حرج. قال بعضهم: (نهى النبي ﷺ العرب عن التشبه بالعجم)). ولم يأت أنه نهى وفد قوم من العجم عن زيهم، وندبهم إلى زي العرب، وليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، والأصل في الأشياء الإباحة حتى يثبت النهي. وسئل إمامنا مالك ﵁ من الصلاة في البرانس؟ فقال: هي من لباس المصلين، وكانت من لباس الناس في القديم، وما أرى بها بأسا، واستحسن لباسها ابن رشد ولا تجوز الصلاة بها وحدها؛ لأن العورة تبدو من أمامه، وهذا في البرانس العربية، وأما العجمية فلا خير في لباسها في الصلاة، ولا في غيرها. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ابن حبيب: يحرم لبس البرانس التي من زي النصارى، ويؤدب لابسها، وعليه الإثم والفدية إن لبسها وهو محرم. قاله الإمام الحطاب. والبرنس بضم الباء والنون: كل ثوب رأسه منه درعا أو جبة أو غيرهما، ومما وافق الجاهلية، ولم يرد نهي شرعنا عنه، وصلة الناس أرحامهم في المباحات في النيروز. (وقد حفر النبي ﷺ الخندق ولم تكن العرب تعرفه)، ومدح قسي العجم، وقال: (هم أقوى منكم رمية)، قال مالك: ولقد سمعت عبد الله بن أبي بكر: وكان من عباد الناس ومن أهل الفضل ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان: برنس يغدو به، وخميصة يروح بها. ولقد رأيت الناس يلبسون البرانس، فقيل له: ما كان ألوانها؟ قال: صفر. ابن رشد: البرانس: ثياب مِتان في شكل الغفائر عندنا مفتوحة من أمام تلبس على الثياب في المطر والبرد مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو إزار أو سراويل؛ لأن العورة تبدو من أمامه، والخمائص: أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف فيها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب.
ككشف مشتر صدرا أو ساقا. يعني أنه يكره لرجل مريد شراء أمة أن يكشف منها صدرا أو ساقا أو معصما. خشية تلذذه، وإن جاز النظر للأمة، ما عدا ما بين سرتها وركبتها. كما مر. ابن القاسم: وإنما ينظر الوجه والكف ونحوهما كخطبة الحرة. وروي عنه ينظر ما عدا الفرج، وأما جس ما ذكر باليد عند الشراء فحرام. وذكر الشيخ محمد بن الحسن من النقول ما يفيد أن المشهور خلاف ما للمصنف من جواز ما ذكر، وأن القول بالكراهة مقابل للمشهور. قال: والتعليل بأن أفعال العقلاء تصان عن العبث، يقال عليه نعم، لكن لا عبث هنا؛ لأنه يقلب للشراء.
стр. 842
والأصل في فعل المسلم عدم المعصية، والغالب هو قصد التقليب لا قصد التلذذ. وفي بعض النسخ مسدل، يقال: سدل شعره يسدله ويسدله وأسدله: أرخاه، وفي بعض النسخ مستر، قال الشيخ إبراهيم: بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر التاء، والمعنى أنه يكره للمستر أن يكشف صدره أو ساقه في الصلاة. انتهى.
وصماء؛ يعني أن لبسة الصماء بالفتح وشد الميم والمد مكروهة في الصلاة. بستر؛ يعني أن محل كراهة الصماء في الصلاة إذا كان معها ساتر، وإنما كرهت مع الساتر؛ لأنه يبدو معها جنبه فهو كمن صلى بثوب ليس على أكتافه منه شيء؛ لأن كشف البعض ككشف الكل والصماء أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه مخرجا إحدى يديه من تحته، وأما التوشيح وهو أخذ أحد طرفيه من تحت يده اليمنى ليضعه على كتفه اليسرى، وأخذ الطرف الآخر من تحت اليسرى ليضعه على كتفه اليمنى، فإنه جائز. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب: عن البوني في شرح الموطإ: هو أن يلتحف بالثوب، ويخالف بين طرفيه، ويعقده في عنقه. انتهى. والستر بالكسر والضم: ما يستتر به، وبالفتح مصدر ستر كقتل.
وإلا؛ أي وإن لم تكن الصماء معها ساتر. منعت لحصول كشف العورة أو خوفه، وكره اضطباع وهو أن يرتدي بثوب ويجعل يده اليمنى من فوق طرفه، فالمسائل ثلاث: توشيح جائز كما تقدم، وصماء، واضطباع مكروهان بساتر ممنوعان بغيره. كاحتباء لا ستر معه؛ يعني أن الاحتباء الذي لا ستر معه يمنع في غير الصلاة، وفيها في بعض أفعالها كحالة التشهد، ويجوز مع الستر في الصلاة وغيرها. وبما قررت علم أن التشبيه في قوله: "كاحتباء" الخ، في المنع. وقال الإمام مالك: إذا مد المصلي قاعدا رجليه طالبا للراحة أرجو أن يكون خفيفا. اللخمي: وليس يحسن مع الاختيار. ابن حبيب: وله مد إحدى رجليه إن أعيا، وكان سعيد بن جبير يصلي قاعدا محتبيا، فإذا بقي عليه عشر آيات قام فقرأ وركع. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي المدونة: ولا بأس أن يصلي محلول الأزرار وليس عليه سراويل ولا مئزر، وهو أستر من الذي يصلي متوشحا بثوب، ومن صلى بسراويل أو متَّزرا وهو قادر على الثياب لم يعد في وقت ولا غيره. والأزرار جمع زر، وهي:
стр. 843
الأقفال التي يقفل بها الثوب من ناحية الصدر. أبو محمد: صحيح (١) هذا إذا كان مستور العورة. وعصى وصحت إن لبس حريرا؛ يعني أن من صلى بلباس من حرير خالص تصح صلاته، ولكنه عصى الله تعالى بلبس الحرير إن كان ذكرا بالغا، وكذا لو جلس عليه لحرمة لبسه بغير الصلاة على بالغ: والتحاف به وركوب وجلوس عليه ولو بحائل. ابن عرفة: وإجازة ابن الماجشون افتراشه والاتكاء عليه خلاف قول مالك بالمنع؛ أي ولو تبعا لزوجته، فقول ابن العربي: يجوز للزوج الجلوس عليه تبعا لزوجته لا أعرفه. وابن العربي: حجة حافظ. وقد نقل صاحب المدخل عن شيخه ابن أبي جمرة وناهيك بهما في الورع والتشديد أنه لا يجوز له افتراشه إلا تبعا لزوجته، ولا يدخل الفراش إلا بعد دخولها له، ولا يقيم فيه بعدها ولو قامت لضرورة ثم ترجع، بل ينتقل حتى ترجع، وإن قامت عنه وهو نائم فتوقظه أو تزيله عنه، ويجب عليه أن يعَلِّمها ذلك. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله وابن العربي: حجة حافظ الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو مع كونه حجة حافظا، شأنه أن يدخل في كتابه أقاويل ومسائل من غير المذهب. كما قاله في التوضيح قبيل الرعاف. انتهى.
ويمنع لبس الحرير لحكة أو في جهاد على المشهور، خلافا لابن حبيب في الأول، ولابن الماجشون في الثاني، وأجازه في الجهاد جماعة من الصحابة والتابعين. ومحل منعه لحكة إن لم يتعين طريقا للدواء، وإلا جاز كتعليقه ستورا من غير مسه فإنه جائز، ولو منع ذلك لمنع دخول الكعبة؛ لأن سقفها مكسو بالحرير. قاله الإمام الحطاب. ويجوز اتخاذ الراية منه بلا خلاف، قال ابن عرفة: وأجاز الكل خيط العلم، والخياطة به، وجوز بعض أصحاب المازري الطوق واللبة؛ وهي قبة من حرير تجعل في الثوب كالرقعة. ابن حبيب: لا يجوز جيب ولا زر. انتهى. وفي التتائي على الرسالة: واختلف في العلم في الثوب، فروى ابن حبيب لا بأس به، وإن عظم. وقيل: ينهى عنه كراهة، واختلف في مقداره، فقيل: أربع أصابع، وقيل: ثلاثة، وقيل: إصبعان، وقيل: إصبع. قال ابن القاسم: ولم يجز مالك إلا الخط الرقيق، أي دون الإصبع فإنه
стр. 844
جائز اتفاقا. وروي عنه ﷺ : (من إصبعين إلى أربع (١)). ابن حبيب: ولا يستعمل ما بطن بالحرير أو حشي أو رقم به. قال القاضي أبو الوليد: يريد إذا كان كثيرا هذا حكم خالص الحرير، وأما الخز وهو ما سداه حرير، ولحمته وبر، وما في معناه مما لحمته قطن أو كتان، فقال ابن رشد: أظهر الأقوال وأولاها بالصواب أن لبسها مكروه يؤجر على تركه ولا يأثم في فعله؛ لأنه من المشتبهات المتكافئة أدلة حلها وحرمتها التي قال فيها رسول الله ﷺ : (من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه (٢))، وعليه يأتي ما روي من لباس ملك كساء إبريسيم كساه إياه هارون الرشيد. والإبريسيم: ما سداه حرير، ولحمته قطن، وقيل: لباسها جائز، من لبسها لم يأثم، ومن تركها يؤجر على تركها؛ وهو قول ابن عباس، وجماعة من السلف. منهم ربيعة، وقيل: لباسها غير جائز، وإن لم يطلق عليه أنه حرام، فمن لبسها أثم، ومن تركها نجا. وهو مذهب ابن عمر. وقيل: يجوز لباس الخز، ولا يجوز لباس ما سواه؛ وهو مذهب ابن حبيب، وهو أضعف الأقوال. قاله الإمام الحطاب. فتلك أربعة أقوال.
واعلم أن خير الألوان في الثياب البياض ما لم يكن خلقا فيكره، كما كره مالك لباس الصوف خوف الشهرة؛ لأن في غيره من القطن ونحوه ما يغني عنه، وأجاز مالك والشافعي لبس الأحمر والمعصفر والمزعفر. النووي: وترك المعصفر أولى، ومفهوم قوله: "إن لبس حريرا"، أنه لو حمل ذلك في كمه أو جيبه ونحوهما، ولم يلبسه لم يعص وهو كذلك. وأما الصبي فالحرير في حقه مكروه. وفي المدخل أن المنع أولى. قال: ويستخف ذلك للرضيع، قاله الشيخ إبراهيم: ويستحب أن يُتَجَمَّل في الصلاة بأحسن الثياب، ويستحب للإمام أفضل ذلك، وأحسنه زينة كالرداء وشبهه. نقله الإمام الحطاب. واعلم أن لباس الحرير الخالص حرام بالإجماع على الرجال. نقله الإمام الحطاب. وتحصل مما مر أن الحرير على ثلاثة أقسام: لبس خالص الحرير حرام على
стр. 845
المذكور البالغين بالإجماع، وتجوز الخياطة والخط الرقيق والراية بلا خلاف، وقد قيل بكراهة الخط الرقيق، وقد مر الخلاف في غير هذين القسمين.
أو ذهب يعني أن الذكر البالغ إذا صلى وهو لابس للذهب خاتما أو غيره فإنه تصح صلاته ولكنه عصى الله تعالى، ويعيد في الوقت كان المذهب خاتما أو غيره، لا إن حمله في كم أو جيب أو نحوهما أو فم ولم يشغله عن القراءة. قاله الشيخ عبد الباقي. ابن يونس: وكره لبس الحرير والذهب للصبيان، واختلف في التوضؤ من آنية الذهب والفضة فعندنا أنه يصح مع تحريم فعله، وقال داوود: إنه لا يصح، قاله الإمام الحطاب: أو سرق. يعني أن المكلف إذا سرق شيئا في صلاته تصح، ولكنه عصى الله تعالى. أو نظر محرما؛ يعني أن المكلف إذا نظر محرما في صلاته فإنه تصح صلاته ويعصي ربه إلا عورة إمامه عمدا، وإن نسي كونه في الصلاة كعورته هو إن تعمد، وذكر كونه في الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: والنصوص تدل على بطلان صلاة من تعمد النظر لعورة نفسه، وإن لم يذكر كونه في الصلاة. انتهى. وقال الحطاب: من حس في ذكره بنداوة وهو في الصلاة، فرفعه ونظر فلم ير شيئا، بطلت صلاته؛ لأنه نظر عورة نفسه. وأما نظر عورة غير نفسه وإمامه فإنما تبطل صلاته به إن تلذذ، أوأدى نظره إلى خلل ركن لا انتفيا. وقوله: فيها؛ أي في الصلاة يتنازعه الأفعال الثلاثة، وهي لبس: وسَرَقَ، ونَظَرَ. وقد مر أنه يعيد في الوقت فيما إذا لبس حريرا أو ذهبا فيها.
تنبيه: قال أبو عمران: يؤخذ من مسألة النهي عن الطلاق في الحيض أن الصلاة في الدار المغصوبة ينهى عنها ابتداء، وإذا وقعت أجزأت، الزناتي: إنما ذلك في الغاصب نفسه، وأما غيره، أي وهو غير عالم بالغصب فلا يدخل في ذلك، وهذا أيضا في الدار خاصة، وأما غيرها من الأراضي المغصوبة فلا يدخلها النهي عن الصلاة فيها؛ لأن الغالب عدم التشاح في ذلك، ويؤخذ من مسألة الصلاة في الدار المغصوبة أن السوق المغصوب لا يجوز البيع والشراء فيه. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير: وعصى وصحت بمحرم لا يشغل عن الأركان كفي مغصوبة حازها غاصب، وإلا جاز ولو بلا إذن المالك. كما قاله أبو بكر بن عبد الرحمن. ومثله الفراش المتسامح فيه. وإن لم يجد إلا سترا لأحد فرجيه، يعني أن مريد الصلاة إذا لم يجد إلا ما يستر به أحد
стр. 846
فرجيه كلا أو بعضا واستوى كشفهما، ففي كيفية ما يفعل ثلاثة أقوال: أولها يستر الدبر؛ لأنه أشد عورا وخصوصا عند الركوع والسجود، ثانيها يستر القبل؛ لأنه أفحش. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: لشدة فحشه، ثالثها يخير في ستر أيهما شاء، وأما لو لم يستو كشفهما كما لو صلى لحائط أمامه فإنه يستر الدبر، أو خلفه فإنه يستر القبل. قاله البساطي. وهو ظاهر، لكنه مخالف لظاهر إطلاقهم. ويجب على الشخص ستر ما قدر عليه من عورته إذا لم يجد إلا ما يكفيه لبعضها. قاله الإمام الحطاب. وغيره ومن عجز صلى عريانا؛ يعني أن الشخص إذا عجز عن كل ما تقدم من وجوه الستر بنجس أو حرير أو غيرهما، فإنه يجب عليه أن يصلي عريانا؛ لأن الستر شرط مع الذكر والقدرة بخلاف طهارة الحدث فإنها شرط مطلقا، وعلى القول بعدم الشرطية لو صلى بلا ساتر صحت، فكيف يتوقف في كونه يصلي؟ ففي كلام الشيخ عبد الباقي نظر ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني. فإنه قال: هذا الكلام لا يقوله أحد؛ يعني كلام عبد الباقي هنا فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين؛ يعني أنه إذا اجتمع عراة وأرادوا الصلاة ولم يجدوا ما يستترون به، فإما أن يكونوا في ظلام أو لا، فإن كانوا بظلام فحكمهم حكم المستورين، أي يصلون قياما بركوع وسجود، ويتقدمهم إمامهم، ويجب عليهم تحصيل الظلمة ولو بإطفاء السراج، وإن كان معهم نساء صلين خلفهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، وإلا يكونوا بظلام، بل كانوا بضوء نهارا أو ليلا مقمرا تفرقوا وجوبا، وصلوا أفذاذا بحيث لا ينظر بعضهم عورة غيره. كما في الشبراخيتي، فليسوا كالمستورين فإن تركوا التفرق مع القدرة عليه أعادوا أبدا فيما يظهر. قاله غير واحد؛ لأنهم كمن صلى عريانا مع القدرة على الساتر. فإن لم يمكن تفرقهم: لكونهم بسفينة أو خافوا سبعا أو نحوه. صلوا جماعة قياما راكعين ساجدين صفا واحدا، وقيل: يصلون جلوسا ويومئون، وليس في المسألة قول: إنهم يصلون قياما إيماء، وإنما فيها هذان القولان؛ أي الصلاة جلوسا إيماء وقياما بالركوع والسجود. قاله الشيخ محمد بن الحسن. حال كونهم غاضين أبصارهم؛ أي يجب عليهم أن يغضوها. قال ابن عبد السلام: وكراهة غض البصر في غير هذا، فإن تركوا الغض، فكمن صلى عريانا مع القدرة على الستر، لا كمن نظر عورة حتى يجرى فيه
стр. 847
ما تقدم؛ لأن ذلك مع الستر، وهذا مع عدمه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر: بل الحق أنه بمنزلته. انتهى. إمامهم وسطهم، يعني أنه إذا لم يمكن تفرقهم فإنهم يصلون قياما راكعين ساجدين، ويغضون أبصارهم، ويكون إمامهم وسطهم بسكون السين؛ أي بينهم لأنهم لو صلوا أفذاذا نظر بعضهم ما ينظر من بعض لو صلوا جماعة، فالجماعة أولى. قاله الشيخ إبراهيم. وإذا كان فيهم في هذه الحالة نساء توارين إن أمكن، وصلين قائمات راكعات ساجدات، فإن لم يجدن متوارًى صلين جالسات. قاله اللخمي. نقله الشيخ عبد الباقي. والصواب أن يصلي الرجال، وتصرف النساء وجوههن، ثم النساء: وتصرف الرجال وجوههم عنهن. قاله الشيخ إبراهيم. عن شيخه الأجهوري.
وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس يعني أنه إذا علمت في الصلاة مكشوفة رأس بأنها قد أعتقت، سواء كان العتق سابقا على الصلاة أو متأخرا عن دخولها في الصلاة كما لو سمعته من سيدها فيها، فإنها تستتر، أي يجب عليها أن تستر رأسها إن قرب الساتر كالصفين القرب الذي في السترة؛ أي فلا يحسب الصف الذي خرج منه ولا الذي يأخذ الثوب منه، بل هذا أولى لوجوبه. وندب السترة فتكون الصفوف خمسة: الذي خرج منه، والذي دخل فيه، وثلاثة بينهما. والله سبحانه أعلم. وقوله: "مكشوفة"، فاعل علمت.
أو وجد عريان ثوبا يعني أن من دخل في الصلاة وهو عريان لعدم قدرته على ما يستتر به، ثم إنه وجد ثوبا وهو في الصلاة يجب عليه أن يستتر إن قرب منه ذلك الثوب كالصفين، كما في مسألة مكشوفة الرأس من غير فرق. وبما قررت علم أن قوله: استترا جواب الشرطين؛ أعني قوله: "وإن علمت في صلاة" وقوله: "أو وجد عريان" وضمير التثنية عائد على مكشوفة الرأس والعريان، وقوله: إن قرب؛ أي الساتر شرط في الاستتار، ومفهومه أنه لو بعد الساتر فإنهما لا يذهبان إليه، بل يتماديان ولم يعيدا. قاله ابن القاسم في سماع عيسى. وإلا يستترا مع القرب. أعادا بوقت، وقال سحنون: يقطع، وإن أمكن الستر. وابن القاسم: يقول في سماع موسى بالإعادة وإن لم يمكن الستر ومفهوم المصنف أنهما إن لم يجدا ما يستتران به إلا بعد الصلاة فلا إعادة، أما في الأمة فظاهر، وأما في العريان فعلى ما مشى عليه المصنف حيث قال: "لا عاجز صلى
стр. 848
عريانا"، وقد مر الكلام عليه. وظاهر قوله: "أو وجد عريان ثوبا" كان نسيه أم لا؛ لأنه يمكنه أخذه بلا إبطال صلاته، بخلاف ناسي الماء يجده في الصلاة فإنه لا يمكنه تحصيل الشرط إلا بإبطال ما هو فيه، أشار له الشيخ إبراهيم ومن دخل في الصلاة بنجس أو متنجس لعدم ساتر طاهر، ثم وجد في أثنائها طاهرا، بطلت صلاته فيما يظهر إن أتسع الوقت، وإلا تمادى كذاكر نجاسة فيها، وقوله: "وإلا أعادا بوقت"، لا منافاة بين وجوب الساتر وندب الإعادة كما في ترتيب الفوائت، وكمسألة كشف صدر الحرة وأطرافها. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره.
وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا؛ يعني أنه إذا اجتمع عراة وأرادوا الصلاة وليس لهم ما يواري العورة إلا ثوب واحد يملكون ذاته أو منفعته، فإنهم يصلون أفذاذا؛ أي يستتر به أحدهم ويصلي، ثم واحد بعد واحد كذلك، وهذا إن اتسع الوقت، فإن ضاق فالظاهر القرعة، كما لو تنازعوا في التقدم. قاله البساطي. ولو ضاق الوقت عن القرعة مع المشاحة صلوا عراة. قاله الشيخ الأمير. وفي الطراز: إذا كان ثوب لشخص وأعاره لجماعة وضاق الوقت المختار، فإنه يصلي من لم يَصِلْ إليه عريانا، ويعيد إذا وصل إليه في الوقت الموسع. انتهى، أي الضروري كما لبناني، ولم يذكر قرعة. وقد يحمل هذا على حالة الرضى، إذ مع التشاح لا يمكن إلا القرعة. قاله الشيخ عبد الباقي -وهو ظاهر- والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن كان لعراة"، أي يملكون ذاته أو منفعته كما مر قال الشيخ عبد الباقي، أو بعضهم يملك ذاته وبعضهم يملك منفعته. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل يقدم في هذه صاحب المنفعة.
أو لأحدهم ندب له إعارتهم؛ يعني أنه إذا اجتمع عراة وأرادوا الصلاة، ولم يكن لهم ما يواري العورة إلا واحدا منهم له ثوب، فإنه يندب له بعد أن يصلي به أن يعيره لهم يصلون به، ويجلس عريانا حتى يصلوا. هذا إن لم يكن فيه فضل، وإلا ففي جبره على إعارة الفضل واستحبابه له قولا ابن رشد، واللخمي. وكلام ابن عرفة يفيد ترجيح ما لابن رشد. قاله الشيخ إبراهيم. والقاعدة أيضا أنه إذا تعارض كلام ابن رشد واللخمي، قدم الأول؛ أي ابن رشد
стр. 849
فائدة: نقل ابن زكري عن المنذري أن رسول الله ﷺ صعد المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله (١)). انتهى. ولفظ النصيحة: وقال ﵇: (من تتبع عورات أخيه تتبع الله عورته فيفضحه ولو في جوف بيته (٢)). انتهى. ونقل ابن زكري أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه (٣)). انتهى. ولفظ النصيحة: ويحرم ذكر حال الزوجة في فراشها، إذ هي أمانة عند الرجل، وقد عظم النبي ﷺ أمر ذلك، ولا يجوز إفشاء السر بل يحرم، وضابط السر الذي لا يجوز إفشاؤه كل ما حدثت به مما تظن إفرادك به لما فيه من الضرر؛ إذ الضرر حاصل مهمى فهم قصد المحدث لكتمه، ففي الحديث: (المجالس بالأمانات (٤))، وفيه: (إذا حدثك الرجل والتفت فهي أمانة (٥)). انتهى. قوله: فهي أمانة؛ أي فالكلمة التي حدثك بها أمانة عند المحدَّث أودعه إياها، فإن حدث بها غيره فقد خالف أمر الله حيث أدى الأمانة إلى غير أهلها فيكون من الظالمين، فيجب عليه حفظها؛ إذ التفاته بمنزلة استكتامه، وهذا من جوامع الكلم لما في هذا اللفظ الوجيز من الحمل على آداب العشرة، وحسن الصحبة، وكتم السر، وحفظ الود، والتحذير من النميمة بين الإخوان المؤدية للشنآن. وقد مر أن ضابط السر الذي لا يجوز إفشاؤه كل ما الخ، فكل لتعميم الجزئيات أي سواء تعلق المحدث به بحال المحدث أو غيره، كان في مسألة دينية أو دنيوية مما شأنه أن يكتم عند الناس، أو لا صرح المحدث بكتمه،
стр. 850
أو فهم ذلك من حاله إلى غير ذلك من الاعتبارات. ولا يتوقف الإفشاء على ذكر جميع الحديث؛ لأن الإذاية كما تحصل بذكر الجميع تحصل بذكر البعض. الماوردي: كما يجب للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره، يجب أن يخفي عيوب أخيه المسلم وأسراره، وإن احتاج إلى الكذب في ذلك فله أن يفعل في حق أخيه، فإن أخاه نازل منزلته، وهما كشخص واحد فليس الصدق واجبا في كل مقام. انتهى من ابن زكري.
ولما أنهى الكلام على الشروط الثلاثة، أتبعه بالكلام على الشرط الرابع فقال:
стр. 851
فصل في الاستقبال، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي جهته، نزلت بعد أن صلى رسول الله ﷺ (نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا فكانت ناسخة لذلك (١))، وكان ﷺ يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه (٢) أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، وصلى معه قومه، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل الكعبة، فدَارُوا كما هم قِبَل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم؛ إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك فنزل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، فقال السفهاء وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ولما وجه رسول الله ﷺ إلى الكعبة قالوا: (يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس (٣))، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وما مر من أن أول صلاة صليت إلى بيت الله تعالى: العصر، لا ينافي أنها حولت إلى بيت الله تعالى في الركعة الثالثة من الظهر، فجمع فيها بين القبلتين؛ لأن المراد أول صلاة تامة. ووقع في البخاري: (فحولت في ركوع العصر (٤)). قاله الشيخ الخرشي. وأخرج الطبري عن ابن جريج قال: صلى النبي ﷺ (أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة (٥)). نقله محمد بن عبد الباقي. وسميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها. واعلم أن الكعبة هي بيت الله الحرام، وهو أول بيت وضع للناس، قال جل من قائل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ
стр. 852
مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، وفي الصحيح من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أي مسجد وضع أول؟ فقال له: (المسجد الحرام، قال: قلت: ثم أي، قال: ثم المسجد الأقصى: قلت كم بينهما؟ قال: أربعون عاما (١)). وذكر الزبير بن أبي بكر بإسناده إلى جعفر الصادق ﵁ قال: (جاء رجل أبيض الرأس واللحية، جليل العظام، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان في هيئة المحرم: فجلس إلى جنب أبي -وكان يصلي- فخفف الصلاة فسلم، ثم أقبل عليه فقال له الرجل: أخبرني عن بدء هذا البيت كيف كان؟ ثم قال له أبي: بدء خلق هذا البيت أن الله ﵎ قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فردوا عليه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، الآية فغضب عليهم، فعاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضي عنهم، فقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا فيعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوفون حوله كما فعلتم بعرشي، فأرضى عنهم، فبنوا له هذا البيت، فقال له الرجل: يا أبا جعفر فما بدء خلق هذا الركن؟ فقال: إن الله ﵎ لما خلق الخلق، قال لبني آدم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، وأقروا، وأجرى نهرا أحلى من العسل، وألذ من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الاستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم بالذي كانوا أقروا به، فقام الرجل وذهب، فقال لي أبي: ذلك الخضر (٢))، وفي حديث الترمذي: (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم (٣))، وفي حديث: (إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب (٤) وفي الخبر عنه ﷺ أنه قال في الحَجَرِ: (والله
стр. 853
ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق (١))، وفي حديث عطاء وقتادة أن آدم ﵇ لما أهبطه الله تعالى من الجنة، وفقد ما كان يسمعه ويأنس إليه من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله تعالى في دعائه وصلاته: فوجهه إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن، وقال الله له: يا آدم إني قد أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم فطاف به هو ومن بعده من الأنبياء إلى أن كان الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة حتى أمر الله إبراهيم ﵇ ببناء البيت، فبناه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية وفي حديث ابن عباس: (إن البيت بني من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور [زيتا (٢)]، ومن لبنان، والجودي، وبنى قواعده من حراء. وروي أن آدم حج من الهند أربعين حجة على رجليه. وذكر الواقدي عن أبي جهم أن آدم ﵇ أمر بأساس البيت فبناه هو وحواء أسساه بصخر أمثال الخلفات يعني النوق التي في بطونها أجنة واحدتها خلفة، أذن الله للصخر أن تطيعهما، ثم أنزل البيت من السماء من ذهب أحمر وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أس آدم ﵇. ونزل الركن وهو يومئذ درة بيضاء، ووضع موضعه اليوم من البيت، وطاف به آدم وصلى فيه، فلما مات آدم ﵇ وليه بعده ابنه شئث، فكان كذلك حتى حجه نوح ﵇، فلما كان الغرق؛ يعني الطوفان بعث الله جل ثناؤه سبعين ألف ملك، فرفعوه إلى السماء كي لا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده: وجاءت السفينة فدارت به [سبعا (٣)]، ثم دثر البيت فلم يحجه من بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء على جميعهم السلام. وفي الخبر أن موضعها كان غثاء على الماء قبل أن يخلق الله سبحانه السماوات والأرض، فلما بدأ الله بخلق الأشياء خلق التربة قبل السماء، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات دحى الأرض: أي بسطها. وإنما دحاها من تحت الكعبة فلذلك سميت
стр. 854
مكةُ: أم القرى. وذكر ابن هشام أن الماء لم [يعل (١)]، الكعبة حين الطوفان، ولكنه قام حولها، وبقيت هي في هواء إلى السماء.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: أي لم يمسها الماء هي وما فوقها إلى السماء. والله سبحانه أعلم. وأن نوحا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت: إنكم في حرم الله وحول بيته، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة، وجعل بينهم وبين النساء حاجزا، فتعدى حام، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه، فأجابه الله تعالى على وفق ما دعاه، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة. وقد قيل في سبب دعوته عليه غير هذا. والله أعلم. ويروى أنه لما نضب ماء الطوفان بقي مكان البيت ربوة من مدرة، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما، وأن يعرب قال لهود ﵇: ألا تبنيه؟ قال: إنما يبنيه نبي كريم يأتي من بعد يتخذه الرحمن خليلا.
ولما أراد الله أن يُبَوئَ إبراهيمَ مكان البيت وأعلامه، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق، وحمل إسماعيل أمامه؛ وهو ابن سنتين، وهاجر خلفه ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: لا حتى قدم به مكة؛ وهي إذ ذاك عِضَاهٌ وَسَلَمٌ وسَمُر، والعماليق يومئذ حول الحرم. وهم أول من نزل مكة، ويكونون بعرفة، وكانت المياه يومئذ قليلة، وكان موضع البيت قد دثر؛ وهو ربوة حمراء [مدرة (٢)] يشرف على ما حوله، فقال له جبريل حين دخل من كداء وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون والمقبرة: بهذه أمرت؟ قال إبراهيم: بهذه أمرتَ، قال: نعم، فانتهى إلى موضع البيت، فعمد إبراهيم إلى موضع الحِجْرِ فئاوى فيه هاجر وإسماعيل، وأمر هاجر أن في تتخذ فيه عريشا، فلما أراد إبراهيم أن يخرج ورأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس ولا ماء ظاهر، تركت ابنها في مكانها (٣) وتبعت إبراهيم، فقالت: يا
стр. 855
إبراهيم إلى من تدعنا؟ فسكت عنها حتى إذا دنا من كداء. قال: إلى الله أدعكم، قالت: فالله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: فحسبي، تركتنا إلى كاف، وانصرفت هاجر إلى ابنها [وخرج إبراهيم (١)]، حتى وقف على كداء ولا بناء ولا ظل ولا شيء يحول دون ابنه، فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام، وعمدت هاجر فجعلت عريشا في موضع الحِجْر من سمر وثمام ألقته [عليها (٢)]، ومعها شن فيه شيء من ماء، فلما نفد الماء عطش إسماعيل وعطشت أمه، فانقطع لبنُها، فأخذ إسماعيل كهيئة الموت فظنت أنه ميت، فجزعت وخرجت جزعا أن تراه على تلك الحال، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون علي، وعسى الله أن يجعل لي في ممشاي خيرا، فانطلقتْ فنظرتْ إلى جبل الصفا فأشرفتْ عليه تستغيث ربها وتدعوه، ثم انحدرت إلى المروة فلما كانت بالوادي خبت حتى انتهت إلى المروة، فعلت ذلك سبع مرات؛ كلما أشرفت على الصفا نظرت إلى ابنها فتراه على حاله، وإذا أشرفت على المروة فمثل ذلك. فكان ذلك أول ما سعي بين الصفا والمروة، [وكان من قبلها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة (٣)] ولا يقفون المواقف حتى كان إبراهيم، فلما كان الشوط السابع ويئست، سمعت صوتا فاستمعت فلم تسمع إلا الأول، فظنت أنه شيء عرض لسمعها من الظمإ والجهد، فنظرت إلى ابنها فإذا هو يتحرك فأقامت على المروة مليا، ثم سمعت الصوت الأول، فقالت: إني سمعت صوتك فأعجبني، فإن كان عندك خير فأغثني فإني قد هلكت وهلك ما عندي، فخرج الصوت [يصوت (٤)] بين يديها، وخرجت تتلوه قد قويت نفسها حتى انتهى
стр. 856
الصوت عند رأس إسماعيل، ثم بدا لها جبريل فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم، فضرب بعقبه مكان البير، فظهر الماء فوق الأرض حين فحص بعقبه، وفارت بالرِّوَى، فجعلت أم إسماعيل تحظر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنتها، فاستقت، وبادرت إلى ابنها فسقته، وشربت فجعل ثدياها يتفطران (١) لبنا، فكان ذلك الماء طعاما وشرابا لإسماعيل، وكانت تجتزئ بماء زمزم، فقال لها الملك لا تخافي أن ينفد هذا الماء، وأبشري فإن ابنك سيشب ويأتي أبوه من الشام فيبنون هنا بيتا تأتيه عباد الله من أقطار الأرض مُلَبِّين لله جل ثناؤه شعثا غبرا، فيطوفون به ويكون هذا الماء شرابا لضيفان الله الذين يزورون بيته، فقالت: بشرك الله بخير، وطابت نفسها وحمدت الله . ولما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، أوحى الله جل ثناؤه إلى إبراهيم: أن ابن لي بيتا، فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه؟ فأوحى الله إليه أن اتبع السكينة، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم الملك والصرد فانتهوا بإبراهيم إلى مكة، فنزل إسماعيل إلى الموضع الذي بوأه الله إبراهيم، وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها، فحفر إبراهيم وإسماعيل ﵉ وليس معهما غيرهما أساس البيت، يريدان أساس آدم الأول فحفرا عن ربض البيت، يعني حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم، ثم بنى عليه وحلقت (٢) السكينة كأنها سحابة على موضع البيت، فقالت: ابن علي، فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا كافر ولا جبار إلا ريئت عليه السكينة، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فجعلا طوله في السماء: تسعة أذرع، وعرضه في الأرض: ثلاثين ذراعا، وطوله في الأرض: اثنين وعشرين ذراعا، وأدخل الحِجْرُ في البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض، ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا، وحفر له بيرا عند بابه خزانة للبيت، يلقى فيها ما أهدي للبيت، وجعل الركن علما للناس، فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا، ونزل جبريل
стр. 857
بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض كما رفع البيت، فنزل به جبريل، فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بالحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الحجر، فقال: من أين هذا، من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك، وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: أذن، وعلي البلاغ: فارتفع على المقام؛ وهو يومئذ ملصق بالبيت، فارتفع به المقام حتى كان أطول من الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم ، فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك، أفلا تراهم يأتون يلبون؟ فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله (١).
ومع الأمن استقبال عين الكعبة لمن بمكة؛ يعني أنه يشترط في صحة الصلاة مع الأمن والقدرة أن يستقبل المصلي في جميع صلاته عين الكعبة؛ أي ذاتها يقينا بجميع بدنه، فلو انحرف عنها ولو بأنملة، بطلت صلاته، هذا إذا كان المصلي بمكة وما في حكمها مما يجاورها بحيث تمكن المسامتة قولا واحدا، ولا يعارض هذا ما يأتي من أن التلفت بجسده كله عن القبلة وقدماه لها أن صلاته صحيحة، نعم، الالتفات الذي لا ينحرف به إلا إلى جزء من أجزاء البيت غير مضر كما نصوا عليه. والله سبحانه أعلم. ومسامتة عين الكعبة لمن بممسجد مكة ظاهر، وأما لمن بمكة ومجاورها فهو بأن يطلع على سطح أو غيره، ويعرف سمت الكعبة بالمحل الذي هو به، فإن لم يقدر على طلوع السطح أو كان بليل استدل بأعلام البيت: كجبل أبي قبيس ونحوه على مسامتته لذاتها، بحيث لو أزيل الحاجز بينه وبينها كان مسامتا لها، وحيث عرف المسامتة في داره أول مرة بالعلامات كفاه ذلك في بقية الصلوات دائما في بيته، فليس المراد أنه لا تصح الصلاة إلا بمسجدها ولوجوب المسامتة يصلون دائرة وقوسا بالمسجد إن لم تحصل إلا بذلك، ومفهوم قوله: "مع الأمن"، أنه مع الخوف لا يجب الاستقبال كما سيقول المصنف في فصل صلاة الخوف:
стр. 858
"وحل للضرورة مشي وركض وطعن وعدم توجه"، وخرج بقيد المقدرة: المريض الذي لا يمكنه التحويل ولا التحول، والمربوط، ومن تحت الهدم. فلا يشترط استقباله فلو صلى إلى غيرها مع المقدرة على التحويل أو التحول أعاد أبدا. قاله ابن يونس. نقله الحطاب، وغيره. وإذا لم يشترط في العاجز الاستقبال فوقته كالتيمم. قاله اللخمي. فاليائس ممن يحوله تلقاءها: أول الوقت، والراجي: آخره، والمتردد في وجوده: وسطه، وهل يعيد كل في الوقت؟ كصحيح ليس بمكة أخطأ أم لا إعادة عليه. انظره. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب: إذا لم يستطع التحول إلى القبلة، ولا وجد من يحوله، فصلى كما هو، فإذا قدر أو وجد من يحوله، أعاد في الوقت. انتهى.
واعلم أن الاستقبال شرط في صحة الصلاة فرضا أو نفلا إلا ما سيأتي إن شاء الله من قوله: "وصوب سفر قصر" الخ، وقوله: "استقبال"، مبتدأ، وخبره الظرف قبله، وهو قوله: "مع الأمن". ابن عرفة: واستقبال الكعبة فرض في الفرض إلا لعجز قتال، أو مرض، أو ربط، أو هدم، أو خوف لصوص أو سباع. ابن بشير: فإن عجز عن استقبال القبلة بنفسه حول إليها، فإن عجز عن تحويله سقط حكم الاستقبال في حقه كالمسايف.
فإن شق، يعني أن من شق عليه تيقن الاستقبال، وهو بمكة مشقة شديدة، ولم يجد من يستنيبه في رؤيتها مع قدرته على الاستقبال، وليست هي خوف الرض، ولا زيادته كما في التيمم، ففي جواز الاجتهاد له في أن عين الكعبة في هذا المكان الذي أداه اجتهاده إليه، بحيث لو أزيل الساتر كان مسامتا لانتفاء الحرج في الدين ومنعه، وهو الراجح. فلو قال: وإن شق لجرى على الراجح، نظر. أي تردد. قال ابن فرحون: قال ابن رشد: الصواب المنع، ولما ذكر صاحب الجواهر هذه المسألة، قال في آخرها: وقد تردد المتأخرون في جواز الاقتصار على الاجتهاد، قال الش: وجه التردد إن نظرت إلى أن الحرج، وهو المشقة منفي عن الدين، أجزت الاجتهاد، وإن نظرت إلى أنه قادر على اليقين لم تجز له ذلك. انتهى. والعلم يحصل برؤية العين، أو بالمس أو بخبر يفيد التواتر، أو خبر واحد احتف به من القرائن ما يفيد العلم. قاله الشبراخيتي. وقد علمت أن الراجح المنع من الاجتهاد في هذا الفرع وأما العاجز الذي لا يقدر على المسامتة فيجتهد
стр. 859
فيها أي في المسامتة من غير تردد، وإلا يكن المصلي بمكة ولا بما ألحق بها، فقال الأبهري: الواجب عليه استقبال جهتها بحسب اجتهاده، فيجتهد في جهتها، ويستقبل الجهة التي أداه اجتهاده إلى أنها هي جهة القبلة، خلافا لابن القصار القائل: إنه يجتهد في مسامتة عينها، أي يقدر أنها بمرآه. واستظهر ابن رشد قول الأبهري، وإلى استظهاره أشار المصنف بقوله: فالأظهر جهتها. أي عين الكعبة: وقوله: اجتهادا أعربه بعضهم بأنه تمييز محول عن الخبر، أي فالأظهر الاجتهاد في الجهة. وقال أحمد: الأحسن كونه منصوبا بنزع الخافض، أي بالاجتهاد، وأعرب أيضا بأنه مفعول مطلق؛ أي يجتهد اجتهادا. وذكر أبو طالب المكي هنا نكتة أنه يشدد على من في الحضرة ما لا يشدد على المحجوب. قاله الشيخ الأمير. قال ابن غازي: ظاهر المصنف أن الاستظهار لابن رشد، ولم أجده له لا في المقدمات ولا في البيان، وإنما وجدته لابن عبد السلام؛ وهو ظاهر كلام غير واحد: وأجاب التتائي بأن ابن رشد في المقدمات اقتصر عليه، ففهم المصنف من ذلك أنه الراجح عنده. وفي الخرشي أن الاستظهار وقع لابن رشد في قواعده الكبرى. قال الشيخ عبد الباقي: وينبني على القولين؛ يعني قول الأبهري الذي هو المذهب، ومقابله الذي هو قول ابن القصار: لو اجتهد فأخطأ فعلى المذهب يعيد في الوقت ندبا، وعلى مقابله يعيد أبدا، كما هو مذهب الشافعي. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ولا تظهر لهذا الخلاف ثمرة كما صرح به المازري، وما في عبد الباقي تبعا لغيره غير صواب؛ لأنها قبلة اجتهاد على كلا القولين، والأبدية إنما هي في الخطإ في قبلة القطع، وكأنهم أخذوا ذلك مما في التوضيح عن عز الدين، وهو مذهب شافعي. انتهى
والحاصل أنه اختلف فيمن بغير مكة ونحوها، هل الواجب عليه الاجتهاد أو الإصابة؟ وعلى أن الواجب الاجتهاد، فقيل: هل الاجتهاد في الجهة أو في السمت؟ وعلى كليهما فإن اجتهد وأخطأ صحت صلاته وعلى أنه لا بد من الإصابة، فقيل: لابد من إصابة السمت، وقيل: تكفي إصابة الجهة، وعلى كليهما: فإن أخطأ بطلت صلاته ونظمت هذا الحاصل فقلت:
جرى خلاف عن ذوي الإنابه … هل يجب اجتهاد أو إصابه؟
стр. 860
كل بوجه أو بسمت أبطل … بخطإ في الثاني لا في الأول
واعلم أن القبلة سبعة أقسام: قبلة عيان، وهي قوله: "ومع الأمن استقبال" لخ، وقبلة تحقيق؛ وهي قبلة مسجده ﷺ ؛ لأنها قبلة وحي، فمن بالمدينة يستدل بمحرابه ﷺ ، ويجب عليهم تقليده ولا يجوز لهم الاجتهاد بها، فقد ثبت بالتواتر محرابه الذي كان يصلي إليه. وقبلة استتار، وهي قبلة من غاب عن البيت من أهل مكة، أو عن مسجده ﷺ من أهل المدينة؛ وهي قوله فإن شق ففي الاجتهاد نظر. وقبلة اجتهاد، وهي قوله: "فالأظهر جهتها اجتهادا"، وقبلة تقليد، وهو قوله: "إلا لمصر"، وقبلة بدل، وهي قوله: "وصوب سفر"، وقبلة تخيير؛ وهي قوله: "فإن لم يجد" لخ. وزاد غير واحد قبلة ثامنة، وهي قبلة إجماع؛ أي قبلة جامع عمرو بالفسطاط، فلا يجوز لمن بمحلته أن يجتهد، بل لا بد من علم جهتها ببيته مثلا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: كونه قبلة إجماع غير صحيح، فقد ذكر السيوطي في حسن المحاضرة أن قبلة الجامع المذكور كانت مشرقة جدا، وأن قرة بن شريك لما هدمه وبناه في زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان تيامن قليلا، قال: وذكر أن الليث بن سعد وعبد الله بن ربيعة كانا يتيامنان إذا صليا فيه، وأيضا فإن الذين وقفوا على إقامة قبلته من الصحابة إنما هم نحو الثمانين، كما ذكره السيوطي. ومثل ذلك لا يقال فيه إجماع. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: وأبطل فيهما انحراف يسير كمكة. انتهى. وقوله: فيهما، يعني المسجد النبوي، وجامع عمرو المذكور.
واعلم أنه يشارك قبلة مسجده ﷺ مسجد قباء، وسائر المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ . واعلم أيضا أن الاستقبال واجب يرتد جاحده، وإذا وجب فيجب تعلم أدلته لمن يتأتى منه ذلك. كما لعبد الباقي. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وإذا جعل المصلي المغرب خلف الظهر في أي زمان كان، وجعل المشرق أمام وجهه في أي زمان كان، صحت صلاته
стр. 861
عندنا؛ لأن هذا إن لم يصادف انحرافه يسير. انتهى. وفي الشبراخيتي أن من صلى بغير اجتهاد لم تجزه صلاته، وإن وقعت للقبلة. انتهى.
تنبيه: قال عمر ﵁: ما بين المشرق والمغرب جهة إذا توجه قبل البيت، وكذا قال عثمان وعلي وابن عباس، فقوله ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة (١)) معناه: إذا توجه قبل البيت، وهذا صحيح لا خلاف فيه. قاله محمد بن عبد الباقي. ثم شبه مختلفا فيه بمتفق عليه. فقال: كإن نقضت يعني أن الكعبة إذا نقضت -والعياذ بالله تعالى- ولم يبق لها أثرت فإنه يستقبل جهتها اجتهادا لمن بغير مكة، وسمتها اجتهادا لمن بمكة، فإن بقي منها شيء أو عرف البقعة بأمارة استقبلها مسامتة، وهذه كالدليل لما قبلها. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي البخاري: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرب الكعبة ذو السويقتين (٢)). انتهى. القسطلاني: يخربها عند قرب الساعة حين لا يبقى في الأرض من يقول لا إله إلا الله. انتهى. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم كما في ابن حجر، وفي البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كأني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا (٣)). الحليمي: خراب الكعبة في زمن عيسى ﵇، وقال القرطبي: بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى؛ وهو الصحيح.
وبطلت إن خالفها؛ يعني أن من بغير مكة وما ألحق بها يجب عليه أن يجتهد في جهة القبلة ليستقبلها في صلاته، فإن أداه اجتهاده إلى تعيين جهة الكعبة، وصلى إلى غيرها مخالفا لما أداه اجتهاده إليه، فإن صلاته باطلة حيث خالف جهة القبلة في نفس الأمر، بل وإن كان قد صادف القبلة في الجهة التي خالف إليها؛ وهي باطلة عندنا، وعند الشافعي، وأبي حنيفة نقله الحطاب كما لو صلى ظانا أنه محدث، ثم تبين له الطهر فصلاته باطلة، ولو دخل الصلاة مع شكه في الحدث وحرمة ذلك عليه، ثم تبين له الطهر، فصلاته صحيحة عند ابن القاسم، لا عند
стр. 862
غيره. قال الشيخ عبد الباقي: وهو أي كلام ابن القاسم مخالف لما مر في الوضوء، من أن من شك في الوضوء قبل التلبس بالصلاة وصلى شاكا فإن صلاته باطلة، ولو تبين له أنه متوض. وفي بعض النسخ: إن خالفه بتذكير الضمير فيرجع للاجتهاد وعلى التأنيث فيرجع للجهة. كما قررت. ومفهوم قوله: "إن خالفها أنه لو صلى إلى جهة اجتهاده ثم ظهر خطؤه لم تبطل صلاته لفعله الواجب، ثم إن كان اجتهاده مع ظهور العلامات أعاد في الوقت إن انحرف انحرافا كثيرا؛ لأن ظهور علاماتها قاض بأن اجتهاده ليس بإمعان النظر، وإن كان مع عدم ظهورها، فلا إعادة عليه. قاله الباجي. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقوله: "خالفها" ظاهره: سواء خالفها عمدا أو نسيانا، وخصه التتائي بالعمد، ونحوه للزرقاني، وزاد: وأما لو خالفها نسيانا فانظر، هل هو كذلك؟ أي تبطل كالعمد، أم لا؟ وما يأتي في النسيان حيث أخطأ أي فلا يجري هنا الخلاف الآتي في النسيان.
وصوب؛ أي جهة، وهو مبتدأ. سفر قصر. أربعة برد فأكثر لراكب دابة عرفا ركوبا معتادا فقط، راجع للقيود الأربعة وإن بمحمل، أي فيه على المشهور بفتح أوله وكسر ثالثه؛ وهو مركب من مراكب النساء، والعكس خاص بعلاقة السيف. بدل خبر عن المبتدإ، وهو قوله صوب، وقوله: "لراكب"، متعلق بقوله: "بدل" قدم عليه؛ لأنه يغتفر مثل ذلك في الجار والمجرور. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلام المصنف أن المسافر سفر قصر له أن يتنفل على دابته، وتكون جهة سفره عوضا له عن القبلة؛ أي فيستقبل جهة سفره بشرط أن يكون ركوبه معتادا، وسواء كان في محمل أم لا، وقد علمت أن قوله: "فقط" راجع للقيود الأربعة التي ذكرها المصنف، وهي: السفر، والقصر، والركوب، والدابة. فخرج الحاضر والمسافر دون مسافة القصر، والعاصي بسفره لعدم قصره الصلاة، والماشي والراكب لآدمي، أو سفينة؛ لأن المراد بالدابة الدابة عرفا، ولا بد من كون الركوب معتادا كما أشرت إليه في أول الحل، فخرج بذلك الراكب مقلوبا؛ أي المقبل إلى دبر الدابة، أو الراكب بجنب فهؤلاء لا تكون الجهة المذكورة عوضا لهم عن القبلة قال الشيخ عبد الباقي بعد أن ذكر راكب الآدمي في المحترزات ما نصه لكن مقتضى جعلهم السفينة محترز
стр. 863
راكب دابة شمول دابة لكجمل وآدمي، وقد حج السهر وردي على أعناق الرجال. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: ومقتضى احترازهم براكب دابة عن راكب السفينة والماشي، أن راكب الآدمي حكمه حكم غيره من جمل ونحوه. انتهى. وقوله: "وصوب سفر قصر" الخ، أي ويعمل على دابته مالا يستغني عنه، من مسك عنان، وضرب بسوط، وتحريك رجل ومدها لتعب، وتنحية وجه عن الشمس يستقبله (١)، ولا يصلي لدبر الدابة -كما مر- ولو لجهة الكعبة، يعني ابتداء، ولا في الأثناء فإن ذلك مبطل، ويجلس متربعا ويركع متربعا، ويفحع يديه على ركبتيه في ركوعه، وإذا رفع من ركوعه رفعهما، ويومئ للسجود وقد ثنى رجليه، فإن لم يقدر أومأ متربعا، ويحسر عمامته عن جبهته، ويقصد الأرض بإيمائه. -كما قاله غير واحد- ولا يتكلم، ولا يلتفت، ولا يسجد على قربوس سرجه. وقال الشيخ عبد الباقي: ويومئ له لا للأرض، وتشترط طهارة ما يومئ له من قربوس ونحوه. انتهى. وقوله: لا للأرض، قال الشيخ محمد بن الحسن: نصُّ ابن عرفة، وروى اللخمي: يرفع عمامته عن جبهته إذا أومأ، ويقصد الأرض. انتهى. ولم ينقل التوضيح ولا المواق غيره، فانظر من أين أتى بخلافه؟ ثم قال: وحاصل ما ذكروه هنا أنه إذا تحول إلى دبر الدابة بأن ركب مقلوبا فصلاته باطلة، وإن صادف القبلة، وإن انحرف بدابته أي عن جهة سفره، والله سبحانه أعلم على الوجه المعتاد، فإن كان لعذر أو صادف القبلة صحت، وإلا بطلت. انتهى. ولو صلى النفل راكعا ساجدا من غير نقص أجزأ. سحنون: لا يجزئه لدخوله على الغرر، وإن وصل منزلا وهو في أثنائها، فإن كان منزل إقامة نزل عنها وكمل بالأرض راكعا ساجدا؛ أي ومستقبلا، وإن كان غير منزل إقامة خفف وأتم على الدابة؛ لأن عزمه على السير. ويشعر التعليل بأن منزل الإقامة: محل سكناه، والظاهر أنه يتم عليها إن بقي تشهده، كما يشعر به قوله: راكعا ساجدا. انتهى قاله الشيخ عبد الباقي. والظاهر: ما للشيخ الأمير أنه منزل إقامة، تقطع حكم السفر، وإن لم يكن وطنه، وقوله: "وكمل بالأرض راكعا ساجدا"؛ يعني إلا على قول من يجيز الإيماء في النافلة للصحيح، فإنه يتم صلاته على دابته. كما في الحطاب. والظاهر أيضا
стр. 864
أن جواز النفل بشروطه من ابتداء محل القصر للفرض. كما لعبد الباقي. وفي الحطاب: وإذا انحرف إلى جهة بعد الإحرام من غير عذر ولا سهو، فإن كانت القبلة فلا شيء عليه لأنها الأصل، وإن كانت غيرها بطلت صلاته. وقاله الشافعي: وأما إذا ظن أن تلك طريقه أو غلبته دابته فلا شيء عليه. انتهى.
في نفل؛ متعلق ببدل كما علم من التقرير، يعني أن الجهة المذكورة إنما تكون عوضا عن القبلة في النفل لا الفرض ولو منذورا، وكذا الجنازة على القول بوجوبها لا على سنيتها فتكون من جملة النفل. وقد صرح القرافي بأنها لا تصلى على الدابة، فقال: ولا يصلي فريضة، ولا صلاة جنازة على راحلته. نقله عن الجواهر. قاله الحطاب. وقال: وأما إن لم يكن سفر قصر فلا يتنفل إلا على الأرض ليلا ونهارا، وله أن يصلي في السفر الذي يقصر في مثله على دابته أينما توجهت به الوتر وركعتي الفجر والنافلة، ويسجد إيماء، وإذا قرأ سجدة تلاوة أومأ، فأما في سفر لا يقصر فيه أو في حضر فلا، وإن كان إلى القبلة، أبو الحسن عن اللخمي: ولا يتنفل المسافر وهو ماش. انتهى. والله أعلم. وقول عبد الباقي: لا في فرض عيني إلا لخضخاض أو مرض الخ، الصواب: إسقاطه كما قال بناني، لاقتضائه أنه يصلي الفرض في هذين لغير القبلة.
وإن وترا، يعني أن الجهة المذكورة بدل عن القبلة في النفل بالشروط المتقدمة، ولو كان النفل وترا لفعله ﵊ ذلك (١)، فأحرى ركعتا الفجر وسجود التلاوة، ولكن الأفضل له أن يصلي وتره بالأرض، ولو كانت نيته أن يتنفل على دابته. قاله في المدونة. قاله الإمام الحطاب. وقال سيدي محمد بن عبد الباقي: وفي حديث إيتاره ﷺ على الدابة دليل على أن الوتر ليس بواجب، وإن كان الأفضل فعله على الأرض لتأكد أمره، فمن صلى على راحلته في ليل، استحب له أن ينزل للوتر قاله الباجي.
стр. 865
وإن سهل الابتداء لها يعني أن المسافر بالشروط المتقدمة له أن يبتدئ النفل على دابته لجهة سفره المخالفة لجهة القبلة، ولا يجب عليه أن يبتدئ النفل لجهة القبلة، وإن سهل عليه ابتداء النفل لجهة القبلة بأن كانت الدابة مقطورة أو واقفة، وهذا هو المشهور، خلافا لابن حبيب في إيجابه ابتداء النفل حينئذ مستقبلا للقبلة. وقوله: "وإن سهل الابتداء لها": لكن يستحب التوجه للقبلة ابتداء قاله الشيخ إبراهيم. وقول المصنف: وصوب سفر قصر الخ؛ اعلم أن الجمهور أجازه في كل سفر، وخصه مالك في المشهور عنه بسفر القصر، وحجته الأحاديث التي في الموطأ (١)؛ وهي إنما وردت في أسفاره ﷺ : ولم ينقل عنه أنه سافر سفرا قصيرا، فصنع ذلك. والله سبحانه أعلم نقله الزرقاني لا سفينة يعني أن راكب السفينة ليس كراكب الدابة، فصَوْبُها غير بدل له من القبلة في النفل حيث كان سفر قصر، وأحرى الفرض لسهولة استقبال راكب السفينة. وقال ابن حبيب: السفينة كالدابة فلا يدور. فيدور إن أمكن يعني أنه لأجل منع النفل على السفينة حيث ما توجهت به يدور لجهة القبلة لأجل النافلة؛ وهذا إن أمكنه الدوران، وإلا صلى النافلة حيث ما توجهت به السفينة كالفرض قاله جد علي الأجهوري. وقال أحمد: يترك النفل حينئذ، أي لأنه لا ضرورة لفعله. كما قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: صلى النافلة حيثما توجهت به لكن لا يصلي إيماء كما قاله الشبراخيتي.
وهل إن أومأ يعني أنه اختلف في مذهب المدونة من المنع، هل هو محمول على ما إذا صلى إيماء في السفينة؛ وأما إن ركع وسجد فله أن يصلي النفل على السفينة حيثما توجهت به فلا يدور؛ وهي حينئذ كالدابة؛ وهو لابن التبان. أو مطلقا يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن مذهب المدونة منع النفل على السفينة حيثما توجهت به مطلقا؛ أي وإن ركع وسجد؛ وهو تأويل ابن أبي زيد. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وهما في النفل، وأما الفرض فيدور مطلقا إن أمكن الدوران، وإلا صلاه حيثما توجهت به وإن اتسع الوقت، وقوله: "أومأ"،
стр. 866
قال الشيخ عبد الباقي: أي جاز له الإيماء لعذر كمرض أو ميد، وليس معنى المصنف أنه يومئ ولو لغير عذر كما قد يتبادر من المصنف وبه قرر بعضهم ولا قائل به. انظر ابن غازي. وفي حاشية الشيخ بناني ما يوافق هذا التقرير، فإنه قال: تبع في تقييده الإيماء لكونه لعذر. السنهوري: واعترضه الرماصي قائلا: هذه زيادة انفرد بها لم يذكرها ابن غازي ولا أبو الحسن ولا غيرهما ولا معنى لها؛ إذ من العلوم أن قول المدونة ولا يتنفل في السفينة إيماء إنما يتوجه للصحيح القادر على الركوع والسجود واختلف شيوخنا في سبب المنع، وحاصل ذلك أن المدونة قالت: ولا يصلي في السفينة إيماء حيثما توجهت به كالدابة، واختلفوا في علة ذلك، فقال ابن التبان وأبو إبراهيم: علة المنع في الإيماء، فإذا ركع وسجد جاز أن يصلي حيثما توجهت به، وقال ابن أبي زيد: علته هي قولها: "حيثما توجهت به، وعليه فلا يصلي فيها إلا للقبلة. ولو ركع وسجد فتبين أنه لا يومئ في السفينة لغير القبلة اتفاقا، وإنما الخلاف بينهما هل يصلي بالركوع والسجود لغير القبلة، أو لا يصلي لغير القبلة أصلا؟ انتهى. وساق من المنقول ما يدل على صحة ما قال قال الشيخ عبد الباقي: وظهر مما قررنا أن قوله: "وهل إن أومأ" لخ، راجع للمنع المفهوم من قوله: "لا سفينة".
ولا يقلد مجتهد غيره يعني أنه لا يجوز للمجتهد وهو من يعرف الأدلة للقبلة أن يقلد غيره في القبلة، بل لا بد من اجتهاده فلو اختلفا لم يأثما، وظاهره ولو كان الغير أعرف، ولا بد من الاجتهاد لكل صلاة إن تغير دليله بأن كان كل وقت بمحل غير محله قبله أو نسيه، وإلا كفى اجتهاد واحد. ومحل كلام المصنف إن اتسع الوقت وظهرت الأدلة، فإن ضاق قلد، وإن خفيت سأل مجتهدا غيره، فإن بان له صواب اجتهاده اتبعه وإلا انتظر ظهورها إلا أن يخاف خروج الوقت فيقلده. وأفهم قوله: "ولا يقلد" الخ أنه لا يمنع أن يصدق مجتهدا غيره ثقة أن قبلة بلد كذا جهة كذا. قاله الشيخ عبد الباقي. ومثل المجتهد، القادر على الاجتهاد، فمن كان بحيث لو اطلع على وجه الاجتهاد لاهتدى إليه لزمه السؤال ولا يقلد في القبلة. ابن الحاجب: والقدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد، وعلى الاجتهاد تمنع من التقليد. قاله الشيخ ميارة. وقد مر قول
стр. 867
عبد الباقي: "وأفهم قوله ولا يقلد" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فإن قلت أي فائدة في التصديق إذا لم يقلده؟ قلت: أجيب بأن فائدة التصديق في الأدلة إن سأله عنها، وفي جهة قبلة البلد المعين فيقلدها. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن المجتهد الذي خفيت عليه الأدلة حكمه كالمقلد وهو غير المتحير الآتي؛ لأن المتحير الآتي هو من التبست عليه الأدلة مع ظهورها؛ أي تعارضت عنده الأمارات. وأما المتحير ففيه ثلاثة أقوال: أحدها يتخير كما يأتي، الثاني يقلد غيره، الثالث يصلي أربعا.
ولا محراب يعني أنه لا يجوز للمجتهد أن يقلد محرابا. إلا لمصر يعني أن المجتهد إذا قلنا إنه لا يجوز له أن يقلد محرابا، فإنما محل ذلك حيث لم يكن المحراب لمصر كبير، وأما إن كان لمصر كبير بحيث يعلم أن محرابه إنما نصب باجتهاد جمع من العلماء سواء كان عامرا أو خرابا فيجوز تقليده، ولا يجب لأنه أقرب إلى الصواب من اجتهاد واحد ما لم يقطع بخطئه، وإلا فلا يقلده مجتهد ولا غيره. وليس بالديار المصرية بلد يقلد محاريبه المشهورة إلا مصر والقاهرة والإسكندرية، وبعض محاريب دمياط وقوص. وأما المحلة ومنية بني خصيب والفيوم فإن جوامعها في غاية الفساد، وليس بينها وبين الكعبة ملابسة، والصواب أن محراب الجامع الأزهر لا انحراف فيه، وقد ألف التاجوري تأليفا بيِّن فيه أن جل محاريب فاس متباينة، وسبب بناء الأقدمين لها كذلك أنهم فهموا قوله ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة (١))، على الإطلاق، وليس كذلك، فقد قال بعض أهل العلم: وقد اجتمعوا على أن الحديث مخصوص بأهل المدينة ومن كان على سمتهم. انتهى. وأما من كان في المشرق والمغرب فقبلته فيما بين الجنوب والشمال. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وظهر من هذا أن المحاريب المتباينة لا تقلد ولو كانت لمصر كبير لكونها لم تتفق على جهة واحدة.
وإن أعمي يعني أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد مجتهدا آخر ولا محرابا لغير مصر كبير، سواء كان المجتهد أعمى أو بصيرا لقدرة الأعمى على الاجتهاد بالسؤال كما قال.
стр. 868
وسأل عن الأدلة يعني أنه إذا لم يجز للمجتهد الأعمى أن يقلد فإنه يسأل مكلفا عارفا عن أدلة القبلة، كقوله: القطب في أي جهة؟ أو الكوكب الفلاني أو مطلع الشمس أو مغربها؟ وقلد غيره مكلفا عارفا يعني أن غير المجتهد وهو العاجز عن الاجتهاد بصيرا كان أوأعمى يلزمه أن يقلد في جهة القبلة مكلفا عاقلا بالغا عارفا بطريق الاجتهاد، ولا بد من كونه غير فاسق بأن يكون عدل رواية.
أو محرابا يعني أن العاجز عن الاجتهاد لا بد له من التقليد حيث أمكنه فيقلد مكلفا عارفا -كما مر-، أو محرابا؛ أيَّ محراب كان أو هما. وفي الجواهر: البصير الجاهل بالأدلة فإن كان بحيث لو اطلع على وجه الاجتهاد لاهتدى إليه لزمه السؤال، ولا يقلد وإن لم يكن بحيث يهتدي ففرضه التقليد. واعلم أن الجاهل بأدلة القبلة الذي لا بد له من التقليد يكون عاصيا بسفره الذي لا يجد فيه موثوقا بعدالته وبصيرته يقلده، ولا قرى متصلة فيها محاريب يقلدها وإلا لم يكن عاصيا. قاله الشيخ ميارة. ويقدم المجتهد في التقليد على محراب المصر الصغير بخلاف محراب الكبير، كما للأمير. فإن لم يجد يعني أنه إذا لم يجد العاجز عن الاجتهاد من يسأله ولا من يقلده ولا محرابا، فإنه يتخير جهة ويصلي لها. وقد مر أن المجتهد الذي خفيت عليه الأدلة حكمه حكم المقلد أو تحير مجتهد يعني أن المجتهد إذا تحير بأن التبست عليه الأدلة مع ظهورها كما إذا نسيها أو نسي كيفية الاستدلال بها، ولم يقدر على معرفة ذلك بسؤال أو غيره، فإنه يتخير جهة ويصلي لها. وما فسرت به المتحير من أنه هو الذي التبست عليه الأدلة مع ظهورها هو المفروض في كلام الأئمة، قاله الرماصي. وأما من خفيت عليه الأدلة لغيم أو سحاب أو نحوه، فإنه يقلد -كما مر- وبما قررت علم أن قوله: تخير جواب للشرطين؛ أعني قوله: "فإن لم يجد"، وقوله: أو "تحير" وتخير بالخاء، أي يختار جهة من الجهات ويصلي لها، وندب تأخيره لآخر الوقت رجاء زوال المانع، ولم تلزمه أعداد تحيط بحالات الشك؛ لأن الاستقبال شرط مع الأمن والقدرة. كما مر. وظاهر المصنف أنه يصلي لأي جهة شاء من غير ركون نفسه لجهة، وفي الذخيرة: يتحوى جهة تركن إليها نفسه ويصلي إليها واحدة، وقيل: يقلد،
стр. 869
قال في توضيحه: وهو أظهر الأقوال. ولو صلى أربعا لحسن: ما صدر به المصنف أولا، وهو قوله: "تخير"، هو: قول الكافة، وقوله: "ولو صلى أربعا" هو: قول ابن مسلمة، يعني أنه لو صلى صلوات أربعا كما يقوله ابن مسلمة لكان ذلك مذهبا حسنا، والذي استحسن قول ابن مسلمة هذا ابن عبد الحكم، وهذا إن كان تحيره في الجهات الأربع، فإن كان تحيره في ثلاث جهات صلى ثلاثا، أو في جهتين صلى صلاتين، وهذا القول الذي استحسنه ابن عبد الحكم اختاره اللخمي، وإلى اختيار اللخمي أشار المصنف بقوله: واختير والواجب التعبير بالمختار لأنه اختيار من الخلاف. كما علمت. وقول ابن مسلمة: هذا ضعيف، والأول هو المذهب؛ لأنه هو الذي عزاه سند للكافة، وقوله: "ولو صلى أربعا" الخ: لابد فيه من الجزم بالنية عند كل صلاة قال الشيخ الأمير في كتابه: فإن تحير تخير أو صلى للجهات إلا أن يجد مجتهدا فيتبعه إن ظهر صوابه أو جهل وضاق الوقت انتهى.
ولما قدم مطلوبية الاستقبال ابتداء ذكر مطلوبيته دواما، فقال: وإن تبين يعني أنه إذا تبين للمصلي في قبلة اجتهاد تحقيقا أو ظنا لا شكا، فإنه لا عبرة به. خطأ فاعل تبين، أي عدول عن القبلة بغير نسيان. بصلاه أي فيها. قطع صلاته التي تبين خطؤه فيها. غير أعمى: وجواب الشرط: قطع، وفاعل قطع: غير ومنحرف. عطف على أعمى. يسيرا أي انحرافا يسيرا. وقوله: "غير أعمى ومنحرف يسيرا"، هو: بصير انحرف انحرافا كثيرا، وأما الأعمى مطلقا وبصير انحرف انحرافا يسيرا فإنهما يستقبلانها في صلاتهما، فإن لم يستقبلاها فصحيحة في اليسير من بصير أو من أعمى، وباطلة للأعمى في الكثير.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والظاهر أن اليسير: ما لا يقطع بانحرافه. والله سبحانه أعلم. والكثير: ما يقطع بانحرافه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن تبين خطأ" الخ اعلم أن الصور أربع: مجتهد اجتهد أو تخير، مقلد قلد أو لم يجد، وكلام المصنف عام فيها؛ لأن نصوص الأيمة تدل على التعميم. فتوقُفُ بعض الشراح في مجتهد لم تَعْمَ عليه الأدلة، وفي مقلد قلد غيره أو محرابا قائلا: لم أر في ذلك نصا لا معنى له. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم.
стр. 870
وعلم مما مر أن قوله: "وإن تبين خطأ" إنما هو في غير من بمكة والمدينة، وأما من بهما فإنه يقطع لبطلان صلاته مطلقا، كان أعمى أو بصيرا سواء كان انحرافه يسيرا أو كثيرا. كما للشبراخيتي. وغيره. وسواء تبين خطؤه في الصلاة أو بعدها. وقد مر أن مثل مكة ما جاورها بحيث يقدر على المسامتة، وفي الطراز: لو اعتقد المأموم أن الإمام انحرف، فارقه وأتم لنفسه. انتهى. ومنه يستفاد أن للمأموم أن يفارق إمامه بالنية في هذا: وإن كان مخالفا لقاعدة المذهب من أنه لا ينتقل من الجماعة للانفراد، فلعل هذا الفرع ضعيف. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن هذا الفرع على تقدير صحته يقيد بغير ما الجماعة شرط فيه. كالجمعة، والجمع ليلة المطر؛ وإلا بطلت عليهم أيضا لعدم صحة الانفراد في ذلك -كما لا يخفى- انتهى. وبعدها أعاد في الوقت يعني أنه إذا تبين للمصلي الخطأ بعد الصلاة، فإن كان هذا الذي تبين له الخطأ بعدها من لو تبين له الخطأ فيها قطع، وهو بصير انحرف كثيرا، فإنه يعيد في الوقت، فإن لم يؤمر بالقطع فإنه لا إعادة عليه. ويعيد من بمكة وما ألحق بها أبدا، ولو أعمى انحرف يسيرا. كما مر. وقوله: "وبعدها"، خاص بمجتهد لم تَعْمَ عليه أدلته. وأما مجتهد عميت عليه أدلته، أو مقلد لم يجد من يقلده ولا محرابا فلا إعادة عليهما واختلف في مقلد قلد غيره، أو محرابا هل يعيد أم لا؟ فيعمم في أول كلام الشيخ، أعني قوله: "وإن تبين خطأ بصلاة، ويخصص في قوله: "وبعدها أعاد". كما علمت. وقاله غير واحد، وفاعل أعاد ضمير يعود على البصير المنحرف كثيرا؛ وهو قوله: "غير أعمى ومنحرف يسيرا". المختار هذا ظاهر في العصر، وأما الظهر فيعيدها للاصفرار، ويعيد العشاءين للفجر، والصبح لطلوع الشمس. وقد مر أن الانحراف اليسير لا تبطل الصلاة به إلا في مكة وما ألحق بها وانظر ما حكم الإقدام عليه ابتداء. قاله الشيخ عبد الباقي. ولما ذكر تبين الخطإ بقسميه بغير نسيان، أشار إلى ما كان به بقوله: وهل يعيد الناسي أبدا يعني أنه إذا صلى لغير جهة القبلة، ناسيا لحكم الاستقبال أو لجهة القبلة وتبين له ذلك بعد فراغه من الصلاة، وكان خطؤه بحيث لو اطلع عليه فيها لأبطلها، فإنه اختلف فيه، هل يعيد أبدا أو في الوقت؟ على قولين مشهورين، كما أشار إلى ذلك بقوله: خلاف
стр. 871
فذهب ابن يونس إلى أنه يعيد أبدا، قال: والرواية فيه كذلك، قال: وهو محكي عن المغيرة وابن سحنون، قال الشيخ عبد الباقي: وانفرد ابن الحاجب بتشهيره ولم يعرج عليه ابن عرفة، وذهب ابن رشد في البيان إلى أن المشهور أنه يعيد في الوقت، ونقل عن ابن الماجشون وابن حبيب، ومحله: إذا تبين له ذلك بعد الفراغ -كما مر- في أول الحل وكان في الفرض، وأما لو تبين له ذلك في الصلاة فإنها تبطل ويعيد أبدا، وأما في النفل فلا إعادة عليه ومحله أيضا في غير من بمكة وما ألحق بها، وأما ناسي الأدلة فإن قدر على معرفتها بسؤال أو غيره وتركه بطلت، وإن لم يقدر فمجتهد تحير. وتقدم أنه لا إعادة عليه بعدها، ومثل ناسي الأدلة ناسي كيفية الاستدلال بها مع علمها عند الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: مقلد وتقدم التفصيل فيه، إذا تبين خطؤه فأقسام الناسي أربعة: اثنان منها محل الخلاف الذي ذكر المصنف وأقسام الجاهل أربعة أيضا: الأول: جاهل حكم الاستقبال يعيد أبدا اتفاقا. كما في الشبراخيتي. إلا إن صادف فتصح على المعتمد كما لعبد الباقي، الثاني جاهل جهتها قال الشيخ عبد الباقي: فيه خلاف: هل يعيد أبدا أو في الوقت؟ وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أن هذا هو المقلد، الثالث جاهل الأدلة مع علمه بالحكم وكيفية الاستدلال بها لو علمها. قال عبد الباقي: هو كناسي الأدلة، وقد تقدم. وقال محمد بن الحسن: استظهر في التوضيح أن المراد بالجاهل الذي فيه الخلاف، هل يعيد أبدا أو في الوقت؟ هو الجاهل بالأدلة، الرابع جاهل كيفية الاستدلال، قال الشيخ عبد الباقي: هو مقلد، وقد تقدم حكمه وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أنه كجاهل الأدلة، وأراد المصنف بالنسيان: (١) ما يشمل الساهي الذي هو الذاهل؛ وهو الغافل الذي يتنبه بأدنى تنبيه، والناسي الذي يزول عنه العلم بالشيء، فيستأنف تحصيله، ولبعضهم:
السهو عن معلوم … الذهول قلت وفي نسياننا يزول
стр. 872
تنبيه: قال الزركشي: قال ابن القاص (١): من صلى بالاجتهاد فأخطأ إلى الحرم جاز؛ لأن النبي ﷺ قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والسجد لأهل الحرم، والحرم لأهل مشارق الأرض ومغاربها، قال الإمام الحطاب: وهذا شيء لا نعرفه لأصحابنا. نعم. حكوا عن مالك أنه قال: الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة أهل مكة، والحرم قبلة أهل الدنيا. وهذا النقل عنه غريب. وأما الحديث فأخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: (البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض (٢)). قال البيهقي: انفرد به عمر بن حفص، وهو ضعيف لا يحتج به. انتهى.
ولما فرغ من حكم الصلاة إلى الكعبة شرع في حكمها فيها وعليها فرضا ونفلا، فقال: وجازت سنة فيها يعني أن الصلاة المسنونة كوتر وأحرى غيره تجوز في الكعبة أي تمضي وتنفذ، ولا تجوز ابتداء بخلاف النافلة فتندب، ولو تأكد ندبها كراتبة ظهر وعصر وبعد مغرب وضحى لخبر الصحيحين: عن ابن عمر ﵄ قال: (دخل رسول الله ﷺ الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال وأغلقوا عليهم فلما فتحوا كنت أنا أول من ولج فسألته هل صلى فيها رسول الله ﷺ فقال نعم بين العمودين اليمانيين (٣))، وهو أن يجعل الباب خلفه ويندب فعل النفل في هذا المحل، وكذا ركعتا طواف مندوب كواجب أو ركن على القول بندبهما، كما شهره ابن عسكر في عمدته، لا على القول بوجوبهما أو سنيتهما وقال أشهب تجوز السنة ابتداء، وظاهر المصنف موافقته.
وفي الحجر يعني أنه تجوز السنة في الحجر، أي تمضي وتنفذ بعد الوقوع ولا تجوز ابتداء إلى آخر ما مر. وقوله: لأي جهة راجع لقوله: "فيها فقط"، ولا يرجع لقوله: "في الحجر"، يعني
стр. 873
أنه إذا صلى الصلاة المتقدمة في الكعبة فإنه يجوز له أن يصليها لأي جهة ولو لجهة بابها مفتوحا. وأما في الحجر فإنه لا يصلي لأي جهة، وإنما يصلي لجهة الكعبة؛ لأن من صلى في الحجر واستدبر الكعبة، صلاته فاسدة. وقال اللخمي: تصح صلاة من استقبل من الحجر القدر الذي تواتر أنه من البيت، وكلامه أي اللخمي فيمن كان خارج الحجر، وما قاله اللخمي ضعيف والمعتمد عدم الصحة قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "تواتر أنه" الخ قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ لأن ما نقله الحطاب صريح في ترجيح منع الصلاة إلى الحجر خارجه، ولذا قال بعض الشيوخ: لا نعلم أنه رواه من البنيان (١) عن النبي ﷺ غير السيدة عائشة ﵂ مع البحث عنه. والله أعلم. انتهى. وفي الحطاب بعد جلب نقول: لم يقل أحد بجواز الصلاة إلى الحجر ابتداء، وإنما الكلام في الصحة بعد الوقوع. كما يفهم من كلام اللخمي. وغيره. انتهى.
لا فرض؛ يعني أنه لا يجوز فعل الصلاة المفروضة في الكعبة ولا في الحجر، ومنه صلاة الجنازة على القول بوجوبها، وهل يمنع أو يكره؟ قولان، والمذهب الكراهة. فيعاد في الوقت؛ يعني أنه إذا صلى الفرض في الكعبة فإنه يعيد في الوقت. وأول بالنسيان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم كلام المدونة. وهو: من صلى في الكعبة فريضة أعاد في الوقت كمن صلى إلى غير القبلة. انتهى. فحملها ابن يونس وجماعة على الناسي، لقول مالك فيها: كمن صلى لغير القبلة، وهو لو صلى لغيرها عامدا أعاد أبدا، فكذلك من صلى فيها عامدا أعاد أبدا. ابن حبيب: يعيد العامد والجاهل أبدا، والناسي في الوقت وحملها عبد الوهاب واللخمي وابن عات على ظاهرها، وأن العامد كالناسي يعيدان في الوقت، وإلى تأويلهم أشار بقوله: وبالإطلاق؛ أي لا فرق بين العامد والناسي في أنه إنما على كل منهما الإعادة في الوقت، وتأويل الإطلاق هو المذهب كما للشيخ إبراهيم وغيره. وعبارة الأمير: وندب نفل فيها لأي جهة كالحجر، كركعتي الطواف غير الواجب، وكره مؤكَّده كركعتي الفجر كالفرض، وكراهته أشد فيعاد في الوقت وإن عمدا على الراجح مما في
стр. 874
الأصل انتهى والجنازة على الفرضية تعاد، وعلى السنية لا تعاد وقوله: "فيعاد في الوقت"، قال البناني: يعيد الظهرين للاصفرار، والعشاءين لطلوع الفجر، والصبح لطلوع الشمس. كما في المدونة. انتهى. ولعبد الباقي والحطاب أن المراد به: المختار.
وبطل فرض على ظهرها، يعني أن من صلى الفريضة على ظهر الكعبة تبطل صلاته، كما أنها تبطل إذا صلى في سرب تحتها أو مطمورة. قال سند: لو جَوَّزْنا الصلاة في الكعبة أو على ظهرها لم تجز في سرب تحتها أو مطمورة؛ لأن البيوت شأنها أن ترفع وليس شأنها أن تنزل، ولذلك حكم بأن سطوح الساجد كالمساجد في الأحكام، بخلاف ما لو حفر تحتها بيتا فإنه يجوز أن تدخله الحائض والجنب. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وبطل فرض على ظهرها"؛ أي إلا لضرورة أو خوف من كسبع، ويجري هذا أيضا فيمن حفر مطمورة ننحتها، وقوله: "وبطل فرض على ظهرها"؛ أي ولو بين يديه قطعة من سطحها، خلافا لأبي حنيفة في اعتباره الهواء واكتفائه بقطعة من سطحها. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي. عند قوله: "وبطل فرض على ظهرها" أو في بطنها بل ولو في النفل إلا لضرورة فيهما؛ لأن استقبال القبلة شرط مع المقدرة؛ فيبطل قول من قال: تسقط الصلاة في هاتين الصورتين، انتهى. وفيه: عنده أيضا، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن المقصود عنده استقبال بعض هوائها، وكذا الشافعي؛ لأن المقصود عنده استقبال بعض بنائها. ومفهوم قوله: "فرض جواز النفل على ظهرها" كما في الجلاب وعند غيره، لا ابن عرفة: والفرض على ظهرها ممنوع. ابن حبيب: والنفل. الجلاب: لا بأس بفعله عليه. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال: تقي الدين الفاسي: وأما النافلة على سطح الكعبة فلا تصح على مقتضى مشهور المذهب إذا كانت النافلة متأكدة كالسنن، والوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف. والواجب مساواة هذه النوافل للفريضة في حكم الصلاة في جوف الكعبة، وفي صحة النافلة غير المؤكدة في سطح الكعبة نظر على مقتضى رأي أكثر أهل المذهب. انتهى نقله. الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: وبطل فرض على ظهرها لا نفل، وهل وإن مؤكدا؟ قولان. انتهى. كالراكب يعني أن من صلى الفريضة راكبا تبطل صلاته، فالتشبيه في بطلان الفرض. وفي شرح
стр. 875
الشيخ ميارة وأما الفريضة فلا تؤدى راكبا اختيارا اتفاقا. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: كالراكب لدابة صحيحا آمنا اختيارا يبطل فرضه عليها، ويعيده أبدا. انتهى. وفيه أن النفل: يصح على الدابة إذا فعل بركوع وسجود، وأما الفرض فلا يفعل عليها بركوع وسجود. وفي الشبراخيتي أن من صلى على الدابة قائما راكعا ساجدا من غير نقص: صحت صلاة فرضه وإن كان صحيحا ولا مشقة عليه في النزول، كما يفيده كلام سند، ويفيد أيضا أنه المعتمد. انتهى. إلا لالتحام يعني أن بطلان صلاة الراكب محله في غير الالتحام، وأما في الالتحام فتصح صلاة الراكب. والمراد بالالتحام هنا كل قتال جائز، ومفهوم الالتحام أن صلاة القسْم يشترط فيها الاستقبال، وقوله: "إلا لالتحام" أي ويومئ للأرض أو خوف من كسبع يعني أن صلاة الراكب كما تصح في الالتحام تصح لخوف من سبع كفهد وذيب، فإذا خاف من كسبع إن نزل إلى الأرض فإنه يصلي راكبا إيماء للأرض وإن لغيرها يعني أنه تصح صلاة الراكب في الالتحام، وخوف من كسبع وإن صلى لغير القبلة حيث لم يمكنه التوجه إلى القبلة، وهذا مفهوم قوله أول الفصل: ومع الأمن وقد علمت أن المراد بالالتحام كل قتال جائز سواء كان قتال كافر أو غيره كالذب عن نفس، أو مال، أو حريم، أو هزيمة جائزة، والاستثناء راجع لقوله: "كالراكب"، ويصح رجوعه أيضا لقوله: "وبطل فرض على ظهرها".
وإن أمن أعاد الخائف بوقت يعني أن الراكب على الدابة لالتحام أو خوف من كسبع إذا أمن بعد فراغه من الصلاة، فإنه يعيد في الوقت المختار فيما إذا صلى عليها لخوف من كسبع، وأما إن كان ذلك لالتحام فإنه لا إعادة عليه في وقت ولا في غيره كما سيأتي، وإنما يعيد الخائف من كسبع في الوقت إن تبين عدم ما خافه، فإن تبين ما خافه أو لم يتبين شيء فلا إعادة عليه عبد الحق وهذا الخائف من سباع أو غيرها على ثلاثة أوجه: موقن بانكشاف الخوف، ويائس من انكشافه: وراج كالمسافر في التيمم. نقله الشيخ بناني.
وإلا لخضخاض لا يطيق النزول به يعني أنه كما تصح صلاة الراكب للفرض إيماء لخوف من كسبع أو لالتحام. تصح أيضا لأجل خضخاض أو ماء لا يطيق النزول للأرض بسببه خوف الغرق، فيصلي على الدابة إيماء، وسواء في ذلك الحاضر والمسافر، وهذا حيث أيس من الخروج
стр. 876
من الخضخاض أو الماء قبل انقضاء الوقت، فإن تيقن خروجه منه قبله أخره لآخره، فإن شك صلى إيماء وسط الوقت، وأما خوف تلوث الثياب فقط فلا يبيح الصلاة على الدابة، بل ينزل ويومئ على المشهور. وهو قول مالك. وقيل: يسجد وإن تلطخت ثيابه. وهو قول ابن عبد الحكم. ورواه أشهب. وعلى الأول يكون سجوده أخفض من ركوعه، وإذا امتلأ الجامع يوم الجمعة وكان بإزائه ورحابه خضخاض، فهل يصلي في ذلك من جاء قائما إيماء؟ وهو ما ذكره ابن عمر عن ابن الطلاع. قال: وقيل يذهبون إلى مسجد آخر ويصلون فيه الجمعة بناء على جواز تعددها، أو يصلي فيه ويسجد فيه ويجلس فيه؛ لأن الجمعة فرض ولو خشي الضرر، ولو صلى الظهر فهو في سعة؛ وهو ما ذكره الأقفهسي عن ابن الطلاع. فقد اختلف نقلهما عنه.
أو لمرض يعني أنه تجوز صلاة الراكب أيضا لأجل مرض، وإن كان يطيق النزول معه للأرض كما يفيده تأخيره عن قوله: "لا يطيق النزول به" ويؤديها عليها كالأرض يعني أن المريض إذا صلى راكبا فإنه يؤديها، أي صلاة الفرض عليها؛ أي على الدابة إيماء، ولو مع المقدرة على ركوعه وسجوده عليها، كما يؤديها على الأرض إيماء فقط؛ أي إنما يباح الفرض على الدابة إذا كان يصليه على الأرض إيماء، وحينئذ فيصليه على الدابة إيماء ولو مع المقدرة على ركوعه وسجوده على الدابة. والصور أربع: أحدها يصليها بركوع وسجود عليهما قائما أو جالسا ثانيها يصليها بركوع وسجود على الأرض فقط قائما أو جالسا فينزل للأرض فيهما، ثالثها يقدر على الإيماء فقط عليهما، وهي التي فيها كلام المصنف، فيصلي على الدابة إلى القبلة كما أشار له بقوله: فلها أي فيصلي لجهة القبلة بعد أن توقف له، ولا يصليها عليها سائرة، ويومئ بالسجود للأرض، فإن أومأ إلى كور الراحلة أو إلى جسد الدابة كظهرها أو رقبتها أو جنبها، بطلت، رابع الصور: يقدر على الإيماء بالأرض فقط، وعلى الركوع والسجود على الدابة من قيام أو جلوس فيصلي على الدابة لكن يومئ. ومن لا يطيق النزول يصلي على الدابة من غير اعتبار حالة. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 877
وفيها كراهة الأخير يعني أنه وقع في المدونة أنه تكره صلاة المريض راكبا، وهو المراد بالأخير أي الأخير من الفروع الأربعة، ولو قال: وفيها في الأخير لا يعجبني، وهل على الكراهة؟ وهو المختار، والمقول أو على المنع وهو الأظهر، أو حيث توجهت به لا واقفة؛ وهو الأرجح تأويلات، لطابق ما ذكروه لأنه ليس في المدونة لفظ الكراهة.
ولما أنهى الكلام على شروط الصلاة الخارجة عن ماهيتها، شرع في الكلام على أركانها الداخلة في ماهيتها متبعا ذلك بذكر سننها ومندوباتها وما يتعلق بذلك، فقال:
стр. 878
فصل فرائض الصلاة تكبيرة الإحرام يعني أن فرائض الصلاة، أي ما ذكره منها خمسة عشر على خلاف في بعضها أولها: تكبيرة الإحرام لكل مصل لخبر الترمذي: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١))، وسميت بذلك لأنها يحرم بها على المصلي ما كان مباحا له قبلها من مفسدات الصلاة كالأكل والشرب والكلام، ولا يحملها الإمام كالفاتحة لورود السنة بحملها، فبقي ما عداها على الأصل، والإضافة في قوله: "فرائض الصلاة"، من إضافة البعض للكل؛ لأن الفرائض بعض الصلاة. والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، أي مفروضات الصلاة، وهذا الجمع على غير قياس لكون فعيلة هنا بمعنى: مفعولة، فقول الألفية:
وبفعائل اجمعن فعاله … وشبهه ذا تاء أو مزاله
لا يشمل فعيلة بمعنى مفعولة كما هو مقرر في محله، وقوله: "الصلاة" يشمل الفرائض والنفل لكن يصرف الكلام لما يصلح له؛ لأن القيام للفاتحة ولتكبيرة الإحرام غير فرض في النافلة. والله سبحانه أعلم. والإضافة في قوله: "تكبيرة الإحرام"، من إضافة السبب إلى المسبب، أي التكبيرة التي يتسبب عنها الإحرام، والإحرام عبارة عن الدخول في الحرمات؛ أي ما لا يحل انتهاكه. واعلم أنه يشترط لتكبيرة الإحرام النية، أي نية الصلاة المعينة، والاستقبال. واعلم أن أقوال الصلاة ليست فرضا إلا ثلاثة تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام. وأن أفعالها كلها فروض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وجلوس التشهد، والتيامن بالسلام، وقيام لها هذه هي الفريضة الثانية من فرائض الصلاة؛ يعني أن القيام لتكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة المفروضة لمن هو قادر على القيام، فلا يكبر جالسا ولا منحنيا، فإن فعل لم يجز. إلا لمسبوق يعني أنه لا إشكال في فرضية القيام لتكبيرة الإحرام على الإمام والفذ، والمأموم غير المسبوق، وأما المسبوق ففي وجوب القيام عليه لتكبيرة الإحرام، وعدم وجوبه تأويلان سببهما قول المدونة: قال مالك:
стр. 879
إن كبر المأموم للركوع ونوى به تكبيرة الإحرام، أجزأه، فقال ابن يونس، وعبد الحق، وصاحب المقدمات: إنما يصح هذا إذا كبر للركوع من قيام، وقال الباجي، وابن بشير: يصح إن كبر وهو راكع؛ لأن التكبير للركوع إنما يكون في حال الانحطاط، فعلى التأويل الأول يجب القيام على المسبوق، وعلى الثاني يسقط عنه، ويترتب على الوجوب وعدمه إجزاء تلك الركعة، وعدمه حيث فعل بعض التكبيرة في حال قيامه أتمها في حال الانحطاط أو بعده من غير فصل بين أجزائها وإلا بطلت صلاته كلها فيما يظهر، وهذه ثلاث صور: فإن ابتدأها حال انحطاطه وأتمها فيه: أو بعده من غير فصل بين أجزائها بطلت الركعة اتفاقا في هاتين الصورتين، فإن حصل فصل بين أجزائها فينبغي بطلان الصلاة كلها. وهذد ثلاث أيضا. فالصور ست تبطل الصلاة منها في صورتين، والركعة فقط في صورتين، ويجري التأويلان في الركعة فقط في صورتين، ولعل وجه صحة الصلاة حيث بطلت الركعة اتفاقا، أو على أحد التأويلين أنه لما حصل القيام في الركعة التالية للأولى فكأن الإحرام حصل حال قيامها، فتكون أول صلاته. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا الجواب مأخوذ من كلام المازري، لكن قال المسناوي لا يخفى ما فيه. وقد يقال: إنما حكموا بصحة الصلاة مراعاة لقول من يقول بأن القيام لها غير فرض بالنسبة للمسبوق. والله أعلم. وقال أيضا: وقد يقال إنما جاء عدم الاعتداد بالركعة من وجه آخر: وهو الخلل في ركوعها حيث أدمج الفرض الثاني في الأول قبل أن يفرغ منه لأنه شرع في الثاني قبل تمام التكبير، أو شرع فيه مقارنا للتكبير. وعلى هذا فالقيام للتكبير إنما وجب لأجل أن يصح له الركوع فتدرك الركعة. انتهى. فإن قيل: ما الفرق بين صحة الإحرام منحنيا على القول به: وعدم صحة السلام قائما؟ أجيب بأن الركوع يصدق عليه القيام لصحة وصفه بأنه قائم غير مستقيم، والسلام لا يصدق عليه أنه أوقعه جالسا. قاله غير واحد. وهذا الذي قررت به كلام المصنف هو للأجهوري ومن تبعه. وأما الحطاب فجعل التأويلين في صحة الصلاة وبطلانها وهو الذي يتبادر من المصنف وكثير من الأئمة كأبي الحسن وغيره، لكن ما تقدم عن الأجهوري أقوى مستندا والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. والحاصل أن الأجهوري ومن تبعه جعل التأويلين في الاعتداد بالركعة وعدمه مع الجزم بصحة الصلاة، والحطاب جعلهما في صحة
стр. 880
الصلاة وبطلانها، وأن ما للأجهوري أصح. والله سبحانه أعلم. والتأويلان جاريان فيمن نوى بتكبيره العقد، أو نوى به العقد والركوع، أو لم ينوهما. فإن نوى بالتكبير مجرد الركوع بطلت، وإن تمادى لحق الإمام. قاله الأمير.
ولما كان معنى التكبير التعظيم فيوهم إجزاء كل ما دل على ذلك، بَيَّن انحصار المجزئ في هذه الكلمة الشريفة، فقال: وإنما يجزئ الله أكبر يعني أنه لا يجزئ في الإحرام من الألفاظ الدالة على التعظيم إلا هذا اللفظ، وهو: الله أكبر بعربيَّةٍ لقادر عليها مستقبلا قائما -على ما مر- وبتَقديم الجلالة ومدها مدا طبيعيا، وعدم مد بين الهمزة وبين لام الله لإيهام الاستفهام، وعدم مد باء أكبر وعدم تشديد رائها، وعدم واو قبل الجلالة، وعدم وقفة طويلة بين كلمتيه فلا تضر وقفة يسيرة، وبدُخُولِ وقت فرضا أو نفلا، وبتَأخِيرِهَا عن تكبيرة إمام في حق مأموميه. فهذه اثنا عشر شرطا إن اختل واحد منها لم تنعقد صلاته.
ولا يضر قلب همزة أكبر واوا ولا يضر عدم جزم الراء من أكبر، والظاهر أنه يضر زيادة واو قبل همزة أكبر كما للشافعية، خلافا لما في شرح الشيخ عبد الباقي. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن. فإن أشبع ضمة الهاء فالظاهر أنه لا يضره كما للأجهوري، ولو أشبعها وأتى بواو ثم همزة أكبر قال الشيخ عبد الباقي: الظاهر أنه يضر، وقال ابن المنير: ويحذر أن يشبع ضمة الهاء حتى تتولد الواو، وأن يقف على الراء بالتشديد، هذا كله لحن ويخاف منه بطلان الصلاة، وقوله: "وإنما يجزئ الله أكبر" رد به على أبي حنيفة القائل: يجوز دخولها بنحو الله الأجل والأعظم، وعلى الشافعي: يجوز دخولها بالأكبر فإنه لا يجزئ عندنا، وكذا لا يجزئ زيادة بين الاسمين كالله -الذي لا إله إلا هو الملك القدوس- أكبر، خلافا للشافعية، ولا يشترط أن يسمع نفسه جميع حروفها إذا كان صحيح السمع، ولا مانع من لغط ونحوه خلافا لهم أيضا، ودليل وجوب التكبير خبر: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى