بعد الحكم إقراره قبله: وأما لو أنكر قبل الحكم عليه فالمشهور أنه لا يحكم عليه، لأنه لو حكم عليه حينئذ كان حاكما بعلمه، نعم يكون القاضي حينئذ شاهدًا عند قاض آخر كما في السوداني. اهـ. وقد علمت أن المشهور أن القاضي لا يستند لعلمه فيما أقر به الخصم في مجلس الحكم. وهو قول ابن القاسم، ومقابله لسحنون أنه يستند لعلمه في ذلك. قال صاحب التحفة:
وقول سحنون به اليوم العمل … فيما عليه مجلس الحكم اشتمل
وهو معترض بأن كلام ابن سلمون وصاحبِ المفيد يفيدُ أن العمل على قول ابن القاسم، وقال ابن سهل: لو أدرك سحنون زماننا لقال بقول ابن القاسم في كون الحاكم لا يستند لعلمه فيما أقر به الخصم بين يديه، وقد مر عن الزرقاني وغيره ما يفيد أن المشهور أنه لا يحكم بالإقرار حتى يشهد عليه، سواء استمر على إقراره حتى حكم عليه أو أنكره قبل الحكم، واعترضه مصطفى بأن الخلاف في الحكم بالإقرار الواقع في مجلسه إنما هو إذا أنكر، أما إذا استمر على إقراره فمحل اتفاق على أنه يحكم عليه، فإن أنكر بعد الحكم فهي مسألة المص. اهـ. الرهوني: اعتراض مصطفى صواب، وكلام اللخمي صريح فيما قاله.
وإن شَهدَا بحكم نسيه أو أنكره أمضاه، يعني أنه إذا شهد شاهدان على قاض بأنه حكم بكذا وادعى أَنه نسي ما حكم به أو أنكره بأن قال: ما حكمت بذلك، فإنه يُمضي ما شهد به الشاهدان معتمدا على شهادتهما وجوبا. قال الشبراخيتي: وللولد أن ينفذ حكم والده وبالعكس. وقال الخرشي: يعني أن القاضي إذا حكم بحكم ثم ادعى نسيانه أو أنكره من أصله، وقال: ما حكمت به، ثم شهد به عليه شاهدان فإنه يجب عليه إمضاؤه، ولو اقتصَر على الإنكار لفهم منه النسيان من باب أولى، ووقع في كلام الخرشي وعبد الباقي: أمضاه معزولا أم لا. قال بناني: لا معنى لكونه يمضيه بعد عزله إلا أن يكون مراده أن من يولَّى بعده هو الذي يمضيه. اهـ. وقال المواق عن اللخمي: ولو أنكر الحاكم والمحكوم عليه الحكم وقال ما حكمت بهذا، فشهدت بينة بحكمه به وجب تنفيذه. ابن عرفة: وقاله ابن القاسم وابن وهب. وفي التلقين: إن نسي الحاكم
стр. 8017
حكما حكم به فإن شهد عنده عدلان به أنفذ شهادتهما. قال في فروقه: بخلاف إذا شهد شهود الفرع ونسي الشهادة شاهد الأصل. قال: وفي كلا الموضعين فهو نقل عن الغير. اهـ. وأما عكس كلام المص ففي المجموعة: قال ابن القاسم: في القاضي يقول لرجل: قضيت عليك بكذا بشهادة عدول فأنكر وسئل المشهود فأنكروا، قال: يرفع ذلك إلى السلطان فإن كان القاضي يعرف بالعدل لم ينقض حكمه أنكر المشهود أو ماتوا، وإلا لم ينفذ وابتدأ السلطان النظر. نقله الرهوني.
وأنهى لغيره، الإنهاء تبليغ الحاكم حُكْمَهُ أو ما حصل عنده مما هو دونه كسماع الدعوى لحاكم آخر. وقوله. لغيره، أي لقاض آخر، ولو صرح به لكان أبين، يعني أن القاضي يجوز له أن ينهي أي يوصل حكمه لقاض آخر لينفذه، وأن يوصل إليه ما دون الحكم ليبني عليه ويتممه، والإنهاء يكون بأحد شيئين إما بمشافهة، أي مخاطبة ومكالمة، مصدر شافهه كأنه من تحريك الشفتين بالكلام.
إن كان كل بولايته، أي إذا كان الإنهاء بالمشافهة فإنه يشترط في تنفيذ الثاني وبنائه أن يكون كل منهما بمحل ولايته، وذلك على ثلاثة أوجه، الأول: أن يكونا قاضيين ببلد واحد ولكل منهما جهة تخصه. والثاني: أن يكونا ببلدين متجاورين ففي الوجهين يقف كل واحد في طرف ولايته ويخبر الآخر بحكمه أو بما حصل دونه، فجعلوا محل ولايته كزمنها، ولذا اشترطوا كون كل بمحل ولايته فيكون المتكلم في محل ولايته والسامع منه كذلك، فإذا كان المنهي بغير محل ولايته لم يعتبر إنهاؤه لأنه بمنزله إخباره أو شهادته بعد العزل، وإن كان المنهَى إليه بغير محل ولايته فإنه لا يعتبر الإنهاء إليه لأن حكمه به بعد ذلك فيه استناد لعلم سبق سبق محله. والوجه الثالث: أن يكونا ببلد واحد مشتركين مطلقا، والحكم فيه أن يشافه كل منهما الآخر بما عنده، وهذا في الحكم، وأما لو أنهى إليه أنه ثبت عنده بشهادة حاضر فقد قال في التوضيح: تردد المازري في القاضيين إذا كانا ببلد واحد وأخبر أحدهما الآخر أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان كذا هل إخباره كنقل شهادة فلا يكتفَى به لحضور المنقول عنهم، إذ لا يصح نقل عن حاضر لغير عذر، أو هو كالحكم فينفذه الثاني من غير إحضار الشهود؟ وقد يقال: إذا قبلنا قول القاضي
стр. 8018
وحده فكذلك يصح نقله. اهـ. قاله التتائي. والإنهاء إما بمشافهة كما عرفت، وإما بشاهدين كما قال: أو بشاهدين، يعني أن الإنهاء يكون بشاهدين، قال عبد الباقي: إن كان كل بولايته أيضا، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. وقال الشبراخيتي: وقوله: إن كان كل بولايته، قيد في الإنهاء، وأما المشافهة والإشهاد فتنويع للإنهاء، وقوله: مطلقا، معناه في كل حق، سواء كان الحق مما يثبت بأربعة كالزنى، أو بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو أحدهما بيمين أو بشاهد فقط، أو بامرأة فقط، أو بامرأتين. قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: مطلقا في المال وما يؤول إليه وغيرهما. وسيأتي في الشهادات أنه يُكتفَى فيه بالشاهد واليمين في المال وما يؤول إليه كما يفيده قوله: أو بأنه حكم له به، وهو المعتمد وعليه فمنطوقه مسلم، وفي مفهومه تفصيل في الأموال وما يؤول إليها يكفي شاهد ويمين، وفي غيرها لا يكفي ذلك. اهـ. وقال عبد الباقي: مطلقا سواء كان الإنهاء بشاهدين فيما يثبت بأربعة كزنى، أو بهما كنكاح وعتق، وأما الشاهد واليمين فلا يثبت كتاب قاض بهما اتفاقا إلا في المال وما يؤول إليه فيثبت بهما، كما يفيده قوله: أو بأنه حكم له به، فيستثنى ذلك من مفهوم قوله: وبشاهدين مطلقا، كما يفيده الدميري، وربما دخل في الإطلاق الإنهاء بشاهدي الأصل، إذ العدول لا يتهمون على تجويز شهادتهم الأولى، وقيل: لا يجوز. اهـ. ونحوه في الخرشي، وفيه: وكلام المؤلف مقيد بما إذا أشهد الشاهدين على نفسه وهو بمحل ولايته والآخر بمحل ولايته. اهـ. وقوله: أو بشاهد مطلقا خلافا لسحنون القائل: لا يقبل في الزنى إلا أربعة يشهدون على الكتاب الذي فيه شهادة الأربعة بالزنى.
واعتمد عليهما، يعني أن القاضي المنهى إليه يعتمد على ما شهد به الشاهدان والحال أنهما خالفا في شهادتهما كتاب القاضي المنهِي، فالواو في قوله: وإن خالفا كتابه للحال لأن صورة الموافقة لا تتوهم، ومحل اعتماده على شهادتهما مع مخالفة كتاب النهي إن طابقت شهادتهما الدعوى وإلا لم يعتمد عليهما في شهادتهما على حكمه ودفع لهما كتابه ولم يقرأه عليهما. قال
стр. 8019
الشبراخيتي: ويتصور مخالفة الشاهد لكتاب القاضي فيما إذا شهد الشاهدان على الحكم ودفع لهما كتابه ولم يقرأه عليهما.
وندب ختمه، يعني أنه يندب للقاضي النهي أن يختم كتابه، ومعنى الختم أن يجعل عليه ما يمنع فكه ليلا يزاد فيه أو ينقص، ولما كان ذلك غير محقق كان الختم مستحبا. ابن عبد السلام: لا يظهر للاستحباب كبير فائدة، لأن الاعتماد دائر مع الشهادة، وما ذكره واضح في صورة المخالفة، وكذا إذا قرأه عليهما، وأما عند انتفاء ما ذكر ففائدة الختم ظاهرة، إذ يمكن أن يسقط أو يسرق من المشهود فيزاد فيه أو ينقص منه، وإنما لم يجب الحكم في هذه الحالة لأن ذلك غير محقق. قال عبد الباقي: قيل: وندب الختم إنما هو من خارج الكتاب لا من داخله فيجب، لأن العرف عدم قبول غير المختوم. قال بناني: هذا القيد ذكره الفيشي، ولم أر من ذكره غيره، وفيه تخليط لأن ما به العرف في هذه المسألة مخالف للمشهور فيها. اهـ.
ولم يفده وحده، يعني أن كتاب القاضي المنهي إذا كان وحده أي مجردا عن الشاهدين فإنه لا يفيد بمعنى أن القاضي المنهى إليه بمنزلة من لم يحصل إليه إنهاء، فلا ينفذ ولا يبني. قال عبد الباقي: وكلامه هنا في الإنهاء، وما مر من قوله وإن أتى رجل بكتاب قاض إلخ، ليس فيه إنهاء، وإنما حمل الكتاب نفس المدعي للعبد. اهـ. قوله: وما مر ليس فيه إنهاء إلخ، قال بناني: فيه نظر، وقد مر الجواب عن هذا في محله فانظره. قال: واعلم أنه جرى العمل في هذه الأزمان بإفادة علامة القاضي بمجرد معرفتها. قال في التحفة:
والعمل اليوم على قبول ما … كتبه القاضي بمثل اعلما
ابن عرفة: قال ابن المناصف: اتفق أهل عصرنا على قبول كتب القاضي في الحقوق والأحكام بمجرد معرفة خط القاضي دون إشهاد ولا خاتم معروف، ولا يستطيع أحد فيما أظن صرفهم عنه، مع أني لا أعلم خلافا في مذهب ملك أن كتاب القاضي لا يجوز بمجرد معرفة خطه، ثم وجه عمل الناس بأن الظن الحامل بأنه كتاب القاضي الباعث له حصوله بالشهادة على خطه منضما للمشهور، وهو القول بالشهادة على خط الغير حسبما تقرر في المذهب يوجب كون هذا
стр. 8020
الظن كالظن الناشيء عن ثبوته ببينة على أنه كتابه لضرر رفع مشقة مجيء البينة مع الكتاب، مع انتشار الخطة وبعد المسافة، وإذا ثبت وجه العمل بذلك، فإذا ثبت خط القاضي ببينة عادلة عارفة بالخطوط وجب العمل به، وإن لم تقم بينة بذلك والقاضي المكتوب إليه يعرف خط القاضي المكاتب إليه فجائز عندي قبوله بمعرفة خطه، وقبول سحنون كتب أمنائه بلا بينة يدل على ذلك، ويحتمل أن يقال لا بد من الشهادة عنده على خطه. اهـ. وهذا كله إن وصل كتاب القاضي قبل موته وعزله وإلا فلا يعمل به. انظر كلام ابن المناصف عند ابن غازي. وقبله ابن عرفة لكن قال الشيخ ابن رحال: الذي أدركنا عليه أشياخنا أن الإنهاء يصح مطلقا مات المكاتب أو عزل قبل الوصول: أو مات المكتوب إليه أو عزل أو تولى غيره. اهـ. ولابن عاصم:
ثم الخطاب للرسوم إن طلب … حتم على القاضي وإلا لم يجب
قال الشيخ ميارة: الخطاب هو أن يكتب قاضي بلد إلى قاضي بلد آخر بما ثبت عنده من حق الإنسان في بلد القاضي المكتوب إليه، وينفذ المكتوب إليه ذلك في بلده، فيقع الحكم هنالك عملا بقوله قبل والحكم في المشهور إلخ، ومعنى قوله "ثم الخطاب للرسوم" إلخ، أن خطاب القاضي أي كتبه في الرسوم جمع رسم أي الصكوك واجب إن طلب منه وإلا لم يجب، وكذلك الإنهاء بالمشافهة يجب إن طلب منه وإلا لم يجب، وفي سماع [عيسى عن] (١) ابن القاسم: من ثبت حقه عند قاض فله أن يكتب له بذلك كتابا إلى أي قضاة الآفاق كان، لا يسمي قاضيا بعينه ولا بلدا بعينها، قال ابن رشد: هو كما قال. الشارح: ومما يلحق بذلكَ النظر في الخطاب وفي محله من الرسم [وفي] (٢) كيفيته. قال ابن المناصف: شأن قضاة وقتنا كتب الخطاب أسفل وثيقة ذكر الحق، وقد يكون في ظهر الصحيفة أو أحد عرضيها إن عجز أسفلها، وربما كان في ورقة ملصقة بالوثيقة إن تعذر الموضع، ويستحب أن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، واستخف قضاة زماننا ترك ذلك
стр. 8021
في مخاطبات الوثائق وأراهم لاكتفائهم بالاستفتاح الواقع في صدر العقد وإعادة ذلك أولى، وكيفيته: أعلم بصحة الرسم القيد فوق هذا على ما يجب الشيخَ الفقيهَ الأجلَّ أبا فلان ابن فلان أدام الله تسديده وتوفيقه وليُّه في الله فلان والسلام. وذكر تاريخ المخاطبة أولى وأحوط لاحتمال عزل القاضي المكاتب ولم يبلغه العلم بعزله، فيدخل الخلاف في إعمال خطابه وعدم إعماله، وليلا تنتقل أحوال البينة المخاطب بقبولها لجرحة حدثت، فإذا أعذر إلى من ثبت الحق عليه ولم يكن تاريخ أمكنه إبطاله بجرحها بذلك، بخلاف ما إذا كان تاريخ لسلامتها وقت الأداء والقبول من الجرحة الحادثة، وإنما قدموا في التخاطب مفعول أعلم وهو اسم المكتوب إليه على الفاعل الكاتب تعظيما له واهتماما به، ويجب على القاضي الذي ثبت عنده كتب المنهي أن يشهد على نفسه بثبوت ذلك الكتاب الذي قبله بمعرفة [خطه] (١) ليلا يعزل أو يموت، وإن اشتملت الوثيقة على عقود كثيرة صح جمعها عنده، نص على ذلك في خطاب واحد فيقول: [أعلمت] (٢) الشيخَ الفقيهَ القاضي أبا فلان بصحة الرسوم الثلاثة أو الأربعة المقيدة أو الرسمين المقيدين فوق كتابي هذا أو بمقلوبه، وإن صح بعضها دون جميعها نبه على ما صح منها بأن يقول: المقيد أول هذا الصفح أو الموالي لكتابي هذا، أو يعينه تعيينا يرفع الإشكال. ولابن عاصم:
وليس يغني كتب قاض كاكتفى … عن الخطاب والمزيد قد كفى
وإنما الخطاب مثل أعلما … إذ معلَما به اقتضى ومعلَما
يعني أنه لا يحصل الخطاب بصحّ الرسم عندي أو استقل أو اكتفى، فذلك لغو، وإنما يحصل الخطاب بأعلم، ولكن قوله: صح الرسم عندي أو اكتفى أو استقل يكفي المشهود له عن زيادة الشهود، فلا يطلب بعد ذلك بشهود زيادة على ما حصل في العقد، وقوله: أعلم، أي أعلم كاتبه الواقف عليه أن هذا الرسم يستحق أن يعمل بمقتضاه لاستجماعه شروط الحكم بعد استقلاله
стр. 8022
بنفسه وعدم توقفه على غيره. وقوله: بمثل أعلم، أي لو وقع الاصطلاح بما سوى أعلم من مماثلها لما منع من ذلك، ولا تقرر الاصطلاح بالإعلام. ولابن عاصم ﵀:
وإن يمت مخاطب أو عزلا … رد خطابه سوى ما سجلا
واعتمد القبول بعض من قضى … ومعلم يخلفه والي القضا
والحَكَم العدل على قضائه … خطابه لا بد من إمضائه
أشار بهذه الأبيات إلى أن حكم ما إذا مات أحد القاضيين أو عزل أو مات، فأخبر أنه إذا مات المخاطب بالكسر أو عزل فقد اختلف هل يعتمد خطابه ويعمل عليه أو لا؟ فمنهم من رد خطابه، ثم قال: واعتمد القبول بعض من قضى أي بعض القضاة، ومحل هذا الخلاف إذا لم يسجل الحكم، وأما إن سجله وأشهد على نفسه عدلين أنه حكم وأنفذه فإنه يعمل به اتفاقا، سواء بقي على قضائه أو مات أو عزل، وعلى ذلك نبه بقوله: سوى ما سجل. قال الشيخ ميارة: فإن قلت: كلامنا في خطاب [القاضي] (١) بما ثبت عنده لقاض آخر [والتنفيذ] (٢) في بلد المحكوم عليه، فكيف يسجل المخاطب الحكم وينفذه وإنما ينفذه القاضي المنهى إليه المخاطَب بالفتح؟ قلت: يتصور ذلك حيث يكون المتنازع فيه دينا في الذمة وكان المحكوم عليه مع طالبه [في] (٣) بلد الطالب، فينفذ قاضيها عليه عملا بقوله قبل:
وحيث يلفيه بما في الذمه … يطلبه .........................
стр. 8023
ثم يكتب لقاضي بلد المطلوب بما حكم به وأمضاه ليمكن الطالب من مال المطلوب إن لم يكن عنده مال في بلد الحكم. والله أعلم. ثم أخبر أنه إذا مات القاضي المكتوب إليه المخاطَب بالفتح وهو المعلَم بالفتح أو عزل فإن من ولي القضاء بعده يخلفه وينزل منزلته في إنفاذ ما خوطب به، وقوله: والحكم العدل، البيت، مفهومه قوله: وإن يمت مخاطب، ومعناه أن المخاطِب بالكسر العدل إذا لم يطرأ عليه موت ولا عزل فإن خطابه ماض غير مردود، فلا بد من إمضائه، وفاعل سَجّل ضمير يعود على مخاطب، والقبول مفعول اعتمد، واحترز بالعدل من غيره فإن خطابه لا يقبل.
وأديا وإن عند غيره، يعني أنه إذا كان الإنهاء بشاهدين ومات القاضي المنهَى إليه أو عزل فإنهما يوديان شهادتهما عند من ولي بعده، بمعنى أنه يُمضِي ذلك الغير ما شهدا به وينفذه. قال التتائي: وأديا وإن عند غيره، نحو قول أقضية المدونة: وإذا كتب قاض إلى قاض فمات الذي كتب الكتاب أو عزل قبل أن يصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، أو مات المكتوب أو عزل ووصل الكتاب إلى من ولي بعده فالكتاب جائز ينفذه من وصل إليه، وان كان إنما كتب لغيره، وقوله: وأديا وإن عند غيره، ظاهره أنهما يوديان عند غير المكتوب إليه، ولو كتب اسم المكتوب له عليه. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وأديا وإن عند غيره، أي إذا كان المحكوم عليه يعرف عند غيره وإلا فلا يوديان إلا عند المنهَى إليه كما وقع لابن القاسم. انتهى. وذلك أنه وقع لابن القاسم في قاضي مصر إذا كتب لقاضي إفريقية في القضاء على غائب بإفريقية فلقي المحكوم له المحكوم عليه بطرابلس أنه لا يحاكمه فيها. قال المازري: يتأول على أن المحكوم عليه لا يعرفه حيث لقيه خصمه، وإنما يعرف بالبلد الذي كتب لقاضيه، وإلى هذا أشار سحنون. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: وأديا وإن عند غيره أي غير المنهَى إليه من مولى آخر بمحل ولايته، بشرط أن يوجد فيه الخصم ويعرف أنه هو، أو بمحل المنهَى إليه لموته أو عزله، ولو كتب اسمه في الكتاب، كما هو ظاهر نقل المواق. اهـ. وقال المواق عن ابن شأس: للشاهد على الحكم أن
стр. 8024
يشهد عند المكتوب إليه وعند غيره. اهـ. وعلم مما مر عن عبد الباقي وغيره أن قول المص: وإن عند غيره، يشمل ما إذا لقي المحكوم له المحكوم عليه بغير بلد المنهَى إليه فيؤديان عند قاضي ذلك البلد حيث كان المحكوم عليه يعرف به ولو كان القاضي المنهَى إليه لم يمت ولم يعزل والله سبحانه أعلم.
فرع: إن ادعى شخص على آخر أن القاضي قضى له عليه بمال فأنكره فطلب يمينه، فعلى أنه لا بد من عدلين لا يمين عليه، وعلى مقابله وهو الراجح يحلف، المكناسي: نزلت ووقع الحكم بوجوب اليمين. قاله الرهوني.
وأفاد إن أشهدهما أن ما فيه حكمه أو خطه، يعني أن كتاب القاضي المنهي يفيد، بمعنى أنه يَعملُ به المنهَى إليه وينفذه إذا أشهد القاضي المنهي شاهدي الإنهاء على أن ما فيه حكمه أو خطه وإن لم يفتحه ولا قرأه عليهما. قال الشبراخيتي ونحوه لعبد الباقي: ظاهره أن الشهادة من غير إشهاد لا عبرة بها، وهو قول أشهب، وقال ابن القاسم وابن الماجشون: إنه يكفي. وقوله: وأفاد إن أشهدهما إلخ، قال التتائي عن ابن عبد السلام: هو الصحيح عندي لأنهما أديا ما أشهدا به من غير معارض. اهـ. وحجته (أنه ﵊ دفع إلى عبد الله بن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه إلا بعد أن يسير ليلتين فإذا قرأه فليبلغ ما فيه). اهـ.
كالإقرار، يعني أنه إذا قال كاتب وثيقة: اشهدوا عليَّ بما فيها أو أنه خطي أو أنه عندي أو في ذمتي فإنه يعمل بذلك ويكون إقرارا بما فيها. قال التتائي: كالإقرار من كاتب وثيقة قال: اشهدا علي بما فيها وأنا عالم بما فيها. قال المص: الصحيح قبول هذه البينة ككتاب القاضي، لأن الإقرار بالمجهول صحيح، وحكى عبد الوهاب روايتين فيمن دفع لشهود كتابا مطويا وقال: [اشهدوا] (١) علي بما فيه. ابن عبد السلام: اختلف المذهب في كراهة شهادة الشاهد بذلك في الوصية لاحتمال أن يكون فيها جور. اهـ. وقال الشبراخيتي ونحوه لعبد الباقي: ثم لمن أقر عنده أو أشهدد في صفة التأدية طريقان، إحداهما: أن يؤديا على نحو ما سمعا، والثانية: أن يقرءا
стр. 8025
المكتوب ويؤديا على نحو ما فيها. اهـ. وقال بناني: قال ابن الحاجب: ولو قال: أشهدكما على أن ما في الكتاب خطي أو حكمي فروايتان، ومثله لو أقر مقر بمثله. اهـ. التوضيح: قال ابن عبد السلام: والصحيح عندي منهما إعمال ما في الكتاب لأنهما أديا عنه ما أشهدهما به ولا معارض، ووجه المازري الرواية الأخرى بأنهم إذا لم يعلموا ما تضمنه فالشهادة بمضمونه شهادة بما لم يعلموا، وضعَّفه بأن ما تضمنه على الجملة قد أقر به من أمره بالشهادة والعلم تارة يقع جملة وتارة يقع تفصيلا. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: فهم من كلام غير واحد أن قوله: كالإقرار، مشبه بما قبله لإفادة حكم الإقرار، وقد صَرَّحَ الشيخ الخرشي بخلاف ذلك، فقال: تشبيه للقياس أي وأفاد هذا قياسا على هذا. انتهى.
وميز فيه ما يتميز به من اسم وحرفة وغيرهما، قال الخرشي: يعني أن شرط الحكم بما في كتاب القاضي أن يكون مشتملا على صفة المحكوم عليه الصفة الخاصة المميزة لموصوفها عن غيره، من اسم المحكوم عليه واسم أبيه واسم جده، أو صناعته وحليته ومسكنه وغير ذلك اهـ وقال التتائي شارحا للمص: وإذا حكم القاضي على غائب وطلب المحكوم له منه أن يكتب له كتابا إلى حاكم بلد المطلوب، كتب له وميز فيه ما يتميز به الغائب المحكوم عليه، من اسم له ولأبيه وجده، وحرفة وغيرهما من حلية ومسكن وشهرة، وقال عبد الباقي: وميز القاضي وجوبا فيه، أي في كتاب الإنهاء ما يتميز الدعى عليه به من اسم له ولأبيه وجده إن احتيج له، فإن أشهد باسمه فقط كفى أو كنيته فقط كفى، كابن عبد البر، وأبي بكر الصديق، وابن أبي زيد، فإنه لو قيل: يوسف في الأول، وعبد الله في الثاني والثالث لم يعرفا، ولا يكفي في مثلهما إلا الكنية. "وحرفة وغيرهما" من الصفات التي لا يشاركه في جميعها غيره غالبا. اهـ.
فنفذه الثاني، يعني أن المنهَى إليه ينفذ حكم الأول إن حكم. وبنى، أي يبني الثاني حيث لم يحكم الأول، فإن كتب إليه بثبوت شهادتهم فقط لم يأمرهم بإعادتها، وينظر في تعديلهم، وإن كتب إليه بتعديلهم لم ينظر فيه بل يعذر للمشهود عليه، وإن كتب أنه أعذر إليه وعجزه عن المدفع أمضى الحكم عليه. قاله عبد الباقي. قال: وكلام المص جار في وجهي الإنهاء وإن لم يكن له عذر في إتمامه، وبحث فيه في توضيحه. اهـ. وذلك أنه لما ذكر في توضيحه الإنهاء بالمشافهة
стр. 8026
بأن يكونا قاضيين ببلد واحد [قال: هذا] (١) - والله أعلم - إذا عرض للأول عارض يمنعة من الإتمام كمرض ونحوه. اهـ. قاله بناني. ولما شارك حكم الإنهاء مسألة ليست منه وإنما هي موافقة له في التنفيذ شبهها به، فقال: كأن نقل لخطة أخرى، قال بناني: فرض ابن سهل هذا فيمن نقل من أحكام الشرطة والسوق إلى أحكام القضاء، قال: يبني على ما قد مضى بين يديه من الحكومة. انظر المواق. وقال عبد الباقي: كإن نقل القاضي من مرتبة لخطة بالضم أي مرتبة، كما إذا نقل من الأنكحة إلى الدماء والحدود، فيتم ما فعله قبل نقله، ويبني إن اندرج ما فيه التنفيذ والبناء فيما انتقل إليه، وأما لو عزل ثم ولي فلا يبني على ما مضى بل يستأنف على المذهب، وهذا يفهم من قوله: نقل، وقيل: يبني. اهـ. قال بناني: ما فرض فيه الزرقاني كأن نقل لخفة أخرى ليس بظاهر، لأنه إن كان مراده أنه عزل من الأنكحة والبيوع ونقل إلى الدماء والحدود فهذا لا يتصور فيه تتميم ما كان بين يديه قبل النقل لأنه قد عزل عنه، وإن كان مراده أنه ولي على الدماء والحدود زيادة على ما كان مولى عليه من قبل فهذا لم ينقل بل هو باق على خطته لبقاء ولايته فيما كان فيه. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: كون مراده أنه عزل من الأنكحة والبيوع إلى الدماء، يمنعه قوله: وبنى إن اندرج ما فيه إلخ، والله أعلم. وقال الشبراخيتي مفسرا للمص: كأن نقل الحاكم الذي هو صاحب شرطة أو غيرها من هذه الخطة بأن ارتفع لخطة أخرى أي لولاية أخرى أو لرتبة أخرى من مراتب الولاية كالقضاء، فإنه ينفذ ما مضى له أو يبني عليه، فهو تشبيه في أنه ينفذ أو يبني، والخطة بالضم الأمر والقضية، وبالكسر الأرض يخطها الرجل لنفسه ويعلم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد اختارها ليبنيها دارا. قاله التتائي. انتهى وقال التتائي: كأن نقل الحاكم الذي هو صاحب شرطة أو غيره من هذه الخطة بأن ارتفع لخطة أخرى كالقضاء فإنه يبني على ما مضى له. قاله ابن عتاب لما سأله ابن سهل هل يستأنف أو يبني فيما لم يكمله؟ ثم قال عقب ما نقله الشبراخيتي عنه من تفسير الخطة بالكسر: ومنه خطة الكوفة والبصرة. اهـ.
стр. 8027
وإن حدا، مبالغة في قوله: فينفذه الثاني وبنى، يعني أن القاضي المنهى إليه ينفذ ويبني ما جاء من الأول في الحقوق المالية وغيرها كالقصاص والحدود، قال الشبراخيتي: أغيا بالحدود ليلا يتوهم السقوط لأن الحدود تدرأ بالشبهة. وقال عبد الباقي: وبالغ على التنفيذ والبناء بقوله: وإن حدا أو عفوا عن قصاص. اهـ. وقال بناني: لو قال: ولو زنى، لكان أبين لقول سحنون: لا يثبت كتاب قاض في الزنا إلا بأربعة شهود. قاله ابن مرزوق. والمواق. اهـ. وقال المواق: من المدونة: يجوز كتاب القضاة إلى القضاة في الحدود والقصاص وغيرها لجواز الشهادة على ذلك. اهـ. وقال التتائي: وينفذ الثاني ما جاء من حكم عن الأول وإن لم يكن حدا بل وإن حدا وقصاصا وعفوا. إن كان أهلا، شرط في قوله: فنفذه الثاني وبنى، يعني أن القاضي المنهى إليه إنما ينفذ ويبني حيث كان القاضي المنهِي بالكسر أهلا للقضاء أي إن كان معروفا بأنه أهل للقضاء، أو لم يعرف بهذه الصفة ولكنه متصف بكونه قاضيَ مِصْرٍ من الأمصار الجامعة، كمكة والمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ومصر والعرَاق والشام والقيروان والأندلس. قال الشبراخيتي: والأولى قراءة مصر بالتنوين لا بعدمه البلد المعروف. اهـ. بل يبعد ضبطه بغير التنوين كما في التتائي إذ لو أراد البلد المعروف لأدخل عليه الكاف. فقوله: مصر أي بلد كيير، لأن قضاة الأمصار مظنة العلم والعدالة. وإلا أي وإن لم يكن القاضي النهي بالكسر أهلا للقضاء ولا قاضي مصر كبير، فلا ينفذ القاضي المنهى إليه بالفتح كتابه ولا يبني عليه، وقد قدمت أن قوله: إن كان أهلا، شرط في قوله: فنفذه الثاني وبنى. وقال عبد الباقي: إن الشرط المذكور وما بعده في قوله: وأنهى لغيره إلخ، مع بقية الشروط المتقدمة لا فيما بعد الكاف، وكذا ما شبهه بقوله: فلا، من قوله:
كأن شاركه غيره، يعني أنه إذا شارك المشهود عليه غيره في الصفات المتقدمة فإن المرسل إليه لا ينفذ الحكم على واحد منهما حيث كان المشارِكُ حَيا، بل وإن كان ميتا إن لم يكن تاريخ ترتب الحق بعد موت الميت كما يشعر بذلك لفظ شارك. قاله عبد الباقي وغيره. وقال الشبراخيتي: كإن شاركه أي شارك الشخص المحكوم عليه غيره واحد فأكثر في اسمه واسم أبيه وجده وبقية أوصافه وإن كان المشارك ميتا. اهـ. وقال المواق عن ابن شأس: وليذكر في الكتاب اسم المحكوم
стр. 8028
عليه واسم أبيه وجده، وحليته ومسكنه وصناعته أو تجارته أو شهرة له، إن كان بحيث يتميز بذلك، فإن كان في ذلك البلد رجل يلائمه في ذلك كله لم يحكم عليه حتى يأتي ببينة تعرف أنه المحكوم عليه بعينه، ولو كان أحد الملائمين قد مات لم يستحق على الحي منهما ما في الكتاب حتى تشهد البينة أنه الذي استحق عليه، إلا أن يطول زمن الميت ويعلم أنه ليس المرادَ بالشهادة لبعده فيلزم الحي. اهـ.
وإن لم يميز القاضي المنهي بالكسر في كتابه المحكوم عليه بصفة تميزه عن غيره ففي إعدائه أي تسليطه وتمكينه من الدعوى عليه لأن الأصل عدم المشاركة حتى يثبتها المطلوب أو لا يعديه عليه حتى يثبت الطالب أحديته وليس في البلد من يشارك المطلوب قولان، وصورة المسألة أنه ليس له مشارك في البلد وإلا فلا يعدى عليه باتفاق القولين، ويخير المدعي إن شاء ادعى إليه عند القاضي الثاني ويستأنف له الحكم، وإن شاء ترك. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ففي إعدائه أي تسليط القاضي المرسل إليه الطالب على صاحب ذلك الاسم من أول وهلة وعلى صاحب ذلك الاسم أن يثبت أن بالبلد من يشاركه في ذلك الاسم أو لا يعديه عليه حتى يثبت الطالب أحديته، أي عدم مشارك له في البلد تحقيقا، وإلا لم يعده عليه قولان، وموضوعهما أنه ليس في البلد مشارك محقق وإلا لم يعده عليه اتفاقا. اهـ كلامه بحذف بعضه. وقال الحطاب: قال البرزلي: من شهد عليه بحق فأنكر أن يكون هو (١) الإثبات على الطالب في تعينه دون غيره، وأحفظ في نوازل ابن الحاج أن الحق يلزم الجميع من كان على تلك الصفة اتحد أو تعدد. اهـ.
تنبيه: قال الحطاب عند قول المص: ولم يفد وحده: قال ابن رشد: ولا يُكتفَى في ذلك بالشاهد الواحد، ولا بالشهادة على أن الكتاب خط القاضي، ولا أن الختم ختمه. وهذا في الكتب التي تأتي من كورة إلى كورة، ومن مثل مكة إلى المدينة، وأما إذا جاء من أعراض المدينة إلى قاضيها كتاب بغير بينة فإنه يقبله بمعرفة الخط أو الختم، وبالشاهد الواحد لقرب المسافة، واستدراك ما
стр. 8029
يخشى من التعدي. قاله ابن حبيب. وقاله ابن كنانة وابن نافع في الحقوق اليسيرة، خلاف ظاهر قول ابن حبيب وقد كان يعمل فيما مضى بمعرفة الخط والختم دون بينة حتى حدث اتهام الناس. ولما كانت الغيبة على ثلاثة أقسام، قريبة، وبعيدة، ومتوسطة، أشار إلى حكمها على هذا الترتيب، فقال:
والقريب كالحاضر، يعني أن الغائب غيبة قريبة كالثلاثة الأيام مع الأمن حكمه حكم الحاضر في سماع الدعوى والبينة عليه وتزكيتها والحكم عليه في كل شيء. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: والغائب القريب كأيام مع الأمن حكمه كالحاضر في سماع الدعوى والبينة عليه وتزكيتها ثم يعلم بهم اهـ المراد منه قوله: ثم يعلم بهم أي ثم يكتب إليه الحاكم ويعذر إليه في كل حق إما وكَّل أو قدم وإن لم يقدم حكم عليه في الدين وغيره. قال ابن رشد: ولم ترج له حجة في شيء، نقله في التوضيح والمواق وغيرهما، وأما قول الخرشي: إنه باق على حجته إذا قدم، فهو غلط منه. والله أعلم. قاله بناني. وقول ابن رشد: في الدين وغيره، أي يقضي عليه في كل شيء حتى في استحقاق العقار ويباع عقاره ونحوه في الدين ويعجزه القاضي إلا في دم وحبس إلى آخر ما مر. وقال المواق عن ابن رشد: مذهب ملك إن قربت غيبته كمن على ثلاثة أميال كتب إليه وأعذر إليه في كل حق إما وكل أو قدم، فإن لم يفعل حكم عليه في الدين - وبيع عليه ماله من أصل وغيره - وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وكل شيء من طلاق وعتق وغيره ولم ترج له حجة في شيء. اهـ. وأشار للبعيدة بقوله:
والبعيد جدا كإفريقية قضي عليه، يعني أن الغائب غيبة بعيدة كإفريقية من المدينة أو من مكة يقضى عليه في كل شيء دينا كان أو عرضا أو حيوانا أو عقارا، لكن يحلف الطالب يمين القضاء كما قال: بيمين القضاء، والباء في قوله: بيمين القضاء، للمصاحبة كما في الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. فيحلف الطالب أنه ما أبرأ، ولا استوفى، ولا اعتاض، ولا احتال، ولا وكل على الاقتضاء فيه. ولا في بعضه، وهذه اليمين تتوجه في الحكم على الغائب والميت واليتيم، أو الأحباس، أو المساكين، أو على وجه من وجوه البر، أو على بيت المال، أو على من استحق شيئا من الحيوان. قاله الشبراخيتي. وقوله: أو على وجه من وجوه البر، هو من عطف العام على
стр. 8030
الخاص، كمال لمن يغزو به أو ليفرق على المدرسين، أو على المنقطعين إلى الله تعالى، أو ليزوج الأعزب: أو لتفك به الأسارى، إلى غير ذلك من وجوه البر. قاله مقيده عفا الله عنه. واعلم أن يمين القضاء تتوجه في الغائب وإن كان له وكيل، فقد نقل الشيخ ميارة في شرح الزقاقية أنه لا يجوز لوكيل الغائب الصالحة عنه في يمين القضاء. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: وتسمى هذه يمين الاستبراء ويمين القضاء، وهي تتوجه في الحكم على الغائب والميت، وقد عقد لها في التبصرة فصلا، وذكر ابن سهل في أحكامه أنها تتوجه فيما إذا كان الحق في ذمة الميت، وأما إذا شهدت بينة بأن الميت أقر بهذا الشيء لشخص فإنه يأخذه ولا يمين عليه، وسيأتي مزيد كلام لذلك في باب الشهادات عند قول المص: وإن قال: أبرأني موكلك الغائب. اهـ. وقال الخرشي: قال ابن رشد: ويمين القضاء متوجهة على من يقوم على ميت، أو على غائب، أو يتيم، أو على الأحباس، أو المساكين، أو على كل وجه من وجوه البر، أو على بيت المال، أو على من يستحق شيئا من الحيوان. وبعبارة: ويمين القضاء تجب في الدين الذي على الميت ما لم تشهد البينة على إقرار الورثة بالدين فلا تجب. اهـ. وقال عبد الباقي: وقول ابن رشد: إنها تتوجه في الدعوى على ميت أي أن عنده دينا إلا أن يقر الورثة الكبار به قبل رفعه للحاكم فلا تتوجه عليه يمين، وهل كذا بعد رفعه إذا رضوا بعدم حلفه أو لا اختلاف لبعض الشيوخ؟ وكما تتوجه في الدعوى على اليتيم تتوجه في الدعوى على صغير أو سفيه. قال عبد الباقي: ومحل يمين القضاء على الحاضر إذا كانت دعواه وبينته بدين في ذمة الغائب قرض أو ثمن مبيع، وأما إن شهدت عند الحاكم بأن الغائب كان أقر أن عنده لفلان كذا فلا يحتاج ليمين القضاء. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني وأما إن شهدت عند الحاكم إلى آخره، هكذا نقله الحطاب عن ابن سهل إلا أنه فرضها في الميت لا في الغائب وفرضها في المعين [لا] (١) في أعم منه، وليس بظاهر لإمكان أن يكون هذا المقر له أبرأه بعد الإقرار، وهذا من فوائدها. انتهى، واعلم أن يمين القضاء لا يتم الحكم إلا بها، وفي مفيد الحكام عن الباجي: قال: أجمعَ من علمت من أصحاب ملك أنه لا يتم لمستحق غير الرباع
стр. 8031
والعقار حكم إلا بعد يمينه. قال: ورأى بعض شيوخنا ذلك لازما في الرباع والعقار، وبعضهم لم ير في ذلك يمينا، ثم قال: وقال ابن كنانة: ليس على من قام في أرض أو حيوان أو سلعة يمين إلا أن يدعي الذي كان في يده أمرا يظن بصاحبه أنه قد فعله فيحلف ما فعله ويأخُذُ حقه. قال: وهذه قولة ثالثة.
تنبيه: قال بعض المتأخرين: هذا إذا استحقت من يد غير غاصب، وأما إن استحقت من يد غاصب فلا يمين على مستحقها إذا ثَبتَ ملكُه لها.
مسألة: ويمين المستحق على البت أنه ما باع ولا وهب، ويمين الورثة على العلم أنه ما خرج عن ملك موروثهم بوجه من الوجوه كلها، وأن ملك جميع الورثة باق عليه إلى حين يمينهم، ولو كان الدين لميت قام به ورثته على ميت أو غائب، فلا بد أن يحلف الأكابر أنهم ما يعلمون أن وليهم قبضه من المقضي عليه ولا من أحد بسببه، ولو كان المطلوب حيا لم يحلفوا حتى يدعى ذلك على الميت أو عليهم، ولا يحلف الأصاغر وإن كبروا بعد موته. وفي التبصرة: يمين القضاء لا نص على وجوبها لعدم الدعوى على الحالف بما يوجبها، إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرا للغائب والميت، وحياطة عليه وحفظا لماله للشك في بقاء الدين عليه أو سقوطه عنه اهـ وعلم من هذا أن يمين القضاء هي التي في مقابلة دعوى مقدرة غير واقعة بالفعل، بل يقدر وقوعها احتياطا لمال من يستحيل منه إذ ذاك أن يدفع عن نفسه، ولو ادعى الحاضر قضاء حق ثبت عليه توجهت اليمين على صاحب الحق، بخلاف ما لو لم يدع قضاء فلا يمين على الطالب. وعلم مما مر أنهم يطلقون يمين القضاء على يمين الاستحقاق، وهي الواقعة في المعينات، واعلم أنه لا تتوجه يمين الاستحقاق على الحبس ولا يمين القضاء. اهـ. من التسولي.
فروع الأول: قال في التبصرة: من شهد له شاهدان على خط غريمه بما ادعاه عليه والغريم جاحد فلا يحكم له بمجرد الشهادة على خطه حتى يحلف معها، فإذا حلف إنَّهُ لَحَقٌ وما اقتضيت شيئا مما كتبه بخطه، أعطي حقه.
قال مقيده عفا الله عنه: وهو يخالف قول المص "وجازت على خط مقر بلا يمين" ويأتي أنه إحدى روايتين حكاهما ابن الجلاب. الثاني: قد تسقط يمين القضاء في بعض الصور، قال ابن
стр. 8032
الهندي إذا أوصى الرجل أن يُقضَى دينه من ثلثه فلا يمين على صاحب الحق، وذلك من جملة الوصايا، وقد نقل البرزلي عن المازري أنه إذا أوصى بدين في مرضه الذي مات منه ومات بإثر إيصائه فلا بد من يمين القضاء على صاحب الحق. الثالث: من أقر في مرضه بدنانير أو دراهم أو ما لا يعرف بعينه ثم مات فلا بد أن يحلف المقر له يمين القضاء أنه ما قبض، ولا وهب ولا أحال، وإنَّهُ لباق عليه إلى الآن، ولو كان الإقرار بعرض بعينه ثم مات المقر أخذه المقر له بدون يمين. الرابع: إذا كانت المرأة في ولاية أبيها فمات الزوج وطلبت الكالئ ففيها ثلاثة أقوال، المشهور أنها هي التي تحلف. وقاله ابن عتاب وابن العطار. وقال ابن القطان: لا يمين عليها في ذلك ولا على أبيها وقال غير واحد من الموثقين: إن الأب يحلف دونها وهو عندي أصح لأنها لو أقرت بقبضه لم يسقط عن الزوج بذلك. الخامس. إذا حلف يمين القضاء وتأخر القضاء فليس عليه أن يحلف ثانية بالتوهم المحتمل، ولا يشبه ذلك إذا كان صاحبه حاضرا أو ادعى عليه أنه قضاه بعد ذلك أو وهبه إياه، فإنه يحلف لحديث (اليمين على من أنكر). السادس: قد تكرر يمين القضاء في بعض الصور، وذلك إذا تأخر القضاء بعد إقامة البينة ويمين القضاء إلى أن قدم الغائب الديان وأقام مدة ثم مات فلا يقتضي الطالب حقه حتى يحلف ثانية، لأن الشك هنا حاصل كما كان أول مرة. السابع: من دفع دينا عن ميت ولم يحلف القابض فإن الدافع يضمن. الثامن: قال ابن الحاج: رجل أقر في دين أنه لا حق له فيه مع فلان، وتوجهت يمين القضاء، فأفتيت بأن يحلف المقر له لأنه صاحب الدين، وقيل: يحلف المقر، وقال ابن رشد: إن كان وهب الدين فإنه يحلف المقر الواهب، وإن كان أقر أنه لفلان دونه ولم يكن هبةً فإنه يحلف المقر والمقر له جميعا. التاسع: إذا أقر المولَّى عليه بدين لمن لا يتهم عليه، وأوصى أن يخرج من ثلثه، أخرج، وكذلك الصغير ابن عشر سنين ونحوها، ولا يحلف صاحب الدين، وروى ابن كنانة وأصبغ: أن الدين الذي يقر به المولَّى عليه يخرج من ثلثه وإن لم يوص به ما لم يكثر جدا، قالا: ولا يمين في ذلك على صاحب الدين. العاشر: من له دين على محاجير وأراد أن يترك شيئا منه ولا يحلف يمين القضاء، فهل لوصيهم أن يصالح عنهم في يمين القضاء؟ قال في المعيار:
стр. 8033
سئل عنها ابن الفخار، فأجاب: لا يجوز حتى يرى أن غريمه يحلف، وإن ظهر له أن غريمه لا يحلف فلا يصالح إذ لعله لا يحلف، وتعرف عزيمته وعدمها بقرائن الأحوال والأمارات والكلام، ثم نقل عن ابن رشد أنه أجاب: لا يجوز لوكيل الغائب الصالحة عنه في يمين القضاء. قال: وبمثله أفتى ابن الحاج. وإذا ادعى المطلوب قضاء الدين فأنكر الطالب ذلك، وتوجهت عليه اليمين: فنكل عنها وقلبها على المطلوب فنكل عنها أيضا فإن المطلوب يلزمه غرم الدين. وللزقاق رحمه الله تعالى:
ومن يدعي حقا لميت ليثبتن … له الموت والورَّاث بعد لتفصلا
كعكس ولكن مع يمين كغائب … وذي الحجر والأحباس والشبه مجتلا
يمين قضاء ذي وتلزم مطلقا … ولو لم يردها ذو رشاد وقيل لا
إذا يبتغي دفعا كبير بحاكم … وفي غيره أطلق وإن يكن اهملا
ثبوتٌ فعن مطلوب اسقط يمينه … بتعجيز ذي الإيصاء قولان حصلا
معنى المبيت الأول أن من ادعى حقا لميت، كأن يدعي دينا أو وديعة لأبيه أو غيره ممن يكون هذا المدعي وأرثا له، فإن الدعى عليه لا يلزم بجوابه بإقرار أو إنكار، إلا بعد أن يثبت القائم موت صاحب الحق وعدة ورثته، فإن لم يثبت ذلك لم يكن له يمين على المطلوب، كما قال في آخر المبيت الرابع وأول الخامس، أعني قوله "وإن يكن اهملا ثبوت فعن مطلوب أسقط يمينه" أي وإن لم يحصل ثبوت ذلك أي موت الموروث وعدد الورثة فأسقط اليمين عن المطلوب، فثُبُوتُ نائب أهمل وقوله "فعن مطلوب اسقط يمينه" جوابُ وإن يكن، ومعنى قوله: كعكس، أنه إذا مات المدعَى عليه فقام المدعي على ورثته فالحكم فيها كذلك، لا بد من إثبات موت المدعى عليه
стр. 8034
وعدة ورثته، ولا بد للمدعي في هذه الصورة من أن يحلف يمين القضاء، وعلى ذلك نبه بقوله: ولكن مع يمين، ولما لم يكن في الصورة الأولى يمين أتى بصيغة الاستدراك كالدلالة على خصوص هذه الصورة باليمين دون الأولى، ثم استطرد ذكر نظائر يلزم فيها يمين القضاء، وذلك فيمن ادعى على غائب أو محجور أو على حبس وشبههم، فقال: كغائب إلخ، وقوله: يمين قضاء ذي أي هذه اليمين هي يمين القضاء، وقوله: وتلزم مطلقا إلخ، فاضل تلزم يعود على يمين القضاء، ومعنى الإطلاق أن يمين القضاء لازمة لرب الدين، ولو كان وارثو المديان رشداءَ، ولو لم يدعوا دفع الدين عن وارثهم ولا عن أنفسهم. فقوله: ولو لم يردها ذو رشاد، تفسير للإطلاق، وأحرى في لزومها على هذا القول حيث يكون في ورثة المديان محجور، وقوله: وقيل لا، أي لا تلزم إذا كان الورثة رشداء، والحاصل أن محل الخلاف في لزوم يمين القضاء وسقوطها هو حيث يكون الورثة كلهم رشداء، أما إن كانوا محاجير أو فيهم محجورٌ فلا خلاف في لزومها، وقوله: إذا يبتغي، يتعلق بتلزم أي مقدرة ومعناه أنه تلزمه أيضا، ولو أقر الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم فلا يحكم له القاضي به إلا بعد يمينه مخافة أن يطرأ عليه وارث أو دين، ومعنى قوله: وفي غيره أطلق، أنه إذا كان الوارث صغيرا أو مولى عليه أو فيهم من هو كذلك فأطلق لزوم اليمين، ولا تقيده بإرادة الوارث، بل يحلف أرادها الوارث أم لا، وقوله: بتعجيز إلخ، يعني إذا مات المدين وكان وارثه محجورا أو فيهم محجور ولهم وصي وأحضره الحاكم فهل يعجزه كما يعجز المحكوم عليه في حق نفسه أو لا لأن الحق لغيره وباء بتعجيز في النظم ظرفية؟ وللزقاق رحمه الله تعالى:
يمين قضاء لا تعاد سوى لمن … يؤوب وأيضا غاب أو بعد انجلا
يعني إذا حلف القائم على الغائب بدين مثلا يمين القضاء وتَأخر اقتضاؤه للدين مدة طويلة لجمع مال الغائب وبيع عقاره مثلا، فلا تعاد هذه اليمين مرة ثانية إلا إذا تأخر القضاء بعد يمينه إلى أن جاء الغائب فأقام معه مدة ثم غاب، فلا يقتضي حقه حتى يحلف ثانية، لأن الشك ها هنا حاصل كما كان أول مرة، وكذلك الدين المنجم لا يجب عليه فيه أن يحلف عند كل نجم إلا أن
стр. 8035
يقدم الغائب في خلالها، أو تبعد النجوم بحيث يمكن أن يكون بعد أن قبض النجم الأول قد مضى فاقتضى النجمَ الثانيَ أو وكل من اقتضاه. انتهى. فأشار الناظم بقوله "سوى لمن يؤوب وأيضا غاب" إلى أنه إذا تأخر القضاء بعد الحلف إلى أن قدم الغائب ثم غاب، سواء كان الدين منجما أم لاة وبقوله "أو بعدٌ انجلا" إلى أنه إذا بعدت النجوم بحيث يمكن أن يكون قد قبض النجم الثاني ويحصل الشك فيحلف حينئذ. والله سبحانه أعلم. وللزقاق:
وتعطى صداقا ذات حجر وأرجيت … لرشد كَفِي استحقاق محجورٍ انجلى
أي إذا مات الزوج ولزوجه المحجورة دين من الصداق أو غيره فإنها تقضِي دينها وترجى اليمين إلى انطلاقها من الحجر، فإن نكلت حينئذ عنها ردته، كما أفتى به ابن عتاب وابن رشد وابن سهل وأكثر الأندلُسيين، وقيل: تحلف الآن، قال في التوضيح: وهو المشهور وهو الظاهر ليلا يضيع حق الخصم، إذ قد تبقى طول عمرها محجورة، بل تقصد ذلك ليلا تحلف كما هو مشاهد عيانا. انظر التاودي. وقوله: كفي استحقاق محجورٍ انجلى، معناه إذا استحق المحجور عرضا أو حيوانا فإنه يأخذ الشيء المستحق وترجى يمين الاستحقاق لرشده. قاله التاودي. وما في ميارة من أنه إن كان صغيرا يبقى المستحق بيد المطلوب كما لو لم يقم له إلا شاهد واحد كما يأتي فَغَيْرُ ظاهر في تفسير الناظم، والذي يظهر ما في التاودي أن التشبيه في أخذ الحق الآن وإرجاء اليمين كما يأتي ما يفيده، وفي التوضيح: أن في المحجور عليه ثلاثةَ أقوال في يمين القضاء، هل يحلف المحجور أو وصيه أو لا يمين على واحد منهما؟ فالتشبيه في قوله: أرجيت، وفي نسخة: وأرجيت يمين قضاء للرشاد وكملا، وعليها فلم يشتمل المبيت إلا على المسألة الأولى. ثم قال:
كمن غاب والأقوال أربعة وقيـ … ـــــــــــــــل يَحْلِفُ في مهر أبوها معجلا
يعني أنه كما ترجى اليمين أي يمين القضاء على ذات الحجر ويمين الاستحقاق على المحجور لرشدهما، ترجى يمين القضاء ويمين الاستحقاق إذا توجهتا على غائب، يعني غيبة بعيدة إلى حين قدوم، ويقضى على المطلوب بدفع الحق الساعة ولا يؤخَّر، ويقال له: إذا اجتمعت مع
стр. 8036
الطالب فحلفه، ويكتب له القاضي بذلك كتابا يكون بيده، فإن مات المقضي له حلف أكابر ورثته على مثل ذلك، ولا يحلف الصغار وإن كَبرُوا بعد موته، وصورة يمين القضاء من له دين على غائب فوكل من يذهب إليه يقتضيه، فادعى أنه قضى ذلك الدين لربه أو أنه أبرأه، فيقضَى للوكيل بقبض الحق منه، وللمقضي عليه تحليف صاحبه أنه لم يقبضه أو لم يبرئه إن لقيه، وصورة يمين الاستحقاق من أبق له عبد مثلا فوكل على طلبه، فوجده الوكيل في غير بلد ربه، فأقام بينة أنه لموكله واحتاج ليمين الاستحقاق، فيقضى للوكيل بأخذ العبد، ويقال للمستحَق من يده: حلف ربه إن لقيته. وقوله "والأقوال أربعة" يعني فيما بين اليمينين لا أن في كل واحدة أربعة أقوال، قال الحطاب عند قول المص "وإن قال أبرأني موكلك الغائب" إلخ ما محصله: أن في الغيبة القريبة لا يقضى للوكيل إلا بعد يمين موكِّله في المسألتين، وأما في الغيبة البعيدة فقيل: يقضى للوكيل في المسألتين، وهو قول أصبغ، وإليه ذهب ابن أبي زيد، وقيل: لا يقضى له في المسألتين حتى يكتب إلى موكله، وقيل: يقضى للوكيل بعد حلفه على العلم في المسألتين، فهذه ثلاثة أقوال، والقول الرابع: يقضى للوكيل في مسألة دعوى القضاء والإبراء دون مسألة الاستحقاق، وقوله "وقيل يحلف في مهر" إلخ، من تمام قوله: وتعطى صداقا ذات مهر، أي وقيل: لا ترجى يمينها بل يحلف أبوها حلفا معجلا، واعلم أن هذا كله في يمين القضاء والاستحقاق، وأما يمين النّصاب كما إذا أقام الوكيل للغائب شاهدا، فإنه يقضى على الذي عليه الحق باليمين إلى أن يقدم الغائب فيحلف مع شاهده، فإن نكل المشهود عليه عن اليمين قضي عليه، ولم يكن على الغائب إذا قدم أن يحلف. ثم قال الزقاق:
فإنفاذ إيصاء بدين لربه … بلا حلف قولان كالصِّدق فاقبَلا
يعني أن من أوصى أن يقضى دينه من غير أن يحلف صاحبه يمين القضاء في إنفاذ وصيته وعدم إنفاذها، أي لابد من حلفه يمين القضاء قولان، وكذلك إذا كان الحق على غائب أو ميت وقد
стр. 8037
كان رب الدين اشترط أنه مصدق في عدم قبض حقه، ففي إعمال هذا الشرط ولا يمين عليه، وعدم إعماله ويحلف قولان أيضا.
مسألة: لا يقتضي الحاكم دين الغائب إلا دين المفقود والمحجور. قال الشيخ ميارة: يريد والله أعلم المحجور الذي لا أب له ولا وصي، أو له وغاب ولم يوكل، ويقبض للغائب ما كان عن تعد مفقودا أو غيره. وللزقاق رحمه الله تعالى:
ولا يتقاضى حاكم دين غائب … سوى دين مفقود ومحجور انجلا
وفي المدونة: وينظر الإمام في مال المفقود ويجمعه ويوقفه، كان بيد وارث أو غيره، ويوكل به من يرضاه، وإن كان في ورثته من يراه لذلك أهلا أقامه له، وينظر في ودائعه وقراضه، ويقبض ديونه، ولا يبرأ من دفع من غرمائه إلى ورثته، لأن ورثته لم يرثوه بعد. ثم قال المص:
وسمى الشهود، يعني أن القاضي لابد أن يسمي الشهود في حكمه على الغائب ليجد مدفعا عند قدومه بتجريح الشهود لأنه باق على حجته. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وسمى الشهود الذين قضى عليه بشهادتهم ليتمكن المطلوب من رد القضاء بتجريح أو غيره. وقوله: وسمى الشهود، يجري في متوسط الغيبة أيضا كما يفيده كلام الشارح وغيره، بل هو أولى بذلك من بعيدها، ولعل هذا وجه إسقاط المص ذكر وسمى الشهود في متوسطها. اهـ. وقال عبد الباقي: وسمى الشهود بالحق والمعدلين لهم حيث يعذر فيهم ليجد مدفعا لأنه باق على حجته. وهذا في متوسطها وبعيدها. انتهى. وفهم من كلام المصنف: قُضِيَ عليه، أنه لا يقيم عن الغائب وكيلا ينوب عنه في حجته: وهو كذلك لانقطاع حجته بحجة وكيله، فكان ذلك أنفع له لبقاء حجته. قاله التتائي.
وإلا، أي وإن لم يسم الشهود وحكم بغير يمين القضاء نقض حكمه ويستأنف ثانيا، ما لم يكن الحاكم مشهورا بالعدالة فلا ينقض بعدم تسميتهم، كما يفيده الجزيري وابن فرحون. قال
стр. 8038
الشبراخيتي: وهذا يفيد أن تسمية الشهود شرط لصحة الحكم على الغائب، وهو أحد قولين، وقيل: تسمية الشهود مستحبة، ومثل الغائب المذكور في تسمية الشهود الصغير. اهـ. وقال المواق عن ابن رشد: الحكم على الغائب لا بد فيه من تسمية المشهود ليتمكن من الطعن فيهم، وهو مشهور المذهب المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن ملك، فإن لم يسم فيه البينة فسخت القضية. قاله أصبغ. وهو صحيح على أن الحجة ترجى له، والحكم على الحاضر لا يفتقر إلى تسمية البينة فيه، إذ قد أعذر للمحكوم عليه وتسميتهم أحسن. قاله أصبغ وبه العمل. ابن أبي زمنين: ومثل الغائب الصغير لا بد من تسمية الشهود في الحكم عليه، وهذا كله خلاف سحنون. ابن رشد: وإذا أشهد القاضي بثبوت عقد عنده ولم يسم بمن ثبت عنده ثم عزل القاضي أو مات فلا يبطل العقد، ويحمل الجميع على العدالة. اهـ. وأشار إلى الغيبة المتوسطة. بقوله:
والعشرة أو اليومان مع الخوف يقضى عديه معها، يعني أن الغائب على عشرة أيام مع أمن الطريق أو اليومان مع الخوف أي عدم أمن الطريق يقضى عليه بيمين القضاء أيضا، في كل شيء غير استحقاق العقار. وأما هو فلا يقضى عليه فيه وينتظر لكثرة المشاحة فيه. وقول عبد الباقي: بل هو على حجته إذا قدم، غير ظاهر لأنه لا يحكم عليه أصلا حتى يقال إنه على حجته إذا قدم: ومعنى الاستحقاق أن يأتي بما يثبت أنه له، وأما بيع العقار فيحكم به، كما إذا أقامت المرأة بينة أنها عادمة للنفقة، أو أقام أرباب الديون البينة على الدين فإنه يحكم ببيع عقاره. قال عبد الباقي: واحترز بقوله: استحقاق، عن بيع العقار في دين على الغائب أو نفقة امرأته فإنه يحكم به، بل ويحكم به على حاضر ملد بدفع الحق كما هو ظاهر كلامهم، ويوافقه قوله في الرهن: وباع الحاكم إن امتنع، واعلم أن ما قارب كلا من مسافة الغيبة في الأقسام الثلاثة له حكمه على ما يظهر، واعلم أيضا أن الثلاثة في مدعى عليه غائب عن محل ولاية الحاكم، ولكنه متوطن بولايته أو له بها مال أو وكيل أو حميل، وإلا لم يكن له سماع ولا حكم، ويدل عليه قوله الآتي: ولا يزوج امرأة ليست بولايته بل تنقل الشهادة فقط من غير حكم. انتهى.
стр. 8039
تنبيهات: الأول: قال بناني: ذكر ابن عاشر أن الغيبة المتوسطة تعطى في العقار حكم الغيبة القريبة، وفي غير العقار تعطى حكم البعيدة. فتأمله. وكلام المدونة صريح في ذلك. قال في الأمهات: قلت: أرأيت لو أن دارا في يد رجل غائب فأتى رجل فادعى أنه وارث هذه الدار مع الغائب [أيقبل] (١) القاضي هذه البينة والذي كانت في يده الدار غائب أم لا؟ قال: لا أحفظ من ملك فيها شيئا، إلا أني سمعت من يذكر عنه في هذا أن الدار لا يقضى على أهلها وهم غُيَّبٌ وهو رأي، قال ابن القاسم: إلا أن تكون غيبة تطول فينظر في ذلك السلطان، مثل ما يغيب الرجل إلى الأندلس أو إلى طنجة ليقيم في دلك الزمان الطويل، فأرى أن ينظر في ذلك السلطان فيقضي له. قلت: أرأيت إن أقاموا البينة أنهم ورثوا هذه الدار من أبيهم، وأن ذلك الغائب الذي هذه الدار في يده لا حق له فيها؟ قال: لم أسمع من ملك في هذا إلا ما أخبرتك أنه بلغني، فأرى أنه إن كانت الغيبة مثل ما يسافر الناس إليه ويقدمون كتب الوالي إلى ذلك الموضع أن يستخلف أو يقدم فيخاصمهم، وإن كانت غيبته بعيدة يعلم أن الذين يعلمون إرثهم لا يقدرون على الذهاب إلى ذلك الغائب الذي في يده الدار، ولا يوصل إليه لبعد البلاد رأيت أن يقضى لهم بحقوقهم. اهـ بلفظه. فانظر قوله: فأرى إن كانت الغيبة مثل ما يسافر الناس لخ، فإنه ظاهر فيما ذكرناه. والله أعلم. اهـ كلام بناني. الثاني: قال المواق عن ابن رشد في نوازله: وهذا التحديد بالقرب والبعد هو مع أمن الطريق وكونها مسلوكة وإن لم يكن كذلك حكم عليه وإن قربت غيبته. اهـ. الثالث: قال بناني عن ابن عرفة: المتيطي: إن بعدت غيبته وهو من أهل مصره خرج عنه مسافرا غير متنقل سجل وأمضى الحكم عليه دون إعذار، وإن كان من غير أهل بلده [الذين] (٢) استقضي عليهم لم يسجل عليه، فإن ذلك ليس إليه، إنما له أن يقيد شهادة البينة عليه ويسميها ثم يشهد على كتابه ذلك من يشهد بذلك عند قاضي البلد الذي فيه المدعى عليه.
وحكم بما يتميز غائبا بالصفة، يعني أن الشيء المدعى فيه إذا كان غائبا عن البلد وهو مما يتميز بالصفة أي يقبل التمييز كعبد وفرس فإنه يوصف ويحكم به ويتنزل وصفه منزلة معاينته، وإن
стр. 8040
كان لا يتميز بالصفة كالحديد والحرير فإن البينة تشهد بقيمته ويحكم بها لمدعيه؛ أي فالغائب عن البلد لا يشترط حضوره مطلقا لأنه إن أمكن وصفه قام وصفه مقام حضوره، وإن لم يمكن وصفه قامت قيمته مقام وصفه، ولا فرق في ذلك بين القوم والمثلي، وإنما اعتبرت القيمة في المثلي لجهل صفته، وهذا في الغائب عن البلد، وأما ما في البلد فلا بد من إحضاره مجلس الحكم، سواء كان مما يتميز بالصفة أم لا. قاله الشبراخيتي. وقوله: غائبا، حال من فاعل يتميز: وبالصفة متعلق بيتميز. وقال عبد الباقي: ولما ذكر الحكم على الغائب ذكر الحكم بالغائب، فقال: وحكم بما يتميز حالة كون المحكوم به غائبا عن بلد الحكم. اهـ. وقوله:
كدين، معناه أنه يحكم بالشيء الغائب التميز بالصفة كما يحكم بدين على شخص غائب عن بلد الحاكم، وكأنه أشار إلى قياس المسألة على الثانية لأنه لا فرق بين غيبة المحكوم عليه والمحكوم به؛ لأن المحكوم عليه الغائب إنما يتميز بالصفة، فالمحكوم به كذلك قاله ابن مرزوق وهو غاية في الحسن. والله تعالى أعلم. ويفهم من كلام غير واحد. ونَقَلَ بناني عن المازري ما نصه: إن كان المحكوم به مما لا يتميز أصلا ذكرت البينة قيمته، تقول: غصبه حريرًا أو طعاما قيمته كذا. قال بناني: وهذا مما يتعلق بالذمة، وما في الذمة تسمع البينة به، ولو لم يقبل التمييز بعينه: لتعيين صاحبه الذي هو في ذمته. وفي حاشية بناني أيضا بعد كلام: وبه يتضح لك أن البينة تسمع في الدين ولو لم يقبل التمييز في عينه لأنه في الذمة، أما ما لا يتميز بالصفة وليس دينا فلا تسمع البينة به غائبا إلا إن شهدت على عينه وهو مفهوم قوله: يتميز اهـ كلام بناني. وبه تعلم ما في كلام الشبراخيتي وعبد الباقي. والله سبحانه أعلم.
وجلب الخصم بخاتم أو رسول، يعني أن الغائب في محل ولاية الحاكم وهو متوطن بمحل ولايته إذا ادُّعِي عليه بشيء فإن القاضي يجلبه إليه؛ أي يأتي به إلى مجلس الحكم بأن يبعث إليه بطابع أي خاتم أو يرسل إليه رسولا يأتي به، أو يبعث إليه في ذلك بأمارة أو ورقة يأمره فيها بالذهاب إليه، وهذا إن كان المدعى عليه على مسافة العدوى من مجلس القاضي، وهي طلبك إلى والٍ ليُعديك على من ظلمك؛ أي ينتقم منه، تقول: استعديت على فلان الأمير فأعداني؛ أي
стр. 8041
استعنت به عليه فأعانني، والاسم منه العدوى، وهي المعونة. قال المواق: ابن شأس: إذا غاب ولم يكن موضعه يزيد على مسافة العدوى أحضره القاضي. وقال عبد الباقي: وجلب الخصم بخاتم أو رسول أو ورقة أو أمارة إن كان على مسافة العدوى من مجلس القاضي، وهي مسافة القصر على المعتمد لا التي يذهب ويرجع فيبيت بمنزله في يوم واحد كما قيل، ويجلبه القاضي جبرا عليه إن شاء القاضي، وإن شاء كتب إليه إما حضر أو وكَّل أو أرضى خصمه. اهـ. وقال الشبراخيتي: وجلب القاضي الخصم مع مدعيه بخاتم، والمراد به الطابع الذي يطبع به كتابه سواء، كان يضعه في يده أم لا، أو ورقة، أو رسول، أو أمارة أو نحوها، وظاهره أنه يجلبه وإن لم يأت الطالب بشبهة. قال ابن عرفة: وهو ظاهر قول ابن أبي زمنين؛ وجزم ابن عاصم تبعا لسحنون بأن الحاكم لا يرفعه حتى يأتيه الطالب بشبهة ليلا يكون مدعيا باطلا ويريد تعنيت المطلوب، ويؤخذ من كلام المصنف أن من طلب للشكوى لا تلزمه الإجابة، وله أن يمتنع حتى يأتيه خاتم أو رسول. اهـ. وقال التتائي: إن كان على مسافة العدوى من مجلس القاضي مثل أن يأتي ثم يرجع يبيت بمنزله والطريق مأمون، وحد الباجي في سجلاته القرب بثلاثة أميال. اهـ. وقال الخرشي: مسافة العدوى هي التي يروح منها ويرجع فيبيت بمنزله في يوم واحد. اهـ. وقال الشبراخيتي: ومسافة العدوى مثل أن يأتي ثم يرجع فيبيت بمنزله، وقال الباجي: مثل ثلاثة أميال، وذكر الحطاب أن كلام القرافي يفيد أن مسافة العدوى هي مسافة القصر، ونحوه في تبصرة ابن فرحون. اهـ. وقال بناني: ابن عرفة: الشيخ عن ابن عبد الحكم: من استعدى الحاكم على من معه بالمصر أو قريبا منه أعطاه طابعا في جلبه أو رسولا. اهـ. وقال المواق عند قوله: وجلب الخصم بخاتم: أمر سحنون الناس أن يكتبوا أسماءهم في بطائق ثم اختلطت البطائق، ثم دُعيَ بالأول فالأول: فمن دُعيَ باسمه وخصمُه حاضر أدخلهما وأجلسهما بين يديه على الاعتدال في مجلسهما، وإن استعدى الذي خرج اسمه على رجل بحاضرة مدينة القيروان أو قصر ابن الأغلب وهو على ثلاثة أميال من المدينة أعداه على خصمه بطابع يعطيه إياه، فإذا أتى بصاحبه أمر بأخذ الطابع منه، وكان لا يعطي كتاب عدوى يجلب الخصم إلا بلطخ من شاهد عدل، فيأمر كاتبه فيكتب كتاب عدوى إلى أمينه، وقد تقدم أنه لا يرفع الخصم إلا من الأميال اليسيرة. اهـ.
стр. 8042
وفي الحطاب عن القرافي: إن ادعى من مسافة العدوى فما دونها وجبت الإجابة، لأنه لا يتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك، ومن بعد عن المسافة لا تجب الإجابة، وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة، أو له حق ولكن لا يتوقف على الحاكم لم تجب الإجابة، فإن كان قادرا على أدائه لزمه أداؤد ولا يذهب إليه، ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه ودعواه إلى الحاكم، وإن ادعاه وعلم أنه يحكم عليه بجور لم تجب الإجابة: وتحرم في الدماء، والفروج، والحدود، وسائر العقوبات الشرعية، وإن كان الحق موقوفا على الحاكم كتأجيل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة، وبين الإجابة فليس له الامتناع منها، وكذلك القسمة المتوقفة على الحكم، يخير بين تمليك حصته لغريمه، وبين الإجابة، فليس له الامتناع، وكذلك الفسوخ المتوقفة على الحكام، وإن ادعى إلى مختلف في ثبوته وخصمه يعتقد ثبوته وجبت لأنها دعوى حق، أو يعتقد عدم ثبوته لم تجب لأنه مبطل، وإن ادعاه الحاكم وجبت لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد، ومتى طولب بحق وجب عليه على الفور، كرد المغصوب وجب أداؤه في الحال، ولا يحل له أن يقول: لا أدفعه إلا بالحكم، لأن المطل ظلم، ووقوف الناس عند الحاكم صعب، وأما النفقات فيجب الحضور فيها لتقديرها إن كانت للأقارب، وإن كانت للزوجة أو للرقيق خير بين إبانة الزوجة وعتق الرقيق وبين الإجابة. اهـ. وفي المسائل الملقوطة: اختلف العلماء هل يُحْضِرُ الحاكم المطلوب بمجرد الدعوى أو لا بد أن يسأله عن وجه الدعوى ويذكر للحاكم السبب؟ والذي ذهب إليه جماعة من أصحابنا أنه لا يحضره حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلا، وهي رواية أحمد، ونقل عن الشافعي وأبي حنيفة معن أحمد في رواية أنه يحضره بمجرد الدعوى والأول أولى لأن الدعوى، قد لا تتوجه فيبعث إليه من مسافة العدوى ويحضره لما لا يجب عليه فيه شيء، ويفوت عليه كثير من مصالحه، وربما كان حضور بعض الناس والدعوى عليه بمجلس الحكام [مزريا به] (١)، فيقصد من له غرض
стр. 8043
فاسد أذى من يريد ذلك. اهـ. وقد مر عن ابن عاصم تبعا لسحنون خلاف ظاهرما للمص من قوله: وجلب الخصم لخ، وهو قوله:
ومع مخيلة بصدق الطالب … يرفع بالإرسال غير الغائب
يعني أن المطلوب إذا لم يحضر مجلس القاضي وهو حاضر معه في المصر فإن القاضي يوجه إليه من يرفعه لمجلس الحكم، وإن لم يكن معه في المصر، فإن كان على يسير الأميال مع أمن الطريق من موضعه إلى محل الحكم، فإن القاضي يكتب إليه يأمره بالحضور عوضا عن دفع الخاتم الذي كان عليه العمل قديما، وفي المسألتين لا بد أن يظهر مخايل صدق المدعي في دعواه، ومخايل الصدق دلائله؛ كأثر جرح أو ضرب، وغير الغائب هو الحاضر مع الطالب في بلده، وإذا كان قريبا وكتب إليه ليحضر ولم يحضر والطريق مأمونة فإنه يحكم عليه كالحاضر معه في البلد، وإلى هذا القسم الأخير أشار بقوله:
ومن على يسير الأميال يحل … فالكتب كاف فيه مع أمن السبل
لا أكثر؛ يعني أنه لا يجلب الخصم في أكثر من مسافة العدوى، وذلك كستين ميلا وما قاربها مما زاد على العدوى فلا يجلبه، فإن جلبه لم يلزمه الحضور، ومحل كونه لا يجلبه حيث لم يقم المدعي شاهد وأما إن [أقامه] (١) فإنه يجلبه ويجبره على الحضور، كمن على مسافتها، وإلى ذلك أشار بقوله: إلا بشاهد، وقال الشبراخيتي: إلا بشاهد فيجلبه لكن لا يجبره، ولو اقتصر على كستين ميلا لطابق ما لابن الحاجب، وصاحب التبصرة، والقرافي في الفروق. وكلام غير واحد من أحل المذهب كالمتيطي وإن وافقه بعض الموثقين، لكنه لا يتقوى قوة كلام من ذكر. اهـ. وفي رجز ابن عاصم:
ومع بعد أو مخافة كتب .... لأمثل القوم أن افعل ما يجب
стр. 8044
إما بإصلاح أو الإعرام … أو أزعج المطلوب للخصام
هذا مفهوم قوله قبل: ومن على يسير الأميال لخ؛ يعني أنه إذا ظهرت مخلية صدق الطالب، وكان المطلوب بعيدا بعدا حسيا من جهة المسافة أو بعدا معنويا من جهة الخوف، فإن القاضي يكتب لأمثل القوم بموضع حلول المطلوب بالأمر، يفعل ما يجب من الأمر بالتناصف بينهما، إما بالصلح أو بالعزم على المطلوب في الوصول إلى محل الحكم، أو رفع المطلوب من موضعه إلى مجلس الحكم. قاله الشيخ ميارة. ولابن عاصم:
ومن عصى الأمر ولم يحضر طبع … عليه ما يهمه كي يرتفع
يعني أن المطلوب إذا عصى الأمر بأن تغيب ولم يحضر مجلس القاضي، فإنه يطبع عليه ما يهمه طبعه مما لا صبر له عليه، كداره وحانوته كي يرتفع أحب أم كره؛ أي يلصق شمع أو عجين بالباب: وبما يليه، ويطبع عليه بطابع فيه نقش يظهر أثره في ذلك الشمع أو العجين، فإذا فتح الباب ورد ذلك العجين أو الشمع تغير نقشه، وعلم أن الباب قد فتح فيعاقب من فتحه أشد العقوبة، وهذا الطبع أولى من التسمير لأنه يعيب الباب أو يفسده. ثم قال:
وأجرة العون على طالب حق … ومن سواه إن ألد تستحق
يعني أجرة العون أي أعوان القاضي الذين يجلبون الخصوم على طالب الحق إن لم يكن المطلوب ملدا، وإلا فتكون على المطلوب، هذا قول ابن العطار، وانتقده ابن الفخار، وقال: لا نعلم ذنبا يوجب استباحة مال الإنسان إلا بالكفر وحده، وليس مطله يوجب استباحة ماله. المتيطي: هذا غير مستقيم. والصحيح قول ابن العطار. قاله المواق. وقال عن ابن فتوح: ينبغي للقاضي إن كان المطلوب قريبا أن يأمر غلامه الذي له الإجارة من بيت المال فليسر معه. ابن عبد الحكم:
стр. 8045
والقريب من المدينة كمن يأتي ثم يرجع يبيت في منزله، فإن لم يرتفع المطلوب بالطابع أشهد عليه بعصيانه وتأبيه من المجيء، ثم يرسل القاضي عنه أحد أعوانه ويجعل له من رزقه جعلا إذا لم يكن له رزق من بيت المال إذا رفع المطلوب إليه وهو مما يلزمه، فإن لم يفعل القاضي ذلك فأحسن الوجوه أن يكون الطالب يستأجره على النهوض إلى المطلوب ورفعه ويعطي العونَ ما يتفقان عليه، وإن تبين أن الطالب دعا المطلوب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبى عليه فإنه يكون على المطلوب أجرة العون، ولا يكون على الطالب من ذلك شيء. قال هذا ابن العطار، وانتقده ابن الفخار لخ، ابن سلمون: فإن كان الخصم في مصر الحاكم أو على الأميال اليسيرة كتب برفعه أصبغ: ولا يكتب إلا لأهل العدل اجمعوا بين فلان وفلان للتناصف، فإن أبى فانظروا، فإن رأيتم للمدعي وجه مطلب ولم يرد بالمطلوب تعنيته فارفعوه إلينا، وإلا فلا. اهـ. ولا يزوج امرأة ليست بولايته، قال الخرشي صورتها امرأة ليس لها ولي إلا القاضي فلا يزوجها إذا كانت في غير محل ولايته مثلا لو كانت امرأة بالشام ولا ولي لها إلا القاضي فلا يزوجها قاضي مصر إلا إذا دخلت بمحل ولايته؛ فلو زوجها جرى على ما تقدم من قوله: وصح بها في دنية مع خاص لم يجبر كشريفة إن دخل وطال لخ، وقال الشبراخيتي: ولا يزوج القاضي امرأة ليس لها ولي إلا القاضي ليست بولايته أي ليست بمحل ولايته وإن كانت من أهل ولايته، وأما من كانت بمحل ولايته، فيزوجها وإن لم تكن من أهل ولايته، فقوله: ليست بولايته؛ أي حال التزويج، وإلا زوجها ولو كان منزلها [خارجا عن محل] (١) ولايته، وهذا قاله غير واحد.
مسألة: قال الحطاب: مسألة وقعت وهي امرأة في بلاد الشجر من اليمن تزوجها رجل مغربي، ثم سافر عنها إلى جهة مصر ولم يترك لها نفقة ولا ما تنفق منه، وكتب إليه فلم يطلق ولم يرسل بنفقة، وليس ببلدها من يطلق عليه لكونها بنت قاضي ذلك البلد، فهل لقاضي مكة أن يطلق عليه، فأجاب القاضي أبو القاسم ابن أبي السعادات الأنصاري المالكي: بأن لمن يرى الحكم على الغائب أن يحكم بالفسخ، وتمكين المرأة من إيقاع طلقة بعد إثبات الفصول المعتبرة في ذلك شرعا
стр. 8046
إذا حضرت المرأة أو وكيلها، ويكتب الحاكم لعدول بلدها بما ثبت عنده، ويأمرهم بتحليفها وتمكينها من إيقاع طلقة عليها. والله أعلم. اهـ.
وهل يداعى حيث المدعى عليه وبه عمل أو المدَّعى: يعني أنه إذا كان المدعي في بلد والمدعى عليه في بلد آخر فإنه اختلف في أي موضع يكون التداعي فيه؟ فقيل: يتداعيان إلى القاضي الذي هو في محل المدعى عليه، وبهذا القول عمل في المدينة والأندلس، وهو قول مطرف وأصبغ وسحنون: فكان ينبغي للمص الاقتصار عليه، وهو الذي لابن عاصم حيث يقول:
والحكم في المشهور حيث المدَّعَى … عليه في الأصول والمال معا
وعلم من هذا أن كلام المص عام في العقار وغيره من المعينات، وقيل: يتداعيان إلى قاضي البلد الذي فيه المال المدعى فيه، وأقام هذا القول فضل من المدونة، وإلى ذلك أشار المص بقوله: وأقيم منها، وهو قول عبد الملك، وأما بكسر المعين فلم يقمه فضل ولا غيره من المدونة وليس بمنصوص، وإنما خرج كما في ابن عرفة، فإن كانت الدعوى في غير معين فمحل التداعي حيث تعلق الطالب بالخصم، وإلى ذلك أشار ابن عاصم بقوله:
وحيث يلفيه بما في الذمَّهْ … يطلبه وحيث أصل ثَمَّهْ
أي وإذا كان التحاكم فيما هو في الذمة فإن الحكم يكون في المحل الذي ألفاه فيه، ومعنى قوله: وحيث أصل ثمه، أنه إذا كان التحاكم في الأصول وألفى المدعي المدعى عليه بمحل الأصول فإنهما يتحاكمان في ذلك المحل الذي تعلق به فيه، فالبيت الأول تضمن معنى ما في كتاب الجدار، وهو وسئل عيسى عن الرجل من أهل قرطبة تكون له الدار والحق بجيان، يدعي ذلك رجل من أهل جيان، فيريد الجياني مخاصمة القرطبي عند قاضي جيان حيث المدَّعَى؛ أيرفع معه القرطبي إلى هنالك؟ قال: لا يرفع معه وإنما يكون بينهما الحكم حيث المدعى عليه أي قرطبة؛ وروى ابن حبيب عن مطرف مثله. وقال فضل: إن قول ابن القاسم مثله، وذلك فيما
стр. 8047
يختص بالأصول، وزاد الناظم المال تبعا لأهل الأحكام لأنه من باب القياس الجلي. قال الشيخ ميارة: قوله: حيث المدعى عليه، مقيد بما إذا كان المدعى عليه ببلده لم يخرج عنه، وأما إن وجد الطالب المدعى عليه ببلد غير بلده فإن كان فيه الأصل المتنازع فيه حبسه، وهو قوله: وحيث أصل ثمه، وأما إن لم يكن فيه الأصل المتنازع فيه فلا يحبسه. اهـ. وقال بناني بعد كلام: فقول المص أو المدعي إن كان بالكسر كان موافقا لما في التوضيح وبه شرحه الشارح وإن كان بالفتح كما في الأجهوري ومن تبعه كان موافقا للحطاب، لكن ما في التوضيح والشارح لا سلف لهما فيه، والذي أقامه فضل هو المدعى فيه كما في المتيطي وابن عرفة وكتب المالكية، ثم نقل عن ابن عرفة: والخصومة في معين دار أو غيرها في كونها في بلد المدعى فيه أو ببلد المدعى عليه، ولو كان بغير بلد المدعى فيه، ثالثها: هذا أو حيث اجتماعهما ولو بغير بلد المدعى فيه، الأول لاختصار الواضحة عن ابن الماجشون مع فضل عن سحنون وابن كنانة، والثاني لطرف، والثالث لأصبغ. اهـ.
تنبيه: اعلم أن محل قوله: وهل يداعى لخ، إذا كان المدعى عليه متوطنا ببلد غير بلد المدعي، وقوله: فيما تقدم: والقول للطالب فيما إذا كان المتداعيان ببلد واحد تعدد فيه القاضي كان المدعى فيه بمحلهما أم لا، وقوله: والقريب كالحاضر لخ، وقوله: وجلب الخصم بخاتم أو رسول لخ، كل من المحلين المذكورين المدعى عليه بمحل غير محل المدعي، لكنه في الأول في غير محل ولايته، ونكنه متوطن فيها، بخلاف الثاني فإنه في محل ولايته. واعلم أنه وقع في كلام غير واحد عند قول المص: أو المدعى أي المدعى فيه، فحذف الجار فاتصل الضمير واستتر، وعندي أنه لا حاجة إلى هذا، لأن ادعى متعد بنفسه. والله سبحانه أعلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه. وفهم جواب الاستفهام من قوله: وبه عمل، ومن قوله: وأقيم منها، فكأنه قال: قولان، وقد مر في الخطبة ما يدل على ذلك. والله تعالى أعلم.
وفي تمكين الدعوى لغائب بلا وكالة تردد، قد مر أن التردد في كلام المص يأتي لكثرة الخلاف، وهذه من ذلك، ومعنى كلامه أن الغائب غيبة بعيدة أو قريبة إذا كان له مال حاضر وخيف عليه تلف أو غصب: أو له دين على من يخشى فراره، أو أراد سفرا بعيدا، أو أراد شخص أن يدعي
стр. 8048
عليه ببينة زور فأراد شخص قريب للغائب أو أجنبي أن يخاصم عنه من غير أن يكون وكيله؛ فإنه اختلف هل يمكن من ذلك حفظا لمال الغير أو لا يمكن؟ وقوله: تردد، قال الشبراخيتي: حقه أقوال: لأن فيها خمسة أقوال ثابتة للمتقدمين. اهـ. وقال مصطفى: الأولى ما قاله الشارح أنه أشار بالتردد هنا إلى الأقوال الخمسة في المسألة؛ لأنهم عدوا هذا الموضع من المواضع التي يشير المص فيها بالتردد لكثرة الخلاف. اهـ. نقله بناني، وقال عن ابن عرفة: ففي قصر القيام عنه دون توكيل منه على ابنه وأبيه وعمومه فيهما وفي الأجانب، ثالثها: يمكنون من إقامة البينة لا الخصومة؛ ورابعها: لا يمكن من واحد منهما، وخامسها: يمكن منهما الأب والابن فقط، ويمكن غيرهما، والأجنبي في العبد والدابة والثوب لفوتها وتغيرها، لما فيما سوى ذلك من دين وغيرها، ثم ذكر عزوها، ثم قال: وعلى القول بالقيام عنه في كونه في قريب الغيبة وبعيدها وقصره على غير قريبها قولان. ووقع في كلام عبد الباقي هنا، وفي تمكين الدعوى لغائب أي عنه لا عليه فلا يمكن. اهـ. قال بناني: هو غير صواب، وقد تقدم التفصيل في الدعوى على الغائب. اهـ. وقال عبد الباقي: ومحل التردد فيما لا حق فيه لمن يريد الدعوى ولا ضمان عليه كمستأجر ومستعير لما لا يغاب عليه ومرتهن رهنا كذلك، أما ما له فيه حق كزوجة غائب وأقاربه الذين تلزمه نفقتهم فيمكن من الدعوى اتفاقا، كما إذا كان عليه فيه ضمان كمستعير ما يغاب عليه ومرتهن رهنا كذلك وحميل مدين أراد سفرا بعيدا أو فرارا. اهـ. قوله: كمستأجر ومستعير لخ، تمثيله بهذين لمن لا حق له فيه نظر، وأظنه سهوا، ونص الفيشي: قوله: تردد، محله فيما لا حق فيه للمدعي ولا ضمان عليه فيه، أما ما له حق فيه كالمستأجر والمستعير عارية لا يغاب عليها والمرتهن رهنا كذلك وزوجة الغائب وأقاربه الذين تلزمه نفقتهم، أو عليه فيه ضمان كالمستعير عارية يغاب عليها والمرتهن رهنا كذلك، والغاصب إذا غصب منه شيء: والحميل إذا أراد المدين السفر وخشي ضياع، ونحو ذلك فيمكن من الدعوى اتفاقا. اهـ. ويوافقه ما في الحطاب. والله أعلم. اهـ. وقال الحطاب: في المدونة: ومن بيده وديعة أو عارية أو ذات بإجارة وربها غائب فادعاه رجل وأقام البينة أنها له فيقضى له بها؛ لأن الغائب يقضى عليه بعد
стр. 8049
الاستيناء، إلا أن يكون ربها بموضع قريب فيتلوم له القاضي، ويأمر أن يكتب إليه حتى يقدم اهـ فلم يجعل لمن بيده الوديعة والعارية ولا للمستأجر المخاصمة، بل قضى بذلك على الغائب الذي أقام البينة أن ذلك له، وفي المدونة: وإن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة آخرين لم يعط هذا منها إلا مقدار حصته، ويترك القاضي باقيها في يد المدعى عليه حتى يأتي من يستحقه، وقد روي عن ملك أنه ينزع من يد المطلوب ويوقف. انتهى.
стр. 8050
باب: ذكر فيه الشهادات وأحكامها وما انضم إليها
ولم يعرفها المؤلف كابن الحاجب، وقال ابن عبد السلام: لا حاجة إلى تعريف حقيقتها؛ لأنها معلومة، ورده ابن عرفة بقول القرافي: أقمت ثمان سنين أطلب الفرق بينها وبين الرواية حتى وقفت عليه للمازري في شرح البرهان، قال: هما خبران غير أن الخبر عنه إن كان عاما لا يختص بمعين بل هو عام في كل الخلق والأمصار فالرواية، كخبر (١) (إنما الأعمال بالنية) (٢) أو (الشفعة فيما لم يقسم) (٣) بخلاف قول العدول عند الحاكم: لهذا على هذا كذا إلزام لِمعين لا يتعداه فالشهادة. ابن عرفة: حاصل ما قرره المازري أن الشهادة هي الخبر التعلق بجزئي، والرواية المتعلق بكلي، وهو مردود بأن الرواية قد تتعلق بجزئي كخبر (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة) (٤) (وخبر تميم الداري في السفينة التي لعب بهم الموج فيها) (٥). فذكر قصة الدَّجَّال إلى غيرها من أحاديث متعلقة بجزئي، وكآية ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ونحوها كثيرٌ. اهـ. وعرف ابن معرفة الشهادة بأنها: قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده أو حلف طالبه: فتخرج الرواية، والخبر القسيم للشهادة، كإخبار القاضي بما ثبت عنده قاضيا آخر، فيجب الحكم بمقتضى ما كتب إليه لعدم شرط التعدد أو الحلف، وتدخل الشهادة قبل الأداء وغير التامة لأن الحيثية لا توجب حصول مدلول ما أضيفت إليه بالفعل حسبما ذكروه في تعريف الدلالة. اهـ. وعبر بقول دون خبر؛ لأنه أدخل الشهادة قبل الأداء، وهي قول لا خبر؛ لأنها من كلام النفس، والقول يطلق على كلام النفس لغة بخلاف الخبر، ومعنى الشهادة غير التامة التي لم تعدل، وإنما أتى بحيث ولم يقل قول يوجب على الحاكم سماعه لخ، لأجل إدخال الشهادة قبل الأداء والشهادة غير التامة؛ لأن الحيثية لا توجب حصول مدلول ما أضيفت إليه بالفعل حسبما ذكروه في تعريف الدلالة، حيث قالوا: كون اللفظ بحيث إذا أطلق دل، ولم يقولوا: لفظ دال، هذا ما
стр. 8051
أشار إليه بقوله: لأن الحيثية لخ، وقوله: يوجب على الحاكم، تخرج به الرواية: والخبر القسيم للشهادة، ولم يقل القاضي لأن الحاكم أعم من القاضي لوجوده في التحكيم والأمير، وقوله: إن عدل قائله، أي ثبتت عدالته عند القاضي، إما بالبينة أو بكونه يعلم عدالتها، والظاهر أن في حده دورانا لأن الحكم بافتقاره للتعدد فرع عن كونه شهادة، وقوله: إن عدل قائله شرط في إيجاب الحكم، واعترض ابن مرزوق حد ابن عرفة أيضا بفساد جمعه لعدم شموله ما مر من إعمال شهادة الواحد في الخلطة والطلاق والعتق، ولذلك طلب الحلف ثمة.
تنبيهان: الأول: قال في التنبيهات: الشهادة معناها البيان، وبه سمي الشاهد لأنه [يبين عن الحكم والحق] (١) من الباطل، وهو أحد معاني تسميته تعالى شهيدا، وإليه أشار بعضهم في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي بين، وقيل: هو فيها بمعنى المعلم. قاله البناني. الثاني: قال ابن عرفة: قال القرافي: ولفظ الأداء أودي أو أشهد مع أنه إنشاء لا خبر، فلو قال: أديت أو شهدت لم يفد عكس لفظ الإنشاء في بعت واشتريت وأَبيعُ وأشتري لغو. قال ابن عرفة: الأظهر أن هذا لِعرفٍ تقرر لا لذات حقيقة الأداء أو غيره، والأظهر أن الإشارة الفهمة تكفي، وشاهدت من أداها إشارة فلم يقبلها منه من أداها إليه، وفي النوادر عن أشهب: إن قال: هذه شهادتي فذلك أداء لها اهـ وما استظهره من أن ذلك لعرف تقرر صرح به القرافي إذ قال بعد ما تقدم عنه: وسبب الفرق الموضع العرفي فما وضعه العرف للإنشاء كان إنشاء وما لا فلا. اهـ. وقال ابن العربي: وأداء الشهادة بلفظ الشهادة تعبد لا إدراك عند العلماء لعناه، ولا يجزئ غيره عنه، ونقل إجماع الأمة على أن الرجل لو قال للحاكم: أنا أبين عندك، أو أعلم كذا بدلا من قوله: أشهد لما أصغى إليه ولا قضى بقوله، حتى يقول: أشهد وحكى المازري عن ابن القصار ما حكاه ابن العربي من ذلك، وأن أشهد لفظ مخصوص يتعبد به في أداء الشهادة، وقال المازري: عندي لو قال الشاهد: سمعت كذا أو علمت كذا وفَهِم القاضي منه قصد الشهادة لقضى بذلك، كما يقضي لو قال: أنا أشهد به. اهـ. فما قاله القرافي موافق لما قاله ابن العربي وابن القصَّار، إلا أن
стр. 8052
القرافي أناط ذلك بالوضع العرفي، وهما بالتعبد. والله أعلم. قاله البناني. وعرف المص العدل بقوله: العدل حر، يعني أن العدل وهو المقنع في الشهادة لا بد أن يكون حرا حال الأداء ولو عتيقا، لكن إن شهد لمعتقه فله وصف آخر وهو التبريز، فإن استحق الشاهد الحر برق لم ترد شهادته، لأنه قد لا يعرف غيره الحق المشهود به كما قال في توضيحه، ولا ينافي ما مر من نقض الحكم فيما إذا قضى بشاهدين أحدهما عبد، لأن من هنا طرأ استحقاقه بالرقية بعد اشتهاره بالحرية، وهناك لم يشتهر وإنما قصَّر القاضي في الفحص عن كون الشاهد رقيقا، وأما القاضي إذا استحق برق فترد أحكامه، وتجوز ولاية العتيق عند الجمهور خلافا لسحنون. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: المراد بالعدل هنا الرضى المقنع في الشهادة. قال الجوهري: العدل خلاف الجورة ورجل عدل أي رِضًى ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضا وهو جمع عدل. اهـ. ومقصود المؤلف مقبول الشهادة، وقوله: العدل، مبتدأ وخبره حر، والبقية أوصافه؛ وكدل مشتق من العدالة، وعرف ابن عرفة العدالة بقوله: صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة، وما يشينه عرفا، ومعصية غير قليل الصغائر، فالصغائر الخسِّية مندرجة فيما يشين، ونادر الكذب في غير عظيم مفسدة عفو مندرج في قليل الصغائر بدليل قولها في آخر شهادتها فيما يجرح به أنه كاذب في غير شي، واحد، وقوله: مظنة وصف لصفة أي ذات مظنة؛ أي أنها جامعة ضابطة لمعنى الحكمة كما يقال: التعليل بالظنة أشمل من الحكمة، ويقال: السفر علة في القصر وهي أجمع من الحكمة التي هي المشقة، وقوله: لمنع، مصدر مجرور باللام متعلق بمظنة، والبدعة معلومة شرعا وهي الأمر المحدث، والبدعة مفعول منع، وقوله: عرفا، أشار به إلى السلامة من ترك المروءة كالأكل في السوق، ويختلف ذلك بحسب البقاع والحال والزمان، فإن من مشى من أهل الصوفية حافيا لا قدح فيه، ومن مشى من أهل الحاضرة أو غيرها كذلك ففيه قدح، واعلم أن العدالة في الشاهد هي العدالة في القاضي: وقوله: العدل أي في عرف الفقهاء لا العدل في عرف المحدثين، وقوله: حر،
стр. 8053
فلا تقبل شهادة القن اتفاقا. قال الخرشي: فلا تقبل شهادة القن بلا خلاف. وقال التتائي: ولا تقبل شهادة ذي شائبة كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل أو بعضه؛ لأن الرق أثر كفر فيمنع كأصله. مسلم؛ يعني أنه لا بد من الإسلام في العدل، فلا تجوز شهادة كافر على مسلم. قال في التوضيح: إجماعا؛ ولا على مثله عندنا خلافا لأبي حنيفة والشعبي، وإطلاق الإجماع بعد تقرر الخلاف في المصدر الأول على جوازها في الوصية سفرا هو أحد القولين في ثبوت الإجماع بعد تقرر الخلاف فيه. الباجي: جوازها في ذلك منسوخ، وقياس الحنفي جوازها لبعضهم على بعض على ذلك جار على أصله في صحة القياس على الأصل المنسوخ؛ لأن حكم الأصل ثابت عنده بالنص، وحكم الفرع ثابت بالعلة، والنسخ إنما وقع على الأمل لا على العلة. قاله التتائي. قوله: مسلم حال الأداء، وأما قوله:
عاقل، فلا بد منه في حال الأداء والتحمل، فلا تصح شهادة غير العاقل. قال الخرشي: العقل شرط في التحمل والأداء. وقال التتائي: عاقل في حالتي الأداء والتحمل اتفاقا. ابن عبد السلام: ولا يضر ذهاب العقل في غير هاتين الحالتين، نص عليه عبد الملك، وقال ابن وهب عن ملك: في الكبير يخنق ثم يفيق، إن كان يفيق إفاقة يعقلها جازت شهادته وبيعه وابتياعه. انظر التتائي. بالغ. يعني أن البلوغ شرط في العدالة، فلا تقبل شهادة الصبي إذا كان صبيا حال الأداء، وأما حال التحمل فالمعتبر فيها الضبط والتمييز، فلا تصح شهادة الصبيان إلا على بعضهم بشروط تأتي له في جرح أو قتل لا مال، ولا تقبل شهادة المكره لأن الإكراه يمنع الثقة بالشهادة، فمن تحمل شهادة وحلف بالطلاق أنه لا يؤديها فأكره على أدائها فلا تقبل شهادته؛ لأن المكره لا يومن أن يشهد بما لا يعلم فلا يوثق بشهادته، خلاف ما قاله عبد الباقي. والله تعالى أعلم.
بلا فسق، يعني أن الفسق مانع من قبول الشهادة، والفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبائر، وقوله: بلا فسق؛ أي بجارحة بدليل ما يأتي له في الفاسق بالاعتقاد، والفسق لغة الخروج، ومنه فسقت النواة عن الثمرة. قال ابن سيده في المحكم: الفسق العصيان والترك لأمر الله، والخروج عن طريق الحق، فسق يَفْسُقُ فسقا وفسوقا وفسق بالضم. قاله الخرشي. وقال المواق: قال ابن شأس: ليست العدالة أن يخلص الرجل الطاعةَ حتى لا يشوبها معصية، فإن
стр. 8054
ذلك متعذر لا يقدر عليه إلالأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر أحواله وأغلبها عليه وهو مجتنب للكبائر محافظ على ترك الصغائر فهو عدل. اهـ. وبلا حجر؛ يعني أنه يشترط في قبول الشهادة أن لا يكون الشاهد محجورا عليه. قال المواق: سمع أشهب لا تجوز شهادة المولى عليه وهو عدل. اهـ. وقال الرهوني: المتيطي: مذهب ابن القاسم أن المولى عليه لا تجوز شهادته، وبهذا العمل، وفي المدونة: أن شهادة السفيه وإن كان عدلا لا تجوز كان مولى عليه أم لا. اهـ. نقله عن التاودي، ونقل عنه أن المشهور عدم جواز شهادة المحجور عليه: ثم قال: وما ذكره من أن المشهور عدم جواز شهادة المحجور عليه مسلم إن كان متصل السفه، كما يدل عليه كلام البيان الذي نقله هنا غير واحد من أن شهادته تجري على فعله؛ لأن السفيه الولى عليه أفعاله مردودة على مشهور قول ملك وأكثر أصحابه، وعلى ما به العمل، وهو قول ابن القاسم، فتكون شهادته مردودة أيضا عليهما معا، وأما إن كان رشيدا فمسلم على ما قاله ابن رشد من تخريج شهادته على أفعاله، وما نقله عن المتيطي مخالف لكلام ابن رشد؛ لأنه نقل عن ابن القاسم ما رأيت، وكلام ابن رشد نسب فيه لابن القاسم تخريجا أنها تجوز، ولم أر من نقل عن ابن القاسم أن شهادة المولى عليه وهو رشيد لا تجوز، لا نصا ولا تخريجا بعد البحث عنه، وكذا ما ذكره من العمل ولم يذكر ذلك ابن هارون في اختصار المتيطية، فإنه قال: وأجاز ملك في رواية أشهب وابن عبد الحكم شهادة المولى عليه إذا كان عدلا، ولم يجزها أشهب، وإن كان لو طلب ماله أخذه وفيه بعد جلب نقول كثيرة: وبهذا كله يظهر لك رجحان ما رجحه المص من أن الموجب للرد هو الولاية لا السفه دونها، ورجح غير واحد ردها للسفه وحدد دون الولاية، منهم أبو علي. وقال ابن مرزوق: والظاهر عندي قبولها إن كان عدلا كما قال ملك؛ لأن الحجر عليه لا ينافيها. اهـ. وكلام ابن رشد الذي سبقت الإشارة إليه نقله ابن عرفة، قال البناني: قال ابن عرفة: في شرط عدم الولاية في المال خلاف، سمع أشهب أتجوز شهادة المولى عليه وهو عدل؟ قال: نعم. ابن رشد: مثله روى ابن عبد الحكم في الموازية وهو قياس المعلوم من قول ابن القاسم في لغو الولاية على اليتيم البالغ في جواز أفعاله وردها، والآتي على مشهور المذهب المعلوم من
стр. 8055
قول ملك وأصحابه في أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله وإن كان رشيدا في أحواله أن لا تجوز شهادته، وإن كان مثله لو طلب ماله أخذه وهو نص أشهب في المجموعة. اهـ. وقال الرهوني: عن التنبيهات: قالوا: ظاهره أي كلام المدونة في كتاب الشهادات اشتراط الرشد في العدالة وهو قول أشهب، وأن شهادة السفيه لا تجوز وإن كان عدلا في نفسه، وأجاز في كتاب التفليس في باب الشهادة على الميت بدين قبول شهادته وإن كان سفيها. اهـ. قوله: شهادته، الضمير عائد على العدل. والله تعالى أعلم. وقال الرهوني: ولا يخفى عليك ما في جزم أبي علي والتاودي بأن مذهب المدونة عدم جواز شهادة السفيه بعد وقوفك على ما قدمناه من كلام التنبيهات وابن ناجي. والله أعلم اهـ.
تنبيه: قال البناني: قد تقدم في الحجر أن الذي به العمل قديما وحديثا هو قول ابن القاسم باعتبار الحال، فانظر هل يجري ذلك هنا؟ والله أعلم. وفي شرح التحفة ما يفيد ذلك. انتهى. قال الرهوني: أي ما يفيد أن العمل أيضا بقول ابن القاسم باعتبار شهادته، وقد راجعت كلام ابن الناظم فلم يظهر لي منه ذلك. اهـ. وقال عبد الباقي: بلا فسق وبلا حجر بسفه، فلا تصح من فاسق ولا مجهول حال ولا محجور عليه بوصي أو مقدم لأجل سفه، ولو صار حافظا للمال، إذ لا ينفك عنه حجرهما إلا بفكهما، بخلاف ذي الأب فلا يثبت عليه الحجر حيث حفظ المال، إلا أن يحجر عليه قرب بلوغه وكان مجهول الحال، وقولي: بلا حجر لسفه، احترازا عن الحجر على الزوجة والمريض والفلس فإنه لا تمنع شهادتهم. اهـ. ونحوه للشبراخيتي، وفيه: وأما ذو الأب فينفك عنه الحجر بحفظ المال إلا إذا حجر عليه الأب بقرب بلوغه وكان مجهول الحال، وأما الحجر على الزوجة والمريض والمفلس فلا يمنع الشهادة. اهـ.
وبدعة يعني أن المبتدع وهو الفاسق بالاعتقاد لا تصح شهادته - لأنه إما فاسق أو كافر. قال الشبراخيتي: وبلا بدعة، هذا فسق الاعتقاد، فشهادة المبتدع ساقطة، وهذه الشروط وما بعدها إنما تعتبر في أداء الشهادة، وأما تحملها فله شرط واحد، قال ابن رشد: حال التحمل لا يعتبر فيه إلا أن يكون على صفة واحدة وهي الضبط والتمييز، وأما حال الأداء فله شروط وذكرها، ونحوه قول ابن فرحون: فليس لتحملها إلا شرط واحد وهو الضبط والتمييز صغيرا كان أو كبيرا،