العربي عند تكلمه على آية الدين بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: قال علماؤنا: هذا في حالة الدعاء إلى الشهادة، فأما من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقها، فقال قوم: أداؤها ندب لقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، ففرض عليه الأداء عند الدعاء، وإذا لم يدع كان ندبا لقوله عليه الصلاة السلام: (خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) (١)، والصحيح عندي أن أداءها فرض لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) (٢)، فقد تعين عليه نصره بأداء الشهادة التي له عنده إحياء لحقه الذي أماته الإنكار. اهـ. ويشهد لما قاله ابن مرزوق أيضا كلام أبي الفضل عياض في الإكمال وقد نقله العلامة الأبي في إكمال الإكمال وسلمه، فإنه قال في كتاب الأقضية عند تكلمه على حديث. (خير الشهداء) الحديث، قوله: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، عياض: فسره ملك بمن عنده شهادة لإنسان وذلك الإنسان لا يعلم أنه شاهد، فيأتي فيخبره أنه شاهد ويرفع ذلك إلى السلطان، وقيل: إنه لا يختص بحق الآدمي، ثم قال عياض: وقيل: إنه محمول على المجاز وإنه كناية عن سرعة الأداء بعد الطلب لا قبل، كما يقال: الجواد يعطي قبل سؤاله؛ أي يعطي عقب السؤال من غير تأخير، ولا يعارض هذا الحديث ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها المذكور في حديث (خير القرون قرني) (٣) من قوله في آخر الحديث: (ثم يأتي من بعد ذلك قوم يشهدون ولا يستشهدون) وقد احتج به قوم وقالوا: لا تجوز شهادة من يشهد قبل أن يستشهد، لأن معناه عند أهل المعلم في شاهد الزور من حيث إنه يشهد بما لا أصل له [فيه] (٤) ولم يستشهد فيه: لأنه خرج مخرج الذم لما يأتي بعد القرون الفاضلة، وقد وصفه بخصال من فشو الكذب والخيانة وكثرة الحلف وقلة الوفاء بالأمانة وهذه الشهادة من ذلك لأنها كذب من حيث إنهم يشهدون على ما لا أصل له، ويشهدون على ما لم يشهدوه، وقد يكون معناه فيمن تصدى
стр. 8122
للشهادة وليس من أهلها، كما قال: [يخونون ولا يؤتمنون] (١) وقال النخعي: معنى الشهادة هنا اليمين، ويدل عليه قوله آخر الحديث: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد، قيل: معناه أن يقول: أشهد بالله لكان كذا، وقيل: معنى يشهدون، ولا يستشهدون في الذي يقطع على المغيب من غير توقف، ويشهد فيقول: فلان من أهل الجنة وفلان من أهل النار. اهـ.
وفي محض حق الله تجب المبادرة بالإمكان إن استديم تحريمه، المحض مع الميم وإسكان الحاء المهملة وبالضاد المعجمة الخالص من كل شيء؛ يعني أن الحق إذا تمحض لله تعالى وكان مما يستدام تحريمه فإنه يجب على الشاهد المبادرة بالشهادة إلى الحكام والمبادرة بحسب الإمكان، وقوله: وفي محض حق الله هو ما ليس للمكلف إسقاطه، وقوله: بالإمكان أي حيث أمكنه ذلك والتأخير جرحة كما مر، وأما إن لم تمكن المبادرة بالرفع لعذر فلا يقدح التأخير، والباء في قوله: بالإمكان إمَّا بمعنى مع أي مع الإمكان فإن لم يمكن المبادرة فلا تجب، وإما بمعنى على أي بحسب الإمكان؛ أي على حسب الإمكان ومثل لا يستدام تحريمه بقوله: كعتق، فإذا علم بعتق عبد وسيده يستخدمه كالرقيق أو يحبسه ويدعي الملك ويطأ بغير عقد، فإنه يجب عليه المبادرة بالرفع إلى الحاكم؛ لأن هذا مما يستدام فيه التحريم. وطلاق، هو أيضا مما يستدام تحريمه، فإذا علم بطلاق امرأة ومطلقها يعاشرها في الحرام، فإنه يجب عليه الرفع بمجرد علمه حيث أمكنه ذلك وإلا فلا، ومثل الطلاق في وجوب المبادرة بالرفع العفو عن القصاص، وقوله: إن استديم تحريمه، على حذف مضاف أي استديم ارتكاب تحريمه؛ لأن كل تحريم مستدام قاله البناني وقوله: في محض حق الله، لو حذف لفظ محض كما فعل ابن الحاجب لكان أحسن. قاله البناني يعني أن ما هو حق لله قد يتمحض كونه حقا لله وقد يوجد فيه حق الآدمي؛ فإن العتق له حق في العتق لتَخْلِيصِ رقبته من الرق، وكذا المرأة المشهود بطلاقها لها حق في تخليص عصمتها من الزوج، وقد يتمحض الأمران لحق الله تعالى كما إذا رضي العتق بالرقية أو رضيت المرأة ببقائها تحته، والله تعالى أعلم. انظر الشبراخيتي.
стр. 8123
ووقف، هو مثال لحق الله تعالى المستدام تحريمه، فإذا علم بوقف على غير معين وهو بيد غير الواقف فإنه تجب عليه المبادرة. قال عبد الباقي: ووقف على غير معين كما يفيده جعله من أمثلة حق الله المستدام تحريمه، لكن إن كان الواضع يده عليه غير الواقف لأن الواقف لما مر من أنه لا يقضى بالوقف على غير معين فرفع الشاهد حينئذ لا ثمرة له، وأما إن كان على معين فهو حق لآدمي له إسقاطه حتى بعد قبوله، وقد يقال: هو من المستدام تحريمه أيضا لأن حقه تعالى في الوقف أن لا يغير عن سنته خصوصا بعد القبول. اهـ. وقال البناني: ووقف، قيد ابن شأس الوقف بأن يكون على غير معين، وأطلق فيه القول الباجي وابن رشد، وفصل بعض المحققين في الوقف لمعيَّنٍ قائلا: إن كان الواقف بتله أوَّلًا ولكن جعله لعين فالحق في هذا حق لله؛ لأن ذلك المعين إذا لم يقبله رجع للفقراء والمساكين لا للواقف أو ورثته، وأما إن كان من أول وهلة على معين من غير تبتيله أولا كأن يجعله حبسا بشرط أن يكون على فلان، فهو حق آدمي لأنه إذا لم يقبله هنا رد لمالكه أو ورثته. اهـ. قال الرهوني: سلم البناني كلام التوضيح هنا كما سلمه الحطاب وجسوس، وانظره مع ما لابن مرزوق فإنه قال: فإن قلت: أطلق المص في الوقف، وقيد ابن شأس وهو في بعض نسخ ابن الحاجب بالوقف على غير المعينين، وهو معنى قول الباجي: وهو تقييد لا بد منه، فلِمَ تركه المصنف؟ قلت: لَما ذكره مثالا لحق الله المستدام فيه التحريمُ لم يحتج إلى تقييده؛ لأنه إن كان على معين فهو من حقوق الآدميين. انتهى. فعزا للباجي مثل ما عزاه لابن شأس. والله تعالى أعلم.
ورضاع، هو من أمثلة ما فيه حق لله تعالى، فإذا علم برضاع بين زوجين مثلا فإنه تجب عليه المبادرة بالرفع لما في ذلك من استدامة التحريم وهو كالطلاق، فقد يتمحض الحق فيه لله تعالى كما إذا رضيت المرأة ببقائها تحت الرجل، وقد يكون فيه حق الآدمي كما إذا لم ترض بذلك، وأما قول عبد الباقي: وأما الرضاع فظاهر تمحضه لله ففيه نظر، بل المظاهر أنه كالطلاق. قاله الرهوني. وقوله: وفي محض حق الله لخ، دخل فيه الرفع في رؤية الهلال، فإذا رآه شخصان عدلان وجب عليهما الرفع للقاضي إن أمكن، فإن لم يرفعا إلى القاضي مع إمكانه ليلا كان التأخير جرحة في حقهما فلا تقبل لهما شهادة، وانظر في سب النبي ﷺ أو
стр. 8124
أحدا من الأنبياء أو الملائكة، هل هو مما يستدام تحريمه فتجري عليه أحكامه؟ أو من المعصية التي انقضى زمنها وان كان الحق باقيا فتجري عليه وهو الذي يظهر. قاله الخرشي. وفيه: واعلم أن الموقوف عليه المعين معتبر قبوله أو قبول وليه، فهو قبل القبول من محض حق الآدمي لأن للموقوف عليه إسقاطه أو رده، وبعد القبول هو من محض حق الله تعالى إذ ليس له رده كما هو الظاهر. وحيتئذ يكون كالوقف على الفقراء في وجوب المبادرة بالإمكان، قلت: وفيه نظر، لأن للموقوف عليه المعين أن يسلمه لمن يدعي ماليته، وهذا إسقاط منه. تأمل. اهـ. وإلا؛ أي وإن لم يستدم تحريم حق الله تعالى بل كان التحريم ينقضي بنفس الفراغ من الفعل، خير في الرفع والترك: والترك أولى للستر على العباد، ومثل لا ينقضي ارتكاب التحريم فيه بنفس الفراغ منه بقوله: كالزنى وشرب الخمر، فإذا عاين الشهود من يزني أو يشرب الخمر فإنهم يخيرون في الرفع والترك، ولم يجب عليهم الرفع لأنه بنفس الفراغ من الزنى والشرب والعياذ بالله تعالى تنقضي المعصية، قال الخرشي عند قوله: وإلا خير؛ يعني أن الحق إذا كان لله تعالى إلا أنه لا يستدام تحريمه بأن كانت المعصية تنقضي بالفراغ منها مثل الزنى وشرب الخمر ونحوهما، فإن الشاهد بالخيار إن شاء رفع وإن شاء ترك لأن ذلك من الستر، وهذا في غير المشهور بالفسق والمعاصي المجاهر بها، وإلا فقد كره ملك وغيره الستر عليه، ويرفع عليه الشهادة بما اعترف ليرتدع عن فسقه كما قيد به في التوضيح. اهـ.
تنبيهات: الأول: أفاد بقوله: إن استديم تحريمه أن محل قوله: كالزنى إذا كانت المعصية تنقضي بالفراغ منه، وكذلك شرب الخمر، ولهذا قال الشبراخيتي عند قوله: كالزنى إذا كان يزني بها ويرسلها، وأما لو كان يزني بها ولا يرسلها فيجب الرفع لأنه مما يستدام تحريمه. وقال التتائي: كالزنى وشرب الخمر المنقضيين. اهـ. الثاني: قال الخرشي: قيل لملك: من له جار سوء يظهر ما لا ينبغي في الإسلام هل أدل عليه؟ قال: انْهَهُ فإن لم ينته فدل عليه. قال ابن حبيب: مشى عمر رضي الله تعالى عنه في الليل فرأى نارا في بيت فأتى إليها، فإذا بقوم يشربون وشيخ فاقتحم عليهم وقال: يا أعداء الله أمكن الله منكم، فقال الشيخ: ما نحن أعظم منك ذنبا،
стр. 8125
تواريت ودخلت بغير إذن فاحتشم عمر وقال ذروا هذه بهذه. اهـ. وقال عياض: مر ابن مسلمة القاضي بإنسان في رأسه غرارة وبيده كَبَرٌ، فأمر بكسر الكبر، وعلم ولم يشك أن الغرارة مملوَّة أكبارا فأمر بتفتيشها، وكان معه أحمد بن عبادة فقال له أحمد: ما عليك أن تفتش أمتعته وإنما عليك أن تغير ما ظهر من المنكر، فأمسك القاضي عما أمر به من تفتيش الغرارة، ثم اجتمع القاضي مع ابن لبابة وذكر له ذلك، فقال ابن لبابة: مثل ما قال أحمد، فأقبل القاضي على أحمد وقال: لقد انتفعنا اليوم بصحبتك. اهـ. الثالث: قال الخرشي: قال الغزالي: من ستر معصيته في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه، وإذا رأى فاسقا وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه، ولو أخبره عدلان من غير استخبار بأن فلانا في داره خمر فله الدخول من غير استئذان، فلو أخبره عدل وعبدان ففيه نظر، والأولى المنع إذ لا يسقط حق إلا بعدلَيْن. وفي التمهيد: في قوله ﵊: (من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر عنا بستر الله) (١) دليل على أن الستر واجب في خاصة نفسه إذا أتى فاحشة، وواجب ذلك في غيره. اهـ. وقال المواق: قال ابن الحاجب: فإن كانت حقا لله لا يستدام فيه التحريم كالزنى وشرب الخمر فلا يقدح فيه ترك الرفع، ولا يجب إلا في التجريح إن شهد على أحد ابن رشد: الشهادة على ما مضى من الحدود التي لا يتعلق بها حق لمخلوق كالزنى وشرب الخمر لا يلزم القيام بها، ويستحب الستر إلا في المشتهر، ولا تبطل بترك القيام وإن كان مشتهرا اتفاقا، وقال ابن القاسم: في أربعة شهدوا على رجل بالزنى فتعلقوا به ورفعوه للسلطان وشهدوا عليه، لا تقبل شهادتهم ويحدون لأنهم قذفوه، ابن رشد: إنما لم تجز شهادتهم لأن تعلقهم به ورفعهم إياه لا يجب عليهم بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، وقال ﷺ : (من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله) (٢). قال في التمهيد: في هذا الحديث دليل على أن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا أتى فاحشة، وواجب ذلك أيضا في غيره، وقال ابن العربي: إذا رأيته على معصية فعظه فيما بينك وبينه ولا تفضحه، روى النسائي
стр. 8126
وأبو داوود أن النبي ﷺ قال: (من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة من قبرها) (١). وقال ﷺ لهزال: (هلا سترته بردائك) (٢). خرجه أهل الصحيح، ولا أمر ﷺ بقطع السارق، قال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله، فقال: (فهل لا قبل أن تأتيني به) (٣). وكذلك الجِوارُ أَمانَةٌ والجار عليه أمين يَغُضُّ بصره ويُصِمُّ أذنيه ويكف عنه أذاه ويسدل دونه حجابه، فإن رأى عورة سترها أو سيئة غفرها أو حسنة بثها ونشرها، وكان لأبي حنيفة جار إسكاف أي صانع يعمل نهاره أجمع، فإذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحما فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غزل بصوت يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة ليلة صوته فاستخبر عنه، فقيل: أخذه الشرط وهو محبوس، فلما صلى أبو حنيفة الصبح من غد ركب بغلة وجاء الأمير فاستاذن عليه فأذن له وأن لا ينزل حتى يطأ البساط، فلم يزل الأمير يوسع له في مجلسه حتى أنزله مساويا له، فقال: ما حاجتك؟ قال: إسكاف أخذه الحرس ليأمر الأمير بتخليته، قال: نعم، وكل من أخذ معه تلك الليلة، فخلى جميعهم، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي خلفه فلما نزل مضى إليه، وقال: يا فتى أضعناك؟ قال: لا، بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عن حرمة الجار ورعاية الحق، وتاب الرجل مما كان فيه. اهـ. الرابع: إذا شهد واحد على إنسان أنه شرب خمرا ينكل الشاهد. قاله في المدونة. نقله المواق. الخامس: إن تضرر بالرفع سقط عنه كما يسقط التغيير، ولما ذكر عياض شرف ملك ورجوع أشياخه إليه حكى أن ابن هرمز مر بدار بعض أهل الأقدار وهو واقف مع مولاة له فقال له ابن هرمز: إنك على الطريق وهذا لا يحل لك، فقال لعبيده: طئوا بطنه فوطئوه حتى حمل إلى
стр. 8127
منزله، فعاده الناس وفيهم ملك والناس يدعون له وملك ساكت، ثم تكلم فقال: إن هذا لم يكن لك أن تأتي إلى رجل من أهل القدر على باب داره مع حشمه ومواليه، فقال له ابن هرمز: أفتراني أخطأت؟ فقال: إي والله. وقيل لملك: الرجل عنده علم بالسنة يجادل عليها؟ قال: لا يُخْبرُ بالسنة فإن سمع منه وإلا سكت. قيل: فينصح السلطان؟ قال: إن رجا أن يسمعه وإلا فهو من ذاك في سعة. اهـ. السادس: إذا كان ذو الدار بالمنكر (١) والجيران يتضررون به الفقه أنه لا يقنحم عليه في الدار، ولكن ترفع الشكوى به للقاضي ويعذر له، ثم تكرى عليه من غير أن يقذف أو يكشف. انظر المتيطي. اهـ. قاله المواق. السابع: إذا عرف انفراد رجل بعمل معصية أو اجتماعهم لذلك فإنه يتعين على من عرف ذلك تنفيرهم عن ذلك بكل حال وتغييره، وإن لم يتفق له ذلك إلا بكشفه لمن يعينه أو السلطان. قاله الحطاب.
بخلاف الحرص على التحمل كالمختفي، راجع لقوله: ولا إن حرص على القبول؛ يعني أن الحرص على التحمل ليس كالحرص على القبول، فإن الْحِرْصَ على التحمل لا يقدح في الشهادة، ومثلوا لذلك بالمختفي عن شخص ليسمع إقراره فيشهد عليه، قال الخرشي: قال أشهب وعيسى بن دينار وعامة أصحاب ملك: إن الحرص على تحمل الشهادة لا يقدح فيها، وهذا هو المشهور، قيل لملك: في رجل يقر خاليا أفيجوز أن أقعد لها [مختفيا] (٢) لأشهد عليه؟ قال: إن تحقق الإقرار كما يجب فليشهد. وقوله: بخلاف الحرص لخ، بشرط أن يعلم أنه غير خائف ولا مخدوع، ولا ينبغي للشاهد أن يفعل هذا، ولا يفعله كامل المروءة. اهـ. وقال التتائي: بخلاف الحرص على التحمل كالمختفي أي المتواري عن المشهود عليه ليشهد على إقراره، فالمشهور العمل بها ولا يضر الاختفاء، وعليه ملك وعامة أصحابه، وعن ملك أيضا: لا يشهد حتى يقول المشهود عليه اشهد علي بكذا. قاله الشارح. وقال البناني عند قوله: كالمختفي أي فتقبل شهادته بناء على جواز تحمل الشهادة على المقر من غير أن يقول: اشهد به عليَّ بشرط أن يستوعب كلامه هذا الذي به العمل كما في المفيد والتحفة وهو المشهور كما في المواق، وأطلق
стр. 8128
المص في قبولها من المختفي وهو مقيد كما في النوادر بأن لا يكون مخدوعا أو خائفا وإلا فلا تقبل. قاله ابن مرزوق. ونقل ابن الحاجب القيد عن محمد، وقال في التوضيح: وليس قول محمد بقيدٍ للمشهور بل هو من تمامه. اهـ. قوله: وإلا فلا تقبل قاله ابن مرزوق لخ، ظاهره وإن أنكر الإقرار جملة، وليس كذلك بل محل ذلك إذا اعترف بذلك الإقرار واعتذر عنه بما ذكر، هذا الذي يفيده نقل ابن مرزوق عن النوادر، وهو مصرح به في كلام الحطاب، فانظره. اهـ. قاله الرهوني. ولابن عاصم رحمه الله تعالى:
ويشْهد الشاهد بالإقرار … من غير إشهاد على المختار
بشرط أن يستوعب الكلاما … من المقر البدء والتماما
ولا إن استبعد معطوف على قوله: ولا إن حرص؛ يعني أنه لا تقبل شهادة العدل حيث استبعد إشهاده في شيء؛ أي إن كان الناس يعدون إشهاده في ذلك الشيء بعيدا عادة أي كان مستغربا، فاستبعد مبني للمفعول والنائب ضمير العدل على حذف مضاف أي إشهاده، ومثل لذلك بقوله: كبدوي لحضري؛ أي مثال ذلك أن يشهد بدوي لحضري بأن حضريا آخر أو بدويا أشهده في الحاضرة أن لفلان الحضري قبله كذا، فإن هذه الشهادة تُردُّ لما فيها من التهمة بالاستبعاد المذكور، فإن تَرْك الحضري التوثقة لنفسه بإشهاد عدول الحاضرة الذين يجدهم مهمى احتاج إليهم وتعدية ذلك إلى إشهاد أهل البادية الذين يتعذر إليه الوصول إليهم ريبة، قاله ابن مرزوق، والأصل في اعتبار هذا المانع ما خرجه أبو داوود من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجوز شهادة بدوي على حضري) (١)؛ قال في البيان: بعض من أجاز الشهادة عليه وصحح الحديث تأوله على أهل البادية الذين لا يجيبون إذا دعوا وليسوا
стр. 8129
على [شرط العدالة] (١) من أهل الحاضرة وليس ذلك [بشيء] (٢) والأنقال لا تجوز شهادة البدوي مطلقا. اهـ قاله ابن مرزوق. وقال النسائي: هذا الحديث ليس بالقوي، ولما كان معارضا لعموم قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ خصصوا عمومه بحمله على أن المراد به إشهاد الحضري في الحضر للبدويين، ويبقى معمولا به في غير ذلك جمعا بين الأدلة، وهذا تأويل ملك، ولما كان الذي حعله على هذا التأويل الاستبعاد المذكور قصر الرد على قصد الإشهاد، لزم من ذلك قبولها إن مر أو سمع وفيما لا يقصد فيه الإشهاد كالغصب والقتل، ولهذا قال.
بخلاف إن سمعه أو مر به؛ يعني أن البدوي إذا سمع الحضري يقر في الأقوال في الحضر أو رآه في الأفعال أو مر به الحضريان في السفر فيقر أحدهما للآخر فإنه لا استبعاد في شهادة البدوي حينئذ فتقبل، وقوله: مر، إما مركب فيشمل ما إذا مر به أو مر بهما، وإما بسيط وضمير الفاعل يعود على البدوي أو الحضري، انظر الخرشي قال الخرشي: بخلاف إن سمعه في الأقوال أي أو رآه في الأفعال أو مر البدوي عليهما وهما يتقاران، وكذلك استشهاده له في السفر، ومثله الأمور التي يطلب فيها الخلوات والبعد عن العدول، وقوله: كبدوي لحضري، الحضري هنا شامل للقروي والمصري. اهـ. وقال الخرشي: يعني أن الاستبعاد يمنع من قبول الشهادة لمخالفة العادة، كشهادة البدوي للحضري على حضري لقوله ﵊: (لا يشهد بدوي على حضري)، وفي طريق آخر [على صاحب قرية] (٣) أي فيما يستبعد كالأموال، وأما الحرابة والقتل والقذف والجرح وشبهه فلا استبعاد، والاستبعاد الاستغراب بأن يستغرب شهادة هذا لهذا، وهو هنا عدوله عن أهل الحاضرة ويشهد أهل البادية، وقوله: كبدوي؛ أي تحملها في الحضر لأنه هو الذي يحصل به الاتهام، وأما لو تحملها في البادية فتقبل، والضمير في استبعد للاستشهاد والسين للطلب أي لطلب الشهادة للحضري من البدوي، فشهادة البدوي للحضري من غير طلب مقبولة لأنه لا استبعاد فيه. اهـ.
стр. 8130
وقال عبد الباقي: ولا إن استبعد الإشهاد أي طلب الشهادة أي استغرب كبدوي يشهد في الحضر في الأموال لحضري قروي أو مصري على حضري، ولذا عدل عن خبر: (لا يشهد بدوي لقروي) كما في الرواية لرواية (لا يشهد بدوي على حضري)، وحملها ملك على طلبها منه؛ لأن ترك شهادة الحضري ريبة واستغراب، وأما تحملها منه في الحضر على حضري بحرابة أو قتل أو قذف أو جرح أو شبهه فلا استبعاد، وأما السين في المص فللتأكيد، وصرح بمفهوم طلب الإشهاد بقوله: بخلاف إن سَمِعَه في الأقوال؛ أي سمع البدوي الحضري يقر لحضري، وكذا إن رآه في الأفعال يغصب مثلا لحضري مالا أو مر بالبناء للمفعول به؛ أي مر حضريان في سفر ببدوي فيشهد في الأموال ولو استشهد وكذا في الدماء والجراح وحيث تطلب الخلوات والبعد عن العدول فيشهد، كما في المواق. اهـ.
وقال الشبراخيتي: ولا إن استبعد وقوع مثله عادة بأن يكون على خلاف ما جرت به العادة، والاستبعاد الاستغراب استبعد أي الاستشهاد أي طلب الشهادة، وأما شهادة البدوي للحضري من غير استشهاد فهي مقبولة لا استبعاد فيها. انتهى. يعني قوله: بخلاف إن سمعه يقر في الأقوال أي أو رآه في الأفعال، أو مر الحضري أو البدوي، وفي بعض النسخ: مرَّا؛ أي المدعي والمدعى عليه به، ومثله استشهاده في السفر، ومفهوم كلام المص قبول الحضري على البدوي. انتهى. قاله الشبراخيتي أيضا.
وقال ابن مرزوق: قال في النوادر: قال محمد بن عبد الحكم: تأول ملك ذلك؛ يعني الحديث في الحقوق إذا شهدوا في الحاضرة للتهمة في إشهادهم وترك من معه من أهل الحضر؛ وأجازها في الدماء والجراح وحيث يطلب الخلوات والبعد من العدول، وقال مثله في العتبية والمجموعة، وزاد في المجموعة: فأما إن شهدوا في البادية على القروي فجائز كما لو حضرته الوفاة بها فيوصي أو يبيع فيها أو يبتاع، وقال عنه ابن القاسم في هذه الكتب: ولذلك لو انقطع إليها بالسكنى فشهادتهم له جائزة. اهـ.
стр. 8131
والحاصل أن شهادة البدوي في الحضر لحضري أو بدوي لا تجوز فيما يقصد الإشهاد عليه من عقود معاوضة ووصية وتدبير وعتق وشبهه، فلا تجوز شهادة البدوي في الحضر لحضري على حضري أو بدوي ولا لبدوي على بدوي أو حضري وتجوز فيما لا يقصد الإشهاد عليه كالجراح والقتل والزنى وشرب الخمر والضرب والشتم وشبهه والإقرار، وتجوز فيما يقع بالبادية من ذلك كله على حضري أو بدوي، فعلى هذا لو حضر أهل بادية شيئا مما يقع في الحاضرة بين أهلها وغيرهم من معاملة وغيرها دون أن يُحْضَرُوا لذلك ويُقْصَدَ إلى إشهادهم فشهدوا بما حضروا جازت شهادتهم إن كانوا عدولا، وأما شهادة الحضري على البدوي فتجوز وفيها خلاف ذكره في التوضيح. والله سبحانه أعلم.
فائدة: قال في الذخيرة: البدوي منسوب إلى البادية وهي من بدا إذا ظهر فإن البرية لا تخفى شيئا، والقروي منسوب إلى القرية وهي الدور المجتمعة من قريت الماء في الحوض جمعته، فكل مدينة قرية لأن المدينة من الإدانة وهي الطاعة، فإذا كان في القرية من يطاع من وُلاة الأمر فهي مدينة. قاله الخرشي.
ولا سائل في كثير، يعني أن السُّؤّال لا تجوز شهادتهم في الحق المالي إذا كان كثيرا وتجوز في التافه، فقوله: "في كثير" متعلق بمقدر أي شهد في كثير، وقوله: "ولا سائل في كثير" ينبغي كما قال الشارح أن يكون هذا إذا قصد للشهادة، وأما إذا سمعه يقول أو مَرّ بهما وهما يتنازعان فأقر أحدهما للآخر بكذا فتقبل شهادة السائل في الحق الكثير، وقوله: "ولا سائل في كثير" المانع في هذه الاستبعاد كالتي قبلها. قاله غير واحد. وقال الخرشي: وأما لو كانت في جراح أو قتل عمد فتقبل شهادته إذ لا استبعاد حينئذ. انتهى. وقوله: "ولا سائل في كثير" المراد بالكثير ما لم تجر العادة باستشهاده فيه وترك الأغنياء. قاله الخرشي.
وقال ابن مرزوق: يعني ولا تقبل شهادة العدل أيضا إن كان فقيرا يسأل الناس الصدقة إن شهد في شيء كثير مما له بال، ومفهومه أنه يقبل في الشيء التافه الذي لا بال له. اهـ. وقال عبد الباقي: ولا سائل صدقة لنفسه غير زكاة لا تقبل شهادته في كثير، فهو متعلق بمقدر كما قررنا لا بقوله: "سائل"، وتجوز في التافه اليسير ثم الكثير ما لم تجر العادة باستشهاده فيه وترك
стр. 8132
الأغنياء، ومنعت للريبة والتهمة وللاستبعاد أيضا، فيجري فيها قوله: بخلاف إن سمعه كما استظهره اللخمي، فكلامه مع قصد الشهادة منه أيضا. ولو قال: أو سائل في كثير لكان أظهر لأنه من الاستبعاد أيضا كما علمت. اهـ.
وقال الشبراخيتي: ولا تجوز شهادة فقير سائل لجميع الناس لا فرق بين الشريف وغيره إن شهد في شيء كثير وهو ما لم تجر العادة باستشهاده فيه، وترك الأغنياء لأن الشيء الكثير إنما يقصد في توثيقه بخلاف الشيء القليل، ولأن الفقر وشدة الحاجة قد يحمل على أخذ الرشوة فتقوى تهمة الرد غالبا للأغنياء فالعدول عنهم إلى الفقراء ريبة، وظاهر كلام المص سواء سأل لمصيبة نزلت به أم لا. انتهى.
وقال التتائي: لا تجوز شهادة فقير سائل إذا شهد في شيء كثير لأن مثله لم تجر العادة باستشهاده فيه وترك الأغنياء المشهورين، وقيده اللخمي بما إذا قصد إلى إشهاده، وأما لو قال مررت بهما يتنازعان فأقر فلان لفلان بكذا فإنه يقبل كما في الفرع السابق، ولم يذكر المؤلف هذا التقييد وظاهر كلام المص سواء سأل لمصيبة نزلت به أم لا. وقال ابن كنانة: من سأل الناس لمصيبة نزلت به أودية عليه لم ترد شهادته، وفهم من قوله: "في كثير" أنه تقبل شهادة في القليل، ونحُوه قول المدونة: لا تجوز شهادة السُّؤّال إلا في التافه اليسير فيجوز إذا كان عدلا. انتهى.
بخلاف من لم يسأل يعني أن الفقير المتعفف الذي لا يسأل أحدا تقبل شهادته في الكثير وغيره، سواء كان يأخذ إذا أعطي أو لا. قاله التتائي. وقال المواق: قال ابن يونس: قال بعض أصحابنا: تجوز شهادته وإن كان يقبل الشيء ممن يعطيه من غير مسألة؛ لأنه قد جاء: (ما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله) فهو خارج عن السؤال، وذكر اللخمي هذا اختيارًا لنفسه وابن يونس أقدم. انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف من أي فقير لم يسأل لكنه يقبل إذا أعطِيَ. قاله أحمد. وقال الشبراخيتي: بخلاف من لم يسأل سواء كان يأخذ إذا أعطي أو لا فإنه يقبل.
стр. 8133
انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الشخص الذي لا يسأل الناس تجوز شهادته في المال الكثير؛ لأن الذي قد جاءك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله: فهو خارج عن السؤال. انتهى.
أو يسأل الأعيان يعني أن من يسأل أعيان الناس لنفسه تجوز شهادته في الشيء الكثير وغيره كمن لم يسأل، وكذا تقبل شهادة من سأل الزكاة ولو لنفسه، وكذا لو سأل لغيره مطلقا. قال عبد الباقي: أو يسأل الأعيان أي الأغنياء أو يسأل صدقة واجبة أو لغيره مطلقا كما لابن ناجي على المدونة. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال التتائي: أو يسأل الإمام أو الأعيان من الناس فإنه يقبل مطلقا في القليل والكثير. ابن الحاجب: على الأصح ومقابله لا يقبل في الكثير، ووقع في نسخة البساطي الأغنياء موضع الأعيان. فقال: أي تجوز شهادة من يسأل من لا يكون السؤال منه داعيا إلى ما يدعو إليه السؤال من غيره كالملوك والأعيان، إذ لا بد للناس من سؤالهم، وعبر عنه المؤلف بالأغنياء وفيه شيء. اهـ. وقال الخرشي: وكذلك من يسأل أعيان الناس وأشرافهم فتجوز شهادته ولو في الحق الكثير. قال الجوهري: أعيان القوم سراتهم وأشرافهم. اهـ.
وتحصل مما مر عن المص أن الأقسام ثلاثة: من يسأل الناس في الواجبة وغيرها لا تقبل شهادته في الكثير وتقبل في القليل من لم يسأل يقبل في الكثير والقليل، من يسأل الأعيان يقبل في القليل والكثير وهذا فيمن سأل لنفسه، وأما من يسأل لغيره فيقبل في القليل والكثير، ومثله من لا يسأل إلا الواجبة. والله تعالى أعلم.
ولا إن جر بها نفعا كعلى موروثه المحصن بالزنى يعني أنه لا تقبل شهادة العدل أيضا إن اتهم في شهادته على أنه يجر بها إلى نفسه نفعا، كما لو شهد الشاهد على من يرثه بأنه زنى والحال أنه أتي الموروث محصن. قال الخرشي: والمعنى أن الإنسان إذا جر بشهادته نفعا فإنها لا تقبل للتهمة؛ كما إذا شهد على موروثه المحصن بالزنى فإن شهادته لا تجوز لاتهامه على قتله ليرثه، وسواء كان الشهود كلهم ورثة أو بعضهم ممن لا تتم الشهادة إلا به، وسواء كان الموروث أباه أو أخاه أو ولده، واحترز بالمحصن من الموروث البكر فإن شهادته عليه جائزة إذ لا تهمة حينئذ وكوصي شهد بدين للميت. الشيخ: لأنه يجر بذلك النظر في المال. قال في المدونة: وإن كانوا كبارا يلون أنفسهم فتجوز شهادته لأنهم يقبضون لأنفسهم. انتهى. ابن يونس: قال ابن
стр. 8134
القاسم: لو شهد أربعة على أبيهم بالزنى ردت شهادتهم ولا يرجم لأنهم يتهمون على إرثه، [ويحدون]. (١) انتهى. وقال عبد الباقي: ولا إن جر بها نفعا كعلى أي كشهادته على موروثه المحصن الغني بالزنى فإن شهادته لا تجوز لاتهامه على قتله ليرثه، سواء كان الشهود كلهم ورثةً أو بعضهم ممن لا تتم الشهادة إلا به، واحترز بالمحصن عن موروثه البكر فإن شهادته عليه جائزة لعدم التهمة حينئذ. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: لو شهد أربعة بالزنى على أبيهم ردت شهادتهم ولا يرجم لأنهم يتهمون على إرثه [ويحدون]. (٢) وقال أشهب: إن كان الأب عديما جازت شهادتهم إن كانوا عدولا ورجم الأب.
أو قتل العمد هذا من أمثلة الجر يعني أن الشاهد إذا شهد على موروثه أنه قتل أحدا عمدا أي قتل قتلا موجبا للقصاص، فإن شهادته ترد لأنه جر بشهادته نفعا وهو إرثه لوروثه إذا اقتصر منه وقوله: "أو قتل" عطف على "بالزنى"، لكن لا مفهوم للمحصن بالنسبة لهذا؛ أي شهدا (٣) بقتل موروثه لشخص عمدا، سواء كان الموروث محصنا أو غير محصن.
إلا الفقير يعني أنه تصح شهادة الوارث على موروثه المحصن بالزنى أو على موروثه بالقتل عمدا إذا كان الموروث فقيرا لانتفاء تهمة الجر حينئذ والله تعالى أعلم. وقوله: "إلا الفقير" هو مستثنى استثناء متصلا كما هو واضح. قاله البناني. وقال عبد الباقي: إلا الموروث الفقير فإن شهادة وارثه عليه بالزنى والقتل عمدا جائزة لعدم اتهامه حينئذ على نفعه فتجوز شهادته عليه، ولو أنفق الشاهد عليه على المعتمد، ودخل بالكاف قول النوادر: من حلف لغريمه بالعتق ليقضينه حقه لأجل كذا فحنث فقام رقيقه فشهد له الطالب، فترد كما رواه أشهب عن مالك ودخل بها أيضا شهادة رب دين على مدين أنه حلف بطلاق زوجته ليقضينه إلى أجل كذا ويشهد عليه بذلك بعد مضي الأجل عند دعوى زوجته أنه وقع عليه الطلاق، فإنه لا تجوز شهادته قاله مالك ابن رشد: لأنه لما لم تجز قبل الأجل لتهمة طلب تعجيل دينه لم تجز بعده لاحتمال أن يكون قد
стр. 8135
ادعى عليه قبله وأراد بعده أن يحقق دعواه السابقة، والأظهر عندي جوازها بعده لأنه لم يبق إلا الحنث، فلا تهمة في طلب تعجيل الحق. انتهى. ودخل بها أيضا شهادة سيد وحده أو مع غيره بطلاق عبده لامرأته [الأمة] (١) له أو لغيره أو الحرة لأنه عيب يتهم على إزالته. انتهى.
تَنبيهَاتٌ: الأول: قوله: والأظهر عندي جوازها لخ، قال البناني: الظاهر أن بحث ابن رشد يجري في مسألتي العتق والطلاق. انتهى. وقوله: وتجوز شهادته عليه ولو أنفق عليه الشاهد على المعتمد. قال البناني: انظر من قال هذا؟ والذي في المواق عن ابن رشد في شهادتهم على الأب بقتله فلانا عمدا أنه يجب قبول شهادتهم بذلك ما لم يتهموا على إرثه أو الراحة من النفقة عليه، ونقل قبله عن ابن اللباد ما نصه لا تجوز شهادتهم وإن كان الأب معدما لتهمتهم على سقوط نفقته عنهم برجمه. انتهى. والله تعالى أعلم.
الثاني: لو شهد اثنان على قاض بأنه حكم بكذا وقد شهدا على ما حكم به، فأظهر الأقوال جواز شهادتهما فيهما، وقيل تبطل فيهما، وقيل لا تجوز على الحكم وتجوز على الأصل. قاله عبد الباقي.
الثالث: قال التتائي عند قوله: "إلا الفقير": وظاهره كان عاجزا عن التكسب بحيث تجب نفقته على الشاهد أوْ لا وهو كذلك، وقال ابن اللباد: لا تقبل على العاجز عن التكسب لاتهام الشاهد على إسقاط نفقته عنه، وهذا إنما يكون في الأب. اهـ. والظاهر أنه لا فرق بين أن يكون الوارث هو الشاهد أو توقف القتل على شهادته بأن يكون هو المزكي لشاهد القتل. انتهى كلام التتائي.
الرابع: قال في الذخيرة عن الموازية: إذا قال حبست على أهل الحاجة من قرابتي حبسا فشهد منهم أهل الغنى، فإن كان الحبس يسيرا بحيث لا ينتفع هؤلاء إن احتاجوا قبلت شهادتهم وإلا ردت.
стр. 8136
الخامس: من العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم فيمن له قِبل رجلين حقٌّ وأيهما شاء أخذه بحقه فأقر أنه قبضه من أحدهما والآخر يقول أنا دفعته إليه فشهادة القابض للدافع ها هنا جائزة؛ إذ ليس له عليه شيء يجر به إلى نفسه شيئا. انتهى. وانظر لو حكم الحاكم في شيء يتعلق بعامة المسلمين كالطريق المورود، هل يقبل فيه عدول من المسلمين أو لا؟ نعم يقبل ولا يقال للشاهد فيه منفعة لأنه لا يمكن إلا كذا.
السادس: إذا شهد شاهد بطلاق امرأة من زوجها فأثبت زوجها أنه كان يخطبها، فهل تسقط بذلك شهادته ولا يلزم الزوج يمين؛ قولان حكاهما في النوادر. قاله الحطاب.
السابع: قال القرطبي في شرح مسلم: يجوز قبول أخبار رسول الله ﷺ من الراوي لها العدل، وإن كان جر لنفسه بذلك نفعا أو لولده أو ساق بذلك مضرة لعدوه، كإخبار علي عن الخوارج. اهـ.
الثامن: في نوازل أصبغ: من شهد شهادة تؤدي إلى حده أنه تسقط شهادته ويحد، كما إذا شهد شاهدان أن رجلا طلق امرأته البتة وأنهما رأياه بعد ذلك يزني بها كالمرود في المكحلة، وقال سحنون: الشهادة ساقطة ولا حد عليهما، قال ابن رشد: وقيل يلزمه الطلاق ويحدان وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وقولُ أصبغ في إيجاب الحد على الشاهدين إن سقطت شهادتهما في الطلاق أظهرُ من قول ابن الماجشون وسحنون. اهـ. قاله الحطاب. والله تعالى أعلم.
أو بعتق من يتهم في ولائه يعني أنه لا تقبل شهادة العدل فيما إذا شهد بعتق عبد يتهم في ولائه، كما لو شهد أن أباه أعتق عبدا ومعه أخوات فلا تجوز شهادته إذا كان العبد ممن يرغب في ولائه؛ لأنه يتهم أن يجر ولاءه إلى نفسه دون أخواته، فإنهن لا يرثن معه ولاء من أعتق آباؤهن وإن كان العبد لا يرغب في ولائه، ككونه شيخا كبيرا فقيرا قبلت شهادته لانتفاء التهمة. قال في المدونة: وإن شهدَا أن أباهما أعتق هذا العبد ومعهما أخوات أو زوجة للأب: فإن لم يتهما في ولائه لدناءته جازت شهادتهما، وإن كان يرغب في ولائه ويتهمان على جره لم تجز شهادتهما.
стр. 8137
انتهى. قاله ابن مرزوق. وقال: ومفهوم كلام المص أن شهادته بعتق من لا يتهم في ولائه جائزة وقد تضمن نص المدونة منطوقه ومفهومه. انتهى.
وقوله: "أو بعتق من يتهم في ولائه" هذا معطوف على إن جر بها. قاله ابن مرزوق. وقال التتائي عند قوله "أو بعتق من يتهم في ولائه": كشهادته أن أباه أعتق عبده فلانا. قال في التوضيح: وقيد ذلك في المدونة بكون العبد ممن يرغب في ولائه، وأن يكون في الورثة من لا حق له في الولاء كالبنات والزوجات، وأن تكون التهمة حاصلة الآن بأنه لو مات الآن لَوَرِثه ولم يذكر ذلك هنا، وكأنه استغنى عنه بقوله: "يتهم في ولائه" ولم يعتبروا هنا ضعف التهمة باحتمال موت الشاهد قبل العبد أو بعده وللعبد من يحوز ماله أو موته عن غير مال؛ لأن للناس رغبةً في انتساب الغلام الفاره أو الغلام أو الصالح إليهم. اهـ.
وقال عبد الباقي: أو شهادة بعتق من يتهم الشاهد في ولائه لغناه أو لعلمه أو صلاحه أو جاهه لرغبة في انتسابهم لمن اتصف بذلك أي شهد أن موروثه أعتق العبد المذكور، زاد في المدونة قيدين آخرين لرد شهادته أحدهما أن يكون في الورثة من لا حق له في الولاء كبنات وزوجات لأن شهادته تؤدي إلى إحرام المذكورات، فإن كانوا كلهم ذكورا قبلت، ثانيهما كون التهمة حاصلة وقت الشهادة بأن يكون لو مات ورثه الشاهد وإلا قبلت، كشهادة أخوين على أخ ثالث لهما أنه أعتق عبده وللمعتق بالفتح أو الكسر ابن، والمراد بالولاء المال. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وتحصل التهمة المانعة بوجود ثلاثة أمور: كونه يرغب في ولائه بأن يكون فارها أو صالحا أو عالما أو كثير المال، وأن يكون في الورثة من لا يرث الولاء كالبنات والزوجات، وأن تكون التهمة حاصلة حين الشهادة، وأما لو كان هناك حين الشهادة شخص يقدَّم عليه كابن العتق بالفتح أو كابن المعتق بالكسر، فإنه لا يقدح ذلك في شهادته، وإذا حصلت التهمة منعت الشهادة ولو كان ميراثه من الولاء قليلا جدا حيث كان عالما أو فارها أو صالحا؛ لأن للناس رغبة في انتساب من يكون كذلك إليهم، ومقتضى كلام المواق أن هذا هو المرتضى وكلام المص في الشهادة في المال، وأما في عِرْضٍ أوْ قصاص فتجوز. انتهى.
стр. 8138
أو بدين لمدينه هذا أيضا من أمثلة الجر؛ يعني أنه إذا شهد العدل بدين لمدينه أي لمن للشاهد عليه دين فإنه لا تقبل شهادته؛ لأنه يتهم أن يكون شهد له بذلك الدين ليتخلص هو من دينه لصيرورة المشهود له مليا بذلك الدين، وإذا صح أن العلة هذه صح تقييد من قيد المسألة بما إذا شهد له بمال كما قال ابن الماجشون ومطرف، وبما إذا لم يكن للمشهود له مال كما قال ابن القاسم وبما إذا لم يكن غير ملد، فإن شهد لديانه بغير المال قبل إذ لا تهمة قال في النوادر: ومن العتبية من سماع ابن القاسم - وهو في كتاب ابن المواز وابن سحنون - والمجموعة قال ابن القاسم: ومن له على رجل دين فشهادته له جائزة إذا كان مليا بما يسأله من الدين، وقاله أشهب، وإن لم يكن معه وفاء لحق الشاهد لم يجز. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: أو شهادة بدين لمدينه عن هبة أو جرح خطإ أو نحوه مما يؤول للمال لاتهامه على أخذ ما يحصل له في دينه، فهذا وما قبله من أمثلة الجر لا بقذف وقتل عمد ونحوه لعدم التهمة، ولو أبدل دينا بمال لكان أشمل كشهادته له بمعين كثوب أو دار، وقُيِّدَ كَلامه بما إذا ألد المدين أو أعسر والدين حال أو قريب الحلول، فإن لم يلد أو لم يقرب حلوله قبلت، وعبر هنا بمدينه، وفيما يأتي بمدان تفننا إذ هما لغتان، وقدم ثالثة وهي مديان، وبقيت رابعة وهي مديون. انتهى.
وقال الحطاب: يعني أن شهادة رب الدين للمديان بدين له على شخص آخر لا تجوز لأنه يتهم أن يكون شهد له بذلك ليقضيه منه ولا خصوصية للدين، وفرضها في التوضيح بما إذا شهد له بعال ويدخل فيه ما إذا شهد له بقضاء دين عليه فإنها شهادة بمال وهو ظاهر الرواية، وأطلق ﵀ في رد شهادته، ولم يفرق بين أن يكون المديان مليا أو معسرا، وتبع في ذلك ابن الحاجب وعلى ذلك اقتصر ابن فرحون في تبصرته، وذكر في التوضيح في ذلك ثلاثة أقوال، الأول: رد شهادته مطلقا، قال: وهو مذهب ابن القاسم. الثاني: إجازتها له وإن كان معدما. الثالث: التفرقة بين أن يكون المديان معدما فتمنع الشهادة وبين أن يكون مليا فتجوز الشهادة، وجعل ابن رشد في البيان القول بالتفرقة بين الملي والمعدم تفسيرا، والقول بالتفرقة منقول عن مالك. انظر الحطاب.
стр. 8139
وقال الشبراخيتي: أو بدين لا مفهوم له، والمراد بمال لمدينه لاتهامه على أخذ دينه منه إن كان المشهود له معسرا أو ملدا وقرب حلوله وإلا قبل، وأما الشهادة في قصاص أو عرض فتجوز. انتهى. وقال الخرشي: ولا بد من تقييده يعني المص بما إذا كان المشهود له معسرا وكان دينه حالا أو قريب الحلول؛ وأما إن بعد فالشهادة له جائزة كما لو كان مليا أو كانت شهادته له غير مال. اهـ. وقوله: "أو بدين لمدينه" منه شهادة رب المال للعامل في القراض. قاله ابن مرزوق. بخلاف المنفق للمنفق عليه يعني أن شهادة النفق للمنفق عليه جائزة إذا كانت نفقته عليه غير واجبة أصالة بل لكونه أجيرا عنده أو تكون نفقته بالالتزام، وسواء كان قريبا أم لا، وأما من وجبت نفقته أصالة فلا لتأكد القرب، بخلاف عكس كلامه وهو شهادته لمن ينفق عليه غير مقبولة لخشية أن يقطع عنه نفقته إذا لم يشهد له. اهـ. قوله: إذا كانت نفقته عليه غير واجبة صحيح؛ لأنها إن وَجَبت أصالة كان متأكد القرب كما هو ظاهر، فلا وجه لانتقاد ذلك.
تنبيه: يتعارض مفهوم قوله: أو لا غير واجبة أصالة، وقوله: آخرا فلا لتأكد القرب فيمن أعتق صغيرا فقيرا فإن مفهومه أولا يفيد عدم صحة شهادته له، ومفهومه آخرا يفيد صحتها والصواب في ذلك التفصيل، فإن شهد له بشيء لا يعود لغناه الموجب سقوط نفقته عنه فشهادته جائزة وإلا فباطلة إلى آخر كلامه. وقال الخرشي: بخلاف النفق للمنفق عليه ما نصه: أي فإن الشهادة جائزة كما إذا كان أجيرا عنده ليس في عياله أي لم تكن نفقته عليه واجبة بطريق الأصالة؛ وسواء كان قريبا أو أجنبيا. انتهى. وقال المواق من المدونة: لا تجوز شهادة من هو في عيال الرجل للرجل. قال ابن حبيب: وأما إن كان المشهود له في عيال الشاهد فتجوز شهادته إذ لا تهمة هنا. انتهى.
وشهادة كل للآخر يعني أنه إذا شهد رجل لغيره بحق، ثم شهد المشهود له للشاهد بحق فإن الشهادتين تقبلان حيث كانتا بمجلسين، بل وإن كانت الشهادة الثانية بالمجلس الذي وقعت فيه الشهادة الأولى بأن كانتا بمجلس واحد، ومحل قبولها فيما قبل المبالغة وفيما بعدها من غير شرط ولا تواطؤ وإلا منعت. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وبخلاف شهادة كل من شاهدين للآخر فتجوز وإن بالمجلس؛ أي سواء شهد كل لصاحبه بمجلس واحد أو أحدهما بمجلس غير
стр. 8140
مجلس الآخر، وسواء كان المشهود عليه واحدا أو متعددا. اهـ. قوله: وسواء كان المشهود عليه واحدًا لخ هذا هو ظاهر المص، وعلى هذا حمل في التوضيح قول ابن الحاجب: وأما شهادة كل واحد منهما للآخر فجائزة على المشهور قائلا: وهو قول ابن القاسم في العتبية وقاله سحنون والشاذ منعها وإليه رجع سحنون، ثم قال: وقول مطرف ثالث، واختيار اللخمي رابع. انتهى. ونقله جسوس بتمامه وإياه اعتمد في الشامل، فقال: ولو شهد كل لصاحبه جاز على المشهور، وثالِثُهَا إن اتحد المشهود عليه مع المجلس لم يقبلا. انتهى. وفي كبير التتائي: وبخلاف شهادة كل من الشهود للآخر، سواء شهد الثاني للأول على المشهود عليه أو على غيره إن لم يكن ذلك بالمجلس الأول، بل وإن كان بالمجلس الأول وهو المشهور وقول ابن القاسم: وقال مطرف وابن الماجشون: لا تقبل في المجلس الواحد إذا شهدوا على واحد، وان كان شيئا بعد شيء جاز وإن كان على رجلين جاز بمجلس أو بمجلسين. اللخمي: ترد مطلقا لتهمة اشهد لي وأشهد لك إلا أن يطول ما بينهما، وظاهر كلام المص سواء كان المشهود به حقيرا أو لا، وأشار أصبغ إلى أنه ينبغي الالتفات للتبريز ولحقارة المشهود به.
البساطي: لهذه المسألة صور، الأولى: أن يشهد الشاهد على رجل بأن عليه لفلان عشرة دراهم ويشهد له فلان المشهود له بأن على الرجل المشهود عليه عشرة دراهم بمجلس واحد، فهاهنا اتحد المشهود عليه والمشهود به والزمان والمكان، فقال مطرف وابن الماجشون: لا يقبلان: وظاهر المص تشهير القبول وهو ظاهر كلام ابن القاسم. الثانِيَةُ: إذا تعدد المشهود عليه والمسألة بحالها فالمذهب القبول ورأى اللخمي عدمه. الثالثة: تعدد المجلس والمسألة بحالها وهي كالتي قبلها فيما تقدم، وحكى المازري فيها الاتفاق ولم يعتبر رأي اللخمي. الرَّابعَةُ: أن يختلف الكل ويطول الزمان ولا يعلم في هذه خلاف في القبول. انتهى. وقد بأن لك مما مر أن المشهور على ما قال غير واحد هو ما مشى عليه المص، لكن قال ابن مرزوق بعد أنقال: فقد ظهر لك من هذه الأنقال أن المشهور قبول هذه الشهادة إذا كان الحق على رجلين أو على رجل في مجلسين، لا ما يعطيه ظاهر المص من قبولها ولو على رجل في مجلس، فإن المازري قال في هذه: ظاهر المذهب على
стр. 8141
قولين المنصوص منهما لمطرف وابن الماجشون ردها، وظاهر كلام أصبغ إمضاؤها. انتهى المراد منه.
والقافلة بعضهم لبعض في حرابة يعني أن القافلة وهم المسافرون الذين جمعهم سفر واحد يشهد بعضهم لبعض على من حاربهم في طريقهم، بأنه حاربه وأخذ ماله أو جرحه أو قتل أو نحو ذلك، فتقبل شهادة بعضهم لبعض في ذلك ولا تقبل شهادة الواحد لنفسه، وإنما قبل بعضهم لبعض للضرورة وإن كانوا يتهمون على اشهد لي وأشهد لك وهو من الجر للنفس، ويتهمون أيضا للعداوة إلا أن في الحرابة حقا لله تعالى، فأشبهت العداوة الدينية وصارت الأموال تبعا والمحاربون إنما يرصدون بمحاربتهم الخلوات وحيث لا يتمكن من الإشهاد عليهم.
قال في كتاب المحاربين من المدونة: وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولا إذ لا سبيل إلى غير ذلك، شهدوا بقتل أو بأخذ مال أو بغيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه وتقبل شهادة بعضهم لبعض. اهـ. وظاهر الأم أن هذه الشهادة تجوز عليهم في ثبوت الحرابة وما بعدها من الأفعال. قاله ابن مرزوق وقال عبد الباقي: وبخلاف شهادة القافلة، وأبدل منه بعضهم لبعض في حرابة على من حاربهم، فيجوز أن يشهد عدلان منهم لبعض بأخذ مال أو نفس أو نسب وهذه وإن كانت فيها شهادة كل للآخر كالسابقة إلا أنه ربما يتوهم في هذه عدم الجواز لا بينهم وبين المحاربين من العداوة الدنيوية فقبلت هنا للضرورة، أو "بعضهم" مرفوع مبتدأ وخبره "في حرابة". اهـ. وقال البناني: والقافلة بعضهم لبعض قيد في المدونة هذا بكون الشهود عدولا وهو ظاهر المص؛ لأن سياقه فيمن تقبل شهادته خلافا للتتائي، وهذا إذا شهدوا في حرابة، وأما إن شهدوا بعضهم لبعض في العاملات، فنقل المواق من رواية الأخوين عن مالك وجميع أصحابه أنهم يجيزونها للضرورة بمجرد توسم الحرية والعدالة في ذلك السفر وحده وإن لم تحقق العدالة وعليه درج في التحفة؛ إذ قال:
ومن عليه وسم خير قد ظهر … زكي إلا في ضرورة السفر
стр. 8142
انتهى. وقال التتائي: وبخلاف شهادة القافلة بعضهم لبعض في حرابة على من حاربوه إذ لا سبيل لغير ذلك، وظاهره سواء كانوا عدولا أو لا لكن في المدونة: إن كانوا عدولا وسواء شهدوا بمال أو قتل أو غيره وفهم من قوله: "لبعض" عدم قبول شهادة الواحد منهم لنفسه وهو كذلك، والقافلة الرفقة لا بقيد رجوعها من السفر لا كما يقوله أهل اللغة، وظاهره سواء قلت أو كثرت. اهـ. وقال الشبراخيتي: وبخلاف شهادة القافلة وهم الرفقة لا بقيد رجوعها من السفرة بل مطلقا لا كما يقوله أهل اللغة بعضهم يقبل لبعض بدل من القافلة في حرابة على من حاربوه، بشرط أن يكونوا عدولا أي بسبب حرابة أي إذا تلفت أموالهم أو تلفت رجالهم بسبب حرابة. اهـ المراد منه.
وقال الخرشي: وأهل المركب تقبل شهادتهم على من حاربهم من أهل مركب لآخر. اهـ. وقوله: "والقافلة بعضهم لبعض في حرابة" هو قوله في المدونة كما رأيت، وحكى ابن عرفة في المسألة أربعة أقوال، ففي المواق: ابن عرفة: في صحة هذه الشهادة في الحد والمال ولو لأنفسهما وردها فيهما ولو بالمال لغيرهما، ثالثها في الحد والمال لغيرهما لا لأنفسهما، ورابعها لا يجوز في ذلك أقل من أربعة. انتهى.
وقال المواق: وعن مطرف وابن الماجشون: رأيت مالكا وجميع أصحابه يجيزون للضرورة شهادة بعض أهل الرفقة على بعض إذا عرض لهم خصام فيما يدور بينهم من البيع والكراء والسلف والمعاملة بتوسم الحرية والعدالة في ذلك السفر وحده، كانوا من بلد واحد أو من بلدان شتى، ولا تجريح للخصم فيهم، ولا تجوز شهادة بعضهم على بعض في الحدود والغصب لأن هذه الوجوه لا شهادة فيها إلا بالعدالة الظاهرة، وإنما أجيزت فيما ذكر لإصلاح السبل وردع الشرار.
لا المجلوبين يعني أن المجلوبين لا تجوز شهادة بعضهم لبعض إلا أن يكثروا ويشهد منهم كالعشرين، قال الخرشي: فأكثر مما يفيد المعلم فتقبل حينئذ ولا تجوز شهادة بعضهم لنفسه، وهل تشترط العدالة في العشرين كما عند التونسي أو لا تشترط كما عند اللخمي؟ وقوله: "المجلوبين" فسروا بأن المراد بهم من يأتون من الكفار مُتَرَافقين إلى بلد الإسلام فيسلمون، وسواء
стр. 8143
جرى عليهم الاسترقاق أم لا، وعلل ذلك باتهامهم على حمية البلد، وفسروا أيضا بأنهم القوم الذين يرسلهم السلطان لسد ثغر أو حياطة قرية أي حراستها أو لقطر من الأقطار. انظر الشبراخيتي.
وقال عبد الباقي: لا المجلوبين كذا في بعض النسخ بياء الجمع وهو مجرور عطف على لفظ القافلة، قال ابن مالك:
وجر ما يتبع ما جر ومن … راعى في الاتباع المحل فحسن
أي لا تجوز شهادة المجلوبين بعضهم لبعض، وفي بعضها بواو الجمع عطف على لفظ بعضهم لبعض على أحد وجهيه المتقدمين أو على القافلة، إذ محلها الرفع لأن التقدير أن تشهد القافلة، قال ابن ملك:
................. ومن … رَاعَى في الاتباع المحل فحسن
إلا أن يكثر الشهود من المجلوبين كعشرين يشهدون على غيرهم إن كانوا عدولا كما قال التونسي. ونحوه للمدونة كما في التتائي خلافا للخمي، وما قررنا من أن المراد أن العشرين يشهدون جميعهم لا اثنان منهم صرح به أبو الحسن في كتاب الاستحقاق، وانظر لو شهد عشرة منهم وحلف المشهود له هل يعمل بذلك في المال أم لا؟ وهو ظاهر كلامهم. وقولي على غيرهم أي أجنبي، وأما لو شهد بعضهم على بعض منهم فيكفي شاهدان. والمراد بالمجلوبين قوم يرسلهم السلطان لسد ثغر أو حراسة قرية أو لقطر من الأقطار أو قوم يأتون من الكفار مترافقين إلى بلد الإسلام فيسلمون، وسواء جرى عليهم الاسترقاق ثم أعتقهم الإمام أم لا، وعلل المنع باتِّهَامهم على حمية البلدية. اهـ. ونحوه للخرشي، وقال: وهذا يقتضي منع شهادة طوائف العسكر الذين قدموا مترافقين بعضهم لبعض، بل التعليل بالحمية يقتضي منع شهادة العسكر على أبناء العرب وإن لم يكونوا مترافقين، وهذا مشاهد منهم في زماننا. اهـ.
стр. 8144
وقال المواق: لا المجلوبين إلا كعشرين، قال مالك في الحصن يفتح فيسلم أهله فيشهد بعضهم لبعض: فإنهم يتوارثون بأنسابهم كما كانت العرب حين أسلمت، وأما العدد القليل يتحملون إلينا فهؤلاء لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يشهد سواهم من تجار أو أسارى كانوا عندهم فيتوارثون بذلك، قال ابن القاسم: والعشرون عدد كثير، وانظر من هذا المعنى ما لابن عات أن أهل البادية إذا شهدوا في حق لامرأة أو غيرها ولم يكن فيهم عدل أنه يستكثر منهم ويقضى بشهادتهم، ونقل البرزلي هذا في نوازله. اهـ.
ولا من شهد له بكثير ولغيره بوصية الباء في قوله: "بوصية" للظرفية؛ يعني أن من شهد أن زيدا مثلا أوصى له أي للشاهد ولغيره بمال، فإن تلك الوصية تبطل في حق الشاهد وغيره حيث شهد الشاهد أنه أوصى له بكثير، سواء شهد أنه أوصى لغيره بقليل أو كثير. وإلا بأن شهد أنه أوصى له أي للشاهد بقليل قبل ما شهد به لهما أي للشاهد نفسه وغيره، وسواء شهد للغير بكثير أو قليل. قال عبد الباقي: ولا من شهد له أي لنفسه بكثير في نفسه بحيث يتهم في ذلك لا بالنسبة إلى ما شهد به لغيره وشهد لغيره بكثير أو قليل بدليل مقابلته، وحذف المتعلق المؤذن بالعموم وكانت الشهادة المذكورة بوصية أي فيها فلا تصح له ولا لغيره للتهمة، والشهادة إذا بطل بعضها للتهمة بطل جميعها، وكشهادة عَتِيقَيْ شخص عليه بأنه غصبهما من آخر مع غصب مال أيضا، فإن شهادتهما في غصب رقابهما باطلة لاتهامهما على إرادة إرقاق أنفسهما والحر لا يجوز له أن يرق نفسه، فتبطل شهادتهما في غصب المال أيضا. وأما إذا بطل بعضها للسنة فيجوز منها ما أجازته فقط؛ كشهادة رجل وامرأتين بوصية بعتق ومال فإنها ترد في العتق لما في المال، وكمسألتنا هذه في بعض صورها في قوله وإلا يشهد لنفسه بوصية بكثير بل بقليل ولغيره بكثير كما في الطخيخي، لا مطلقا كما في التتائي قبل ما شهد به لهما أي لنفسه ولغيره، وحلف الغير معه إن لم يكن له شاهد آخر واستحق وأخذ الشاهد ما أوصِيَ له به؛ لأنه بشهادته لنفسه بيسير في حكم التبع، فإن نكل الغير فينبغي أن يبطل حق الشاهد أيضا لأنه الآن غير تابع، ثم محل قبوله لهما إذا كتبت الوصية بكتاب واحد بغير خط الشاهد بل بخط الميت أو غيره بأمره، فإن كتبت
стр. 8145
بخط الشاهد أو لم تكتب قبلت شهادته لغيره مطلقا لا لنفسه ولو بقليل، كإن كتبت له بكتاب ولمن شهد له بكتاب آخر فإنها تصح للآخر دونه.
ومفهوم قوله: "بوصية" أنه لو شهد لنفسه ولغيره في غير وصية فلا تقبل له ولا لغيره بقليل أو بكثير فيهما للتهمة: والفرق بين الوصية وغيرها أن الوصي قد يخشى معاجلة الموت ولا يجدُ غير المُوصَى له، بخلاف غيره. اهـ كلام عبد الباقي. قول عبد الباقي: فإن كتبت بخط الشاهد أو لم تكتب أصلا قُبِلَتْ شهادته لغيره مطلقا لخ، قال الرهوني: قبول شهادته للغير في اليسير ظاهر، وأما في الكثير فهو أحد قولين وبه صَدَّرَ في المقدمات والأجوبة، وقد أتقن هذه المسألة في المقدمات [وخلصها تخليصا] (١) حسنا، قال فيها: وأما التهمة الحاصلة في بعض الشهادة فإنها تبطل جملة الشهادة على المشهور العلوم في المذهب، مثل أن يشهد رجل أن له أو لابنه ولرجل أجنبي على فلان ألف درهم من معاملة أو سلف أو ما أشبه ذلك.
وقد وقع في المدونة وغيرها في شهادة الشاهد أن رجلا أوصى له ولغيره بوصية مال اختلاف كثير وهي مسألة تنقسم إلى قسمين كل قسم [منها] (٢) لا يخلو من وجهين أحد القسمين أن يكون الموصي أشهد على وصية مكتوبة قد أوصى فيها للشاهد بوصية، ولا يخلو أن يكون ما سمى فيها الشاهد يسيرا أو كثيرا، فإن كان يسيرا ففي ذلك أربعة أقوال، أحدها: أن شهادة الموصى له لا تجوز لنفسه ولا لغيره لأنه يتهم في اليسير كما يتهم فيه في غير الوصية وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة. والثاني: شهادته تجوز لنفسه ولغيره، فإن كان وحده حلف الموصى لهم مع شهادته أن ما شهد به حق وأخذ هو ماله فيها بشهادته مع أيمانهم، لأنه في حيز التبع لجملة الوصية، فإن كان معه غيره ممن أوصى له أيضا فيها بيسير ثبتت الوصية بشهادتهما وأخذ كل واحد منهما ماله فيها من غير يمين، وإن كان الشاهد الذي معه ممن لم يوص له فيها بشيء ثبتت الوصية بشهادتهما أيضا وأخذ هو ماله فيها بغير يمين، وهذا قول ابن القاسم في المدونة ورواية مطرف عن مالك في الواضحة. اهـ. قال الوهوني: وكلامه يوهم أنه لابن القاسم فيها رأيا لا
стр. 8146
رواية، وهو خلاف ما في المواق عن المدونة وابن عرفة وشيخنا الجنوي عن الأجوبة، وخلاف ما قدمناه عن التهذيب ونحوه لابن يونس إلا أنه جعله بلاغا لا سماعا، فلو قال ابن رشد: وهو قول ابن القاسم وروايته في المدونة ورواية مطرف لخ لمسلم من ذلك الإيهام. اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: القَولُ الثَّالِثُ أن شهادته تجوز لغيره ولا تجوز لنفسه، وإن كان وحده حلف الموصى لهم مع شهادته واستحقوا وصاياهم ولم يكن له هو شيء، وإن كان مع غيره ممن أوصى له فيها بشيء يسير أيضا ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواهما، فأخذوا وصاياهم بغير يمين وحلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته، وإن كان معه من لم يوص له فيها بشيء ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواهم وحلف هو مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته وهو قول ابن الماجشون في الواضحة. والرابع: أن شهادته تجوز له ولغيره إن كان معه شاهد غيره، فتثبت الوصية بشهادتهما ويأخذ ماله فيها بغير يمين، وتجوز لغيره ولا تجوز لنفسه إن لم يكن معه شاهد غيره، فيحلف غيره مع شهادته ويستحق وصيته ولا يكون له هو شيء، وهو قول يحيى بن سعيد في المدونة، وإن كان الذي فيه للشاهد كثيرا فلا تجوز شهادته لنفسه ولا لغيره في المشهور، وتجوز شهادته لغيره ولا تجوز لنفسه على قياس قول أصبغ في نوازله من كتاب الشهادة في العبدين يشهدان بعد عتقهما بأن معتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار أن شهادتهما تجوز في المائة ولا تجوز في غصب رقابهما؛ لأنهما يتهمان على أن يريدا إرقاق أنفسهما ولا يجوز لحر أن يرق نفسه إذ يقوم من قوله في هذد المسألة أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة جاز منها ما لا تهمة فيه وهو خلاف المشهور العلوم. ثاني القسْمين: أن يشهد الوصي على وصيته لفظا بغير كتاب، فيقول لفلان كذا ولفلان كذا لأحد الشهود، فلا يخلو أيضا أن يكون الذي أوصى به لأحد الشهود كثيرا أو يسيرا، فإن كان يسيرا فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق وتجوز لغيره، فإن كان وحده حلف الموصى لهم مع شهادته واستحقوا وصاياهم، وإن كان مع غيره ممن يشهد لنفسه بيسير أيضا حلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه واستحق وصيته وأخذ من سواهما وصاياهم بشهادتهما دون يمين، وإن كان معه
стр. 8147
غيره ممن لم يشهد لنفسه بشيء حلف هو معه واستحق وصيته وأخذ من سواه وصيته بشهادتهما دون يمين، وإن كان الذي شهد به لنفسه كثيرا فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق وتجوز لغيره على قول مطرف وابن الماجشون، ولا تجوز على ما في سماع أشهب من كتاب الشهادات، فإن لم يكن معه غيره على ورهب ابن الماجشون ومطرف حلف الموصى لهم واستحقوا وصاياهم بأيمانهم مع شهادته، وإن كان معه غيره ممن يشهد لنفسه بكثير أيضا حلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه، فاستحق وصيته إن لم تكن شهادة كل واحد منهما لصاحبه في مجلس واحد على مذهبهما في الشهود يشهد بعضهم لبعض أن شهادتهم لا تجوز إن كانت لرجل واحد في مجلس واحد وأخذ من سواهما وصيته بشهادتهما دون يمين.
واعلم أن المشهور من المذهب أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة ردت كلها، وقد قيل إنه يجوز منها ما لا تهمة فيه على قياس قول أصبغ الذي حكيناه، والمشهور في المذهب أيضا أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة جاز منها ما أجازته السنة، وقد قيل: إنها ترد كلها وذلك قائم من المدونة، وأما إن لم يأت الشاهد بالشهادة على وجهها وسقط من حفظه بعضها فإنها تسقط كلها بإجماع. انتهى.
وتَحَصَّل من كلام ابن رشد ثلاثة أقسام في بطلان بعض الشهادة، فإن كان للتهمة بطلت كلها هذا هو المشهور، وإن بطل بعضها للسنة، كما لو شهد رجل وامرأتان بعتق ومال بطل منها ما أبطلته السنة وهو العتق لتوقفه على عدلين ذكرين وصح منها ما صححته السنة وهو الشهادة بالمال هذا هو المشهور، وقيل ترد كلها. الثالث أن يبطل بعضها لسقوطه عن حفظ الشاهد فتبطل كلها بإجماع على ما قال ابن رشد، وقد مضى الخلاف بصحتها في الأقل المحقق ففي الإجماع نظر. والله تعالى أعلم. وإذا لم يصح الإجماع فلا أقل من أن يكون هو المشهور كما مر. واعلم أن تخريج
ابن رشد على قول أصبغ المار في العبدين يعتقان ثم يشهدان بأن معتقهما غصبهما مردود بأن منع قبول شهادتهما ليس للتهمة بل للسنة؛ لأن قبول شهادتهما في غصبهما يؤدي ثبوته لنفيه لبطلان الشهادة بالرقية. انظر الرهوني.
стр. 8148
تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة: المازري: وبعض أشياخي يرى أن لا وجه لهذا التفصيل بين كون الوصية نطقا أو مثبتة في كتاب، قلت: هو قول اللخمي في تبصرته. اهـ. قاله الرهوني.
الثاني: في المقرب: شهادة الوصي على الميت جائزة، وإن شهد بدين للميت على أحد لم تجز شهادته لأنه يجر إلى نفسه إلا أن يكون الورثة كلهم كبارا مرضيين، ولا يجر بشهادته إلى نفسه شيئا فشهادته جائزة. وقال مالك: وإن شهد وَصِيًّا ميت أن الميت أوصى لفلان جازت شهادتهما: وقال غيره: وهذا إذا ادعى ذلك فلان ولم يكن لهما فيما شهدا به شيء يجرانه إلى أنفسهما، وكذلك شهادة الوارثين في مثل هذا إذا شهدا أن الميت أوصى لفلان. وقال في كتاب الشهادات من المدونة: وتجوز شهادة الوصيين والوارثين بدين على الميت. ابن يونس: مع يمين الطالب أنه ما قبض منه شيئا ولا سقط عنه بوجه ما. انتهى. قاله الامام الحطاب.
الثالث: قول المص: "ولا من شهد له" قال البناني: الأولى تجريده من لا إذ هو من سلك ما قبله، ثم فيه تعدي فعل الفاعل المتصل إلى ضمير المتصل، وذلك خاص بأفعال القلوب. قاله مصطفى. قلت: لا يبعد إجراء شهد مجرى أفعال القلوب لرجوعه للعلم. اهـ.
الرابع: قد علمت أن مفهوم قوله: "بوصية" أنه لو شهد لنفسه ولغيره في غير وصية أن الشهادة باطلة للشاهد ولغيره، ومحل البطلان إن لم تكن عامة وإلا قبلت. نص عليه غير واحد منهم. أبو الفضل: عياض: صدر كتابه الإكمال، فإنه قال بعد كلام: ولهذا تعمل الشهادة العامة كيف كانت ولا نردها بظنة منفعة ولا عداوة، كالشهادة على العدو من أهل الكفر على الأمور العامة للمسلمين في سككهم ومرافقهم وإن كان الشاهد واحدا منهم. اهـ. قاله الرهوني.
الخامس: قال الرهوني: وقعت نازلة وهي قوم نترعوا في أرض يغرسونها وهم يدعون ملكيتها، فنازعهم جيرانهم وزعموا أنها حريم لهم قريب جدا، وشهد لهم بذلك بعض مدشرهم، (١) فأفتى بعضهم ببطلان الشهادة وبعضهم بصحتها والصواب مع الأول، وقال التتائي: قال ناصر الدين بن المُنَيِّر:
стр. 8149
يشهد في المضمون بالوصية … وحظه الأقل في القضية
فاقبله للغير وللنفس معا … واجعل قليله الحقير تبعا
خصيصة خصت بها الوصايا … لبغتة المنون للبرايا
وانظر على تفريعنا أن تسمعه … لو حلفوا عند انفراده معه
هل يأخذ الذي له لا يحلف … ما ذاك إلا نادر يستطرف
أو يحلف الشاهد مع شهادته … كل عجيب في خلاف عادته
ولا إن دفع يعني أن العدل إذا دفع بشهادته عن نفسه ضررا فإن شهادته لا تقبل. قال الخرشي: والمعنى أن من موانع قبول الشهادة أن يدفع بها عن نفسه ضررا، وقال الشبراخيتي: ولا إن دفع الشاهد بشهادته ضررا لولاها لناله، ومثَّل لذلك بمثالين أحدهما قوله: كشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل يعني أنه إذا شهد شاهدان مثلا على زيد أنه قتل عمرا خطأ، فشهد شاهدان من عاقلة زيد القاتل خطأ بفسق الشاهدين على القتل خطأ، فإنه لا يلتفت إلى شهادة الشاهدين بالفسق لاتهامهما على إرادة أن يدفعا الغرم عن أنفسهما. قال عبد الباقي: ولا إن دفع الشاهد بشهادته ضررا عن نفسه كشهادة بعض العاقلة للقاتل خطأ بفسق شهود القتل أي الشهود الذين يشهدون بأنه قتل خطأ إلا أن يكون البعض فقيرا، بحيث لا يغرم شيئا من الدية، واستغنى عن تقييده بذلك لقوله: "دفع"، وعن تقييد القتل بالخطإ بقوله: "العاقلة" لأنها لا تحمل عمدا ولا ما دون الثلث كما يأتي. وظاهر كلامه سواء شهد بفسقه بعد أداء شهود القتل وقبل الحكم أو بعدهما معا. اهـ. قوله: إلا أن يكون البعض فقيرا لخ أصل هذا القيد لابن عبد
стр. 8150
السلام بحثا وجزم به في التوضيح، وقد أبقى الخرشي كلام المص على إطلاقه وذلك غير صواب. اهـ. وقوله: "بفسق" أي بشيء من المجرحات كالتغفل والعداوة. انظر الشبراخيتي.
أو المدان المعسر لربه هذا هو المثال الثاني لدفع الضرر، والضمير في "لربه" راجع للدين المفهوم من المدان. والمدان بضم الميم وتخفيف الدال وهو الذي عليه الدين يعني أن من عليه الدين، إذا كان معسرا فإنه لا تجوز شهادته لرب الدين بمال ولا بغيره؛ لأن غير المال قد يكون أهم خلافا لنقل ابن زرقون، فإن كان موسرا لا يستضر بدفع ما عليه فإن شهادته جائزة لصاحب الدين شهد له بمال أو غيره. قوله: "المعسر" قال المؤلف: ينبغي أن يقيد المنع من شهادته بما إذا لم يثبت عسرُه، وإلا جازت شهادته لأنه يجب إنظاره فلا يخاف الضرر بالسجن ونحوه. فقوله: "المعسر" في نفس الأمر ولم يثبت عسره فيخشى من رب الدين أن يضيق عليه أو يحبسه. انظر الخرشي. وقال عبد الباقي: أو شهادة المدان المعسر لربه أي الدين بمال أو بغيره كقصاص أو فيما يتعلق بعرضه أو نسبه فلا تجوز إن حل الدين أوقرب حلوله ولم يثبت عسره، فإن ثبت جازت ولو حل الأجل. فقوله: "المعسر" أي في نفس الأمر وهو ملي في المظاهر، فإن كان عسره ثابتا عند الحاكم جازت شهادته لأنه لا يخشى حبسا حينئذ كما تجوز من ملي وحل الحق. اهـ. وقال البناني: قال في التوضيح: وفسر أي الباجيُّ الغني بأن لا يستضر بإزالة هذا المال، وأما إن كان يستضر بأخذه منه فترد شهادته خليل: وينبغي أن يقيد العسر هنا بأن يكون إعساره ثابتا عند الحاكم. اهـ. وقد علمت به أن المراد بالإعسار أن تكون عليه مضرة بأداء ما عليه وإن كان مليا به، وأن ذلك يُقَيد بالثبوت عند الحاكم ليبطل شهادة الشاهد، وبذلك تعلم ما في كلام الزرقاني. والله تعالى أعلم.
قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر ما لعبد الباقي. والله تعالى أعلم.
ولا مفت على مستفتيه إن كان مما ينوى فيه يعني أنه لا تجوز شهادة المفتي على من استفتاه فيما استفتاه فيه إن كان المستفتى فيه مما ينوى فيه المستفتي، ولو أقر به المستفتي عند القاضي أو أسرته البينة لحكم عليه وألغى نيته، كما إذا حلف بالطلاق أن لا يكلم زيدا وكلمه بعد عشرة أيام مثلا وادعى نية ذلك عند الحلف، فإذا طلبت الزوجة الفتي ليشهد لها عند القاضي على
стр. 8151
زوجها بما سمعه منه فإنه لا يجوز له أن يشهد عليه؛ لأن الفتي يعلم من باطن اليمين خلاف ما يقتضيه ظاهرها، وأما الشيء الذي لا ينوى فيه فإن على المفتي أن يرفع كما إذا أقر عند القاضي بطلاق زوجته.
وإلى ذلك أشار بقوله: وإلا بأن كان الذي استفتاه فيه لا ينوى فيه أو لم يستفته، بل أقر عنده بطلاق أو حد مما ليس له رجوع عنه رفع شهادته على التفصيل السابق من كونه محض حق لآدمي ومحض حق الله إن استديم تحريمه أو لم يستدم على ما مر. قال عبد الباقي: ولا يشهد مفت ولا حاضر عنده كما في التتائي على مستفتيه فيما استفتاه فيه بالفعل إن كان الإفتاء فيما ينوى أي تقبل نية الحالف فيه في الفتيا، كحلفه بالطلاق لا كَلَّمَ زيدا وكلمه بعد أيام مثلا وادعى نية ذلك عند الحلف، فإذا طلبت الزوجة الفتي ليشهد لها عند القاضي على زوجها بما سمعه منه لم يجز له أن يشهد عليه لأنه يعلم من باطن اليمين، خلاف ما يقتضيه ظاهرها وإلا بأن لم يستفت كإقراره عنده بطلاق زوجته أو بحد ونحوه يعني فيما ليس له الرجوع عنه، ثم أنكر ما أقر به أو استفتاه فيما لا ينوى فيه كإرادة ميتة رفع وشهد على التفصيل السابق من كونه محض حق آدمي أو محض حق الله إن استديم تحريمه أو غير مستدام على ما مر. اهـ.
وقال الخرشي: والمذهب جواز شهادة الحاكم لأحد الخصمين ويرفع لمن هو أعلى منه، وكذا شهادة من كان يصلح بين جماعة وقيل لا. اهـ. وقال عبد الباقي: لا تجوز شهادة الصلح بين الناس. انظر الطخيخي. لأنها تشبه الشهادة على فعل نفسه. انتهى. قوله: لا تجوز شهادة المصلح بين الناس لخ، قال الرهوني: قال في المنتقى: قال الشيخ أبو إسحاق: لا تجوز شهادة الحاكم بما سمع من الخصوم وكذلك شهادة من توسط بين اثنين. اهـ. ونقله الحطاب وزاد واقتصر عليه صاحب المسائل الملقوطة، ونصه: وشهادة المتوسط الذي يدخل بين اثنين لا تجوز وإن استوعب كلامهما من الكافي لابن عبد البر والمنتقى للباجي. اهـ. فهذا كله بظاهره يشهد لما. قاله الزرقاني.
لكن الحطاب فهم ذلك غلى أن المراد بالمتوسط بين الناس من أدخله رجلان بينهما لمحاسبتهما وشرط عليهما أن لا يشهد بينهما بما يقران به، فيقر أحدهما ويطلب الآخر شهادتهما، ومُحَصَّل
стр. 8152
ما ذكره فيهما أن ابن القاسم روى عن مالك أنهما لا يعملان بذلك فإن اصطلحا وإلا شهدا بما سمعا، وبه قال الأخوان وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا أرى من امتناعهما من الشهادة بأسا. قال الحطاب بعد هذا: وما ذكره الباجي عن الشيخ أبي إسحاق فالظاهر أنه اختيار منه لرواية ابن نافع، فعلى ما فهمه منه الحطاب لا شاهد فيه للزرقاني، لكن بحث بعض المحققين وهو أبو العباس الملوي فيما قاله الحطاب بأن ابن نافع روى: لا بأس بامتناعهما، فمقتضاه أن شهادتهما جائزة بل مقتضاه أن امتناعهما مرجوح لأن لا بأس تستعمل لا غيره أفضل منه؛ وأبو إسحاق وصاحب المسائل الملقوطة قالا: لا تجوز شهادتهما. اهـ. وهو كما قال. قلت: المظاهر أن شهادة المصلح كشهادة الخاطب فيكون فيها ثلاثة أقوال، ويكون الصواب جوازها. والله أعلم. اهـ كلام الرهوني. وقوله: "ولا مفت على مستفتيه" أي لا تجوز تلك الشهادة ولو شهد لم تنفع شهادته. قاله ابن المواز.
ولا إن شهد باستحقاق وقال أنا بعته له يعني أنه إذا شهد باستحقاق ثوب أو دابة أو دار أو غير ذلك لزيد مثلا، وقال مع ذلك: أنا بعته له أي لزيد فإن هذه الشهادة لا تصح، لأن الملك لا يثبت بالشراء حتى تشهد البينة بالملك للبائع.
تنبيه: قال عبد الباقي: ولا إن شهد باستحقاق وقال أنا بعته له أي للمشهود له فلا تصح لاتهامه على رجوع المشتري عليه بالثمن لو لم يشهد له، ولذلك لو أبدله بوهبته له أو تصدقت به عليه صحت لانتفاء الرجوع عليه إن لم يشهد. انتهى.
قوله: ولذلك لو أبدل بعته لخ، قال البناني: مثله في الخرشي وأصله للأجهوري عن بعض شيوخه، وقد بنوه على تعليل عدم القبول بتهمة دفع الرجوع على نفسه بالثمن إن لم يشهد وهو غير مسلم، فإن المسألة أصلها لابن أبي زيد، والنقل عنه يدل على أن العلة هي أن الملك لا يثبت بالشهادة بمجرد الشراء؛ لأن الملك لا يثبت بالشراء حتى تشهد البينة بالملك للبائع، فهو إذا قال: أنا بعته أو وهبته فقد شهد لنفسه بملك ذلك الشيء وذلك لا يصح، وحينئذ لا فرق بين بعته أو وهبته. انظر ابن مرزوق وغيره. اهـ.
стр. 8153
تنبيه: لا تجوز شهادة القُسَّام على ما قَسَمُوا قسما بأمر قاض أو لا؛ لأنهما شهدا على فعل أنفسهما، وأجازها ابن حبيب عند القاضي الذي أمرهما به ومنعت عند غيره، ونقل عن ابن المواز أيضا في رسولَيْ رجل يزوجانه أو يشتريان له جارية لا تجوز شهادتهما على ذلك وإن حضر المرسل. قال محمد: وأحب إلينا أن لا تجوز إن عقدا هما النكاح، وإن عقده غيرهما جازت نقله ابن مرزوق. وقال: فهذه المسائل تدل على أن من شهد على فعل نفسه لا يقبل، إلا أنه ذكر في النوادر مسألة من كتاب سحنون عن أبيه: إن شهد لرجل في سهم في شرب عين أو نهر أو حق في أرض وكان أصل ذلك كله بينه وبينه، فقاسمه ثم شهد له الآن بملك ذلك الشيء الذي صار له في القسم من أصل عين أو أرض. قال: شهادته له فيه جائزة. اهـ. وقوله: "ولا إن شهد باستحقاق وقال أنا بعته له" لو ثبت بالبينة أنه باعه له استظهر أحمد له أنه أحرى من الإقرار بهذا الحكم، قاله عبد الباقي بعد أن قال: ومفهوم قوله: "وقال أنا بعته له" أنه لو ثبت بالبينة أنه باعه له فلا يضر. اهـ.
ولا إن حدث فسق بعد الأداء يعني أن الشاهد إذا أدى شهادته وبعد أدائها وقبل الحكم بها حدث به فسق، فإن شهادته لا تجوز لأن ذلك دليل على أن الشاهد عنده كمين من ذلك الفسق، وأنه كان متلبسا به وقت أداء الشهادة فهي باطلة، وأما لو حَدَثَ بعد الحكم فلا يكون مانعا من تنفيذ ما حكم به، وانظر لو حكم ثم بعد الحكم المذكور ثبت أنه شرب الخمر بعد الأداء وقبل صدور الحكم هل ينتقض هذا الحكم أو لا؟ ومقتضى ما تقدم من النقض إذا ظهر أنه قضى بفاسقين النقض هنا لأنه قد ظهر أيضا أن حكمه مستند لشهادة فاسقين إذ فسقه ثبت قبل الحكم. هكذا قاله بعض الشيوخ. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: ولا إن حدث للشاهد بعد الأداء وقبل الحكم فإن شهادته لا تجوز لأن ذلك دليل على أن الشاهد عنده كمين من ذلك الفسق، وأنه كان متلبسا به فهي باطلة، فإن حدث بعد الحكم لم يبطل ما حكم به. وأشعر قوله: "حدث" أنه لو ثبت بعد الحكم أنه كان شرب خمرا مثلا بعد الأداء وقبل الحكم فإنه ينقض، كما إذا ظهر أنه قضى بفاسقين وأشعر أيضا أنه لو اتهم بحدوثه فإنه لا يضر وهو كذلك كما يفيده النق عند قوله: "ولا تهمة بسرقة". اهـ.
стр. 8154
وقال البناني عند قوله: "ولا إن حدث فسق بعد الأداء" ما نصه: أما إن كان مما يستره الناس كزنى وشرب خمر فمقتضى كلام بعض الشيوخ أنه متفق عليه لأنه يدل على الكمون، بخلاف قتل وقذف ونحوهما مما لا يكون كذلك فاختلف فيه، فقال ابن القاسم: تبطل الشهادة كالأول. وقال ابن الماجشون: لا تبطل واختاره غير واحد من الشيوخ، ولفظ ابن الحاجب: ولو حدث بعد الأداء بطلت مطلقا، وقيل: إلا بنحو الجراح والقتل. اهـ. وقال المواق: ابن عرفة: إن شهدت بينة عند قاض ثم جُنّت أو جَنَت خطأ لم ترد شهادتها، وإن أحدثت بعد أدائها قبل الحكم بها بعد تعديلها ما يمكن إسراره كشرب خمر ردت شهادتها. محمد: لأنه مما يظن أنه فعله قديما، وإن كان مما لا يمكن إسراره. قال عبد الملك: كقتل على نائرة أو قذف أو قتل من شهد عليه ففي ردها قولان. اهـ. وقال التتائي: إن حدث أي ظهر من الشاهد فسق بعد الأداء لشهادته عند الحاكم وقبل الحكم بها فإنها ترد، وعبر عن ظهوره بحدوثه لأن ظهوره حينئذ يؤذن بسبقيته للأداء لجري العادة غالبا بأن الشيء لا يظهر إلا بعد تكرره، وسواء كان الفسق مما يسر كالزنى والشرب أو لا كالجرح والقتل والقذف، وهو قول ابن القاسم وأصبغ. وقال ابن الماجشون: لا تبطل؛ واختاره غير واحد. اهـ.
بخلاف تهمة جر يعني أشه إذا ظهر بعد الأداء وقبل الحكم ما يؤذن بأنه يتهم في شهادة بأنه يجر بها نفعا إليه، فإن شهادته مقبولة لخفة الأمر في ذلك؛ مثاله أن يشهد لامرأة بمال ثم تزوجها قبل الحكم فإن شهادته لا ترد. قاله التتائي. يخِلافِ طُرُوِّ تهمة جر بعد الأداء كتزوجه بامرأة بعد أن شهد لها فإنها لا ترد، وقيده ابن رشد بأن لا يرى له خطبة لها قبل ذلك. اهـ.
وقال الخرشي: مثال تهمة جر ما إذا شهد شاهد بحق لامرأة ولم يحكم الحاكم بشهادته حتى تزوج الشاهد بتلك المرأة. وقاله أصبغ. اهـ. ونحوه للبشراخيتي.
تنبيه: قال عبد الباقي: بخلاف تهمة جر بعد الأداء وقبل الحكم فلا تضر، كشهادته بطلاق امرأة ثم تزوجها ولم يثبت أنه خطبها قبل زواج الشهود عليه بطلاقها، وكشهادته لامرأة بحق على آخر ولم يحكم بشهادته حتى تزوجها الشاهد. اهـ. قوله: كشهادته بطلاق امرأة ثم تزوجها
стр. 8155
لخ، قال الرهوني: سكت عنه البناني مع أنه لا يصح أن يكون مثالا، لقوله: بعد الأداء وقبل الحكم، إذ لا يتصور نكاحه إياها قبل الحكم على الزوج بطلاقها، بل ولا بعده قبل انقضاء عدتها إن كانت مدخولا بها فيجب إسقاطه، ثم وجدت التاودي قد اعترضه. اهـ. وقال المواق: قال أصبغ: إن خاصم الشاهد المشهود عليه بعد الشهادة لم تبطل شهادته إلا أن يقر أن ما يطالبه به كان قبل إيقاع الشهادة. انتهى.
ودفع يعني أنه إذا ظهر بعد أداء الشهادة ما تحصل منه تهمة بأنه أراد بشهادته دفع ضرر عنه، فإن شهادته مقبولة لخفة الأمر في ذلك، كما لو شهد رجل بفسق آخر تم بعد ذلك شهد المشهود بفسقه قبل الحكم بفسقه على رجل أنه قتل شخصا خطأ والشاهد بالفسق من عاقلة المقاتل، فإن ذلك لا يبطل شهادته بالفسق. قال عبد الباقي: وتهمة دفع كشهادة شخص بفسق آخر ثم شهد المشهود بفسقه على رجل أنه قتل رجلا خطأ والشاهد بالفسق من عاقلة المقاتل، فإن ذلك لا يبطل الشهادة بالفسق. قاله الشيخ داود تبعا للبساطي. قاله أحمد. وقوله: ثم شهد المشهود بفسقه أي قبل الحكم بفسقه. انتهى. ومن أمثلة تهمة الدفع أيضا أن يستدين الشاهد العسر من المشهود له بعد الأداء لأنه دفع ضرر الفقر. اهـ. قاله عبد الباقي.
وعداوة يعني أنه إذا حدث بعد الأداء وقبل الحكم عداوة بين المشهود عليه والشاهد، فإن ذلك لا يضر في قبول الشهادة فيحكم بما شهد به، قال عبد الباقي: وقوله: "وعداوة" عطف على "تهمة"، ولو قال: بخلاف عداوة وتهمة جر ودفع لكان أولى؛ أي أن حدوث العداوة بعد الأداء وقبل الحكم لا يضر حيث تحقق حدوثها، وأما لو احتمل تقدمها على الأداء فإنها تضر كما مر في قوله: كقوله بعدها تتهمني وتشبهني بالمجنون مخاصما فما مر عداوة تُحقق سبقها أو احتمل، وما هنا حدثت بعد أداء الشهادة تحقيقا فلا معارضة. انتهى.
ولا عالم على مثله يعني أن شهادة العالم على العالم لا تجوز وظاهره ثبت أن بينهم عداوة أم لا، وقال عبد الباقي: ولا يشهد عالم على مثله حيث ثبت أن بينهم عداوة دنيوية وإلا قبلت؛ لأن شهادة ذوي الفضل مقبولة بعضهم على بعض. وقد قال ﵊: (يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، ولا عبرة
стр. 8156
بمن شنع عليهم. اهـ. وقال المواق: قال ابن عرفة: العمل اليوم على خلاف هذا، وشهادة ذوي القبول منهم مقبولة بينهم كغيرهم. اهـ. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: قال في الطرر: قال بعض أهل الشورى: إن شهادة أهل المذهب جائزة على جميع المسلمين، يريد أصحاب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما. وقال في الاستغناء: إن هذا إجماع. اهـ. وقال الشبراخيتي: وكلام ابن عرفة: - يعني قوله العمل اليوم على خلاف هذا لخ - هو المذهب. اهـ. والذي يظهرما قاله ابن عرفة؛ لأن من ثبتت عدالته لا يتهم في تزوير الشهادة، لكن إن ثبتت العداوة بينهم فلا إشكال في عدم قبول شهادة بعضهم على بعض قاله مقيده عفا الله عنه.
وقال الخرشي: يعني أن العلماء الذين ثبت بينهم التحاسد والتباغض والعداوة إذا شهد أحدهم على صاحبه فإن شهادته عليه حينئذ غير جائزة، ولا يُحمَل كلامه إلا على هذا، وأما إذا لم يثبت ما ذكر بينهم فإن شهادة ذوي الفضل منهم مقبولة على بعضهم ولا مانع من ذلك، وقد قال ﵊: (يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله)، وكلام ابن عرفة هو المذهب وإلا جازت إجماعا. قاله ابن عات. وأما قول ابن شعبان: تقبل شهادة القراء في كل شيء يعني العلماء إلا شهادة بعضهم على بعض. اهـ. فقد رده ابن عرفة وبالغ بعضهم في رد كلام الشعباني ونحوه بقوله: وهو كلام ساقط ولم يزل الأشياخ ينكرون هذه الرواية، وربما نسبوا إلى النقلة الوهم، وقد ذكر البرزلي عن شيخه التونسي إنكار هذه الرواية، وقال الشيخ عن شيخه: ليس عليها العمل. اهـ. وبالغ حلولو في شرحه للمختصر حتى قال في آخر كلامه: فيا ليت خليلا لم يذكره. انتهى.
وقوله: "ولا عالم على مثله" وكذا أهل الحرفة الواحدة بعضهم على بعض فهي غير مقبولة؛ أي على ما ذكر المص؛ لأن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء إذا كانت شهادتهم غير مقبولة فأولى أرباب الحرف. انظر الشارح. وهو خلاف ما صرح به أبو إسحاق الشاطبي، ونصه: وشهادة الأجنبي على الأجنبي المشارك له في الحرفة والسبب والجوار جائزة. قاله الخرشي.
стр. 8157
ولا إن أخذ من العمال أو أكل عندهم يعني أن الأخذ من العمال المضروب على أيديهم أي الذين جعل لهم جباية الأموال فقط دون صرفها في وجوهها يقدح في العدالة ويبطل الشهادة، وأما العمال الذين فوض إليهم جميع أمور الأموال فجوائزهم كجوائز الخلفاء يجوز الأكل عندهم وأخذ جوائزهم من غير كراهة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ولا تقبل شهادة الشاهد إن أخذ من العمال المضروب على أيديهم أي الذين جعل لهم جباية الأموال فقط دون صرفها في وجوهها أو أكل عندهم متكرر الًا خذ أو الأكل. قال الشارح: لأن أخذه منهم وأكله عندهم مما يزري به ويحط قدره ويؤدي إلى إسقاط المروءة. انتهى. وقد يجاب عن المص بأنه أطلق في العمال لأن الغالب الحجر عليهم وأطلق في الأخذ والأكل عندهم، مع أنه مقيد بالتكرر لأن المرة كصغائر غير الخسة لا تقدح. قاله ابن مرزوق بعد اعتراضه بترك القيدين. اهـ.
قال الرهوني: قول الزرقاني متكرر الأخذ أو الأكل لخ شرط تكرر الأكل مسلم، وأما شرط تكرر الأخذ فهو ظاهر نقل المواق عن سحنون [لكنه] (١) اختصر كلامه جدا، والذي نقله المص في التوضيح وابن عرفة والحطاب وغيرهم عن سحنون يفيد أنه لا يشترط التكرر في الأخذ، وكذا ما نقله المواق عن المتيطي وما نسبه الزرقاني لابن مرزوق ليس فيه بل فيه عكسه، ونصه: وكان من حقه أن يقيد العامل بالضروب على يديه كما ذكرنا والأكل بالتكرر وهكذا هو منصوص. ثم ذكر الجواب، وقال ما نصه: قال في النوادر: وأما من قبل جوائز العمال المضروب على أيديهم فساقط الشهادة، وأما الأكل عندهم فإن كان المرة الفلتة فغير مردود، وأما المُدْمِنُ فساقطها. انتهى.
تنبيهان: الأول: ظاهر كلام المص أن ما ذكر قادح ولو فعله ليتصدق به، وفي المواق ما يفيد أن من فعله لهذا لا يقدح في عدالته. قلت: وذلك ظاهر إن كان فاعله ظاهر الفضل والدين معروفا بالورع والتحري؛ لأن مَن هذه حالته لا يظن به السوء عند أخذه وقد شهدت شيخنا الجنوي مرة أتاه بعض العمال المضروب على أيديهم بمال فقبله منه، ثم بعث به إلى بعض أقربائه ممن يستحقه
стр. 8158
ووجه المصلحة في ذلك ظاهر، ويؤخذ ذلك مما يأتي على الأثر من كلام المعيار بالأحرى. والله أعلم. قاله الرهوني.
الثاني: يقيد كلام المص أيضا بما في المعيار وسلمه وهو: وسئل سيدي عبد النور بن محمد العمراني ﵀ عن بعض المشهود البرزين في الحوانيت يكثرون التردد إلى الولاة من غير حاجة ولا دعوى منهم إليهم [ويولونهم] (١) ويكثرون الجلوس معهم ليلا ونهارا ويأكلون من أطعمتهم من غير حاجة ولا دعوى إلى ذلك، فهل يكون ذلك قادحا في شهادتهم أم لا؟ فأجاب: أكرمكم الله تعالى، الأمر فيما سألتم عنه لا بد فيه من تفصيل ونظر خاص في عين الرجل المذكور، فإذا كان ظاهر العدالة معلوم الديانة وله منعة - صوابه ضيعة - تحتاج إلى المداراة عليها والذب لباطل الولاة عنها، وممن يرى القطع أن الوالي لا يقنع منه لغلظته إلا بمثل تلك الوالاة، فينبغي أن يجوز ولا يبطل بذلك ما تقرر من عدالته لعزة العدالة اليوم وشدة ضغطة الولاة وامتداد أيديهم في خاصة الناس وعامتهم، وإن علم من الرجل المذكور أنه لَيّنٌ لا حامل له على موالاة الوالي المذكور إلا ليتوصل به وبجاهه إلى اكتساب الدنية والرغبة في نصبه إياه للوجوه الفيدة في الجبايات الباطلة من غير نظره إلى التوقي مما يشين أو يقدح في منصب العدالة من غير قصد دفع مظلمة أو تُقيةٍ فلا خفاء أن مثل هذا ساقط العدالة بعيد من درجة قبول الشهادة. وبالله تعالى التوفيق لا رب سواه. اهـ. قاله الرهوني أيضا. والله تعالى أعلم.
بخلاف الخلفاء يعني أن الخلفاء يجوز الأكل عندهم ويجوز أخذ جوائزهم ومثلهم العمال المفوض إليهم جباية الأموال وصرفها في مصارفها كالباشا، وكالأمراء الملتزمين للبلاد فلا يقدح الأخذ منهم والأكل عندهم في الشهادة، إذ جوائزهم كجوائز الخلفاء تجوز من غير كراهة. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن الخلفاء يجوز الأكل عندهم ويجوز أخذ جوائزهم. وفي التمهيد لابن عبد البر: قال سفيان: جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان لأنهم لا يمنون والإخوانُ يمنون،
стр. 8159
وكانت هدايا المختار تأتي ابنَ عمر وابنَ عباس، وقال الحسن: لا يرد عطاءَهم إلا الأحمق (١) أو مُرَاءٍ. اهـ. وهذا فيما لا يعلم فيه الحرام بعينه. وأخذ الإمام الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار دفعة واحدة، وأخذ مالك من الخلفاء أموالا جمة. وقوله: "بخلاف الخلفاء" ينبغي إعرابه بأنه خبر مبتدإ محذوف تقديره: وذلك بخلاف الخلفاء. اهـ.
وقال محمد بن الحسن البناني: قسم ابن رشد ما بيد الأمراء من الأموال إلى ثلاثة أقسام، أحدها: أن يكون حلالا لكن لا يعدلون في قسمه فهذا الأكثر على جواز قبوله منهم وقيل يكره. الثاني: أن يكون مختلطا فهذا الأكثر على كراهته وقيل يجوز. الثالث: أن يكون حراما وهذا قيل يحرم أخذه منهم وقيل يكره وقيل يجوز. وقال ابن رشد: إن كان الغالب عليه الحرام فله حكم الحرام، وإن كان الغالب عليه الحلال فله حكم الحلال وفيه كراهة ضعيفة. اهـ.
وفي الإحياء: أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو جلها حتى الجزية لأنها إنما تؤخذ بأنواع من الظلم وكذا غيرها فلا ينبغي الأخذ منهم بحال لذلك، ولأنهم إنما تسمح أنفسهم في خصوص هذه الأزمنة لمن طمعوا في استخدامه والاستعانة به على أغراضهم الفاسدة. اهـ. وفي كتاب مسلم في باب الزكاة: قيل لأبي ذر: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. اهـ. أي بأن يرى العطاء منهم فيستميله به عن الحق، وإنما كان أخذ علماء السلف منهم لما علموه من صلاح قصدهم دون مذلة ولا سؤال ولا يطيعونهم في أغراضهم الفاسدة. اهـ. ثم كان العلماء يأخذونه ويفرقونه. وفي الإحياء أيضا: منع قبول الفتوى والرواية والشهادة من الذي يرى أنه يأكل من مائدة لسُلطانٍ أغلبُ مالِه حرامٌ ويأخذ منه إدْرارا وصلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال، فكل ذلك فسق يقدح في العدالة. اهـ. نقله الشيخ أبو زيد ﵁. اهـ.
وقال المواق: وأما الأمراء الذين فوض إليهم الخليفة أو خليفته قبض الأموال وصرفها في وجوهها باجتهادهم كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض جميع الأمر فيها إليهم فجوائزهم كجوائز
стр. 8160
الخلفاء، وأما القضاة والأجناد والحكام فلهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم، وإن كان المَجْبيُّ حلالا لم يعدل في قسمه فالأكثر على جواز أخذ الجائزة منه وكرهه بعضهم، وإن شاب المجبي حلال وحرام فالأكثر على كراهة الأخذ منهم، ومنهم من أجازه وإن كان المجبي حراما فمنهم من حرم أخذ الجائزة والرزق على عمل من الأعمال منه، وروي هذا عن مالك ومنهم من أجازه ومنهم من كرهه.
تنبيهات: الأول: نقل ابن بطال عن الطبري: من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يُدْرَى من حرام، كسبه أم من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطيه بعد أن لا يعلمه حراما بعينه. قال: وبهذا قالت الأئمة من الصحابة والتابعين، ومن كرهه فإنما ركب في ذلك طريق الورع وتجنب الشبهات لأن الحرام لا يكون إلا بينا.
الثاني: قال المواق: وفي طرر ابن عات، من عمل للسلطان فظلم الناس أو كان قاهرا غاصبا أو قاطعا للسبيل أو سارقا أو تاجرا عمل بالربلا ثم مرض وأراد أن يتمخى مما نال من ذلك كله وأراد أن يوصي بماله كله عن ذلك، وقال: أنا قد نلت من أموال الناس أكثر من جميع مالي ولا أعلم أصحابه وأنا أوصي بجميع مالي عن ذلك كله للمساكين لم يكن له ذلك إذا أبى ورثته عن ذلك وجاز له الثلث، وكان ينبغي أن يفعل ذلك في صحته. انتهى.
الثالث: في المدونة: من أودعته دنانير فابتاع بها سلعة فليس لك أخذها، إنما لك أخذ دنانيرك. اهـ. وهذا يشبه ما للمص من قوله: وكره النقد والمثلي لخ.
الرابع: قوله: "بخلاف الخلفاء" ظاهره ولو تحقق جور الخليفة وهو كذلك. انظر كلام سحنون الذي في الحطاب والتوضيح وغيرهما. قاله الرهوني.
ولا إن تعصب الفاعل ضمير يعود على"العدل". قاله ابن مرزوق. يعني أنه لا تقبل شهادة الشخص إن تعصب أي اتهم على التعصب، قال ابن فرحون: ومن موانع الشهادة العصبية، وهي أن يبغض الرجل الرجل لكونه من بني فلان. اهـ. قاله الشبراخيتي. وقال البناني في المفيد: العصبية أن يبغض شخصا لكونه من بني فلان، روي عن واثلة بن الأسقع قلت: يا رسول الله ما