أشار إليه بقوله: لأن الحيثية لخ، وقوله: يوجب على الحاكم، تخرج به الرواية: والخبر القسيم للشهادة، ولم يقل القاضي لأن الحاكم أعم من القاضي لوجوده في التحكيم والأمير، وقوله: إن عدل قائله، أي ثبتت عدالته عند القاضي، إما بالبينة أو بكونه يعلم عدالتها، والظاهر أن في حده دورانا لأن الحكم بافتقاره للتعدد فرع عن كونه شهادة، وقوله: إن عدل قائله شرط في إيجاب الحكم، واعترض ابن مرزوق حد ابن عرفة أيضا بفساد جمعه لعدم شموله ما مر من إعمال شهادة الواحد في الخلطة والطلاق والعتق، ولذلك طلب الحلف ثمة.
تنبيهان: الأول: قال في التنبيهات: الشهادة معناها البيان، وبه سمي الشاهد لأنه [يبين عن الحكم والحق] (١) من الباطل، وهو أحد معاني تسميته تعالى شهيدا، وإليه أشار بعضهم في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي بين، وقيل: هو فيها بمعنى المعلم. قاله البناني. الثاني: قال ابن عرفة: قال القرافي: ولفظ الأداء أودي أو أشهد مع أنه إنشاء لا خبر، فلو قال: أديت أو شهدت لم يفد عكس لفظ الإنشاء في بعت واشتريت وأَبيعُ وأشتري لغو. قال ابن عرفة: الأظهر أن هذا لِعرفٍ تقرر لا لذات حقيقة الأداء أو غيره، والأظهر أن الإشارة الفهمة تكفي، وشاهدت من أداها إشارة فلم يقبلها منه من أداها إليه، وفي النوادر عن أشهب: إن قال: هذه شهادتي فذلك أداء لها اهـ وما استظهره من أن ذلك لعرف تقرر صرح به القرافي إذ قال بعد ما تقدم عنه: وسبب الفرق الموضع العرفي فما وضعه العرف للإنشاء كان إنشاء وما لا فلا. اهـ. وقال ابن العربي: وأداء الشهادة بلفظ الشهادة تعبد لا إدراك عند العلماء لعناه، ولا يجزئ غيره عنه، ونقل إجماع الأمة على أن الرجل لو قال للحاكم: أنا أبين عندك، أو أعلم كذا بدلا من قوله: أشهد لما أصغى إليه ولا قضى بقوله، حتى يقول: أشهد وحكى المازري عن ابن القصار ما حكاه ابن العربي من ذلك، وأن أشهد لفظ مخصوص يتعبد به في أداء الشهادة، وقال المازري: عندي لو قال الشاهد: سمعت كذا أو علمت كذا وفَهِم القاضي منه قصد الشهادة لقضى بذلك، كما يقضي لو قال: أنا أشهد به. اهـ. فما قاله القرافي موافق لما قاله ابن العربي وابن القصَّار، إلا أن
стр. 8052
القرافي أناط ذلك بالوضع العرفي، وهما بالتعبد. والله أعلم. قاله البناني. وعرف المص العدل بقوله: العدل حر، يعني أن العدل وهو المقنع في الشهادة لا بد أن يكون حرا حال الأداء ولو عتيقا، لكن إن شهد لمعتقه فله وصف آخر وهو التبريز، فإن استحق الشاهد الحر برق لم ترد شهادته، لأنه قد لا يعرف غيره الحق المشهود به كما قال في توضيحه، ولا ينافي ما مر من نقض الحكم فيما إذا قضى بشاهدين أحدهما عبد، لأن من هنا طرأ استحقاقه بالرقية بعد اشتهاره بالحرية، وهناك لم يشتهر وإنما قصَّر القاضي في الفحص عن كون الشاهد رقيقا، وأما القاضي إذا استحق برق فترد أحكامه، وتجوز ولاية العتيق عند الجمهور خلافا لسحنون. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: المراد بالعدل هنا الرضى المقنع في الشهادة. قال الجوهري: العدل خلاف الجورة ورجل عدل أي رِضًى ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضا وهو جمع عدل. اهـ. ومقصود المؤلف مقبول الشهادة، وقوله: العدل، مبتدأ وخبره حر، والبقية أوصافه؛ وكدل مشتق من العدالة، وعرف ابن عرفة العدالة بقوله: صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة، وما يشينه عرفا، ومعصية غير قليل الصغائر، فالصغائر الخسِّية مندرجة فيما يشين، ونادر الكذب في غير عظيم مفسدة عفو مندرج في قليل الصغائر بدليل قولها في آخر شهادتها فيما يجرح به أنه كاذب في غير شي، واحد، وقوله: مظنة وصف لصفة أي ذات مظنة؛ أي أنها جامعة ضابطة لمعنى الحكمة كما يقال: التعليل بالظنة أشمل من الحكمة، ويقال: السفر علة في القصر وهي أجمع من الحكمة التي هي المشقة، وقوله: لمنع، مصدر مجرور باللام متعلق بمظنة، والبدعة معلومة شرعا وهي الأمر المحدث، والبدعة مفعول منع، وقوله: عرفا، أشار به إلى السلامة من ترك المروءة كالأكل في السوق، ويختلف ذلك بحسب البقاع والحال والزمان، فإن من مشى من أهل الصوفية حافيا لا قدح فيه، ومن مشى من أهل الحاضرة أو غيرها كذلك ففيه قدح، واعلم أن العدالة في الشاهد هي العدالة في القاضي: وقوله: العدل أي في عرف الفقهاء لا العدل في عرف المحدثين، وقوله: حر،
стр. 8053
فلا تقبل شهادة القن اتفاقا. قال الخرشي: فلا تقبل شهادة القن بلا خلاف. وقال التتائي: ولا تقبل شهادة ذي شائبة كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل أو بعضه؛ لأن الرق أثر كفر فيمنع كأصله. مسلم؛ يعني أنه لا بد من الإسلام في العدل، فلا تجوز شهادة كافر على مسلم. قال في التوضيح: إجماعا؛ ولا على مثله عندنا خلافا لأبي حنيفة والشعبي، وإطلاق الإجماع بعد تقرر الخلاف في المصدر الأول على جوازها في الوصية سفرا هو أحد القولين في ثبوت الإجماع بعد تقرر الخلاف فيه. الباجي: جوازها في ذلك منسوخ، وقياس الحنفي جوازها لبعضهم على بعض على ذلك جار على أصله في صحة القياس على الأصل المنسوخ؛ لأن حكم الأصل ثابت عنده بالنص، وحكم الفرع ثابت بالعلة، والنسخ إنما وقع على الأمل لا على العلة. قاله التتائي. قوله: مسلم حال الأداء، وأما قوله:
عاقل، فلا بد منه في حال الأداء والتحمل، فلا تصح شهادة غير العاقل. قال الخرشي: العقل شرط في التحمل والأداء. وقال التتائي: عاقل في حالتي الأداء والتحمل اتفاقا. ابن عبد السلام: ولا يضر ذهاب العقل في غير هاتين الحالتين، نص عليه عبد الملك، وقال ابن وهب عن ملك: في الكبير يخنق ثم يفيق، إن كان يفيق إفاقة يعقلها جازت شهادته وبيعه وابتياعه. انظر التتائي. بالغ. يعني أن البلوغ شرط في العدالة، فلا تقبل شهادة الصبي إذا كان صبيا حال الأداء، وأما حال التحمل فالمعتبر فيها الضبط والتمييز، فلا تصح شهادة الصبيان إلا على بعضهم بشروط تأتي له في جرح أو قتل لا مال، ولا تقبل شهادة المكره لأن الإكراه يمنع الثقة بالشهادة، فمن تحمل شهادة وحلف بالطلاق أنه لا يؤديها فأكره على أدائها فلا تقبل شهادته؛ لأن المكره لا يومن أن يشهد بما لا يعلم فلا يوثق بشهادته، خلاف ما قاله عبد الباقي. والله تعالى أعلم.
بلا فسق، يعني أن الفسق مانع من قبول الشهادة، والفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبائر، وقوله: بلا فسق؛ أي بجارحة بدليل ما يأتي له في الفاسق بالاعتقاد، والفسق لغة الخروج، ومنه فسقت النواة عن الثمرة. قال ابن سيده في المحكم: الفسق العصيان والترك لأمر الله، والخروج عن طريق الحق، فسق يَفْسُقُ فسقا وفسوقا وفسق بالضم. قاله الخرشي. وقال المواق: قال ابن شأس: ليست العدالة أن يخلص الرجل الطاعةَ حتى لا يشوبها معصية، فإن
стр. 8054
ذلك متعذر لا يقدر عليه إلالأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر أحواله وأغلبها عليه وهو مجتنب للكبائر محافظ على ترك الصغائر فهو عدل. اهـ. وبلا حجر؛ يعني أنه يشترط في قبول الشهادة أن لا يكون الشاهد محجورا عليه. قال المواق: سمع أشهب لا تجوز شهادة المولى عليه وهو عدل. اهـ. وقال الرهوني: المتيطي: مذهب ابن القاسم أن المولى عليه لا تجوز شهادته، وبهذا العمل، وفي المدونة: أن شهادة السفيه وإن كان عدلا لا تجوز كان مولى عليه أم لا. اهـ. نقله عن التاودي، ونقل عنه أن المشهور عدم جواز شهادة المحجور عليه: ثم قال: وما ذكره من أن المشهور عدم جواز شهادة المحجور عليه مسلم إن كان متصل السفه، كما يدل عليه كلام البيان الذي نقله هنا غير واحد من أن شهادته تجري على فعله؛ لأن السفيه الولى عليه أفعاله مردودة على مشهور قول ملك وأكثر أصحابه، وعلى ما به العمل، وهو قول ابن القاسم، فتكون شهادته مردودة أيضا عليهما معا، وأما إن كان رشيدا فمسلم على ما قاله ابن رشد من تخريج شهادته على أفعاله، وما نقله عن المتيطي مخالف لكلام ابن رشد؛ لأنه نقل عن ابن القاسم ما رأيت، وكلام ابن رشد نسب فيه لابن القاسم تخريجا أنها تجوز، ولم أر من نقل عن ابن القاسم أن شهادة المولى عليه وهو رشيد لا تجوز، لا نصا ولا تخريجا بعد البحث عنه، وكذا ما ذكره من العمل ولم يذكر ذلك ابن هارون في اختصار المتيطية، فإنه قال: وأجاز ملك في رواية أشهب وابن عبد الحكم شهادة المولى عليه إذا كان عدلا، ولم يجزها أشهب، وإن كان لو طلب ماله أخذه وفيه بعد جلب نقول كثيرة: وبهذا كله يظهر لك رجحان ما رجحه المص من أن الموجب للرد هو الولاية لا السفه دونها، ورجح غير واحد ردها للسفه وحدد دون الولاية، منهم أبو علي. وقال ابن مرزوق: والظاهر عندي قبولها إن كان عدلا كما قال ملك؛ لأن الحجر عليه لا ينافيها. اهـ. وكلام ابن رشد الذي سبقت الإشارة إليه نقله ابن عرفة، قال البناني: قال ابن عرفة: في شرط عدم الولاية في المال خلاف، سمع أشهب أتجوز شهادة المولى عليه وهو عدل؟ قال: نعم. ابن رشد: مثله روى ابن عبد الحكم في الموازية وهو قياس المعلوم من قول ابن القاسم في لغو الولاية على اليتيم البالغ في جواز أفعاله وردها، والآتي على مشهور المذهب المعلوم من
стр. 8055
قول ملك وأصحابه في أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله وإن كان رشيدا في أحواله أن لا تجوز شهادته، وإن كان مثله لو طلب ماله أخذه وهو نص أشهب في المجموعة. اهـ. وقال الرهوني: عن التنبيهات: قالوا: ظاهره أي كلام المدونة في كتاب الشهادات اشتراط الرشد في العدالة وهو قول أشهب، وأن شهادة السفيه لا تجوز وإن كان عدلا في نفسه، وأجاز في كتاب التفليس في باب الشهادة على الميت بدين قبول شهادته وإن كان سفيها. اهـ. قوله: شهادته، الضمير عائد على العدل. والله تعالى أعلم. وقال الرهوني: ولا يخفى عليك ما في جزم أبي علي والتاودي بأن مذهب المدونة عدم جواز شهادة السفيه بعد وقوفك على ما قدمناه من كلام التنبيهات وابن ناجي. والله أعلم اهـ.
تنبيه: قال البناني: قد تقدم في الحجر أن الذي به العمل قديما وحديثا هو قول ابن القاسم باعتبار الحال، فانظر هل يجري ذلك هنا؟ والله أعلم. وفي شرح التحفة ما يفيد ذلك. انتهى. قال الرهوني: أي ما يفيد أن العمل أيضا بقول ابن القاسم باعتبار شهادته، وقد راجعت كلام ابن الناظم فلم يظهر لي منه ذلك. اهـ. وقال عبد الباقي: بلا فسق وبلا حجر بسفه، فلا تصح من فاسق ولا مجهول حال ولا محجور عليه بوصي أو مقدم لأجل سفه، ولو صار حافظا للمال، إذ لا ينفك عنه حجرهما إلا بفكهما، بخلاف ذي الأب فلا يثبت عليه الحجر حيث حفظ المال، إلا أن يحجر عليه قرب بلوغه وكان مجهول الحال، وقولي: بلا حجر لسفه، احترازا عن الحجر على الزوجة والمريض والفلس فإنه لا تمنع شهادتهم. اهـ. ونحوه للشبراخيتي، وفيه: وأما ذو الأب فينفك عنه الحجر بحفظ المال إلا إذا حجر عليه الأب بقرب بلوغه وكان مجهول الحال، وأما الحجر على الزوجة والمريض والمفلس فلا يمنع الشهادة. اهـ.
وبدعة يعني أن المبتدع وهو الفاسق بالاعتقاد لا تصح شهادته - لأنه إما فاسق أو كافر. قال الشبراخيتي: وبلا بدعة، هذا فسق الاعتقاد، فشهادة المبتدع ساقطة، وهذه الشروط وما بعدها إنما تعتبر في أداء الشهادة، وأما تحملها فله شرط واحد، قال ابن رشد: حال التحمل لا يعتبر فيه إلا أن يكون على صفة واحدة وهي الضبط والتمييز، وأما حال الأداء فله شروط وذكرها، ونحوه قول ابن فرحون: فليس لتحملها إلا شرط واحد وهو الضبط والتمييز صغيرا كان أو كبيرا،
стр. 8056
حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، عدلا كان أو فاسقا. اهـ. وقال عبد الباقي: وبلا بدعة، فلا تصح من مبتدع تعمد أو جهل، بل وإن تأول كخارجي وقدري، هو كقول ابن الحاجب: ولا يعذر بجهل ولا تأويل كالقدري والخارجي، قال في توضيحه تبعا لابن عبد السلام: يحتمل أن يكون القدري مثالا للجاهل لأن أكثر شبههم عقلية، والخطأ فيها يسمى جهلا، والخارجي مثالا للمتأول لأن شبههم سمعية والخطأ فيها يسمى تأويلا، ويحتمل أن يريد بالجاهل المقلد من الفريقين، وبالتأول المجتهد منهما: ولم يعذر بالتأويل هنا لكونه أدى إلى كفر أو فسق، ولا كذلك التأويل في المحاربين، وأدخل بالكاف غير من ذكر من أهل البدع كالرافضة والأباضية وغيرهم، ومن الخوارج أهل جربة. كما في الشبراخيتي.
تنبيه: قد صرح غير واحد بأنه لا يعتبر حال التحمل من الشروط إلا الضبط والتمييز، وتعتبر كلها حال الأداء. قال البناني: هذا التفصيل إنما هو في غير شهود النكاح والشهود على الخط، وأما في النكاح والخط فلا بد من وجود الشروط المذكورة كلها وقت الأداء ووقت التحمل قاله المسناوي. وهو ظاهر. اهـ. قوله: وهو ظاهر، إنما يظهر في النكاح في بعض صوره، كمن دخل بشهادة رجلين غير عدلين ثم حصلت عدالتهما بعد المدخول، وأما لو ادعى رجل نكاح امرأة فأنكرته أو العكس فأقام المدعي شهادة رجلين كانا حين انعقاد النكاح على دعوى مدعيه غير عدلين، وثبتت عدالتهما حين التنازع والأداء، فلا وجه لإلغاء شهادتهما، بل يتعين العمل بها ويلزمه النكاح، ويؤخذ العمل بها بالأحرى من إعمال رجلين شهدا بأن فلانا قتل فلانا عمدا يوم كذا وهما غير عدلين، وصارا الآن عدلين، ومن إعمال شهادة أربعة بأن فلانا زنى يوم كذا وهو محصن وهم غير عدول إذ ذاك ثم صاروا عدولا، بعد لأن حفظ النفوس أعظم، فإذا كان يقدم على إراقة دم امرئ مسلم بشهادة من ذكر، فكيف لا يقضى بصحة النكاح ولزومه بشهادة من ذكر، وأما الشهادة على الخط فلم يتضح لي تصوير ما أشار إليه، والتبادر منه أن الشاهدين بأن هذا خط فلان الميت أو الغائب يشترط فيهما وجود الشروط كلها وقت التحمل ووقت الأداء معا، فإن
стр. 8057
كان هذا مراده ففيه نظر؛ لأن وقت التحمل إما أن يراد به وقت مخالطة الشاهدين للمشهود على خطه ومعاينتهما للكتابة وممارستهما لخطه، وإما أن يراد به وقت كتبهما أن هذا الخط خط فلان، كما إذا كتب وثيقة بذلك ووضعا عليها علامتهما وهما غير عدلين، ثم تراخى الأداء إلى أن صارا عدلين، وعلى كل احتمال فلا وجه لا شتراط عدالتهما وقت التحمل، وقد أطلق أهل المذهب منهم ابن رشد في مقدماته، ونصه: اعلم أن للشاهد في شهادته حالين حال تحمل الشهادة وحال أدائها، فأما حال تحملها فليس من شرط الشهادة فيها إلا أن يكون ذا صفة واحدة وهي الضبط والميز، صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، عدلا كان أو فاسقا. اهـ. وتَتَبُّعُ عبارات أهل المذهب الموافقة لهذا يطول بنا جدا مع شهرتها حتى إنه مذكور في التحفة بقولها:
وزمن الأداء لا التحمل … صح اعتباره لمقتض جلي
فإن كان أشار إلى مضمون قول المختصر: وتحملها عدلا، فليس مما نحن فيه قطعا. اهـ. لم يباشر كبيرة هذا تبيين لحقيقة العدل؛ يعني أنه يشترط في قبول شهادة الشاهد أن لا يتلبس بكبيرة تلبسا لا تعرف له بعده توبة، ويمكن أن يؤخذ هذا من كلام المؤلف؛ أي لم يباشر كبيرة وقت أداء الشهادة؛ لأنه إذا تلبس بها وتاب وحسنت توبته ثم أداها لم يصدق عليه أنه متلبس بها، وهذا يغني عن قوله: فسق إلا أن يريد بالفسق ما كان بالجوارح الظاهرة، وبالكبيرة ما كان بالجوارح الباطنة كالحسد ونحوه. اهـ. وقال عبد الباقي: لم يباشر كبيرة أي لم يتلبس بها حال الأداء، بأن لم تقع منه أصلا، أو عرفت توبته، فإن لم تعرف توبته منها حينه فمباشر. اهـ.
تنبيه: قال الخرشي: وأفتى الشيخ الجزيري بأن من الكبائر نسيان القرآن بعد البلوغ، ويتأنس له بما قال الأبي في أحاديث فضل تلاوة القرآن في قوله ﵊: (تعاهدوا القرآن) (١): معاهدة القرآن محافظته وتجديد العهد به؛ أي واظبوا على تلاوته ليلا ينسى، هذا والأظهر أن
стр. 8058
المراد تعاهدوا بالتلاوة خوف النسيان، لا تعاهده بالتدبر، وقد اختلفوا في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. هل هو من الهجر الذي هو الترك والبعد، أو هو من الهُجر بضم الهاء الذي هو الفحش من القول؟ كقولهم: هو سحر، وشعر، ومفترًى. فعلى الأول ففيه تنبيه للمؤمنين على معاهدة المصحف فإنه لا يترك حتى يعلوه الغبار، وفي الحديث: من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به يقول هذا اتخذني مهجورا وصَدَّ عني فاحكم بيني وبينه. وحديث: (بيس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت) (١). على ما اختاره القاضي في تأويله، وحديث (لم أر ذنبا أعظم من آية أو سورة حفظها رجل ثم نسيها) (٢). فالأمر في تَعَاهَدُوا لِلْوُجُوبِ، لأن النسيان يتسبب عن عدم التعاهد، فهو حرام للزوم الوعيد عليه؛ فالتعاهد واجب، وإذا كان الأمر بالتعاهد خوف النسيان فالتعاهد المانع من الإثم كان ابن عرفة يقول: إنه ختمة في الجمعة، وأما تعاهده بالتدبر فختمة في الشهر، وهذا باختلاف الواقع يختلف باختلاف الناس. اهـ. قَالَ مُقَيِّدُ هَذَا الشَّرْحِ عفا الله عنه: كون تعاهدوا هذا القرآن على الوجوب إن أريد به مجرد التلاوة فقط غير ظاهر، وكذا فتوى الجزيري بأن من الكبائر نسيان القرآن بمعنى نسيان اللفظ فقط، إذ الذي يظهر في قوله تعالى: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ وفي قوله ﷺ : نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من آية أوتيها رجل فنسيها. أن المراد بالنسيان ترك العمل بما فيها والإعراض عنها كحال المنافقين؛ لأن تلاوة القرآن مندوبة فقط، وَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةَ سيدي أحمد بن مبارك اللمطي: سألته يعني الشيخ الرباني سيدي ومولاي عبد العزيز الدباغ ﵁ عن حديث المطلب بن حنطب عن أنس بن ملك ﵁ أن النبي ﷺ قال: نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من آية أوتيها رجل فنسيها. وقلت له: إن الترمذي نقل عن البخاري أن الحديث معلول، لكون المطلب بن حنطب
стр. 8059
لم يسمع من أنس بن ملك، فيكون الحديث منقطعا بين المطلب وأنس، وروي مثله عن أحمد بن حنبل ﵀، فهؤلاء الثلاثة الترمذي والبخاري وأحمد بن حنبل علوه بما سبق، نقل ذلك عنهم الإمام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى، والحافظ ابن حجر في شرح البخاري، والشيخ عبد الرؤوف المناوي، فَقَالَ ﵁ الحديث صحيح، ونوره ﷺ فيه، ولكنه ليس هو فيمن حفظ الآية ثم نسيها أي نسي لفظها، وإن كان عاملا بها، وإنما هو في الذي بلغه القرآن وأعرض عنه، ومنع ذاته من نوره، واستبدله بضده من الظلام، بأن أعرض عن الحق الذي فيه وتبع الضلال الذي هو ظلام، فبعد عن الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال: كحال المنافقين في زمانه ﷺ ، فالحديث وارد فيهم، وعليهم نازل، وإليهم يشيرة لأنهم من أمة الإجابة التي هي في الأمة الخاصة فيما يظهر، وليس في أمة الإجابة أعظم من نفاقهم وكفرهم، فقلت: فما نور القرآن الذي تشيرون إليه؟ فقال: ﵁ فيه ثلاثة أقوال، الأول: نور الدلالة على الله تعالى. الثاني: نور الامتثال. الثالث: نور اجتناب النواهي. فمن منع ذاته من دخول هذه الأنوار الثلاثة فيها وهو يسمعها في القرآن فهو المراد بالحديث. انتهى.
أو كثير كذب، يعني أنه يشترط في قبول شهادة الشاهد أن لا يباشر كثير كذب، قال عبد الباقي: فتغتقر الكذبة الواحدة في السنة لعسر التحرز منها، وهي صغيرة إلا أن يترتب عليها عظيم مفسدة فكبيرة قادحة. اهـ. وقال الشبراخيتي: ومقتضى ما في التوضيح أن الكذبة الواحدة من الكبائر لكنها اغتفرت لتعسر الاحتراز منها، ومقتضى كلام غيره أنها صغيرة، ومقتضى كلام الشارح والتتائي نحو ما للتوضيح، وفي مفهوم المص تفصيل، وهو أن الكذبة الواحدة تغتفر إذا لم يترتب عليها عظيم مفسدة، لا إن ترتب عليها عظيم مفسدة.
تنبيهات: الأول: قال ابن شأس: قال علماؤنا: ليست العدالة أن يمحض الرجل الطاعة حتى لا يشوبها بمعصية؛ لأن ذلك يتعذر ولا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر أحواله وأغلبها عليه وهو مجتنب الكبائر محافظ على ترك الصغائر فهو العدل. نقله غير واحد. ولابن عاصم ﵀:
стр. 8060
والعدل من يجتنب الكبائرا … ويتقي في الأغلب الصغائرا
الخ، وقال المواق: عبارة ابن شأس: أن يكون مجتنبا للكبائر. زاد عياض: ومتقيا المثابرة على الصغائر. ابن عات: ومجانبا مخالطة من لا خير فيه. اهـ. وقال المواق أيضا: من المدونة: مما يجرح به الشاهد قيام بينة عليه أنه كذاب في غير شيء واحد. اهـ. الثاني: احتيج إلى بيان الكبائر هنا لقوله: لم يباشر كبيرة، روي عن سعيد بن جبير: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وقيل ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا، وقال ابن مسعود وغيره: هي جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. واستخرج مكي: السبعة عشر من أحاديث متفرقة، فقال: أربعة في القلب، الشرك، والإصرار، والقنوط، والأمن من عذاب الله، وأربعة في اللسان، شهادة الزور، واليمين الغموس، والسحر، والقذف، وثلاثة في البطن، شرب الخمر، والسكر من غيره من الأشربة، وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا وهو يعلم، واثنان في الفرج، الزنى، واللواط، واثنان في اليد القتل، والسرقة، وواحدة في الرجلين، الفرار من الزحف إلا بشرطه، وواحدة في جميع الجسد عقوق الوالدين. وقال ابن السبكي في جمع الجوامع: القتل، والزنى، واللواط، وشرب الخمر، ومطلق السكر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، واليمين الفاجرة، وقطيعة الرحم، والعقوق، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حق، والخيانة في الكيل أو الوزن، وتقديم الصلاة عن وقتها وتأخيرها عنه، والكذب على رسول الله ﷺ ، وضرب المسلم بغير حق، وسب الصحابة، وكتمان الشهادة والرشوة، والدياثة، والسعاية يريد عند الأمراء بما يضر الناس، ومنع الزكاة، واليأس من الرحمة، والأمن من عذاب الله يريد بالاسترسال في المعاصي والاتكال على الرحمة، والظهار؛ وفطر رمضان، والغلول، والمحاربة، والسحر، والربا ويصح ضبطه بالموحدة والتحتية المثناة، وإدمان الصغيرة، وروي عن سعيد بن جبير هي إلى سبع مائة أقرب، ومنهم من حصرها بالضابط قيل: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقيل: ما أوجب حكما، وقيل: ما نص
стр. 8061
القرآن على تحريمه أو وجب في جنسه حَدٌّ، وقال إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، وهذه هي التي تسقط الشهادة، وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل تبقي حسن الظن ظاهرا بصاحبها فهي التي لا تحط العدالة. وقيل: غير ذلك. قاله التتائي.
الثالث: قال الرهوني عند قوله: لم يباشر كبيرة، يتناول من ترك صلاة مفروضة غير جمعة حتى خرج وقتها الضروري مرة واحدة، وفيه خلاف، ففي ابن عرفة: قال الباجي: ترث شهادة من ترك واجبا كالصلاة من الفريضة والصوم حتى يخرج الوقت المشروع لها وترك الجمعة جرح في الجملة، واختلف في تركها مرة واحدة، فقال أصبغ: جرحة كالصلاة من الفريضة تركها مرة، قلتُ: فاستدلاله هذا نص في أن تركه الصلاة مرة واحدة وأنه متفق عليه، وهو خلاف ما يأتي لابن رشد أن ترك الصلاة الواحدة من الصلوات المفروضة حتى يخرج وقتها بغير عذر لا يوجب رد الشهادة حتى يكثر ذلك من فعله. اهـ منه بلفظه. ونقله ابن غازي في تكميله وأقره. اهـ كلام الرهوني.
أو صغيرة خسة، يعني أنه يشترط في قبول شهادة الشاهد أن لا يباشر صغير خسة كتطفيف حبة وسرقة لقمة لدلالة ذلك على دناءة الهمة وقلة المروءة، وقيد بعضهم ذلك بما إذا لم تكن لمسكين فتلحق بالكبيرة. قاله التتائي. وأما صغائر غير الخسة فلا تقدح إلا بشرط الإدمان عليها. قاله عبد الباقي. وفي الخرشي عن شرح الجوهرة: كل ما خرج من حد الكبيرة فهو صغيرة، ولا يحصر أفرادها، ومنها ما يتوهم كونه كبيرة وليس بكبيرة، كقبلة أجنبية، ولعن معين ولو بهيمة؛ وكذب على غير الأنبياء بما لا حد فيه ولا فساد بدن أو مال ولا ضرر، وهجو مسلم ولو تعريضا، وهجر مسلم فوق ثلاثة أيام عدوانا، ونوم وجلوس مع فاسق لا يناسبه، ونجش واحتكار مضر، وبيع ما علمه معيبا. اهـ. قوله: وهجو مسلم، عطف على المنفي، ويعين ذلك قوله: ولو تعريضا فهجو المسلم كبيرة.
تنبيه: مثل عبد الباقي لِصغيرةِ الخسة بالنظرة الواحدة. قال البناني: فيه نظر، بل النظرة ليست من صغائر الخسة. اهـ. قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: بل النظرة ليست من صغائر الخسة، صحيح لا إشكال فيه؛ لأنه إذا كانت القبلة للأجنبية ليست من صغائر الخسة،
стр. 8062
فأحرى النظرة لكن لا بد من تقييد النظرة بما قيدت به القبلة، وهو أن لا تفعل في ملإ من الناس وإلا فهي جرحة. نقله ابن عبد السلام عن بعضهم، فإنه لو فعل ذلك بزوجته أو أمته لكان جرحة أيضا: لأنه مناف للمروءة، وهي زائدة على العدالة. اهـ.
وسفاهة. عطف على فسق؛ يعني أنه يشترط في قبول شهادة الشاهد أن لا يكون ذا سفاهة أي مجون: بأن لا يبالي بما صنع، قال ابن مرزوق: كإخراج الصوت من فيه، وكالنطق بألفاظ الخنا في الملإ مما يستبشع النطق به، وأما فصْلُ المروءة فأكثر ما يذكر فيه ما هو من المباح وقد يفعله من ليس بسفيه، بخلاف السفاهة فمحرم أو قريب منه، فلذا لم يكتف المص بالمروءة. اهـ. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وسفاهة؛ أي مجون بأن لا يبالي بما صنع، أو بأن تقل مروءته فيكثر الدعابة والهزل في أكثر الأوقات، لكن هذا يغني عنه قوله: ذو مروءة، فالأولى التفسير الأول، وإنما حمل قوله: وسفاهة على ما ذكر ليلا يكون فيه تكرار مع قوله: بلا حجر، وأما إذا حمل على السفه الذي ليس معه حجر فلا تكرار، وقد مر الكلام على شهادة السفيه عند قوله: وحجر، فراجعه إن شئت.
ولعب نرد، يعني أنه يشترط في شهادة الشاهد أن لا يلعب بالنرد فاللعب بالنرد، قادح في الشهادة. قال الشبراخيتي: ولعب نرد لخبر: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير أو دمه) (١). وفي الخبر أيضا: (ملعون من يلعب بالنردشير). ومن يكن ملعونا لم يكن عدلا، وظاهره ولو لم يُدْمنْ ذلك ولم يكن في قمار، وظاهر الحديث الشريف تحريم اللعب بالنرد، وتناوله لتشبيهه بتناول عين النجاسة بلا ضرورة، وبه جزم الزرقاني. اهـ. وقال التتائي: ولعب نرد لخبر: (من يلعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه). وظاهره وإن لم يدمن. اهـ. وقال عبد الباقي: ولعب نرد وإن لم يدمه بل ولو مرة ولو لم يكن في قمار، ومثله في الطاب. اهـ. وقال الخرشي: ولعب نرد لقوله ﵊: (من لعب بالنردشير فكأنما خضبت يده في لحم خنزير ودمه). اهـ. وقال ابن مرزوق: ولعب نرد؛ أي ولا يعلم منه أنه باشر لعب نرد
стр. 8063
فلعب منصوب عطفا على كبيرة، والنرد قال الزبيدي: شيء يلعب به وهو فارسي، قالوا: وهو النردشير الذي قال فيه ﷺ في صحيح مسلم: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه). قلت: وأظن أنها القطيعات التي هي مثل الدنانير في الشكل، وقد تكون مختلفة الأشكال بالتثليث والتربيع وغيرهما من عود وعظم، وفيها أعداد نقط، رأيت النصارى يلعبون بها يرمونها على لوح وينظرون ما يتفق لهم في هيئة الوضع بعد رميها. والله أعلم. ويلحق بها على هذا اللعب بالعود المسمى بالسبيح، وبالأعواد الموضوعة في التراب، وبالكعاب، ونحو ذلك. والله أعلم. وما رأيت من حقق لي وصفها، وظاهر الحديث الكريم تحريم اللعب بها، وتناولها لتشبيهه بتناول عين النجاسة لغير ضرورة شرعية، وعلى هذا فالتحريم يقع باللعب بها مرة واحدة، وهو ظاهر قول ابن عبد الحكم، ولذا عطفه المص على ما يجرح بفعله مرة، غير الكذب الذي اشترط فيه الكثرة، ولم يشترط فيه الإدمان، كما فعل في الشطرنج. اهـ كلام ابن مرزوق. وقال الخرشي: قال الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم: وكان أزدشير بن بابك أول ملوك الفرس قد وضع النرد، ولذلك قيل له: نرد شير، نسبوه إلى واضعه. اهـ. وقال الرهوني: ظاهر كلام ابن عرفة أن المعتمد أنه لا يشترط في النرد الإدمان، ونصه: والنرد، المازري: ظاهر المذهب أنه كالشطرنج، وفيها: الشطرنج شر من النرد، والصحيح من أحاديث الباب حديث مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ قال: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده من لحم خنزير ودمه) (١). انتهى. وقد مر أن الطاب مثل النرد، وهو اسم لنوع من آلات اللعب. انظر البناني. وفي الخرشي: وأما اللعب بالشطرنج فإن كان يلهي عن واجب فحرام وإلا فقولان أرجحهما الكراهة. اهـ.
ذو مروءة؛ يعني أنه يشترط في الشاهد أن يكون ذا مروءة، فمن ألا مروءة له شهادته ساقطة، والمروءة هي الصيانة عن كل خُلُق دني يرى أن من تخلق به لا يحافظ على دينه وإن لم يكن حراما. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: قال ابن الحاجب: المروءة الارتفاع عن كل ما يرى أن
стр. 8064
من تخلق به لا يحافظ على دينه وإن لم يكن حراما. اهـ. وقال ابن مرزوق: اضطرب رأي المتأخرين في المروءة حل هي زائدة على حقيقة العدالة، وهي طريقة ابن الحاجب وابن شأس، أو هي من تمام حقيقة العدالة؟ وهذا ظاهر كلام الأقدمين. وبين المص المروءة بقوله:
بترك غير لائق، الباء سببية أو للتصوير. والله تعالى أعلم. يعني أن المروءة هي أن يترك الشخص ما لا يليق به، فهو كقول ابن الحاجب: المروءة الارتفاع عن كل ما يرى أن من لخ، وبين المص غير الملائق مدخلا عليه من التبيينية بقوله: من لعب حمام لخ، قال الشبراخيتي: بترك غير لائق، بأن لا يأتى بما يعتذر عنه مما يبخسه عن مرتبته عند ذوي الفضل، قال ابن عرفة: المروءة هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذم عرفا كترك الملي الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافيا، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفا كالأكل عندنا في السوق وفي حانوت الطباخ لغير الغريب، وفي التوضيح: ابن محرز: ولسنا نريد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركب وجودة الآلة وحسن الشارة أي الهيئة، بل المراد الصون والسمت الحسن، وحفظ اللسان؛ وتجنب المجون: والارتفاع عن كل خلق ردي يرى أن كل من تخلق به لا يحافظ معه على دينه، وإن لم يكن في نفسه جرحة. اهـ. وقال الأقفهسي: لا تقبل شهادة الغموس، والمراد به من يعاشر الصالحين، ويظن أنه منهم، والفاسقين ويظن أنه منهم: لأن أقل أحواله أنه يعاشر الأراذل إن لم يوافقهم في الفعل، وقوله: بترك لخ، الباء سببية وهي متعلقة بمروءة، أو باء التصوير أي مصورة بترك، وهو صفة كاشفة لمروءة فذو المروءة هو من يترك ما لا يليق بحال العدل. اهـ. وقال البناني: قال ابن عرفة: المروءة هي المحافظة على فعل ما تركه من المباح يوجب الذم عرفا، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفا. اهـ. جعل الأمور التي تخل بالمروءة مباحة مع أن فعلها يبطل الشهادة. ومثله قول التحفة:
وما أبيح وهو في العيان … يقدح في مروءة الإنسان
стр. 8065
وانظره مع ما في نوازل الأقضية من العيار عن أبي إسحاق الشاطبي: الاتصاف بالمروءة مطلوب كما أن الاتصاف بخلافها منهي عنه، وإن ظهر لبادي الرأي أنه مباح. اهـ. وقال أبو علي عند قول صاحب التحفة: وما أبيح وهو لخ، جعل الأمور التي تنافي المروءة مباحة مع أن فعلها يبطل الشهادة، والإنسان لا يحل له أن يتسبب فيما يبطل شهادته؛ لأن الإنسان لا يخلو من تحمل شهادة لغيره، مع أن فعل ذلك يرد الشهادة، وفي ذلك تضييع الحقوق، وفي نوازل الأقضية من العيار عن الشاطبي أن الاتصاف بالمروءة مطلوب، كما أن الاتصاف بخلافها منهي عنه، وإن ظهر لبادي الرأي أنه مباح، كما قالوا في الأكل في الأسواق لمن لا يليق [به] (١) والاجتماع مع الأراذل، والتحرف بالحرف الذمومة التي لا تليق بمنصب المتلبسين بها، ولا ضرورة تدعو لذلك، فهذا وإن قيل: مباح في الأصل، فالتحقيق أنه منهي عنه، إما نهي كراهة أو منع بحسب حال المتصف. اهـ. والطلب يحتمل الندب أو الوجوب، وكلاهما ينافي الإباحة في اصطلاح المتأخرين، والنهي يحتمل الكراهة والمنع. قال كاتبه عفا الله عنه:
والجواب: أن ارتكاب ما ينافي المروءة حرام باعتبار ما يعرض لما تقدم من بطلان شهادته والطعن عليه بسبب ارتكاب ذلك، وفي ذلك هتك لعرضه، وإيقاع الناس في المعاصي في الكلام (٢) فيه، مع أن في (٣) الاجتماع مع الأراذل لا يخلو من سماع ما لا يحل أو رؤيته، ولذلك سقط به إتيان الدعوة الواجبة في النكاح، ولكن قول من قال: هذا مباح، مراده باعتبار الأصل، ومن قال: منهي عنه، مراده باعتبار ما يعرض له. اهـ كلام أبي علي. والله تعالى أعلم. وقال الحطاب: فمن ترك اللباس المحرم والمكروه الخارج عن السنة لا يكون جرحة في شهادته، كلباس فقهاء هذا الزمان من تكبيرهم العمائم، وإفراطهم في توسيع الثياب، وتطويلهم الأكمام، فقد صرح الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل بأن ذلك ممنوع، ونقل عن العلماء من أهل المذهب وغيرهم الكلام في ذلك فراجعه: ولو مشى الإنسان حافيا أو بغير عمامة بالكلية مما هو مباح لكن العادة خلافه ينظر في
стр. 8066
أمره، فإن أراد بذلك كسر النفس ومجاهدتها لم يكن ذلك جرحة في حقه، وإن كان على جهة المجون والاستهزاء بذلك فذلك جرحة، كما قاله في التوضيح في الصنائع وتقدم كلام ابن عرفة، وأما حمل الانسان متاعه من السوق فهو من السنة، لقوله ﵊: (صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله) (١). وذلك حين اشترى السراويل، وأراد بعض الصحابة أن يحملها عنه، وأظنه السيد أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والقضية في الشفا. اهـ. وقال الخرشي: قوله: ذو مروءة، بضم الميم وفتحها، والفتح أفصح، ويقال فيها: مروَّة بإبدال الهمزة واوا وإدغام المدة فيها. اهـ. وقال في القاموس: مَرُؤ مرءا ومروءة فهو مريء أي ذو مروءة وإنسانية، وتمرَّأ تكلفها وبهم طلب المروءة لنقصهم وعيبهم، ومرؤ الطعام مثلثة الراء مراءة فهو مريء هنيء حميد المغبة بين المرءة كتمرة وهنأني ومرأني فإن أفرد فأمرأني وكلأٌ مريء غير وخم، ومرؤت الأرض مراءة حسن هواؤها. اهـ المراد منه. وقال الخرشي: وأهل المروءة الآن قليل. قال بعض الأذكياء:
مررت على المروءة وهي تبكي … فقلت عَلامَ تنتحب الفتاة
فقالت كيف لا أبكي وأهلي … جميعا دون خلق الله ماتوا
من حمام من تبيينية كما مر؛ يعني أنه يشترط في العدل أن يترك ما لا يليق به من لعب بالحمام، قال الشبراخيتي عند قوله: من حمام، تفسير لغير لائق، فمن لبيان الجنس، وحمام على حذف مضاف أي لعب، وقوله: من حمام؛ أي مع الإدمان كما يفيده كلام الشارح وغيره، ولا يصلح حمله على الوجه المحرم لأنه في بيان ترك غير اللائق. انتهى. وقال الحطاب: قال في التوضيح عن ابن محرز؛ الإدمان على لعب الحمام والشطرنج جرحة وإن لم يقامر عليها. قال في كتاب الرجم: ولا تجوز شهادة لاعب الحمام إذا كان يقامر عليها، واختلف الشيوخ هل يقيد ما قاله في غير هذا الموضع بهذا القيد أي المقامرة أو خلاف؟ اهـ. وقال في الشامل: بترك غير لائق
стр. 8067
من لعب بحمام وإن دون قمار على الأصح، لكن يفهم من كلام التوضيح شرط الإدمان، وظاهر كلام المص هنا خلاف ذلك، وعزا أبو الحسن التقييد بالإدمان لكتاب الشهادات، ويفهم من كلام المص وغيره أن اللعب بالحمام غير حرام، ولكنه غير لائق. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: وبين المص غير اللائق بقوله: من لعب حمام مع إدمانه، ولا يصح حمله على الوجه المحرم لأنه في بيان ترك غير اللائق، وهذا يشمل اللعب به الذي ليس بمحرم لأنه يخل بالمروءة، ويشمل اللعب به المحرم الذي ليس من الكبيرة ولا من صغيرة الخسة، ولا يشمل اللعب به مقامرة لأنه كبيرة، ومما لا يليق معاشرة الأراذل، قال الأقفهسي: لا تقبل شهادة الغموس، والمراد به من يعاشر الصالحين ويظن أنه منهم، والفاسقين ويظن أنه منهم. اهـ. لأن أقل أحواله أنه عاشر الأراذل إن لم يوافقهم في الفعل. اهـ. وقال المواق: من المدونة: يجرح الشاهد بثبوت لعبه بالحمام إذا كان يقامر عليه، محمد: من فعله على قمار أو أدمن عليه ردت شهادته. اهـ. وقال التتائي عند قوله: من حمام، ظاهره بقمار أم لا، وهو كذلك، كما في سرقة المدونة، وفي الرجم منها: يجرح الشاهد بلعبه بالحمام إذا كان يقامر عليه، واختلف هل يحمل مطلقها على مقيدها أو لا؟ ظاهرهما أدمن عليه أو لا. المازري عن محمد: من فعله على قمار أو أدمن عليه ردت شهادته. اهـ. قال ابن مرزوق: أطلق في كتاب السرقة من المدونة، وقيد في كتاب الرجم بالمقامرة على لعب الحمام، وعلى عدم التقييد من المص، وخَرج أبو داوود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ (رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة) (١). فظاهر تسميته ﷺ له شيطانا يدل على رد شهادته، وسمعت شيخنا الحافظ الصالح إمام المحدثين في عصره زين الدين عبد الرحيم العراقي ﵀ يذكر حكاية، وهي أن بعض الملوك كان مولعا باللعب بالحمام. وكان بعض المحدثين أراد أن يحسن له ما انتحل من ذلك، فذكر له يوما حديث: (لا سبق إلا في خف أو حافر) (٢) وزاد فيه: أو جناح، ففطن الملك أن تلك الزيادة موضوعة؛ فقال:
стр. 8068
آذانا لعبنا بالحمام أن يكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أجلنا فلا ألعب به أبدا. اهـ. قال ابن مرزوق: قلت: ولقد وفق في تركه شهوته للغضب لله. اهـ.
وسماع غناء. يعني أن سماع الغناء يسقط الشهادة، وفي المدخل: الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل، قال عبد الباقي: وسماع غناء بالمد سماعا متكررا بغير آلة، لإخلال سماعه بالمروءة، وإن كره في هذه الحالة حيث لم يكن بقبيح أو يحمل عليه، واعلم أن الغناء إما بآلة أو بغيرها، وفي كل إما أن يحمل على تعلق بمحرم أو لا، وفي كل إما أن يتكرر أو لا، وفي كل إما فعلا أو سماعا، وفي كل إما في عرس أو صنيع، وإما في غير ذلك، فمتى حمل على تعلق بمحرم حرم فعلا أو سماعا تكرر أم لا بآلة أم لما في عرس أو صنيع ونحوهما أو في غير ذلك، ومتى لم يحمل على محرم جاز بعرس وَصنيع كولادة وعقد نكاح ونحوهما بآلة وغيرها، سماعا أو فعلات تكرر أم لا، لا بغير عرس أو صنيع فيمنع إن تكرر بآلة وغيرها فعلا وسماعا، فإن لم يتكرر كره سماعا، وهل كذا فعلا أو يمنع خلاف. اهـ. قول عبد الباقي: جاز بعرس وصنيع كولادة وعقد نكاح ونحوهما بآلة وغيرها لخ، ظاهره ولو كانت الآلة كالعود وهو خلاف ما تقدم له في الوليمة عن الشامل من أنه مكروه، وخلاف ما في المعيار عن المازري من أنه حرام، وفي ابن عرفة: والغناء بآلة فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور والعزفة والزمار فالظاهر عند العلماء حرمته، وأطلق محمد بن عبد الحكم أن سماع العود مكروه، وقد يريد به الحرمة، ولما كان ذلك يقارن غالبا شرب الخمر ويبعث عليها انسحب عليه حكم التحريم، قال ابن عبد الحكم: سماع العود جرحة إلا أن يكون في صنيع لا شرب فيه فلا يجرح وإن كره على كل حال. اهـ. وراجع كلامه الذي قدمناه عند قوله في الوليمة: وفي الكبر المزهر لخ، وبذلك كله يظهر لك ما في كلامه هنا، وإن سكت عنه التاودي، وقد أشار البناني إلى البحث مع الزرقاني، وقول ابن عرفة عن ابن عبد الحكم: فلا يجرح وإن كره على كل حال، كذا وجدته فيه، وكذا نقله البناني وسلمه، وظاهره أن الكراهة على بابها من التنزيه، وهو خلاف ما في العيار عن الإمام المازري، فإنه قال: قال الإمام أبو عبد الله المازري: الغناء بغير آلة مكروه، أو بآلة ذات أوتار كالعود والطنبور ممنوع، ونص ابن عبد
стр. 8069
الحكم على أن الشهادة ترد بسماع العود، إلا أن يكون في عرس أو صنيع بلا شرب مسكر فلا ترد به، وإن كان محرما على كل حال، والظاهر أن الكراهة مراد بها التحريم بدليل ما قاله قبل، وبدليل قوله: على كل حال، وقد نقل ابن مرزوق كلام المازري بلفظ وإن كان مكروها لخ، كما وقع في كلام ابن عرفة. والله سبحانه أعلم. اهـ. قاله الرهوني. وقال الخرشي: وسماع الغناء من النساء ومن المُرد يخل بالمروءة ويبطل الشهادة، وأما الترنم بحسن الصوت فإنه جائز، وقد سمع المصطفى ﵊ قراءة أبي موسى الأشري وقال: (لقد أوتيت مزمارا من مزامير [آل] (١) داوود) (٢). والمشهور أن سماع الآلة حرام، ولا تجوز شهادة من يشتغل بمطلق علم الكيمياء ولا إمامته، وفي الإحياء: كل آلة منها صوت مستطرب موزون فإن كان مما يعتاده أهل الشرب حرم سماعه، وإلا فهي باقية على أصل الإباحة قياسا على صوت الغير، والغناء بالكسر والد الصوت المتقطع، والذي فيه ترنم، أو الممتد، وأما بالكسر والقصر فاليسار. اهـ. وقوله: حمام، منصوب في الأصل بنزع الخافض وقوله: أو سماع غناء، اعلم أن مجرد السماع له لا يقدح: وإنما القادح أن يقصد ذلك، وأما لو كان مارا فسمعه من غير قصد فلا يكون قادحا. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: والذي يفيده كلام المواق والشدالي أن سماع الغناء سواء كان مع آلة أم لا إنما يسقط الشهادة إذا أدمنه، كما أن فعل الغناء إنما يسقطها مع الاشتهار، كما في المدونة سواء كان بآلة أم لا. اهـ. وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: وأكره القراءة بالألحان حتى يشبه الغناءة ولا أرد شهادة من يفعل ذلك قال ابن الْقُرطِي: وقد اختلف في ذلك، وجاءت أحاديث تتضمن ذم الغناء ولكنها ضعيفة السند. اهـ. قاله ابن مرزوق. وفي الكافي: لا بأس باستماع الحِدَاء ونشيد الأعراب ورفع العقيرة بالإنشاد والترنم بالشعر. اهـ. والعقيرة صوت المغني. قاله في الميسر. ودباغة: يعني أن الدباغة مما يسقط الشهادة لإخلالها بالمروءة. وحياكة؛ يعني أن الحياكة وهي صنعة النسج مما يبطل الشهادة لإخلالها بالمروءة، وقيد ذلك فيهما بقوله: اختيارا؛ يعني أن الدباغة والحياكة إنما يسقطان الشهادة إذا كان فاعلهما مختارا، وأما إن فعلتا اضطرارا فلا
стр. 8070
تسقطان الشهادة، ويمكن رجوع قوله: اختيارا لسماع الغناء أيضا، فلا يقدح سماعه من غير قصد كما مر، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ودباغة وحياكة اختيارا؛ أي في بلد يزريان بفاعلهما وليس من أهلهما، وأما اضطرارا أو من أهلهما فلا يدلان على ترك المروءة، كما يفيده في الحياكة قول ابن عرفة: ليست بتونس من الصناعات الدنية، وقول البرزلي: إنها بإفريقية من الصناعات الرفيعة يفعلها وجوه الناس؛ فتقاس الدباغة عليها. لكن المظاهر أن الدباغة من الصناعات الدنية مطلقا: والخياطة من الرفيعة مطلقا، لحديث ورد في مدحها في حق الرجال، ومدح صناعة الغزل في حق النساء ولفظه: (عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء الغزل) (١) "خط" وابن لال وابن عساكر عن سهل بن سعد. اهـ من الجامع الصغير. ومثل ما ذكره المص الحجامة؛ ثم ما فسره به المص المروءة شامل للمرأة؛ لأنها بهذا المعنى تتصف بها كالرجل، وقد تفسر المروءة بكمال الرجولية كما قاله السعد التفتازاني، وهي بهذا المعنى لا تشمل المرأة، وإن كان يقال لها: رجلة. اهـ. قوله: ولفظه عمل الأبرار لخ، هذا الحديث نسبه السيوطي للخطيب البغدادي، وإليه رمز بلفظ خط؛ ولابن عساكر وإليه رمز بلفظ كر، كما بين ذلك في ديباجة جامعه؛ وهو حديث ضعيف لأنه ذكر في الجامع الكبير أن كل ما يعزوه للخطيب أو لابن عساكر فهو حديث ضعيف، وأنه يستغني بالعزو إليهما عن بيان ضعفه. اهـ. وقال الشبراخيتي: ودباغة وحياكة اختيارا، لإخلال ذلك بالمروءة، وخرج بالاختيار من يفعل ذلك لفاقة أو مكرها. ابن عبد السلام: وألحق بعضهم بذي الفاقة من يقصد بذلك كسر نفسه ويخلقها بأخلاق الفضلاء، ومبباعدتها عن الكبر، ولو أدخل المص الكاف على دباغة ليشمل أرباب الحرف الدنية كالحجام والكناس وما أشبهه كما قال ابن محرز لكان أولى، وظاهر كلام المص أن الدباغة والحياكة يقدحان مطلقا، وقال التتائي: قال ابن عرفة وغيره: وهذه تختلف باختلاف الناس والأزمنة والأمكنة، فإن الحياكة عندنا بتونس ليست من الصناعات الدنية. البرزلي: وهي بإفريقية عندنا من الصناعات الرفيعة يفعلها وجوه الناس، ومما تختلف به العوائد من هذا المعنى المشي حافيا
стр. 8071
والأكل في الحوانيت. اهـ. وقال الحطاب: قال البرزلي: رأيت لبعضهم أن هذه الصناعات إن صنعها تصغيرا لنفسه ليدخل السرور بها على فقراء أو يتصدق بما يأخذه فإنها حسنة وإلا فهي جرحة. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: معنى قوله: ليدخل السرور بها لخ، لأجل صنعته لها معهم فلا يخجلون بسبب اشتراكه معهم فيها. والله تعالى أعلم. وإدامة شطرنج؛ يعني أن إدامة اللعب بالشطرنج تسقط الشهادة، قال المواق: من المدونة: من أدمن على اللعب بالشطرنج لم تجز شهادته؛ وإن كان إنما هو المرة بعد المرة فشهادته جائزة إذا كان عدلا، وكره ملك اللعب بها؛ وقال هي: أشد من النرد، وقال الأبهري: تجوز شهادة من لا يُدمن على اللعب بالشطرنج إذ لا يخلو الإنسان من لهو ومزح يسير، وقد روينا عن جماعة من التابعين أنهم كانوا يلعبون بالشطرنج. اهـ ما لابن يونس. وقال أبو عمر: قول ملك: إن كان لعبه بالشطرنج إنما هو المرة بعد المرة فشهادته جائزة، يدل على أن اللعب بها ليس بمحرم لنفسه وعينه، لأنه لو كان كذلك لاستوى قليله وكثيره في تحريمه، وليس اللعب بها بمضطر إليه ولا مما لا ينفك عنه فيعفى عن اليسير منه، قال: وممن أجاز اللعب بالشطرنج على غير قمار سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومحمد بن النكدر، ومحمد بن سيرين، وعروة بن الزبير، وابنه هشام؛ وسليمان بن يسار، والشعبي؛ والحسن البصري، وربيعة، وعطاء. اهـ. وقال الرهوني: قال الباجي: ما روي عن عبد الله بن مغفّل، والشعبي، وعكرمة، أنهم كانوا يلعبون بالنرد، [والشعبي كان يلعب بها] (١) غير، ثابت، وكذا عن ابن المسيب، وابن شهاب، وإنما هي أخبار يتعلق بها أهل البطالة. اهـ. وقال المواق: ومن كتاب ابن سحنون: من كان يبيع النرد والزمامير والعيدان والطنابير لم تجز شهادته. ابن عرفة: وكذا من يشتغل بطلب علم الكيمياء، وأفتى الشيخ الصالح المنتصر بمنع إمامته، وحدثني شيخي ابن سراج ﵀ أن إنسانا أخبره أنه يُحْكِمُ عملها. قال ﵀: الذي أفتيك به من جهة الفقه أن لا بد أن تبين للذي تشتري منه أنها مدبرة، إذ لا يحل أن
стр. 8072
يكتم أحد من أمر عوضه ما إذا ذكره كرهه الآخر، أو كان ذكره أبخس له، وكل الناس يؤثر المعدني على المدبر. اهـ. وقال البناني: قال ابن غازي: قال أبو عبد الله بن هشام اللخمي في لحن العامة: ويقولون: شطرنج بفتح الشين. وحكى ابن جِنِّي أن الصواب كسرها ليكون على بناء جردحْل، وذكر قبل ذلك أنه يقال بالشين وبالسين لأنه إما مشتق من الشاطرة أو التسْطير. قال المازري: قال الأبهري في تعليل التفريق بين الإدمان وعدمه لأن الإنسان لا يسلم من يسير لهو. وقد قال بعض الشعراء:
أفد طبْعَكَ المكدود بالجِد راحة … يَجِمُّ وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن … بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
ابن رشد: لا خلاف بين ملك وأصحابه أن الإدمان على اللعب بها جرحة، وقد قيل: إن الإدمان أن يلعب بها في السنة أكثر من مرة واحدة اهـ وما في الزرقاني عن المذهب أنها شر من النرد هو في المدونة، لكن في التوضيح: لعل مالكا إنما قال ذلك لأن الشطرنج يفتقر إلى حساب وفكرة، بخلاف النرد، لا أنه مثل النرد في الحرمة، وقال الزرقاني: لم يرد فيه مثل ما ورد في النرد من خبر: (من لعب) (١) لخ، هذا الحديث في صحيح مسلم كما في ابن عرفة والتوضيح وغيرهما. اهـ. وتعقب الرهوني هذا التأويل بأنه إن حرم النرد لإلهائه فهذا أولى لخ، وما قاله ظاهر لا مرية فيه. وقال الحطاب: قال في الشامل: وإدامة شطرنج ولو مرة في العام، وقيل: أكثر، وهل يحرم أو يكره؟ قولان، وثالثها: محرم مع الأوباش. انتهى. وقال عبد الباقي: وإدامة شطرنج، ظاهره أن لعبه غير حرام لجعله من أفراد ما لا يليق مع تقييده بالإدامة؛ ويوافقه تصحيح القرافي أنه مكروه، ولكن المذهب أن لعبه حرام، وفسر أحمد بن نصر الإدامة بأن يلعب بها في السنة أكثر من مرة، وبعض الأشياخ بمرة في السنة، أي ومرة أخرى في سنة ثانية: حتى يقال له: إدامة اهـ المراد منه. وسئل ملك عن التسليم على اللاعب بالكعاب والشطرنج والنرد؟
стр. 8073
فقال: أما هم من أهل الإسلام؟ وإني لأكره أن أقول: لا أسلم على أحد من أهل الإسلام، فقيل له: أفترى شهادتهم جائزة؟ فقال: أما من أدمنها فلا أرى شهادتهم طائلة، يقول الله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. قال محمد بن رشد: لم ير ملك ﵀ أن يترك السلام على اللاعب بالكعاب والنرد والشطرنج وأشباههم من أهل المجون والبطالات والاشتغال بالسخافات، إذ لا يخرجهم ذلك عن الإسلام، وإن كانوا يعدون بذلك غير مرضِيِّي الأحوال، فلا تجوز شهادتهم لأن الله يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. ومعنى ذلك في السلام عليهم إذا مَرَّ بهم في غير حال لعبهم، وأما إذا مر بهم وهم يلعبون فلا ينبغي أن يسلم عليهم، بل يجب أن يعرض عنهم، فإن في ذلك أدبا لهم، ومتى سلم عليهم وهم على تلك الحالة استخفوا بالمسلم عليهم وارتفعت بذلك الريبة عنهم. وبالله التوفيق. نقله الرهوني.
وإن أعمى في قول وأصم في فعل: مبالغة في قوله: العدل حر لخ؛ يعني أن من وجدت فيه الصفات المتقدمة من قوله: حر، إلى هنا هو العدل فتقبل شهادته وإن كان أعمى وشهد في قول من الأقوال، أو أصم وشهد في فعل من الأفعال، فخرج من هذا أن الشاهد ليس كالقاضي في السمع والبصر والكلام، فلا يشترط فيه إلا أن يكون بصفة من يتأتى منه المعلم بالشهود فيه خاصة، قال في المدونة: وتجوز شهادة الأعمى على معرفة الصوت في الطلاق وغيره، وكذلك من سمع جاره من وراء جدار يطلق وإن لم يره. اهـ. وقال ابن الجلاب: وشهادة الأعمى على الأقوال جائزة، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، ولا كان الأعمى يدرك الأصوات ويميز بينها جازت شهادته في الأقوال، والأفعالُ التي لا تدرك إلا بالبصر لا يقبل فيها، ولما كان الأصم يدرك الأفعال جازت شهادته فيها دون الأقوال، وفي كتاب الرجم من المدونة: ولا تجوز شهارة الأعمى في الزنى ويحد.
تنبيهات: الأول: قوله: وإن أعمى قول، قال البناني: لا خصوصية للقول، بل تجوز شهارته فيما عدا المرئيات، من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات، قال مصطفى: وإنما خص المص كغيره الأقوال لأن الملموس والمذوق والمشموم يستوي فيها الأعمى وغيره، فهي محل اتفاق، وإنما محل الخلاف المسموعات، فمذهب ملك الجواز، ومذهب الشافعي والحنفي كالجمهور
стр. 8074
المنع. اهـ. وقال عبد الباقي: وإن كان الشاهد العدل أعمى خلافا لأبي حنيفة في قول لا في فعل ولو علمه قبل العمى على المعتمد، كما في الحطاب خلافا لاقتصار شرح الإرشاد على الجواز حينئذ. اهـ. قوله: ولو علمه قبل العمى على المعتمد كما في الحطاب لخ، فيه نظر، وما في الحطاب استدل عليه بأن أصحابنا ينقلون أولا المذهب، ثم يقولون: وقال الشافعي: تحمله قبل العمى؛ قال: فتخصيصهم التفرقة بين ما تحمله قبل العمى وبين ما تحمله بعدد بالشافعي يدل على أن المذهب عدم التفصيل. اهـ. قال المصطفى: فيه نظر، وهو وهم منه؛ لأن التفرقة إنما ذكروها في الأقوال ولم يتعرضوا للأفعال أصلا، فلا دليل له في كلامهم. اهـ. باختصار.
الثاني: قال عبد الباقي: أو أصم غير أعمى في فعل لما في قول ما لم يكن سمعه قبل الصمم، كذا ينبغي قياسا على الأعمى على ما في شرح الإرشاد، وأما الأعمى الأصم فلا تقبل شهادته، ولا يتزوج، وله وطء زوجته إذا طرأ عليه ذلك، ويعتمد على القرائن، وتقبل شهادة الأخرس، كما قال ابن شعبان؛ ويوديها بإشارة مفهمة أو كتابة. اهـ. قوله في الأعمى الأصم: لا يتزوج لخ، يعني - والله أعلم - لا يلي ذلك بنفسه، وإلا فيجوز أن يُولَّى عليه من ينظر له بالأصلح له، كما يقدم الحاكم على المجنون والسفيه من ينظر لهما. والله أعلم. انتهى.
الثالث: قال التتائي: وإن أعمى في قول خلافا لأبي حنيفة والشافعي، ومنشأ الخلاف هل يحصل له علم ضروري بأن هذا صوت فلان أم لا؟ لنا خبر: (إن بلالا ينادي بليك) (١) الحديث؛ وهو لا يعلم إلا بصوته، وأخذ الناس عن زوجاته ﵊ وهُنَّ خلف الحجاب، قال ربيعة: لو لم تجز شهادته لا جاز له وطء زوجته ولا أمته. اهـ. وقال المواق: وإن أعمى قول أو أصم في فعل. ابن شأس: تقبل شهادة الأصم في الأفعال. ابن عرفة: هذا نحو نقل المازري عن المذهب: تجوز شهادة البصير فيما يصح أن يعلمه البصير. اهـ. وقال ابن مرزوق: وقال في النوادر: من العتبية والمجموعة قال ملك: شهادة الأعمى جائزة إذا عرف ما يشهد عليه وأثبته يقينا، وقد كان ابن أم مكتوم يؤذن إن قيل له: أصبحت، ونقل الصحابة عن أزواجه صلى الله
стр. 8075
عليه وسلم ورضي عن جميعهم من وراء حجاب. وقال ملك: وتجوز شهادة الرجل على المرأة من وراء ستر قد عرفها وعرف صوتها وأثبتها قبل ذلك. اهـ.
ليس بمغفل، كمعظم؛ يعني أنه لا تقبل شهادة المغفل إلا فيما يستثنى، والمغفل هو الذي عنده قوة التنبه ولم يستعمل قوته، قال عبد الباقي: ولما ذكر شروط شهادة العدل ذكر موانعها جمع مانع، وهو ما وجوده مانع من قبول الشهادة والحكم بها، وعرف بأنه الوصف الوجودي المظاهر المنضبط، فقال: ليس بمغفل بل فطن. اهـ. وقال التتائي: ليس بمغفل. البساطي: التغفل عدم استعمال القوة المنبهة مع وجودها، فالبليد لا قوة له البتة، والمغفل له ولكنه لا يستعملها. ابن عبد الحكم: قد يكون الرجل الخير الفاضل ضعيفا لا يؤمن عليه لغفلته أن يلبس عليه فلا تقبل شهادته. اهـ. وأما البليد فلا تصح شهادته لما فيما يلبس ولما فيما لا يلبس.
إلا فيما لا يَلبس؛ يعني أن المغفل لا يشهد فيما يلبس أي يختلط، وأما ما لا لبس أي لا تخليط فيه، فإنه يشهد فيه كرأيت هذا يقطع يد هذا أو يسرق متاعه فتقبل، وقوله: يَلْبس: بفتح التحتية وكسر الباء الموحدة وماضيه بفتحها من قبيل قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أَي لا يختلط عليه. قاله عبد الباقي. وقال: والمغفل من لا يستعمل القوة المنبهة مع وجودها فيه، وأما البليد فهو خال منها فلا تصح شهادته مطلقا، وتعقبه الرهوني بما قال عن الجنوي: لا فرق بين المغفل والبليد، فتصح شهادة كل منهما فيما لا يلبس وتبطل في غيره. قال: وما قاله هو الحق، فإن البليد والأبله متقاربان في المعنى لخ، اهـ. وقال ابن مرزوق: أي أن شهادة الغفل مردودة للعلة التي ذكرناها إلا فيما لا يوقع عاقلا في لَبْس من الأمور الظاهرة لكل أحد. انتهى. وقال المواق عند قوله: ليس بمغفل: قال ابن عبد الحكم: لا تقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلا ولا يؤمن أن يغفل، أو يضرب على خطه، أو يشهر على الرجل ولا يعرفه يتسمى له بغير اسمه، فمن كانت هذه حالته لا تقبل شهادته. المازري: إطلاق المتقدمين رد الشهادة بالبله والغفلة قيده بعض المتأخرين بما كثر من الكلام والجمل المتعلق بعضها ببعض، لا في نحو قوله: رأيت هذا الشخص أو سمعته قال: هي طالق. اهـ. وقال التتائي: إلا فيما لا يلبس، كرأيت هذا قطع يد هذا، وفعل معه كذا، وسمعته طلق زوجته واحدة أو ثلاثات أو شتم
стр. 8076
هذا، وتعقب ابن عرفة قبول ابن عبد السلام وابن هارون قول ابن الحاجب؛ وقيل: إلا فيما لا يكاد يلبس فيه قائلا: لا أعرفه إلا تقييد. المازري: إطلاق المتقدمين رد الشهادة بالبله والغفلة قيده بعض المتأخرين بما كثر من الكلام والجمل المتعلق بعضها ببعض، لما في نحو قوله: رأيت هذا الشخص قتل هذا الشخص وسمعته قال: هي طالق. اهـ.
ولا متأكد القرب؛ يعني أن من شرط قبول الشهادة أن لا يكون الشاهد متأكد القرب للمشهود له، ومثل لذلك بقوله: كأب وإن علا، فالأب وإن علا والأم وإن علت لا تصح الشهادة منهما ممن لهما عليه ولادة، فالمراد الجنس لا خصوص الأب أو الأم دنية، فيدخل الأب وآباؤه والأم وأمهاتها، ويدخل الجد من قبل الأم في ذلك. والله تعالى أعلم. وظاهر ذلك وإن كان الشهود له كافرا أو رقيقا، قال ابن مرزوق: وهكذا كل من له ولادة على أبي المشهود له أو على أمه أو على أبي أحدهما أو أمه ما علا ذلك وارتفع. اهـ. وقال المواق: المازري ولا تجوز شهادة الأب وإن علا لولده وإن سفل كان جدا من قبل الأب أو الأم، ولا شهادة بني بنيهم لهم. انتهى. وأدخلت الكاف الأم. ويدخل أيضا من له ولادة عليها كالأب كما مر عن ابن مرزوق.
وزوجهما. أي الأب والأم التي أدخلتها الكاف. قال الشبراخيتي: ومعنى ذلك أن زوجة الأب لا تشهد لولد زوجها وإن سفل؛ وزوج الأم لا يشهد لولدها وإن سفل، وقول التتائي: فلا يشهد لزوجة أبيه ولا لزوج أمه لخ، خلاف سياق المص لأن سياقه في الشاهد المتأكد القرابة لما في المشهود له، فالزوج شاهد لا مشهود له، وكذلك لا يشهد لزوجته ولما لابنها ولا لأبيها، ولا الزوجة لزوجها ولما لابنه وأبويه: وأما شهادة الرجل لابن زوج ابنته فهي جائزة، ولا تجوز شهادة ابن اللعان لمن نفاه، ولا شهادة السمسار على العقد الذي تولاه، وأما إن لم يتول العقد وكانت سمسرته أي أجرتها لا تختلف بقلة الثمن وكثرته فإنها تجوز، ولا تجوز شهادة الخاطب إذا تولى العقد، وتجوز شهادة المشرف لمن هو مشرف عليه، بخلاف الوصي لمن أوصي عليه. اهـ. وقوله: ولا تجوز شهادة ابن اللعان لمن نفاه؛ أي كما قال في النوادر وغيرها لأنه بصدد أن يستلحقه فيلحق به، وإن ترتب عليه الحد في استلحاقه. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، وقال عبد
стр. 8077
الباقي: وزوجهما أي الأب والأم إذ الكاف أدخلتها، فمعناه أن زوجة الأب لا تشهد لربيبها وهو ولد زوجها وإن سفل، وزوج الأم لا يشهد لربيبه وهو ولدها. اهـ.
وولد وإن سفل؛ يعني أن الولد وإن سفل لا يشهد لمن له عليه ولادة، كما أنه لا يشهد له لتأكد القرابة، ومثل للولد بقوله: كبنت وابن فإنهما لا يشهدان لأبويهما، وخص البنت بالذكر وإن كان الابن مثلها ليتوصل للحكم في قوله: وزوجهما؛ أي زوج الابنة وزوج الابن الذي أدخلته الكاف لا يشهد كل لأصله، فزوج البنت لا يشهد لأبوي زوجته، وزوجة الابن لا تشهد لأبوي زوجها، وتحصل من كلام المص أنه يمنع شهادة زوجة الأب لربيبها ذكرا كان أو أنثى؛ وكذا زوج الأم لربيبه ذكرا كان أو أنثى، وأنه لا يمتنع شهادة كل منهما لزوج الربيبة، ولا لزوج الربيب، وأن الأب لا يشهد لزوجة ولده، ولا لزوج ابنته، وأنه يجوز شهادة زوج البنت، وزوجة الابن لزوجة الأب، ولزوج الأم، ولا تجوز شهادة الرجل لأبوي زوجته، كما لا تجوز شهادتها لأبويه، وأما شهادة أحد أبوي الزوجة لابن زوج ابنته من غيرها أو لأبويه فجائزة، قال الخرشي: والحاصل أن شهادة الزوج لولد زوجته أو لأحد والديها تمنع، وكذا شهادة الزوجة لولد زوجها أو لأحد والديه، وأما شهادة أحد أبوي الزوجة لابن زوج ابنته من غيرها أو لأبويه فجائزة، قال الخرشي: والحاصل أن شهادة الزوج لولد زوجته أو لأحد والديها تمنع، وكذا شهادة الزوجة لولد زوجها أو لأحد والديه، وأما شهادة أحد أبوي الزوجة لابن زوج ابنته أو لأبويه فجائزة كما يفيده كلام ابن عرفة. اهـ. وفي الميسر عن ابن شأس: اختلف في شهادة الرجل لابن امرأته، ولأبيها، ولامرأة أبيه، ولزوج ولده، وشهادة المرأة لابن زوجها، فمنع ذلك ابن القاسم، وأجازه سحنون، وقيل: إن شهادته لزوح ابنته أو زوجة ابنه تقبل من المبرز دون غيره. اهـ. وأما شهادة أحد الزوجين للآخر فيفهم منعها مما ذكر المص بالأحرى، وتزول التهمة في ذلك كله بزوال الزوجية كما ذكره ابن شأس. اهـ. ومفهوم قول المص: ولا متأكد القرب لخ، أن غير متأكد القرابة تقبل شهادته وهو كذلك، فيشهد للأعمام وبنيهم والإخوة بشرط التبريز، ويشهد لبنيهم ولأخوال وبنيهم ولبنات كل. والله تعالى أعلم.
стр. 8078
وشهادة ابن مع أب واحدة؛ يعني أنه إذا شهد شخص وابنه على شيء كما إذا شهدا بأن زيدا قال لامرأته: أنت طالق، أو شهدا بغير ذلك فإنها بمنزلة شاهد واحد، قال عبد الباقي: وشهادة ابن مع أب القبول منهما واحدة وتلغى الأخرى، ففي الأموال لا بد من يمين المشهود له، وفي النكاح وغيره لابد من آخر غيرهما. اهـ. وإذا طرأ فسق لأحدهما فلا وجه لبطلان شهادة الآخر العدل بل هي مقبولة. انظر حاشية الشيخ البناني. والله تعالى أعلم. قوله: وشهادة ابن مع أب واحدة، هو قول أصبغ، ومقابله لسحنون ومطرف، شهادة الأب مع ابنه شهادتان، قال ابن فرحون: وهو القول المعمول به. وقال في التحفة:
وجاز أن يشهد الابن في محل … مع أبيه وبه جرى العمل
ومثله لابن سلمون وابن راشد في اللباب، وذكر في معين الحكام أن القول بكون شهادة الأب مع ابنه شهادتين أعدل من القول بأنها شهادة واحدة، وفي المتيطية: الذي جرى به العمل أنها شهادة واحدة، وقيل: شهادتان وهو أقيس. اهـ. فكان على المص أن يقتصر على هذا القول لقوته أو يحكي قولين. قاله مصطفى. واختلف الشيخان الفقيهان سيدي يحيى السراج وسيدي عبد الواحد الحميدي في هذه المسألة، ووقع بينهما نزاع عظيم، فأفتى السراج بما عند المص، وأفتى الحميدي بما في التحفة، فوقع الاجتماع عليها عند السلطان أبي العباس السعدي بفاس العليا، ووقع الحكم فيها بما قاله الحميدي. انظر شرح الشيخ ميارة. وقد ذكر ابن رشد أن الخلاف في هذا الفرع وفي الفروع الثلاثة بعده واحد، ولم يرجح واحدا من القولين. انظر المواق. وزاد أبو الحسن على الفروع المذكورة شهادة الولد على خط أبيه، وذكر أن فيها القولين. قاله البناني. وقوله: وشهادة ابن مع أب واحدة، مثل الابن ولد الولد كما يأتي.
ككل عند الآخر؛ يعني أنه إذا كان الأب أو الابن قاضيا فشهد عند القاضي منهما الآخر فإن تلك الشهادة ملغاة، فالتشبيه في الحكم المطوي وهو والأخرى ملغاة. أو على شهادته، يعني أن شهادة الأب على شهادة ابنه ملغاة، وكذلك شهادة الابن على شهادة أبيه ملغاة. أو حكمه؛ يعني أن
стр. 8079
شهادة الابن على حكم أبيه أي بأنه حكم بكذا ملغاة، وكذا إذا شهد الأب على ابنه أنه حكم بكذا فإن تلك الشهادة ملغاة، وقد علمت أن الخلاف الذي في الفرع الأول جار في الفروع الثلاثة بعدد كما مر عن ابن رشد، قال المواق: قال ابن رشد: الخلاف في شهادة الأب عند ابنه والابن عنده، وشهادة كل منهما على شهادة صاحبه، وشهادة كل منهما على حكم صاحبه، وشهادة كل منهما مع شهادة صاحبه واحد، قيل: كل ذلك جائز، وهو قول سحنون ومطرف، وقيل: ذلك غير جائز وهو قول أصبغ. وأما تعديل أحدهما الآخر فلم يجزه واحد من أصحاب ملك إلا ابن الماجشون، وفي ذلك بعدٌ. ابن عرفة: ما أدركت قاضيا حفظه الله من تقديم ولده أو قريبه إلا قاضيا واحدا، جعلنا الله ممن علم الحق وعمل به. انتهى. واعلم أنه على ما لسحنون ومطرف من عدم الإلغاء في المسائل الأربع لابد من شرط التبريز عند سحنون، وأما مطرف فلا يشترط التبريز، وفي حاشية الرهوني إنما ذكروا العمل في هذا الفرع بخصوصه؛ يعني وشهادة ابن مع أب واحدة، ولم يذكروه في بقية المسائل، وانظر هل يسري هذا العمل لبقية المسائل لقول ابن رشد: إنها كلها سواء، أو يقصر على محله لأن هذا الفرع أخف من غيره إذ يجيزه من لا يجيز غيره، وهذا هو الظاهر عندي، لكن الذي شاهدناه ممن أدركنا من القضاة قبولهم شهادة أبنائهم وآبائهم، ولم نر واحدا ممن أدركنا من أشياخنا وغيرهم ينكر ذلك عليهم، والله أعلم.
تنبيهان: الأول: قال الرهوني: لا إشكال على ما درج عليه المص، وأما على مقابله ففيه إشكال لم أر من نبه عليه الآن فضلا أن يجيب عنه، وهو أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يعدل أحدهما الآخر قصدا وكذا تبعا عند غير ابن الماجشون، فلِمَ يُجَوِّزُ أن يقبل أحدهما شهادة الآخر من غير أن يعدله أحد، ويعمل بشهادته بمجرد علمه هو عدالته كما نص على ذلك غير واحد؟ ففي المواق ما نصه: قال في كتاب الأقضية من النوادر: قال مطرف وابن الماجشون: إن شهد عند القاضي أبوه أو ابنه أو من لا تجوز شهادته له فله أن يسمع شهادته ويقبلها على علمه بعدالته إن علمها، بخلاف تعديله إياه عند غيره. اهـ. فما الفرق مع أن العلة واحدة. اهـ. الثاني: قد مر أن ولد الولد كالابن، ففي نقل ابن مرزوق عن النوادر: قال سحنون في العتبية: إن شهد عنده ابنه أو ولد ولده لم أر أن تجوز شهادته إلا أن يكونا مبرزين في العدالة وبيان الفضل فليجوزها. اهـ.
стр. 8080
قاله الرهوني. وقال: لكن مطرف الذي جعل ابن رشد قوله موافقا لقول سحنون لم نر من نقل عنه شرط التبريز. اهـ.
بخلاف أخ لأخ راجع لقوله: ولا متأكد القرب كأب لخ؛ يعني أن شهادة الأخ للأخ ليست كشهادة الأصل للفرع أو الفرع للأصل فإنها أي شهادة الأخ للأخ جائزة بشرط أشار إليه بقوله: إن برز، بفتح الباء وتشديد الراء؛ أي على صيغة المبني للفاعل، يعني أن الأخ يشهد لأخيه حيث كان الأخ الشاهد مبرزا، والبرز هو الذي فاق أقرانه في العدالة، وإذا برز الأخ وشهد لأخيه أعملت شهادته ولو شهد له بتعديل، بأن يعدله أي يزكيه، وهذا هو المشهور وعليه حمل المدونة الأكثر، وتؤولت المدونة أيضا بخلاف؛ أي بأن الأخ لا يعدل أخاه؛ لأن الأخ يشرف بتعديل أخيه، وإنما يعدل من شهد لأخيه، كذا قرره الشارح والتتائي، وقرره المواق بما يفيد أنها تؤولت على أن الأخ يشهد لأخيه وإن لم يكن مبرزا، والمص محتمل لهما، والمعتمد اشتراط التبريز، ويشترط أيضا أن لا يكون الشاهد في عيال المشهود له، وكذا المسائل الآتية، وأن تكون بمال أو جرح عمد يؤول إليه، لا في جرح عمد فيه قصاص على المشهور. قاله عبد الباقي. قوله: والمص محتمل لهما لخ؛ أي محتمل لكل منهما، ويصح حمله على مجموعهما على أن المعنى: وتؤولت بخلاف ما ذكر في الموضعين وهو أفيد. اهـ. يعني أنها تؤولت على أن الأخ يشهد لأخيه وإن لم يكن مبرزا، وأنه لا يعدل أخاه، قال البناني: أما التأويلان في التبريز فقال في التوضيح: والقول باشتراط التبريز هو الذي في أول شهادات المدونة، ولم يشترطه في أثنائها، واختلف الشيوخ فحمله الأكثرون على أنه خلاف كما فعل المص أي ابن الحاجب، ورأى بعضهم أن ما له أول الشهادات قيد لغيره. انتهى. انتهى. وأما في التعديل فقال في التوضيح أيضا على قول ابن الحاجب: وفي جواز تعديله قولان لابن القاسم وأشهب، ما نصه: الجواز لابن القاسم وهو ظاهر المدونة بشرط التبريز، لقوله فيها: إذا لم يكن الأخ والأجير في العيال تجوز شهادتهما إذا كانا مبرزين في الأموال والتعديل: وعلى هذا الظاهر حملها الأكثرون، وقال بعضهم: المراد بالتعديل هنا تعديل من شهد لأخيه فيكون من باب المال، وعلى الأول يجرح من جرحه، وعلى الثاني لا
стр. 8081
يجرح من جرحه. اهـ. باختصار. اهـ. قال الرهوني: قول محمد بن الحسن عن التوضيح: فحملة الأكثر على أنه خلاف لخ، يفيد أن تأويل الخلاف أقوى، وقال ابن ناجي في شرح المدونة ما نصه: واشترط في الأخ التبريز ولم يشترطه بعد، فقيل: خلاف، وقيل: ما هنا مقيد لا يأتي وبه الفتوى. اهـ منه بلفظه. وقال الشبراخيتي: ثم أخرج من متأكد القرب قوله: بخلاف أخ لأخ فإنها جائزة إن برز في عدالته ولم يكن في عياله، وإلا فلا يشترط غير هذين الشرطين، وسواء اكتسب بشهادته لأخيه شرفا أو جاها أم لا، دفع عنه بها معرة أم لا، كان في جراح العمد أم لا، وما حكاه الشارح من الاتفاق والمشهور ضعيف ولو بتعديل له وعليه الأكثر، ومقابله لا يقبل تعديله له لقوة التهمة، وتؤولت أيضا بخلافه، وهو أن المراد بالتعديل تعديل من شهد لأخيه لا تعديل أخيه، كما في الشارح والتتائي، وقال المواق: معناه أن المدونة تؤولت على شهادة الأخ غير المبرز لأخيه. اهـ.
تنبيهات: الأول: قال في التحفة:
ولأخيه يشهد المبرز … إلا بما التهمة فيه تبرز
قال الشيخ ميارة: يعني أن الشاهد يجوز له أن يشهد لأخيه إذا كان الأخ الشاهد مبرزا أي سابقا في العدالة، وتقدم الكلام عليه، وأما غير المبرز فلا يشهد لأخيه، وإنما تجوز شهادة المبرز لأخيه إذا لم تلحقه في ذلك تهمة، فإن لحقته تهمة مثل أن يدفع عن أخيه فضيحة أي يدفع عنه بشهادته محنة فإنه في هذه الحالة كالشاهد لنفسه، وحاصل الأمر أنه يرجع إلى قوة التهمة وضعفها. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: مثاله - والله تعالى أعلم - أن يجرح من شهد عليه بشرب أو سرقة أو نحو ذلك كما يفيده كلام اللخمي، ومثل له أبو علي بأن يعدله. والله تعالى أعلم. الثاني: قال الحطاب: لو شهد أخوان أن هذا ابن أخيهما الميت والمشهود له ذو شرف فإن النسب لا يثبت بشهادتهما ويثبت للمشهود له المال إن ادعاه. والله أعلم. الثالث: قال الحطاب: تنفيذ القاضي حكم والده أو ولده لم أر فيه نصا، والظاهر جواز ذلك لأن للحاكم أن ينفذ حكم نفسه إذا قامت
стр. 8082
عليه بينة وإن نسيه وأنكره فذلك حكم ولده ووالده. والله أعلم. انتهى. الرابع: بَرَّز بفتح الباء وفتح الراء المشددة، وهو فعل لازم واسم الفاضل منه مبرِّز بكسر الراء المشددة: قال في التنبيهات: أي ظاهر العدالة سابقا غيره متقدما، وأصله من تبريز الخيل في السبق وتَقدُّم سابقها وهو المبرز لظهوره وبروزد أمامها. اهـ. وفي القاموس: برز ككرم وبرز تبريزا فاق أصحابه فضلا أو شجاعة، والفرس عن الخيل سبقها. اهـ. وليس التبريز هو الانتصاب للشهادة كما يعتقده الجهلة. قاله البناني. وقال زهير:
سبقت إليها كل طلق مبرز … سبوق إلى الغايات غير مزند
ولما ذكر اشتراط التبريز في شهادة الأخ لأخيه أتبع ذلك بسبع نظائر يشترط فيها التبريز، فقال: كأجير. تشبيه في قوله: إن برز؛ يعني أن الأجير لا تجوز شهادته لمن استأجره إلا إذا كان الأجير مبرزا في العدالة، ويشترط أيضا أن لا يكون الأجير في عيال من استأجره، قال الشبراخيتي: كأجير يشهد لمن استأجره فتقبل إن برز، ثم إنه يشترط في شهادة الأخ لأخيه وهذه النظائر السبعة أن لا يكون الشاهد في عيال المشهود له، وكلام المواق يفيد أن من كان يشمله بره وصلته بمنزلة من في عياله، كما ذكره في الصديق الملاطف، والظاهر أنه يجري في غيره أيضا، وأما عكس كلام المص وهي شهادة المستأجر للأجير فلا يشترط فيها التبريز. اهـ.
مسألة: اعلم أنه لا تجوز شهادة الوصي لمن أوصي عليه، وأما شهادته عليه فإنها جائزة.
ومولى، يعني أن المولى الأسفل لا تجوز شهادته للمولى الأعلى إلا إذا كان المولى الأسفل الشاهد مبرزا. ويجوز العكس بغير شرط التبريز. وملاطف؛ يعني أن الصديق اللاطف تصح شهادته لملاطفه بشرط أن يكون الشاهد مبرزا، قال الإمام الحطاب: الملاطف هو المختص بالرجل الذي يلاطف كل واحد منهما صاحبه، ومعنى اللطف الإحسان والتكرمة. قاله في التنبيهات. وقال ابن فرحون: الملاطف هو الذي قيل فيه:
إن أخاك الحق من كان معك … ومن يضر نفسه لينفعك
стр. 8083
ومن إذا ريب الزمان صدعك … شتت فيك (١) شمله ليجمعك
وهذا الذي قاله بعيد، وقل أن يوجد أحد بهذه الصفات، فالأولى تفسيره بما في التنبيهات. والله أعلم. اهـ باختصار. قاله البناني. وقال الشبراخيتي: وصديق ملاطف لصديقه فهو صفة لمحذوف، واللاطف هو الذي له مودة زائدة على مطلق الصداقة من الملاطفة وهي الإحسان والبر، يقال: لطف به أي أحسن إليه وبرَّه، أي الذي يصل إليه برك وبره إليك. قال في التنبيهات: وهذا هو المراد، ولا يفسر بقول ابن فرحون في شرحه في كتاب الإقرار: المراد بالصديق الملاطف الموصوف بقول الشاعر:
إن الصديق الحق من كان معك … ...................
لخ؛ لأن هذا معدوم في هذا الزمان. اهـ. ويشترط أيضا أن لا يكون في عياله كما مر فيه وفي الثمانية. وفي المواق: شهادة الصديق الملاطف الذي تحت إنفاق من شهد له لغو، وإن لم يكن تحت إنفاقه فطرق، المارزي: مشهور المذهب قبول شهادته لصديقه إن كان ليس في نفقته ولا يشتمل عليه بره وصلته. اهـ.
ومفاوض في غير مفاوضة؛ يعني أن شريك المفاوضة تجوز شهادته لمن فاوضه بشرط التبريز، وهذا إذا شهد في غير مال الشركة، فشهادته له تصح بشرط أن يكون مبرزا، وأن تكون شهادته في غير مال المفاوضة، وأن لا يكون في عيال المشهود له، ولا مفهوم لقول المص: ومفاوض، فكذا الشريك في شركة العِنَانِ إنما يشهد لشريكه في العنان بشرط التبريز، وأن يشهد في غير مال الشركة، وأن لا يكون الشاهد في عيال الشريك، قال ابن مرزوق: وفي تخصيص المؤلف الشريك بالمفاوض قصور، لأن الحكم في المفاوض وغيره سواء، لا يقال: المفاوض هي عبارة المدونة؛ لأنا نقول: هي في الأم
стр. 8084
مفروضة في السؤال فلا مفهوم له، ولقد أحسن ابن رشد في مقدماته، فقال: ولشريكه في غير التجارة، ثم قال: ولو قال المص: وشريك في غير شركتهما لكان أبين. اهـ. ونحوه لابن بشير، ونصه: ولشريكه في غير التجارة. اهـ. ومثله للمتيطي. اهـ. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي: ومفاوض في غير مفاوضة، وكذا كل شريك تجر عنان أو غيرها يشهد لشريكه في غير الشركة إن بَرَّز. وأما شريك في معين كدابة فيشهد لشريكه في غير ما فيه الشركة وإن لم يكن مبرزا؛ وأما ما فيه الاشتراك مطلقا أي معينا أو غيره فيمنع ولو مبرزا لتضمنها شهادة لنفسه، فالأقسام ثلاثة. اهـ. فصح كلام عبد الباقي للنقل الذي رأيت. والله تعالى أعلم.
تنبيه: بحث ابن مرزوق في اشتراط التبريز في المفاوض: قال: فلم يشترط فيه في المدونة التبريز: فذكر نص التهذيب، وكلام النوادر عن المجموعة والعتبية، وكتاب ابن سحنون، وقال بعد ذلك: ولم أر من نقل اشتراط التبريز في المفاوض إلا ابن رشد ومن تبعه من الموثقين كالمتيطي، نقله الرهوني. وقال: قلت: إتيان ابن رشد بذلك في المقدمات غير معزو كأنه المذهب كاف في ذلك وإن لم يتابع عليه، فكيف مع متابعة الجم الغفيرة؟ وقد جزم به أيضا في البيان، وعزاه لابن القاسم، وسلم له ذلك الإمام ابن عرفة، ولم يحك غيره، وقال ابن ناجي عند قول التهذيب: وتجوز شهادة الرجل لشريكه، يريد بشرط التبريز. اهـ. فبحثُ ابن مرزوق ساقطٌ. انتهى.
وزائد أو منقص، يعني أن من زاد شيئا في شهادته بعد أدائها أو نقص فيها بعد أدائها فإنه يقبل منه ذلك إذا كان مبرزا، وسواء كانت الزيادة بعد أن كانت شهادته الأولى على طبق دعوى المدعي أو لا، غير أن ما زاده على دعوى المدعي لا يأخذه المدعي حيث لم يدعه، فإذا ادَّعَي بعشرة فشهد البرز بذلك أو بأقل أو أكثر، ثم شهد بزيادة على ما شهد به أولا، فإن ذلك لا يقدح في شهادته، وسواء كان بعد الحكم أو قبله. اهـ. ولا يأخذ المدعي إلا عشرة في هذا المثال، فإن لم يكن مبرزا بطلت شهادته كلها. قال ابن رشد: وإذا لم يأت الشاهد بالشهادة على وجهها وسقط عن حفظه بعضها فإنها تسقط كلها بإجماع. اهـ. نقله الحطاب. وبحث ابن مرزوق فيما إذا شهد بنقص بعد الحكم، واستظهر أن ذلك من باب الرجوع عن الشهادة فيجري على حكمه فلا
стр. 8085
ينقض الحكم ويغرم الشاهد. اهـ. قاله البناني. وقوله: وزائد أو منقص، قال الرهوني: مثال ذلك أن يشهد بأن لزيد في ذمة عمرو عشرة، ثم يقول: بل هي خمسة عشر أو تسعة، أو يشهد بأن له في هذه الدار مثلا النصف، ثم يقول: بل الثلثان أو الثلث، أو بأنه باع كذا لزيد وعمرو وَخالد، ثم يقول: ومن فلان لشخص رابع، أو بل من فلان وفلان فقط من الثلاثة الأول، ونحو ذلك، وكل ذلك بعد الأداء لا قبله، فلا يسمى زيادة ولا نقصا، ولا يدخل في كلام المص ما إذا كان إجمال فَبَيّنَه بعد الأداء، أو عموم فخصصه، أو إطلاق [فَبَيَّنهُ] (١)، ففي نوازل الهبات والصدقات من المعيار أثناء جواب لمؤلفه: وأما إن كان ما أتى به الشاهد بعد الأداء تخصيص عموم أو تفسير إجمال أو تقييد إطلاق فمقبول من كل أحد بإطلاق. اهـ. واستفسار الشاهد عما أجمله مما تتوقف عليه صحة الشهادة لا بد منه، فإن تعذر بموته أو غيبته أو سئل فلم يجب بطلت شهادته؛ وسواء قصر الزمان أو طال، وليس هذا هو محل الخلاف بين المتأخرين هل يستفسر الشهود بعد ستة أشهر أو لا يستفسرون مطلقا، خلافا لمن أخطأ في ذلك ممن يتعرض للفتوى في هذا الزمان وهو لا يفقه شيئا، ففي المعيار من جواب لسيدي عبد الله العبدوسي: معنى الاستفسار سؤال الشاهد عن شهادته التي أداها عند القاضي كيف أداها؟ فإن أتى بشهادته نصا أو معنى وإن اختلف اللفظ [صحت] (٢) وإلا بطلت، وهذا على ما مضى به العمل في استفسار الشهود مراعاة لمصلحة التحقيق في الشهادة لكثرة تساهل الناس في الشهادة، وأما باعتبار الأصل فلا يستفسر الشاهد إذ الاستفسار كأداء ثان ولا يلزم الشاهد أن يؤدي شهادته مرتين إذ ذاك إضرار به. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. ويمنع الاستفصال المعهود اليوم، وليس هذا بخلاف ما قاله أهل المذهب من سؤال الشاهد عما أجمله في شهادته مما يترتب عليه حكم. وبالله تعالى التوفيق. اهـ ما نقله الرهوني. وقد مر قول ابن رشد: وإذا لم يأت الشاهد بشهادته على وجهها وسقط عن حفظه بعضها فإنها تسقط كلها بإجماع. اهـ. أبو علي: لا يصح الاتفاق فضلا عن الإجماع، ونقل الرهوني ذلك وذكر كثيرا من صور النسيان، وذكر الخلاف في أنه يتنزل إلى
стр. 8086
المستيقن، وجلب كثيرا من النقول، ثم قال بعد ذلك: فتحصل مما سبق أن بطلان الشهادة هو قول ابن القاسم وروايته عن ملك في المدونة وغيرها، وقول ابن الماجشون وأصبغ، واختاره البرزلي وصوبه، وأفتى به، وأن الاستنزال هو قول مطرف وابن كنانة، وبه أخذ ابن حبيب، واختاره اللخمي، وقال أبو الحسن: إنه الذي اعتمده أهل السجلات، وقال أبو مهدي: لا ينبغي أن يختلف فيه، قلت: ويكفي في رجحان الأول كونه قول ابن القاسم وروايته عن ملك في المدونة والعتبية نصا، مع حكاية ابن رشد في بيانه ومقدماته الإجماع عليه، وتسليم ابن فرحون والحطاب ذلك مقتصرين عليه، وإن كانت حكاية الإجماع غير مسلمة. اهـ المراد منه. وقوله: وزائد ومنقص، قال عبد الباقي عنده: واعلم أن لنا مقامين، الأول: من ادعى قدرا وشهد له عدل ابتداء بأزيد منه أو أنقص قبلت شهادته وإن لم يكن مبرزا، ويحلف معه فيهما، لكن على طبق دعواه فقط في الأولى ولا يأخذ الزائد، وعلى طبق شهادة الشاهد في الثانية وأخذ ما شهد به فقط، فإن رجع فيها إلى شهادته بما ادعى المدعي قُبل إن كان مبرزا، وهذا هو المقام الثاني، ويحلف المدعي على ما رجع له الشاهد لأنه إنما حلف قبل على طبق شهادته؛ وكلام المص في المقام الثاني لاشتراط التبريز، لا لأول لعدم اشتراطه كما علمت. اهـ.
وذاكر بعد شك؛ يعني أن الشاهد إذا وقع الشك في شهادته بأن قال: لا أدري، ثم قال: تذكرتها، فإنها تقبل منه إن كان مبرزا، وسواء كان صحيحا أو مريضا، وما وقع في الرواية من التقييد بالمريض فرض مسألة كما استظهره الأجهوري، قال المازري: سئل ملك عمن سئل عن شهادته فلم يذكرها، ثم عاد فقال: تذكرتها. فقال: تقبل شهادته بشرط التبريز، المازري: والظاهر قبولها من غير اشتراط التبريز؛ لأن التوقف يعرض للعالم بالشيء ثم يذهب ويعود إلى اليقين، ثم قال المازري: قال سحنون: وإن قال: أنا أتذكر فيها، ثم قال: تذكرتها، فإنها تقبل منه إن كان بارز العدالة، وإن قال: لا أعلمها، ثم قال: تذكرت فعلمتها، فإن قول ملك اختلف في ذلك، وكلام المؤلف شامل للصورتين، إذ من قال: لا أعلمها شاك. اهـ. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وذاكر أي متذكر شهادة بعد شك منه فيها حين سئل عنها، وكذا بعد النسيان،
стр. 8087
وليس هذا قوله: وزائد أو منقص؛ لأنه جزم في شهادته بشيء، ثم ذكر زائدا أو ناقصا، والناسي لم يذكر شيئا حتى يجزم به، وظاهر المص سواء كان الذاكر صحيحا أو مريضا، وما في الرواية من تقييده بالمريض فرض مسألة. اهـ.
فرع قال ابن رشد في مسائل الشهادات في نوازله: في رجل شهد لرجل شهادة، فقال المشهود عليه للمشهود له: ما بال هذا الشاهد لم يؤد لك هذه الشهادة منذ كذا وكذا؟ فقال المشهود له: إنه لتحريه وتوسوسه توقف وتثبت حتى جاء بنص كلامك مخافة أن يزيد عليك فيه شيئا لم تقله، فزعم المشهود عليه أن قول المشهود له المنصوص فوق هذا مسقط لشهادة الشاهد لما فيه من ذكر الوسوسة: فأجاب: أن ذلك لا يبطل شهادة الشاهد لأنه إنما وصفه بالتحري والتثبت. اهـ. مختصرا. قاله الحطاب.
فرع: قال في الطرر: الذي يسأل الشهادة فيقول: هي اليوم عندي (١) ألف سنة، قال بعضهم: هو جاهل ولا تسقط شهادته لأنه محمول على المبالغة، وقد قال ﵊: (لا يضع عصاه عن عاتقه) (٢) قاله الحطاب.
فرع: آخر: وإذا قال الشاهد للمشهود عليه: إن كنت شهدت عليك بذلك فأنا مبطل، فإنه رجوع عن الشهادة. قاله الحطاب.
وتزكية، يعني أن التزكية أي التعديل لا بد فيها من التبريز، فإذا زُكِّي شخص أي عُدِّلَ فإنه نقبل شهادة معدله بشرط أن يكون مبرزا. وإن بحد؛ يعني أن التزكية تجوز في كل شيء في المال، بل وإن في الحدث خلافا لقول أحمد بن عبد الملك: يشترط في الدماء عدم احتياج الشاهد إلى التزكية. اهـ. ولا يلزم من هذا أن يكون الشاهد في الدماء مبرزا عند أحمد بن عبد الملك، إذ قد يَشْهَدُ عدل عند القاضي في الدماء معروف العدالة عند القاضي فلا يحتاج للتزكية، فقوله: وتزكية وإن بحد، معناه أن التزكية لا تكون إلا من مبرز، فإذا زكى الشاهد البرز شاهدا عُمل بشهادة المزكَّى بالفتح، ولا فرق في ذلك بين الأموال والدماء خلافا لقول أحمد بن عبد الملك: إذا زكى
стр. 8088
المبرز شاهدا في الدماء فإنه لا يعمل بشهادة ذلك الشاهد لأنه إنما يقبل في الدماء من لا يحتاج إلى تعديل. والله تعالى أعلم. قال المواق: المتيطي: التعديل يجوز في كل شيء في الدماء وغير ذلك. قاله في المدونة خلافا لأحمد بن عبد الملك. اهـ. ولو قال المص: ولو بدم، لحسن رده على أحمد بن عبد الملك، إذ الخلاف فيه خاصة لا في مطلق الحد، كما يقتضيه المص. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: ولو قال الشاهد للمشهود عليه: لا شهادة لي عليك: وليس عندي علم، وإن شهدت عليك بشيء فشهادتي باطلة، فإن ذلك لا يقدح في شهادته، وإن كان قوله ذلك ببينة، وسواء كان مبرزا أم لا، وأما إن قال ذلك بعد ما شهد فإنه رجوع عن شهادته، وإن قال: أنا أعلم ما شهدت به عليك من ألف سنة فلا يقدح في شهادته لحمله على المبالغة، والظاهر أن هذا الأخير لا يقدح في الشهادة ولو من غير مبرز، كما يدل له التعليل، وأما ما قبله فإنه لا يقدح في شهادة المبرز فقط إذا وقع منه ذلك بعد أداء الشهادة، وأما قبل أدائها فلا يقدح مطلقا، فالأقسام ثلاثة. اهـ.
مسألة: وإذا مات الشاهد بعد الأداء وقبل أن يزكى وكان يحتاج لتزكية فهل تصح تزكيته بعد موته؟ فالجواب: نعم، ويصح تزكية الشاهد المعين ولو كان غائبا، ونص على ذلك كله في المدونة، ثم إن التزكية إنما تكون معتبرة بعد أداء الشهادة. قاله الخرشي. ونظم الإمام التتائي هذه الأمور الثمانية التي يشترط فيها التبريز فقال:
ويشترط التبريز في شاهد أتى … بزيد كذا نقص شريك مفاوض
أخ وأجير ثم مولى ملاطف … مزك وذي شك بغير معارض
وفي نوادر الشيخ عن كتاب ابن المواز: أيدفع الكتاب للشاهد حتى يقرأه أم يقال له اذكر ما فيه؟ قال: يمكن من قراءة شهادته، فإذا عرفها شهد، وليس كل الناس يسوق شهادته على ما كتب
стр. 8089
حتى يقرأها، ولو كان ذلك بعد أن يقرأها ما قدر؛ يعني فكيف به قبل أن يقرأ؟ فإذا أثبت العدل ما قرأ جازت الشهادة.
من معروف، نعت للتزكية؛ يعني أن التزكية لا تكون إلا من معروف عند القاضي أو بين الناس بالعدالة، ولا يكون المزكي بالكسر إلا رجلا. إلا الغريب؛ يعني أن الشاهد الغريب لا تشترط معرفة القاضي بعدالة مزكيه، فيزكي مزكيه من هو معروف عند القاضي، فالمعرفة عند القاضي لا بد منها، لكن إن كان غير غريب فبلا واسطة، وإن كان غريبا فبواسطة، ومثل الغريب النساء لقلة خبرة الرجال بهن. انتهى. قاله الخرشي. وقال البناني: إلا الغريب ومثله النساء. اهـ. ولبعضهم:
تعديل احتاج لتعديل هبا … إلا مزكي امراة أو غربا
يعني أن مزكي النساء والغرباء لا يشترط فيه أن يكون معروفا عند القاضي، فإنه يجوز تعديل من عدلهم، ولو كان المعدل لهن غير معروف عند القاضي، والهباء قصره للضرورة، وهو ما يرى في الشمس يدخل من كوة مثل الغبار، وفي شرح الشبراخيتي: من معروف للقاضي بالعدالة، إلا الغريب فيقبل في تزكيته غير معروف بالعدالة للقاضي، بشرط أن يعدل العدلين معروفون بالعدالة للقاضي، وألحق بعض شيوخ صقلية بالغريب المرأة لقلة خبرة الرجال بها. اهـ. وقال المواق: من المدونة: إن شهد قوم على حق فعدّ لهم قوم غير معروفين، وعدل العدلين آخرون، فإن كان الشهود غرباء جاز ذلك، وإن كانوا من أهل البلد لم يجز؛ لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالة. اهـ. وقال عبد الباقي: والتزكية إنما تكون من معروف عند القاضي بالعدالة أو بين الناس، إلا الشاهد الغريب فلا يشترط معرفة القاضي بعدالة مزكيه، لكن لابد أن يزكي ذلك المزكي من هو معروف عند القاضي بالعدالة، فمعرفة القاضي بالعدالة لا بد منها، لكن إن كان الشاهد غير غريب فبلا واسطة، وإن كان غريبا فبواسطة، ومثل الغريب النساء لقلة خبرة الرجال بهن. اهـ.
стр. 8090
بأشهد أنه عدل رضي، الباء للآلة أو للتصوير؛ يعني أن التزكية هي أن يقول العدل أشهد أنه عدل رضي؛ لأن العدالة تشعر بسلامة الدين، والرضى يشعر بالسلامة من البله والغفلة، ثم إن كلام كل من المدونة والإرشاد يفيد أنه لا يشترط الإتيان بلفظ أشهد، وقال ابن مرزوق: من تأمل المنصوص وجدها موافقة لكلام المص في شرط اجتماعهما أي عدل ورضى، ولم أقف على شرطية لفظ أشهد في التزكية. اهـ. قاله الشبراخيتي: وقال عبد الباقي: مُقْتَضَى المص أنه لا بد من لفظ: أشهد، فلو قال: عدل رضي، لم يكف على المشهور نقله الطخيخي عن البساطي. وأما الجمع بين عدل ورضى فلا بد منه، فإن اقتصر على أحدهما لم يجزه على المشهور. اهـ. وقوله: ولا بد من لفظ أشهد لخ، فيه نظر، وإن اتبع فيه التوضيح؛ والنصوص شاهدة لما قاله ابن مرزوق، والحق ما قالاه أي المصطفى وابن مرزوق، وقوله: فإن اقتصر على أحدهما لخ، نقل ابن عرفة عن ابن رشد ما نصه: أختار أن يجمع بين قوله: من أهل العدل والرضى، لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، مع قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فإن اقتصر على أحدهما اكتفى به؛ لأنه تعلى ذكر كل لفظ على حدته. ابن عرفة: قُلْتُ: وهو نقل ابن فتوح عن المذهب. اللخمي: إن قال إنه عدل رضي، صحت العدالة، واختلف إن اقتصر على إحدى الكلمتين، هل هو تعديل أم لا؟ فإن قال إحدى الكلمتين، ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل لورود القرآن بقبول شهادة من وصف بإحداهما، وإن سئل عن الأخرى فوقف فهو ريبة في تعديله يسأل في سبب وقفه: فقد يذكر ما لا يقدح في العدالة، أو يذكر ما يريب فيوقف عنه، وفي الجلاب: أن يقول الشاهدان: نشهد بأن فلانا عدل رضي ولا يقتصران على لفظ واحد من العدالة والرضى، هذا نقل ابن عرفة، وفي التوضيح: كون إحدى الكلمتين لا تكفي هو الذي في الجلاب، قال الكافي: هو تحصيل مذهب ملك، وقال ابن زرقون: المعروف من المذهب خلافه، وأنه إن اقتصر على إحداهما أجزأه، وهو العلوم لملك وسحنون وغيرهما، واختار اللخمي التفصيل، ثم ذكر ما تقدم عنه: وبه تعلم أنه كان على المص أن يشير هنا إلى الخلاف في ذلك. والله أعلم. قاله البناني.