ونحو ذلك للخمي، ثم قال: وينبغي له أن يمنع من رفع الصوت عنده. وعزله لمصلحة، يعني أنه يجوز للأمير أو الخليفة أن يعزل القاضي لأجل مصلحة ككون غيره أقوى منه أو أحكم أو أصلح، وقوله: لمصلحة أو درء مفسدة. قاله الشبراخيتي. والجواز أيضا هنا بمعنى الإذن الصادق بالوجوب وهو المراد هنا. انتهى. وقال الحطاب: وعزله لمصلحة. ابن عرفة: ويجب تفقد الإمام حال قضاته فيعزل من في بقائه مفسدة وجوبا فورا، ومن يخشى مفسدته استحبابا، ومن غيرُه أولى منه عزلُه راجح. انتهى. ثم قال المازري: إذا كان في العزل مصلحة للعامة أمر الإمام بالمبادرة إليه، وإن وجد الإمام أفضل ممن ولي فله عزله لتولية الأفضل، وإن لم يجد إلا من هو دونه فلا يعزله، فإن عزله فلا ينفذ عزلته، قلت: في عدم نفوذ عزلته نظر لأنه يؤدي إلى لغو توليته غيره فيؤدي ذلك إلى تعطيل أحكام المسلمين. انتهى. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز أي أذن للأمير أو الخليفة عزله أي القاضي لمصلحة أو درء مفسدة، وإن لم تكن جرحة فيه ككون غيره أفضل أو أصبر أو أجلد، فيندب عزله لذلك، كمن يخشى من بقائه مفسدة ويجب لتحققها، فإن عزل لا لمصلحة فالنقل أنه لا ينعزل. انتهى. ولم ينبغ إن شهر عدلا بمجرد شكية يعني أنه لا ينبغي أي لا يجوز للخليفة أو الأمير عزل القاضي إن اشتهر بالعدالة بمجرد شكية أي شكوى، أي لا ينبغي عزله بالشكوى المجردة عن الكشف إن كان مشهورا بالعدالة، وكلامه صادق بما إذا تعددت الشكوى، قال عبد الباقي: ومفهوم شهر أنه لو لم يشهر بالعدالة لكان ينبغي عزله بمجرد الشكوى من غير كشف وهو كذلك إن وجد بدلا كما قال مطرف، لكن في كلام مطرف فليعزله. قاله أحمد بصيغة مضارع فيه لام الأمر، فيفيد الوجوب، فإن لم يجد عنه بدلا كشف عليه، فإن كان على ما يجب أبقاه وإن كان على غير ذلك عزله. قاله مطرف أيضا كما في الش. ثم قال عبد الباقي: ما مر عنه، ويحتمل كلام المص أن يكون معناه أن مجرد الشكية الواحدة لا ينبغي معها العزل حيث كان مشهورا بالعدالة، لكن على هذا كان ينبغي أن يستغني عن قوله: بمجرد، وقول مطرف: لا ينعزل

стр. 7910

المشهور بالعدالة بالشكية، يحتمل الأمرين. انتهى. وقوله: عدلا، تمييز محول عن نائب الفاعل أو منصوب بنزع الخافض. الشبراخيتي: وقد عزل عمر ﵁ سعدًا بالشكية وهو أحد العشرة المقطوع لهم بالجنة. انتهى. وهو دليل لأصبغ فإنه قال: أحب إلي أن يعزل بمجرد الشكية وإن كان مشهورا بالعدالة، وإن لم يكن مشهورا بالعدالة فليعزله إن وجد منه بدلا وتضافرت الشكية عليه، فإن لم يجد منه بدلا كشف عنه، فإن كان على ما يجب أبقاه وإلا عزله. انتهى. وقوله: بمجرد، قد علمت أن معناه دون كشف وهو ما قررت به أولا وفيه احتمال آخر دون تعدد الشكوى كما مر عن الشارح. والله سبحانه أعلم. وقال الإمام الحطاب: مفهوم قوله: إن شهر عدلا، أن غير المشهور عدالته يعزل بمجرد الشكية، وحكى ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال: ونصه: وعزله بالشكاية به إن لم يكن مشهورا بالعدالة في وجوبه أو الكتب إلى صالحي بلده ليكشفوا عن حاله، فإن كان على ما يجب وإلا عزل، ثالثها: إن وجد له بدلا وإلا فالثاني، للشيخ عن أصبغ، وغيره، ومطرف. انتهى. ولْيبَرَّأ عن غير سخط، يعني أنه يجب أن يبرأ القاضي المعزول عن غير سخط أي أمر قبيح فَيُبرِّئه مَن عَزَلَه بأن يظهر براءته بحيث يزول عنه توهم السخط، كما فعل عمر ﵁ بشرحبيل بن حسنة حيث عزله، فقال يأمير المؤمنين: أعن سخط؟ فقال: لا، ولكن وجدت أقوى منك، قال: إنَّ عَزْلك عيبٌ فأخبر الناس بعذري، ففعل. وتعقب ابن عبد السلام الاحتجاج بقضية شرحبيل بأن تبرئته إنما كانت بسؤال ذلك لا ابتداء، ومفهوم قوله: عن غير سخط، أن المعزول عن سخط يظهر جرحته للناس ليلا يولى عليهم بعد ذلك إذ لا يولَّى عليهم ولو صار أعدل أهل زمانه. وخفيف تعزير بمسجد، يعني أنه يجوز فعل خفيف التعزير أي الأدب بالمسجد، والخفيف ما يظن معه السلامة من النجس، والباء للظرفية كخمسة أسواط وعشرة، بخلاف شديد التعزير والحد، ولهذا قال: لا حَدَّ يحتمل المنع لأنه ذريعة لخروج شيء منه مما ينجس المسجد، ويحتمل الكراهة، وجوز الاحتمالين في توضيحه في قول ابن الحاجب: ولا تقام الحدود في

стр. 7911

المسجد، وقال الحطاب: قال في المدونة: ولا يقيم في المسجد الحدود وشبهها، أبو الحسن: لأن في ذلك إهانة له والله يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. وقوله: شبهها يعني التعزيرات الكثيرة. انتهى. انتهى. وجلس به، يعني أن القاضي يستحب له أن يجلس للقضاء في المسجد. قال التتائي: وفي المدونة: هو من الحق والأمر القديم. قال المص: والأقرب في زماننا الكراهة لكثرة التساهل ورفع الأصوات فيه. اللخمي عن ابن شعبان: من العدل كون منزل القاضي بوسط مصره. وفي الواضحة: كان من مضى من القضاة يجلسون في رحاب المسجد. قال في الذخيرة: وفي النوادر: ويجعل للنّصارى يوما أو وقتا يجلس لهم في غير المسجد. انتهى. وقال عبد الباقي: وجلس ندبا به أي برحابه خشية امتهانه وليَصِلَ إليه الكافر والحائض والضعيف، ولخبر: (جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم) (١). انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: برحابه، أي الخارجة عن المسجد، وكون جلوسه برحابه هو المستحبُّ عند اللخمي والباجي وصاحب المقدمات. وقال ابن عبد السلام: الأقرب في زماننا اليوم الكراهة، فالحكم في المسجد مؤد إلى دخول الحائض والجنب فيه إلى ما ينضم إلى ذلك من رفع أصوات الخصوم بكلام الباطل. انتهى. فرع: قال الحطاب: يستحب للقاضي أن يستقبل القبلة في جلوسه، وينبغي له أن لا يتضاحك مع الناس. وقال الشبراخيتي: وجلس القاضي به أي بالمسجد للقضاء أي برحابه خشية امتهانه، وأما في داخله فهو مكروه لأن المساجد تنزه عن الخصومات كما يفيده كلام الحطاب خلافا لما في التبصرة، وهذا حيث لم يحصل امتهان المسجد بدخول من لا يجوز دخوله به كالحائض والجنب، وبفعل ما لا يجوز فعله به كالتعزير الشديد به وإقامة الحد به، فإنه يحرم الجلوس به. انتهى. ولابن عاصم رحمه الله تعالى: وحَيْثُ لاقَ لِلقَضاءِ يَقْعُدُ … وفي البلاد يُسْتَحَبُّ المسْجِدُ

стр. 7912

قال الشيخ ميارة: يعني أن القاضي يجلس للقضاء والفصل بين الخصوم حيث يليق ذلك وَيَصْلَحُ له، كان في بادية أو حاضرة، يعني فإن كان في بلد وحاضرة استحب جلوسه في المسجد، وهذا هو الذي روى ابن القاسم عن ملك رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قضاء القاضي في المسجد من الأمر القديم إذا جلس فيه رضي بالدون من المجلس ووصل إليه الضعيف والضعيفة، وفي المدونة: قال ملك: القضاء في المسجد من الحق وهو من الأمر القديم لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس وتصل إليه المرأة والضعيف، وروى ابن حبيب يجلس برحاب المسجد: وهذا أحسن لقوله ﷺ : (جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم). والمستحسن لأهل العلم في كيفية جلوسه أن يكون جلوسه مستقبل القبلة، وأن يكون متربعا أو محتبيا وعليه السكينة والوقار، وروى ابن المواز: لا بأس أن يقضي القاضي وهو متكئ، والذي ينبغي له أن يُجلِس الخصمين بين يديه كانا قويين أو ضعيفين، أو أحدهما قوي والآخر ضعيف، ويستحب في القاضي أن تكون فيه عبوسة من غير غضب، وأن يلزم التواضع والنسك في غير وهن ولا ضعف، ولا ترك شيء من الحق، وفي المجموعة وكتاب ابن المواز عن ملك: لا بأس أن يقضي القاضي في منزله وحيث أحب. وفي تنبيه الحكام لابن المناصف: ويكره الجلوس للحاكم في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشري وأمر بإضرام داره عليه نارا، فدعا واستقال ولم يعد إلى ذلك، فإن دعته ضرورة إلى ذلك فليفتح أبوابها ويجعل سبيلها سبيل المواضع المباحة لذلك من غير منع ولا حجاب، والأحسن أن يكون مجلس قضائه حيث الجماعة وفي المسجد الجامع، إلا أن يعلم ضرر ذلك بالنصارى وأهل المال والنساء الحيض، فيجلس في رحبة المسجد، فإن دخل عليه ضرر بقعوده في المسجد لكثرة الناس حتى شغله ذلك عن النظر والفهم فليكن له موضع في المسجد يحول بينهم وبينه، وحيثما جلس القاضي المأمون فهو له جائز، وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى القاضي تميم بن عبد الرحمن ألَّا يقضيَ في المسجد، وبذلك أخذ الشافعي. ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا في قضاء القاضي بالمسجد بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا

стр. 7913

الْمِحْرَابَ﴾. يدل (١) على أن الحكومة وقعت عنده في مسجده، وروي أن النبي ﷺ (قضى في المسجد) (٢). ولا يتشاغل بالحديث في مجلس قضائه إن أراد بذلك إجمام نفسه، وإذا وجد الفتور فليقم من مجلسه ويدخل بيته أو يدفع الناس عنه أو يدع في (٣) مجلس قضائه، ويجلس للحديث مع من أحب إن أراد إجمام نفسه، وأَمّا وَهُوَ يقضي فلا ينبغي، وأجازه ابن عبد الحكم مع جلسائه وهو أحسن من القيام، ولا يكثر من القضاء جدا حتى يأخذه النعاس والعجز. انظر التبصرة. وفي الرهوني عن التبصرة للخمي: واختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال، أحدها: قول ملك في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم، وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد. وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب. انتهى. وما قاله المص هو المشهور لأنه مذهب المدونة وعليه الأكثر، وصرح غير واحد بأنه المشهور. والله أعلم. بغير عيد، متعلق بجلس مع قطع النظر عن قيده وهو به كما قاله الشبراخيتي، أي يجلس للقضاء ولو بغير مسجد بغير عيد، يعني أن القاضي لا يجلس للقضاء في هذه الأوقات التي يذكرها، أي يكره فيها منها العيد فطرا أو أضحى كما في الشبراخيتي وغيره. وقدوم حاج، يعني أن القاضي يجلس للقضاء في غير الوقت الذي يقدم فيه الحاج، فيكره له الجلوس للقضاء في وقت قدوم الحاج. وخروجه، أي الحاج. ومطر، يعني أن القاضي يجلس للقضاء في غير وقت كثرة المطر لا فيه، فيكره كما يكره في وقت خروج الحاج وقدومه. ونحوه، كيوم التروية ويوم عرفة وكثرة الوحل المضر بالطريق. قاله محمد بن عبد الحكم. ويوم المِهرجان بكسر الميم رابع عشر من بونة وهو يوم ولادة يحيى. قاله الخرشي. وقال مطرف وابن الماجشون: ولا بين المغرب والعشاء ولا بالأسحار إلا في الأمر الذي يحدث ويرفع إليه مما لا بد منه، فلا بأس أن ينهى ويأمر بالسجن ويرسل للأمير والشرَطِ. الخرشي: ولا بعد الصبح ولا بين الظهر

стр. 7914

والعصر، البساطي: وأيام كسر النيل، وأيام الاستسقاء، وقدوم السلطان من غزاة، وقد يقال: أما بمصر ونحوها فينبغي له الجلوس يوم خروج الحاج وقدومه لا في ذلك من الفصل بين الأكرياء الذين يأكلون أموال الناس، وإذا غفل عنهم هربوا. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: ونحوه كيوم تروية وعرفة وكثرة وحل بطريق، وبين مغرب وعشاء وسحرث فيكره بعيد وما عطف عليه ولو بغير رحابه إلا لاحتياج الناس له كالفصل بين الأكرياء الذين يأخذون أموال الناس، وإذا غفل عنهم هربوا. انتهى. والصواب في جلوس القاضي أن يكون في أوقات معلومات ولا يستغرق الجلوس للحكم أوقاته كلها حتى يكون كالمستأجر. قال ابن أبي زمنين: قالوا: ينبغي للقاضي أن يجعل لجلوسه ساعات يعرفها الناس فيأتونه فيها، وفي التبصرة: ولا بأس أن ينظر في أمور دنياه التي تصلحه، ولا بد له منها في كل الأيام في غير أوقات قضائه، ولا ينبغي أن يحكم في الطريق إلا في أمر استغيث به فيه، فلا بأس أن يأمر وينهى ويسجن. ابن عبد الحكم: ولا ينبغي له أن يجلس في العيدين وما قرب من ذلك، كيوم عرفة ويوم التروية ويوم سفر الحاج ويوم قدومه، قال بعض المتأخرين: وكذلك يوم الجمعة، واستثنى من هذه الأيام والأوقات الأمور التي يخاف عليها الفوات، وما لا يسعه إلا تعجيل النظر فيه، وذكر ابن المواز عن أشهب عن ملك قال: ينبغي للقاضي أن يكون جلوسه في ساعة من النهار، لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه نهاره كله. ابن عبد الحكم: لا أحِبُّ أن يطيل الجلوس حتى يمل، ولكن يكون له وقت حسن في صدر النهار، وإن احتعل أن يجلس بعد العصر جلس. تنبيه: قال المتيطي: ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال قضاته وأمور حكامه وولاته، ويتطلع أحكامهم، ويتفقد قضاياهم، ويسأل عنهم أهل الصلاح والفضل، فإن كانوا على ما يجب أقرهم، وقد عزل عُمَرُ سعدا بالشكية. وقال: والله لا يسألني قوم عزل أميرهم ويشكونه إلا عزلته عنهم مع علمه ﵁ ببراءة سعد. انتهى. واتخاذ حاجب وبواب، يعني أنه يجوز للقاضي أن يتخذ حاجبا وبوابا، قال الزرقاني: يحتمل أن يكون عطف البواب على الحاجب عطف تفسير، ويحتمل أن يكون البواب الملزوم بالباب والحاجب من يمنع الناس عنه. انتهى. قاله

стр. 7915

الشبراخيتي. وقال: قال ابن عرفة: ويكون كل من الحاجب والبواب ثقة عدلا، وينهى عن اتخاذ من يحجب الناس وقت حاجتهم إليه. انتهى. فقول المص: واتخاذ حاجب أي في غير حاجة الناس إليه. انتهى. أصبغ: حق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه ويجعل له قوما يقومون بأمره ويدفعون الناس عنه، إذ لا بد له من أعوان يكونون له يزجرون من ينبغي زجره من الخاصمين، فقد كان الحسن ينكر على القضاة اتخاذ الأعوان، فلما ولي القضاء قال: لا بد للسلطان من وزعة. ابن عرفة: ويسوغ له اتخاذ من يقوم بين يديه لصرف أمر ونهيه وكف أذى الناس عنه، وعن بعضهم لبعض، ولا يتخذ لذلك إلا ثقة مأمونا. نقله المواق. وبدئ بمحبوس يعني أنه يجب على القاضي أول ولايته أن يبدأ - بعد النظر في الشهود، فمن كان عدلا أبقاه وإلا أراح المسلمين من إذايته - بالمحبوس، فينظر فيما يقتضيه الشرع فيما حبس فيه، لأن الحبس عذاب، فيعلم من يجب إخراجه ومن لا يجب، لأن ذلك أشد من الضرر في الأموال. قوله: وبدئ، قررته بالوجوب. وفي التتائي: أنه مندوب، قال بناني: الوجوب هو ظاهر عبارة ابن فرحون، إذ قال في تبصرته: ويلزم أن يكون أول ما يبتدئ به الكشف عن حال الشهود، والاستحباب هو ظاهر عبارة المازري، ونصها: قال أهل العلم: ينبغي للقاضي أن يبدأ بالنظر في المحبوس. انتهى. وقال الحطاب: وبدئ بالمحبوس لخ، كذا ذكر في التوضيح، وقال ابن فرحون في تبصرته: ويلزمه أن يكون أول ما يبتدئ به الكشفَ عن الشهود والموثقين، فيعرف حال من لا يعرف حاله منهم، ويفحص عن عدالتهم، فمن كان عدلا أثبته، ومن كان فيه جرحة أسقطه وأراح المسلمين من إذايتهم، ولا يحل له أن يترك غير المرضي ينصبه للناس، فإنها خديعة للمسلمين ووصمة في شعائر الدين، وعليه أن يصرح بعزل هؤلاء، ويسجل على شاهد الزور كتابا مخلدا بعد عقوبته، وكذلك يجب عليه الكشف عن المحبوسين. انتهى. فتأمله كيف جعل أول ما يبدأ به الشهود؟ وهو الظاهر لأن مدار الأمر كله عليهم، وإذا ولي قضاء غير بلده يسأل عن عدول البلد قبل خروجه، وينادي مناد يشعر الناس باجتماعهم لقراءته سجله المكتوب بولايته، فإذا فرغ نظر في المكان الذي يجلس فيه، والعدل أن يكون وسط البلد. انتهى. نقله في التوضيح عن المازري. وقال ابن عرفة: المازري: إذا ولي قضاء غير بلده ينبغي له قبل خروجه
следующие страницы →