القدح فيها. وقال المواق عن أشهب: إذا جلس الخصمان بين يدي القاضي فلا بأس أن يقول: ما لَكُمَا؟ وما خصومتكما؟ أو يسكت ليبتدئاه، فإن تكلم المدعي أسكت الآخر حتى يسمع حجة المدعي، ثم يسكته ويستنطق الآخرة ويتربص عليه حتى يفهم عنه، ولا يبتدئ أحدهما فيقول: ما تقول؟ ومَا لَك؟ إلا إن علم أنه المدعي، ولا بأس أن يقول: أيكما المدعي؟ فإن قال أحدهما: أنا، وسكت الآخر فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إليّ أن لا يسأله حتى يقر خصمه بذلك. انتهى. وقال التتائي: وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام وسكت عن الآخر حتى ينتهي المدعي فيأمره بالسكوت. انتهى. وقال الشبراخيتي: لم يعرف المص الدعوى، وعرفها ابن عرفة بقوله: قولٌ هو بحيث لو سلم أوجب لقائله حقا، ولها شروط ذكر المص بعضها، وزاد غيره: معتبرة يتعلق بها غرض صحيح لم تكذبها العادة، واحترز بقوله: معتبرة، من نحو دعوى القمحة والشعيرة، وبغرض صحيح، من دعوى أجرة على محرم، وقوله: لم تكذبها العادة، من دعوى دار بيد حائز يتصرف فيها المدة الطويلة والمدعي حاضر ساكت، وهل تسمع الدعوى على الصبي والسفيه؟ فيه تفصيل، فإن ادُّعِيَ عليهما بما لا يلزمهما بالإقرار ولا بالبينة لم تسمع، كأن يدعي عليه أنه أبرأه من الحق، أو أقرضه، أو اشترى شيئا منه بكذا، وإن ادُّعِيَ عليهما بما لا يلزمهما بالبينة دون الإقرار كالغصْب سُمِعَتْ، ولا يطالب بالجواب، ويقال للمدعي: أقم البينةَ، فإن أقامها وعُدِّلت أعذر إلى وليه، فإن أبدى مطعنا وإلا أخذ المدَّعَى به من ماله. وإن ادُّعِيَ عليه بما يلزمه بالإقرار والبينة كما إذا ادُّعِيَ على السفيه بأنه طلق زوجته سُمِعَتْ، ويطالب بالجواب، ولا يتأتى هذا القسم في الصبي. ومن شروط الدعوى أن تكون لو أقر بها المدعى عليه أو قامت عليه بها بينة قضِيَ عليه بها، وإن لم يقض عليه بها فلا تسمع، كدعواه عليه أنه قال: داري صدقة بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين، وكدعواه عليه وصية، وكما تقدم في الطلاق من الأمور التي يؤمر بها من غير قضاء، وكدعوى بالغ رشيد على سفيه أو صبي بمعاوضة مالية اختيارية كبيع أو شراء أو سلف فساقطة، وينهاه القاضي عن التعرض لها، بخلاف دعواه عليهما استهلاكا أو غصبا أو نهبا أو اختلاسا أو جدعا أو قتلا عمدا أو خطئا فتسمع، ويعذر القاضي
стр. 7947
لهما لعل لهما مدفعا، ولا يعجز الصبي، ولا بد من يمين الطالب مع بينة لأن الصبي في حكم الغائب والميت والساكين، وأما عكس ذلك وهو دعوى صبي أو سفيه على بالغ رشيد فتسمع حضر وصيه أو غاب، وله إقامة بينة أو شاهد يحلف معه عبد وسفيه بالغان كما يأتي، وقوله: عن مصدق، قال غير واحد: أي غير بينة لأنه لا يشترط تجرده منها. ابن عرفة: المدعي من عريت دعواه عن مرجح غير شهادة، والمدعى عليه من اقترنت دعواه به أي بالمرجح، ويرد عليه ما إذا صحب دعواه إقرار المدعى عليه، فلو قال: غير شهادة أو إقرار لسلم من ذلك.
وإلا يعلم المدعي ولا وافق خصمه على ذلك، فالذي يؤمر بأن يبتدئ بالكلام هو الجالب، أي الطالب للخصم أن يذهب معه إلى القاضي بنفسه أو برسول القاضي، أو خاتم أو ورقة أو غير ذلك، لدلالة قرينة الحال على صدقه. وإلا يعلم الجالب بأن ادعى كل أنه الجالب ولم يصطلحا على تقديم أحدهما، أقرع بينهما في التبدئة بالكلام، ولابن عبد الحكم يقدم أيهما شاء. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: ابن عبد الحكم: وإن لم يدر الجالب بدأ بأيهما شاء، فإن كان أحدهما ضعيفا فأحب إلي أن يبدأ به، وإن بقي كل واحد منهما متعلقا بالآخر أقرع بينهما.
فيدعي بمعلوم، يعني أنه يشترط في صحة الدعوى أن تكون بمعلوم، ومعنى معلوم أن يدعي بما هو متميز في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي، ولهذا لا يسمع لي عليه شيءٌ. محقق، يعني أنه يشترط في صحة الدعوى أن تكون بمعلوم محقق، وزاد غير المص وأن تكون معتبرة يتعلق بها غرض صحيح لا تكذبها العادة، وتكون مما لو أقر بها المدعى عليه يقضى عليه بها، وقد مر محترزات هذه الثلاث. وفي المواق: سمع القرينان من دخل بزوجته ثم مات فطلبت صداقها حلف الورثة ما نعلم بقي عليه صداق. ابن رشد: فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة أنها لم تقبض صداقها واستوجبته، لا على أن الورثة علموا أنها لم تقبضه، فرجعت هذه اليمين على غير ما نكل عنه الورثة، وأشار المص إلى مقابل قوله: بمعلوم، وهو ضعيف بقوله:
قال الإمام المازري: وكذا تسمع دعواه إذا قال: لي عليه شيء، قال الشبراخيتي عند قول المص: وكذا شيء مقابل لقوله: معلوم، وهو ضعيف على المذهب، كذا في الحاشية، وقال في الشرح: وظاهر كلام المص سواء كان المدعي يعلم مبلغ ما يدعيه أم لا وليس كذلك، فقد ذكر ابن فرحون
стр. 7948
في تبصرته ما حاصله أن للمدعى عليه شيء ثلاثةَ أحوال، الأولى: أن يعلم قدر المدعى به، ويقول: لي عليه شيء ويأبى من ذكر قدره، وفي هذا لا تقبل دعواه اتفاقا. الثانية: أن يدعي جهل المدعى به، وتدل على ذلك قرينة كشهادة بينة بأن له حقا لا يعلمون قدره، وفي هذا تقبل دعواه اتفاقا. الثالثة: أن يدعي جهل قدره من غير شهادة قرينة بذلك، فهي محل الخلاف الذي اختار فيه المازري سماع الدعوى. انتهى. وفي باب الإقرار أنه إذا أجاب المدعى عليه بشيء فإنه يفسره، فإن لم يفسره فإنه يسجن حتى يفسره. وإن طال كما في ابن الحاجب، وأقره في التوضيح: ومقتضى هذا أنه ليس حكمه حكم من امتنع من الجواب فإنه يسجن، فإذا سجن ولم يقر يحكم عليه بلا يمين، ولا حكمَ من ادعِيَ عليه فأنكر فشهدت البينة بأن له عنده أعكاما لا يدرون ما فيها فإنه يطلب بالتفسير، فإن لم يفسر عمل بقول المدعي بيمين. انتهى. وفي الحطاب: وقال المتيطي: لو شهد الشهود للقائم في الدار المقوم فيها بحصة لا يعرفون مبلغها ففي كتاب ابن حبيب من رواية مطرف عن ملك: أنه يقال للمشهود عليه: أقر بما شئت منها واحلف عليه، فإن أبى قيل للمشهود له: سمِّ ما شئت واحلف عليه وخذه، فإن أبى أخرجت الدار من يد المطلوب ووقفت حتى يقر بشيء. قال مطرف: وقد كنا نقول وأكثر أصحابنا: أنه إذا لم يعرف الشهود الحصة فلا شهادة لهم ولا يلزم المطلوب بشيء، حتى قال ذلك مالكٌ فرجعنا إلى قوله واستمرت الأحكام به. انتهى. وفيه ليس من تمام صحة الدعوى أن يذكر السبب، يؤخذ ذلك من قول المص: ولمدعًى عليه السؤال عن السبب.
وإلا، بأن لم يدع معلوما بل ادعى مجهولا كشيء أو ادعى مظنونا لم تسمع دعواه، فلا يلزم المدعى عليه جوابه، ومثل لأحد الأمرين بقوله: كأظن، يعني أنه إذا قال المدعي: أظن أن لي عنده كذا، أو في ظني وأحرى أشك، فإن هذه الدعوى لا تسمع. وقوله: بمعلوم محقق، قال الحطاب: نحوه لابن الحاجب، فأورد عليه ابن عرفة توجيه يمين التهمة على القول بها. فتأمله. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: كأظن إلا أن يقوى الظن كما يأتي في قوله "واعتمد البات على ظن قوي" ونحوه للخرشي والشبراخيتي. قال بناني: هذا القيد غير صحيح. ثم قال:
стр. 7949
والحاصل أن ما هنا في الدعوى المصرح فيها بما يفيد عدم التحقيق، وما يأتي في الدعوى الجازمة، لكن اعتمد فيه على الظن في ذهنه. انتهى. وهو تحقيق عجيب. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ومحل قوله: محقق، حيث لم تكن دعوى اتهام، فلا يخالف ما يأتي في باب الشهادة في قوله: واستحق به بيمين إن حقق. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: حيث لم تكن دعوى اتهام، ظاهره أنه لا منافاة بين ما هنا وبين ما يأتي وليس كذلك، بل قوله هنا: وإلا لم تسمع، إنما ينبني على عدم توجه يمين التهمة، وقد أورد ابن عرفة على قول ابن الحاجب بمعلوم محقق توجه يمين التهمة على القول بها، وعلى توجهها جرى المص في مفهوم إن حقق من قوله: فإن نكل في مال وحقه استحق به بيمين إن حقق. قال الحطاب هناك في مفهوم إن حقق ما نصه: فإن كان يمين تهمة فإن الحق يثبت بمجرد النكول على المشهور صرح به ابن رشد. انتهى من التوضيح. انتهى. وقد علمت به أن ما عليه المص هنا خلاف المشهور. انتهى. وفي التبصرة في الباب الثامن والعشرين من القسم الثاني في القضاء بالاتهام وأيمان التهم: أبو الحسن الصغير: المشهور أن اليمين تجب بمجرد الاتهام وإن لم يحقق الدعوى، والظاهر أنه يريد بعد إثبات أن المدعى عليه ممن تلحقه التهمة فيما ادعِيَ عليه. انظر الحطاب. ولا بد للمدعي من بيان السبب، ولهذا قال:
وكفاه بعت وتزوجت، يعني أنه لا بد للمدعي من ذكر سبب ما ادعى، ويكفيه أن يقول: لي عليه مائة من سلف أو بيع أو نكاح. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: والمدعي لا بد له من ذكره سبب ما ادعى به، وكفاه بعت وتزوجت ولي عنده ثمنه وعند الزوج الصداق من غير احتياج لذكر أركان كل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وكفاه في بيان السبب بعت وتزوجت، أي أن المدعي إذا قال: [لي عنده] (١)، دينار مثلا من بيع أو زوجته ابنتي بكذا فإن القاضي يأمر المدعى عليه بالجواب، لأن المدعي إذا أبهم ولم يذكر السبب احتمل أن يكون من وجه لا يوجب شيئا لو
стр. 7950
فسرد. انتهى. وقال التتائي: ومثل بمثالين لمخالفة الشافعي في الثاني، فلا بد أن يقول: عنده بصداق وولي وشاهدين [ويلزم] (١) انتفاء الموانع. وقوله: وكفاه بعت مرتب، على قوله: وأقرع. (٢) وحمل على الصحيح، يعني أنه إذا قال المدعي: بعت أو تزوجت، فإن ذلك يكفيه ولا يحتاج لذكره الأركان، فيحمل العقد على الصحة، لأن الأصل في عقود المسليمن الصحة. وإلا، يذكر المدعي السبب المستلزم له ما ذكر. فليسأله الحاكم عن السبب، أي وإن لم يذكر المدعي سبب ما ادعى به فإن الحاكم يجب عليه أن يسأله عن السبب. قال ابن حارث: يجب على القاضي أن يقول للطالب من أين وجب لك ما ادعيت؟ ومن أي شيء وجب؟ فإن لم يقل ذلك صار كالخابط عشواء، إذ لا يومن أن يكون الحق إنما يدعيه مدعيه من وجه لا يوجب حقا إذا فسره. نقله المواق. قال الشبراخيتي هنا: ولا يعارض هما قوله فيما يأتي: ولمدعى عليه السؤال عن السبب، لأن هذا فيما إذا ترك المدعى عليه ذلك لجهل أو غفلة، وما يأتي فيما إذا انتبه لذلك، أو أنه مشى على قولين فتبع فيما هنا المتيطي، وفيما يأتي أشهب. انتهى. وقال عبد الباقي: فليسأله الحاكم وجوبا عن السبب، فإن غفل أو جهل بالسنة فلمدعى عليه السؤال عنه كما يأتي، فهو كالمفرع على ترك المدعي ذكرَه والحاكمِ السُّؤالَ عنه، وتقديم الشارح المدعى عليه في السؤال عن السبب على الحاكم رده التتائي، وأيضا ظاهر المص أو صريحه خلافه هنا وفيما يأتي. انتهى. قال بناني: ما ذكره الش من تقديم سؤال المدعى عليه على القاضي مثله لولد ناظم التحفة عند قوله:
.......................... … تحقق الدعوى مع البيان
ونصه: وللمدعى عليه أن يسأل عن السبب فإن جهل أو غفل عنه فينبغي للقاضي أن يسأله حتى يبين له وجه ذلك. انتهى. ومثله عند ابن سلمون، وأما ما اقتضاه ظاهر المص فإنما احتجوا
стр. 7951
له بما نقله المتيطي وابن سهل وغيرهما عن ابن حارث من أنه يجب على القاضي أن يقول للمدعي: من أين وجب لك ما ادعيت؟ انتهى. وهذا لا يقتضي تقدمه على سؤال المدَّعَى عليه كما زعمه مصطفى تبعا لعلي الأجهوري. والله أعلم. ونص الشارح الذي ذكره الأشياخ أن المدعى عليه هو الذي يسأل المدعِيَ عن السبب. فقوله: وإلا يحتمل أن يريد وإن لم ينتبه المدعى عليه لذلك فإن الحاكم يقوم مقامه. انتهى.
تنبيه: قد مر عن الحطاب أنه قال: ليس من تمام صحة الدعوى أن يذكر السبب، يوخذ ذلك من قول المص بعد هذا ولمدعًى عليه السؤال عن السبب. قال بناني: قال مصطفى: وفيه نظر، بل صحتها تتوقف على ذلك، ففي المجموعة عن أشهب: إن أبي المدعي أن يذكر السبب ولم يدع نسيانه لم يسأل المطلوب عن شيء، ونحوه في كتاب ابن سحنون. قال الش: ووجهه أن السبب الذي يذكر المدعي قد يكون فاسدا فلا يترتب على المدعى عليه بسببه غرامة. انتهى. قلت: بل الظاهر ما للحطاب إذ لو كان ذكره من تمام صحة الدعوى ما قبل نسيانه ولبطلت الدعوى إذا لم يذكره ولم يسأل عنه، وليس كذلك فيهما، ولا دليل له في كلام المجموعة لاحتمال أنه لما قويت التهمة بامتناعه من ذكره بعد السؤال عنه لم يكلف المطلوب بالجواب. والله سبحانه أعلم. انتهى. وعطف على مدع قوله:
ثم بعد دعوى المدعي وبيان السبب يأمر القاضي مُدَّعًى عليه، يعني أنه إذا أمر القاضي المدعي بأن يبدأ بذكر دعواه وذكرها وذكر سببها فإنه يأمر المدعى عليه بجوابه، وعرف المدعى عليه بأنه هو من ترجح قوله بمعهود، أي بمصاحبة معهود، والمعهود شهادة العرف ونحوه، أو ترجح قوله بمصاحبة أصل، والأصل استصحاب الحال. قاله ابن عبد السلام. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال التتائي: ثم أمر القاضي مدعى عليه وعرفه بقوله، ترجح قوله بمعهود، كدعوى شخص على آخر وديعة أو عارية فيدعي ردها، فمدعي الرد هو المدعى عليه لا عهد في الشرع أن الراد لا يحتاج لإقامة بينة، أو من ترجح قوله بسبب أصل كمدعي رق شخص، فيجيب الآخر بالحرية، فالمدعى عليه هو مدعي الحرية لأنها الأصل في الناس، وإنما عرض لهم الرق بسبب السبي بشرط
стр. 7952
الكفر: والأصل عدم السبي ما لم يثبت عليه حوزُ الملك، فتكون الحرية حينئذ ناقلة عن الأصل. فلا تسمع إلا ببينة لكونه مدعيا. وبما قررت علم أن قوله:
بجوابه. متعلق بأمر، فهو ومدعى عليه معطوفان على معمولي عامل واحد، وهو أمر أي يأمر القاضي المدعى عليه بأن يجيب المدعي فيقر أو ينكر. قال التتائي: وظاهر كلام المص أن المدعى عليه يجيب ولو كانت الدعوى بجزء من مشترك وهو كذلك على تفصيل فيه. ابن عرفة: يجب جواب دعوى أحد الشركاء في حق بإرث أو غيره على غريم طلبه وإن لم يطلب باقيهم إن لم يقوموا لِطَلَبه معه، ولو حضر مع شركائه أو بعضهم بمخاصمته فللمدعى عليه ترك مخاصمتهم مفترقين حتى يقدموا لخصومته واحدا فقط، وقولُ ابن المناصف: إذا كان لجماعة حق واحد على رجل فإما وكلوا كلهم واحدًا على خصومته أو خاصموه مجتمعين، ولا يتعاورون عليه واحدا بعد واحد، إطلاقه وهمٌ، ولقولها في الولاء: لمن ورث حقا في دارٍ الخصومة فيه ولا يقضى له إلا بحظه، ولقول ابن رشد: لمن قام من أصحاب جنات لهم حق في ماءٍ الخصومة في حقه ويمكنه الحاكم من ذلك وإن لم تقم أصحابه معه. انتهى المراد منه. وفي الحطاب: من ادعى بحقوق وزعم أنه لا بينة له على بعضها وأراد استحلافه فيما لا بينة له فيه ويبقى على إقامة البينة فيما له بينة، فإنه إن التزم أنه إن لم تقم له بينة فيما زعم أن له فيه بينة لم تكن له يمين على المدعى عليه فإنه يحلفه الآن، فإن أقام البينة وإلا فلا يمين له عليه، وإن لم يلتزم ذلك لم يستعجل عليه بيمينه حتى يقيم البينة، فإن أقامها وإلا جمع دعاويه وحلف له على الجميع. انتهى.
فرع: إذا قلنا: إن الدعاوي تجمع في يمين واحدة فإن كان بعضها مما تغلظ فيه اليمين وبعضها لا تغلظ فيه اليمين، فإن من وجبت عليه اليمين يخير بين أن يحلف يمينا واحدة في المسجد، وبين أن يحلف على ما لا يغلظ فيه في غير المسجد، ثم يحلف أخرى في المسجد. قاله الحطاب. وفيه عن معين الحكام: يجوز للمحجور طلب حقوقه كلها عند قاض أو غيره، ولا يمنع من ذلك في حضور وصيه أو غيبته، قال ابن بكير: وله أن يوكل على ذلك، وخالفه غيره في ذلك. ابن رشد: للمحجور أن يطلب وصيه وغيره بما له قِبَلَه من حق ليظهره ويبينه، فإن ظهر من وصيه إنكار
стр. 7953
لحقه وجحد عزل عنه. انتهى. وفي معين الحكام: ولو طلب يتيم لا وصي له ولا مقدم حقا له فسأل المطلوب أن يقدم عليه لأجل الخصام فلا يمكن من ذلك، وإذا استحق اليتيم قدم القاضي من يقبضه له، ويجوز الاحتساب للأيتام إن لم يكن لهم ولي إلا أن يخاف ضعفه، ولابن عاصم رحمه الله تعالى:
تمييزُ حال المدعي والمدعى … عليه جملةَ القضاء جَمعا
فالمدعي من قوله مجرد … عن أصل او عرف بصدق يشهد
والمدعى عليه من قد عضدا … مقالَه عرفٌ أو اصل شهدا
عد في هذا النظم أركان القضاء ثلاثة، المدعي، والمدعى عليه، والمدعى فيه. يعني أن تمييز القاضي بين المدعي والمدعى عليه ينبني عليه جميع مسائل القضاء، وذلك أن الماهية إذا عرف أركانها على التفصيل فقد عرفت حقيقتها، والمدعي والمدعى عليه ركنان، فإذا ميز القاضي كلا منهما مع صرفته بالمدَّعَى فقد عرف من يطالب بالبينة وباليمين، والدعوى التي يطالب المدعى عليه بجوابها وغيرها إلى غير ذلك، قال سعيد بن المسيب ﵁: من عرف المدعي من المدعى عليه فقد عرف وجه القضاء، وقوله: تمييز حال لفظة حال مقحمة، فمراده تمييز المدعي والمدعى عليه، وتمييز مبتدأ وجملةَ مفعول جمع، والجملة خبر، وفاعل جمع ضمير التمييز، وقوله: عن أصل أو عرف أي تجرد عنهما معا فلم يوافقه واحد منهما، والمدعى عليه من عضد أي قَوَّى مقاله واحد منهما فأحدهما كاف، مثال شهادة الأصل أن يدعي دينا قبل رجل فأنكر إذ الأصل براءة الذمة، ومثال شهادة العرف اختلاف الزوجين في متاع البيت، فللمرأة ما يعرف للنساء، وله ما يعرف للرجال، فهو المدعي في الأولى وهي الدعية في الثانية، وكذلك من ادعى الأشبه في مسائل النزاع فهو مُدّعَى عليه، وعلى هذا فقس، فالمدعي كل من أراد أن يشغل ذمة بريئة أو يُبْرئَ ذمة مشغولة، أو ادعى غير العرف، والمدعى عليه عكسه ثم قال ﵀:
стр. 7954
وقِيلَ من يَقُولُ قَدْ كَان ادعى … ولم يكن ممن عليه يُدَّعَى
يعني أنه قيل في تعريف المدعي والمدعى عليه غير ما مر، فقيل: إن من أثبت من المتداعيين فقال كان كذا، فهو المدعي، وإن من أنكر ذلك ونفاه فقال: لم يكن، فهو المدعى عليه، وهذا التعريف جار في غالب الصور، فقد يكون المثبت مدعى عليه، والنافي مدعيا، كدعوى الزوجة الحاضرة مع زوجها أنه لم ينفق عليها، وادعى هو الإنفاق. ثم قال:
والمدعى فيه له شرطان … تحقق الدعوى مع البيان
هذا هو الركن الثالث من أركان القضاء، يعني أن المدعى فيه أي الشيء المتنازع فيه يشترط فيه تحقق الدعوى، وهو شامل لتحقق عمارة الذمة، كأن يقول: لي عليه مائة مثلا، واحترز بذلك عن أن يقول: أظن أن لي عليه كذا أو أشك فلا تقبل دعواه ولتحقق قدر الشيء المدعى، واحترز بذلك عن أن يقول: لي عليه شيء، أو أتحقق عمارة ذمةِ فلان بشيء أجهل مبلغه ونحو ذلك، ويشترط فيه أيضا بيان السبب الذي ترتب له به الحق قِبَلَ خصمه كبعت أو أسلفت لاحتمال أن يكون ذلك ترتب من قمار أو نحو ذلك مما لا عبرة به شرعا، ومسألة ما إذا لم يتحقق الدعوى كأظن أو أحسب أن لي عليه كذا هي مسألة يمين التهمة، وفي توجهها على كل أحد، وعدم توجهها، ثالثها: على المتهم دون غيره، رابعها: إن قويت التهمة، أقوال. ولم يبين المشهور منها، والمشهور أن اليمين تجب في دعوى التهمة ولا تنقلب، ولكن إذا كان المدعى عليه تليق به التهمة. قاله الشيخ أبو علي في حاشيته على ميارة. ابن عاصم: وإذا لم تسمع الدعوى إذا اختل أحد الوصفين إما التحقق على قول من لا يوجب يمين التهمة أو علم المدَّعَى فيه، فأحرى أن لا تسمع إذا اختلَّا معا، كقوله: أظن أن لي عليه شيئا، وقوله: تحقق لخ، يحتمل أن يريد بالتحقق الجزم بعمارة الذمة، وبالبيان معرفة المدعى فيه وبيان السبب. ثم قال:
والمدعى مطالب بالبينه … وحالة العموم فيه بينه
стр. 7955
والمدعى عليه باليمين … في عجز مدع عن التبيين
قال الشيخ ميارة: الأصل فيما ذكر قوله ﵊: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (١). قال الشيخ أبو علي: هذا الكلام ذكر ابن رشد وغيره من الفقهاء أنه حديث، ورد ذلك ابن سهل في أحكامه، وأطال في ذلك قائلا: إنما في الحديث (شاهداك أو يمينه) (٢). انتهى. وقوله: وحالة العموم فيه بينه، يعني أنه مطالب بالبينة كان صالحا أو فاسقا، وقوله: والمدعى عليه لخ، يعني أن المدعى عليه إنما يطلب باليمين في حال عجز المدعي عن إقامة البينة على دعواه، وأما إن أقامها فإن الحق يثبت ولا يمين على المدعى عليه، كما لو أقر، وظاهر كلام الناظم توجه اليمين على المنكر وإن لم تثبت، الخلطة، وقوله: والحكم في المشهور سيأتي إن شاء الله عند قول المص: وهل يداعَى حيث المدعى عليه ثم قال:
وقدم السابق للخصام … والمدَّعِي للبدء بالكلام
هو قول المص: ثم السابق، وقوله: المدعي لخ، هو قول المص: وأمر مدع لخ، ثم قال:
وحيث خصم حال خصم يدعي … فاصرف ومن يسبق فذاك المدعي
وعند جهل سابق أو مُدَّعِ … من لج إذ ذاك لقرعة دعي
يعني أنه إذا جهل المدعي بحيث ادعى كل منهما أنه هو المدعي، أو أنه هو المدعى عليه، فإن القاضي يأمرهما بالانصراف عن مجلسه ومحل حكمه، ثم إن سبق أحدهما بالرجوع فهو المدعي، ثم إن لم يعلم المدعي بما ذكر من صرفهما لجهله أو لكونهما رجعا إليه معًا بعد صرفهما فإنه
стр. 7956
يقرعُ بينهما، وكذا لو لم يعلم السابق من الخصوم، فقوله: من لج أي خاصم وادعى أنه المدعي، أو لج الخصم في الخصومة وادعى أنه الأول.
قال مقيده عفا الله عنه: ومعنى قوله: أو مدع، أنه جهل المدعي منهما لكونهما رجعا إليه معا أو رجعا إليه مترتبين وجهل سابق، كما أشير إليه في الحل، وقوله: جهل سابق، راجع لقوله: وقدم السابق، كما في شرح ميارة. والله سبحانه أعلم.
إن خالطه بدين، ظاهره أنه شرط في الأمر بالجواب وليس كذلك، بل هو شرط في مقدر، أي يأمر القاضي المدعى عليه بأن يجيب المدعِيَ، فإن أنكر ولم تقم للمدعي بينة توجهت اليمين على المدعى عليه بطلبها المدعي بشرط أن يثبت المدعي أنه خالط المدعى عليه بدين، ولهذا قال البناني: صواب هذا أن يكون مؤخرا عن قوله: فإن نفاها واستحلفه، ولعل تقديمه من مخرج المبيضة. انتهى. وقال عبد الباقي شارحا للمص: والمدعي إن لم يقم بينة بعين ما ادعى وطلب يمين المدعى عليه، فإنما يحلف إن أثبت المدعي أنه خالطه بدين مرتب على ثمن مبيع لأجل أو حال أو قرض ولو مرة واحدة، أي تشهد بينة أن بينهما خلطة بكذا ولا يعرفون بقاءه ولا قدره، ولذا لم تكن الشهادة بالخلطة شهادة بأصل الحق. أو تكرر بيع بالنقد الحال.
وإن بشهادة امرأة على الخلطة، لأن القصد بالخلطة اللطخ وهو يثبت بشهادة الواحد ولو أنثى. انتهى. وقال بناني: ليس في المذهب مسألة يحكم فيها بشهادة امرأة واحدة إلا هذه. قاله المسناوي. ثم قال عبد الباقي: ولا تثبت الخلطة ببينة جرحت، أي جرحها المدعى عليه بعداوة ونحوها تشهد للمدعي بالحق الذي ادعى به، فليس للمدعي أن يكتفي بها عن بينة الخلطة، ولا تتنزل تلك البينة المجرحة منزلة المرأة، وبما قررنا علم أن قوله: إن خالطه لخ، شرط في مقدر يفهم من الكلام، وهو إنما يحلف لا في جواب المدعى عليه، وإن كان ظاهر المصنف لأنه لم يقله أحد، بل يأمره به وإن لم تكن بينهما خلطة، وما ذكر من أن الخلطة شرط في توجه اليمين هو المشهور، ونحوه في الرسالة، وعليه ملك وعامة أصحابه، ولابن نافع: لا تشترط، وعليه عمل قضاة مصر والشام وتونس، وكان الأولى أن يؤخر قوله: إن خالطه لخ، عن قوله: فإن نفاها
стр. 7957
واستحلفه لخ، لأنه مفرع عليه كما علم مما قررنا. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. وعلم مما قررت أن المراد بقوله: بتكرر بيع بالحال، وليس المراد به المقبوض. ابن القاسم: الخلطة أن يبايع إنسان إنسانا بالدين مرة أو بالنقد مرارا.
تنبيه: قال المواق: قال ابن القاسم: إذا قال: قد كنت أعامل فلانا بما ادعى علي فأعطوه، قال: يصدق في معاملة مثله وأراه ذكره عن ملك، قال ابن القاسم: ويكون من رأس المال، وإن ادعى ما لا يشبه بطلت دعواه. انتهى. قاله عقب أن نَقَل عن ابن سلمون إذا لم تتم معاملة بين المتعاملين ومات أحدهما أو غاب فادعى أحدهما أنه بقي قبله من سبب تعاملهما وأشبه ما ادعاه فرأى المتأخرون أنه يثبت ذلك ويحلف على ما يدعيه ويحكم له به. انتهى. وقوله: لا ببينة جرحت، قال التتائي: جرحت في هذه الشهادة أو غيرها. المتيطي: إن جاء الطالب ببينة بالدين فسقطت بوجه مما تسقط به الشهادة أو جرحها المطلوب فليس ذلك بخلطة توجب اليمين عند ملك وابن القاسم وسحنون، وكذلك إن ترافعا قبل ذلك إلى الحاكم في حق آخر فقضى بينهما فليس ذلك بخلطة. نتهى.
تنبيه: قد مر عن عبد الباقي في قول المص: بدين، أن معناه بدين على المدعى عليه ولم يثبت لعدم ضبط البينة لقدره وبقائه. وفي الحطاب: قال في التوضيح: وفي سماع يحيى عن ابن القاسم من كتاب الشهادات فيمن يأتي بذكر حق كتبه على نفسه لرجل غائب فيشهد بما فيه: لا أرى أن يكتب فيه، لأني أخاف أن يكتب على نفسه للغائب ليستوجب بذلك مخالطته فيحلفه إن ادعى عليه، بعض الشيوخ: فظاهره أن المرة الواحدة مخالطة، ونقل عن أبي محمد صالح فيمن أتاه بكتاب فيه دين فقال له: اشهد عليَّ بما فيه أن لا يشهد إلا بحضور من له الدين خوفا من هذا، قال الشيخ: وذكر ابن رشد في سماع يحيى: أن الموثق إذا أراد أن يتحرز من هذا يكتب: أقر فلان لفلان بدين من غير محضر المقر له، قال الشيخ وهذا أبين مما قاله أبو محمد صالح، فيكتب إقرارد بما ذكر، ثم لا يحكم له بذلك حتى يقدَم. انتهى. انظر هذا فإنه كالصريح في أنه يكفي في ثبوت الخلطة كون الدين على المدعي. والله سبحانه أعلم. فَتَحَصل من هذا أنه تَثبت
стр. 7958
الخلطة بالدين كان على المدعي أو المدعى عليه، واستثنى المص من اشتراط الخلطة في توجه اليمين ثماني مسائل تتوجه فيها اليمين بدون خلطة، فقال: إلا الصانع، يعني أن الصانع إذا ادُّعِيَ عليه بما فيه صنعة فإنه يحلف وإن لم تثبت خلطة لأن نصب نفسه في معنى الخلطة. قال التتائي: ويندرج في الصانع التاجر. قال في اختصار المتيطية: إذا ادعي عليه بما يستطيع أي مما يتعلق به. انتهى. وقال عبد الباقي: قال أحمد: مثل الصانع التاجرُ إذا ادعى عليه بشيء. قال المص: وهذا إذا ادعى عليه غريب أو بلدي وكان قد نصب نفسه للبيع والشراء، وأما دعوى أهل السوق بعضهم على بعض، فقال ابن المغيرة وسحنون: لا يكون خلطة حتى يقع المبيع بينهما، سحنون: وكذا القوم يجتمعون بالمسجد للصلاة والدرس والحرث فلا تثبت خلطة بذلك. انتهى. والمتهَم، يعني أن المتهم عند الناس بغصب أو سرقة أو عداء إذا ادعي عليه بسرقة ونحوها فإنه يحلف بدون ثبوت خلطة، وأما المجهول حَاله ففيه قولان ذكرهما المص في باب الغصب.
والضيف قال عبد الباقي، أي الغريب ضاف أم لا، يحتمل مدع أو مدعى عليه فيحلف المدعى عليه بدون ثبوت خلطة. وقال التتائي: الضيف يدعى عليه. قاله بعض الأشياخ. وقال بناني: في قول عبد الباقي: مدع أو مدعى عليه، الصواب قصره على المدعي كما تقدم في كلام ابن مرزوق، وهو المنصوص عند ابن رشد وغيره، وكلام ابن مرزوق الذي أشار إليه هو قوله عند قول المصنف: والضيف: لم أر من ذكر هذا الفرع على الوجه الذي يظهر من المص، وإنما تكلموا على الغريب إذا أودع وديعة عند رجل من أهل البلد فأنكره فتتوجه له اليمين عليه. انتهى. وقال الحطاب: ومن المواضع التي لا تحتاج إلى إثبات الخلطة لو لقي رجل رجلا فادعى عليه بقية كرائه حلف المدعى عليه أنه ما اكترى منه شيئا، وكذلك إن كان المدعى عليه هو صاحب الدابة حلف إن كان منكرا انتهى وقال الشبراخيتي: والضيف المراد به الغريب ضاف أم لا، أي أن الغريب إذا نزل بمدينة وادعى على رجل منها أنه استودعه مالا، كما قال ابن غازي تبعا للمواق: فالضيف مدع كما هو المنقول، ويتبادر من لفظ المص غير هذا، وهو أنه إن ادعى على
стр. 7959
ضيف أنه أسلفه أو اختلس له شيئا، لكنه خلاف المنقول، وأيضا قوله: والمتهم، يغني عنه لأنه أعم من الضيف، وذكر الحطاب أن دعوى الكراء تتوجه فيها اليمين من غير خلطة. انتهى.
وفي معين، يعني أنه إذا ادعى في شيء معين كثوب بيد إنسان يدعيه غيره فإن المدعى عليه تتوجه عليه اليمين من دون ثبوت خلطة، والمراد بالمعين الذي لم تهلك ذاته لا الحاضر الشاهد، وفي معين يتعلق بالدعوى، وفي المواق: ونقل ابن يونس عن ابن مناس وغيره: إنما تراعى الخلطة فيما يتعلق بالذمم من الحقوق والأشياء المستهلكة: فأما الأشياء المعينة يقع التداعي فيها فاليمين في ذلك واجبة من غير خلطة، وعلى هذا جرت مسائل المدونة أنه لم يراع في الأشياء المعينة خلطة، من ذلك إذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع تحالفا، وإذا ادعى السارق شراء السرقة حلف له ربه، وإذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها حلف ربها، ولم يشترط في ذلك خلطة، وقال بعض شيوخنا: لا تجب اليمين إلا بالخلطة في الأشياء المعينة وغيرها إلا في مثل أن يعرض الرجل سلعته في السوق للبيع فيأتي رجل فيقول: قد بعتها مني، فمثل هذا تجب له اليمين بلا خلطة، لأنه عرضها لما ادعي عليه فصار ذلك تهمة توجب عليه اليمين. انتهى المراد منه. وقوله: وفي معين، هذا فيما يُدَّعَى فيه معرفة ذلك وإلا فلا يمين على المدعى عليه. قال الإمام الحطاب: قال ابن فرحون في تبصرته: فصل في تصحيح الدعوى، والمدعى به أنواع، فإن كانت الدعوى في شيء من الأعيان وهو بيد المدعى عليه فتصحيح الدعوى أن يبين ما يدعي، ويذكر أنه في يد المطلوب بطريق الغصب، أو العداء، أو الوديعة، أو العارية، أو الرهن، أو الإجارة، أو المساقاة، أو غير ذلك. انتهى. وقوله: أو غير ذلك، يدخل فيه أن يقول: ضاع مني، أو سرق مني، ولا أدري بما وصل إلى هذا الذي هو في يديه، وهذا مستفاد من نصوص أهل المذهب قال اللخمي في كتاب الشهادات: وإن ادعى عبدا بيد رجل، وقال: أبق مني، فإن كانا من بلد واحد كلف أن يأتي بلطخ أنه ملكه لأن ملك ذلك لا يخفى على جيرانه وأهل سوقه، وإن كان أحدهما طارئا لم يحلف أحدهما للآخر، لأنه إن ادعى الطارئ على المقيم، قال المدعى عليه: أنت لا تدعي عليّ معرفة ذلك لأني لست من بلدك ويجوز أن يكون صادقا في ذلك، وكذلك إذا ادعى المقيم عبدا أتى به الطارئ لم يحلف لأنه لا كلام عنده هل هو ملكه أم لا؟ فإن
стр. 7960
أقام شاهدا أنه عبده حلف معه، وإن نكل لم ترد اليمين لأن الآخر لا كلام عنده، فلا يحلف على تكذيب الشاهد. انتهى. وانظر بقية كلامه وكلام المدونة وشروحها، وانظر ابن فرحون في فصل توقيف الشيء المدعى فيه، فإن كلامه أصرح من هذا. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وكلام التبصرة الذي أشار إليه هو قولها: قال ملك وابن القاسم وأصحاب ملك (١) والتنبيه لابن أصبغ: ومن اعترف عبدا أو دابة أو غيرهما من الحيوان بيد رجل وأراد توقيفه للطخة أو ليأتي على ذلك ببينة نظر، فإن كان في ذلك بعد فليس له ذلك، وإن كان ما ادعى من البينة بموضعه ذلك وَكَّل القاضي بالعبد ووقفه فيما قرب من يوم ونحوه، فإن لم يأت بمن يشهد له فلا شيء له، ثم لا يكون له يمين على المدعى عليه في إنكاره دعواه لأنه يقول: لا علم عندي بما تقول، فإن ظن به علم ذلك حلف، وأما إن أتى القائم بشهادة شاهد عدل أنه عبده حلف معه واستحق، فإن نكل لم ترد اليمين على المدعى عليه لأنه يقول: لا علم عندي، فإن ظن به علم ذلك حلف. انتهى المراد منه. والله سبحانه أعلم.
والوديعة على أهلها، يعني أنه إذا ادعى شخص على آخر أنه أودعه وديعة والمدعى عليه يودع عنده مثلها فإن المدعى عليه يحلف من غير ثبوت خلطة. قال الشبراخيتي: قال في توضيحه: وقيد ذلك اللخمي بثلاثة قيود أن يكون المدعي يملك مثل ذلك في جنسه وقدره وكون الودع ممن يودع عنده مثل ذلك وحصول أمر يوجب الإيداع، وكلامه هنا يشمل هذه القيود، وزاد في التوضيح عن أصبغ كون المودِع غريبا ولم يذكره هنا. انتهى. وقال بناني: ذكر ابن عاشر أن هذا مشكل لأن الوديعة لا يحلف فيها إلا المتهم وأهل الوديعة ليسوا بمتهمين. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: انظر هذا الكلام فإن الذي يظهر أنه غير صحيح، ومن أين له أنه لا يحلف من أنكر أنه أودِعَ عنده وديعةٌ إلا أن يكون متهما، ولا حجة له في قول المصنف: وحلف المتهم لأن ذلك فيمن ثبت أنه أودع. والله سبحانه أعلم.
стр. 7961
والمسافر على رفقته، يعني أن المسافر إذا ادعى على رفقته أو بعضهم أنه أودعه أو أودعهم أو دفع لهم مالا أو أنهم أتلفوا له أو بعضهم مالا في السفر فإن المدعى عليه يحلف بدون ثبوت خلطة لأنه قد يعرض له ما يوجب الإيداع، وقوله: المسافر، قال عبد الباقي: أي المريض كما في نص أصبغ، وقال الشبراخيتي: والمسافر أي بشرط كونه مريضا كما يفيده كلام المواق. ودعوى مريض: يعني أن المريض إذا ادعى على شخص بدين فإنه تتوجه اليمين على المدعى عليه من غير ثبوت خلطة، قال عبد الباقي: وإلا دعوى مريض في مرض مخوف على آخر بدين فيحلف بدونها، والفرق أن هذا مخوف ومرض المسافر وإن لم يكن مخوفا، ومثل المريض ورثته، وصرح بدعوى ليلا يتوهم أن المريض مدعى عليه. انتهى. وقال الخرشي: ودعوى مريض في مرض موته، وقال الشبراخيتي: ودعوى مريض مرضا مخوفا أن له على غيره كذا ومثله ورثة الميت. وقال المواق: والرجل يقول عند موته: إن لي عند فلان دينا يحلف المدعى عليه بدون ثبوت خلطة. أو بائع على حاضر المزايدة، يعني أن البائع إذا كان يبيع سلعة بيع مزايدة فادعى على من حضر المزايدة أنه اشتراها بكذا وأنكر الرجل الشراء فإن المدعى عليه يحلف أنه لم يشترها، وكذا لو ادعى الرجل على البائع أنه ابتاعها منه بكذا وأنكر البائع البيع فإن البائع يحلف، وبيع المزايدة هو تعريض السلعة في السوق لمن يزيد، قال بناني: المفهوم من كلام المص أنه في غير المزايدة لا يمين على المنكر إلا بعد ثبوت الخلطة، والحاصل أن القول للمنكر مطلقا مع يمينه، لكن في المزايدة لا تتوقف اليمين على الخلطة وفي غيرها تتوقف عليها، هذا معنى كلام المص، وكلام عبد الباقي غير صحيح. انتهى. فإن أقر فله الإشهاد عليه، يعني أن القاضي يأمر المدعى عليه بجواب المدعي كما مر، فإن أجابه بالإقرار بالحق فللمدعي أن يشهد على ما أقر به المدعى عليه خيفة أن ينكر إقراره.
وللحاكم تنبيهه عليه، أي فإن لم يتنبه المدعي للإشهاد على إقرار المدعى عليه فإن للحاكم أن ينبه المدعي على الإشهاد، وليس من تلقين الخصم الحجة، بل لما فيه من تقليل الخصام وقطع النزاع وتحصيل الحق، وقوله: وللحاكم تنبيهه عليه، قال الخرشي: حيث غفل الشهود الحاضرون أيضا عن الشهادة على الإقرار، قال عبد الباقي: وظاهر المص أن الحاكم مخير في
стр. 7962
ذلك، ومقتضى النوادر طلبه به، قال أصبغ: إذا أقر أحدهما بما فيه للآخر نفع فلا بأس أن ينبهه القاضي بقوله: هذا لك فيه نفع، هات قرطاسك أكتب لك فيه، ولا ينبغي له ترك ذلك، وعلم من هذا أن تلقين القاضي للخصم إنما يمتنع في الفجور كما مر عن ابن عاصم حيث قال: وخصم إن يعجز، البيت. وعبارة ميارة: فإن للقاضي أن يلقنه، قال أبو علي: هذا ظاهر كلام غير واحد، ويحتمل أن يكون هذا ونحوه واجبا، وقال سحنون: لا ينبغي أن يشد عضد أحدهما ولا يلقنه حجة، وقال الحطاب: قوله: وللحاكم تنبيهه عليه، نحو عبارة ابن الحاجب، قال في التوضيح: ظاهر عبارته التخيير، وفي النوادر عن ابن عبد الحكم وإذا أقر المطلوب بشيء أمره أن يشهد عليه ليلا ينكر. انتهى. وفي التبصرة: من الأمور التي تنبغي للحكام مع الخصوم أنه لا بأس أن يلقن أحدهما حجة عجز عنها، وإنما كره أن يلقنه حجة الفجور.
وإن أنكر قال ألك بينة؟ هذا قسيم قوله: فإن أقر لخ، يعني أنه إذا أجاب المدعى عليه بالإنكار فإن القاضي يقول للمدعي ألك بينة؟ فإن قال: نعم، أمره بإحضارها وسمعها، ويعذر للمدعَى عليه فيها، كما يأتي إن شاء الله في قوله: وأعذر بأَبَقِيَتْ لخ، فإن لم يأت بمدفع حكم عليه، وإن ادعى مدفعا أمهله لإتيانه به، فإن لم يأت به قضى عليه. قاله التتائي. وقال الحطاب: وإن أنكر قال: ألك بينة؟ ظاهر هذا أن القاضي لا يسمع من بينة المدعي حتى يسأل المدعى عليه، ولا شك أن هذا هو الأكمل، فإن سمع البينة قبل ذلك لم يكن خطأ. قال في المتيطية: واستحسن أهل العلم ألَّا يسمع القاضي من البينة إلا بعد ثبوت المقالة، وعلى ذلك بنيت الأحكام، ومن حجتهم في ذلك أنه قد يمكن أن يقر المدعى عليه بدعوى المدعي فيستغني عن الإثبات، ولكنه إن سمع البينة قبل انعقاد المقالة لم يكن من الخطإ الذي يوجب نقض الحكم. انتهى. وفيه: لا بأس للقاضي أن يسمع البينة قبل الخصومة على مذهب ابن القاسم خلافا لعبد الملك، قال في المدونة: وإن أقام رجل البينة أن المفقود وَصَّى له بشيء أو أسند إليه الوصية سمعت بينته، فإذا قضي بموته بحقيقة أو بتعمير جعلتُ الموصي وصيا وأعطيت الموصى (١) وصيته إن كان حيا وحملها
стр. 7963
الثلث، ولا أعيد البينة، وكذلك إن (١) قامت امرأة أنه زَوْجُها قضيت لها كقضيتي على الغائب، وقال ابن الماجشون: العمل عندنا أن يسمع القاضي من بينة الخصم ويوقع شهادتهم حضر الخصم أو لم يحضر، فإذا حضر الخصم قرأ عليه الشهادة وفيها أسماء الشهود وأنسابهم ومساكنهم، فإن كان عنده في شهادتهم مدفع أو في عدالتهم مجرح كلفه إثباته وإلا لزمه القضاء، وإن سأله أن يعيد عليه البينة حتى يشهدوا بمحضرهم فليس له ذلك، وقال بعض العراقيين: لا يكون إيقاع الشهود إلا بمحضر الخصم المشهود عليه، قال ابن حبيب: وقال لي مطرف وأصبغ: مثله، وقال فضل وسحنون: مثله، إلا أن يكون الخصم غائبا غيبة بعيدة. انتهى. وقال الخرشي: وللقاضي أن يسمع البينة قبل الخصومة على مذهب ابن القاسم خلافا لعبد الملك، فإذا حضر الخصم قرأ عليه الشهادة وفيها أسماء الشهود وأنسابهم ومساكنهم، فإن كان عنده في شهادتهم مدفع أو في عدالتهم مجرح كلفه إثباته وإلا لزمه القضاء، وإن سأله أن يعيد عليه البينة حتى يشهدوا بمحضره فليس له ذلك. انتهى. وقوله: قال: ألك بينة؟ لقوله ﷺ : (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٢)، حديث صحيح. وفي رد أبي علي له تبعا لابن سهل قائلا إنما الحديث (شاهداك أو يمينه) (٣) نظر واضح، فلا تغتر بكلامهما. انظر الرهوني.
فإن نفاها، أي فإن نفى المدعي البينة بأن قال: لا بينة لي واستحلفه، أي طلب المدعي حَلِفَ المدعى عليه وَحَلَّفَه. فلا بينة للمدعي بعد ذلك تقبل، بل تتنزل منزلة العدم، هذا هو الأشهر، وروى ابن نافع عن ملك تسمع وله القيام بها، وقد قاله أشهب، وأفهم كلامه أن القاضي لا يحلف المدعى عليه إلا بطلب المدعي لليمين. المازري: الأصل أن القاضي لا يستحلفه إلا بإذن المدعي إلا أن تدل قرينة الحال أنه أراد من القاضي ذلك، وذكر عن بعض القضاة أنه حلف رجلا في ثلاثين دينارا، فقال الطالب: لم آذن في هذه اليمين، ولم أرض بها، فلا بد أن تعاد، فدفع
стр. 7964
القاضي ذلك من ماله كراهية أن يعيد يمينا قضى عليه بها. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: أشعر إتيانه بالسين أنه لو حلفه القاضي بغير طلب خصمه لم تفده يمينه، ولخصمه أن يعيدها عليه ثانيا، ونحوه لابن غازي، وفي المواق عن المتيطي: أنه إذا نفاها وطلب المطلوب تعجيزه وحَلِفَه له ليرفع عنه الطلب كان له ذلك على مذهب ابن القاسم. انتهى. وقال الشبراخيتي: واستحلفه أي المدعي أي طلب يمينه لأنه حقه وحلفه القاضي فلا بد من وجود الأمرين، فإن انتفى أحدهما فله إقامة البينة بدون الشرط الآتي، وإنما عبَّر المص بذلك ليبين أن القاضي لا يحلفه من تلقاء نفسه بل حتى يطلبه المدعي، والظاهر أن استحلف بمعنى فعل المضاعف. انتهى. وقال الحطاب: قوله: واستحلفه يشير إلى أن القاضي لا يستحلف الخصم حتى يطلب ذلك خصمه. قال ابن فرحون في سيرته مع الخصوم: إن القاضي لا يستحلف المدعى عليه إذا أنكر إلا بإذن المدعي إلا أن يكون شاهد ما يدل على أنه أراد ذلك من القاضي، وإذا استحلفه فلا بد من حضور المحلوف له أو وكيله، فإن تغيب وثبت تغيبه عند القاضي أقام القاضي من يقتضيها. انتهى.
تنبيه: أنكر الرهوني قول غير واحد: إن المراد حلفه بالفعل، فقال: يسقط حق المدعي بمجرد طلب الحلف، واستدل على ذلك بما نص عليه غير واحد من أن المدعي إذا قال للمدعى عليه: احلف وأنت بَرِئٌ، فإنه يبرئ المطلوب ولو رجع المدعي عن ذلك، وفيه عنهم بحث، لأنه علق الإبراء على الحلف فليس له الرجوع بعد ذلك. والله تعالى أعلم. وقال البرزلي: من وجبت له يمين على رجل فتغيب عن قبضها فالقاضي يوكل من يتقاضى عنه اليمين إذا ثبت مغيب من وجبت له اليمين. انتهى. وقال البرزلي: وإذا حلف الخصم دون حضور خصمه لم تجزه اليمين، وكذلك إذا بادر باليمين دون حضور خصمه قبل أن يسأله ذلك، فإن لم يرض بها لم تجزه، (١) وعكس هذا أن يطلب الطالب اليمين من المطلوب بغير محضر الحاكم وأمره فيحلف له فإن ذلك يكفيه.
стр. 7965
مسألة: وإذا وجبت يمين على رجل فأراد الطالب تأخيرها وأراد المطلوب تعجيلها أو بالعكس، فتعجيلها واجب لمن طلب ذلك منهما ولا توخر.
فرع: فإذا كانت الدعوى على امرأة وطلب الخصم أن تحلف بمحضره، فقال البرزلي في كتاب الشهادات: عبد الوهاب: إذا كانت المرأة من أهل الشرف والقدر جاز للحاكم أن يبعث إليها من يحلفها لأنها صيانة، ولا مقال للخصم لأن من له إحلافها ليس له ابتذالها. انتهى. قال البرزلي: يؤخذ من هذه أن الطالب لليمين لا يحضر معها، وبعث القاضي يكفي، ونزلت وحكم بأنه يقف بحيث يسمع يمينها ولا يرى شخصها لأنه قابض لليمين. نقله الحطاب.
إلا لعذر، يعني أنه إذا نفى البينة واستحلف المدعى عليه فإنه لا تسمع بينته إلا لعذر في عدم قيامه بها، ومثَّل للعذر بقوله: كنسيان لها، وأدخلت الكاف ما يشبه النسيان كعدم تقدم علم بها ثم تذكرها، أو أعلم بها، أو ظن موت الشهود، أو أنهم لا يشهدون، وبعد الغيبة بيمين في الجميع، وقال عبد الباقي: قال الحطاب فإن شرط المدعى عليه على المدعي عدم قيامه ببينة يدعي نسيانها وما أشبهها عمل بشرطه، وقوله: إلا لعذر كنسيان، قال الرماصي: أي فله القيام بالبينة لا بالشاهد الواحد. ابن عرفة: لو وجد شاهدًا واحدًا، فقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ لا يحلف معه ولا يقضى إلا بشاهدين. انتهى. وقال ابن ناجي عند قول المدونة: ثم وجد الطالب بينة، ظاهره وإن كانت واحدا ويحلف معه، وهو كذلك عند ابن القاسم وغيره. الرهوني: ما رجحه الرماصي هو الراجح، وبه جزم أبو علي، وكلام المازري يفيد أنه الراجح لأنه صدر به، وعزاه لجماعة من أصحاب الإمام، ورجحه أيضا صاحب المعين مقتصرا عليه كأنه المذهب، وحكى المازري القول الآخر بقيل، وليس ظاهر المدونة لأن البينة إنما تصرف للشاهدين ونحوهما إذا أطلقت. والله تعالى أعلم.
أو وجد ثانيا، قال الشيخ الخرشي: هو في حيز الاستثناء فيفيد أن وجود الشاهد الثاني بعد ما استحلفه وحلف، ومن قوله: وجد ثانيا، يستفاد أن الحلف لرد شهادة الأول، وحينئذ فصورة المسألة أنه أقام شاهدا عند من لا يرى الشاهد واليمين مطلقا أو في دعوى لا تثبت إلا بعدلين وحلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد، ثم وجد ثانيا آخر فله أن يقيمه ويضمه للأول ويعمل
стр. 7966
بشهادتهما، وظاهره ولو حكم الحاكم برد شهادة الأول لانفراده. انتهى. وقال عبد الباقي: وذكر ما هو في حيز الاستثناء بقوله: أو أقام شاهدا عند من لا يرى الشاهد واليمين مطلقا، أو في دعوى لا تثبت إلا بعدلين، وحلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد، ثم وجد المدعي شاهدا ثانيا كان نسيه وحلف على ذلك وكان بعيد الغيبة كما في البينة، فله أن يقيمه ويضمه للأول ويعمل بشهادتهما، وظاهره ولو حكم الحاكم برد شهادة الأول لانفراده، وفي كلام التتائي نظر، وإنما لم يكن استحلاف الحاكم مبطلا للشهادة لأنه لم يحكم بإبطاله، وإنما أعرض عنه ولم يعمل به كما في أحمد. انتهى. وسيأتي الكلام عند قوله: وإن حلف المطلوب ثم أتى بآخر لخ، على ما بين المسألتين، وقال بناني: تقرير الزرقاني هنا صواب، وأصله للشارح، وبه قرر الشيخ أحمد ومصطفى وغيرهما، وهو إشارة إلى قول المدونة وذكر كلامها، ثم قال: قال في التنبيهات: قيل: ظاهر الكتاب أنه يقضي له القاضي الأول وغيره، وفي كتاب محمد: إنما هذا للقاضي نفسه ولا يسمع منه غيره، ولسحنون خلاف هذا كله لا يسمع منه هو ولا غيره. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو وجد المدعي ثانيا معطوف على كنسيان، فهو في حيز الاستثناء، ثم ذكر ما مر من التقرير.
أو مع يمين لم يره الأول، قال عبد الباقي وغيره: وعطف على نسيان محذوفا مع حذف ثلاثة بعده، أي إلا لعذر كنسيان وكعدم قبول شهادة شاهد مع يمين لم يره الأول، وصورة المسألة على هذا أن من أقام شاهدا فيما يقضى فيه بالشاهد واليمين عند من لا يرى ذلك فلم يقبله، واستحلف المطلوب أي طلب يمينه وحلف، ثم أراد أن يقيم ذلك الشاهد عند الحاكم الذي لم يقبله، حيث تغير اجتهاده، أو عزل، أو مات، فأقامه عند غيره ممن يرى الشاهد واليمين ويحلف معه، فإن له ذلك، فليس في هذه ضم شاهد لآخر، بخلاف ما قبلها.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: يفرق بين هذا وقوله: ورفع الخلاف لا أحل حراما، بأنه هنا ذو عذر كما قال المص. والله تعالى أعلم.
стр. 7967
وله يمينه أنه لم يحلفه أولا، يعني أنه إذا ادعيَ على شخص بحق فقال المدعى عليه للمدعي: أنت حلفتني على ذلك قبل وكذبه المدعي فللمدعى عليه تحليف المدعي أنه ما حلفه قبل، فإن حلف فله أن يحلف المدعى عليه، وللمدعي أن يرد اليمين على المدعى عليه أنه قد استحلفه على هذه الدعوى، ثم لا يحلف مرة أخرى. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وله أي للمدعى عليه يمينه أي تحليف المدعي أنه لم يحلفه أولا أي قبل ذلك في هذا الحق المدعى به الآن، فإن نكل حلف المدعى عليه أنه قد حلفه وسقط الحق، وإن نكل لزمته اليمين المتوجهة أولا وله ردها على المدعي. انتهى. وإنما قال: أولا، لاعتبار طلبها ثانيا، وقوله: وله يمينه أنه لم يحلفه أولا فإن حلف المدعي كان الأمر على حاله من توجه اليمين الأولى على المدعى عليه. والله سبحانه أعلم. وقوله: وله يمينه، قال المازري: وبه القضاء والفتيا عندنا. انتهى. ومقابله عدم الحلف، وما عليه المصنف هو الراجح كما في الرهوني وغيره، قال الإمام المازري: وكذا للمدعى عليه تحليف المدعي إذا قال له: أنا أعلم بعلمك بفسق شهودك، فيحلف المدعي أنه ما علم بفسق شهوده. قال المواق: قال المازري: وكذلك اختلفوا في المدعي إذا طلب يمين المدعى عليه، فقال: قد كنت استحلفتني، فاحلف لي على ذلك، فمن ذهب إلى أنه يجب أن يحلف له أوجب أن يحلف من أقام شهودا عدولا أنه لم يعلم بفسقهم ولا اطلع عليه إذا قال له المشهود عليه: أنا أعلم بعلمك بفسق شهودك. انتهى. وإلى تشبيه المازري هذه المسألة بما قبلها أشار المص بقوله: قال الإمام المازري: وكذا يُحلف المدعَى عليه المدعي في دعواه عليه أنه، أي المدعي عالم بفسق شهوده الذين أقامهم، فيحلف أنه غير عالم بفسقهم، وعلم مما قررت أن كلام المص في تصوير الدعوى لا في كيفية اليمين، فإن حلف المدعي بقي الأمر بحاله، وإن نكل ردت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف سقط الحق. قال عبد الباقي: فإن أقام الشهود عليه على فسق شهود المدعي شاهدا فينبغي أن يحلف معه وتبطل شهادتهم عليه. ذكره أحمد. انتهى. ورد هذا بناني بما يعلم بالوقوف عليه. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: انظر إذا ادعى المشهود عليه أن بينه وبين الشهود عداوة وادعى أن خصمه يعلم بذلك، فهل له أن يحلفه على ذلك أم لا؟ لم أر الآن فيها نصا، وقد سئلت عنها مرارا؟ فأجبت بما في صورته: الظاهر أن اليمين تلزمه قياسا على
стр. 7968
هذه المسألة. فتأمله. والله أعلم. انتهى. وانظر قياس هذا الإمام، فقد قال الشيخ أبو علي: إن كلام خليل في هاتين المسألتين غير مسلم، فإن الظاهر في ذلك عدم اليمين في الصورتين وهو الحق إن شاء الله تعالى، وقد بينا ذلك في شرحنا للمسألتين غاية البيان بكلام الفحول من الأئمة الأعلام. انتهى. وقد مر أن ما قاله المص في قوله: وله يمينه، هو الراجح، وإلى ما تقدم من قوله: وأمر مدع، أشار الزقاق بقوله:
ألا أيها القاضي لِتأْمُرْ من ادعى … بدعواه عن عرف وأصل تحولا
يعني أن القاضي يأمر المدعي بأن يبتدئ بذكر دعواه، والمدعي هو من تحولت أي من تجردت دعواه عن أصل وعرف، فقوله: بدعواه، أي بذكر دعواه، فهو على حذف مضاف متعلق بتأمر، ويحتمل أن تكون باء بدعواه سببية تتعلق بتحول، وكذا عن عرف، وجملة تحول في محل الحال من فاعل ادعى، أي حال كون من ادعى تحول عن العرف والأصل أي خالفهما ولم يوافقاه ولا واحد منهما بسبب دعواه على هذا، فمفعول تأمر محذوف، أي بالكلام، وقد مر الكلام على العرف والأصل، ومن أمثلة العرف: ما إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين، فقال الراهن: الدين عشرة، والمرتهن: عشرون. فمن وافقت دعواه قيمة الرهن منهما فهو مدعى عليه، والآخر مدع، فيحلف المدعى عليه إن لم يُقم المدعي بينة. ثم قال الزقاق:
فإن صحت الدعوى بكون الذي ادعى … معينا او حقا عليه أو انجلى
يؤول لذا أو ذا وكان محققا … ومعتبرا شرعا وعلما به صلا
وذا غرض إن صح مع نفي عادة … مكذبة فأمُرْ مجيبا وأبطلا
إذا اختل شرط ذا المجيب من ادعى … عليه يرى بالعرف أو ما تأصَّلا
стр. 7969
قوله: فإن صحت الدعوى لخ، يعني أن ضابط الدعوى الصحيحة أنها ادعاء معين، أو ما في ذمة معين، أو ادعاء ما يترتب عليه أحدهما، فالأول: كدعوى السلعة المعينة؛ والثاني: كالديون، والمعين الذي يدعى في ذمته قد يكون معينا بالشخص كزيد، أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة، أو القتل على جماعة، أو أنهم أتلفوا له متمولا؛ والثالث: كدعوى المرأة الطلاق أو الردة على زوجها، فيترتب على ذلك حوزها لنفسها وهي معينة. فالثالث: هو ادعاء ما يؤول إلى المعين، والرابع: وهو ادعاء ما يترتب عليه ما في ذمة المعين كمن طللقت وادعت المسيس وأنكره الزوج، وبدعوى المقتول أن فلانا قتله خطئا، فالدعوى في المثالين يترتب عليها ما في ذمة المعين، إما معينا بالشخص كالمثال الأول، وإما بالصفة كالمثال الثاني، فالمعين في القسم الأول والثالث هو الشيء المتنازع فيه، وفي القسم الثاني والرابع هو المدعى عليه، فقوله: أو انجلى يؤُول لذا، أي ظهر أنه يَؤُول إلى ادعاء معين، وقوله: وذا أي ظهر أنه يؤول إلى ادعاء ما في ذمة المعين، فقوله: أو حقا عليه، أي المعين، وقوله: فإن صحت الدعوى لخ، أي فإن كانت الدعوى صحيحة فلا بد أن يكون الذي ادعاه معينا، أو في ذمة معين، أو يظهرَ أنه يؤُول إلى معين، أو في ذمة معين، فقوله: يؤول جملة حالية، وصاحب الحال ضمير في انجلى عائد على الموصول، وقوله: معينا، خبر لكون، وقوله: أو حقا عليه عطف على معينا، وقوله: وكان محققا، أي لابد أن يكون الذي ادعاه محققا، احترازا مما لو قال: أظن أو أشك أن لي عليه كذا. وقوله: وكان محققا، جملة حالية. والله تعالى أعلم. وقوله: ومعتبرا، معطوف على محققا، وقوله: شرعا، منصوب بنزع الخافض، أي معتبرا في الشرع، احترازا من دعوى القمحة والشعيرة لأن هذه الدعوى لا يترتب عليها نفع شَرْعِي، وقوله: وعلما به صلا، أي صل بما ذكر العلم به أي بالشيء الذي ادعاه، أي لا بد أن يكون الذي ادعاه معلوما، احترازا مِن لي عليه شيء، فقوله: علما، مفعول صل، والألف في صلا بدل من نون التوكيد الخفيفة. والله سبحانه أعلم. وقوله: وذا غرض، هو عطف على محققا، أي ولابد أن يكون الذي ادعاه يتعلق به غرض صحيح، احترزا من دعوى أجرة على محرم، وهذا يغني عن معتبر شرعا، وقوله: مع نفي عادة مكذبة، احترازا من مسألة الحيازة المشار إليها بقول المص في الشهادات: وإن حاز أجنبي غير شريك وتصرف لخ، وقوله:
стр. 7970
بأمر مجيبا، أي إذا استكملت الشروط المذكورة فقد صحت الدعوى، فأمر الخصم الآخر أن يجيب الخصم الذي ابتدأه بالكلام وهو المدعي، فقوله: فأمر، جواب فإن صحت الدعوى، وقوله: وأبطلا إذا اختل شرط، أي إذا اختل شرط واحد من هذه الشروط المذكورة فأبطل الدعوى ولا تأمر الخصم الآخر بالجواب، وأحرى لو بطل أكثر من واحد، وهذا هو مفهوم قوله: فإن صحت الدعوى فأمر مجيبا، وقوله: ذا المجيب، مبتدأ وصفة، وخبره مَن، وجملة يرى حال مِن من الواقعة على المدعى عليه، وباء بالعرف للمصاحبة تتعلق بيرى، ونائب يرى ضمير يعود على من، والمراد يرى قوله مصاحبا للعرف أو للأصل، فأحدهما كاف، وما تأصل عطف على بالعرف، وما مصدرية. والله سبحانه أعلم. ثم قال الزقاق:
وذا بعد الاستعداء من مدع وقيـ .... ـــــــــل إدلاؤه كافٍ ومقصوده جلا
أي أمرُ القاضي للمدعى عليه بالجواب إنما هو بعد الاستعداء من المدعي، أي بعد طلب المدعي للقاضي أن يأمر المدعى عليه بالجواب، وقيل: لا يحتاج إلى ذلك بل يأمره بالجواب من غير طلب المدعي له بذلك، لأن إدلاءه أي ذكره لدعواه وظهور مقصوده كاف في طلب الجواب، والقول بأن يأمر من غير استعداء المدعي هو ظاهر مذاهب العلماء. قاله المازري. ثم قال الزقاق:
ببعت ونحوٍ يُكتفَى ممَّن ادعى … وإلا فسل عن موجِبٍ جارٍ انجلى
يعني أن المدعي لا بد له من ذكر الموجب أي السبب الذي ترتب منه الحق الذي يدعيه، ويكتفى من المدعي بقوله ترتب لي عليه كذا من بيع أو قرض أو نكاح، ولا يكلف بأكثر من ذلك بأن يذكر ما يقتضي صحة المعاملة، وإلا أي وإن لم يذكر المدعي السبب فاسأله أيها القاضي عن الموجب الذي جرى بينهما وانجلى. ثم قال الزقاق:
فإن بان إقرار المجيب فنفذن … وإن يبتغ الإشهاد ذو الحق فاقبلا
стр. 7971
يعني أنه إذا وقعت الدعوى الصحيحة بشروطها واستفرغ القاضي كلام المدعي وفهمه حتى لم يبق عنده فيه إشكال ولا احتمال، يأمر المدعى عليه بالجواب، وهو إما إقرار أو إنكار، فإن أجاب بالإقرار فإن القاضي ينفذ عليه الحكم، وهذا هو معنى قول الفقهاء: أقر الخصم فارتفع النزاع، ومعنى قوله: إن يبتغ الإشهاد لخ، أنه إذا أقر المدعى عليه بالحق وأراد ذو الحق أي المدعي الإشهاد على إقراره خوف الإنكار، فاقبلْ ذلك منه أيها القاضي، أي أجبه إليه.
وأعذر، يعني أن القاضي يجب عليه أن يعذر إلى من توجه عليه الحكم من الخصمين، قال المواق عن المتيطي: والإعذار المبالغة في العذر، يقال: أعذر الرجل أي أتى بعذر صحيح، ومنه المثل: من أنذر فقد أعذر. أي بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك، ومنه أعذر القاضي إلى من ثبت عليه حق في الشهود. وقال الشبراخيتي: الهمزة للسلب مثل شكى لي زيد فأشكيته أي أزلت شكواه أي قطع عذره أي لم يبق له عذرا أي قطعت حجته، وليس المراد أثبت عذره. انتهى. وبين المص الإعذار مدخلا عليه باء التصوير بقوله:
بأبقيت لك حجة، والإعذار للمدعى عليه في البينة الشاهدة عليه، وللمدعي في مجرح بينته، فيقول له: ألك حجة تطعن في المجرح لشهودك أو بينة غير هذه؟ ويقول للمدعى عليه: ألك بينة تجرح بها شهود المدعي؟ ويأتي في الشهادات ما يجرح الشهود وقال ابن عرفة: الإعذار سؤال الحاكم من تَوَجَّه عليه موجب الحكم هل له ما يسقطه؟ انتهى. ولو قال: سؤال الحاكم من توجه عليه الحكم عن موجبه هل له ما يسقطه؟ لكان أحسن. قاله الشبراخيتي. وقوله: وأعذر مستأنف، هذا هو المتعين كما يفهم مما قررت. والله سبحانه أعلم. قال الحطاب: واختلف في وقت الإعذار إلى المحكوم عليه، فقيل: قبل الحكم وبه جرى العمل، وقيل: بعد الحكم ذكره في مفيد الحكام، ونقله ابن فرحون في تبصرته. وفي مسائل ابن زرب: ولا تتم قضية القاضي إلا بعد الإعذار. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم إن الإعذار مطلقا واجب والحكم بدونه باطل كما قاله أهل المذهب. واعلم أن المشهور أن الإعذار قبل الحكم كما قاله ابن عبد السلام، وفي التحفة أنه المختار. واعلم أنه إن ثبت وقوع الحكم بدون إعذار نقض الحكم، وإن ادّعَي المحكوم عليه عدم الإعذار فإنه لا يتعقب الحكم. قاله الأخوان. وقال غيرهما: يستأنف الإعذار، فإن أبدى مَطْعَنا
стр. 7972
نقض وإلا فلا، قال عبد الباقي: ومحل وجوب الإعذار إن ظن القاضي جهل من يريد الحكم عليه بأن له المطعن أو ضعفه عنه وإلا لم يجب، بل يحكم إن لم يطلب الخصم القدح، فإن قال: لا أعرفهم ثم قام بعد ذلك يجرحهم بعداوة لم يقبل وبغيرها قبل. وأشعر قوله: أبقيت لك حجة، أنه لا إعذار لغير معين كمقيم بينة على وقف على فقراء أنه لم يحز عن واقفه حتى حصل مانع، أو أنه شرط النظر لنفسه فيقضى بهما من غير إعذار للفقراء، لكن مع يمين مُقيمهما. انتهى. وإذا شهد الجمع الكثير فهل حكمهم حكم الشهود فيفتقر إلى الإعذار أو يجري مجرى التواتر المحصل للعلم فلا إعذار؟ وإلى هذا مال جماعة من القرويين والأندلسين. قاله الشبراخيتي. واعلم أن ما مر من أن للقاضي سماعَ البينة من غير حضور الخصم لا ينافي الإعذار. والله تعالى أعلم. ولهذا قال:
وندب توجيه متعدد فيه، أي الإعذار المفهوم من أعذر، يعني أنه يستحب للقاضي إذا غاب المحكوم عليه لمرض أو لكونه أنثى وسمع القاضي البينة في غيبته أن لا يحكم عليه حتى يوجه إليه رجلين في الإعذار إليه يقولان له: إن القاضي يعذر إليك ويقول لك: أبقيت لك حجة، فلو لم يتعدد من وجهه إليه بل كان واحدا أجزأ، قال المواق: المتيطي: لا ينفذ القاضي حكمَه على أحد حتى يعذر إليه برجلين، وإذا أعذر بواحد أجزأه على ما فعل النبي ﷺ في أنيس إذ قال: (اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجعها) (١). انتهى. وعلم مما قررت أن الندب منصب على التعدد. قال الشبراخيتي مفسرا للمصنف: يعني أن من كان غائبا عن مجلس الحكم من مريض أو محبوس أو غائب أو امرأة مثلا وقلنا بوجوب الإعذار إليه، فإنه يندب أن يكون من يوجهه متعددا.
إلا الشاهد بما في المجلس، هذا مستثنى من قوله: وأعذر بأبقيت لك حجة، يعني أن الشاهد بما في المجلس أي مجلس القاضي من إقرار وغيره لا يعذر فيه القاضي لمشاركته للشهود في العلم،
стр. 7973
ولو أعذر فيهم لأعذر في حكم نفسه، بل نص ابن سهل على أن العدلين (١) عند القاضي لا إعذار فيهما حتى في غير مجلسه. قاله عبد الباقي. وقوله: بل نص ابن سهل على أن العدلين (٢) لخ، قال بناني: المراد بالعدلين (٣) مزكَّى السر بالفتح وهو الآتي عند المص، وفي التتائي: أن الشاهد بما في المجلس لا تشترط عدالته.
وموجَّهَهُ، يعني أن من وجهه القاضي لتحليف أو إعذار، أو لحيازة ما شهد به عنده، أو للنظر في خراب موضع أو عمارته، أو تعديل بينة أو تجريحها، أو عيب، أو للشهادة على امرأة مخدرة، أو مريض لا يخرجان، أو نحو ذلك، فإنه لا إعذار فيه. قال عبد الباقي والشبراخيتي: ومما لا إعذار فيه شهود الإعذار ليلا يتسَلْسَل كما في العاصمية، قال بناني: قول الزرقاني: ومما لا إعذار فيه شهود الإعذار لخ، هذا داخل في كلام المص لأن المعذر إليه إن كان حاضرا عند القاضي فذلك من قبيل الشاهد بما في المجلس، وإن كان غائبا وسمع الدعوى عليه لسجن ونحوه دخل تحت قوله: وموجَّهَه. انظر شرح الشيخ ميارة، وبيت العاصمية هو قولها:
وشاهد الإعذار غير معمل … في شأنه الإعذار للتسلسل
يعني أنه إذا شهد شاهد بأن المحكوم عليه قد أعذر إليه فأنكر المحكوم عليه الإعذار فإنه لا يعذر في ذلك الشاهد الذي أثبت أن المحكوم عليه أعذر إليه، لأن ذلك يؤدي إلى أنه لا يحكم عليه أبدا. والله سبحانه أعلم. قال الشبراخيتي: ومما لا إعذار فيه من شهد بوكالة في شيء كما ذكره الحطاب أول باب الوكالة، وكذا من شهد بجرحة القاضي كما في مختصر البرزلي نقلا عن ابن الحاج، وكذا الشهود الذين يحضرون تطليق المرأة وأخذها بشرطها في مسائل الشروط في النكاح. انتهى. وعُلِّل شهودُ جرحة القاضي بأن طلب الإعذار طلب لخطَّة القضاء أو إرادة لها وحرص عليها وذلك جرحة.
стр. 7974
ومزكَّى السر، بفتح الكاف، يعني أن من زكاه مزكِّي السر لا إعذار فيه، وفهم منه بالأولى أنه لا إعذار في مزكِّي السر بكسر الكاف لأن عدالة المزكي بالكسر هي بعلم القاضي، وعدالة مزكاه بالفتح هي بعلم المزكي لا بعلم القاضي، فعدالةُ المزكي بالكسر أقوى، فإذا لم يعذر في الأضعف لا يعذر في الأقوى من باب أولى. قاله بناني عن السناوي. ومزكِّي السر هو الذي يخبر القاضي سرا بعدالة الشهود، ومثله من يخبره سرا بتجريح الشهود لا إعذار فيهم، ولا يشمله كلام المص. وقوله: مزكي السر، الإضافة بمعنى في، فتح الكاف أو كسر.
والمبرِّز بغير عدواة، يعني أن الشاهد إذا كان مبرزا وهو الذي فاق أقرانه في العدالة لا يعذر فيه إلا بالعداوة أي والقرابة، ولو قدح فيه بغير ذلك لم يسمعه القاضي ولو كان له بينة، كما ذكره الزرقاني عند قوله "وقدح في المتوسط بكل" وفي كلام ابن فرحون وغيره ما يفيده. قاله الشبراخيتي. وقد علمت أنه يقدح في المبرز بالعداوة والقرابة، وذكر ابن مرزوق عن اللخمي أنه لا يقدح في المبرز بأكل بسوق ونحوه، وقوله: والمبرز هو بكسر الراء المشددة اسم فاعل من برَّز بالتشديد فاق أقرانه.
ومن يخشى منه، يعني أن الشهود على من يخشى منه بأن شهدوا بحق عليه أو بتجريح بينة شاهدة له لا إعذار فيهم. قال الشبراخيتي: ذكر الشارح والتتائي أنه لا تسمى له البينة. وفي الحطاب: أن كل من لا إعذار فيه لا يلزم القاضيَ تسميته. انتهى. وقال عبد الباقي: وحكي عن القاضي ابن بشير أنه قال للوزير لما سأله عمن شهد وحكم عليه وهو غائب: مثلك لا يخبر بذلك، وعدم الإعذار فيما تقدم هو باعتبار الشاهد، وهذه باعتبار المشهود عليه، وإن قدر الشاهد على من يخشى منه كان على نسق ما قبله، وحيث لا يعذر له فلا ينبغي للقاضي أن يهمل حقه في تفتيش حال الشهود بالكلية، بل يتنزل في السؤال عنهم منزلة المشهود عليه، ولو قيل بتحليف المشهود له مع بينته كما تقدم في الدعوى على صغير أو غائب لكان حسنا. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: كما حكي عن القاضي ابن بشير لخ: ابنُ بشير هذا أدرك ملكا، وليس هو أبا الطاهر بن بشير تلميذ المازري، ولما ذكر في التوضيح هذه المسألة قال: ونص المدونة أنه يخبر
стр. 7975
من يشهد عليه بالشهادة، فلعل عنده حجة وإلا حكم عليه. اهـ. فأفاد أن قول ابن بشير خلاف مذهب المدونة، وأنه إنما أتى به جمعا للنظائر فقط. انظر مصطفى. ولفظ ابن يونس صريح في خلاف ما لابن بشير، ونصه: قال ملك: ولا يشهد الشهود عند القاضي سرا وإن خافوا من المشهود عليه أن يقتلهم، إذ لا بد أن يعرِّفه القاضي بمن يشهد عليه ويعذر إليه فيهم. انتهى. قال: وإن كان القاضي بعث من يسأل عنهم سرا لم يُعذِر فيمن عَدّلهم. انتهى. ونظم هذه المسائل الخمس الإمام التتائي بقوله:
وخمس حسان ليس يعذر حاكم … لآت بها فاحفظ وقيت من الزلل
موجَّه او في السر زكَّى مُبرِّز … ومن يخشى أو في مجلس الحكم للعمل
قال: ثم وقفت عليها منظومة مع زيادة التوسم، وهي:
ودونك ستا ليس يعذر حاكم … بها فاحفظ الأشياء فهما كما تُنشا
موجه او في السر زكى مبرّز … توسم او في مجلس الحكم أو يخشى
قوله: توسم، زادها ابن بشير سادسة، وهي من قبلت شهادته للتوسم. ابن فرحون: أي توسم العدالة فيه تجوز شهادته بغير تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من العاملات على مذهب ابن حبيب، ولا يجوز فيما سوى ذلك دون تزكية، وهذا هو مجهول الحال، ولما كانت شهادته بغير تزكية مقصورة على ما ذكر لم يذكره المصنف، وقولُ الشارح في الكبير كأن الشيخ لم يذكره، لأنه شبيه بمن وجهه من قبل نفسه، إذِ استواؤهما عند القاضي فيما يظنه فيهما متحد غيرُ ظاهر. انتهى. ولابن عاصم ﵀:
ومن عليه وسم خير قد ظهر … زكي إلا في ضرورة السفر
стр. 7976
وأنظره لها باجتهاده، يعني أن من توجه عليه الحكم من مدع أو مدعى عليه إذا قال: لي حجة، فإن القاضي يُنظره أي يؤخره لها أي للإتيان بها أي يمهله مدة موكولة إلى اجتهاده، وليست محدودة بزمن معين، فقوله: لها، أي للحجة المتقدم ذكرها في قوله: أبقيت لك حجة. وقوله: وأنظَره لها ما لم يتبين لدده فيحكم عليه من الآن، وقوله: وأنظره لها باجتهاده، لا فرق فيه بين العقارات وغيرها، وتفصيل بعض القرويين ضعيف. وللزقاق:
وللحاكم التأجيل بالحق صححن … إذا طلب المطلوبُ أن يتأجلا
أي إذا طلب المحكوم عليه التأجيل ليأتي بحجة فإنه يجيبه إلى ذلك.
ثم إن لم يأت بالحجة حكم عليه بما قال خصمه حيث لم يأت بدافع كنفيها: يعني أن من توجه عليه الحكم إذا لم يدع أن له حجة بل نفاها بأن قال: لا حجة لي، فإنه يحكم عليه بلا مهلة. وليجب عن المجرح، يعني أنه يجب على القاضي إذا سأله الذي أقام بينة وجرحها الآخر عمن جرح بينته أن يعين له المجرح حيث لم يكن المجرح لها القاضي، فلا يلزمه جواب لأنه يستند لعلمه في التعديل والتجريح، وكذا لو جرحت في السر أو كان المشهود عليه ممن يخشى منه.
ويعجزه، قال الخرشي: الضمير يرجع للمحكوم عليه مدعيا أو مدعى عليه، يعني أنه إذا قال المحكوم عليه: لي حجة وأنظره الحاكم لأجل الإتيان بها باجتهاده ولم يأت بحجته فإن القاضي يعجزه، ويكتب التعجيز في سجله بأن يقول: فلان ادعى أن له بينة ولم يأت بها، وقد عجزته خوفا من أن يدعي بعد ذلك عدم التعجيز، وأنه باق على حجته، وإن كان لا يقبل منه ذلك على المذهب دفعا للنزاع لأن هناك من يقول بالقبول. انتهى. وقال عبد الباقي: ويعجزه أي يحكم بعدم قبول بينة يأتي بها بعد ذلك زيادة على الحكم بالحق، ويكتب ذلك في سجله بأن يقول: ادعى فلان أن له بينة ولم يأت بها، وقد عجَّزته خوفا من أن يدعي بعد ذلك عدم التعجيز، وأنه باقٍ على حجته، وإن كان لا يقبل ذلك على المذهب دفعا للنزاع لأن هناك من
стр. 7977
يقول بالقبول، وليس المراد بالتعجيز الحكم بعد تبين اللدد، لأن هذا لا يمنع من بقائه على حجته: فالمراد الأول، ثم إذا عجزه بالمعنى الأول فله إقامة بينة لا يعلمها بل ادعى نسيانها، وحلف عليه إن عجزه مع إقراره على نفسه بالعجز على المشهور، لا مع ادعائه حجة فلا يقيمها ولو مع ادعاء نسيان بينة وحلف عليه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويعجزه أي يحكم بتعجيزه أي بعدم قبول بينة إن أحضرها بعد ذلك، ثم إنه إن عجزه وله بينة نسيها فهل يقوم بها بعد حلفه أنه نسيها أو لا يقوم بها؟ فيه تفصيل قدمه المصنف بقوله: ثم لم تسمع بينته إن عجزه قاض مدعي حجة، وظاهرها القبول إن أقر على نفسه بالعجز، وهذا هو المذهب. انتهى. ومن فسر المصنف هنا بأن التعجيز مجرد الحكم لم يفترق الدم وما معه من غيره. قاله اللقاني. نقله بناني. وفيه: واختلف في العجز إذا أتى ببينة على ثلاثة أقوال: فقيل: لا تسمع منه طالبا كان أو مطلوبا، وهو قول ابن القاسم في العتبية. وقيل: تقبل منه مطلقا إذا كان لذلك وجه وهو ظاهر ما في المدونة. وثالثها: القبول في حق الطالب دون المطلوب، وهو لابن القاسم أيضا. قال في التوضيح: وصرح في البيان بأن المشهور إذا عجز المطلوب وقضي عليه أن الحكم يمضي ولا يسمع منه ما أتى به بعد ذلك، ثم قال عن ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو إذا عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه بعد التلوم والإعذار وهو يدعي أن له حجة فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة. انتهى. وعلى مذهب المدونة وهو القبول مطلقا إن كان لذلد وجه درج المصنف في قوله: لعذر كنسيان، وفي قوله: وظاهرها القبول إن أقر لخ، لكن لا يأتي عليه قوله: إلا في دم لخ، لأن مذهب المدونة القبول فيها وفي غيرها. انتهى. ثم قال بناني: الظاهر أن يحمل قوله: ويعجزه، على صورة الاتفاق عند ابن رشد، وهي إذا عجزه مدعيا أن له حجة، وعليها يتنزل الاستثناء، فلا يكون مخالفا لما جرى عليه فيما تقدم من مذهب المدونة، وبهذا يسلم من الاضطراب ويسقط قول اللقاني. قوله: ويُعجِّزه إلا في دم لخ، هذا موافق لابن رشد في البيان مخالف لما في المدونة على ما في التوضيح. انتهى. ثم استثنى خمس مسائل لا تَعْجِيزَ فيها، وضابطها كل حق ليس لمدعيه إسقاطه بعد ثبوته، فقال:
стр. 7978
إلا في دم، يعني أنه لا تعجيز في الدم بل المحكوم عليه باق على حجته. قال عبد الباقي: إثْبَاتًا، كادعاء شخص على آخر أنه قتل وليه عمدا، أو أن له بينة بذلك فأنظَره لها ثم تبين لدده فلا يحكم بتعجيزه عن قيامها، فمتى أتى بها قتل المشهود عليه، أو نَفْيًا كادعائه عليه أنه قتل وليه عمدا وأقام بينة فقال المدعى عليه: عندي ما يجرحها، فأنظره وتبين لدده وحكم عليه بالقتل وقتل، فإن قامت لولي المقتول ثانيا بينة بتجريح بينة القتيل أولا كان ذلك من خطإ الإمام، وارتضى الجيزي عدم سماع النفي. اهـ. وقال بناني: قال مصطفى: هذه المستثنيات يعني إلا في دم، وما بعده إنما هي مفروضة في كلام الأئمة في تعجيز الطالب، وفيه تظهر فائدة هذه الأشياء، أما المطلوب فيعجزه فيها وفي غيرها. اهـ. وقول الزرقاني: إثباتا كادعاء شخص لخ، غير ظاهر لأن صورة الإثبات لا ينطبق عليها الضابط المذكور، لأن القصاص إذا ثبت كان لمدعيه إسقاطه، والذي صوره به ابن مرزوق وهو الظاهر أن المدعى عليه بالقتل إذا أراد تجريح من شهد عليه بالقتل فعجز فحكم القاضي عليه بالقتل ثم وجد من يجرح له البينة الشاهدة عليه بالقتل فإنها تسمع منه ولا يعمل بتعجيزه لخطر الدماء. اهـ. وهو يعكر على ما قدمناه عن مصطفى من أن ذلك مقصور على الطالب، ثم محل سماع الحجة فيما صوّر به ابن مرزوق إن أتى بها قبل استيفاء الحكم كما يظهر من تصويره، أما إن قام ورثة المدعى عليه بعد قتله بما يجرح بينة المدعي فالظاهر أن ذلك لا يسمع. اهـ.
وحبس، صورتها على ما قاله الخرشي: أن يدعي شخص أن شخصا حبس عليه دارا ويطلب منه البينة على دعواه فيعجز عنها فلا يحكم عليه بعدم سماع بينته في المستقبل إن وجدها وإن رفع يده الآن عنها. اهـ. ونحوه للشبراخيتي وعبد الباقي: قال بناني عند قوله: وحبس: هذا ظاهر إن كان الحبس على غير معين كالفقراء فلا سبيل إلى تعجيز الطالب لحق الغائب، لا ما إذا كان على معين، كما صوره الزرقاني إلا أن يقال في الحبس حق الله مطلقا. انظر ابن مرزوق. اهـ. وعتق. يعني أن العتق لا يحكم فيه بالتعجيز فيما إذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه وأن له بينة وعجز عن إقامتها، فلا يحكم بعدم سماعها إن وجدها وإن حكم ببقائه الآن في الرق،
стр. 7979
بهذا صوره غير واحد. ونسب، كادعائه أنه من ذرية فلان وأن له به بينة وعجز عن إقامتها، فلا يحكم بعدم سماعها إن وجدها وإن لم يثبت نسبه الآن، مثل له بهذا غير واحد.
وطلاق، صورتها امرأة ادعت أن زوجها طلقها وعجزت عن إقامة بينة على الطلاق، فلا يحكم عليها بإبطال دعواها بعد ذلك إن وجدت بينة وإن حكم ببقائها في عصمة زوجها الآن. قال الشيخ الخرشي وبهذا يعلم أن عدم التعجيز في جانب المدعي، وأما المدعى عليه بأنه قتل عمدا لخ، ولم يأت بمدفع بعد استيفاء الحجج، فإذا عجزه الحاكم فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك في جميع المسائل حتى في الدم كما ارتضاه الجيزي. اهـ. وقال عبد الباقي: واعلم أن حكمه بالتعجيز لا يمضي سواء كان لإثبات أو نفي في دم ونسب وطلاق، وأما الحبس والعتق فلا يعجز طالب إثباتهما ويعجز طالب نفيهما. كذا يظهر. اهـ. وقوله: إلا في دم لخ، زاد ابن سهل على هذه الخمسة طريق العامة، فقال: يشبه الحبس طريق العامة وشبهه من منافعهم ليس عجز طالبه والقائم عنهم فيه يوجب منعه أو منع غيره من النظر له إن أتى بوجه. ونظمها التتائي فقال:
إذا ما رمت أمرا ليس فيه … لقاضي الشرع تعجيز الخصوم
فعتق مع طلاق ثم حبس … دم نسب ونفع للعموم
كطرق أو مشابهها فهذا … تمام الست يا حاوي العلومِ
وكتبه، الضمير للتعجيز، يعني أن القاضي يجب عليه أن يكتب التعجيز، وهو الحكم بعدم قبول بينة يأتي بها المحكوم عليه. قال الشبراخيتي: قال ابن غازي: خوفا من أن يدعي بعد ذلك عدم التعجيز وأنه باق على حجته، وإن كان ذلك لا يقبل منه على المذهب رفعا للنزاع، لأن هناك من يقول: إنه يقبل. ورجع الطخيخي الضمير للتلوم، وكلاهما صحيح لكن رجوعه للتعجيز أولى، لأنه يلزم من كتبه كتب التلوم لا العكس، ورجعه الشارح للإنظار أي المستفاد من قوله: وأنظره لها باجتهاده، وليس فيه كبير فائدة، لأن الإنظار موكول إلى اجتهاد القاضي وهو مصدق
стр. 7980
فيه. اهـ. وقال عبد الباقي: وكتبه، أي التعجيز في غير المستثنيات، والمراد كتب كيفية التعجيز أي عجزه بعد أن ادعى حجة أو ابتداء ليرتب عليه ثمرته.
فرع: إذا قام أحد الشركاء فخاصم في شيء فقضيَ عليه، ثم قام أحدهم يريد المخاصمة فيه، فإن قام بما قام به المقضي عليه حكم عليه وألحقه به ولم تسمع حجته ولا بينته، وإن جاء بغير ذلك نظر له فيه ولم يعجزه، وكذلك من يدعي حقا للعامة. نقله في التبصرة. وقال عبد الباقي: قال ابن رشد: إذا تغيب المدعى عليه بعد استيفاء الحجج وهرب من القضاء عليه فإنه يقضى عليه ويعجزه، ولا يكون له إذا قدم أن يقوم بحجته، بمنزلة ما لو قضى عليه وهو حاضر، وأما لو هرب وتغيب قبل أن يستوفي جميع حججه فالواجب في ذلك أن يتلوم له، فإن لم يخرج وتمادى على مغيبه واختفى قضى عليه من غير أن يقطع حجته. اهـ. وقال المواق: ومن المفيد: حق على القاضي أن يكتب التعجيز ويشهد عليه، ثم لا ينظر له هو ولا من جاء بعده إن جاء ببينة تثبت ما عجز عنه من ذلك إلا العتق وما ذكر معه. انتهى. وقال الخرشي: وكتبه أي وكتب كيفية التعجيز هل عجزه بعد أن ادعى حجة أو ابتداء، لا وكتب أنه عجز، لأن هذا لا يترتب عليه حكم، وإنما يترتب الحكم على كيفية التعجيز، لأن منه ما يعتبر ومنه ما لا يعتبر كالمسائل المستثناة. اهـ. ثم ذكر ما هو راجع لقدر بعد قوله: بجوابه، أي فإن أجاب عمل بجوابه.
وإن لم يجب المدعى عليه بإقرار ولا إنكار، بل سكت أو قال: لا أخاصمه. حبس، حتى يقر أو ينكر، وظاهره عدم الاحتياج لإذن المدعي في ذلك. وإن تمادى على عدم الجواب أدب بالضرب كي يقر أو ينكر. ثم إن استمر على ذلك حكم عليه بلا يمين من المدعي، ويعد ذلك إقرارًا من المدعى عليه بالحق ومثل عدم جوابه في الحكم عليه بلا يمين ما إذا شك فقال: لا أدري هل له عندي ما يدعيه أم لا؟ على أحد قولين. قاله الشبراخيتي. ورجحه الرهوني. وقيل: يحلف المطلوب أنه لا يدري. وقيل للطالب: أثبت حقك إن حلف وإن نكل فقيل: يجبر على الإقرار
стр. 7981
والإنكار. (١) وقيل: يقضى للطالب مع يمينه. وقيل: يقضى له بدون يمين. وإلى ما مر عن ابن رشد وما بعده من كلام المص أشار صاحب التحفة بقوله:
ومن ألد في الخصام وانتهج … نهج الفرار بعد إتمام الحجج
ينفذ الحُكْمَ عليه الحَكَمُ … قطعا لكل ما به يختصم
وغير مستوف لها إن استتر … لم تنقطع حجته إذا ظهر
لكنما الحُكْمَ عليه يُمضي … بعد تلوم له من يقضي
يعني أن الخصم إذا ألد في الخصام، أي أكثر الخصومة، وسلك طريق الفرار من القضاء والحكم عليه، وتغيب عن مجلس الحكم عليه، فإن كان ذلك بعد أن تمت الحجج، فإن القاضي ينفذ عليه الحكم، ويمضيه عليه، ويقطع حجته، ولا ترجى له بعد ذلك حجة، ولا تسمع له بينة. وقوله: الحكَم بالتحريك هو القاضي وهو فاعل ينفذ، والحكم قبله بضم الحاء وسكون الكاف مفعول ينفذ، وإن كان فراره وتغيبه قبل أن تستوفى الحجج فإن القاضي ينفذ عليه الحكم لكن بعد التلوم من غير قطع لا يأتي به من الحجة فقوله: الحكم مفعول يمضي مقدم، وفاعله مَن الموصولة بيقضي. واعلم أن هذا الذي هرب وتغيب طلب فلم يوجد كما في النقل. والله سبحانه أعلم. ثم قال:
ومن أبى إقرارا او إنكارا … لخصمه كلفه إجبارا
فإن تمادى فلطالب قضِي … دون يمين أو بها وذا ارتضِي
стр. 7982
يعني أنه إذا لم يجب بإقرار ولا إنكار فإنه يكلف بالجواب فيسجن ثم يضرب، فإن تمادى على عدم الجواب قضِي للطالب من دون يمين، وقيل: بيمين. قال الناظم: وذا القول، يعني القول بالقضاء مع يمين الطالب ارتضيَ، فأو بمعنى قيل. وقال الزقاق:
وإن قام ذو التعجيز بعد بحجة … وقد كان ينفي العجز فاردد وأبطلا
وإن كان قد ألقى السلاح فهل كذا … نعم لا ولا إن كان مطلوبا انجلى
قوله: وإن كان قد ألقى السلاح، أي قال: لا حجة لي، وقوله: نعم، أي قيل: لا تقبل مطلقا. وقوله: لا ولا لخ، أي وقيل: تقبل مطلقا، وقيل: لا تقبل إن كان مطلوبا، وتقبل إن كان طالبا، وهذا ما فسر به الشيخ ميارة. والله تعالى أعلم. وقوله: وإن لم يجب لخ، وقيل: إن أبى عن الجواب لم يجبر على ذلك وَعُدَّ كالنكول فيقضي للطالب مع يمينه. انتهى.
ولمدعى عليه السؤال عن السبب، قد مر أنه لا بد للمدعي من ذكره للسبب الذي ترتب منه الحق الذي يدعيه، يعني أن المدعي إذا قال في دعواه: لي على هذا مائة مثلا، فللمدعى عليه أن يقول له: بين لي من أي وجه ترتب علي؟ هل من سلف أو بيع أو غير ذلك؟ فإن بَيَّنَ السبب، طلب من الخصم الجواب، وإن لم يبين له السبب لم يطلب منه الجواب، لأنه إذا بين السبب أمكن أن يكون فاسدا لا يترتب بسببه غرم أو غرم قليل. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ولمدعى عليه السؤال عن السبب، حيث غفل الحاكم عن السؤال عنه، أو جهل، أو تعمد تركه لطلب ذلك منه بعد عدم بيان المدعي السبب كما مر عن التتائي، خلافا لجعل الشارح سؤال الحاكم مؤخرا عن سؤال المدعى عليه. اهـ. ولو أن المدعيَ قال: نسيت السبب، أو لا أدريه، لقبل منه ذلك من غير يمين عليه على المشهور. وإليه أشار بقوله: وقبل نسيانه بلا يمين، على المدعي، والضمير في نسيانه عائد على السبب، وقوله: بلا يمين، قاله أشهب. الباجي: القياس بيمين، واستظهره
стр. 7983
الأشياخ. قاله التتائي. وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة، يعني أنه إذا ادعى شخص حقا على آخر، فقال المدعى عليه: لم تتقدم بيني وبينك معاملة فالبينة على المدعي يأتي بها على ما ادعاه. ثم بعد الإتيان بالبينة على دعواه لا تقبل بينة بالقضاء، أي لا تقبل من المدعى عليه بينة أنه قضاه، لأن إنكار المدعى عليه للمعاملة تكذيب للبينة التي شهدت له بالقضاء، ومثل قيام البينة للمدَّعَى إقرار المدعي عليه بالحق بعد إنكار العاملة، فإذا أنكر المدعى عليه أصل العاملة ثم أقر بها من غير إقامة بينة، ثم أقام بينة أنه قضى فإنه لا تقبل بينته بالقضاء. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ومثل إقامة البينة بعد الإنكار إقراره بما ادعى عليه بعد أن أنكره، وسواء أقر قبل إقامة البينة أو بعدها كما هو ظاهر مما ذكره الشيخ عبد الرحمن هنا، والحطاب في باب الوكالة، وقال بعض: ينبغي أن هذا إذا كان إقراره بعد قيام البينة، وأما إذا كان قبلها فتقبل بينته بالقضاء، وهو جلي يجب المصير إليه. اهـ.
بخلاف لاحق لك علي، يعني أنه لو قال المطلوب: لا حق لك علي، فإنه تقبل بينته بالقضاء لأنه لم يكذبها، فليست مثل ما إذا أنكر المعاملة، ومثل لا حق لك علي، ليس لك علي حق. قال عبد الباقي: وظاهر كلامه يعني المصنف أن هذا اللفظ كاف في جواب الدعوى، والذي لابن القاسم وبه العمل أنه لا يكفي حتى ينفي خصوص ما ادعاه المدعي من سلف أو بيع أو نحوه، وظاهر المص أيضا الفرق بين الصيغتين في حق العامي وغيره وهو ظاهر في الثاني. اهـ. قال بناني: قول الزرقاني: وهو ظاهر في الثاني يعني غير العامي، وأما العامي فقد نقل الحطاب في باب الوكالة عن الرعيني أنه لا فرق بينهما في حقه وأنه يعذر في كل منهما. اهـ. وقال المواق: وأما إن قال: ليس له علي شيء فلما قامت عليه البينة بسلف أوبيع جاء ببراءة على الدفع، فإنه يسقط ذلك الحق عنه قولا واحدا. اهـ. وقال الشبراخيتي: بخلاف لا حق لك علي، ظاهره أن هذا يكفي في جواب الدعوى، ثم قال عن شيخه في الحاشية: وهل يكفي في الجواب أولا؟ فيه قولان، قول ابن القاسم: لا يكفي، وقول ابن كنانة وابن الماجشون: يكفي. وإن لم يكن جوابا حبس وأدب كما قال المص وإن لم يجب حبس وأدب. اهـ. يعني ثم حكم بلا يمين كما قال قبيل هذا بقرب:
стр. 7984
وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، يعني أن الدعوى التي لا تثبت إلا بعدلين كالعتق والطلاق والنكاح لا يلزم المدعى عليه فيها يمين بمجرد الدعوى أي بالدعوى المجردة عن الشاهد، فلا يمين على الزوج إذا ادعت المرأة عليه الطلاق، ولا على السيد إذا ادعى عليه العبد العتق، ولا على المرأة إذا ادُّعي عليها النكاح، ولا على وليها المجبر. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى إطلاق تعليق اليمين بالدعاوِي عند إنكار المدعى عليه، حتى أثبتا ذلك في دعوى النكاح والطلاق والعتق. انظر القلشاني. وما قالاه هو ظاهر الحديث: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر). ومفهوم قوله بمجردها أنه لو لم تجرد الدعوى عن الشاهد توجهت اليمين في بعض دون بعض على المدعى عليه ولا ترد هذه اليمين المتوجهة على المدعى عليه في بعض المسائل، وذلك في الطلاق والعتق، فإن نكل حبس وإن طال دين، ويأتي هذا التفصيل للمص حيث قال: وحلف بشاهد في طلاق وعتق لا نكاح. وعلم مما قررت أن قوله:
كنكاح، مثال للدَّعوى التي لا تثبت إلا بعدلين، وليست مثالا لا تتوجه فيه اليمين بالدعوى التي لم تتجرد ولا ترد. قال عبد الباقي: وفرق بين الطلاق والعتق وبين النكاح، بأن الغالب فيه الشهرة فشهادة واحد فيه ريبة بخلافهما، ومقتضى هذا الفرق أن سائر ما يثبت بشاهدين حكمه حكمهما في الحلف مع إقامة شاهد لرد شهادته لا حكم النكاح، ثم إنه يستثنى من قوله فلا يمين بمجردها، مسائل منها قوله: وحلف الطالب إن ادعي عليه علم العدم، وقوله: وكذا أنه عالم بفسق شهوده، وقوله: وله يمينه أنه لم يحلفه أولا، وقوله فيما يأتي: وللقاتل الاستحلاف على العفو، وكذا المتهم يدعى عليه الغصب أو السرقة، مع أن كلا منهما إنما يثبت موجبه من أدب وقطع بشاهدين، ويستثنى منه أيضا من ادعى على آخر أنه قذفه فتتوجه عليه اليمين إن شهدت بينة بمنازعة وتشاجر كان بينهما، وإلا لم يحلف. كما ذكره الحطاب. اهـ. الرهوني: في استثناء الأولى والثالثة والخامسة نظر، لأنها تثبت بالشاهد واليمين، وكذا استثناء الثانية بالنون على ما لعبد الباقي لا على ما للبناني. اهـ. ثم قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: لا تثبت إلا بعدلين، أن الدعوى التي تثبت بشاهد وامرأتين أو أحدهما بيمين تتوجه بمجردها، أي وترد، وكذا اليمين
стр. 7985
التي يحلفها مع الشاهد والمرأتين إذا نكل ترد على المدعى عليه، فإن نكل عنها غرم بنكوله وشهادة الشاهد، ولا ترد على المدعي لأن اليمين الردودة لا تُرَدُّ، ويَرِدُ على هذا المفهوم من ادعى على آخر أنه عبده فلا يمين عليه كما يأتي آخر باب العتق، مع أن الرق مما يثبت بشاهد ويمين، ولعله لأن الأصل في الناس الحرية. اهـ. وقال الشبراخيتي: ولا ترد إذا توجهت، وذلك في ثلاث صور، الطلاق والعتق، والقذف. ونحوه في الخرشي. وقال الحطاب: قال الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار: وإذا ادعى رجل (١) أنه عبده وأنكر الآخر ذلك فلا قول للمدعي إلا ببينة، ولا يمين على المدعى عليه وهو حر، وإذا كان عبد بيد رجل مقر له بالملك ثم ادعى بعد ذلك الحرية فعليه البينة.
تنبيه: قوله: وكل دعوى لا تثبت لخ، قاعدة مسلمة، وبين المص ما لا يثبت إلا بعدلين بقوله: ولما ليس بمال ولا آئل له لخ، ومنه إسقاط الحضانة فلا تثبت فيه اليمين بمجرد الدعوى ولا يثبت بالشاهد واليمين، وما خالف هذا لا يلتفت إليه بحال، فلا تغتر بما في ابن سلمون وغيره. وأمر بالصلح ذوي الفضل والرحم، يعني أن القاضي إذا ترافع إليه من هو من أهل الفضل فإنه يندب له أن يأمرهم بالصلح، لأن الصلح أقرب إلى جمع الخواطر، وإلى تأليف القلوب، ويذهب غل الصدور، وربما كان يفعله سحنون، فقد ترافع إليه رجلان من أهل العلم فأبى أن يسمع منهما، وقال لهما: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني من أمركما على ما ستره الله عليكما. والواو في قوله: والرحم بمعنى أو، ومعناه أنه يندب للقاضي أن يأمر أولي الأرحام بالصلح لأنه يذهب غل الصدور، والرحم القرابة. وقد قال عمر رضي الله: رددوا الحكم بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن. اللخمي: وهذا بين الأقارب حسن وإن تبين الحق لأحدهما أو لهما. قاله المواق. وقال: ويندب أهل الفضل إلى ترك الخصومات. قال ابن سحنون: كان أبي ربما رد الخصمين إلى من عرفه بالصحة والأمانة، فيقول لهما: اذهبا إلى فلان يصلح بينكما، فإن اصطلحتما وإلا رجعتما إلي، وترافع إليه رجلان من أهل العلم لخ، وقوله: وأمر