المسجد، وقال الحطاب: قال في المدونة: ولا يقيم في المسجد الحدود وشبهها، أبو الحسن: لأن في ذلك إهانة له والله يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. وقوله: شبهها يعني التعزيرات الكثيرة. انتهى. انتهى.
وجلس به، يعني أن القاضي يستحب له أن يجلس للقضاء في المسجد. قال التتائي: وفي المدونة: هو من الحق والأمر القديم. قال المص: والأقرب في زماننا الكراهة لكثرة التساهل ورفع الأصوات فيه. اللخمي عن ابن شعبان: من العدل كون منزل القاضي بوسط مصره. وفي الواضحة: كان من مضى من القضاة يجلسون في رحاب المسجد. قال في الذخيرة: وفي النوادر: ويجعل للنّصارى يوما أو وقتا يجلس لهم في غير المسجد. انتهى. وقال عبد الباقي: وجلس ندبا به أي برحابه خشية امتهانه وليَصِلَ إليه الكافر والحائض والضعيف، ولخبر: (جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم) (١). انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: برحابه، أي الخارجة عن المسجد، وكون جلوسه برحابه هو المستحبُّ عند اللخمي والباجي وصاحب المقدمات. وقال ابن عبد السلام: الأقرب في زماننا اليوم الكراهة، فالحكم في المسجد مؤد إلى دخول الحائض والجنب فيه إلى ما ينضم إلى ذلك من رفع أصوات الخصوم بكلام الباطل. انتهى.
فرع: قال الحطاب: يستحب للقاضي أن يستقبل القبلة في جلوسه، وينبغي له أن لا يتضاحك مع الناس. وقال الشبراخيتي: وجلس القاضي به أي بالمسجد للقضاء أي برحابه خشية امتهانه، وأما في داخله فهو مكروه لأن المساجد تنزه عن الخصومات كما يفيده كلام الحطاب خلافا لما في التبصرة، وهذا حيث لم يحصل امتهان المسجد بدخول من لا يجوز دخوله به كالحائض والجنب، وبفعل ما لا يجوز فعله به كالتعزير الشديد به وإقامة الحد به، فإنه يحرم الجلوس به. انتهى. ولابن عاصم رحمه الله تعالى:
وحَيْثُ لاقَ لِلقَضاءِ يَقْعُدُ … وفي البلاد يُسْتَحَبُّ المسْجِدُ
стр. 7912
قال الشيخ ميارة: يعني أن القاضي يجلس للقضاء والفصل بين الخصوم حيث يليق ذلك وَيَصْلَحُ له، كان في بادية أو حاضرة، يعني فإن كان في بلد وحاضرة استحب جلوسه في المسجد، وهذا هو الذي روى ابن القاسم عن ملك رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قضاء القاضي في المسجد من الأمر القديم إذا جلس فيه رضي بالدون من المجلس ووصل إليه الضعيف والضعيفة، وفي المدونة: قال ملك: القضاء في المسجد من الحق وهو من الأمر القديم لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس وتصل إليه المرأة والضعيف، وروى ابن حبيب يجلس برحاب المسجد: وهذا أحسن لقوله ﷺ : (جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم). والمستحسن لأهل العلم في كيفية جلوسه أن يكون جلوسه مستقبل القبلة، وأن يكون متربعا أو محتبيا وعليه السكينة والوقار، وروى ابن المواز: لا بأس أن يقضي القاضي وهو متكئ، والذي ينبغي له أن يُجلِس الخصمين بين يديه كانا قويين أو ضعيفين، أو أحدهما قوي والآخر ضعيف، ويستحب في القاضي أن تكون فيه عبوسة من غير غضب، وأن يلزم التواضع والنسك في غير وهن ولا ضعف، ولا ترك شيء من الحق، وفي المجموعة وكتاب ابن المواز عن ملك: لا بأس أن يقضي القاضي في منزله وحيث أحب.
وفي تنبيه الحكام لابن المناصف: ويكره الجلوس للحاكم في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشري وأمر بإضرام داره عليه نارا، فدعا واستقال ولم يعد إلى ذلك، فإن دعته ضرورة إلى ذلك فليفتح أبوابها ويجعل سبيلها سبيل المواضع المباحة لذلك من غير منع ولا حجاب، والأحسن أن يكون مجلس قضائه حيث الجماعة وفي المسجد الجامع، إلا أن يعلم ضرر ذلك بالنصارى وأهل المال والنساء الحيض، فيجلس في رحبة المسجد، فإن دخل عليه ضرر بقعوده في المسجد لكثرة الناس حتى شغله ذلك عن النظر والفهم فليكن له موضع في المسجد يحول بينهم وبينه، وحيثما جلس القاضي المأمون فهو له جائز، وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى القاضي تميم بن عبد الرحمن ألَّا يقضيَ في المسجد، وبذلك أخذ الشافعي. ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا في قضاء القاضي بالمسجد بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا
стр. 7913
الْمِحْرَابَ﴾. يدل (١) على أن الحكومة وقعت عنده في مسجده، وروي أن النبي ﷺ (قضى في المسجد) (٢). ولا يتشاغل بالحديث في مجلس قضائه إن أراد بذلك إجمام نفسه، وإذا وجد الفتور فليقم من مجلسه ويدخل بيته أو يدفع الناس عنه أو يدع في (٣) مجلس قضائه، ويجلس للحديث مع من أحب إن أراد إجمام نفسه، وأَمّا وَهُوَ يقضي فلا ينبغي، وأجازه ابن عبد الحكم مع جلسائه وهو أحسن من القيام، ولا يكثر من القضاء جدا حتى يأخذه النعاس والعجز. انظر التبصرة. وفي الرهوني عن التبصرة للخمي: واختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال، أحدها: قول ملك في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم، وقال في كتاب ابن حبيب: كان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد. وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله وحيث أحب. انتهى. وما قاله المص هو المشهور لأنه مذهب المدونة وعليه الأكثر، وصرح غير واحد بأنه المشهور. والله أعلم.
بغير عيد، متعلق بجلس مع قطع النظر عن قيده وهو به كما قاله الشبراخيتي، أي يجلس للقضاء ولو بغير مسجد بغير عيد، يعني أن القاضي لا يجلس للقضاء في هذه الأوقات التي يذكرها، أي يكره فيها منها العيد فطرا أو أضحى كما في الشبراخيتي وغيره.
وقدوم حاج، يعني أن القاضي يجلس للقضاء في غير الوقت الذي يقدم فيه الحاج، فيكره له الجلوس للقضاء في وقت قدوم الحاج. وخروجه، أي الحاج. ومطر، يعني أن القاضي يجلس للقضاء في غير وقت كثرة المطر لا فيه، فيكره كما يكره في وقت خروج الحاج وقدومه. ونحوه، كيوم التروية ويوم عرفة وكثرة الوحل المضر بالطريق. قاله محمد بن عبد الحكم. ويوم المِهرجان بكسر الميم رابع عشر من بونة وهو يوم ولادة يحيى. قاله الخرشي. وقال مطرف وابن الماجشون: ولا بين المغرب والعشاء ولا بالأسحار إلا في الأمر الذي يحدث ويرفع إليه مما لا بد منه، فلا بأس أن ينهى ويأمر بالسجن ويرسل للأمير والشرَطِ. الخرشي: ولا بعد الصبح ولا بين الظهر
стр. 7914
والعصر، البساطي: وأيام كسر النيل، وأيام الاستسقاء، وقدوم السلطان من غزاة، وقد يقال: أما بمصر ونحوها فينبغي له الجلوس يوم خروج الحاج وقدومه لا في ذلك من الفصل بين الأكرياء الذين يأكلون أموال الناس، وإذا غفل عنهم هربوا. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: ونحوه كيوم تروية وعرفة وكثرة وحل بطريق، وبين مغرب وعشاء وسحرث فيكره بعيد وما عطف عليه ولو بغير رحابه إلا لاحتياج الناس له كالفصل بين الأكرياء الذين يأخذون أموال الناس، وإذا غفل عنهم هربوا. انتهى. والصواب في جلوس القاضي أن يكون في أوقات معلومات ولا يستغرق الجلوس للحكم أوقاته كلها حتى يكون كالمستأجر. قال ابن أبي زمنين: قالوا: ينبغي للقاضي أن يجعل لجلوسه ساعات يعرفها الناس فيأتونه فيها، وفي التبصرة: ولا بأس أن ينظر في أمور دنياه التي تصلحه، ولا بد له منها في كل الأيام في غير أوقات قضائه، ولا ينبغي أن يحكم في الطريق إلا في أمر استغيث به فيه، فلا بأس أن يأمر وينهى ويسجن. ابن عبد الحكم: ولا ينبغي له أن يجلس في العيدين وما قرب من ذلك، كيوم عرفة ويوم التروية ويوم سفر الحاج ويوم قدومه، قال بعض المتأخرين: وكذلك يوم الجمعة، واستثنى من هذه الأيام والأوقات الأمور التي يخاف عليها الفوات، وما لا يسعه إلا تعجيل النظر فيه، وذكر ابن المواز عن أشهب عن ملك قال: ينبغي للقاضي أن يكون جلوسه في ساعة من النهار، لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفسه نهاره كله. ابن عبد الحكم: لا أحِبُّ أن يطيل الجلوس حتى يمل، ولكن يكون له وقت حسن في صدر النهار، وإن احتعل أن يجلس بعد العصر جلس.
تنبيه: قال المتيطي: ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال قضاته وأمور حكامه وولاته، ويتطلع أحكامهم، ويتفقد قضاياهم، ويسأل عنهم أهل الصلاح والفضل، فإن كانوا على ما يجب أقرهم، وقد عزل عُمَرُ سعدا بالشكية. وقال: والله لا يسألني قوم عزل أميرهم ويشكونه إلا عزلته عنهم مع علمه ﵁ ببراءة سعد. انتهى. واتخاذ حاجب وبواب، يعني أنه يجوز للقاضي أن يتخذ حاجبا وبوابا، قال الزرقاني: يحتمل أن يكون عطف البواب على الحاجب عطف تفسير، ويحتمل أن يكون البواب الملزوم بالباب والحاجب من يمنع الناس عنه. انتهى. قاله
стр. 7915
الشبراخيتي. وقال: قال ابن عرفة: ويكون كل من الحاجب والبواب ثقة عدلا، وينهى عن اتخاذ من يحجب الناس وقت حاجتهم إليه. انتهى. فقول المص: واتخاذ حاجب أي في غير حاجة الناس إليه. انتهى. أصبغ: حق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه ويجعل له قوما يقومون بأمره ويدفعون الناس عنه، إذ لا بد له من أعوان يكونون له يزجرون من ينبغي زجره من الخاصمين، فقد كان الحسن ينكر على القضاة اتخاذ الأعوان، فلما ولي القضاء قال: لا بد للسلطان من وزعة. ابن عرفة: ويسوغ له اتخاذ من يقوم بين يديه لصرف أمر ونهيه وكف أذى الناس عنه، وعن بعضهم لبعض، ولا يتخذ لذلك إلا ثقة مأمونا. نقله المواق.
وبدئ بمحبوس يعني أنه يجب على القاضي أول ولايته أن يبدأ - بعد النظر في الشهود، فمن كان عدلا أبقاه وإلا أراح المسلمين من إذايته - بالمحبوس، فينظر فيما يقتضيه الشرع فيما حبس فيه، لأن الحبس عذاب، فيعلم من يجب إخراجه ومن لا يجب، لأن ذلك أشد من الضرر في الأموال. قوله: وبدئ، قررته بالوجوب. وفي التتائي: أنه مندوب، قال بناني: الوجوب هو ظاهر عبارة ابن فرحون، إذ قال في تبصرته: ويلزم أن يكون أول ما يبتدئ به الكشف عن حال الشهود، والاستحباب هو ظاهر عبارة المازري، ونصها: قال أهل العلم: ينبغي للقاضي أن يبدأ بالنظر في المحبوس. انتهى. وقال الحطاب: وبدئ بالمحبوس لخ، كذا ذكر في التوضيح، وقال ابن فرحون في تبصرته: ويلزمه أن يكون أول ما يبتدئ به الكشفَ عن الشهود والموثقين، فيعرف حال من لا يعرف حاله منهم، ويفحص عن عدالتهم، فمن كان عدلا أثبته، ومن كان فيه جرحة أسقطه وأراح المسلمين من إذايتهم، ولا يحل له أن يترك غير المرضي ينصبه للناس، فإنها خديعة للمسلمين ووصمة في شعائر الدين، وعليه أن يصرح بعزل هؤلاء، ويسجل على شاهد الزور كتابا مخلدا بعد عقوبته، وكذلك يجب عليه الكشف عن المحبوسين. انتهى. فتأمله كيف جعل أول ما يبدأ به الشهود؟ وهو الظاهر لأن مدار الأمر كله عليهم، وإذا ولي قضاء غير بلده يسأل عن عدول البلد قبل خروجه، وينادي مناد يشعر الناس باجتماعهم لقراءته سجله المكتوب بولايته، فإذا فرغ نظر في المكان الذي يجلس فيه، والعدل أن يكون وسط البلد. انتهى. نقله في التوضيح عن المازري. وقال ابن عرفة: المازري: إذا ولي قضاء غير بلده ينبغي له قبل خروجه
стр. 7916
بحثه عن عدول البلد الذي يقدم عليه إن كان بمكانه من يعرف حالهم ليكون على بصيرة، وقد يفتقر في حال قدومه للاستعانة بأحد منهم، قلت: ولهذا المعنى كنت أفهم من بعض من لقيت ممن يقتدى به أنه ينبغي لمن هو بحيثية ولاية القضاء أو الشورى فيما يعرض من الولاية الشرعية أن يسمع ما يذكر في بعض أبناء الزمان ممن يعتبر قوله وحده أو مع غيره، بنية اليناءِ عليه أحكامَ التعديل والتجريح، لا بنية التفكه، وليس ذلك من سماع الغيبة، ومنع ذلك يوجب تعطيل الأحكام أو تولية من لا تحل توليته، ولولا هذا ما صح ثبوت تجريح في راو، ولا شاهد، ولا غيره. انتهى. انتهى.
ثم وصي يعني أنه بعد النظر في المحبوسين ينظر في الأوصياء مع المحجور، فإن اليتيم عاجز عن رفع أمره إلى القضاء، فينظر فيه هل هو محسن في القيام عليه أم لا؟ ومال طفل، يحتمل أن معناه ينظر في مال الأطفال المهملة، ويحتمل ينظر في مال طفل مع مقدم قاض أو وصي الأخص مما قبله ومقدم، أي وينظر أيضا في مقدم القاضي الذي قبله على المحجور، فينظر في أمره هل هو محسن للقيام عليه أم لا؟ وقد يكون له مطالبة على المقدم فيعجز ولا يعرب عن نفسه، وفي نسخة: ومقام، ومعناهما واحد، وقوله: ومقدم، جعله المص مع الموصي في مرتبة، واعترضه المواق بأن ظاهر المازري تأخير المقدم عن الوصي. قاله بناني. ثم ضال، أي وبعد النظر فيما مر ينظر في أحوال الضوال، ومنها اللقطة، وينظر في اللقيط.
ونادى بمنع معاملة يتيم وسفيه ورفع أمرهما، يعني أن القاضي يأمر بالنداء في الناس أن كل يتيم لم يبلغ ولا وصي له ولا وكيل فقد حجرت عليه، وكل سفيه مستوجب للولاية فقد منعت الناس من معاملته، ومن علم مكان يتيم أو سفيه فليرفعه إلينا لنولي عليه، فمن داينه بعد أو باع منه أو ابتاع منه فهو مردود، وقوله: ونادى بمنع لخ، قال الإمام الحطاب: حقه أن في يذكر مع قوله: ثم وصي وما معه، وكذا ذكره ابن فرحون وأبو الحسن وغيرهما، وفي التبصرة: وهذا النداء في حق السفيه إنما يكون على مذهب من يرى أن أفعال السفيه جائزة ما لم يول عليه أو يضرب على يده، وهو مروي عن ملك، وعليه أكثر أصحابه، وأما على مذهب من يرى أن أفعاله مردودة وهو
стр. 7917
قول ابن القاسم ومطرف فلا يحتاج إليه. انتهى. قال بناني: هذا يعكر عليه النداء بمنع معاملة اليتيم مع أنه لا اختلاف في رد أفعاله. وقوله: ونادى، يفهم من كلام الشارح والتتائي أن المناداة مستحبة، وهو خلاف كلام التبصرة فإن ظاهره أن هذا لازم للقاضي، ويفهم من قول أصبغ أن المناداة تنزل منزلة الحجر عليهما. قاله الشبراخيتي.
قال مقيده عفا الله عنه: يفهم الندب من كلام أصبغ لأنه قال: ينبغي. والله أعلم.
ثم في الخصوم، يعني أن القاضي بعد النظر فيما تقدم يَنظُر بين الخصوم من تقديم وتأخير ومساواة وغير ذلك، كما يأتي عند قوله: ولْيُسَو بين الخصمين. قاله الخرشي وغيره. وقال عبد الباقي: ثم النظر في الخصوم متأخرٌ عما تقدم، وظاهره ولو كان فيهم مسافرون يخشون فوات الرفقة، وهو ظاهر. قاله أحمد.
ورتب كاتبا، يعني أن القاضي يرتب عنده كاتبا لوقائع الناس التي يريد الحكم فيها وجوبا على ما لأحمد وندبًا على ما للحطاب، ونص الحطاب: اعلم أن ترتيبه للكاتب وللمزكي والمترجم على جهة الأولوية، هذا ظاهر عبارتهم. انتهى. عدلا، يعني أن هذا الكاتب يكون عدلا أي من أعدل الموجودين مرضيا عند الناس. وقوله: ورتب، قال في القاموس: رتب رتوبا ثبت ولم يتحرك كترتب، ورتبته أنا ترتيبا، ثم قال: والرتبة بالضم والمرتبة المنزلة. وفي التتائي: ويكون كاتبه عدلا، ففي المدونة: لا يتخذ من المسلمين إلا العدول المرضيين، ونحوه لمطرف وابن الماجشون وأصبغ. وقوله:
شرطا، معناه أنه يشترط في هذا الكاتب أن يكون عدلا كما هو ظاهر نصوص المتقدمين. قال ابن مرزوق: وقوله: شرطا، كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: مرضيا. قال الحطاب: وهي الأولى لأن العدالة ليست شرطا. قال ابن فرحون في تبصرته: قال ابن شأس: ولا تشترط العدالة في الكاتب، ولعله يريد أن القاضي يقف على ما يكتب. انتهى. إلا أني لم أر في الجواهر ما عزاه لابن شأس. وقال ابن عبد السلام: وظاهر نصوصهم أنه لا يستعين مع القدرة إلا بالعدول، فإن لم يجدهم جاز الاستعانة بغير العدل، ثم قال: وقول ابن القاسم في المدونة: ولا يستكتب القاضي أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين، ولا يتخذ قاسما من أهل الذمة، ولا يستكتب من المسلمين إلا العدول
стр. 7918
المرضيين، فلعل هذا مع الاختيار. انتهى. وقال أبو الحسن إثر كلام المدونة: هذا إذا وُجِدَ وإلَّا الأمثل فالأمثل. انتهى. ووظيفة الكاتب أن يكتب ما وقع في مجلسه من الخصوم. وفي التوضيح عن المازري: إن كان الكاتب غير ثقة فلا بد من اطلاع القاضي على ما يكتبه فيُجلسه قريبا بحيث يشاهد ما يكتبه عنه، وإن كان عدلا فالمذهب أنه مأمور بالنظر إلى ما يكتب، وقوله: شرطا، الظاهر أنه مصدر أي يشترط ذلك شرطا.
فائدة: ما يكتب فيه يسمى القِمَطْر بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء وبعدها راء مهملتان. وفي التتائي: ولا يشترط تعدده، يعني الكاتب، وليس في كلامه ما يدل على أنه ينظر في كتابة العدل، ولا بد منه عند الأكثر لاحتمال الزيادة أو النقص أو هما سهوا أو عمدًا لرُشوة، وإذا كان هذا في العدل ففي غيره إذا لم يوجد العدل أحرى، لأنه إذا نظر ما كتب أشهد على نفسه بأمر تيقنه، وإذا صدقه عوّل على مظنون مع قدرته على اليقين، ويأمره بكتابة الدعوى والإنكار، وأسماء البينة والمتداعين، وأنسابهم، وما يعرفون به، وما حكم به، ويحفظه عنده. قال في الذخيرة: وأصل الكاتب أنه ﷺ كان له كُتَّابٌ: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان. وكان هؤلاء يكتبون وقائع الناس وكتاب الوحي عد الفاكهاني اثني عشر. وأنهاهم بعض من تكلم على الشفا إلى أربعين. وقد نظمت ما عده الفاكهاني فقلت:
عمرٌ أبو بكر وعثمانٌ عَلِي … زيد بن ثابتَ والعلا بن الحضرمي
وأبيُّ حنظلةٌ أبانٌ خالدٌ … وكذا معاويةٌ أولوا الفضل السَّمِي
خصوا بكتب الوحي عن علم الهدى … خيرِ البريئة والرسولِ الأعظم
كمزك، يعني أنه يرتب مزكيا عدلا يتخذه فيخبره عن الشهود سرا في مساكنهم وأعمالهم، ويكفي أن يكون واحدا، قال الحطاب: ولا كلام في اشتراط العدالة هنا، وقال الخرشي: فإن
стр. 7919
قلت: إن أراد مزكي السر فقد مر، وإن أراد مزكي العلانية فسيأتي، فما فائدة هذا؟ فالجواب: أن المراد مزكي السر، وذكره هنا لشيءٍ غير ما مر وهو اشتراط كونه عدلا، ويقال: إن المراد هنا اتخاذ شخص يخبره بأحوال من يشهد عنده من شهوده وغيرهم، بخلاف السابق فإنه المتخذ ليخبره بما يقال في شهوده، فتلك خاصة وهذه عامة. واختارهما، يعني أن القاضي يختار الكاتب والمزكي، أي يختار كونهما أعدل الموجودين.
والمترجم مخبر، المترجم هو الذي يفسر لغةً بلغةٍ، يعني أن المترجم عند القاضي عمن لا يعرف لسان المترجم عنه مخبر، فيقبل فيه الواحد والاثنان أحسن، والمراد بالمترجم هنا من يتخذه القاضي لنفسه مترجما، فهذا هو الذي يكفي فيه الواحد، وقول ابن شأس: يشترط تعدد المترجم، محله إذا جاء الخصم بمن يترجم عنه، فهذا هو الذي لا بد فيه من تعدد المترجم لأنه شاهد، وليس هو مراد المص، ولابد من عدالة المترجم وحريته وإن امرأة إن كانت من أهل العفاف، يعني فيما تَجوز فيه شهادة النساء، كما نقله الرهوني، لا كافر أو عبد ومسخوط، وفي الحطاب: قال في العمدة: وإذا لم يعرف لغة الخصم فإن كان الحكم لا يتضمن مالا لم يقبل في الترجمة إلا الرجال، والمذهب أنه لا يجزئ واحد (١) أو إن تضمن مالا فهل يقبل رجل وامرأتان؟ قولان. انتهى. وفي المواق: وسمع القرينان إن احتكم للقاضي خصوم يتكلمون بغير العربية ولا يفقه كلامهم ينبغي أن يترجم عنهم رجل ثقة مأمون مسلم، واثنان أحب إلي، ويجزئ الواحد، ولا يقبل ترجمة كافر ولا عبد ولا مسخوط، ولا بأس بترجمة المرأة إن كانت من أهل العفاف والحق فيما يقبل فيه شهادة النساء، وامرأتان ورجل أحب إلي. انتهى. وقوله: ولا تقبل ترجمة كافر ولا عبد ولا مسخوط، معناه مع وجود عدول المؤمنين، ولو اضطر لترجمة كافر أو عبد لقبل. قوله: وحكم به كما يحكم بقول الطبيب النصراني فيما اضطر فيه لقوله من جهة صرفته بالطب. كالمحلف، قال الشبراخيتي: قال حلولو: يعني أن المحلف الذي يبعثه القاضي للتحليف يكفي فيه الواحد، وانظر هل يكفي عند مرسله وغيره أو عند مرسله فقط؟ والظاهر الأول. قاله شيخنا.
стр. 7920
ويشترط في المحلف أن يكون عدلا. اهـ. وقال عبد الباقي: كالمحلف للغير عند القاضي أو الذي يبعثه للتحليف يكفي واحد، ولا بد من عدالتهما وحريتهما وإن امرأة إن كانت من أهل العفاف، لا كافر أو عبد أو مسخوط. انتهى. وضمير التثنية في كلامه عائد على المترجم والمحلف. قوله: والمترجم مخبر كالمحلف، قال ابن رشد: كل ما يبتدئ الحاكم فيه بالبحث والسؤال، كقياس الجراحات، والنظر للعيوب، والاستحلاف، والقسم، واستنكاه من استنكر لسكره، وشبه ذلك من الأمور، يجوز فيه الواحد، وإن لم يبتد فلا بد من شاهدين. انظر الحطاب. وفي التبصرة: قال ابن حبيب: ومن ذلك، يعني مما يجزئ فيه الواحد، شهادة القائس للجراح إذا كان الحاكم يأمره أن ينظر من الشجة أو من الجراح ما هي؟ وما غورُها؟ وما اسمها وقياسها؟ يقبل في ذلك واحد، وأحب إلي أن ينصب لمثل هذا من أمور الناس عدلا، وإن لم ينصب لذلك أحدا بعينه اكتفى بأن يرسل المجروح إلى من ارتضاه ووثق برأيه وبصره. انتهى. ثم قال في التبصرة: وإن لم يكن السلطان في أول ذلك أمر بقياسه وإنما جاء هذا يطلب عقل ما مضى وبرئ، لم يكن بُدُّ من أن يدَّعوا ذلك بشاهدين. ثم قال: والمحلف أيضا من هذا المذهب إذا أمره الحاكم بإحلاف أحد فقوله في ذلك مقبول إذا أنكر الطالب ذلك، وكذلك شهادة كاتب القاضي وحده على ما كتب بأمره، ولو شهد كاتب القاضي على كتابة شهادة رجل قد مات أو غاب والقاضي لا يحفظ أنه أمره بإيقاعها ولا أنه شهد بها غيره لم يكتف في هذا بالكتاب وحده، وكان بمقام شاهد واحد، ثم قال: وكذلك إذا تنازع المتبايعان في العيب الخفي أو في قدم العيب وكان العيب لا يعرفه إلا أهل العلم به، فإن وجدوا فلا يقبل غيرهم وإن كانوا غير مسلمين، ثم قال: وهذا كله إذا كان القاضي أرسلهم ليقفوا عليه، وأما إن كان المبتاع أوقف عليه من ذات نفسه فلا يثبت باتفاق من أصحاب ملك إلا بعدلين من أهل المعرفة، ثم قال: قال ابن دينار: وإذا تنازع رجلان في شيء كل واحد يظنه لنفسه من غير يقين فيسألان الرجل يفزعان إليه في علمه فيشهد أنه لأحدهما فذلك جائز ويلزمهما، ثم قال: ولا تقبل ترجمة من لا تقبل شهادته عن الذي يترجم عنه. انتهى.
стр. 7921
وأحضر العلماء يعني أن القاضي إذا كان يقضي يحضر العلماء، وهل وجوبا أو ندبا؟ قال عبد الباقي: وأحضر القاضي المقلد وجوبا، كما في التتائي، وهو ظاهر التوضيح، وندبا كما هو النقول في الشارح، العلماء من مذهبه خاصة، ويندب للمجتهد أن يحضر المجتهدين لاحتمال أن يظهر لهم غير ما ظهر له ليظهر له بعد اجتهاده مثل ما ظهر لهم، لا تقليدا لهم إذ المجتهد لا يقلد مثله.
وشاورهم، كذا في بعض النسخ بالواو، يعني أن القاضي إذا كان يقضي يحضر العلماء ويشاورهم، أي يجمع الأمرين، وعلم مما قررت أن هذا بعد التولية فلا يتكرر مع قوله: مستشيرا، ابن المواز: لا أحب أن يقضي إلا بحضرة أهل العلم ومشاورتهم، وهو قول أشهب، لفعل عثمان ﵁، لأنه كان إذا جلس أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رءاه أمضاه، ومنع من ذلكَ مطرف وابن الماجشون، قالا: ولكن إذا ارتفع عن مجلسه شاورهم، كفعل عمر ﵁، وفي بعض النسخ: بأو، وهي للخلاف أي يحضرهم، وقيل: لا يحضرهم ولكن إذا ارتفع يشاورهم. وعلى أنها إشارة للخلاف فلا تكرار أيضا، بل لو كانت للتخيير فلا تكرار أيضا لما علمت من أن هذا بعد التولية. قال عبد الباقي: ومحل الخلاف في حضورهم حيث كان فكره في حضورهم وعدمه سواء، فإن لم ينظر نظرا سديدا وجب حضورهم، أو اشتغل عنه به منع. انتهى. وهذا التقييد أصله للمازري، وفيه بحث لأنه إذا كان لا ينظر نظرا سديدا تمنع توليته. والله سبحانه أعلم.
وشهودا، عطف على قوله: العلماء، يعني أنه يجب على القاضي إذا جلس للقضاء أن يحضر شهودا عدولا يحفظون إقرار الخصم خوف رجوع بعضهم عما أقر به، وجرد المص شهودا من أل خشية توهم كون أل لِلْعهد فيكون المرادَ الشهود المتخذون للشهادة من جهة القاضي، والمراد عدول منهم أو من غيرهم، ولا يقال: جرد شهودا خشية توهم عطفه على الضمير المنصوب في شاورهم، إذ يصير وشاور شهودا اثنين، فإنه غير ظاهر. والله سبحانه أعلم.
فرع: قال سحنون: لا يستشير من شهد عنده فيما يشهد فيه، حكاه ابن يونس، وقال غير سحنون: لا بأس بذلك، حكاه ابن رشد. انتهى مختصرا من التبصرة. واقتصر في التوضيح على
стр. 7922
قول سحنون. قاله الحطاب. واقتصر عليه أبو محمد وابن يونس، وصدر به في التبصرة، وذلك يفيد اعتماده انظر الرهوني.
فرع: قال الحطاب: قال في رسم سلف من سماع ابن القاسم من الأقضية: رأيت مالكا كتب إلى عامل في قضاء كان أمضاه عامل قبله فينظر فيه، فجاء رجل يستعين بالكتاب إليه فيه، فكقب إليه: إن كان من قبلك أمضاه بحق فأنفذه لصاحبه. ابن رشد: هذا يدل على أن للفقيه المقبول القول أن يكتب لِلْحَكَم بالفتوى ويعلمه ما يصنع. وإن لم يسأله الحاكم، وهذا في غير القضاة، فلا ينبغي أن يكتب إليهم بما يفعلون إلا أن يسألوه، لأن ذلك قد يؤدي إلى أنفة تؤذي. انتهى.
تنبيه: قال الحطاب: قولهم: رفع إلى من فوقه، وهل يرفع إلى مَن دونه؟ قولان. قال عياض: مذهب الكتاب أن أحدا لا يرفع إلى من دونه وتحت يده إلا للسلطان الأعظم للضرورة إلى ذلك، وقال في السلطان الأعظم: لا يرفع إلى من دونه ويكون هدرا. انتهى مختصرا. وفي النوادر في ترجمة القاضي يحكم لنفسه أو ولده، وقد يحكم للخليفة وهو فوقه وهو يتهم فيه لتوليته إياه وحُكمه له جائز. ونقل الخلاف في الذخيرة. انتهى.
ولم يفت في خصومة، يعني أن القاضي لا يفتي في الخصومات أي ما شأنه أن يخاصم فيه وإن لم يقع، فلا يفتي فيما يدخله الخصام، وذلك لأن الخصم إذا عرف مذهب القاضي تحيل إلى الوصول إليه أو إلى الانتقال عنه، وقوله: ولم يفت في خصومة، أي يكره له ذلك، وبالكراهة صرح البرزلي، وظاهر ابن عبد السلام المنع. قاله بناني. وقيل: إن محل النهي إنما هو في خصومة بعينها، وقوله: ولم يفت في خصومة، قال غير واحد: إلا أن يكون المسائل مستفهما فليجبه، وقوله: ولم يفت في خصومة، قال بناني: البرزلي: هذا إذا كانت الفتوى فيما يمكن أن تعرض بين يديه، ولو جاءته من خارج بلده أو من بعض الكُوَرِ أو على يد عماله فليجبهم عنها. انتهى. ومحل النهي أيضا إذا لم يمكن الاطلاع على مذهبه إلا من إفتائه، وذلك إذا كان مجتهدا أو مقلدا، وفي المسألة قولان متساويان مثلا. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولم يفت في خصومة، قد علمت أن محله ما لم يكن المسائل مستفهما وإلا فليجبه، ولهذا جاز للقاضي أن يحضر مجالس
стр. 7923
العلم فيعلم ويتعلم. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: البساطي: وانظر إذا كان يدرس وحضر خصم والدَّرْسُ يتعلق بتلك الخصومة، وفي كلام بعضهم أنه يستمر ولا يقيم الخصم من المجلس، وعندي أنه إن قدر أن يعميَ الكلام بحيث لا يفهم الخصم وإلا أمره بالانصراف. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن عبد السلام في قول ابن الحاجب: ولا يُفْتِ الحاكم في الخصومات، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به كالخلفاء الأربعة، يريد أنه يجوز له الفتيا فيما عدا مسائل الخصام، وهل له الفتيا في مسائل الخصام؟ قولان. أحدهما: ليس له ذلك لأنه من إعانة الخصوم على الفجور. والثاني: إجازة فتواه في مسائل الخصام. وأما تعلم القاضي العلم وتعليمه له فجائز. ابن الحاجب عن ابن المنذر: يكره للقاضي الفتوى في الأحكام. وكان شريح يقول: أنا أقضي ولا أفتي، وعن ابن المناصف أنه ذكر القولين، ثم قال: الكلام الأول المنهي فيه عن فتوى القاضي في الخصومات لأحد الخصمين، والثاني فتواه في جملة الأشياء لا في خصومة بعينها، وإلى ما ذكر المص أشار ابن عاصم بقوله:
ومنع الإفتاء للحُكَّام … في كل ما يرجع للخصام
ولا يدخل في هذا تلقين القاضي لخصم عجز عن إلقاء حجته لدهش أو خوف أو عِيٍّ كما قال ابن عاصم:
وخصم إن يعجز عن إلقاء الحججْ … لوجب لقنها ولا حرج
فينبهه على الإشهاد على إقرار صاحبه، ويقول له: شهد عليك فلان وفلان فادفع عن نفسك بتجريح الشهود بعداوة ونحوها، حيث لم يعرف ذلك لدهش أو خوف أو عِيٍّ، وعلى هذا فقس. ولم يشتر بمجلس قضائه، يعني أنه يكره للقاضي أن يشتري أو يبيع بمجلس قضائه، وبالكراهة صَرّحَ ابن فرحون في التبصرة، والمتيطي وابن فتوح وغيرهم، وكلام التوضيح يؤذن بالمنع، ومفهوم قوله: بمجلس قضائه، أنه لا ينهى عنه في غير مجلس قضائه. ابن عرفة: ظاهر أقوال أهل المذهب ورواياتهم جواز شرائه وبيعه في غير مجلس قضائه. انتهى. وفي التوضيح: أنه ينبغي له
стр. 7924
التنزه عنه مطلقا، يعني بمجلس قضائه وغيره. وقال عمر بن عبد العزيز: تجارة الولاة لهم مفسدة وللرعية مهلكة. وفي الخرشي: وأما شراؤه وبيعه في غير مجلس قضائه فجائز، وذكر ابن شأس كراهيته، وأنكر ابن عرفة وجوده في المذهب لغيره، ثم إن ما ذكره المؤلف وابن عرفة من التفرقة بين مجلس قضائه وغيره مبني على أن علة النهي شغل البال وحده أو هو مع المحاباة، وأما ما ذكره ابن شأس فمبني على أن العلة خشية المحاباة. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يشتر أو يبع بمجلس قضائه، أي يكره له بنفسه أو وكيله المعروف خوف المحاباة وشغل البال إلا أن يخف فيجوز. انتهى. وقوله: أو بوكيله، قال بناني: هذا زاده ابن شأس وابن الحاجب وهو مبني على ما عندهما من أن القاضي لا يشتري مطلقا لا بنفسه ولا بغيره. انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه: تأمل هذا فإنه غير ظاهر. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولم يشتر لخ، يشمل الشراء لنفسه أو لغيره. قاله أبو علي نقله الرهوني.
كسلف يعني أنه يكره للقاضي أن يتسلف أي يأخذ سلفا من غيره، وأما إعطاؤه السلف فقال ابن مرزوق: الظاهر أن المنفي تسلفه من غيره لا إعطاؤه السلف. وقال بناني: إن قول ابن مرزوق: إن إعطاءه السلف جائز هو الظاهر، وفي الأمير جوازه. والله سبحانه أعلم. الرهوني: وما استظهروه ظاهر، لكن يجب تقييده بأن لا يؤدي ذلك إلى ظن سوء بالقاضي كأن يسلف أحد الخصمين بحضرة الآخر بلا سبب ظاهر يرفع عنه تهمة إيثاره. انتهى.
وقراض، يعني أنه يكره للقاضي أن يدفع مالا قراضا أو يأخذ هو مالا قراضا. قاله عبد الباقي. وإبضاع، يعني أن القاضي يكره له أن يبضع أي يرسل مع غيره ما يشتري به له وأن يبضع معه وهو في معنى شرائه لغيره، وقد مر أنه لا يشتري ولا يبيع بمجلس قضائه، وهذا شامل لما إذا كان البيع له أو لغيره، وأنه يشتري ويبيع بغير مجلس قضائه، كان البيع له أو لغيره، وفي تبصرة ابن فرحون: من الأمور التي تلزم القاضي أنه يكره له المبيع والابتياع بمجلس حكمه وفي
стр. 7925
داره، ولا يرد [منه] (١) شيء إلا أن يكون على وجه الإكراه أو فيه نقيصة على البائع فيرد البيع والابتياع، كان بمجلس قضائه أو غيره.
فرع: ويكره له أيضا استعارة ماعون أو دابة لركوب وما أشبه ذلك لأنه انتفاع بأموال الناس من غير عوض، وربما حاباه الغير فيما يقع بينه وبين أحد من ذلك ويستحي منه.
وحضور وليمة، يعني أنه يكره للقاضي أن يحضر وليمة دعي لها إلا أن تكون وليمة نكاح، ولهذا قال: إلا النكاح، فتجب الإجابة إن عين كما مر، وإلا من جهة ولده ووالده أو شبههما من خاصته كما في الجواهر، ويدخل في خاصّته الأخ في الله. قاله الرهوني. قال الشبراخيتي: ومراده يعني المص الوليمة اللغوية من الولم وهو الاجتماع، والمراد الطعام الذي يجتمع له، وإلا كان الاستثناء ضائعا لأن الوليمة لا تكون إلا للنكاح، وكان ينبغي له أن يقول: وحضور طعام. وقوله: وليمة، عامة أو خاصة، والجواز إنما يتوهم في العامة. انتهى.
تنبيهان: قال الحطاب عند قول المص: كسلف وقراض وإبضاع وحضور وليمة إلا النكاح: ولا شك أن النهي عن هذه على سبيل التورع. قال ابن الحاجب: ويتنزه عن العارية والسلف والقراض والإبضاع. وقال ابن فرحون في الأمور التي تلزم: منها أن يجتنب العارية والسلف والقراض والإبضاع إلا أن لا يجد بُدًّا من ذلك فهو خفيف إلا من عند الخصوم أو ممن هو في جهتهم فلا يفعل. وقوله: إلا النكاح، قال في التوضيح: ثم إن شاء أكل أو ترك. قال في التبصرة: والأولى له اليوم ترك الأكل. وفي التوضيح: كره ملك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم. الثاني: قال الحطاب: ولا بأس للقاضي بحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من سلم عليه، لا ينبغي إلا ذلك. انتهى. وحضور وليمة إلا النكاح، ظاهره كانت عامة أو لا. سحنون: تجب العامة لا الخاصة والتنزه أحسن. وجعل ابن الحاجب حضور الولائم مما يتنزه عنه إلا وليمة النكاح العامة. وفي النوادر عن أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة
стр. 7926
العامة وليمة أو صنيعا عاما كفرح، فأما إن دعي مع عامة لغير فرح فلا يجيب، وكأنه دعي خاصة، أو لعله إنما صنع ذلك لأجل القاضي. انتهى.
تنبيه: قال الرهوني: مثل القاضي فيما ذكر غيره من ذوي المروءات. قال في كتاب محمد: وكره ملك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم.
وقبول هدية، يعني أنه يحرم على القاضي قبول الهدية. ولو كافأ عليها أضعافها لركون النفس للمهدي، ولأنها تطفيء نور الحكمة، ويجوز للفقيه والفتي قبولها ممن لا يرجو منه عونا ولا جاها ولا تقوية لحجته على خصمه، ولا يجوز للشُّهود قبولها من الخصمين ما دام الخصام. قاله عبد الباقي وغيره. وقال الحطاب: قال في التوضيح: ظاهر قول ابن الحاجب: ولا يقبل، المنع؛ وعليه ينبغي أن يحمل قول ابن حبيب لم يختلف العلماء في كراهة قبول الإمام الأكبر وقضاته وجُباته الهدايا، قال: وهو مذهب ملك وأهل السنة. انتهى. ويمنع من قبول الهدايا سواء كانت في حال الخصام أو قبله. وفي المواق: قال ربيعة: إياك والهدية فإنها ذريعة الرشوة، ولا ينبغي للقاضي أن يقبل الهدية من أحد لا من قريب ولا من صديق ولا من غيرهما وإن كافأ عليها بأضعافها، إلا مثل الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة، وقوله: ولو كافأ عليها، خلافا لأشهب حيث أجاز قبولها من غير الخصمين إذا كان صديقا وكافأ عليها أو كان قريبا.
إلا من قريب، يعني أنه يجوز للقاضي أن يقبل الهدية من قريبه. قال الحطاب: يريد الخاص من الولد والوالد والخالة والعمة وبنت الأخت. قاله ابن فرحون. ونحوه في التوضيح. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا من شخص قريب كأبيه وخالته وبنت أخيه ومن لا يدخل عليها منهم ظنة لشدة المداخلة، ويحتمل أن يريد بالقريب من لا يحكم له، ويمكن رجوع الاستثناء لقوله: كسلف وما بعده، وهذا مستفاد من رجوعه لقوله: وقبول هدية، بطريق الأولى لأن قبولها حرام وما قبله مكروه. ونحوه للخرشي والشبراخيتي. وقوله: وقبول هدية، قال التتائي: ظاهر كلام المص سواء كان الهدي في خصومة عنده أو لا وهو كذلك، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون، ولابن عبد الحكم القبول في غير مخاصمة، ولما لم يكن له قبول الهدية كان للإمام أن يأخذ من قضاته
стр. 7927
وعماله ما أخذوه زائدا على ما ارتزقوه من بيت المال، فيحصي ما عندهم قبل الولاية ويأخذ الزائد. انتهى. (وكان النبي ﷺ يقبل الهدية) (١) وهذا من خواصه ﷺ ، لأنه صلى الله عليه معصوم.
تنبيهات: الأول: قال ابن فرحون في تبصرته: قال المازري: أما الارتزاق من بيت المال فإن من تعين عليه القضاء وهو غني عن الارتزاق فإنه ينهى عن أخذ العوض على القضاء، لأن ذلك أبلغ في المهابة وأدعى للنفوس إلى اعتقاد التعظيم والجلالة، وإن كان القضاء [لم] (٢) يتعين عليه وهو محتاج إلى طلب الرزق من بيت المال ساغ له أخذ ذلك. الثاني: قال في مفيدِ الحكام: قال أصبغ: ولا ينبغي له أن يأخذ رزقه إلا من الخمس والجزية وعشور أهل الذمة. انتهى. من ابن فرحون. قاله الحطاب. وقال ابن رشد في آخر سماع سحنون من كتاب الشهادات: وأما القضاة والحكام والأجناد فلهم أن يأخذوا أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم أعني العمال الذين فوض إليهم النظر في ذلك، وضرب على أيديهم فيما سوى ذلك من إعطاء مال الله لمن يرونه بوجه اجتهادهم. نقله الحطاب.
الثالث: قال في التوضيح: قال ابن حبيب: ويأخذ الإمام من قضاته وعماله ما وجده في أيديهم زائدا على ما ارتزقوه من بيت المال، ويحصي ما عند القاضي حين ولايته، ويأخذ ما اكتسبه زاندا على رزقه، وقدّر أن هذا المكتسب إنما اكتسبه بجاه القضاء، وتأول أن مقاسمة عمر رضي الله تعالى عنه ومشاطرته لعماله كأبي هريرة وأبي موسى وغيرهما إنما فعل ذلك لما أشكل عليه مقدار ما اكتسبوه بالقضاء والعمالة. انتهى. ونقله ابن عبد السلام وابن عرفة، ونصه: ابن حبيب: للإمام أخذ ما أفاده العمال ويضمه إلى ما جبوه. قال: وكل ما أفاده الوالي من مال سوى رزقه في عمله أو قاض في قضائه أو متول أمر (٣) للمسلمين فللإمام أخذه للمسلمين. انتهى. وكان عمر ﵁ إذا ولَّى أحدا أحصى ماله لينظر ما يزيد، وشاطر العمال أموالهم حيث عجز عن
стр. 7928
تمييز ما زادوه بعد الولاية، وشاطر أبا هريرة وأبا موسى وغيرهما. انتهى. وقد يكون الزائد من التجارة والزراعة لا من الهدية، ولا تظن الهدايا بأبي هريرة وغيره من الصحابة، إلا ما [لا] (١) يقتضي أخذا، ومع ذلك فالتشطير حسن، لأن التجارة لا بد أن ينميها جاه العمل، فيصير جاه المسلمين كالعامل، والقاضي أو غيره رب المال فأعطى العامل النصف عدلا بين الفريقين. ولذلك لما انتفع عبد الله وعبيد الله بالمال الذي أخذاه من الكوفة سلفا في القصة المشهورة، قال عبد الرحمن بن عوف لعمر ﵄: اجعله قراضا يا أمير المؤمنين فجعله قراضا. انتهى.
الرابع: قال ابن فرحون: قال ابن عبد الغفور: ما أهدي إلى الفقيه من غير حاجة فجائز له قبوله: وما أهدي إليه رجاء الفوز على خصمه أو في مسألة تعرض [عنه] (٢) رجاء قضاء حاجته على خلاف المعمول به فلا يحل قبولها، وهي رشوة يأخذها. وكذلك إذا تنازع عنده خصمان فأهديا إليه جميعا أو أحدهما يرجو كل واحد منهما أن يعينه في حجته أو عند حاكم إذا كان ممن يسمع منه ويوقف عنده فلا يحل له الأخذ منهما ولا من أحدهما. انتهى. وقال ابن عرفة: قال بعض المتأخرين: ما أهدي للمفتي إن كان ينشط للفتيا أهدي إليه أم لا فلا بأس به، وإن كان إنما ينشط إذا أهدي له فلا يأخذها، وهذا ما لم تكن خصومة، والأحسن أن لا تقبل من صاحب فتيا، وهو قول ابن عيشون، وكان يجعل ذلك رشوة. قلت: قد يخف قبولها لمن كان محتاجا ولا سيما إن كان اشتغاله بأصولها يقطعه عن التسبب ولا رزق له عليها من بيت المال، وعليه يحمل ما أخبرني به غير واحد عن الشيخ الفقيه أبي علي بن علوان أنه كان يقبل الهدية ويطلبها ممن يفتيه. وفي الطرر ظاهره لابن عيشون. ومن هذا انقطاع الرعية للعلماء والمتعلقين بالسلطنة لدفع الظلم عنهم فيما يهدونه لهم ويخدُمُونهم هو من أبواب الرشوة لأن دفع الظلم واجب على كل من قدر على دفعه عن أخيه المسلم وعن الذمي. نقله الإمام الحطاب.
стр. 7929
الخامس: قال الرهوني بعد تحرير وجلب كثير من النقول ما نصه: وتحصل مما سبق أنَّ ما جزم به المص في فصل القرض وشرحه به هنا من قدمنا ذكرهم من الأئمة الأعلام هو الحق المؤيد بالدليل، وأن ما قاله أبو علي كله تطويل، وتهويل بما ليس عليه تعويل، وقوله: مما سبق، يعني منع قبول الهدية. السادس: قال القرافي: فَرعٌ: قال بعض: إذا عجزت عن إقامة الحجة الشرعية فاستعنت على ذلك بوال يحكم بغير الحجة الشرعية أثِمَ دونك، كما إذا كان الحق جارية يستباح فرجها، بل يجب ذلك عليك لأن مفسدة الموالي أخف من مفسدة الزنى والغصب، وكذلك الزوجة، وكذلك استعانتك بالأجناد يأثمون ولا تأثم، وكذلك في غصب الدابة وغيرها فإن كان الحق يسيرا ككسرة وثمرة حرمت الاستعانة على تحصيلة بغير حجة شرعية، لأن الحكم بغير ما أمر الله به أمر عظيم لا يباح باليسير. انتهى. نقله الإمام الحطاب. ابن فرحون: أجاز بعضهم إعطاء الرشوة إذا خاف الظلم على نفسه وكان الظلم محققا. قال ابن عرفة إثر نقله كلام بعضهم: ويقوم هذا من قولها: وإذا طلب السلَّابة طعاما أو ثوبا أو شيئا خفيفا رأيت أن يُعْطَوه. انتهى. وقال أبو بكر [بن أوَيْسٍ] (١): يحرم على القاضي أخذ الرشوة في الأحكام يدفع بها حقا أو يشدُّ بها باطلا، وأما أن يدفع بها عن ملك فلا بأس بها. ابن عيشون: وإن تبين له الحق فيمنع من إنفاذه رجاء أن يعطيه صاحبه شيئا ثم ينفذ له، فإنَّ حكمه مردود غير جائز، ويتخرج على أحكام القاضي الفاسق إذا صادف الحق هل يمضي أم لا؟ انتهى. نقله الإمام الحطاب. ثم ذكر ست مسائل في كل منها قولان بقوله:
وفي هدية من اعتادها قبل الولاية، يعني أنه اختلف هل يجوز للقاضي أن يقبل هدية شخص كان يهدي إليه قبل أن يتولى وظيفة القضاء أو لا يجوز ذلك؟ الأول لابن عبد الحكم، وعدم الجواز هو قول مطرف وعبد الملك: لا ينبغي ذلك، وهو ظاهر في الكراهة. قاله التتائي. قال عبد الباقي: في الجواز وعدم الجواز أي الكراهة كما هو ظاهر تعبير مطرف وعبد الملك بلا ينبغي، ويحتمل المنع قولان. انتهى. انتهى. وما مر يفيد الحرمة لا الكراهة، ففي قول عبد الباقي: أي
стр. 7930
الكراهة، نظر لأنه جزم في التي قبلها بالمنع. ففي كلامه تدافع. انتهى. وقال الخرشي: إن معناه اختلف هل يحرم ذلك أو لا يحرم؟ بل هو مكروه. انتهى. والراجح القول بالمنع كما يفيده ابن مرزوق والرهوني.
وكراهة حكمه في مشيه، يعني أنه اختلف على قولين الكراهة والجواز في حكم القاضي وهو ماش أي سائر وإن راكبا. فقال سحنون: لا يقضي وهو ماش، وقال أشهب: لا بأس به إذا لم يشغله ذلك. اللخمي: لا بأس أن يحكم وهو ماش. انظر المواق. وقال التتائي: الكراهة لسحنون ومطرف وابن الماجشون وأشهب، والجواز لأشهب أيضا بشرط أن لا يشغله المسير وزحمة الناس والنظر إليهم، وعدل عن قول ابن الحاجب في مروره للمسجد لتعقبه بأنه لا خصوصية للمسجد، بل كل مرور كذلك. انتهى.
أو متكئا، يعني أنه جرى قولان بين الجواز والكراهة في حكم القاضي متكئا، فقال اللخمي بالكراهة لأن فيه استخفافا بالحاضرين وللعلم حرمة، والجواز لأشهب وسحنون، وفي المواق: ورَوَى محمد لا بأس أن يقضي وهو متكئ، وعزاه الباجي لأشهب، قيل لإسماعيل القاضي: هلا ألفت كتابا في آداب القضاء، قال: إذا قضى القاضي بالحق فليفعل في مجلسه كيف شاء ويمد رجليه. انتهى.
وإلزام يهودي حكما بسبته، يعني أنه جرى قولان بين الكراهة والجواز في إلزام القاضي لليهودي الحكم في يوم السبت، والقول بالجواز للقابسي، وقال عبد الباقي: وإلزام يهودي هل يكره له أن يلزم يهوديا حكما بسبته، أي فيكره له أن يمكن المسلم من خصامه ليهودي أو يبعث له رسولا لمخاصمته فيه لأن فيه خرقا لما يُعظمه في زعمه الذي أقررناهم بالجزية عليه، وإن نسخ بشرعنا أو يجوز لعدم تعظيمه شرعا؟ قولان. وتخصيصه اليهودي بالذكر مخرج للنصراني فلا يكره إحضاره والحكم عليه في يوم الأحد، لأنهم لا يعظمونه كتعظيم اليهودي للسبت، وسوى بينهما ابن عات، ولما كان من عنده لم يؤثر عند المص حتى يجعله من القولين، وقال الشبراخيتي: قال التتائي: لو قال: والتمكين من خصام يهودي بسبته لكان مطابقا للنقل، فالمراد إحضار القاضي
стр. 7931
يهوديا للحكم بسبته. انتهى. وقال المواق: قال المازري: في تمكين المسلم من استحلافه لليهودي يوم السبت قولان، الأول للقابسي. انتهى.
وتحديثه بمجلسه لضجر، يعني أنه جرى قولان فيما إذا نزل بالقاضي ضجر أي ملل أو هم هل له أن يحدث جلساءه، لأجل أن يروح قلبه ويرجع إليه فهمه، وهو قول ابن عبد الحكم: لا بأس أن يحدث جلساءه إذا مل يروح قلبه ثم يعود للحكم، أو يمنع كما قاله الشارح، أو يكره كما قاله البساطي، وهو قول ابن حبيب: يقوم إذا نزل به ضجر، والقول الأول أحسن، وقال التتائي: وفي جواز تحديثه بمجلسه للقضاء لِضجر نزل به أو هم، فيحدث جلساءه ليروح قلبه ويرجع إليه فهمه، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم. قال الشارح: ومنعه لمطرف وابن الماجشون وابن حبيب، أو كراهتِه وقاله البساطي، قولان. وقول المدونة: وإذا دخله هم أو ضجر فليقم، محتمل لما قاله كل من الشارحَيْن من المنع والكراهة. اللَّخمي: الأول حَسَنٌ وهو أحب إلينا من قيامه وصرف الناس. ابن عرفة: هذا إن ناله ذلك في أول مجلسه وإن مضى فيه ما له بال فالثاني أصوب قال عبد الباقي: وعطف على هدية لكن بتقدير عامل خاص قوله:
وفي اشتراط دوام الرضى في التحكيم للحكم، يعني أنه اختلف هل يشترط في صحة التحكيم دوام الرضى من الخصمين إلى أن ينتهي الحكم فَلِأَحَدِهِمَا الرجوع قبل انتهاء الحكم؟ أو لا يشترط ذلك فليس لأحدهما الرجوع قبل الحكم، وأما هما معا فلهما الرجوع، والقول بالاشتراط لسحنون وهو جار، ولو نشبا في الخصومة، بل ولو أشرف على الحكم كما عرفت أو لا يشترط دوام الرضى، بل يلزم بالرضى، وإليه ذهب ابن الماجشون. المواق: قال الباجي: لو حكما بينهما رجلا فأقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم، فقال ابن القاسم: أرى أن يحكم ويجوز حكمه، وقال سحنون: لكل واحد منهما أن يرجع، وفي حاشية الشيخ بناني: ابن مرزوق: الظاهر من النقل في مسألة دوام الرضى رجحان عدم اشتراطه. انتهى. قلت: وهو الذي رجحه ابن يونس لأنه لما نَقَلَ قول ابن القاسم وابن الماجشون أنه ليس لأحدهما الرجوع قبل الحكم إذا أبي صاحبه، وقول سحنون لكل واحد منهما أن يرجع ما لم يمض الحكم، قال: أي ابن يونس: قول ابن القاسم أصوب. انتهى. البساطي: هذه المسألة لا تشبه المسائل التي قبلها إلا من وجه الاختلاف فيها
стр. 7932
فقط، لأن المسائل التي قبلها هل يكره للقاضي أو يجوز. انتهى. نقله التتائي، وقد مرت الإشارة إلى الجواب عن ذلك في كلام عبد الباقي. والله سبحانه أعلم.
قولان في كل من الفروع الستة.
ولا يحكم مع ما يدهش عن الفكر، يعني أن القاضي لا يجوز له أن يحكم مع شيء يدهشه عن تمام الفكر كحزن وغضب وحقن أي تحصر بريح ونحوه، ولقس بفتح اللام والقاف وسين مهملة وهو ضيق النفس. وفي النهاية: أنه الغثيان، وجوع شديد وأكل فوق الكفاية والمعتبر مثله، وأما ما يدهش عن أصل الفكر فيمتنع الحكم عنده، وكذا الإفتاء. قاله عبد الباقي. وقال: ولا يحكم أي يمنع كما في الحطاب عن أبي الحسن أو يكره كما في التتائي. انتهى. وقوله: أي يمنع كما في الحطاب. قال الرهوني: تقدم من كلام المدونة وابن ناجي عليها ما يشهد بما جزم به الحطاب من المنع، وبالمنع أيضا عبر ابن مرزوق، وعبارته تفيد أن الفقهاء كلهم عليه، فإنه لما ذكر الحديث وهو قوله ﷺ : (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان) (١). قال: وهذا النص إيماء إلى العلة وهو كون الغضب يمنع من تمام الفكر، فقاس الفقهاء عليه كل ما سواه في ذلك، فمنعوا الحكم، وحكمه ﷺ بعد أن غضب من خواصه لعصمته. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يحكم القاضي أي يمنع. ذكره الحطاب عن أبي الحسن، واختاره البساطي، وذكر الشيخ التتائي أنه يكره مع ما يدهش عن الفكر، أي عن تمامه كالغضب والجوع والحزن والنعاس والحقن واللقس، وهو كما قال الشارح ضيق النفس، وفسره بعضهم بغثيان النفس والأكل فوق الكفاية، وقد قيل: البطنة تذهب الفطنة. وفهم منه أن حكمه مع ما يدهش عن أصل الفكر أشد فيكون ممنوعا اتفاقا. وكذلك الفتي لا يفتي مع ما يدهش عن الفكر كما نص عليه عياض في شرح مسلم، وتبعه الأبي. انتهى. وقال الخرشي: يكره للقاضي أن يحكم مع ما يدهش عن تمام فكره، والمفتي مثله، ويحرم عليه الحكم مع ما يدهش عن أصل الفكر. انتهى. وقال بناني: ولا يحكم مع ما يدهش عن الفكر، من ذلك كثرة ازدحام الناس عليه، وقد كان سحنون
стр. 7933
يحكم في موضع خاص لا يُدخِل عليه بَوّابُّه إلا اثنين فاثنين على ترتبهم، وفي ذلك فائدتان: الستر على المتخاصمين، واستجماع الفكر. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: لا يجلس للقضاء وهو على صفة يخاف بها أن لا يأتي بالقضاء صوابا، وإن نزل به في قضائه تركه كالغضب والضجر والحنق والهم والجوع والعطش، وإن أخذ من الطعام فوق ما يكفيه لم يجلس. ابن عرفة: يريد إن أدخل عليه تغيرا. قال: وأصل ذلك قوله ﷺ : (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان). ابن عرفة: اتفق العلماء على إناطة الحكم بأعم من الغضب وهو الأمر الشاغل، وإلغاء خصوص الغضب، وسموا هذا الإلغاء والاعتبار بتنقيح المناط. انتهى. فقد علمت مما مر أن المنع متفق عليه أو هو الراجح.
ومضى، يعني أنه إذا حكم وفو متلبس بما يدهش عن تمام الفكر فإن حكمه يمضي خلافا لداوود. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ومضى إن كان صوابا. وقال المواق: المتيطي: إن حكم وهو غضبان جاز حكمه خلافا لداوود، وفرق ابن حبيب بين الغضب الكثير واليسير. انتهى. وقال ابن حجر: لو خالف فحكم في حال الغضب صح إن صادف الصواب، هذا قول الجمهور، وقيل: لا يمضي وقيل يمضي إن كان الغضب لله تعالى، وقيل: يمضي ان طرأ الغضب بعد أن استبان وجه الحكم. انتهى. فهي أربعة أقوال. انظر الرهوني. ابن عات: ولْيباشر القاضي ما ورد عليه من الخصوم بحضور فهم وشدة تأمل، (فقد مر عمر بأبي بكر رضي الله تعالى عنه وبين يديه خصمان فسلم عليه فلم يرد عليه أبو بكر، فجلس ناحية يبكي فمر به عبد الرحمن بن عوف فأخبره بذلك، وقال: خشيت أن يكون من خليفة رسول الله ﷺ مَوْجدَة علي، فأخبر عبد الرحمن أبا بكر بذلك، فقال: لم أسمع سلامه علي ولم أشر به أي بعمر، فإني فرغت ذهني وفهمي للخصمين لعلمي أن الله سائلي عما يقولان). اهـ. انظر الرهوني.
وعزر شاهد بزور في الملإ، يعني أنه يجب على القاضي أن يعزر أي يؤدب شاهد الزور في الملإ، وهو متعلق بعزر، القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب، ونحوه للباجي، وقال الأبي: ليست هي كذلك، وإنما هي أن يشهد بما لم يعلم عمدا وإن طابقت الواقع، فإن كانت شبهة فليست شهادة زور كما يشعر به ما في كتاب الاستحقاق. انتهى. وأصله لابن عرفة. قاله بناني.
стр. 7934
وقال الشبراخيتي: وعزر القاضي وجوبا شاهدا بزور بالضرب، وهو أن يشهد بما لم يعلم عمدا وإن طابقت الواقع، كمن شهد أن زيدا قتل عمرا وهو لا يعلم أنه قتله وإن كان قد قتله مأخوذ من زور الصدر وهو اعوجاجه، لا من تزوير الكلام وهو تحسينه، ومنه قول عمر: زوَّرت في نفسي كلاما أو مقالة. وقال التتائي: وعزر وجوبا شاهد زور ثبت عليه ذلك. قال ملك: يعزره على قدره وقدر الواقعة في ملإ أي جماعة، ونحو ما للشبراخيتي لعبد الباقي، وفيه: أي وجب على القاضي أن يعزره في الملإ مهموز مقصور الجماعة من الناس وإن لم يكونوا أشرافا أو بقيد الأشراف، بأن يضرب ضربا وجيعا. انتهى. وقال الخرشي: ويضرب ضربا موجعا. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: شاهد الزور هو أن يشهد بغير ما يعلم عمدا ولو طابق الواقع، كمن شهد بأن زيدا قتل عمرا وهو لا يعلم قتله، إياه وقد كان قتله ولو كان لشبهة لم يكنه، وقَوْلُ الباجي: من ثبت عليه أنه شهد بزور فإن كان لنسيان أو غفلة فلا شيء عليه، ومن كثر ذلك منه ردت شهادته ولم يحكم بفسقه، يقتضي أن غير العامد شاهد بزور، ويرد بما في استحقاقها: إن شهدوا بموت رجل ثم قَدِمَ حيا فإن ذكروا عذرا كرؤيتهم إياه صريعًا في قَتلَى أو قد طُعن فظنوا أنه قد مات فليست شهادتهم زورا، وإلا فهم شهود زور، وَسئلت عن رجل يشهد عند القاضي أن هذه المرأة ليس لها ولد، فزوجها القاضي، ثم ظهر أن لها ولدا ولم يكن الشاهد علم به، فهل هي شهادة زور أو لا يجوز أن ينسب إلى الزور ولا يقدح ذلك في شهادته، ومن نسبه إلى الزُّور زجره القاضي بحسب ما يراه؟ فأجبت: بأنه ليس بشاهد زور، ولا يقدح ذلك في شهادته، ومن نسبه إلى الزور زجره القاضي بحسب ما يراه، والنكاح صحيح وليس بفاسد، ولا يجب على الزوج أن يطلق، نعم لا يقدم عليه إذا علم أن لها ولدا، فإذا وقع ونزل صح النكاح. والله سبحانه أعلم. انتهى.
بنداء، الباء في قوله: بنداء بمعنى مع، أي يأمر القاضي بالنداء عليه بذلك في الملإ بين الناس ليرتدع هو وغيره عن ذلك قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: أي ينادَى عليه بذلك ليلا يفهم أنه لغير ذلك ويطاف به في الأسواق والجماعات. انتهى. وقال عبد الباقي: أي يأمر أن يطاف به في
стр. 7935
الأسواق والجماعات. انتهى. وقوله: بنداء يتعلق بعزر، ويحتمل أن يتعلق بالكون فيكون حالا من الملإ. قاله مقيده. وقال المواق: من المدونة قال ملك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه بقدر رأيه ويطاف به في المجالس. ابن القاسم: يريد في المسجد الأعظم. انتهى.
ولا يحلق رأسه، يعني أن القاضي لا يحلق رأس شاهد الزور أي يكره فيما يظهر قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا يحلق رأسه على وجه النكال. أو لحيته، يعني أن القاضي لا يحلق لحية شاهد الزور أي يحرم ذلك. ولا يسخمه، أي لا يُسوِّد وجهه بسَوَاد أي يحرم ذلك، وقال عبد الباقي: ولا يسخمه أي وجهه بدقيق أو سواد ونحوه، أي يحرم. قال الشبراخيتي: والسُّخام بضم السين وخاء معجمة دخان القدر الملتزق به. وقال بناني: السخام بضم السين وخاء الدخان اللاصق بأواني الطبخ، وهذا الحكم قاله في النوادر عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم. وقال ابن مرزوق: ظاهر المدونة أنه يسخم وجهه ويحلق لحيته. انتهى. وهو في المدونة من رواية ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز. وقال ابن عرفة: في إتيان سحنون بها ميل منه إليه أي إلى الحكم بالتسخيم. انظر المواق. وقال التتائي: ولم يذكر المص أنه يضرب، وقد نص مالك على أنه يضرب ولم يذكر عددا. ابن عبد الحكم: ويكتب بشأنه ويعدد نسخه عند الثقات. وقال عبد الباقي: ويكتب زوره في نسخ متعددة ليبلغ الثقات. انتهى. وقال المواق: ابن وهب: كتب عمر يعني ابنَ عبد العزيز إلى عماله بالشام إن أخذتم شاهد زور فاجلدوه أربعين وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس، ويطال حبسه ويحلق رأسه، وروى مطرف: لا أرى الحلق والتسخيم.
ثم في قبوله تردد، يعني أنه إذا شهد بعد التعزير والتوبة في قبول شهادته طريقان ذكرهما ابن عبد السلام، الأولى: إن كان ظاهر العدالة حين شهد بالزور لم يقبل بعد ذلك، وإن كان غير ذلك فقولان. الثانية: عكس هذه لابن رشد، فقال: إن كان ظاهر العدالة فقولان، وغير ظاهرها لا يقبل اتفاقا. انتهى. قال بناني: قال ابن عبد السلام بعد ذكر الطريقين: الأولى أنسب للفقه، والثانية أقرب لظاهر الروايات، وفي القد مات: وأما شاهد الزور فلا تجوز شهادته أبدا وإن تاب وحسنت حاله. قاله في المدونة. ولأبي زيد عن ابن القاسم: تجوز شهادته إن تاب وعرفت توبته
стр. 7936
بتزيد حاله في الصلاح. قاله ولا أعلمه إلا من قول ملك، فقيل: ذلك اختلاف من القول، وقيل: رواية أبي زيد إن أتى تائبا قبل أن يظهر عليه وهو الأظهر. انتهى. قال عبد الباقي: فإن شهد قبل التوبة لم يقبل اتفاقا لأنه فاسق، فإن شهد بعدها وقبل التعزير فمقتضى العلة جريان التردد فيه، وكذا هو ظاهر المواق، وأشعر ذكره التردد فيمن فسقه بالزور أنه لو كان فسقه بغيره ثم شهد بعد ما تاب فإنه يقبل، ويدل عليه قوله: وزوال العداوة والفسق بما يغلب على الظن، وأشعر ذكر التردد في الشاهد أن القاضي إذا عزل لجوره ببينة أو باعترافه لم تجز توليته ولو صار أعدل أهل زمانه، وهو كذلك في النص، وأما فسقه بغير الجور فليس له هذا الحكم. انتهى.
وإن أدب التائب فأهل، يعني أن القاضي إذا أدب الشاهد بزور الذي أتى تائبا فعزر بزوره قبل ثبوته عليه فإنه يوجر على ذلك وهو أهل لذلك، وقد وضع الشيء في محله، وقوله: فأهل أي الشاهد أهل للأدب. انظر الخرشي. وقال عبد الباقي: وترك الأدب أولى. وقال الشبراخيتي: وترك أدبه أولى ليلا ينفر الناس عن الرجوع عن الزور. وقال بناني: وإن أدب التائب فأهلٌ. هذا هو قول ابن القاسم، وقال سحنون: لا يؤدب التائب لأنه لو أدب من أتى تائبا لكان ذلك وسيلة إلى عدم توبتهم. قال المتيطي: وبه العمل. وقال المازري: إنه المشهور. نقله ابن سعيد. وقوله: أدب بالبناء للفاعل، ويجوز أن يقرأ بالبناء للمفعول. انظر التتائي. وقال المواق: ولملك في المبسوط من سأل عن إصابة أهله في رمضان لا يعاقب، (لأن رسول الله ﷺ لم يعاقبه) (١). انتهى.
ومن أساء على خصمه، عطف على قوله: شاهد زور، يعني أن القاضي يعزر وجوبا من أساء على خصمه بحضرته من غير احتياج لبينة لانتهاكه حرمة الشرع، والحق حينئذ لله لا يحل للقاضي تركه أو بغير حضرته وأقر أو قامت عليه بينة به. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وعزر القاضي من أساء على خصمه بما يستحق الأدب به وجوبا. انتهى. وقال المواق: قال ابن حبيب عن الأخوين: إن شتم أحد الخصمين صاحبه عند القاضي أو أسرع إليه بغير حاجة كقوله: يا
стр. 7937
ظالم يا فاجر فعليه زجره وضربه إلا ذا مروءةٍ فلتةً فلا يضربه. انتهى. وقال التتائي: ومن أساء على خصمه إلا أن تكون فلتة من ذي مروءة فليتجاوز عنه. وقال الشبراخيتي: ثم إن وقعت الإساءة بين يديه فإنه يعزره، ولا يحتاج لشهادة بينة بالإساءة عليه بمجلسه لتوقير مجلس الشرع، وإن لم تكن بين يديه فلا بد من ثبوت ذلك بالبينة. انتهى. وقال التتائي: قال ابن ناجي في شرح قول المدونة: ولا بأس أن يضرب الخصم إذا تبين لدده وظلمه: المغربي: إذا تبين لدده معناه ببينة إذ لا يقضي بعلمه إلا في التعديل والتجريح. قلت: هذا جهل منه، لأن ما ذكره إنما هو في الأموال، وأما ما يكون بين يديه من الأدب فإنه يحكم فيه بعلمه. انتهى.
أو مفت، يعني أنه يجب على القاضي أن يعزر من أساء على مفت، ويجري فيه ما مر في الإساءة على الخصم بحضرة القاضي وبغير حضرته فيستند لعلمه في الأول، ولا بد من الثبوت في الثاني، وكذا يقال في قوله: أو شاهد، أي يجب على القاضي أن يؤدب من أساء على شاهد، وكذا على القاضي بمجلس حكمه كما مر في قوله: وتأديب من أساء عليه، والحكم بعلمه في مجلسه في هذه الأربع مسائل يستثنى من قولهم: لا يحكم بعلمة إلا في التعديل والتجريح، لأن وظيفة القاضي أنه مرصد لخلاص الأعراض كما أنه مرصد لخلاص الأموال، وإلى ما ذكر المص أشار ابن عاصم بقوله:
ومن جفا القاضي فالتأديب … أولى وذا لشاهد مطلوب
أي أولى له التأديب من العفو، وأما تأديبه للشاهد فواجب إلا أن يكون ذا مروءة ووقع منه الجفاء فلتة فإنه يغتفر له ذلك لقوله ﷺ : (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) (١). كما قال:
وفلتة من ذي مروءة عثر … في جانب الشاهد مما يغتفر
стр. 7938
والجفاء بالمد خلاف البر. وقال أبو علي: إن قوله: وفلتة لخ، راجعٌ حتى لجفاء القاضي. والله أعلم. وقوله: أو شاهد كما لو قال له: شهدت علي بالزور، أو ما أنت من أهل العدل ولا من أهل الدين.
لا بشهدت بباطل، يعني أن من قال لشاهد: شهدت بباطل فإنه لا يعزره القاضي، فإن قال له: شهدت علي بزور عزره كما مر لأنه لا يلزم من الباطل أن تكون الشهادة زورا، لأن الباطل بالنسبة للواقع لا بالنسبة لعلمه، إذ قد يشهد بشيء يعلمه كدين لزيد عليه وهو قد قضاه ولا مضرة على الشاهد في ذلك، بخلاف الزور وهو أن يشهد بما لا يعلم عمدا، وفي المواق ما نصه: ابن كنانة: إن قال: شهدت علي بزور، فإن عنى أنه شهد عليه بباطل لم يعاقب، وإن قصد أذاه والشهرة به نكل بقدر حال الشاهد والشهود عليه انتهى ويقبل قوله فيما ادعى أنه أراد إلا بقرينة تكذبه. قاله عبد الباقي.
كلخصمه كذبت، يعني أن أحد الخصمين إذا قال للآخر: كذبت، فإنه لا يؤدب. ابن عبد السلام: لا يعد الفقهاء تكذيب أحد الخصمين فيما ادعى به عليه من السباب ولو كان بصيغة كذب وغيرها من الصريح. نقله المواق. وقال عبد الباقي: كلخصمه كذبت علي فيما ادعيته أو ظلمت أو ظلمتني أو تظلمني، وأما يا ظالم فيؤدب، ولم يكن هذا وما قبله من انتهاك مجلس الشرع، لأن لهما تعلقا بالخصومة، بخلاف الإساءة. وقال الشبراخيتي: كلخمصه كذبت، مثله قوله: ظلمتني أو ظلمني، وأما إن قال له: يا ظالم فإنه يؤدب، وقوله: كذبت أي فيما ادعيت به، وأما إن قال له: كذبت في شيء آخر غير ما ادعاه عليه فإنه يؤدب لأنه إذاية. انتهى. وإذا قال رجل لرجل: يا كذابُ، جرى على التفصيل الذي في قوله: يا كلب، قال في التبصرة: وإذا قال الرجل للرجل: يا كلب فإن ذلك يفترق فيه ذو الهيئة من غيره، فإن كان القائل والمقول له من أهل الهيئة كلاهما جميعا عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان ولا يبلغ به السجن، وإن كانا جميعا من غير ذوي الهيئة عوقب أشدَّ من عقوبة الأول فيبلغ فيها السجن، وإن كان القائل من ذوي الهيئة والمقول له من غير ذوي الهيئة عوقب بالتوبيخ ولا يبلغ به الإهانة ولا السجن، وإن
стр. 7939
كان القائل من غير ذوي الهيئة والمقول له من ذوي الهيئة عوقب بالضرب. انتهى. انظر الحطاب. وفي التبصرة: ولو قال رجل لرجل من سراة الناس: كذبت وأثمت، عزر بالسوط، وهذا إذا قاله في مشاتمة لأنه بمنزلة قوله: كذاب، وأما إن نازعه في شيء فقال له: أنت في هذا كاذب آثم، فلا يجب عليه في هذا أدب إلا أنه ينهى عنه ويزجر إن كان لا يتعلق به حق فيما نازعه فيه، وهو مبني على التفصيل المتقدم في قول الرجل للرجل: يا كلب. انتهى. وفي الحطاب عن التبصرة: في مسألة. يا كلب بيانُ [معنًى دني الهمة وَضيعُ القدر] (١). والله أعلم. انتهى. وفي الحطاب أيضا: وقال القاضي عياض في الإكمال في شرح حديث الحضرمي والكندي من كتاب الأيمان: قولُه: يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه ولا يتورع عن شيء، فيه أن الرجل إذا رمى خصمه حال الخصومة بجرحة أو خلة سوء لمنفعة يستخرجها في خصامه وإن كان في ذلك أذى خصمه لم يعاقب إذا عرف صدقه في ذلك، بخلاف ما لو قاله على سبيل المشاتمة والأذى المجرد، وذلك إذا كان ما رماه به من نوع دعواه، ولينبه بها على حال المدَّعَى عليه، لقول الحضرمي: إنه فاجر لخ، ولم ينكره النبي ﷺ ولا زجره، ولو رمى خصمه بالغصب وهو ممن لا يليق به أدب عندنا، ولم تعلق به الدعوى، ونقله الأبي ثم نقل عن القرطبي ما نصه: الجمهور على أدب من صدر منه شيء من ذلك لعموم تحريم السباب، وأجابوا عن الحديث بأن الكندي عُلِمَ منه ذلك، وأنه لم يقم بحقه، أو أنه لم يقصد إذايته، وإنما قصد استخراج حقه. انتهى. وقال في المدونة في كتاب القذف: من آذى مسلما أدب. قال ابن ناجي: ظاهره وإن لم يحضر الموذَى فإن القاضي يؤدبه إذا كان ذلك بحضرته وهو كذلك، وكون القاضي لا يحكم بعلمه فيما كان بمجلسه إنما هو في الأموال، وأما هذا فيحكم. انتهى.
وليسوّ بين الخصمين، يعني أنه يجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين في القيام والجلوس والكلام والاستماع ورفع الصوت والنظر لهما. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وليسوّ بين الخصمين وجوبا في القيام والجلوس والكلام والاستماع ورفع الصوت والنظر وغير ذلك. انتهى.
стр. 7940
وقال الخرشي: يعني أن القاضي يجب عليه أن يسوي بين الخصمين في الجلوس والقيام والكلام ورفع الصوت عليهما، ويجعل نظره وفكره لهما على حد سواء. وقال بناني: في طرر ابن عات: ينبغي للقاضي أن لا يبتدئ أحد الخصمين بالسلام ولا بالكلام، وإن كان له مواخيا، فإن سلما عليه لم يزد على أن يقول وعليكما السلام، فإن زاد أحدهما في ذلك لم يزد القاضي عليه شيئا. انتهى. وقال عمر في وصيته لأبي موسى الأشعري ﵄: وسوِّ بين الناس في مجلسك وعدلك ووجهك حتى لا يطمع الشريف في حَيْفك ولا ييئس الضعيف من عدلك. انتهى.
وإن مسلما وكافرا، يعني أنه لا بد من التسوية بين الخصمين وإن كان أحدهما مسلما والآخر كافرا، هكذا في بعض النسخ، وفي نسخة الشبراخيتي: وإن مسلما، قال: يعني والآخر ذمي بقرينة قوله الخصمين. انتهى. وقال بناني: وإن مسلما، هكذا في أكثر النسخ بإن، واعترضه ابن عاشر بأن ابن الحاجب حكى قولا بجواز رفع المسلم على الذمي، ونسبه في التوضيح للك، فالمحل للو. انتهى. وقال المواق: وإن مسلما. المازري: لو كان الخصمان مسلما وذميا ففي تسويتهما في المجلس كمسلمين وجعل المسلم أرفع قولان. ابن عرفة: لم يذكر الشيخ غير الأول معزوا لأصبغ. انتهى. وقال التتائي: وإن مسلما وكافرا على المشهور وإن امتنع المسلم من المساواة وهو الطالب. انتهى.
فائدة: في الرهوني: عن ابن عات: ادعى أبي بن كعب نخلا في يد عمر بن الخطاب، فقال أبي: هو لي، وقال عمر: هو لي، فاختصما إلى زيد بن ثابت، فلما انتهيا إلى بابه قال عمر: السلام عليكم، فقال زيد: وعليكم السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال عمر: بدأت بجور قبل أن أدخل الباب، فلما دخل قال: ها هنا يا أمير المؤمنين، فقال: وهذه مع هذه ولكن مع خصمي، فقال عمر: هو نخلي وفي يدي، فقال زيد لأبي: هل لك بينة؟ قال: لا، قال: فأعف إذًا أميرَ المؤمنين من اليمين، فقال، عمر: ما زلت جائرا منذ دخلنا عليك، وعليك يا أمير المؤمنين، وها هنا يا أمير المؤمنين، وأعف أمير المؤمنين، ولم يعفيني منها إن عرفت شيئا منها
стр. 7941
أخذته بيميني. قال: ثم حلف عمر أن النخل نخله ما لِأُبي فيه حقٌّ. فقال أبي: والله إنك لصادق، وما كنت تحلف إلا على حق، ثم قال عمر: هو لك بعد ما حلف. انتهى.
وقدم المسافر، يعني أنه إذا تداعى عند القاضي مسافرون وغيرهم وتزاحموا في التقديم في الدعوى فإنه يقدم المسافرين، ولو كان ذلك الغير سابقا عليهم، ما لم يحصل للمقيم ضرر بسبب تقديم المسافر عليه، وإلا قدم، فإن حصل لكل ضرر بسبب تقديم الآخر أقرع بينهما، كما إذا كثر المسافرون جدا بحيث يحصل للمقيمين ضرر، فإنه يقرع بين جميع المسافرين والمقيمين، وبين المقيمين، وقال التتائي: وقدم المسافر إن تزاحم المدعون خوف فوات الرفقة، وظاهره الوجوب كالذي قبله، وجعله البساطي من أدبه، وظاهره ولو كثروا وحصل الضرر للمقيمين، وقيده المازري بما إذا لم يكثروا فيصار للقرعة، وظاهره ولو كان غير المسافر سابقا عليه، وسواء كان الوقت لا يسع إلا بعضهم، أو يسع الجميع ولكن أراد كل التقديم. انتهى.
وما يخشى فواته، يعني أنه إذا اجتمع عند القاضي متداعون فإنه يقدم ما يخشى فواته. قال بناني: مثال ما يخشى فواته عند ابن مرزوق النكاح الفاسد الذي يفسخ قبل الدخول والطعام الذي يتغير بالتأخير، وعطف هذا على المسافر من عطف العام على الخاص. التتائي: وقدم ما يخشى فواته لو اشتغل بغيره فسد، وظاهره الوجوب. انتهى. وقال عبد الباقي: وما يخشى فواته هو مع المسافر في مرتبة واحدة كما هو مدلول الواو، فيقدم ما هو أشد ضررا، فإن تساويا أقرع بينهما، ونحوه في الخرشي. قال الشبراخيتي: وقدم المسافر لأن إقامته ضرر عليه، وفي مرتبته ما يخشى فواته، كنكاح استحق فسخا قبل الدخول ويخاف إن أخر النظر فيه أن يدخل بها، أو طعام يسرع إليه التغير، وإذا تشاح المسافر وما يخشى فواته أقرع بينهما، وهذا حيث لا ضرر في تقديم أحدهما على الآخر، فإن كان في تقديم كل واحد ضرر ارتكب أخفهما ضررا، وإن تساوى الضرران أقرع، ثم إن تقديم المسافر على ما بعده ما لم يكثر السافرون جدا فإن كثروا جدا، بحيث يحصل للمقيمين بسببهم ضرر فيقرع بينهما. قاله الشارح عن المازري. انتهى.
ثم السابق، يعني أنه يلي المسافر وما يخشى فواته في التقديم السابق، فيقدم الأسبق فالأسبق. قال الإمام المازري من عند نفسه: يقدمه وإن بحقين، أي يقدم السابق وإن في خصومتين أو أكثر
стр. 7942
إن كان ذلك مما لا يطول ولا يضر بمن بعده، كما قال: بلا طول، فإن كان في الخصومتين طول فينبغي تقديمه في أحدهما ولو معه طول وتأخير حقه الآخر عمن يليه. قاله عبد الباقي والشبراخيتي. وقال المواق والمازري: إذا وجب تقديم الأسبق فقال أصحاب الشافعي: إنما يقدم الأسبق في خصام واحد لا في سائر مطالبه. وهذا فيما ينظر فيه إن سبق بخصامين قدم في خصومته فيهما معا إن كان مما لا يطول ولا يضر بالجماعة الذين بعده. ابن عرفة: ظاهره أن هذا غير منصوص لأصحابنا. وقد قال أصبغ: إذا قضى بين الخصمين في أمر اختصما فيه ثم أخذا في حجة أخرى في خصومة أخرى فإن كان بين يديه غيرهما لم يسمع منهما حتى يفرغ ممن بين يديه، إلا أن يكون شيئا لا ضرر فيه بمن حضره فلا بأس أن يسمع منهما. انتهى. ونقله الحطاب أيضا. وقوله: وإن بحقين بلا طول، راجع لقوله: ثم السابق فقط، كما يفيده كلام الشارح هنا. قاله الشبراخيتي. وقال: في تعبيره يعني المص بقال نظر، إذ ما ذكره المازري مستفاد مما في النوادر كما ذكره ابن عرفة. انظر المواق. انتهى. أي فالصواب إسقاط قال، والتعبير بالاسم. كما في بناني. ثم إن استووا في السبقية أو لم يعلم السابق أقرع، وصفة القرعة أن تكتب أسماؤهم في رقاع ثم توخذ إحدى الرقاع بعد خلطها، فمن وجد اسمه في تلك الرقعة قدم.
وينبغي أن يفرد وقتا أو يوما للنساء، يعني أن القاضي ينبغي له أن يفرد وقتا أو يوما للنساء كانت خصومتهن فيما بينهن أو مع الرجال لأنه أستر لهن. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وينبغي له أن يفرد يوما معينا أو وقتا كذلك للنساء كانت خصومتهن فيما بينهن أو مع الرجال لأنه أستر لهن. وقوله: للنساء، أي اللَّاتي يخرجن، لا المخدرات واللاتي يخشى من سماع كلامهن الشّغف بهن فيوكلن أو يبعث لهن في منزلهن، وقد وقع للنبي ﷺ هذا وهذا. انتهى. وقال الحطاب. قال القرطبي في شرح قوله ﵊ للنساء: (اجتمعن يوم كذا) (١). يدل على أن الإمام ينبغي له أن يعلم النساء ما يحتجن إليه من أمر دينهن، وأن يخصصن بيوم مخصوص لذلك لكن في المسجد أو ما كان في معناه لتومن الخلوة بهن فإن تمكن من
стр. 7943
ذلك بنفسه فعل وإلا استنهض الإمام شيخا يوثق بعلمه ودينه لذلك حتى يقوم بهذه الوظيفة. انتهى. وقال التتائي: وتومر الشابة ذات الجمال التي يخاف أن يؤدي كلامها لشغف بها أن توكل، وليس من حق الخصم إحضارها لمجلس القضاء، فإن احتيج إلى أن يبعث إليها بدارها لتخاطب من وراء سترها من تومن ناحيته لشيخوخته ودينه، أو يكلفه الحكومة في أمرها فعل ذلك. وقد حضرت الغامدية (١) مجلس رسول الله ﷺ ، وقال في المرأة الأخرى: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) (٢).
كالمفتي والمدرس، تشبيه في جميع ما تقدم من قوله: وقدم المسافر وما يخشى فواته، أي يقدم المسافر وما يخشى فواته ثم السابق لخ، قاله عبد الباقي وغيره. وقال المواق: قال ابن شأس: ويفعل المفتي والدرس عند التزاحم كذلك. وقال التتائي: ابن عرفة: لا أعرف هذا نصا لأهل المذهب، إنما قاله الغزالي في الوجيز، لكن تخريجهما على حكم تزاحم الخصوم واضح، ثم ذكر عن سماع عيسى ابن القاسم: أحب إلي أن الخياط يقدم الأول فالأول، ولم أسمع فيه شيئا، ولعله أن يكون واسعا إن كان في الخفيف كالرقعة وأشباهها، ثم ذكر عن الأخوين: لا بأس أن يقدم الصانع من أحب ما لم يقصد مطلا، وكذا يقولان في الرحا، ثم قال: جرت عادة مدرسي تونس في الأكثر بتقديم قراءة التفسير على الحديث، ثم الحديث على الفقه. انتهى. وفي المواق: لا يقدم صاحب الرحا أحدا على غيره إذا كانت سنة البلد. البرزلي: وعلى هذا يأتي التقديم في طبخ الخبز، والقراءة، وسائر الصنائع، إن كان عرف عمل به وإلا قدم الآكد فالآكد، ويقدم في القراءة من فيه أهلية على غيره لتحصيل كثرة المنافع على قلتها، وقال الشيخ الأبلي: الطالب الذي لا قابلية له ينبغي أن يقدم على غيره. انظر المواق. قوله: ويقدم في القراءة لخ، الظاهر أنه مخالف للمص، وقال عبد الباقي: وأما الطحان والفران وسائر الصناع فإن كان لهم عرف عمل عليه وإلا قدم الآكد فالآكد. انتهى. قوله: قدم الآكد فالآكد، قال بناني: مثله في المواق عن البرزلي، والذي في ابن غازي عن ابن رشد: أن الأحبّ إذا لم يكن شرطٌ ولا عُرْفٌ تقديمُ الأول
стр. 7944
فالأول. انتهى. واعلم أن أركان القضاء ستة: القاضي، والمقضي له، والمقضي عليه: والمقضي به، والمقضي فيه، وكيفية القضاء، أمَّا القاضي فقد مر الكلام عليه أول الباب، وأما المقضي له فهو كل من ثبت له حق، ويشترط أن يكون ممن تجوز شهادة القاضي له، وفي حكمه لأقاربه الذين لا تجوز شهادته لهم أربعة أقوال: المنع، وهو الذي اختاره اللخمي، وهو الذي مشى عليه المص حيث قال: ولا يحكم لمن لا يشهد له، وأما المقضي عليه فهو كل من توجه عليه حق إما بإقراره إن كان ممن يصح إقراره وإما بالشهادة عليه على الوجه المقرر في ذلك، ويشترط فيه أن يكون ممن تجوز شهادته عليه، وأما المقضيُّ به فهو الحكم من كتاب الله ، فإن لم يجد فسنة نبيه ﷺ التي صحبها العمل، فإن لم يجد في السنة نظر في أقوال الصحابة فقضى بما اتفقوا عليه، فإن اختلفوا قضى بما صحبه العمل أو ما أجمع عليه، فإن لم يجد إجماعا قضى باجتهاده بعد مشاورة أهل العلم، وأما المقضي فيه فهو جميع الحقوق، وأمَّا كيفية القضاء فتتوقف على العلم بأشياء كمعرفة ما هو حكم وما ليس بحكم، فلا يتعقب ما هو حكم، ويتعقب ما ليس بحكم، ومعرفة ما يفتقر لحكم الحاكم، وما لا يفتقر لحكم الحاكم، ومعرفة الفرق بين ألفاظ الحكم التي جرت بها عادة الحكام في التسجيلات، وفي الفرق بين الثبوت والحكم. ونظم بعضٌ الأركان الستة فقال:
فجملةٌ الأركان للقضاء … قد نظمت في البيت باعتناء
القاضي والمقضيّ فيه ثم له … ثم عليه وبه والكيفيه
وأشار المص إلى كيفية القضاء والتعريف بالمدعي والمدعى عليه بقوله: وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام، قال ابن عرفة: الدعوى قول هو بحيث لو سُلِّمَ أَوْجب لقائله حقا، يعني أن القاضي يأمر المدعِيَ بالكلام أي يأمره بالدعوى فيبدأ بالمقال، وعرف المص المدعي بأنه هو الذي تجرد قوله عن الذي يصدقه من أصل أو معهود، ويأتي بيانهما. قال عبد الباقي: وأمر بالبناء
стр. 7945
للمجهول مدع، أي أمر القاضي وجوبا المُدعيَ حيث علم أو وافقه خصمه على أنه المدعي بالكلام، وعرف المص المدعي بأنه من تجرد قوله حال الدعوى عن مصدق أي أصل أو معهود عرفا، أي لم يتمسك حين الدعوى بواحد من هذين، وإنما تمسك بالبينة، بخلاف المدعى عليه فإنه كان قوله على وفق أصل أو معهود عرفا، وقوله: تجرد لخ، صفة مدع، وقوله: بالكلام، أي الدعوى متعلق بأمر، وتفسير الصدق بما ذكر، وقوله: حال الدعوى، كل منهما مخرج لمن صحب دعواه بينة: إذ لا يقال له حينئذ: مدع فقط شرعا، لثبوت دعواه، نعم يسمى مدعيا باعتبار حاله قبل إقامة البينة، فلا يَرِدُ على تعريف المص أنه غير جامع لمن صحب دعواه بينة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. وقال بناني: وأمر مدع تجرد قوله لخ، الآمر هو القاضي، وإنما يأمره إذا علمه كما إذا سمعهما يتخاصمان فعلم المدعي منهما، أو قال أحدهما: إنه دعاني، وأما إن لم يعلمه فله أن يسكت حتى يتكلما فيعلم المدعي منهما، فيأمر المدَّعَى عليه بالسكوت حتى يفرغ المدعي من كلامه، وله أن يقول ما شأنكما؟ أو ما خطبكما؟ وإن قال: مَن المدعي منكما؟ فلا بأس به. انظر المواق، وبه يعلم الجواب عما أورد هنا من الدور، وهو أن أمره بالكلام يتوقف على العلم بكونه مدعيا، والعلم بذلك يتوقف على كلامه. والله أعلم. وقول الزرقاني: أي أصل أو معهود عرفا لخ: ابن شأس: المدعي من تجردت دعواه عن أمر يصدقه أو كان أضعف المتداعيين أمرا في الدلالة على الصدق. انتهى. فيوخذ منه أنه إن تعارض الأصل والعرف فالمدعي من تجردت دعواه عن العرف وإن وافقت الأصل، لأن العرف أقوى منه، وقول الزرقاني: كل منهما مخرج لمن صحب دعواه بينةٌ لخ، صوابه مُدخِل لمن صحب دعواه لا مخرج. انظر الحطاب. وذلك لأن ابن عرفة أورد على تعريف ابن الحاجب الذي هو كتعريف المص أنه غير جامع لخروج المدعي ومعه بينة، فأجاب الحطاب لدخوله بأن البينة إنما يأتي بها بعد معرفة كونه مدعيا، والكلام فيما قبل ذلك. انتهى. وهذا الذي قصده الزرقاني فاختل كلامه، على أن الجواب فيه نظر، لما نقله الحطاب وغيره من أن القاضي له أن يسمع البينة قبل سماع الدعوى على مذهب ابن القاسم: كما يأتي عند الزرقاني في قوله: إلا لعذر كنسيان. انتهى. وأجاب الرهوني عن إيراد البناني بأن تصديق البينة للمدعي قبل سماع الدعوى يتوقف على تصديق المدَّعَى عليه إياها أو عجزه عن
стр. 7946
القدح فيها. وقال المواق عن أشهب: إذا جلس الخصمان بين يدي القاضي فلا بأس أن يقول: ما لَكُمَا؟ وما خصومتكما؟ أو يسكت ليبتدئاه، فإن تكلم المدعي أسكت الآخر حتى يسمع حجة المدعي، ثم يسكته ويستنطق الآخرة ويتربص عليه حتى يفهم عنه، ولا يبتدئ أحدهما فيقول: ما تقول؟ ومَا لَك؟ إلا إن علم أنه المدعي، ولا بأس أن يقول: أيكما المدعي؟ فإن قال أحدهما: أنا، وسكت الآخر فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إليّ أن لا يسأله حتى يقر خصمه بذلك. انتهى. وقال التتائي: وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام وسكت عن الآخر حتى ينتهي المدعي فيأمره بالسكوت. انتهى. وقال الشبراخيتي: لم يعرف المص الدعوى، وعرفها ابن عرفة بقوله: قولٌ هو بحيث لو سلم أوجب لقائله حقا، ولها شروط ذكر المص بعضها، وزاد غيره: معتبرة يتعلق بها غرض صحيح لم تكذبها العادة، واحترز بقوله: معتبرة، من نحو دعوى القمحة والشعيرة، وبغرض صحيح، من دعوى أجرة على محرم، وقوله: لم تكذبها العادة، من دعوى دار بيد حائز يتصرف فيها المدة الطويلة والمدعي حاضر ساكت، وهل تسمع الدعوى على الصبي والسفيه؟ فيه تفصيل، فإن ادُّعِيَ عليهما بما لا يلزمهما بالإقرار ولا بالبينة لم تسمع، كأن يدعي عليه أنه أبرأه من الحق، أو أقرضه، أو اشترى شيئا منه بكذا، وإن ادُّعِيَ عليهما بما لا يلزمهما بالبينة دون الإقرار كالغصْب سُمِعَتْ، ولا يطالب بالجواب، ويقال للمدعي: أقم البينةَ، فإن أقامها وعُدِّلت أعذر إلى وليه، فإن أبدى مطعنا وإلا أخذ المدَّعَى به من ماله. وإن ادُّعِيَ عليه بما يلزمه بالإقرار والبينة كما إذا ادُّعِيَ على السفيه بأنه طلق زوجته سُمِعَتْ، ويطالب بالجواب، ولا يتأتى هذا القسم في الصبي. ومن شروط الدعوى أن تكون لو أقر بها المدعى عليه أو قامت عليه بها بينة قضِيَ عليه بها، وإن لم يقض عليه بها فلا تسمع، كدعواه عليه أنه قال: داري صدقة بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين، وكدعواه عليه وصية، وكما تقدم في الطلاق من الأمور التي يؤمر بها من غير قضاء، وكدعوى بالغ رشيد على سفيه أو صبي بمعاوضة مالية اختيارية كبيع أو شراء أو سلف فساقطة، وينهاه القاضي عن التعرض لها، بخلاف دعواه عليهما استهلاكا أو غصبا أو نهبا أو اختلاسا أو جدعا أو قتلا عمدا أو خطئا فتسمع، ويعذر القاضي
стр. 7947
لهما لعل لهما مدفعا، ولا يعجز الصبي، ولا بد من يمين الطالب مع بينة لأن الصبي في حكم الغائب والميت والساكين، وأما عكس ذلك وهو دعوى صبي أو سفيه على بالغ رشيد فتسمع حضر وصيه أو غاب، وله إقامة بينة أو شاهد يحلف معه عبد وسفيه بالغان كما يأتي، وقوله: عن مصدق، قال غير واحد: أي غير بينة لأنه لا يشترط تجرده منها. ابن عرفة: المدعي من عريت دعواه عن مرجح غير شهادة، والمدعى عليه من اقترنت دعواه به أي بالمرجح، ويرد عليه ما إذا صحب دعواه إقرار المدعى عليه، فلو قال: غير شهادة أو إقرار لسلم من ذلك.
وإلا يعلم المدعي ولا وافق خصمه على ذلك، فالذي يؤمر بأن يبتدئ بالكلام هو الجالب، أي الطالب للخصم أن يذهب معه إلى القاضي بنفسه أو برسول القاضي، أو خاتم أو ورقة أو غير ذلك، لدلالة قرينة الحال على صدقه. وإلا يعلم الجالب بأن ادعى كل أنه الجالب ولم يصطلحا على تقديم أحدهما، أقرع بينهما في التبدئة بالكلام، ولابن عبد الحكم يقدم أيهما شاء. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: ابن عبد الحكم: وإن لم يدر الجالب بدأ بأيهما شاء، فإن كان أحدهما ضعيفا فأحب إلي أن يبدأ به، وإن بقي كل واحد منهما متعلقا بالآخر أقرع بينهما.
فيدعي بمعلوم، يعني أنه يشترط في صحة الدعوى أن تكون بمعلوم، ومعنى معلوم أن يدعي بما هو متميز في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي، ولهذا لا يسمع لي عليه شيءٌ. محقق، يعني أنه يشترط في صحة الدعوى أن تكون بمعلوم محقق، وزاد غير المص وأن تكون معتبرة يتعلق بها غرض صحيح لا تكذبها العادة، وتكون مما لو أقر بها المدعى عليه يقضى عليه بها، وقد مر محترزات هذه الثلاث. وفي المواق: سمع القرينان من دخل بزوجته ثم مات فطلبت صداقها حلف الورثة ما نعلم بقي عليه صداق. ابن رشد: فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة أنها لم تقبض صداقها واستوجبته، لا على أن الورثة علموا أنها لم تقبضه، فرجعت هذه اليمين على غير ما نكل عنه الورثة، وأشار المص إلى مقابل قوله: بمعلوم، وهو ضعيف بقوله:
قال الإمام المازري: وكذا تسمع دعواه إذا قال: لي عليه شيء، قال الشبراخيتي عند قول المص: وكذا شيء مقابل لقوله: معلوم، وهو ضعيف على المذهب، كذا في الحاشية، وقال في الشرح: وظاهر كلام المص سواء كان المدعي يعلم مبلغ ما يدعيه أم لا وليس كذلك، فقد ذكر ابن فرحون
стр. 7948
في تبصرته ما حاصله أن للمدعى عليه شيء ثلاثةَ أحوال، الأولى: أن يعلم قدر المدعى به، ويقول: لي عليه شيء ويأبى من ذكر قدره، وفي هذا لا تقبل دعواه اتفاقا. الثانية: أن يدعي جهل المدعى به، وتدل على ذلك قرينة كشهادة بينة بأن له حقا لا يعلمون قدره، وفي هذا تقبل دعواه اتفاقا. الثالثة: أن يدعي جهل قدره من غير شهادة قرينة بذلك، فهي محل الخلاف الذي اختار فيه المازري سماع الدعوى. انتهى. وفي باب الإقرار أنه إذا أجاب المدعى عليه بشيء فإنه يفسره، فإن لم يفسره فإنه يسجن حتى يفسره. وإن طال كما في ابن الحاجب، وأقره في التوضيح: ومقتضى هذا أنه ليس حكمه حكم من امتنع من الجواب فإنه يسجن، فإذا سجن ولم يقر يحكم عليه بلا يمين، ولا حكمَ من ادعِيَ عليه فأنكر فشهدت البينة بأن له عنده أعكاما لا يدرون ما فيها فإنه يطلب بالتفسير، فإن لم يفسر عمل بقول المدعي بيمين. انتهى. وفي الحطاب: وقال المتيطي: لو شهد الشهود للقائم في الدار المقوم فيها بحصة لا يعرفون مبلغها ففي كتاب ابن حبيب من رواية مطرف عن ملك: أنه يقال للمشهود عليه: أقر بما شئت منها واحلف عليه، فإن أبى قيل للمشهود له: سمِّ ما شئت واحلف عليه وخذه، فإن أبى أخرجت الدار من يد المطلوب ووقفت حتى يقر بشيء. قال مطرف: وقد كنا نقول وأكثر أصحابنا: أنه إذا لم يعرف الشهود الحصة فلا شهادة لهم ولا يلزم المطلوب بشيء، حتى قال ذلك مالكٌ فرجعنا إلى قوله واستمرت الأحكام به. انتهى. وفيه ليس من تمام صحة الدعوى أن يذكر السبب، يؤخذ ذلك من قول المص: ولمدعًى عليه السؤال عن السبب.
وإلا، بأن لم يدع معلوما بل ادعى مجهولا كشيء أو ادعى مظنونا لم تسمع دعواه، فلا يلزم المدعى عليه جوابه، ومثل لأحد الأمرين بقوله: كأظن، يعني أنه إذا قال المدعي: أظن أن لي عنده كذا، أو في ظني وأحرى أشك، فإن هذه الدعوى لا تسمع. وقوله: بمعلوم محقق، قال الحطاب: نحوه لابن الحاجب، فأورد عليه ابن عرفة توجيه يمين التهمة على القول بها. فتأمله. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: كأظن إلا أن يقوى الظن كما يأتي في قوله "واعتمد البات على ظن قوي" ونحوه للخرشي والشبراخيتي. قال بناني: هذا القيد غير صحيح. ثم قال:
стр. 7949
والحاصل أن ما هنا في الدعوى المصرح فيها بما يفيد عدم التحقيق، وما يأتي في الدعوى الجازمة، لكن اعتمد فيه على الظن في ذهنه. انتهى. وهو تحقيق عجيب. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ومحل قوله: محقق، حيث لم تكن دعوى اتهام، فلا يخالف ما يأتي في باب الشهادة في قوله: واستحق به بيمين إن حقق. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: حيث لم تكن دعوى اتهام، ظاهره أنه لا منافاة بين ما هنا وبين ما يأتي وليس كذلك، بل قوله هنا: وإلا لم تسمع، إنما ينبني على عدم توجه يمين التهمة، وقد أورد ابن عرفة على قول ابن الحاجب بمعلوم محقق توجه يمين التهمة على القول بها، وعلى توجهها جرى المص في مفهوم إن حقق من قوله: فإن نكل في مال وحقه استحق به بيمين إن حقق. قال الحطاب هناك في مفهوم إن حقق ما نصه: فإن كان يمين تهمة فإن الحق يثبت بمجرد النكول على المشهور صرح به ابن رشد. انتهى من التوضيح. انتهى. وقد علمت به أن ما عليه المص هنا خلاف المشهور. انتهى. وفي التبصرة في الباب الثامن والعشرين من القسم الثاني في القضاء بالاتهام وأيمان التهم: أبو الحسن الصغير: المشهور أن اليمين تجب بمجرد الاتهام وإن لم يحقق الدعوى، والظاهر أنه يريد بعد إثبات أن المدعى عليه ممن تلحقه التهمة فيما ادعِيَ عليه. انظر الحطاب. ولا بد للمدعي من بيان السبب، ولهذا قال:
وكفاه بعت وتزوجت، يعني أنه لا بد للمدعي من ذكر سبب ما ادعى، ويكفيه أن يقول: لي عليه مائة من سلف أو بيع أو نكاح. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: والمدعي لا بد له من ذكره سبب ما ادعى به، وكفاه بعت وتزوجت ولي عنده ثمنه وعند الزوج الصداق من غير احتياج لذكر أركان كل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وكفاه في بيان السبب بعت وتزوجت، أي أن المدعي إذا قال: [لي عنده] (١)، دينار مثلا من بيع أو زوجته ابنتي بكذا فإن القاضي يأمر المدعى عليه بالجواب، لأن المدعي إذا أبهم ولم يذكر السبب احتمل أن يكون من وجه لا يوجب شيئا لو
стр. 7950
فسرد. انتهى. وقال التتائي: ومثل بمثالين لمخالفة الشافعي في الثاني، فلا بد أن يقول: عنده بصداق وولي وشاهدين [ويلزم] (١) انتفاء الموانع. وقوله: وكفاه بعت مرتب، على قوله: وأقرع. (٢) وحمل على الصحيح، يعني أنه إذا قال المدعي: بعت أو تزوجت، فإن ذلك يكفيه ولا يحتاج لذكره الأركان، فيحمل العقد على الصحة، لأن الأصل في عقود المسليمن الصحة. وإلا، يذكر المدعي السبب المستلزم له ما ذكر. فليسأله الحاكم عن السبب، أي وإن لم يذكر المدعي سبب ما ادعى به فإن الحاكم يجب عليه أن يسأله عن السبب. قال ابن حارث: يجب على القاضي أن يقول للطالب من أين وجب لك ما ادعيت؟ ومن أي شيء وجب؟ فإن لم يقل ذلك صار كالخابط عشواء، إذ لا يومن أن يكون الحق إنما يدعيه مدعيه من وجه لا يوجب حقا إذا فسره. نقله المواق. قال الشبراخيتي هنا: ولا يعارض هما قوله فيما يأتي: ولمدعى عليه السؤال عن السبب، لأن هذا فيما إذا ترك المدعى عليه ذلك لجهل أو غفلة، وما يأتي فيما إذا انتبه لذلك، أو أنه مشى على قولين فتبع فيما هنا المتيطي، وفيما يأتي أشهب. انتهى. وقال عبد الباقي: فليسأله الحاكم وجوبا عن السبب، فإن غفل أو جهل بالسنة فلمدعى عليه السؤال عنه كما يأتي، فهو كالمفرع على ترك المدعي ذكرَه والحاكمِ السُّؤالَ عنه، وتقديم الشارح المدعى عليه في السؤال عن السبب على الحاكم رده التتائي، وأيضا ظاهر المص أو صريحه خلافه هنا وفيما يأتي. انتهى. قال بناني: ما ذكره الش من تقديم سؤال المدعى عليه على القاضي مثله لولد ناظم التحفة عند قوله:
.......................... … تحقق الدعوى مع البيان
ونصه: وللمدعى عليه أن يسأل عن السبب فإن جهل أو غفل عنه فينبغي للقاضي أن يسأله حتى يبين له وجه ذلك. انتهى. ومثله عند ابن سلمون، وأما ما اقتضاه ظاهر المص فإنما احتجوا