← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

والإنكار. (١) وقيل: يقضى للطالب مع يمينه. وقيل: يقضى له بدون يمين. وإلى ما مر عن ابن رشد وما بعده من كلام المص أشار صاحب التحفة بقوله: ومن ألد في الخصام وانتهج … نهج الفرار بعد إتمام الحجج ينفذ الحُكْمَ عليه الحَكَمُ … قطعا لكل ما به يختصم وغير مستوف لها إن استتر … لم تنقطع حجته إذا ظهر لكنما الحُكْمَ عليه يُمضي … بعد تلوم له من يقضي يعني أن الخصم إذا ألد في الخصام، أي أكثر الخصومة، وسلك طريق الفرار من القضاء والحكم عليه، وتغيب عن مجلس الحكم عليه، فإن كان ذلك بعد أن تمت الحجج، فإن القاضي ينفذ عليه الحكم، ويمضيه عليه، ويقطع حجته، ولا ترجى له بعد ذلك حجة، ولا تسمع له بينة. وقوله: الحكَم بالتحريك هو القاضي وهو فاعل ينفذ، والحكم قبله بضم الحاء وسكون الكاف مفعول ينفذ، وإن كان فراره وتغيبه قبل أن تستوفى الحجج فإن القاضي ينفذ عليه الحكم لكن بعد التلوم من غير قطع لا يأتي به من الحجة فقوله: الحكم مفعول يمضي مقدم، وفاعله مَن الموصولة بيقضي. واعلم أن هذا الذي هرب وتغيب طلب فلم يوجد كما في النقل. والله سبحانه أعلم. ثم قال: ومن أبى إقرارا او إنكارا … لخصمه كلفه إجبارا فإن تمادى فلطالب قضِي … دون يمين أو بها وذا ارتضِي

стр. 7982

يعني أنه إذا لم يجب بإقرار ولا إنكار فإنه يكلف بالجواب فيسجن ثم يضرب، فإن تمادى على عدم الجواب قضِي للطالب من دون يمين، وقيل: بيمين. قال الناظم: وذا القول، يعني القول بالقضاء مع يمين الطالب ارتضيَ، فأو بمعنى قيل. وقال الزقاق: وإن قام ذو التعجيز بعد بحجة … وقد كان ينفي العجز فاردد وأبطلا وإن كان قد ألقى السلاح فهل كذا … نعم لا ولا إن كان مطلوبا انجلى قوله: وإن كان قد ألقى السلاح، أي قال: لا حجة لي، وقوله: نعم، أي قيل: لا تقبل مطلقا. وقوله: لا ولا لخ، أي وقيل: تقبل مطلقا، وقيل: لا تقبل إن كان مطلوبا، وتقبل إن كان طالبا، وهذا ما فسر به الشيخ ميارة. والله تعالى أعلم. وقوله: وإن لم يجب لخ، وقيل: إن أبى عن الجواب لم يجبر على ذلك وَعُدَّ كالنكول فيقضي للطالب مع يمينه. انتهى. ولمدعى عليه السؤال عن السبب، قد مر أنه لا بد للمدعي من ذكره للسبب الذي ترتب منه الحق الذي يدعيه، يعني أن المدعي إذا قال في دعواه: لي على هذا مائة مثلا، فللمدعى عليه أن يقول له: بين لي من أي وجه ترتب علي؟ هل من سلف أو بيع أو غير ذلك؟ فإن بَيَّنَ السبب، طلب من الخصم الجواب، وإن لم يبين له السبب لم يطلب منه الجواب، لأنه إذا بين السبب أمكن أن يكون فاسدا لا يترتب بسببه غرم أو غرم قليل. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ولمدعى عليه السؤال عن السبب، حيث غفل الحاكم عن السؤال عنه، أو جهل، أو تعمد تركه لطلب ذلك منه بعد عدم بيان المدعي السبب كما مر عن التتائي، خلافا لجعل الشارح سؤال الحاكم مؤخرا عن سؤال المدعى عليه. اهـ. ولو أن المدعيَ قال: نسيت السبب، أو لا أدريه، لقبل منه ذلك من غير يمين عليه على المشهور. وإليه أشار بقوله: وقبل نسيانه بلا يمين، على المدعي، والضمير في نسيانه عائد على السبب، وقوله: بلا يمين، قاله أشهب. الباجي: القياس بيمين، واستظهره

стр. 7983

الأشياخ. قاله التتائي. وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة، يعني أنه إذا ادعى شخص حقا على آخر، فقال المدعى عليه: لم تتقدم بيني وبينك معاملة فالبينة على المدعي يأتي بها على ما ادعاه. ثم بعد الإتيان بالبينة على دعواه لا تقبل بينة بالقضاء، أي لا تقبل من المدعى عليه بينة أنه قضاه، لأن إنكار المدعى عليه للمعاملة تكذيب للبينة التي شهدت له بالقضاء، ومثل قيام البينة للمدَّعَى إقرار المدعي عليه بالحق بعد إنكار العاملة، فإذا أنكر المدعى عليه أصل العاملة ثم أقر بها من غير إقامة بينة، ثم أقام بينة أنه قضى فإنه لا تقبل بينته بالقضاء. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ومثل إقامة البينة بعد الإنكار إقراره بما ادعى عليه بعد أن أنكره، وسواء أقر قبل إقامة البينة أو بعدها كما هو ظاهر مما ذكره الشيخ عبد الرحمن هنا، والحطاب في باب الوكالة، وقال بعض: ينبغي أن هذا إذا كان إقراره بعد قيام البينة، وأما إذا كان قبلها فتقبل بينته بالقضاء، وهو جلي يجب المصير إليه. اهـ. بخلاف لاحق لك علي، يعني أنه لو قال المطلوب: لا حق لك علي، فإنه تقبل بينته بالقضاء لأنه لم يكذبها، فليست مثل ما إذا أنكر المعاملة، ومثل لا حق لك علي، ليس لك علي حق. قال عبد الباقي: وظاهر كلامه يعني المصنف أن هذا اللفظ كاف في جواب الدعوى، والذي لابن القاسم وبه العمل أنه لا يكفي حتى ينفي خصوص ما ادعاه المدعي من سلف أو بيع أو نحوه، وظاهر المص أيضا الفرق بين الصيغتين في حق العامي وغيره وهو ظاهر في الثاني. اهـ. قال بناني: قول الزرقاني: وهو ظاهر في الثاني يعني غير العامي، وأما العامي فقد نقل الحطاب في باب الوكالة عن الرعيني أنه لا فرق بينهما في حقه وأنه يعذر في كل منهما. اهـ. وقال المواق: وأما إن قال: ليس له علي شيء فلما قامت عليه البينة بسلف أوبيع جاء ببراءة على الدفع، فإنه يسقط ذلك الحق عنه قولا واحدا. اهـ. وقال الشبراخيتي: بخلاف لا حق لك علي، ظاهره أن هذا يكفي في جواب الدعوى، ثم قال عن شيخه في الحاشية: وهل يكفي في الجواب أولا؟ فيه قولان، قول ابن القاسم: لا يكفي، وقول ابن كنانة وابن الماجشون: يكفي. وإن لم يكن جوابا حبس وأدب كما قال المص وإن لم يجب حبس وأدب. اهـ. يعني ثم حكم بلا يمين كما قال قبيل هذا بقرب:

стр. 7984

وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، يعني أن الدعوى التي لا تثبت إلا بعدلين كالعتق والطلاق والنكاح لا يلزم المدعى عليه فيها يمين بمجرد الدعوى أي بالدعوى المجردة عن الشاهد، فلا يمين على الزوج إذا ادعت المرأة عليه الطلاق، ولا على السيد إذا ادعى عليه العبد العتق، ولا على المرأة إذا ادُّعي عليها النكاح، ولا على وليها المجبر. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى إطلاق تعليق اليمين بالدعاوِي عند إنكار المدعى عليه، حتى أثبتا ذلك في دعوى النكاح والطلاق والعتق. انظر القلشاني. وما قالاه هو ظاهر الحديث: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر). ومفهوم قوله بمجردها أنه لو لم تجرد الدعوى عن الشاهد توجهت اليمين في بعض دون بعض على المدعى عليه ولا ترد هذه اليمين المتوجهة على المدعى عليه في بعض المسائل، وذلك في الطلاق والعتق، فإن نكل حبس وإن طال دين، ويأتي هذا التفصيل للمص حيث قال: وحلف بشاهد في طلاق وعتق لا نكاح. وعلم مما قررت أن قوله: كنكاح، مثال للدَّعوى التي لا تثبت إلا بعدلين، وليست مثالا لا تتوجه فيه اليمين بالدعوى التي لم تتجرد ولا ترد. قال عبد الباقي: وفرق بين الطلاق والعتق وبين النكاح، بأن الغالب فيه الشهرة فشهادة واحد فيه ريبة بخلافهما، ومقتضى هذا الفرق أن سائر ما يثبت بشاهدين حكمه حكمهما في الحلف مع إقامة شاهد لرد شهادته لا حكم النكاح، ثم إنه يستثنى من قوله فلا يمين بمجردها، مسائل منها قوله: وحلف الطالب إن ادعي عليه علم العدم، وقوله: وكذا أنه عالم بفسق شهوده، وقوله: وله يمينه أنه لم يحلفه أولا، وقوله فيما يأتي: وللقاتل الاستحلاف على العفو، وكذا المتهم يدعى عليه الغصب أو السرقة، مع أن كلا منهما إنما يثبت موجبه من أدب وقطع بشاهدين، ويستثنى منه أيضا من ادعى على آخر أنه قذفه فتتوجه عليه اليمين إن شهدت بينة بمنازعة وتشاجر كان بينهما، وإلا لم يحلف. كما ذكره الحطاب. اهـ. الرهوني: في استثناء الأولى والثالثة والخامسة نظر، لأنها تثبت بالشاهد واليمين، وكذا استثناء الثانية بالنون على ما لعبد الباقي لا على ما للبناني. اهـ. ثم قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: لا تثبت إلا بعدلين، أن الدعوى التي تثبت بشاهد وامرأتين أو أحدهما بيمين تتوجه بمجردها، أي وترد، وكذا اليمين

стр. 7985

التي يحلفها مع الشاهد والمرأتين إذا نكل ترد على المدعى عليه، فإن نكل عنها غرم بنكوله وشهادة الشاهد، ولا ترد على المدعي لأن اليمين الردودة لا تُرَدُّ، ويَرِدُ على هذا المفهوم من ادعى على آخر أنه عبده فلا يمين عليه كما يأتي آخر باب العتق، مع أن الرق مما يثبت بشاهد ويمين، ولعله لأن الأصل في الناس الحرية. اهـ. وقال الشبراخيتي: ولا ترد إذا توجهت، وذلك في ثلاث صور، الطلاق والعتق، والقذف. ونحوه في الخرشي. وقال الحطاب: قال الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار: وإذا ادعى رجل (١) أنه عبده وأنكر الآخر ذلك فلا قول للمدعي إلا ببينة، ولا يمين على المدعى عليه وهو حر، وإذا كان عبد بيد رجل مقر له بالملك ثم ادعى بعد ذلك الحرية فعليه البينة. تنبيه: قوله: وكل دعوى لا تثبت لخ، قاعدة مسلمة، وبين المص ما لا يثبت إلا بعدلين بقوله: ولما ليس بمال ولا آئل له لخ، ومنه إسقاط الحضانة فلا تثبت فيه اليمين بمجرد الدعوى ولا يثبت بالشاهد واليمين، وما خالف هذا لا يلتفت إليه بحال، فلا تغتر بما في ابن سلمون وغيره. وأمر بالصلح ذوي الفضل والرحم، يعني أن القاضي إذا ترافع إليه من هو من أهل الفضل فإنه يندب له أن يأمرهم بالصلح، لأن الصلح أقرب إلى جمع الخواطر، وإلى تأليف القلوب، ويذهب غل الصدور، وربما كان يفعله سحنون، فقد ترافع إليه رجلان من أهل العلم فأبى أن يسمع منهما، وقال لهما: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني من أمركما على ما ستره الله عليكما. والواو في قوله: والرحم بمعنى أو، ومعناه أنه يندب للقاضي أن يأمر أولي الأرحام بالصلح لأنه يذهب غل الصدور، والرحم القرابة. وقد قال عمر رضي الله: رددوا الحكم بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن. اللخمي: وهذا بين الأقارب حسن وإن تبين الحق لأحدهما أو لهما. قاله المواق. وقال: ويندب أهل الفضل إلى ترك الخصومات. قال ابن سحنون: كان أبي ربما رد الخصمين إلى من عرفه بالصحة والأمانة، فيقول لهما: اذهبا إلى فلان يصلح بينكما، فإن اصطلحتما وإلا رجعتما إلي، وترافع إليه رجلان من أهل العلم لخ، وقوله: وأمر

стр. 7986

بالصلح ذوي الفضل لخ، ظاهره ولو ظهر له وجه الحكم وهو كذلك. قاله الخرشي. قال: فهذا تخصيص لعموم قوله الآتي: ولا يدعُو لِصُلحٍ إن ظهر وجهه. كأن خشي تفاقم الأمر، يعني أن القاضي إذا خشي بتنفيذ الحكم تفاقم الأمر أي اتساعه أي الفتنة بين المحكوم له والمحكوم عليه فإنه يأمر بالصلح وجوبا دفعا للمفسدة، وأمره في هذه واللتين قبلها مطلوب، ولو ظهر وجه الحكم كما علمت، فهي مخصصة لقوله: ولا يدعو لصلح إن ظهر وجهه. وقول عبد الباقي: شرط الخصص أن يكون منافيا كذلك هنا فما هنا مناف لما يأتي، فبان أنه مخصص له. انظر حاشية الشيخ بناني. والله سبحانه أعلم. ولكون الأمر في هذه واجبا أتى بالكاف. والله سبحانه أعلم. قال اللخمي: ويدعو إلى الصلح إذا تبين له الحق وهو يرى أنه متى أوقع الحكم تفاقم ما بين المتنازعين وعظم الأمر وخشيت الفتنة. انتهى. وقال التتائي: كأن خشي تفاقم الأمر أي تعاظمه فإنه يأمر بالصلح ولو ظهر له وجه الحق. اهـ. ولا يحكم لمن لا يشهد له، يعني أن القاضي لا يجوز له أن يحكم لمن لا يشهد له من الأقارب، كأب وإن علا وأم وابن وزوجة. قاله أشهب ومطرف ومحمد. واختاره اللخمي. ولهذا قال: على المختار، خلافا لأصبغ فإنه أجاز أن يحكم لمن لا يشهد له إذا كان أي القاضي من أهل القيام بالحق، وفَصَّل ابن الماجشون فقال: يجوز حكمه لمن لا يشهد له إلا في الزوجة وولده الصغير ويتيمه، فالقائل بالمنع مطلقا قال: لا فرق بين الشهادة والخبر. والقائل بالجواز لغير المتهم بأن كان القاضي من أهل القيام بالحق قال: قد يحكم للخليفة وهو أقوى تهمة لتوليته إياه. انتهى. قال الخرشي: على المختار عند اللخمي، وهو المشهور [لأن المظنة] (١) تلحقه في ذلك، ولا فرق بين الشهادة والحكم، وهذا واضح إذا كان يحتاج لإقامة بينة، لأنه ربما يتساهل في قبولها فيتهم على أنه يقبل شهادة من لم تصح شهادته، أما إذا اعترف المدعى عليه بالحق فينبغي أن يجوز له أخذا مما نقله ابن رشد بالأولى. ونصه على نقل المواق: وانظر هل يحكم لنفسه؟ قال أشهب: لا يقضي لنفسه. ابن رشد: وله الحكم على الإقرار على من استهلك ماله، أي القاضي، لقطع

стр. 7987

أبي بكر الأقطع الذي سرق عقد زوجته أسماء لما اعترف بسرقته. اهـ. ويأتي قريبا ما في كلام ابن رشد. وقال الشبراخيتي: وكذا لا يحكم لمن لا يشهد عليه بدليل قوله الآتي: وحكم على عدو. وذكر الشارح عند قوله: فحكم بقول مقلده، أن القاضي يحكم للخليفة ولا يتهم بتوليته إياه. انتهى. وفي البرزلي: عدواة المفتي كعداوة الشهود. وفي الحطاب: مما يجري مجرى القاضي في المنع من الحكم لمن يُتهم عليه المفتي لمن يتهم عليه ممن لا تجوز شهادته له، وينبغي للمفتي الهروب من مثل هذا. قاله الحطاب عن التبصرة. قال مقيده عفا الله عنه. وقد مر في النذر فتوى ابن القاسم لابنه عبد الصمد بقول الليث، وقال عبد الباقي: ولا يجوز له أي للقاضي أن يحكم على من لا يشهد عليه بدليل قوله الآتي: وحكم على عدو، فإن حكم لمن لا يشهد له فهل حكمه في النقض كحكمه على عدوه أو لا فلا ينقض؟ وهو ظاهر تبصرة ابن فوحون، أو ينقضه هو لا غيره وهو ما في النوادر. اهـ. وقال الحطاب: قال اللخمي: وما اجتمع فيه حق لله وله أي للقاضي في جواز حكمه بما هو لله كمن شهد عنده عدلان بأنه سرق من ماله ما يقطع فيه في حكمه بقطعه، قولا ابني المواز وعبد الحكم، وقال ابن فرحون: وفي ابن يونس: لا ينبغي للقاضي أن يحكم بين أحد من عشيرته وبين خصمه وإن رضي الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم رجل. اهـ. قاله الحطاب. وفيه: قال ابن الحاجب: ولا يحكم على عدوه. قال في التوضيح: هو متفق عليه، وفيه أيضا أن من لا تجوز شهادته عليه لا يقضي عليه ولا يحكم برد شهادته، ولأشهب في المجموعة وكتاب ابن سحنون: لا يجوز أن يقضي القاضي لنفسه، ولابن رشد: له الحكم بالإقرار على من استهلك ماله فيعاقبه ويتمول المال بإقراره، ولا يحكم في شيء من ذلك بالبينة، ودليله قطع الصديق ﵁ يد الأقطع الذي سرق عقد زوجته أسماء لما اعترف بسرقته. هذه الرواية الصحيحة. اهـ. يعني بقوله: هذه الرواية الصحيحة، قطعه باعترافه، فإنه روي أنه قطعه بالبينة، والأول أصح، ولم يذكر ابن رشد ما سبق إلا على أنه المذهب، وتأمل قول ابن رشد هذا فقد قال أبو علي: هو خلاف المذهب لا يحل الحكم به أصلا، وما احتج به إنما هو في القطع وهو حق لله تعالى لا حق نفسه. الرهوني: ما قاله أبو علي ظاهر إذْ كيف يكون المشهور منعه من الحكم لأجنبي بما سمعه منه، ويمكن من

стр. 7988

الحكم لنفسه، ولهذا كان شيخنا الجنوي يقول: الظاهر ما قاله أبو علي اهـ وسئل ابن أبي زيد هل يجوز الحكم لمُغْتَرَقِي الذمم بالغُصوب الممتنعين باليد القاهرة على أحد أو لا يجوز الحكم لا لهم ولا عليهم؟ وما لم يعلم له مالك بعينه ولا هو عين المغصوب مما بأيديهم فهل يحكم له بحكم الفيء أم لا؟ فأجاب: من كان مغترق الذمة فلا يحكم له بما ليس له، وما بأيديهم إذا لم يعلم له مالك معروف ولا يعرف وارث مالكه، ولا من يستحقه على حال من الأحوال، ولا يمكن أن يتحاص في ماله بتحر ولا غيره إذ لا يحصل ما غصب ولا قَرَّبه ولا يمكن تحريه، فإن كان فيمن غَصَبَه فقراء فيفرق بينهم ويعطى منهم من كان صغيرا قدر ما يرى، وإن كان لا يوجد فيمن غَصَبَ مستحق الصدقة كان حكمه حكم الفيء، وذلك حكم ما في بيت المال، ينظر ما هو أنفع يعمل به، إما الصدقة أو بناء القناطير، أو جميع ما يصرف فيه بيت المال، وقد وقع في هذا قولان أحدهما: يوضع ذلك في بيت المال، والآخر في الفقراء، وهي ترجع إلى قول واحد. اهـ كلام الحطاب. ولما أخبر ﷺ أن القضاة ثلاثة: جائر، وجاهل، وعدل. أفاد حكمها على هذا الترتيب، فقال: ونبذ حكم جائر، يعني أن القاضي الجائر أي الحائد عن الحق في حكمه بأن يعرف الحق ويخرج عنه تعمدًا لصداقة أو قرابة أو حمية أو عداوة أو رشوة تنبذ أي تطرح أحكامه وتلغى. قاله الإمام الحطاب. فتنبذ أحكامه كلها أي تطرح وترد، وسواء كان عالما أو جاهلا، وظاهره ولو علم أن ما حكم به حق، وفي مُختصر الواضحة: وعلى القاضي إذا أقر بالجور أو ثبت ذلك عليه بالبينة العقوبةُ الموجعة، ويعزل ويشهر ويفضح، ولا تجوز ولايته أبدا، ولا شهادته وإن أحدث توبة وصلحت حاله بما اجترم في حكم الله تعالى. اهـ. وفيه: واختلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيدة بنوع من الأحكام، فالجمهور على أن جميع ذلك لهم من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المنكر، والنظر في المصالح قام بذلك قائم أو اختص بحق الله، وحكمه عندهم حكم الموصي المطلق في كل شيء، إلا ما يختص بضبط بيضة الإسلام من إعداد الجيوش وجباية الخراج. اهـ. وقال عبد الباقي: ونقض أي طرح حكم الجائر أي نقضه من يولَّى

стр. 7989

بعده وإن كان حكمه مستقيما في ظاهر الأمر، إلا أن يثبت صحة باطنه. قاله ابن رشد. قوله: إلا أن يثبت صحة باطنه أي بالبينة كما يأتي. وقال المواق: ابن رشد: القاضي الجائر ترد أحكامه دون تصفح وإن كانت مستقيمة في ظاهرها إلا أن يثبت صحة باطنها. اهـ. وفي الشبراخيتي: ظاهره يعني المص ولو وافق الصواب. وقال ابن رشد: القاضي الجائر ترد أحكامه دون تصفح وإن كانت مستقيمة في ظاهرها إلا أن يثبت صحة باطنها. قاله المواق. وهو يعود بالتخصيص على كلام المص. انتهى. وقال التتائي: ونبذ، أي طرح وألغي حكم جائر ظالم في حكمه خارج عن الحق تعمدا. أو جاهل لم يشاور، يعني أن القاضي الجاهل الذي لا يشاور العلماء بل يحكم بين الناس بالحدس والتخمين أي برأيه أي وظنه تنبذ أحكامه مطلقا وافقت الصواب أم لا، قال الإمام الحطاب: لأن أحكامه كلها باطلة لأنها بالتخمين. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية، أي وإن لم يكن على تلك الحالة من عدم المشاورة، بل كان يشاور العلماء تعقب حكمه فيما شاور فيه: فينبذ منه الجور أي الخطأ، ومضى منه غير الجور، وهو ما كان صوابا. قال عبد الباقي: ولا يقال: كيف يتعقب حكمه المرتب على مشورتهم؟ لأنا نقول: قد يعرف منهم عين الحكم ولا يعرف الطريق إلى إيقاعه، لأن القضاء صناعة دقيقة لا يعرفها كل أحد ولا آحاد العلماء، ولا يقال: العلم شرط في صحة الولاية، فعدمه يمنع انعقادها ونفوذ الحكم، لأنا نقول قد يولّى الجاهل مع وجود عالم لضعفه عن القيام بأمر القضاء لمرض ونحوه. ولو قال المص بدل غير الجور: ومضى الصواب، كان أحسن لأن غير الجور قد يكون خطأ أو سهوا أو نسيانا مع أنه أخصر. اهـ. وقال بناني: وجاهل لم يشاور، قول الزرقاني: ولو وافق الصواب إلخ، أي في ظاهره ولم يعلم صحة باطنه، أما إن ثبت صحة باطنه بالبينة فلا ينقض، واعلم أن المراد بالجاهل العدل المقلد كما فسره به أبو الحسن، ويفيده ما يأتي عن اللخمي، وبه يسقط الثاني في كلام الزرقاني. اهـ. يعني بالثاني قوله: ولا يقال: العلم شرط في صحة الولاية إلخ، ثم قال بناني: وما ذكره المصنف من التفصيل في الجاهل اعتمد فيه ما نقله ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ، ونقله في التوضيح على قول ابن الحاجب: وأما الجاهل فيتعقبها ويمضي منها ما لم يكن جورا. ونصه:

стр. 7990

وحكى المازري رواية شاذة أن الجاهل تنقض أحكامه وإن كان ظاهرها الصواب، لأنه وقع منه لمن غير قصد، وهذا التعليل لا يتم في المشاور. ابن عبد السلام: وقَيَّد بعضهم ما ذكره المص بما إذا كان يشاور أهل العلم في أحكامه، وأما إذا كان لا يشاورهم فتنقض كلها لأنه حكم حينئذ بالحدس والتخمين وهو صحيح، واعتمده المصنف مع نقله عن المازري أنه رواية شاذة، وقد تعقب بذلك الشيخ ابن سعيد في شرحه على المصنف، فقال: ظاهره أن الجاهل غير المشاور أحكامه منقوضة مطلقا، والمشاور تتصفح أحكامه، وظاهر كلام غيره أن التصفح إنما هو في غير المشاور إلخ، ابن رشد: القضاة أربعة، الأول: عدل عالم، فأحكامه على الجواز ما لم يتبين فيها الخطأ الذي لا اختلاف فيه. الثاني: عدل جاهل يحكم برأيه ولا يشاور العلماء، فأحكامه تصح ولا يرد منها إلا الخطأ الذي لا اختلاف فيه. الثالث: معروف بالجور، فأحكامه تنقض كلها، وحكى فضل عن ابن الماجشون أنها تتصفح كأحكام الجاهل وهو شذوذ. الرابع: فاسق لم يعلم بالجور في أحكامه، أو مبتدع من أهل الأهواء، فهذا حكم له ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون بحكم الجائر، وحكم له أصبغ بحكم الجاهل، ثم قال بعد جلب نقول: فهذه النقول كلها تدل على خلاف ما جرى عليه المص في الجاهل تبعا لابن عبد السلام. والله أعلم. انتهى. فرع: اختلف في أحكام العمال فظاهر قول ملك أنها محمولة على الرد حتى يتبين أنها كانت أمضيت بحق فتجاز، وهو خلاف ما وقع في قوله في المدونة فيما قضت به ولاة المياه: إن ذلك جائز إلا أن يكون جورا بينا، لأن هذا يقتضي أنها على الإجازة فلا ينظر فيها ولا تتعقب ما لم يتبين فيها الجور المبين، وهذا الاختلاف إنما يصح في غير العدل من الولاة، فمرة رآها جائزة ما لم يتبين الجور وهو مذهب أصبغ، ومرة رآها مردودة ما لم يتبين فيها الحق وهو اختيار ابن حبيب، وأما العدل منهم فلا اختلاف أن أحكامهم محمولة على الجوازت وأنها لا يرد منها إلا ما تبين فيه الجور، ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على العدل وما في سماع ابن القاسم على غيره، فلا يكون فيها اختلاف من قول مالك. قال ابن رشد: وإن جهل حاله فالذي أقول به: أنه ينظر إلى الذي ولاه، فإن كان عدلا فهو محمول على العدالة، وإن كان جائرا يولي غير العدل

стр. 7991

فهو محمول على غير العدالة، وإن كان غير عدل إلا أنه لا يعرف بالجَور في أحكامه وتولية غير العدول جرىَ ذلك على الاختلاف في جواز أحكامه. اهـ. وفي شرح مسلم للقرطبي في بعث معاذ وأبي موسى ﵄ إلى اليمن، قال: وفيه، يعني الحديث حجة على أن لولَاة الأمصار إقامة الحدود في القتل والزنى وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء، ملك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، واختلف في إقامة ولَاة المياه وأشباههم لذلك، فرأى ذلك أشهب لهم إذا جعل ذلك الإمام لهم: وقال ابن القاسم: نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار. واختلف الشيوخ في أحكام ولاة الكُوَر، فأمضاها أبو إبراهيم، ولم يجزها للوالي حتى [يجعل] (١) إليه مع القيادة والنظر في أمور الكورة النظر في الأحكام، واستحسن ابن أبي زمنين إذا كان للكورة قاض [قد أفرد للنظر في الأحكام أن لا يجوز حكم الولاة، وإن لم يكن لها قاض] (٢) أن يجوز حكمهم لا للناس في ذلك من الرفق، وهذا أحسن الأقوال وأولاها بالصواب، لأنه إذا ولي مع القائد حاكم فقد بان أنه حجر عليه الحكم في الأحكام، وإذا لم يول معه وجب أن يجوز حكمه كما قال ملك في ولَاة المياه. قال في التنبيهات: وولاة المياه للبوادي الذين يسكنون على المياه خلاف أهل الأمصار. اهـ. نقل جميعه الحطاب. ولا يُتعَقَّبُ حُكْمُ العدل العالم، يعني أن العدل العالم لا تتعقب أحكامه أي لا ينظر فيها ولا يفتشها من ولي بعدد ليلا يكثر الهرج والخصام وتفاقم الأمر، وتعقب الأحكام هو اختبارها لينظر ما وافق الحق منها وما خالفه، قال عبد الباقي: وحمل عند جهل حاله على العدالة إن ولاه عدل انظر الحطاب وينبغي أن يكون مثله قاضي المِصْرِ كما يفيده قوله فيما يأتي: إن كان أهلا أو قاضي مصر. اهـ. وقال التتائي: ولا يتعقب حكم العدل العالم أي لا ينظر فيه من وُلِّيَ بعده، نص عليه غير واحد ليلا يكثر الهرج والخصام. انتهى. واحترز المصنف بقوله: العدل من الجائر، وبالعالم من الجاهل، وقال الإمام الحطاب: والعدل لا تتعقب أحكامه ولا ينظر فيها إلا أن يرفع أحد قضيته ويذكر أنه حكم فيها بغير صواب، فينظر في تلك القضية، وتنقض إن

стр. 7992

خالفت قاطعا أو جلي قياس. اهـ. وتعقبه مصطفى بأنه خلاف ما لابن رشد، ونقله ابن عرفة ونصه: العدل العالم لا تتصفح أحكامه ولا ينظر فيها إلا على وجه التجويز لها إن احتيج إلى النظر إليها لعارض خصومة أو اختلاف في حد، لا على وجه الكشف والتعقب لها إن سأل ذلك المحكوم عليه، فتنفذ كلها إلا أن يظهر في شيء منها عند النظر إليها على الوجه الجائز أنه خطأٌ ظاهر لم يختلف فيه فليردّ ذلك. اهـ. ومثله في المتيطي ومعين الحكام. ونقَض وبين السبب مطلقا ما خالف قاطعا أو جلي قياس، قوله: نقض بالبناء للفاعل وهو ضمير يعود على العدل العالم، ومعنى كلامه أن العدل العالم لو وقع الحكم المذكور من العدل العالم ينقض الحكم الخالف لِقاطعٍ من نص كتاب أو سنة أو إجماع، والحكم المخالف للقياس الجلي، وإذا نقضه فإنه يبين السبب الذي لأجله نقضه مطلقا أي نقضه هو أو غيره، وقد مر التنبيه على الكيفية التي يعرف بها كون حكم العدل العالم خالف قاطعا أو جلي قياس من قول ابن رشد: لا تتصفح أحكامه ولا ينظر فيها إلا على وجه التجويز لها إن احتيج إلى النظر لها لعارض الخصومة إلخ، مثال ما خالف قاطعا من نص كتاب ما لو حكم بأن الذكر من الأولاد مثلا حظه من الميراث حظ الأنثى، ومثاله من الحديث ما لو حكم بجواز جمع المرأة مع عمتها، ومثاله من الإجماع ما لو حكم بأن الميراث كله للأخ دون الجد، فإن الأمة أجمعت على قولين أن يقاسم الأخ الجد: أو المال كله للجدة أما حرمان الجد فلم يقل به أحد، ومن القواطع أيضا القواعد الشرعية: ومثلوا لخالفتها بالمسألة السُّريجية: متى حكم حاكم بتقرير النكاح في حق من قال: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، فطلقها ثلاثا أو أقل فالصحيح لزوم الطلاق الثلاث له، فإذا ماتت أو مات فحكم حاكم بالتوارث بينهما نقضنا حكمه لأنه على خلاف القواعد، لأن من قواعد الشرع صحة اجتماع الشرط مع الشروط، لأن حكمته إنما تظهر فيه، فإذا كان الشرط لا يصح اجتماعه مع المشروط فلا يصح أن يكون في الشرع شرط، فلذلك ينقض الحكم في المسألة السريجية، وما قاله ابن سريج مبني على عدم اجتماع الشرط مع المشروط نظرا لقوله: قبله، وحينئذ فيجب لغو قوله قبله، والقياس الجليُّ هو ما قطع فيه بنفي الفارق أو ضعفه، وقوله:

стр. 7993

بنفي، أي انتفاء أي إلغاء الفارق، فمثال القياس الجلي الذي قطع فيه بنفي الفارق قياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق الموسر وعتقها عليه، ومثال القياس الجلي الذي قطع فيه بضعف الفارق قياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية الثابت بحديث السنن الأربعة (لا تجزئ في الأضاحي العوراء المبين عورها) (١) ومعنى القطع بضعفه أن يكون تأثيره فيه احتمالا ضعيفا، إذ يحتمل أن يفرق بينهما بأن العمياء ترشد إلى المرعى الجيد فترعى فتسمن، والعوراء توكل إلى نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترعى حق الرعي: فيكون العور مظنة الهزال، فإن هذا الاحتمال ضعيف يعارضه الأمر باستشراف الأذن والعين في (حديث علي ﵁ في السنن) (٢)، واحترز بالقياس الجلي من القياس الخفي وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص، وقال أبو حنيفة بعدم القصاص في المثقل، وقول المصنف: قاطعا، يقتضي أنه لا ينقض إلا ما خالف القاطع وهم نصوا على أنه إذا خالف السنة غير المتواترة ينقض، وكذلك إذا خالف عمل أهل المدينة فإنه ينقض، وليس ذلك بقاطع بل هو ظن جلي، ويدفع هذا الاعتراض بأن المسائل التي ذكرها بقوله: كاستسعاء معتق وشفعة جار، إلخ، الكاف فيها للتشبيه لا للتمثيل، وهذا هو الحق كما قاله ابن مرزوق، وهو الذي ارتضاه التتائي، وجد علي الأجهوري، والشيخ أحمد، ولا يصح أن يكون مثالا لما قبله إذ ليس في الحكم به مخالفة قاطع ولا جلي. قال مصطفى: وليس فيه مخالفة سنة، فإن المراد بالمخالفة للسنة أن لا يكون الحكم مستندا لسنة أخرى، وهذا ليس كذلك. واعلم أن ما مشى عليه المص في هذه المسائل هو مذهب ابن الماجشون فقط، وهو في التوضيح معترف بذلك، وما زال الأشياخ يستبعدونه، والمعتمد خلافه وهو قول ابن القاسم وابن عبد الحكم، ولذا لم يعرج ابن الحاجب وابن شأس على قول ابن الماجشون هذا، فكان على المص أن لا يذكره لما علمت، ولأنه لا يلائم قوله: ورفع الخلاف بل ينافيه. اهـ. كلام

стр. 7994

مصطفى. قال بناني: أجاب بعضهم عن المص بأن ما ذكره هو الذي عليه الجماعة، وقول ابن عبد الحكم بعدم النقض انفرد به عن أصحابه، وأن النقض في هذه المسائل لِمخالفةِ عمل أهل المدينة، كما ذكره المازري في شرح التلقين. قال ما نصه: أشار ابن الماجشون إلى أن هؤلاء الذاهبين إلى خلاف مذهبه خالفوا ما تواطأ عليه أهل مدينة الرسول ﷺ ، فكان ذلك كمخالفة السنة القائمة، لا سيما ومذهب ملك أن إجماع أهل المدينة حجة، وابن عبد الحكم لم ير النقض في شيء من هذه المسائل لكون أدلتها ليست بقطعية. اهـ. وقال ابن حبيب: لا يعجبني ما انفرد به ابن عبد الحكم. وقال صاحب الذخيرة: إن ابن عبد الحكم انفرد بعدم النقض عن أصحابه. وقال ابن يونس في كتابه المسمى بالإعلام: إن ما قاله ابن الماجشون من النقض قاله مطرف وأصبغ، وروي أكثره عن ملك، وأنه رَأْيُ علماء المدينة في القديم والحديث، وبهذا كله يتبين أن ما مشى عليه المص هو الموافق لنقل الأئمة، واستبعاد المازري له من جهة النظر لا يضعفه، وأن قول ابن عبد الحكم هو الضعيف لانفراده به عن أصحابه، وقول ابن عبد البر: لم يقل بالنقض غير عبد الملك مردود بما تقدم (١) غيره. هذا محصل جواب هذا البعض. فتأمله. والله أعلم. اهـ. كلام الشيخ بناني. وقوى الرهوني ما لمصطفى. والله تعالى أعلم. والمسائل التي قال فيها ابن الماجشون بالنقض لمخالفة عمل أهل المدينة، وقال فيها ابن عبد الحكم بعدم النقض، هي قول المص: كاسْتِسْعَاءِ مُعْتَق إلخ، قد علمت أن هذا وما بعده تشبيه لا تمثيل. قال الخرشي مفسرا للمصنف: والمعنى أنه إذا كان عبد بين رجلين مثلا وأعتق أحدهما حصته، وكان الذي أعتق حصته معسرا بحيث لا يكمل عليه بعضه لعسره وأبى شريكه أن يكمل بعضه بالعتق، فحكم القاضي بأن العبد يسعى ويأتي للشريك الذي لم يعتق بقيمة نصيبه، فإن هذا الحكم إذا وقع ممن لا يرى استسعاء العبد باطل، وكذا إذا وقع من حاكم يراه كالحنفي، وكذلك ما يأتي من المسائل فله نقضه، فإن قلت: هذا مخالف لما يأتي من أن حكم الحاكم يرفع الخلاف. قلت: هو مقيد بما إذا قوي دليله، وأما غير قوي الدليل فإنه يُنقَض ولا يعتبر حكم الحاكم فيه، كَهَذِهِ

стр. 7995

المسائل، كما ذكره الشيخ كريم الدين. اهـ كلام الخرشي. وقال الشبراخيتي: مقتضى نقل القرافي أن نقض الحكم باستسعاء المعتق لمخالفة السنة، لورود الحديث بأنه لا يسعى، لأن ما ورد أنه يسعى ضعيف كما يفيده كلام القرافي، ولا يقدح في دعوى ضعفه أن ما رواه مسلم صحيح إلا ما بَيَّنَ العلماء أنه ضعيف. اهـ. وقال التتائي: كاستسعاء معتق بعضه، هذا مشبه بما خالف النص والقياس الجلي، وليس داخلا فيه لأن مسلما وغيره رووا حديث الاستسعاء. وشفعة جار، يعني أن الحاكم إذا حكم للجار بالشفعة فإنه ينقض حكمه أي ينقضه هو وغيره، لأن الشفعة إنما هي في المشاع، فإن الحديث الصحيح وارد باختصاصها بالشريك ولم يثبت له معارض صحيح راجح، فينقض الحكم بخلافه، قال القرافي: وما ورد مما يقتضي الشفعة للجار مرجوح بالنسبة لما يقتضي اختصاصها بالشريك. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: وكذا ينقض حكمه في شفعة جار، وإن وردت أحاديث تقتضيها. اهـ. وقال عبد الباقي: وشفعة جار لضعف المدرك فيها، وحديث الشفعة للشريك أصح من حديث الشفعة للجار. قاله القرافي. وحكم على عدو، يعني أن الحكم إذا حكم على من بينه وبينه عدواة دنيوية فإن حكمه ينقض أي ينقضه هو وغيره. قال الشبراخيتي: وحكم على عدو أي عدواة دنيوية، لأن الحاكم لا يستوعب موجبات الحكم لقصد التشفي غالبا من العدو، وفي الحديث: (لا يحكم عدو على عدوه). اهـ. وقال عبد الباقي: وحكم على عدو في دنيا لا في دين فلا ينقض. اهـ. يعني كحكم المسلم على الذمي. والله سبحانه أعلم. وقال المواق: ابن المواز: إذا أقام المحكوم عليه بينة أن القاضي عدوٌّ له فلا يجوز قضاؤه عليه. انتهى. أو بشهادة كافر، يعني أن الحاكم إذا حكم بشهادة كافر على كافر مع علمه بكفر الشاهد فإنه حكمه ينقض، أي ينقضه هو وغيره، وحكمه على مثله هو محل الخلاف، فإن أبا حنيفة يجوز ذلك: وأما شهادة الكافر على المسلم فلا تجوز إجماعا. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: أو بشهادة كافر على مثله أو على مسلم مع علم القاضي بذلك بدليل أو ظهر إلخ، قال بناني: قول الزرقاني على مثله أو على مسلم، تبع فيه التتائي، قال مصطفى: وفيه نظر، لأن محل الخلاف إذا شهد على مثله، وأما شهادته على مسلم فالإجماع على عدم قبولها، والقائل بقبولها على

стр. 7996

مثلهم أبو حنيفة. اهـ. ومثله للفيشي. اهـ. وقال المواق عن عبد الملك: إذا قضى بخلاف السنة المشهورة وإن كان فيها الاختلاف نقض قضاؤه، كَذَوِي الأرحام بالميراث، والشفعة للجار، وشهادة أهل الذمة. اهـ. وميراث ذَوِي رحم، يعني أن القاضي إذا حكم بالميراث لذي رحم من عمة وخالة ونحوهما فإنه حكمه ينقض، أي ينقضه هو وغيره، لقوله ﷺ (ألحقوا الفرائض بأهلها وما بقي فلأولى رجل ذكر) (١). أو مولى أهل، يعني أن الحاكم إذا حكم بثبوت الميراث للمولى الأسفل فإن حكمه ينقض مطلقا، أي ينقضه هو وغيره، وذلك كمعتق بفتح التاء من معتقه بكسر التاء، وفي المواق عن ابن الماجشون: من الخطأ الذي ينقض به حكم العدل العالم، الحكم بالشفعة للجار، وباستسعاء العبد بعتق بعضه، وتوريث العمة والخالة، والمولى الأسفل، وشبهه. أو بعلم سبق جلسه، يعني أن القاضي إذا قضى بشيء من غير استناد لبينة أو قرينة، بل بسبب علم سبق مجلس القضاء، سواء علمه قبل ولايته أو بعدها، فإنه ينقض حكمه مطلقا أي ينقضه هو وغيره، واستظهر ابن عبد السلام عدم نقضه مراعاة لمن أجاز له الحكم بعلمه مطلقا كأبي حنيفة وغيره، واحترز بسبق العلم لمجلسه مما علمه بمجلسه، فإنه لا ينقض. قاله التتائي. وقال الخرشي: وأما إن حكم بعلم حصل له في مجلس القضاء بأن أقر عندد فإنه لا ينقضه غيره، وإن وجب عليه هو نقضه ما دام قاضيا، وقال المواق عن اللخمي: لا يقضي القاضي بما كان عنده من العلم قبل أن يلي القضاء ولا بعد أن ولي، ولم يكن في مجلس القضاء أو كان في مجلس القضاء، وقبل أن يتحاكما إليه أو يجلسا للحكومة، مثل أن يسمعهما أو أحدهما يقر للآخر فلما تقدما للحكومة أنكر وهو في ذلك شاهد، وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة ثم أنكر، فقال ابن القاسم: لا يحكم بعلمه، وقال عبد الملك وسحنون: يحكم، ورأيا أنهما إذا يجلسا للمحاكمة فقد رضيا أن يحكم بينهما بما يقولانه ولذلك قصدا. اهـ المراد منه. أو جعل بتة واحدة، يعني أن الزوج إذا طلق زوجته بلفظ البتة، بأن قال لها: أنت بتة، أو طالق أو طلقتك أو مطلقة البتة، وحكم القاضي بلزوم طلقة واحدة فقط، فإنه ينقض مطلقا أي ينقضه هو

стр. 7997

وغيره، وأحرى لو جعل الثلاث واحدة. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: أو جعل بتة أو ثلاثا واحدة، أي قضى بذلك، فينقض مطلقا. اهـ. وقال المواق عن ابن القاسم: من طلق امرأته البتة فرفع لمن يراها واحدة فجعلها [واحدة] (١) فتزوجها قبل زوج، فلمن ولي بعده أن يفرق بينهما، وليس هذا من الاختلاف الذي يقر بالحكم فيه. وقال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك. اهـ. أو أنه قصد كذا فأخطأ، يعني أن القاضي إذا تبين أنه قصد كذا أي حكعا صحيحا فأخطأ وحكم بغيره لغفلة أو نسيان أو اشتغال فِكْرٍ، وثبت ذلك ببينة، أي شهدت بينة أن ما حكم به خلاف ما قصده، وأنه أخطأ في ذلك، فإنه ينقض حكمه مطلقا أي ينقضه هو وغيره، قال عبد الباقي: وعلم البينة بقصده إما بإقرار، يعني قبل الحكم أو قرينة، فقوله: ببينة، متعلق بمقدر، أي وثبت ذلك ببينة كما علم مما قررت. قال عبد الباقي: واحترز بقوله: ببينة، عما إذا ادعى ذلك فإنه ينقضه هو فقط كما يأتي له. اهـ. قال بناني: قول الزرقاني: واحترز بقوله ببينة إلخ، أشار به لقول ابن مرزوق: اشتراط البينة إنما هو باعتبار نقض حكم غيره، وأما حكم نفسه فلا يحتاج إلى بينة، هذا هو النقل وعليه يدل قوله: ونقضه هو فقط إلخ، إذ لم يذكر بينة. اهـ. لأنه يعلم خطأ نفسه بنفسه. والله أعلم. انتهى. أو ظهر أنه قَضَى بعبدين، يعني أن القاضي إذا قضى بشهادة شاهدين بعد الفحص عن أمرهما ثم ظهر بعد ذلك أنهما عبدان فإنه حكمه يُنقَض مطلقا، أي ينقضه هو وغيره. أو كافرين، يعني أن القاضي إذا قضى بشهادة شاهدين بعد الفحص عن أمرهما ثم ظهر أنهما كافران، فإن حكمه ينتض مطلقا، أي ينقضه هو وغيره، والفرق بين هذه وبين قوله: أو بشهادة كافر، أن هذه لم يتعمد الحكم فيها بشهادة الكفار، بخلاف السابقة كما مر. قال بناني: ولا يُغْني عن هذا قوله: أو بشهادة كافر، لأنه يتوهم أن النقض إنما يكون إذا حكم مع علمه بكفره، لا ما (٢) أخطأ فيه كما هنا، ولا يغني ما هنا عما سبق، لأنه يتوهم أنه إذا علم بكفره لا ينقض جريا على مذهب من

стр. 7998

يقول بإعمال شهادة الكافر على مثله، فجمع المص بينهما لأن أحدهما لا يغني عن الآخر. انظر ابن مرزوق. انتهى. أو صبيين، يعني أن الحاكم إذا حكم بشهادة شاهدين بعد الفحص عن أمرهما ثم ظهر بعد ذلك أنهما صبيان: فإن حكمه ينقض مطلقا أي ينقضه هو وغيره. أو فاسقين، يعني أن القاضي إذا حكم بشهادة شاهدين بعد الفحص عن أمرهما ثم ظهر أنهما فاسقان، فإن حكمه ينقض مطلقا أي ينقضه هو وغيره، قال المواق عن ابن الحاجب: لو ظهر أنه قضى بعبدين أو كافرين أو صبيين نقض الحكم، بخلاف رجوع البينة. وقال عن اللخمي: إن ثبت تقدم جرح البينة، فقال ملك في كتاب الشهادات: ينقض الحكم. وقال في كتاب الحدود: يمضي، وعلى هذا يجري إن ثبت أن بينهما وبينه عدواةً أو تهمة. اهـ. وقال التتائي: أو ظهر بعد قضائه أنه قضى بعبدين أو كافربن أو صبيين أو فاسقين، فقد كان عند قضائه معتمدا على عدالتهما، فإنه ينقض في الثلاث الأول اتفاقا، وفي الرابعة على أحد قولين لملك، وبه قال ابن القاسم، والآخر ينفذ وأخذ به أشهب، وإن ظهر أنه قضى بعبدين أو قريبين فأجراه بعضهم على شهادة الفاسقين، ورده المازري. اهـ. وتأمله. والله سبحانه أعلم. كأحدهما، يعني أنه إذا حكم بشهادة شاهدين معتمدا على عدالتهما، ثم ظهر بعد الحكم أن أحدهما على الصفة السابقة، من كونه عبدًا أو كافرا أو صبيا أو فاسقا والآخر عدل، فإن حكمه ينقض مطلقا أي ينقضه هو وغيره، واستثنى من هذا العموم قوله: إلا بمال، يعني أن محل النقض فيما إذا ظهر أن أحد الشاهدين على الصفة السابقة وأن الآخر عدل إنما هو فيما إذا كان الحكم فيما ليس بمال ولا آئل له، وأما إن كان الحكم في المال وما يؤول إليه فلا يُرَدُّ الحكم إن حلف المحكوم له، لأنه استحقه بالشاهد واليمين كما في التتائي الكبير وغيره. وإلا بأن نكل المحكوم له أخذه، أي الشيء المحكوم به منه، أي ممن حكم له به إن حلف المحكوم عليه، فإن نكل فلا شيء له لأن النكول بعد النكول تصديق للناكل الأول، ونحو ما للمص في رجم المدونة.

стр. 7999

وحلف في القصاص خمسين مع عاصبه، يعني أنه إذا شهد شاهدان على قتل شخص عمدا، وحكم القاضي بالقصاص معتمدا على ما ظهر له من عدالتهما، ثم ظهر بعد الحكم أن أحد الشاهدين عبد مثلا، فإن ولي الدم يحلف مع وأحد من عصبته خمسين يمينا ويتم الحكم، لأن الباقي لوث كما يأتي، فإن لم يحلف ولي الدم الأيمان المذكورة مع عاصبه فإن الحكم ينقض. وإلى ذلك أشار بقوله: وإن نكل ردت، أي فإن نكل المحكوم له بالقتل عن خمسين يمينا متوالية مع واحد من العصبة فإن الحكم ينقض وردت شهادة الباقي، فالضمير في ردت للشهادة. قاله الخرشي. وقال المواق عن ابن سحنون: إن بان أن أحدهما عبد أو ذمي أو مولى عليه، فإن حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينا تم الحكم ونفذ، وإن نكل المحكوم له بالقتل عن القسامة فالنكول في مثل هذا ترد به الشهادة وينقض به الحكم. اهـ. وغَرِمَ شهود علموا، يعني أنه إذا شهد شاهدان على القتل عمدا، وحكم الحاكم بالقصاص، فاقتص من المشهود عليه، ثم ظهر أن أحد الشاهدين عبد مثلا، فلا يخلو ذلك من أحد أمرين، إما أن يعلم الشاهد الباقي بكون الآخر عبدا مثلا، وإما أن لا يعلم بذلك، فإن علم بأنه عبد فإنه يغرم دية المقتول في القصاص، وظاهر كلام غير واحد أنه لا غرامة على الآخر، قال غير واحد: وهو مشكل. لأن اختصاص العالم بالغرم دون العبد أو الكافر أو الفاسق مع أن الفساد إنما جاء من قِبَلِ ساقط الشهادة مشكل، وقوله: وغرم شهود علموا، أي يختصون بالغرم عن المدعي وإن شاركهم في العلم وعن الشاهد الساقط الشهادة. قال الشيخ بناني: هذا الإشكال ظاهر. قال الشيخ المسناوي: والذي يظهر أن المصنف إنما تعرض للشاهد الباقي لما فيه من التفصيل ولا حصر في كلامه، وأما الآخر فلم يتعرض له المص لأنه لا تفصيل فيه، لا لأنه لا غرم عليه، فإن كان فيما قالوه نص فالإشكال في محله، وإلا فلا يعتمد في مثل ذلك على ظاهر التتائي وغيره، وعبارة النوادر: والغرم على الشاهدين. اهـ. قلت: ثم وقفت عن ابن عرفة على النص ونصه: وفيها أي في المدونة: إن علم بعد الجلد أو الرجم أن أحدهم عبد حد المشهود أجمعون، فإن لم يعلم المشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، وإن علموا بذلك فذلك على المشهود في أموالهم ولا شيء على العبد في الوجهين. انتهى. وهذا الذي أفادته المدونة هو أحد قولين، وقيل: إن علم العبد

стр. 8000

وحده أن شهادته لا تجوز وجهل ذلك البينةُ كانت الدية كلها جناية. قاله الرهوني. قوله: ولا شيء على العبد لا من الحد ولا من الدية. وقال فضل: من الدية وأما من الحد فعليه. وقوله: في الوجهين: يعني العلم وعدم العلم، ذكره في آخر باب الشهادات، وحينئذ فالإشكال وارد. والله أعلم. ومثل ذلك في التوضيح والحطاب عند قول المص الآتي: وإن رجع اثنان من ستة فلا غرم. اهـ. وعلم مما مر أنه لا يقتص من المحكوم له بالقتل ولو انفرد بالعلم دون الشاهد. والله سبحانه أعلم. وجمع المص المشهود باعتبار أفراد جزئيات المسائل، أو المراد الجنس، وإلا فموضوع المسألة أنهما شاهدان ظهر أن أحدهما كافر. قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: المراد الجنس وإلا فليس هنا إلا شاهد واحد: وإنما حسن تعبير ابن الحاجب وغيره بالجمع لأنهم فرضوا المسألة في رجم شهود الزنى إذا ظهر أن أحدهم عبد، والمعتبر العلم بأن من شهد غير مقبول الشهادة، لا علمه بأنه عبد مثلا وقوله في القصاص: لو عبر بالقتل لكان أخصر وأحسن، لأنه أدل على المقصود: إذ ربما يتوهم شمول القصاص لغير القتل، وإن كان قوله: حلف خمسين، وقوله: في القطع، يبعده أو يمنعه. قاله الشبراخيتي. وإلا أي وإن لم يعلم المشهود، أي لم يعلم الشاهد بأن الثاني عبد مثلا فالدية على عاقلة الإمام. إن لم يعلم الإمام بأن أحدهم عبد مثلا، فإن علم كانت الدية في ماله: ولا يقتص منه ولو انفرد بالعلم، وهذا لا يخالف قوله فيما يأتي وإن علم الحاكم بكذبهم وحكم بالقصاص، لأن علمه هنا بأن من شهد غير مقبول الشهادة لا يستلزم العلم بكذبهم. قاله الشبراخيتي وغيره. وفي القطع حلف المقطوع أنها باطلة، قوله: في القطع عطف على قوله: في القصاص الذي هو القتل، يعني أنه لو شهد شاهدان على شخص أنه قطع يد آخر عمدا فقطعت يده قصاصا ثم تبين أن أحدهما عبد أو ذمي مثلا، فإنه يحلف المقطوع ثانيا أن شهادة الشاهد باطلة ويستحق دية يده على الشاهد إن علم بسقوط شهادة صاحبه، وإلا فعلى عاقلة الإمام، وكذا الحكم لو شهد شاهدان بسرقة فقطعت يد المشهود عليه بالسرقة، ثم ظهر أن أحد الشاهدين كافر أو عبد مثلا، فيحلف المقطوع ويغرم له الشاهد دية يده إن علم: وإلا فعلى عاقلة الإمام، فالمص شامل

стр. 8001

للمسألتين، وعم مما قررت أن المقطوع أولا لا يحلف لأنه لا فائدة ليمينه، لأنه لا يلزمه شيء إذ الغرم على الشاهد أو على الإمام، وكلام ابن عرفة صريح في أنه لا يحلف المشهود له هنا. انظر كلامه في المواق. وبه يتبين لك أن كلام المص يشمل قطع القصاص وقطع السرقة لأن الحكم فيهما واحد. قاله بناني. وقال الحطاب عند قول المصنف: وفي القطع حلف المقطوع أنها باطلة: قال ابن عبد السلام: وحكمها حكم الدية في المسألة الأولى، يعني مسألة القصاص فيكون الحكم على ما قال المصنف: أن الغرم على المشهود إن علموا وإلا فعلى عاقلة الإمام. ولما تكلم على المسائل التي ينقضها هو وغيره تكلم على ثلاث مسائل ينقضها هو فقط مع بيان السبب أيضا، واستغنى عن ذكره هنا بذكره قبل، فقال: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيرَه أصوب، يعني أن القاضي إذا حكم في مسألة فيها اختلاف بين العلماء ثم ظهر أن غير ما حكم به أصوب مما حكم به فإن حكمه ينقضه هو فقط دون غيره، وينقضه في حال ولايته التي حكم فيها به أو ولاية أخرى بعد عزله، وقال مطرف وابن الماجشون: لا ينقضه في الثانية. وكلام الحطاب يفيد ترجيح ما لهما، وفي الشارح ضعفه وهذا في المقلد إذا كان من أهل الترجيح، كحكمه بقول ابن القاسم ثم ظهر له أن قول سحنون أرجح أو عكسه، ويجري مثله في المجتهد أيضا فإذا حكم برأيه مستندا لدليل ثم ظهر له أن غيره أرجح فينقض حكمه ولا ينقضه غيره، وإنما مكن القاضي من نقض حكم نفسه في هذه المسائل دون غيره لأنه هو يطلع على الطرق التي ظن منها أن الحق فيما حكم به فيتحقق بالنظر الثاني منشأ غلط، ويكون على ثقة من أنه لو اطلع على الثاني أولا لما حكم به، وغيره لا يعلم سبب غلطه، ويجوز أن يكون ظهر له مما قضى أمارات لو اطلع هو عليها لم يخالفه، فلا ينقضه مع تجويز كونه صوابا، وقال بناني: إن ظهر أن غيره أصوب. ابن رشد: إذا حكم باجتهاده ثم رأى ما هو أحسن منه فالمشهور أنه ينقضه ما دام على ولايته. التوضيح: وقال ابن الماجشون وسحنون: لا ينقضه، وصوبه الأئمة: ابن محرز وعياض وغيرهما، وتأولت المدونة على كل من القولين، وقد مر عن ابن الماجشون أنه ينقضه في ولايته الأولى دون الثانية فله قولان، على أن القول بعدم نقضه في

стр. 8002

الولاية الثانية ليس مخصوصا بمطرف وابن الماجشون، بل عزاه أصبغ لابن القاسم، وقال في البيان: لا أعلم فيه خلافا. أو خرج عن رأيه، يعني أن المجتهد إذا رأى رأيا فحكم به ثم تبين له أنه مخالف لقواعده فإنه ينقضه هو دون غيره. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: أو خرج عن رأيه فله نقضه ما دام في ولايته. ابن رشد: وهو المشهور. أو رأي مقلده، يعني أن المقلد إذا حكم بقول معتقدا أنه رأي مقلده ثم تبين له أنه رأي غير مقلده، كالمالكي إذا حكم بأن النكاح مثلا بلا شهود فاسد معتقدا أنه رأي مقلده، ثم تبين له أنه رأي الشافعي مثلا، فإنه ينقضه هو فقط دون غيره. قال بناني: محل كلام المص والله أعلم فيمن هو من أهل الترجيح، وأما من ليس من أهل الترجيح فقال ابن عرفة: لا يعتبر من أحكام قضاة العصر إلا ما لا يخالف المشهور ومذهبَ المدونة، وتبعه على هذه المقالة تلميذه البرزلي، حيث قال: الذي عليه العمل أن لا يحكم القاضي بغير مشهورِ مذهبِ ملك: وقد وقع ذلك في زمن السيوري ففسخ حكم القاضي، ووقع في زمن الشيخ أبي القاسم الغبريني ففسخ حكم حاكم بشاذ، إذ لم يكن القاضي من أهل العلم والاجتهاد، لأن من كان مقلدا لا يعرف أوجه الترجيح لا يجوز له أن يحكم بالشاذ وهو معزول عنه، ويفسخ حكمه، وإنما يحكم بغير المشهور من القضاة من ثبت له وجهه وثبت عنده ترجيح غير المشهور، وليس هذا في قضاة زمننا، بل لا يرى كثير منهم النص، وإنما يحكمون بالتخمين. نقله مصطفى في أجوبته عن صاحب الدرر المكنونة ونحوه في المعيار عن أبي الفضل العقباني. والله أعلم. اهـ كلام بناني. وقوله: مقلده، بفتح اللام، وقال عبد الباقي: أو خرج مجتهد عن رأيه أو خرج عن رأي مقلده غلطا، أي ادعى كل منهما الخطأ ولم تشهد بينة بدعواه وإلا نقضه هو وغيره كما مر في قوله: أو أنه قصد كذا، وهذا في المقلد إذا صادف قول عالم وقد كان قاصدا قول غيره ة وأما إن حكم بشيء غير مستند لقول أحد فصادف قول عالم فإن ذلك ينقضه هو وغيره، كما يفيده نقل المواق، ويقيد أيضا بما إذا كان مفوضا له في الحكم بقول أيّ عالم، وأما إن ولي على الحكم بقول عالم معين فحكمه بقول غيره باطل لأنه معزول عن الحكم به، وأما من قصد الحكم بقول عالم فحكم بما لم

стр. 8003

يقله عالم فينقض حكمه هو وغيره، فالصور أربع حيث لم يثبت خطأه ببينة وإلا فثمان. اهـ. وقال المواق: أو رأي مقلده، ابن رشد: إن لم يكن مجتهدا وقضى به تقليدا فلا يسع الخلاف في أنه لا يصح له الرجوع عنه إلى تقليد آخر. ابن محرز: إن قصد إلى الحكم بمذهب فصادف غيره سهوا فهذا يفسخه هو دون غيره لأنه ظاهر الصحة لجريانه على مذهب العلماء، ووجه غلطه لا يعرف إلا من قوله، إلا أن تشهد بينة أنها علمت قصده إلى الحكم بغيره فوقع فيه فينقضه كما ينقضه هو. اهـ. ورفع الخلاف، يعني أن حكم الحاكم المخالف يرفع الخلاف أي العمل بمقتضى الخلاف، فلا يجوز للمخالف أن يقضي بخلاف ما حكم به المخالف في تلك الجزئية، لا أن الخلاف ارتفع من أصله، وكذا في غير المسائل التي تنقض مطلقا. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: يعني أن حكم الحاكم إذا وقع على وجه الصواب يرفع العمل بمقتضى الخلاف، بمعنى أنه إذا رفع لمن لا يراه ليس له نقضه، وإلا فالخلاف بين العلماء موجود على حاله، فمن لا يرى وقف مشاع إذا حكم حاكم بصحته ثم رفع لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه ولا يحل له نقضه. اهـ. وقال عبد الباقي: ورفع حكم الحاكم على وجه الصواب بجزئيةٍ الخلافَ فيها، بمعنى أنه لا يجوز للمخالف نقض الحكم فيها، وليس معناه أن هذه الجزئية يصير الحكم فيها عند المخالف مثل ما حكم به، إذ الخلاف بين العلماء موجود على حاله، مثال رفعه الخلاف: حكم بصحة وقف مشاع ممن يراه، فإذا رفع لمن لا يراه فليس له نقضه، ولا للمفتي إفتاء بخلافه، وكحكم شافعي بصحة نكاح من قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، فلا يحل لمالكي رفع له هذا الحكم نقضه ويوقع الطلاق. وقولي: على وجه، الصواب تحرزٌ عن حكمه فيما خالف قاطعا أو جلي قياس لوجوب نقضه مطلقا كما مر. اهـ. لا أحل حراما، يعني أن حكم الحاكم لا يحل الحرام، كمن أقام شاهدي زور على طلاق امرأة ثلاثا ففرق الحاكم بينهما وانقضت عدتها، فإنه لا يحل للمقيم ولا لأحد الشاهدين تزوجها، خلافا لأبي حنيفة القائل: إن حكم الحاكم يحل الحرام بالنسبة للفروج، ومثل ذلك ما إذا أقام رجل شاهدي زور على نكاح المرأة فلا يحل للمحكوم له وطؤها، وقد علم مما قررت أن قوله: لا

стр. 8004

أحل حراما، فيما كان باطنه بخلاف ظاهره، بحيث لو اطلع الحاكم على ذلك الأمر الباطن لم يحكم، فلا يخالف قوله: ورفع الخلاف، قال الخرشي: وأما قوله: لا أحل حراما. فمحمول على ما له ظاهر جائز وباطن ممنوع، بحيث لو اطلع الحاكم عليه لم يحكم بجوازه، فإن حكمه لا يحل الحرام. اهـ المراد منه. وقال التتائي: لا أحل حكم الحاكم المخالف الذي صير المختلف فيه كالمجمع عليه الحرام، وهذا عندنا عام في الأموال والفروج، ويدل لعمومه ما رواه ملك وغيره: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، إنما أقطع له قطعة من نار) (١). وقال بناني: لا أحل حراما، هذا مخصص بما باطنه بخلاف ظاهره، وهو قسمان: أموال، وفروج. خلافا للحنفية في هذا الثاني، وبما إذا حكم بأمر يعتقد حليته وكان المحكوم له لا يرى حليته لكونه مجتهدا أو ليس هو قول مقلده، فالحرام الذي لا يحله حكم القاضي هو هذان القسمان على نزاع في هذا القسم الثاني، فإن ابن شأس وابن الحاجب قالا: لا يحله: وتعقبه ابن عرفة بأنهما تبعا وجيز الغزالي، ومقتضى المذهب خلافه، ومحل كلام ابن شأس في هذا الثاني إن حكم المُخَالفُ بقول شاذ كالشفعة للجار، وقد علمت بذلك أن الأقسام ثلاثة: ما باطنه بخلاف ظاهره، وهذا محل قوله: لا أحل حراما؛ وما حكم المخالف فيه بقول غير شاذ، وهذا محل قوله: ورفع الخلاف؛ وما حكم فيه بالشاذ، وهذا عند ابن شأس حكمه كالأول. فيدخل في قوله: لا أحل حراما، وعند ابن عرفة حكمه كالثاني، فيدخل في قوله: ورفع الخلاف: وهذا مقتضى المذهب. نعم قولُ ابن عرفة: لا أعرف لابن شأس مستندا إلا ما في الوجيز قصورٌ، فإن ما ذكره ابن شأس مثله في النوادر، ونقله الحطاب مقتصرا عليه في شرح المتن، وما في التوضيح من ابتناء ما لابن شأس على القول بنقض الحكم خلاف ما يقتضيه كلام ابن عرفة من أن قول ابن شأس: لا يحل الحرام، سواء قلنا بنقضه أم لا. راجع ابن غازي. اهـ. وقال الحطاب: لا أحل حراما، قال في النوادر في كتاب الأقضية: لو طلق امرأته البتة فخاصمه إلى من

стр. 8005

يراها واحدة والزوجة مذهبها أنها ثلاث، والزوج أيضا ممن يرى أن البتة ثلاث، فلا يحل للزوج أن يقربها حتى تنكح زوجا غيره، ولا يبيح لها الحاكم أن تمكنه من نفسها حتى تنكح زوجا غيره، من قبيل أن الحاكم لا يحل لهما ما هو حرام عليهما، وكذلك لو قال لعبده: اسقني الماء يريد بذلك عتقه، والسيد يرى أن لا يلزمه في مثل هذا عتق وإن نواه، والعبد يراه عتقا: فللعبد في هذا أن يذهب حيث شاء بما حكم له، ولو قال لزوجته: اختاري، فقالت: قد اخترت نفسي، وهي تذهب إلى أن الخيار ثلاث، والزوج يراه واحدة، فإن الحاكم لا يبيح للمرأة أن تمكن الزوج منها، ولتمنعه جهدها: ولو رفعها إلى قاض يرى الخيار طلقة فارتجعها الزوج فلا يبيح لها الحاكم ما هو حرام عندها، ولا يحل لها أن يأتيها الزوج إلا وهي كارهة. انتهى. وقال عبد الباقي: لا أحل حراما فيما ظاهره جائز وباطنه ممنوع بحيث لو اطلع عليه الحاكم لم يحكم بجوازه، كمن أقام [شاهدي] (١) زور على نكاح امرأة فحكم بصحته حنفي لا يفحص عن عدالة الشهودة فلا يحل للمحكوم له وطؤها فيعا بينه وبين الله، لأن الحنفي لو اطلع على فسقهما لم يحكم بشهادتهما، وأما ما ظاهره كباطنه فيحل الحرام للمحكوم له، كحكم شافعي بحل تزويج أجنبية علق شخص طلاقها ولو الثلاث على نكاحها لعدم لزوم التعليق عنده، وكحكمه بحل مبتوتة مالكي بوطء صغير. اهـ. وقال المواق: قال ابن رشد: حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا على من علمه في باطن الأمر، لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر وهو الذي يتعبد به، ولا ينقل [الباطن] (٢) عند من علمه [عما هو عليه] (٣) من تحليل أو تحريم. قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. وفي الحديث: (لعل بعضكم أن يكون ألحن) (٤)، الحديث وهذا إجماع من [أهل] (٥) العلم في الأموال، وإنما اختلفوا في حل عصمة النكاح وعقدها، فذهب ملك والشافعي وجمهور [أهل] (٦) العلم إلى أن الأموال والفروج سواء، وقال أبو

стр. 8006

حنيفة وكثير من أصحابه: إن ذلك في الأموال خاصة، فلو أن رجلين تعمدا الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده وفرق بين الرجل وامرأته أنه يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوجها وهو عالم بأنه كاذب في شهادته. اهـ. قال الشبراخيتي: ولا كان ما يصدر من القاضي تارة يكون حكما اتفاقا وتارة يكون [حكما] (١) مختلفا فيه هل هو حكم أو لا، وتارة ليس حكما اتفاقا، أفاد جميعها على هذا الترتيب، فأشار إلى الأول بقوله: ونقل ملك، يعني أن نقل الملك عن شخص لآخر كقوله: نقلت ملك هذه الدار لزيد حكْمٌ إذا وقع بعد حصول ما يجب في الحكم من تزكية وإعذار وغيرهما لا قبله، فليس حكما. قاله عبد الباقي. وقال: ونقل ملك كقوله: نقلت ملك هذه الدار لزيد، أو هي ملك له، وكذا ثبت عندي أنها ملكه، قال غير واحد: أشار بهذا إلى أن الحكم لا يتوقف على لفظ حكمت، بل يكون بغيره، وقوله: ونقل، مبتدأ وخبره حكم الآتي، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله. وفسخ عقدت يعني أن الحاكم إذا قال: فسخت عقد كذا نكاحا أو بيعا أو غيرهما، فإن زلك حكم إذا وقع بعد حصول ما يجب في الحكم، وفسخ مصدر مضاف إلى مفعوله وهو معطوف على ونقل. وتقريرُ نكاح بلا ولي، يعني أن المرأة إذا زوجت نفسها ولم يزوجها وليها بأن عقدت هي نكاح نفسها ورفع ذلك إلى حاكم حنفي فسكت ولم يحكم بإثبات ولا نفي فإن ذلك حكم منه بثبوت النكاح المذكور: فالمراد بالتقرير ما يشمل سكوت الحنفي عنه حين رفع ولم يحكم بإثبات ولا نفي، فليس لمالكي نقضه لأن سكوت الحنفي عندنا حكم وأولى حكمه بإثباته. قاله عبد الباقي. وقوله: وتقرير، هو كذا في بعض النسخ، وهي أولى من: تَقَرُّر، كما في بعض النسخ، ومعناه التقرير، وعلم مما قررت أن قوله: حُكمٌ، خبر المبتدأ كما صَرَّحْتُ بذلك، وقال المواق عن ابن شأس: ما قضى به الحاكم من نقل الأملاك وفسخ العقود ونحو ذلك فلا شك في كونه حكما، فأما إن لم يكن تأثير القاضي في الحادثة أكثر من إقرارها لما رفعت إليه، مثل أن يرفع إليه نكاح امرأة زوجت نفسها بغير ولي

стр. 8007

فأقره وأجازه ثم عزل وجاء غيره، فهذا مما اختلف فيه. فقال ابن القاسم: طريقه طريق الحكم، وإمضاؤه والإقرار عليه كالحكم بإجازته، ولا سبيل إلى نقضه. واختاره ابن محرز، اللخمي: قول ابن القاسم أحسن، ابن العربي: إن ترك القاضي الحكم بالمسألة فرأى ابن القاسم أن يمضي بالترك فإنه حكم صحيح: كتركه فسخ نكاح المُحرِم ونكاح من حلف بطلاق قبل الملك ونحوه. اهـ. تنبيه: إذا باع الحاكم على معسر أو يتيم أو فعل عقدا من العقود، فهل ذلك حكم منه بذلك الفعل أم لا؟ الظاهر أنه ليس بحكم، وقد نقل في التوضيح في بيع البراءة عن المازري ما يقتضي ذلك. والله أعلم. وانظر تبصرة ابن فرحون فإنه نقل عن القرافي أن ما تولاه من العقود في بيع أو نكاح من في ولايته ليس بحكم. قاله الحطاب. فرع: قال ابن رشد في نوازله: إشهاد القاضي على نفسه بثبوت العقد عنده حكم بعدالة البينة عنده، فلا يلزم أن يُعيدَ الشهودُ شهادتَهم عند غيره، لأن ذلك يوجب ألَّا يحكم بشهادتهم إلا بعد علمه بعدالتهم أو بعد تزكيتهم عنده، وإذا ثبت عنده أن القاضي أشهد بثبوت العقد عنده قضى بشهادتهم بعد الإعذار دون تزكية وإن لم يعرف عدالة. انتهى. ووقع في كلامه بعد ذلك مسألة تخالف ما ذكره في هذه المسألة. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي: فعل القاضي ليس بحكم، فإذا زوج امرأة بطريق الولاية لم يكن ذلك حكما بالصحة بخلاف تقريره، كما يفيده كلام التوضيح عن المازري، وهو خلاف ما نقله عن ابن أبي زيد وابن محرز وابن المكاتب من أن ذلك حكم كما في التوضيح أيضا. انتهى. وفي الحطاب: سئلت عن مسألة وهي: ما إذا أسند شخص وصيته على أولاده إلى [شخص] (١) وأثبت ذلك حاكم مالكي وحكم به، فهل للحاكم الحنفي أو غيره أن [يثبت] (٢) رشد ذلك المحجور ويفك عنه الحجر؟ فأجبت: بأنه إذا حكم المالكي بصحة الوصية لا ينافي ذلك حكم الحنفي أو غيره بفك الحجر عنه بما يوجب ذلك، وأما إذا حكم المالكي بموجب الوصية فللحنفي إذا آنس منه الرشد وثبت ذلك عنده أن يحكم بفك الحجر

стр. 8008

عنه، وأما إذا أراد أن يفك الحجر بغير ذلك كما يذكر عن الحنفية أن الشخص إذا بلغ خمسا وعشرين سنة انفك عنه الحجر وإن لم يؤنَس رشده فليس له ذلك، لأن ذلك مناف لحكم المالكي بموجب الوصية، لأن موجبها أنه لا ينفك عنه إلا بإيناس الرشد. فتأمله. والله أعلم. انتهى. فرع: قال القرافي: الإقطاع حكم من أحكام المالكية لا ينقض. نقله الحطاب. لا لا أجيزه، يعني أنه إذا رفع هذا النكاح أي نكاح امرأة زوجت نفسها بلا ولي إلى قاض، فقال: أنا لا أجيز النكاح بغير ولي، ولم يحكم بفسخه، فإن هذا ليس بحكم بالفسخ ولكنه فتوى، فيكون لمن يأتي بعده أن يستقبل النظر فيه. قال الإمام التتائي: لا لا أجيزه فليس بحكم، كذا لابن شأس وتبعه ابن الحاجب والمص وابن عبد السلام وابن هارون. ابن عرفة: مقتضى جعله فتوى أن لمن ولي بعده أن ينقضه، والظاهر أنه لا يجوز للثاني نقضه لأن قول الأول حين رفع إليه: لا أجيزه ولا أفسخه حكم منه بأنه مكروه، والكراهة حكم شرعي يجب رعيه ولازمه، وحكم المكروه عدم نقضه بعد وقوعه ولا سيما على قول ابن القاسم في حكم الحاكم إذا كان متعلقه تركا. اهـ. وقوله: لا لا أجيزه، كذا في بعض النسخ بتكرير لا وهو الصواب. قاله الشبراخيتي: وقال المواق عن ابن شأس: أما لو رفع هذا النكاح إلى قاض، فقال: لا أجيز النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه، فإن هذا ليس بحكم ولكنه فتوى ويكون لمن يأتي بعده أن يستقبل النظر فيه. انتهى. أو أفتي، يعني أن القاضي إذا قال في أمر رفع إليه: أنا أفتِي بكذا، فإن هذا ليس بحكم اتفاقا، لأن الفتوى الإخبار بالحكم لا على وجه الإلزام. قال الشبراخيتي: وهو من عطف العام على الخاص، وقال المواق عن ابن الحاجب: فتواه في واقعة واضح أنه ليس بحكم. ابن عرفة: جزم القاضي بحكم شرعي على وجه مجرد إعلامه به فتوى لا حكم، وجزمه به على وجه الأمر به حكم. اهـ. ولم يتعد لمماثل، يعني أن الحاكم المجتهد إذا حكم في مسألة معينة فإن حكمه فيها لا يتعدى إلى مماثلتها، ومعنى ذلك أنه لا يكون حكمه في مسألة بشيء مانعا له أو لغيره من

стр. 8009

الحكم بخلافه في نظيرتها، نعم لا يجوز لغيره إذا رفعت إليه تلك النازلة التي حكم الأول فيها بعينها أن ينقضها. قاله بناني. بل إن تجدد فالاجتهاد، يعني أنه إذا تجدد المماثل، وقلنا: إن الحكم في الأول لا يتعدى له، فإنه يجتهد أي يبذل وسعه في هذا الماثل، فله الحكم بما أداه إليه اجتهاده فيه كان موافقا للأول أو مخالفا له، وقوله: فالاجتهاد أي منه أو من غيره، وعلم من هذا أن الكلام في المجتهد وأما المقلد فليس له اجتهاد فيما تجدد مماثلا لما حكم به أولا بل يحكم بمثله. نقله عبد الباقي. قال: وما قيل من أن المقلد أولى بهذا الحكم، معناد أنه لا يكون الحكم في الأولى حكمًا في الثانية المماثلة رافعا للخلاف فيها لما علمت من أن الحكم على شيء معين جزئيٌّ، فلا بد من حكم آخر للمماثل حتى يرفع الخلاف فيها أيضا، ومثل للمتجدد المعرض للاجتهاد بقوله: كفسخ برضع كبير، يعني أن المجتهد إذا فسخ نكاح امرأة بسبب رضاع كبير ثم عرض عليه نكاح امرأة مثل ذلك، فإن حكمه الأول لا يجري في هذه بل يجتهد، فإذا أداه اجتهاده إلى عدم الفسخ عمل على ذلك. قاله الشبراخيتي. وقال بناني: صورتها رجل رضع مع امرأة وهما كبيران، أو أحدهما كبير والآخر صغير، ثم تزوجها فحكم قاض بفسخ نكاحهما، فإن تزوجها ثانية فرفع ذلك إلى القاضي الأول وقد تغير اجتهاده أو إلى قاض آخر لا يرى نشر الحرمة برضاع الكبير فإن له أن يقر هذا النكاح لأنه غير النكاح الذي حكم بفسخه إذ هما نكاحان، هذا مراد المص، وبحث فيه ابن عرفة بما حاصله: أن الحكم بإقرار هذا الثاني نقض للحكم الأول، لأن متعلق الحكم الأول أن الرضاع الواقع بين هذين الزوجين ينشر الحرمة، والفسخُ مُترتّب عليه، فإذا حكم بإقرار النكاح الثاني فقد حكم بأن ذلك الرضاع لا ينشر الحرمة، وهو نقض للحكم الأول بأنه ينشر. اهـ. وتأبيد منكوحة عدة، قال بناني: صورتها من تزوج امرأة في العدة ثم فسخ الحاكم نكاحها وهو يرى تأبيد الحرمة ولكنه لم يتعرض للتأبيد بل سكت عنه، فإذا تزوجها ذلك الزوج ثانية فللحاكم الأول إذا تغير اجتهاده فرأى عدم التأبيد، ولغيره إذا رأى ذلك أن يقر هذا النكاح الثاني، لأن الحكم بفسخه إنما هو لفساده وهو لا يستلزم الحكم بالتأبيد، فإن حكم الأول بالفسخ

стр. 8010

والتأبيد لم يجز إقرار هذا النكاح الثاني لأنه نقض للحكم الأول: وبهذا تعلم أن في كل من المثالين في كلام المص إشكالا، لكن الأول مسلم لفظا مشكل معنى، والثاني بالعكس، وعبارة ابن الحاجب أحسن، لأنه قال: ونكاح معتدة. والله أعلم. راجع ابن غازي والحطاب. وقوله: وتأبيد، قرره غير واحد بأنه عطف على رضع، أي كفسخ برضع كبير وفسخ بسبب تأبيد منكوحة عدة، لا أنه حكم بالتأبيد كما هو ظاهره، إذ لو وقع كذلك لم يكن له ولا لغيره تعقبه بل تتأبد. والله سبحانه أعلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والظاهر أن هذا لا يدفع الإشكال، لأنه إذا فسخه لأجل التأبيد استلزم ذلك كونه حكم بالتأبيد، فالأحسن لو قال: ومنكوحة عدة. والله سبحانه أعلم. ويمكن تصحيح كلام المص بجعل وتأبيد عطفا على فسخ، ومعناه ينظر في تأبيد منكوحة العدة فإن أداه اجتهاده إليه وقع وإلَّا صَحَّ نكاحها حيث فسخ نكاحها لفساد العقد لا للتأبيد. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال الحطاب: ما ذكره ابن عرفة من البحث مع ابن رشد وتفريقه بين المثالين ظاهر، لأن حكم القاضي في رضاع الكبير بفسخ النكاح مستلزم لحكمه بتحريم رضا الكبير. إذ لا موجب للفسخ سواه، فحكم القاضي بصحة النكاح الثاني رافع للحكم الأول بتحريم رضاع الكبير فلا يصح حكمه بذلك، بخلاف حكمه بفسخ نكاح المعتدة فإنه لا يستلزم الحكم بتأبيد حرمتها، لأن الفسخ لكون النكاح في العدة فاسدا وتأبيد التحريم أمر وراء ذلك اختلف فيه العلماء، نعم وقع في عبارة ابن شأس التي نقلها الجماعة عنه ومنهم ابن عرفة أن القاضي فسخ نكاح المعتدة وحرمها، فإن كان مرادهم بقولهم: حرمها، أنه حكم بحرمتها عليه للفسخ فما قالوه ظاهر، وإن كان مرادهم أن القاضي حكم بتأبيد تحريمها فكيف يصح حكم القاضي الثاني بصحة النكاح الثاني؟ ولعلهم فهموا المعنى الأول، فأما على الثاني فلا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بصحة الحكم الثاني. اهـ. تنبيه: لو رفع نكاح الناكح في العدة لقاض ففسخه، ثم تزوجها ذلك الزوج بعد انقضاء العدة والاستبراء من وطئه، فرفع ذلك لقاض يرى تأبيد تحريمها ففسخ النكاح، فلا يصح حينئذ لقاض آخر أن يحكم بصحة نكاحها بعد ذلك، لأن فسخ هذا النكاح الثاني مسلتزم للحكم بتأبيد

стр. 8011

تحريمها على الناكح في العدة إذ لا مقتضِيَ للفسخ سواه. فتأمله. والله أعلم، قاله الحطاب والشبراخيتي. وهي كغيرها في المستقبل، يعني أن هذه المرأة التي فسخ نكاحها بسبب رضع الكبير، والمنكوحة في العدة التي فسخ نكاحها على الوجه المذكور، كغيرها ممن لم يتقدم عليها فسخ بسبب رضاع في الأولى، وممن لم يتقدم عليها عقد غير من اعتدت منه في الثانية في المستقبل، فله أو لغيره العقد عليها لمن فسخ نكاحه في الصورتين لأنه لم يوجد من الحاكم إلا مجرد فسخ النكاح، وهذا ظاهر في الثانية دون الأولى. والله تعالى أعلم. وقوله: كغيرها في المستقبل، قال بناني: ليس فيه كبير فائدة مع ما فهم مما قبله وقوله وهي كغيرها في المستقبل، نحوه لابن الحاجب تبعا لابن شأس، قال ابن عرفة: وقبلوه وهو صواب في مسألة العدة لا في رضاع الكبير. اهـ. وللشبراخيتي هنا كلام الظاهر سقوطه. والله أعلم. ولا يدعو لِصلحٍ إن ظهر وجهه، يعني أن القاضي لا يدعو للصلح بين الخصمين إن ظهر له وجه الحق لأحدهما على الآخر ببينة شرعية أو إقرار معتبر، أي لا يجوز له ذلك، لأن الصلح لا بد فيه غالبا من حطيطة، فالأمر به هضم لبعض الحق، ويستثنى مما هنا "وأمر بالصلح ذوي الفضل والرحم كأن خشي تفاقم الأمر" لأنه خلفه عِلَّةٌ أخرى أقوى من التعليل هنا وهي خوف العداوة لقول عمر ﵁: رددوا الحكم بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن. وذوو الفضل وإن لم يكن بينهم رحم فهم إخوة، وتفاقم الأمر يورث الضغائن أيضا. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ومما يدعو فيه الحاكم للصلح ما إذا أشكل عليه الحكم، والمراد بظهور وجهه ثبوته بالإقرار المعتبر أو البينة التي يثبت بها. وقال بناني: لو قال المص فيما تقدم بعد قوله: كأن خشي تفاقم الأمر: أو أشكل وجه الحكم، لم يحتج إلى ما هنا. ابن عرفة: ويتقرر الإشكال من ثلاثة أوجه، الأول: عدم وجدان أصل النازلة في كتاب ولا سنة. والثاني: إن شك هل هي من أصل كذا أم لا؟ الثالث: أن يجد لها أصلين بالسوية دون ترجيح. ويختلف في هذا القسم هل حكمه الموقف أو التخيير في الحكم بأيهما شاء قياسا على تعارض

стр. 8012

الحديثين دون تاريخ؟ قال: والوقف أحسن، ومثل ذلك تعادل الأمارتين؛ والأمارة كل ما أنتج الظن، والضمير في قوله: وجهه، للحق أو للحكم. ولابن عاصم: والصلح يَسْتَدعِي له إن أشكلا … حكمٌ وإن تعيّن الحق فلا ما لم يخف بنافذ الأحكام … فتنة أو شحنا ذوِي الأرحام يعني أن القاضي إذا أشكل عليه الحكم فإنه يدعو الخصمين إلى الصلح، يعني إذا كان الإشكال لتعارض البينات ونحوه، لا إن جهله القاضي مع كونه ظاهرًا في نفسه، وأما إن ظهر له وجه الحكم فلا يدعو إلى الصلح، بل ينفذ الحكم من غير مبالاة بعذل عاذل، إلا إذا خاف من تنفيذ الحكم عن صميم الشرع حصول فتنة أو وقوع شحناء بين أولي الأرحام وذوي الفضل، فإنه يأمرهم بالصلح ويحضهم عليه، وعلى القناعة ببعض الحق، وإن ظهر وجه الحكم، وكأنه ارتكاب لأخف الضررين، ومعنى يستدعي يدعو له ويأمر به، وفاعله ضمير القاضي، وفاعل يخف ضمير القاضي أيضا، وقوله: إن أشكلا، قال الشيخ أبو علي: نقلنا أن كثيرا قالوا: القاضي يدعو إلى الصلح وإن لم يكن إشكال أصلا، ولذلك قال ابن يونس ما نصه: وقال كثير من أصحاب ملك: لا بأس أن يأمرهما بالصلح متى رآه قبل النظر وبعدد أشكل أمرهما أو لم يشكل، وفيه أيضا: وقال غيره من أصحابه أي من أصحاب ملك: على القاضي أن يشير على الخصمين في أول خصامهما بالصلح. فإن أبيا منه لم يجبرهما عليه، وفي الوثائق: وليس للحاكم أن يجبر الناس على الصلح وإنما عليه أن يشير في أول الخصام، فإن أبيا منه حملهما على الحق، وفي المقرب: واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء، وهذا كلام يدل على أن الأمر بالصلح جائز أو مطلوب قبل الإشكال من جهة التصور أو الحكم. اهـ. ولا يستند لعلمه، يعني أن القاضي لا يجوز له أن يستند لعلمه في شيء من الأشياء مجتهدا أو مقلدا، بل لابد من بينة بالحق أو إقرار الخصم به. إلا في التعديل والجرح، يعني أن القاضي

стр. 8013

يستند في علمه لعدالة الشهود وتجريحهم اتفاقا. قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: إذا عرف القاضي من الشاهد الفساد والجرحة في دينه فلا يقبله وإن زكيَ عنده بجميع الناس. اهـ. قال بناني: وهو ظاهر، وإنما البحث إذا علم عدالته وجرَحه غيره، والحق أنه لا يعتمد فيه على علمه لأن غيره علم ما لم يعلمه. قاله بعض الشيوخ. اهـ. وقال الرهوني: الحق التفصيل، فإن جرحه الشاهدان بما يتحقق القاضي براءته منه كقولهما: رأيناه يشرب الخمر وقت كذا، وقد صحبه القاضي في ذلك الوقت، فلا يقبل ذلك منهما لتحققه براءته مما جرحاه به وإلا عمل على التجريح. اهـ. وفي الشبراخيتي: ويقدم علمه بالتجريح على شهادة بينة بالتعديل حيث لم يحصل بين علمه بجرحته وشهادة البينة بتعديله طولٌ، ويستند القاضي لعلمه أيضا في تأديب من أساء عليه في مجلسه، أو مفت، أو شاهد، أو على خصمه، وكذلك في ضرب من تبين لدده أو كذب بين يديه. اهـ. سحنون: لو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة وأنا أعلم خلافَ ما شهدا به، لم يجز أن أحْكُمَ بشهادتهما ولا أن أردهما لعدالتهما، ولكن أرفع ذلك إلى الأمير الذي فوقي وأشهد بما علمت وغيري بما علم. اهـ. المراد منه. وهذه المسألة تفيد تخصيص قول المص: ولا يستند لعلمه إلخ. قاله الشبراخيتي. وقال سحنون: ولو شهد عندي شاهدان ليسا بعدلين على ما أعلم أنه حق لم أقض بشهادتهما. اهـ. نقله المواق. ولابن عاصم: وعدل ان أدى على ما عنده … خلافه منع أن يرده وحقه إنهاء ما في علمه … لمن سواه شاهدًا بحكمه أي إذا أدى الشاهد شهادته وهو عدل والقاضي يعلم خلاف ذلك، فإن القاضي لا يرد شهادته، وحكمُه أنه يرفع ما في علمه إلى قاض سواه فيكون شاهدا في مرتبة الشاهد وهو معنى حكمه، أي يكون في حكم الشاهد، فالضمير في حكمه للشاهد. كالشهرة بذلك، أي بالعدالة أو الجرح، يعني أنه إذا شهد من هو مشتهر بالعدالة فإن الحاكم يستند لتلك الشهرة فيحكم بشهادة من شهرت عدالته عند الناس وإن لم يعرف هو عينه، ما لم

стр. 8014

تشهد بينة بخلاف ذلك، أو يعلم القاضي خلاف ذلك، وكذلك يستند القاضي أيضا للشهرة بالجرح فيرد شهادة من شهر بالفسق وإن لم يعلم عينه، ما لم تشهد بينة بخلاف ذلك أو يعلم القاضي خلاف ذلك، وقد شهد ابن أبي حازم عند قاضي المدينة أو عاملها، فقال له: أما الاسم فعدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم. أبو محمد: وأعجبَ ذلك مشايخَنا قاله الشبراخيتي وغيره. وقال المواق: قال ابن عبد الحكم: من الناس من لا يحتاج أن يسأل عنه لاشتهار عدالته، ومنهم من لا يسأل عنه لشهرته بغير العدالة، إنما يكشف عمن أشكل عليه. ابن عرفة: وذكر لي بعض شيوخي أن البرقي فقيهَ المهدية شهد في مسيرة إلى الحج عند قاضي الإسكندرية: فلما قرأ اسمه قال: أنت البرقي فقيه المهدية. فقيل له: نعم. فكلف المشهود له البينة على أنه هو، وحكم بشهادته دون طلب تعديله. اهـ. أو إقرار الخصم بالعدالة، يعني أن المشهود عليه إذا أقر بعدالة من شهد عليه فإن القاضي يستند في حكمه إلى إقرار الخصم بعدالته فيحكم بشهادته، ولا يطلب منه تزكية، وسواء كان القاضي يعرف الشاهد أم لا، وسواء كان إقرار المحكوم عليه قبل أداء الشهادة أو بعد أدائها، ولا يقضَى بهم على غير هذا المشهود عليه إلا بتعديل. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: كإقرار الخصم بعد الشهادة بالعدالة، لأنه بمنزلة إقراره بالحق المشهود به وأما قبله فلا وإن نظَّر فيه ابن عبد السلام، وجواب البساطي فاسد. اهـ. وقال عبد الباقي: أو إقرار الخصم المشهود عليه بالعدالة للشاهد عليه، فيعتمد القاضي عليه ويحكم ولو علم هو أو بينته خلاف عدالته، ولا يحتاج لتزكية لأن إقراره بعدالته كأنه إقرار بالحق، ولذا لا تثبت عدالتهم على غير المشهود عليه، فلا يقضى بهم على غيره، وسواء أقر بها قبل أدائها أو بعده اهـ بل الظاهر أن هذا بعد أدائها الشهادة لا قبله، لا ما قاله أبو علي وهذا الشارحُ. انظر الرهوني. وقال المواق عن ابن الحاجب: لو أقر الخصم بالعدالة حكم عليه خاصة. ابن عرفة: لا أعرف هذا الفرع لأحد من أهل المذهب، وفي جريه على أصل المذهب نظر، لأنه إقرار متناقض فيجب طرحه، فإن قلت: فقد قال في الكافي: إن لم يعرف القاضي المشهود واعترف المشهود عليه بعدالتهم قُضِيَ بهم إذا لم يكذبهم، ولا يُقْضَى

стр. 8015

بهم على غيره. قلت: قوله: إذا لم يكذبهم صير المسألة إلى باب الإقرار. وقال أصبغ: إذا رضي الخصمان بشهادة من لا يعرفه القاضي لم يحكم بها، وانظر من نوع هذا عَدَّل قاض شهودا فشهدوا عليه أن فيه جرحة أو شهد على مزكيه أيضا أن فيه جرحة. قال البرزلي: لا تجوز شهادتهم لأن القدح في الأصل قدح في الفرع، وقد اعترض ما قاله ابن عرفة تلميذاه ابن مرزوق والوانوغي، فالصواب ما للمصنف، لكن من حقه أن ينبه على أن هذا بعد أداء الشهادة. انظر الرهوني. وإن أنكر محكوم عليه إقراره بعدد لم يفده، يعني أن الخصم إذا أقر عند الحاكم فالمشهور أنه لا يحكم عليه حتى يشهد بإقراره عنده شاهدان، فلو وقع ذلك بأن حكم عليه مستندا لإقراره في مجلس الحكم فأنكر الخصم إقراره، فإن ذلك الإنكار الواقع بعد الحكم لا يفيده ونفذ الحكم، فإذا قال الحاكم: حكمت عليه بمقتضى إقراره عندي، وأنكر المحكوم عليه الإقرار لا يفيده إنكاره، فقوله: بعده، أي الحكم وهو متعلق بأنكر، وأما الإقرار فهو قبل الحكم، ومفهوم المصنف أنه لو أنكر قبل الحكم لم يحكم عليه، فإن حكم عليه بذلك الإقرار وجب عليه نقضه ما دام قاضيا. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وأما إن أنكر إقراره قبل الحكم عليه فإنه يفيده وهذا مبني على أنه يحكم بالإقرار الواقع في مجلسه على القول بجوازه، أو أن هذا بعد وقوعه، أو أنه شهد الشهود على إقراره وحكم به ثم أنكر إقراره وتعذرت شهادة الشهود بموت ونحوه. وأما لو أقر أنه حكم لشخص بشيء بشهادة فلان وفلان، وأنكر من سمى من الشهود أن يكون شهد بذلك فإن كان عدلا مأمونا عمل بقوله وإلا فلا، وابتدأ الحكم، وليس على المشهود غرم. ذكره في التبصرة ووقع في الجلاب: أن الحاكم إذا حكم بقضية وأنكر المحكوم عليه لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة على حكمه، ولا يخالف كلام المص، لأن ما في المصنف أنكر سبب الحكم، وما في الجلاب أنكر الحكم، على ما وَفَّقَ به ابن عبد السلام. اهـ. كلام الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وإن حكم على شخص بإقراره بمجلس الحكم من غير شهود، ثم أنكر محكوم عليه إقرارَه بعده أي بعد الحكم عليه به لم يفده إنكاره وتم الحكم ولا ينقض، وإن نهي عن الحكم ابتداء قبل إحضارهم، كما يفيده قوله فيما مر: وشهودًا، فقوله: بعده، متعلق بأنكر، لا بإقراره أي أنكر

стр. 8016

بعد الحكم إقراره قبله: وأما لو أنكر قبل الحكم عليه فالمشهور أنه لا يحكم عليه، لأنه لو حكم عليه حينئذ كان حاكما بعلمه، نعم يكون القاضي حينئذ شاهدًا عند قاض آخر كما في السوداني. اهـ. وقد علمت أن المشهور أن القاضي لا يستند لعلمه فيما أقر به الخصم في مجلس الحكم. وهو قول ابن القاسم، ومقابله لسحنون أنه يستند لعلمه في ذلك. قال صاحب التحفة: وقول سحنون به اليوم العمل … فيما عليه مجلس الحكم اشتمل وهو معترض بأن كلام ابن سلمون وصاحبِ المفيد يفيدُ أن العمل على قول ابن القاسم، وقال ابن سهل: لو أدرك سحنون زماننا لقال بقول ابن القاسم في كون الحاكم لا يستند لعلمه فيما أقر به الخصم بين يديه، وقد مر عن الزرقاني وغيره ما يفيد أن المشهور أنه لا يحكم بالإقرار حتى يشهد عليه، سواء استمر على إقراره حتى حكم عليه أو أنكره قبل الحكم، واعترضه مصطفى بأن الخلاف في الحكم بالإقرار الواقع في مجلسه إنما هو إذا أنكر، أما إذا استمر على إقراره فمحل اتفاق على أنه يحكم عليه، فإن أنكر بعد الحكم فهي مسألة المص. اهـ. الرهوني: اعتراض مصطفى صواب، وكلام اللخمي صريح فيما قاله. وإن شَهدَا بحكم نسيه أو أنكره أمضاه، يعني أنه إذا شهد شاهدان على قاض بأنه حكم بكذا وادعى أَنه نسي ما حكم به أو أنكره بأن قال: ما حكمت بذلك، فإنه يُمضي ما شهد به الشاهدان معتمدا على شهادتهما وجوبا. قال الشبراخيتي: وللولد أن ينفذ حكم والده وبالعكس. وقال الخرشي: يعني أن القاضي إذا حكم بحكم ثم ادعى نسيانه أو أنكره من أصله، وقال: ما حكمت به، ثم شهد به عليه شاهدان فإنه يجب عليه إمضاؤه، ولو اقتصَر على الإنكار لفهم منه النسيان من باب أولى، ووقع في كلام الخرشي وعبد الباقي: أمضاه معزولا أم لا. قال بناني: لا معنى لكونه يمضيه بعد عزله إلا أن يكون مراده أن من يولَّى بعده هو الذي يمضيه. اهـ. وقال المواق عن اللخمي: ولو أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم وقال ما حكمت بهذا، فشهدت بينة بحكمه به وجب تنفيذه. ابن عرفة: وقاله ابن القاسم وابن وهب. وفي التلقين: إن نسي الحاكم

стр. 8017

حكما حكم به فإن شهد عنده عدلان به أنفذ شهادتهما. قال في فروقه: بخلاف إذا شهد شهود الفرع ونسي الشهادة شاهد الأصل. قال: وفي كلا الموضعين فهو نقل عن الغير. اهـ. وأما عكس كلام المص ففي المجموعة: قال ابن القاسم: في القاضي يقول لرجل: قضيت عليك بكذا بشهادة عدول فأنكر وسئل المشهود فأنكروا، قال: يرفع ذلك إلى السلطان فإن كان القاضي يعرف بالعدل لم ينقض حكمه أنكر المشهود أو ماتوا، وإلا لم ينفذ وابتدأ السلطان النظر. نقله الرهوني. وأنهى لغيره، الإنهاء تبليغ الحاكم حُكْمَهُ أو ما حصل عنده مما هو دونه كسماع الدعوى لحاكم آخر. وقوله. لغيره، أي لقاض آخر، ولو صرح به لكان أبين، يعني أن القاضي يجوز له أن ينهي أي يوصل حكمه لقاض آخر لينفذه، وأن يوصل إليه ما دون الحكم ليبني عليه ويتممه، والإنهاء يكون بأحد شيئين إما بمشافهة، أي مخاطبة ومكالمة، مصدر شافهه كأنه من تحريك الشفتين بالكلام. إن كان كل بولايته، أي إذا كان الإنهاء بالمشافهة فإنه يشترط في تنفيذ الثاني وبنائه أن يكون كل منهما بمحل ولايته، وذلك على ثلاثة أوجه، الأول: أن يكونا قاضيين ببلد واحد ولكل منهما جهة تخصه. والثاني: أن يكونا ببلدين متجاورين ففي الوجهين يقف كل واحد في طرف ولايته ويخبر الآخر بحكمه أو بما حصل دونه، فجعلوا محل ولايته كزمنها، ولذا اشترطوا كون كل بمحل ولايته فيكون المتكلم في محل ولايته والسامع منه كذلك، فإذا كان المنهي بغير محل ولايته لم يعتبر إنهاؤه لأنه بمنزله إخباره أو شهادته بعد العزل، وإن كان المنهَى إليه بغير محل ولايته فإنه لا يعتبر الإنهاء إليه لأن حكمه به بعد ذلك فيه استناد لعلم سبق سبق محله. والوجه الثالث: أن يكونا ببلد واحد مشتركين مطلقا، والحكم فيه أن يشافه كل منهما الآخر بما عنده، وهذا في الحكم، وأما لو أنهى إليه أنه ثبت عنده بشهادة حاضر فقد قال في التوضيح: تردد المازري في القاضيين إذا كانا ببلد واحد وأخبر أحدهما الآخر أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان كذا هل إخباره كنقل شهادة فلا يكتفَى به لحضور المنقول عنهم، إذ لا يصح نقل عن حاضر لغير عذر، أو هو كالحكم فينفذه الثاني من غير إحضار الشهود؟ وقد يقال: إذا قبلنا قول القاضي

стр. 8018

وحده فكذلك يصح نقله. اهـ. قاله التتائي. والإنهاء إما بمشافهة كما عرفت، وإما بشاهدين كما قال: أو بشاهدين، يعني أن الإنهاء يكون بشاهدين، قال عبد الباقي: إن كان كل بولايته أيضا، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. وقال الشبراخيتي: وقوله: إن كان كل بولايته، قيد في الإنهاء، وأما المشافهة والإشهاد فتنويع للإنهاء، وقوله: مطلقا، معناه في كل حق، سواء كان الحق مما يثبت بأربعة كالزنى، أو بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو أحدهما بيمين أو بشاهد فقط، أو بامرأة فقط، أو بامرأتين. قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: مطلقا في المال وما يؤول إليه وغيرهما. وسيأتي في الشهادات أنه يُكتفَى فيه بالشاهد واليمين في المال وما يؤول إليه كما يفيده قوله: أو بأنه حكم له به، وهو المعتمد وعليه فمنطوقه مسلم، وفي مفهومه تفصيل في الأموال وما يؤول إليها يكفي شاهد ويمين، وفي غيرها لا يكفي ذلك. اهـ. وقال عبد الباقي: مطلقا سواء كان الإنهاء بشاهدين فيما يثبت بأربعة كزنى، أو بهما كنكاح وعتق، وأما الشاهد واليمين فلا يثبت كتاب قاض بهما اتفاقا إلا في المال وما يؤول إليه فيثبت بهما، كما يفيده قوله: أو بأنه حكم له به، فيستثنى ذلك من مفهوم قوله: وبشاهدين مطلقا، كما يفيده الدميري، وربما دخل في الإطلاق الإنهاء بشاهدي الأصل، إذ العدول لا يتهمون على تجويز شهادتهم الأولى، وقيل: لا يجوز. اهـ. ونحوه في الخرشي، وفيه: وكلام المؤلف مقيد بما إذا أشهد الشاهدين على نفسه وهو بمحل ولايته والآخر بمحل ولايته. اهـ. وقوله: أو بشاهد مطلقا خلافا لسحنون القائل: لا يقبل في الزنى إلا أربعة يشهدون على الكتاب الذي فيه شهادة الأربعة بالزنى. واعتمد عليهما، يعني أن القاضي المنهى إليه يعتمد على ما شهد به الشاهدان والحال أنهما خالفا في شهادتهما كتاب القاضي المنهِي، فالواو في قوله: وإن خالفا كتابه للحال لأن صورة الموافقة لا تتوهم، ومحل اعتماده على شهادتهما مع مخالفة كتاب النهي إن طابقت شهادتهما الدعوى وإلا لم يعتمد عليهما في شهادتهما على حكمه ودفع لهما كتابه ولم يقرأه عليهما. قال

стр. 8019

الشبراخيتي: ويتصور مخالفة الشاهد لكتاب القاضي فيما إذا شهد الشاهدان على الحكم ودفع لهما كتابه ولم يقرأه عليهما. وندب ختمه، يعني أنه يندب للقاضي النهي أن يختم كتابه، ومعنى الختم أن يجعل عليه ما يمنع فكه ليلا يزاد فيه أو ينقص، ولما كان ذلك غير محقق كان الختم مستحبا. ابن عبد السلام: لا يظهر للاستحباب كبير فائدة، لأن الاعتماد دائر مع الشهادة، وما ذكره واضح في صورة المخالفة، وكذا إذا قرأه عليهما، وأما عند انتفاء ما ذكر ففائدة الختم ظاهرة، إذ يمكن أن يسقط أو يسرق من المشهود فيزاد فيه أو ينقص منه، وإنما لم يجب الحكم في هذه الحالة لأن ذلك غير محقق. قال عبد الباقي: قيل: وندب الختم إنما هو من خارج الكتاب لا من داخله فيجب، لأن العرف عدم قبول غير المختوم. قال بناني: هذا القيد ذكره الفيشي، ولم أر من ذكره غيره، وفيه تخليط لأن ما به العرف في هذه المسألة مخالف للمشهور فيها. اهـ. ولم يفده وحده، يعني أن كتاب القاضي المنهي إذا كان وحده أي مجردا عن الشاهدين فإنه لا يفيد بمعنى أن القاضي المنهى إليه بمنزلة من لم يحصل إليه إنهاء، فلا ينفذ ولا يبني. قال عبد الباقي: وكلامه هنا في الإنهاء، وما مر من قوله وإن أتى رجل بكتاب قاض إلخ، ليس فيه إنهاء، وإنما حمل الكتاب نفس المدعي للعبد. اهـ. قوله: وما مر ليس فيه إنهاء إلخ، قال بناني: فيه نظر، وقد مر الجواب عن هذا في محله فانظره. قال: واعلم أنه جرى العمل في هذه الأزمان بإفادة علامة القاضي بمجرد معرفتها. قال في التحفة: والعمل اليوم على قبول ما … كتبه القاضي بمثل اعلما ابن عرفة: قال ابن المناصف: اتفق أهل عصرنا على قبول كتب القاضي في الحقوق والأحكام بمجرد معرفة خط القاضي دون إشهاد ولا خاتم معروف، ولا يستطيع أحد فيما أظن صرفهم عنه، مع أني لا أعلم خلافا في مذهب ملك أن كتاب القاضي لا يجوز بمجرد معرفة خطه، ثم وجه عمل الناس بأن الظن الحامل بأنه كتاب القاضي الباعث له حصوله بالشهادة على خطه منضما للمشهور، وهو القول بالشهادة على خط الغير حسبما تقرر في المذهب يوجب كون هذا

стр. 8020

الظن كالظن الناشيء عن ثبوته ببينة على أنه كتابه لضرر رفع مشقة مجيء البينة مع الكتاب، مع انتشار الخطة وبعد المسافة، وإذا ثبت وجه العمل بذلك، فإذا ثبت خط القاضي ببينة عادلة عارفة بالخطوط وجب العمل به، وإن لم تقم بينة بذلك والقاضي المكتوب إليه يعرف خط القاضي المكاتب إليه فجائز عندي قبوله بمعرفة خطه، وقبول سحنون كتب أمنائه بلا بينة يدل على ذلك، ويحتمل أن يقال لا بد من الشهادة عنده على خطه. اهـ. وهذا كله إن وصل كتاب القاضي قبل موته وعزله وإلا فلا يعمل به. انظر كلام ابن المناصف عند ابن غازي. وقبله ابن عرفة لكن قال الشيخ ابن رحال: الذي أدركنا عليه أشياخنا أن الإنهاء يصح مطلقا مات المكاتب أو عزل قبل الوصول: أو مات المكتوب إليه أو عزل أو تولى غيره. اهـ. ولابن عاصم: ثم الخطاب للرسوم إن طلب … حتم على القاضي وإلا لم يجب قال الشيخ ميارة: الخطاب هو أن يكتب قاضي بلد إلى قاضي بلد آخر بما ثبت عنده من حق الإنسان في بلد القاضي المكتوب إليه، وينفذ المكتوب إليه ذلك في بلده، فيقع الحكم هنالك عملا بقوله قبل والحكم في المشهور إلخ، ومعنى قوله "ثم الخطاب للرسوم" إلخ، أن خطاب القاضي أي كتبه في الرسوم جمع رسم أي الصكوك واجب إن طلب منه وإلا لم يجب، وكذلك الإنهاء بالمشافهة يجب إن طلب منه وإلا لم يجب، وفي سماع [عيسى عن] (١) ابن القاسم: من ثبت حقه عند قاض فله أن يكتب له بذلك كتابا إلى أي قضاة الآفاق كان، لا يسمي قاضيا بعينه ولا بلدا بعينها، قال ابن رشد: هو كما قال. الشارح: ومما يلحق بذلكَ النظر في الخطاب وفي محله من الرسم [وفي] (٢) كيفيته. قال ابن المناصف: شأن قضاة وقتنا كتب الخطاب أسفل وثيقة ذكر الحق، وقد يكون في ظهر الصحيفة أو أحد عرضيها إن عجز أسفلها، وربما كان في ورقة ملصقة بالوثيقة إن تعذر الموضع، ويستحب أن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، واستخف قضاة زماننا ترك ذلك
следующие страницы →