بمن شنع عليهم. اهـ. وقال المواق: قال ابن عرفة: العمل اليوم على خلاف هذا، وشهادة ذوي القبول منهم مقبولة بينهم كغيرهم. اهـ. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: قال في الطرر: قال بعض أهل الشورى: إن شهادة أهل المذهب جائزة على جميع المسلمين، يريد أصحاب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما. وقال في الاستغناء: إن هذا إجماع. اهـ. وقال الشبراخيتي: وكلام ابن عرفة: - يعني قوله العمل اليوم على خلاف هذا لخ - هو المذهب. اهـ. والذي يظهرما قاله ابن عرفة؛ لأن من ثبتت عدالته لا يتهم في تزوير الشهادة، لكن إن ثبتت العداوة بينهم فلا إشكال في عدم قبول شهادة بعضهم على بعض قاله مقيده عفا الله عنه.
وقال الخرشي: يعني أن العلماء الذين ثبت بينهم التحاسد والتباغض والعداوة إذا شهد أحدهم على صاحبه فإن شهادته عليه حينئذ غير جائزة، ولا يُحمَل كلامه إلا على هذا، وأما إذا لم يثبت ما ذكر بينهم فإن شهادة ذوي الفضل منهم مقبولة على بعضهم ولا مانع من ذلك، وقد قال ﵊: (يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله)، وكلام ابن عرفة هو المذهب وإلا جازت إجماعا. قاله ابن عات. وأما قول ابن شعبان: تقبل شهادة القراء في كل شيء يعني العلماء إلا شهادة بعضهم على بعض. اهـ. فقد رده ابن عرفة وبالغ بعضهم في رد كلام الشعباني ونحوه بقوله: وهو كلام ساقط ولم يزل الأشياخ ينكرون هذه الرواية، وربما نسبوا إلى النقلة الوهم، وقد ذكر البرزلي عن شيخه التونسي إنكار هذه الرواية، وقال الشيخ عن شيخه: ليس عليها العمل. اهـ. وبالغ حلولو في شرحه للمختصر حتى قال في آخر كلامه: فيا ليت خليلا لم يذكره. انتهى.
وقوله: "ولا عالم على مثله" وكذا أهل الحرفة الواحدة بعضهم على بعض فهي غير مقبولة؛ أي على ما ذكر المص؛ لأن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء إذا كانت شهادتهم غير مقبولة فأولى أرباب الحرف. انظر الشارح. وهو خلاف ما صرح به أبو إسحاق الشاطبي، ونصه: وشهادة الأجنبي على الأجنبي المشارك له في الحرفة والسبب والجوار جائزة. قاله الخرشي.
стр. 8157
ولا إن أخذ من العمال أو أكل عندهم يعني أن الأخذ من العمال المضروب على أيديهم أي الذين جعل لهم جباية الأموال فقط دون صرفها في وجوهها يقدح في العدالة ويبطل الشهادة، وأما العمال الذين فوض إليهم جميع أمور الأموال فجوائزهم كجوائز الخلفاء يجوز الأكل عندهم وأخذ جوائزهم من غير كراهة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ولا تقبل شهادة الشاهد إن أخذ من العمال المضروب على أيديهم أي الذين جعل لهم جباية الأموال فقط دون صرفها في وجوهها أو أكل عندهم متكرر الًا خذ أو الأكل. قال الشارح: لأن أخذه منهم وأكله عندهم مما يزري به ويحط قدره ويؤدي إلى إسقاط المروءة. انتهى. وقد يجاب عن المص بأنه أطلق في العمال لأن الغالب الحجر عليهم وأطلق في الأخذ والأكل عندهم، مع أنه مقيد بالتكرر لأن المرة كصغائر غير الخسة لا تقدح. قاله ابن مرزوق بعد اعتراضه بترك القيدين. اهـ.
قال الرهوني: قول الزرقاني متكرر الأخذ أو الأكل لخ شرط تكرر الأكل مسلم، وأما شرط تكرر الأخذ فهو ظاهر نقل المواق عن سحنون [لكنه] (١) اختصر كلامه جدا، والذي نقله المص في التوضيح وابن عرفة والحطاب وغيرهم عن سحنون يفيد أنه لا يشترط التكرر في الأخذ، وكذا ما نقله المواق عن المتيطي وما نسبه الزرقاني لابن مرزوق ليس فيه بل فيه عكسه، ونصه: وكان من حقه أن يقيد العامل بالضروب على يديه كما ذكرنا والأكل بالتكرر وهكذا هو منصوص. ثم ذكر الجواب، وقال ما نصه: قال في النوادر: وأما من قبل جوائز العمال المضروب على أيديهم فساقط الشهادة، وأما الأكل عندهم فإن كان المرة الفلتة فغير مردود، وأما المُدْمِنُ فساقطها. انتهى.
تنبيهان: الأول: ظاهر كلام المص أن ما ذكر قادح ولو فعله ليتصدق به، وفي المواق ما يفيد أن من فعله لهذا لا يقدح في عدالته. قلت: وذلك ظاهر إن كان فاعله ظاهر الفضل والدين معروفا بالورع والتحري؛ لأن مَن هذه حالته لا يظن به السوء عند أخذه وقد شهدت شيخنا الجنوي مرة أتاه بعض العمال المضروب على أيديهم بمال فقبله منه، ثم بعث به إلى بعض أقربائه ممن يستحقه
стр. 8158
ووجه المصلحة في ذلك ظاهر، ويؤخذ ذلك مما يأتي على الأثر من كلام المعيار بالأحرى. والله أعلم. قاله الرهوني.
الثاني: يقيد كلام المص أيضا بما في المعيار وسلمه وهو: وسئل سيدي عبد النور بن محمد العمراني ﵀ عن بعض المشهود البرزين في الحوانيت يكثرون التردد إلى الولاة من غير حاجة ولا دعوى منهم إليهم [ويولونهم] (١) ويكثرون الجلوس معهم ليلا ونهارا ويأكلون من أطعمتهم من غير حاجة ولا دعوى إلى ذلك، فهل يكون ذلك قادحا في شهادتهم أم لا؟ فأجاب: أكرمكم الله تعالى، الأمر فيما سألتم عنه لا بد فيه من تفصيل ونظر خاص في عين الرجل المذكور، فإذا كان ظاهر العدالة معلوم الديانة وله منعة - صوابه ضيعة - تحتاج إلى المداراة عليها والذب لباطل الولاة عنها، وممن يرى القطع أن الوالي لا يقنع منه لغلظته إلا بمثل تلك الوالاة، فينبغي أن يجوز ولا يبطل بذلك ما تقرر من عدالته لعزة العدالة اليوم وشدة ضغطة الولاة وامتداد أيديهم في خاصة الناس وعامتهم، وإن علم من الرجل المذكور أنه لَيّنٌ لا حامل له على موالاة الوالي المذكور إلا ليتوصل به وبجاهه إلى اكتساب الدنية والرغبة في نصبه إياه للوجوه الفيدة في الجبايات الباطلة من غير نظره إلى التوقي مما يشين أو يقدح في منصب العدالة من غير قصد دفع مظلمة أو تُقيةٍ فلا خفاء أن مثل هذا ساقط العدالة بعيد من درجة قبول الشهادة. وبالله تعالى التوفيق لا رب سواه. اهـ. قاله الرهوني أيضا. والله تعالى أعلم.
بخلاف الخلفاء يعني أن الخلفاء يجوز الأكل عندهم ويجوز أخذ جوائزهم ومثلهم العمال المفوض إليهم جباية الأموال وصرفها في مصارفها كالباشا، وكالأمراء الملتزمين للبلاد فلا يقدح الأخذ منهم والأكل عندهم في الشهادة، إذ جوائزهم كجوائز الخلفاء تجوز من غير كراهة. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن الخلفاء يجوز الأكل عندهم ويجوز أخذ جوائزهم. وفي التمهيد لابن عبد البر: قال سفيان: جوائز السلطان أحب إلي من صلة الإخوان لأنهم لا يمنون والإخوانُ يمنون،
стр. 8159
وكانت هدايا المختار تأتي ابنَ عمر وابنَ عباس، وقال الحسن: لا يرد عطاءَهم إلا الأحمق (١) أو مُرَاءٍ. اهـ. وهذا فيما لا يعلم فيه الحرام بعينه. وأخذ الإمام الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار دفعة واحدة، وأخذ مالك من الخلفاء أموالا جمة. وقوله: "بخلاف الخلفاء" ينبغي إعرابه بأنه خبر مبتدإ محذوف تقديره: وذلك بخلاف الخلفاء. اهـ.
وقال محمد بن الحسن البناني: قسم ابن رشد ما بيد الأمراء من الأموال إلى ثلاثة أقسام، أحدها: أن يكون حلالا لكن لا يعدلون في قسمه فهذا الأكثر على جواز قبوله منهم وقيل يكره. الثاني: أن يكون مختلطا فهذا الأكثر على كراهته وقيل يجوز. الثالث: أن يكون حراما وهذا قيل يحرم أخذه منهم وقيل يكره وقيل يجوز. وقال ابن رشد: إن كان الغالب عليه الحرام فله حكم الحرام، وإن كان الغالب عليه الحلال فله حكم الحلال وفيه كراهة ضعيفة. اهـ.
وفي الإحياء: أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو جلها حتى الجزية لأنها إنما تؤخذ بأنواع من الظلم وكذا غيرها فلا ينبغي الأخذ منهم بحال لذلك، ولأنهم إنما تسمح أنفسهم في خصوص هذه الأزمنة لمن طمعوا في استخدامه والاستعانة به على أغراضهم الفاسدة. اهـ. وفي كتاب مسلم في باب الزكاة: قيل لأبي ذر: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. اهـ. أي بأن يرى العطاء منهم فيستميله به عن الحق، وإنما كان أخذ علماء السلف منهم لما علموه من صلاح قصدهم دون مذلة ولا سؤال ولا يطيعونهم في أغراضهم الفاسدة. اهـ. ثم كان العلماء يأخذونه ويفرقونه. وفي الإحياء أيضا: منع قبول الفتوى والرواية والشهادة من الذي يرى أنه يأكل من مائدة لسُلطانٍ أغلبُ مالِه حرامٌ ويأخذ منه إدْرارا وصلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال، فكل ذلك فسق يقدح في العدالة. اهـ. نقله الشيخ أبو زيد ﵁. اهـ.
وقال المواق: وأما الأمراء الذين فوض إليهم الخليفة أو خليفته قبض الأموال وصرفها في وجوهها باجتهادهم كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض جميع الأمر فيها إليهم فجوائزهم كجوائز
стр. 8160
الخلفاء، وأما القضاة والأجناد والحكام فلهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم، وإن كان المَجْبيُّ حلالا لم يعدل في قسمه فالأكثر على جواز أخذ الجائزة منه وكرهه بعضهم، وإن شاب المجبي حلال وحرام فالأكثر على كراهة الأخذ منهم، ومنهم من أجازه وإن كان المجبي حراما فمنهم من حرم أخذ الجائزة والرزق على عمل من الأعمال منه، وروي هذا عن مالك ومنهم من أجازه ومنهم من كرهه.
تنبيهات: الأول: نقل ابن بطال عن الطبري: من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يُدْرَى من حرام، كسبه أم من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطيه بعد أن لا يعلمه حراما بعينه. قال: وبهذا قالت الأئمة من الصحابة والتابعين، ومن كرهه فإنما ركب في ذلك طريق الورع وتجنب الشبهات لأن الحرام لا يكون إلا بينا.
الثاني: قال المواق: وفي طرر ابن عات، من عمل للسلطان فظلم الناس أو كان قاهرا غاصبا أو قاطعا للسبيل أو سارقا أو تاجرا عمل بالربلا ثم مرض وأراد أن يتمخى مما نال من ذلك كله وأراد أن يوصي بماله كله عن ذلك، وقال: أنا قد نلت من أموال الناس أكثر من جميع مالي ولا أعلم أصحابه وأنا أوصي بجميع مالي عن ذلك كله للمساكين لم يكن له ذلك إذا أبى ورثته عن ذلك وجاز له الثلث، وكان ينبغي أن يفعل ذلك في صحته. انتهى.
الثالث: في المدونة: من أودعته دنانير فابتاع بها سلعة فليس لك أخذها، إنما لك أخذ دنانيرك. اهـ. وهذا يشبه ما للمص من قوله: وكره النقد والمثلي لخ.
الرابع: قوله: "بخلاف الخلفاء" ظاهره ولو تحقق جور الخليفة وهو كذلك. انظر كلام سحنون الذي في الحطاب والتوضيح وغيرهما. قاله الرهوني.
ولا إن تعصب الفاعل ضمير يعود على"العدل". قاله ابن مرزوق. يعني أنه لا تقبل شهادة الشخص إن تعصب أي اتهم على التعصب، قال ابن فرحون: ومن موانع الشهادة العصبية، وهي أن يبغض الرجل الرجل لكونه من بني فلان. اهـ. قاله الشبراخيتي. وقال البناني في المفيد: العصبية أن يبغض شخصا لكونه من بني فلان، روي عن واثلة بن الأسقع قلت: يا رسول الله ما
стр. 8161
العصبية؟ قال: (أن تعين قومك على الظلم) (١)، قال ابن مرزوق: والأولى أن تمثل بشهادة الأخ لأخيه بجرح أو قذف، ومما يتوهم فيه العصبية أيضا منعهم من تعديل شاهد الأخ وتجريح شاهد عليه، ومن ذلك ما تقدم من شهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل فإن العصبية فيه ظاهرة، وكذا شهادة العدو على عدوه. اهـ. وقال عبد الباقي: كبغضه لكونه من بني فلان أو من قبيلته. اهـ.
كالرشوة يعني أن الرشوة تبطل الشهادة، وفي الحديث: (لعن الله الراشي والمرتشي) (٢) والرشوة: بذل مال لإبطال حق أو تحقيق باطل، وأما دفع المال لإبطال باطل أو تحقيق حق فهو جائز للدافع حرام على الآخذ. قاله غير واحد. فهي مسقطة لشهادة الآخذ والمعطي، وقد علمت أن دفع المال لتحقيق حق جائز فليس برشوة، قال التتائي: كالرشوة مثلثة الراء، والتشبيه لإفادة الحكم وهي من الكبائر لخبر: (لعن الله الراشي والمرتشي). وعرفها بعضهم بأنها: بذل مال لتحقيق باطل أو إبطال حق، يحتمل أن يريد المص آخذها أو دافعها أو هما معا، وأما إن دفعت لإبطال ظلم فجائز للدافع محرم على الآخذ. اهـ. وعلم من هذا أن الآخذ تسقط شهادته مطلقا، وأن الباذل يفصل فيه، فإن كان دفعها لتحقيق حق أو إبطال باطل فذلك جائز، وإن كان لإبطال حق أو تحقيق باطل حرم ذلك وقدح في شهادته. انظر البناني. والراشي هو الباذل والمرتشي هو الآخذ.
واعلم أن المرتشي هو من كان شأنه أخذ الرشوة فترد شهادته ولو كان لم يأخذ من هذا الذي شهد له الآن. قاله الخرشي. وقال: قال بعض العلماء: وهي مأخوذة من الرشاء لأنه يتوصل بها إلى مطلوبه كالحبل، ولهذا قيل: الرشوة رشاء الحاجة، وفي الرشوة وجمعها أربع لغات: رشوة ورشا بكسر الراء فيهما، ورشوة ورشا بضم الراء فيهما، ورشوة بالكسر ورشى بالضم وعكسهما ورنتوة بالفتح، وقد رشاه يرشوه وارتشى أخذ رشوة واسترشى طلبها. اهـ.
стр. 8162
قال مقيده عفا الله عنه: علم من هذا أن الرشوة تطلق على المال المدفوع وعلى الدفع. والله تعالى أعلم. وتلقين خصم يعني أن شهادة من يلقن الخصوم غير جائزة أي يلقنه من الحجة ما يستعين به على خصمه بغير حق، وأما ما يثبت به حقه من ذلك فليس بمانع من القبول. قاله الخرشي وغيره. وفي الحديث: (من ثبَّتَ غَبيًّا في خصومة حتى يفهمها ثبت الله قرمه يوم تزل الأقدام). انتهى. وقال عبد الباقي: لا تجوز شهادة من شأنه تلقين الخصوم، وإن لم يلقن الذي شهد له الآن. انتهى. وقال المواق: قال ابن عات: لا تجوز شهادة مرتش ولا ملقن للخصوم فقيها كان أو غيره، ويضرب على يديه [ويشهد] (١) به في المجالس ويعرف به ويسجل عليه، وقد فعله بعض القضاة بقرطبة بكثير من الفقهاء بمشورة أهل العلم عنده. اهـ.
تنبيه: قال المواق: وسئل بعض الشيوخ المتأخرين عن الهدية تأتي الفقيه عن الفتيا؟ فقال: إن كان ينشط في الفتوى. أهدي إليه أو لم يهد إليه فلا بأس بها، وإلا فلا يأخذها وهذا ما لم تكن خصومة، وإنما يستفتيه في شيء يعرض له والأحسن أن لا يقبل هدية من صاحب فتيا ولا مسألة وهو قول ابن عيشون، وكان يجعل غير ذلك رشوة. وقال ﵊: (من شفع لأخيه شفاعة وأهدى إليه هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا) (٢). ومن هذا انقطاع الرعية إلى العلماء والمتعلقين بالسلطان لدفع الظلم عنهم فَيُهَادُونَهُمْ لذلك، وما أُهْدِيَ لفقيه رجاء العون على خصومة فلا يحل له قبولها لأنها رشوة، وكذلك إذا تنازع إليه خصمان فأهْدَيَا إليه جميعا أو أحدهما يرجو أن يعينه في حجة عند حَكَمَ إذا كان ممن يسمع منه فلا يحل له أن يأخذ منهما ولا من أحدهما شيئا على ذلك. انتهى.
وقال البناني عند قوله: "وتلقين خصم" قال الشيخ المسناوي رحمه الله تعالى: من هذا ما يفعله المفتون اليوم لأن الإفتاء إنما كان في الصدر الأول لأحد أمرين: إذا توقف القاضي في الحكم، أو سجل الحكم. إلا أنه خيف أن يكون حكمه لم يصادف محله فيأتون بالحكم مكتوبا للمفتي، وأما
стр. 8163
الآن فلا تراهم يشرعون في الخصام إلا بعد الاستفتاء لينظر هل الحق له أو عليه فيحتال على إبطاله؟ وترى المفتي الواحد يكتب لكل واحد من الخصمين نقيض ما كتب للآخر في نازلة واحدة. نسأل الله أن يصلح أمورنا. انتهى.
فائدة: الربا يطلق على كل حرام، قال ابن مرزوق: الرشوة من الربا على تفسير عائشة رضي الله تعالى عنها الربا بكل حرام، وقد قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ جاء في تفسير أنه الرشى، وخرج الترمذي وغيره من حديث عبد الله ابن أبي أوفى قال: (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي) (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.
ولعب نيروز يعني أن لعب النيروز يقدح في الشهادة، والنيروز قال الخرشي: هو أول يوم السنة القبطية ولعبه يقدح في العدالة لأنه مظنة ترك المروءة لا سيما إذا لعبه مع الأوباش، وهو من فعل الجاهلية والنصارى، وقد قال ﵊: (من أحب قوما فهو منهم)، ثم إن الإضافة على معنى في كقوله تعالى: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أي لعب في يوم نيروز، قال التتائي: قيل إنه كان بمصر قديما يفعل في يوم النيروز ولا نعرف صفته، لكن رأيت ببعض قرى الصعيد يأتي رجل ممن يسخر به لكبير القرية، فيجعل عليه فروة أو حصيرا يحزمه في رقبته ويركب فرسا ويتبعه رعاع الناس وحوله جماعة يقبضون على من أمرهم بالقبض عليه على وجه اللعب ولا يطلقونه إلا بشيء يدفعه لهم أو يعدهم به. اهـ. وقال ابن مرزوق: ولعب نيروز أي وكذا ترد شهادة من يتعاطى لعب النيروز أو يصنع فيه ما يصنعه النصارى، فإنه من أعيادهم ومواسمهم يصنعون فيه أطعمة مخصوصة ويلعبون فيه لعبة تخص به أيضا، فمن وافقهم في صنيعهم أو لعبهم من المسلمين قصدا لذلك الفعل في ذلك الوقت فهو مردود الشهادة لاستنانه بسنة أهل الكفر ومخالفة سنة المسلمين. قال ابن عات في طرره: ويجرح الرجل بصنيعه في النيروز والهرجان؛ إذ هو من فعل النصارى، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملا ليس عليه أمر لنا فليس منا). اهـ. قلت: ونص
стр. 8164
الحديث الآخر في البخاري: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) (١). والنيروز هو: يناير، والهرجان: العنصرة؛ وهو اليوم الرابع والعشرون من شهر يونيه. اهـ.
ومطل يعني أن المطل قادح في الشهادة، والمطل هو: تأخير الدفع عند استحقاق الحق وقدرته عليه مع الطلب أو تركه استحياء من طلبه. قال عبد الباقي: ومطل من مقر بحق غني لأنه إذاية للمسلم في ماله، والمطل تأخير الدفع عند استحقاق الحق وقدرته عليه مع الطلب أو تركه استحياء من طلبه، كما يفهم من بحث التوضيح، وهذا إذا تكرر ذلك منه كما يفيده ابن رشد. اهـ. ونحوه للخرشي مستدلا بقوله ﵊: (مطل الغني ظلم) (٢)، قال: فوصفه بالظلم؛ والظالم لا تقبل شهادته. اهـ. ونحوه لابن مرزوق، وزاد ما نصه: لقوله ﷺ : (لَيُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه) (٣)، واللَّيُّ أيضا التأخير والعدل لا يكون ظالما ولا تباح عقوبته ولا عرضه.
واعلم أن هذه الأمور كل واحد منها قادح، فالواو في هذه المعطوفات ينبغي أن تحمل على التقسيم. انظر ابن مرزوق. وقال الحطاب: ومطل، قال في التوضيح: وإذا مطل الغني ردت شهادته عند سحنون لأنه ظالم، لا عند محمد بن عبد الحكم. خليل: والظاهر أن من علم من صاحب الدين الاستحياء في المطالبة أن ذلك كالمطل. والله أعلم. وزاد أبو الحسن في القول الثاني: ما لم تكن عادته. انتهى.
فرع: قال في التوضيح: البخيل الذي ذمه الله ورسوله هو الذي لا يؤدي زكاة ماله، فمن أدى زكاة ماله فليس ببخيل ولا ترد شهادته، وقال بعض أصحابنا: شهادة البخيل مردودة وإن كان مرضي الحال يؤدي زكاة ماله. اهـ. قال ابن فرحون: وقد اختلف في شهادة البخيل وإن كان يؤدي زكاته. قال المازري: البخل منع الحقوق الواجبة، وأما منع ما لا يجب فالقدح به في
стр. 8165
الشهادة مفتقر إلى تفصيل يعرفه من عرف الاستدلال بحركات الناس وطبائعهم وسيرهم في دينهم وصدقهم. اهـ.
وحلف بعتق وطلاق يعني أن الحلف بالعمق قادح في العدالة فترد شهادة الحالف فيه، وكذلك الحلف بالطلاق قادح في العدالة فترد به الشهادة. وعلم مما قررت أن الحلف بأحدهما كاف في القدح، فالواو بمعنى أو. قال الشبراخيتي: "وحلف بعتق وطلاق": الواو للتقسيم بمعنى أوْ وَالحلف بأحدهما قادح في الشهادة، لحديث: (إنهما من أيمان الفساق) (١)، لكن قال السخاوي: لم أقف على أنه حديث، وذكره في النوادر عن ابن حبيب. انتهى. وقال عبد الباقي: وحلف بعتق وطلاق، الواو بمعنى أو وهذا إذا تكرر ذلك منه، وعليه يحمل أيضا خبر: [الطلاق والعتاق من أيمان الفساق]، فسمى الحالف بذلك فاسقا وهو لا تقبل شهادته. اهـ. وقال الحطاب: وحلف بطلاق وعتق، ظاهره أن مجرد الحلف بهما ولو مرة يكون جرحة، والذي ذكره في مختصر الواضحة في أول كتاب الأيمان أنه جرحة في حق من اعتاد الحلف بذلك، فيتعين أن يقيَّد ذلك بمن اعتاد الحلف بذلك كما ذكره في الواضحة، وكما وقع ذلك في كلام صاحب النوادر واللخمي وابن رشد والمتيطي وغيرهم ناقلين له عن مطرف وابن الماجشون وكلهم قبلوه، وقد نقلت كلامهم في الحاشية على رسالة ابن أبي زيد عند قول صاحب الرسالة: ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق، وقال ابن فرحون: من الموانع اعتياد الحلف بالطلاق والعتاق. اهـ. فالجرحة إنما تكون لمن اعتاد ذلك. والله أعلم. اهـ.
وبمجيء مجلس القاضي ثلاثا بلا عذر يعني أن الشهادة ترد بمجيء الشاهد إلى مجلس القاضي ثلاثة (٢) أيام متوالية بلا عذر قاله الحطاب. لاتهامه أن له خصوصا بالقاضي أو لأنه يطلع على الخصومة وغيرها فيتحيل في تحريف الخصومة، وأولى ثلاث مرات في يوم واحد. واحترز بقوله: "بلا عذر" عما إذا كان ذلك لعذر كحاجة أو علم فإنه لا يكون قادحا. قاله الشبراخيتي. وقال البناني: قال ابن فرحون: ومن الموانع إتيان مجلس القاضي ثلاثة أيام متوالية من غير حاجة،
стр. 8166
لأن في ذلك إظهار منزلته عند القاضي ويجعل ذلك مأكلة، وينبغي للقاضي أن يمنعه من ذلك. اهـ. وأما تعليل الزرقاني بقوله: لأن مجلسه عورة، فلم أره لغيره. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: هو في التتائي الكبير والخرشي ولكنه غير ظاهره. والله تعالى أعلم. وقال ابن مرزوق معللا قوله: "وبمجيء مجلس القاضي" لخ: إما لأنه يطلع على ما يجري في مجلسه من الأحكام وغيرها فيَتَحَيَّل في تحريف الخصومة، أو لأنه يوهم الناس أن له اختصاصا بالقاضي. اهـ. وقال عبد الباقي: وبمجيء مجلس القاضي ثلاثا أي ثلاثة أيام متوالية، وأولى ثلاث مرات في اليوم بلا عذر لا له كعلم أو حاجة فغير قادح. اهـ.
وقال الحطاب: قال ابن فرحون: ومن الموانع إتيان مجلس القاضي ثلاثة أيام متواليات من غير حاجة؛ لأن في ذلك إظهار منزلته عند القاضي ويجعل ذلك مأكلة، وينبغي للقاضي أن يمنعه من ذلك. وقال في العارضة في كتاب الزكاة في كون الصحابة جلوسا حول النبي ﷺ : هذا يدل على جواز الجلوس حول القاضي يسمعون قضاءه ويتعلمون أعماله، وقال الفقهاء: لا يجلس حوله [أحد] (١)، وذلك منقسم، أما من كان قصده التعلم ويظن ذلك به فليقرب، ومن كانت إرادته الدنيا ليس المعلم فليباعد، ومن كان قصده التعلم ويطوي في ذلك نيل معاش حلال فيمكن (٢) ذلك بحسب ما [يظهر للعامل] (٣) القاضي من شمائل أو فراسة. انتهى.
وتجارة لأرض حرب يعني أن التجارة إلى أرض الحرب أو إلى بلد السودان تقدح في العدالة. قال سحنون من ركب البحر إلى بلاد الروم لطلب الدنيا فهو جرحة في حقه وهو المشهور لجري أحكام الكفر عليه. قاله الخرشي. وقال عن بعض الشراح: أي إذا كانت تجري عليه أحكام الحربيين، وقيده بعضهم بما إذا علم ذلك. وظاهر كلام المؤلف الإطلاق؛ ومثل أرض الحرب أرض السودان. اهـ. وقال الخرشي: السفر إلى أرض الحرب على ثلاثة أوجه، فإن كانوا يُكرِهون من سافر إليهم على فعل ما لا يجوز من التقرب لآلهتهم أو على شرب خمر لم يجز السفر إليهم، وإن كانوا لا
стр. 8167
يُكرهون على شيء مما ذكر ولكن يناله مذلة وصَغار لم يجز أيضا والأول أشدت وإن كان سفره إليهم كسفره إلى بلد الإسلام كان الأمر أخف ولا يبلغ به الجرحة. وظاهر قول اللخمي أنه في القسم الأول والثاني جرحة، وقال ابن حبيب: قول مالك وأصحابه أنه لا يجوز دخول أرض الحرب لا تاجرا ولا غير تاجر إلا أن يدخلها للمفاداة، وينبغي أن يمنع الإمام من ذلك ويشدد ويجعل الوعد فيه. قال سحنون: من ركب البحر إلى بلاد الروم لخ.
وقوله: "وتجارة" مفهومه أنه لو دخل دار الحرب بمفاداة أسير من المسلمين عندهم أو أدخلته الريح غلبة فلا يكون جرحة وهو كذلك. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وتجارة لأرض حرب أو ببلد سودان، واحترز بتجارة عن دخول أرضهم لفداء مسلم عندهم أو أدخلته الريح غلبة، ولا تجوز شهادة تجار لا يعرفون أحكام البيع والشراء، لما في مال ولما في نكاح ولا في شيء من الأشياء لغلبة أكلهم الربا بسبب جهلهم أحكام البيع والشراء. هذا مذهب مالك وأجازها ابن مسلمة في تقويم ما بأيديهم من السلع لرفتهم بها، وكذا يقول المالكية حيث لم يرى التقويم غيرهم. اهـ. وقال المواق: قال سحنون: لا تجوز شهادة من تجر إلى أرض العدو، وأجازها أبو صالح في المختلفين إلى أرض العدو إذا كانوا لا بأس بحالهم، قال البرزلي: كان شيخنا الإمام يقول في السفر في مراكب الروم: نُظر في حال هذا، كان بعض أهل الصلاح يركب معهم. اهـ. وقال ابن مرزوق: وفي المتيطي: وقال أصبغ: لا تجوز شهادة الدرب في البحر إلى أرض الحرب للتجارة. انتهى. الجوهري: الدرب معروف وأصله المضيق في الجبال، ومنه قولهم: أدرب القوم إذا دخلوا أرض العدو من بلاد الروم. اهـ. ومنه درب الحجاز لبريته المشهورة، وكأن عبارة أصبغ تعطي أن التجريح بما ذكر لتغريره بنفسه كما قيل في قول الشيخ: وبلد السودان لا لجري أحكام الكفر، وقد تكون العلة مركبة من الأمرين. اهـ.
وسكنى مغصوبة يعني أن الشهادة ترد بالانتفاع بكل ما علم غصبه، كسكنى الدار المغصوبة ونحو ذلك، وسواء كان الشاهد الساكن في الدار المغصوبة أو المنتفع بما علم غصبه هو الغاصبَ أو غيرَه. قال عبد الباقي: وسكنى دار مغصوبة، وكذا كل انتفاع بما علم غصبه. انتهى. وقوله: "سكنى
стр. 8168
مغصوبة" قال ابن مرزوق: وهذا بين لأن سكناه في الدار المغصوبة فسق والفاسق لا تجوز شهادته. انتهى.
أوْ مَعَ وَلَدٍ شرِّيبٍ يعني أن الشهادة تسقط أيضا بسكنى الشاهد مع ولد له شريب أي كثير شرب الخمر، وهذا إن علم به ولم يغير عليه مع القدرة، وأما إن غير عليه جهده ولم ينزجر أو لم يقدر على التغيير ولا على الانتقال عنه فلا تسقط شهادته إذا هجره بقدر الإمكان، ويفهم قيد المعلم من قوله: "شريب" إذ الغالب على من يساكن من تكون حاله هذه أنه لا يخفى عليه حاله ويعلم قيد نفي التغيير، وما ذكر بعده من كون هذا الأصل من باب تغيير المنكر فمن تركه مع القدرة وتوفر شروط التغيير فهو آثمٌ مجرح، ومن فعل ما وجب عليه من ذلك بغاية الإمكان فقد سقط عنه الفرض؛ وقد قال ﷺ : (من رآى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (١)، وإذا عرفت هذا علمت أنه لا فرق في مساكنة الشريب بين الولد وغيره. قاله ابن مرزوق.
وقال عبد الباقي: أو سكنى مع ولد شريب أيمما مكثر شرب خمر كما تفيده صيغة المبالغة؛ لأن سكوته على ذلك مع قدرته على منعه أو إزالته دليل على عدم مروءته. قاله الش. والكثرة بالعرف أو تفسر بما فسر به إدامة الشطرنج، تردد في ذلك بعض وتعليله يفيد أن غير الولد مثله، ويفهم بالأولى لزيادة محبة ولده على غيره من أقاربه غالبا، وكذا كل ما يحرم أكله وتعاطي سائر ما يحرم مع قدرة على الإزالة في الجميع. اهـ.
وقال الشبراخيتي: أو بسكناه مع ولد - وأحْرى غيره، وإنما نص على المتوهم - شريب بكسر الراء المشددة من ألفاظ المبالغة أي يكثر شرب السكر من خمر أو غيره ولا مفهوم للشريب، والمراد السكنى مع شخص مرتكب للمعاصي وهذا إذا علم به ولم يُغَيِّر عليه مع القدرة، وأما إن لم يعلم أو غير جهده ولم ينزجر أو لم يقدر على التغيير ولا على الانتقال عنه لم تسقط شهادته إذا هجره طاقته. اهـ.
стр. 8169
وقال التتائي: وسكنى دار مغصوبة غصبها غيره: وسكنها هو لأنه مأمور بالخروج منها في كل وقت، وقد اختلف العلماء في صحة الصلاة فيها وأحرى إن كان هو الغاصب، أو سكناه مع ولد له شريب أي يكثر شرب السكر من خمر أو غيره، وكذا كراء داره لمن يبيعه بها أو يبيعها لمن يبيعه بها وترد أيضا شهادة بائعه. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن فرحون: من الموانع أن يسكن في دار يعلم أن أصلها مغصوب. اهـ. وقال ابنه: ومن ذلك معاملة أهل المغصوب والسلف منهم؛ وقال بعده: والطحن في الرحى المغصوبة إذا علم ذلك. اهـ.
وقال البناني: قال في المفيد عاطفا على ما تبطل به الشهادة: وبسكناه دارا يعلم أن أصلها مغصوب، أو يكون له ولد شريب يسمع الغناء من الخدم وغيرهن ويسكن معه في دار واحدة. اننهى. وقال أبو عمر في كافيه: ومن جلس مجلسا واحدا مع أهل الخمر في مجالسهم طائعا غير مضطر سقطت شهادته وإن لم يشربها، ومن دخل الحمام بغير مئزر وأبدى عورته سقطت شهادته وبانت جرحته إلا أن يكون وحده أو مع حليلته. اهـ.
وبوطء من لا توطأ قال الخرشي: يعني أن من وطئ من لا توطأ شرعا لا تجوز شهادته، كمن اشترى أمة فوطئها قبل استبرائها، وكذلك من وطيء زوجته في حيضها أو في نفاسها أو عادة كوطء من لا تطيق الوطء، ويشهد لذلك ما نقله حلولو في قوله في النكاح: "والبتوتة حتى يولج بالغ قدر الحشفة" ونصه: واشترط اللخمي وغيره كون الزوجة مطيقة للوطء، وأما إن كانت صغيرة جدا فلا تحل بذلك وهي جناية. اهـ. فاقتضى أن وطء غير المطيقة حرام لأنه جناية، ومحل رد الشهادة في ذلك، ووجوب الأدب عليه إذا كان يعلم حرمة ذلك. اهـ. ونحوه لعبد الباقي والشبراخيتي، فإنه قال: وبوطء من لا توطأ أي من لا يجوز وطؤها شرعا، لحيض وصوم وإحرام واستبراء وأمة مشتركة ونحوها، أو عادة كوطء من لا تطيق الوطء ويؤدب إن كان يعلم حرمة ذلك.
وبالتفاته في الصلاة يعني أن المصلي إذا التفت في صلاته فإن ذلك يكون قادحا في شهادته. قال الخرشي: يعني أن المصلي إذا التفت في صلاته عن يمينه أو عن شماله يكون قادحا في عدالته،
стр. 8170
وسواء كانت صلاته فرضا أو نفلا لأن ذلك يدل على عدم اكتراثه بها ويدل على استخفافه بها، وذلك مخل بالمروءة. وقال حلولو: يعني - والله أعلم - إذا كثر ذلك منه لغير ضرورة، وفي شرح الأجهوري: وظاهره يشمل من لم يتكرر منه ذلك. اهـ. وكذلك ترد شهادته إذا كان لا يقيم صلبه في أركانها من غير عذر، وكذا من أخر صلاته عن وقتها الاختياري عمدا إذ لا يجوز تأخيرها عن وقتها الاختياري من غير عذر. اهـ. ونحوه لعبد الباقي. قول الخرشي: فرضا أو نفلا، قال البناني: هكذا نقله ابن يونس وغيره عن ابن كنانة. وقال ابن عرفة: الأظهر إن علمت إقامته في الفرض جازت شهادته. اهـ. قاله البناني.
قوله: عكذا نقله ابن يونس، قال الرهوني: فيه نظر؛ لأن كلامه صريح في أن كلام ابن كنانة واختيار ابن عرفة هو في الالتفات وليس كذلك، فإن الذي قال ابن كنانة ونقله عنه ابن يونس وغيره من التسوية بين الفرض والنفل لم يقله في الالتفات [في نص] (١) ابن يونس، قال ابن كنانة: ومن لا يقيم صلبه في الصلاة في الركوع والسجود فلا تقبل شهادته إذا تعمد ذلك في فريضة أو نافلة. اهـ. وهكذا نقله المواق. وقال ابن كنانة: ولا تقبل شهادة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود في فريضة أو نافلة إذا كان فعله ذلك من غير سهو ولا عذر. اهـ. ونص ابن عرفة في الواضحة عن الأخوين وابن عبد الحكم وأصبغ من يُعرَفُ أنه لا يقيم صلبه في الركوع والسجود دون عذر لم تجز شهادته، قلت: الأظهر إن علم إقامته في الفرض جازت شهادته. اهـ. فأنت ترى هذه المنصوص كلها إنما فيها التسوية بين الفريضة والنافلة في عدم إقامة الصلب، ولم يذكروا عنه الالتفات أصلا ولم يذكر في المفيد الالتفات إلا عن بعض العلماء، فإنه قال: قال بعض العلماء: يجرح الشاهد بأكل الربا فذكر أمورا إلى أن قال: وبالالتفات يمينا وشمالا. ونقله ابن مرزوق شاهدا للمص مقتصرا عليه. وظاهره الإطلاق لكن اختيار ابن عرفة السابق يجري في
стр. 8171
الالتفات بالأحرى، ولا يصح قياس الالتفات على ما لابن كنانة من تعميم الإقامة في الركوع والسجود لوضوح الفارق. انتهى.
فرع: قال البناني: نقل ابن يونس في الكثير المال القوي على الحج فلم يحج: فهو جرحة إذا طال زمانه واتصل وفره وليس به سقم، قيل له: وإن كان بالأندلس؟ قال: وإن كان. اهـ. ومثله في العتبية عن سحنون، قال ابن رشد عقبه: وهذا بين على ما قاله؛ لأن الحج من دعائم الإسلام الخمس، قال: وإنما اشترط طول الزمان مع القدرة لاختلاف أهل المعلم في الحج، هل على الفور أو على التراخي؟ فلا يكون تأخيره كبيرة إلا أن يؤخره تأخيرا كثيرا يغلب على الظن فواته به، والذي أقول به: إن ذلك لا يكون إلا بعد بلوغ حد التعمير وهو سبعون عاما، فمن تركه بعد السبعين وهو قادر عليه فهو عنده آثم بإجماع مجرح ساقط الشهادة. وقوله: في أهل الأندلس إنهم لا عذر لهم بسبب البحر لقدرتهم على الانتقال إلى موضع لا يكون بينهم وبين الحج بحر، معناه أنهم إن كانوا من الأندلس بموضع يتعذر الجواز منه فإنهم يقدرون على الانتقال منه إلى موضع لا يتعذر الجواز منه، فإنما تكلم - والله أعلم - على ما وصف له من تعذر الجواز في البحر في موضع دون موضع. اهـ باختصار.
وباقتراضه حجارة من المسجد يعني أنه إذا تسلف حجارة أو خشبة أو غير ذلك من المسجد فإنه يجرح بذلك ولو رد مثلها؛ لأنه من معنى بيع الحبس، وكما يجرح آخذها يجرح دافعها له، ولذا قال ابن مرزوق: وفي بعض النسخ: وبإقراضه، فيكون المراد الذي يعطيها سلفا والأمر فيهما سواء. اهـ. وكلام المص حيث علم الحرمة، وأما الجاهل فمعذور. انظر الرهوني.
وقال عبد الباقي: وباقتراضه حجارة أو خشبا ونحوه من المسجد أو الحبس غير المسجد مع علمه بالحرمة فيهما، قال أحمد: ظاهره ولو اشتريت من غلة الوقف لأجل المسجد وهو ظاهر، وأما اقتراض الناظر ما يحصل من غلته فحكمه حكم اقتراض الوديعة. قاله بعض شيوخنا. اهـ. وقال الشبراخيتي: وباقتراضه حجارة أو لبنا من المسجد يبني بها أو يرم بها إذا علم حرمة ذلك، وأما إن جهل فلا ترد شهادته كما في النوادر، وسواء كان المسجد عامرا أو خَرِبا سواء كان يحتاج
стр. 8172
لتلك الحجارة أم لا، يرجى عمارة أم لا، ولو قال: من الحبس، كان أشمل. وأما اقتراض الناظر ما يحصل من غلة الوقف فحكمه حكم اقتراض الوديعة. انتهى.
وقال الخرشي: وباقتراضه حجارة من المسجد أو لبنا وهو عالم بالتحريم فإنه يكون قادحا في عدالته: ولو رد مثل ذلك إلى المسجد، وأما لو جهل الحكم فإن ذلك لا يكون قادحا في عدالته، ومذهب ابن القاسم أنه لا يجوز صرف فاضلِ حبسٍ في غيره وعليه فلا يجوز سلفه. اهـ. ولو عبر المؤلف بالحبس بدل المسجد لكان أشمل ولا مفهوم للحجارة. اهـ.
وعدم إحكام الوضوء يعني أن من لم يُحكم الوضوء بضم الياء وكسر الكاف؛ أي لم يتقنه فإن شهادته باطلة، فقوله: "إحكام" بكسر الهمزة أي يجرح الشاهد بعدم إحكامه أي إتقانه للوضوء. قال المواق: ابن كنانة: لا تجوز شهادة من لا يُحكم الوضوء. اهـ. وأحرى إذا لم يعرف ذلك، والغسل يعني أن من لم يتقن الغسل تبطل شهادته، وأحرى إذا لم يعرف ذلك، فقوله: "والغسل" عطف على "الوضوء" أي تبطل الشهادة بعدم إحكام الغسل.
والزكاة يعني أن من لا يرف أحكام الزكاة وهي لازمة له، كما قال: لمن لزمته الزكاة فإن شهادته باطلة، فالزكاة عطف على "إحكام" على حذف مضاف أي عدم معرفة نصاب الزكاة أو عطف على الوضوء، والمعنى على هذا أن التساهل في الوضوء والغسل وفي إخراج الزكاة لمن لزمته الزكاة مسقط للشهادة أي كل منها على انفراده تبطل الشهادة بالتساهل فيه. قال عبد الباقي: وعدم إحكام بكسر الهمزة أي إتقان الوضوء أو التيمم والغسل والزكاة لمن لزمته؛ أي التساهل في فعل الوضوء والغسل والتساهل في إخراج الزكاة، وهذا بناء على عطف الزكاة على الوضوء، ويحتمل عطفها على إحكام وفي الكلام حذف مضاف أي وعدم معرفة نصاب الزكاة. قاله أحمد. والاحتمال الأول فيما لا يأخذها ساع بأن تكون لا ساعي لها كالنقد، أو لها ولم يخرج وكالحرث زماننا بمصر، وكذا كل ما يلزمه فعله كحج مستطيع، والأغلف الذي لا عذر له في الختان لا تجوز شهادته. اهـ.
стр. 8173
وقال الشبراخيتي: وعدم إحكام بكسر الهمزة بمعنى إتقان الوضوء والغسل، وأحرى من لم يعرف ذلك ويصح فتحها أي عدم علم أحكام، وكذا من لم يعرف التيمم إذا لزمه ولو قال أحكام الطهارة لتنارل التيمم وغيره، ويلحق بعدم إحكام الوضوء والغسل كل شروط الصلاة وعدم معرفة الزكاة لمن لزمته، فهو معطوف على "إحكام"، وفي الكلام حذف مضاف كما قررنا، وهو شامل لعدم معرفة قدرها وقدر النصاب. اهـ.
وقال التتائي: وترد مع عدم إحكام الوضوء والغسل وأحرى إن لم يعرف ذلك، وكذا من لم يعرف التيمم إذا لزمه فرضه لسفر أو مرض، ويلحق بعدم إحكام الوضوء والغسل كل شروط الصلاة وعدم معرفة الزكاة لمن وجبت عليه وفي كم تجب من المال أو عدم معرفة قدر النصاب. قاله سحنون. ابن عرفة: إلا أن يكون ماله كثيرا لا يفتقر في زكاته لتحقيق قدر النصاب لأنه لا يتوقف إخراجه على معرفة قدره، وهذا في المعين لما في الماشية والزرع. اهـ.
والمنجم. الذي يدعي أنه يعرف القضاء جرحة، وقطع الدنانير والدراهم جرحة عند ابن القاسم ولا يعذر بجهل، وعنه أيضا: جرحة إلا أن يعذر بجهل. ابن رشد: قطعها على ثلاثة أوجه: إن قطع منها حتى ردها ناقصة وغش بها فلا اختلاف أنها جرحة، وإن قطعها وهي لا تجوز بأعيانها عدة وإنما تجوز بالميزان فلا خلاف أن ذلك ليس بجرحة، وإن قطعها وهي تجوز عددا في بلد لا يجوز فيه الناقص على أن ينفقها ويبين نقصها فهي مسألة الخلاف.
وسمع عيسى ابن القاسم: الفرار في الزحف من الصف، وإدمان لبس الحرير جرحة، وكذا الجلوس عليه إلا في مرة، ولا تقبل شهادة شاعر يمدح من أعطاه ويهجو من منعه. وفي المتيطي: وتجوز شهادة الشاعر الذي يصف النساء والخمر إذا كان عدلا، وقد فعل ذلك حسان وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وقال ابن زرب: إذا كان يكذب في شره لم تجز شهادته. اهـ. كلام التتائي.
стр. 8174
وقال ابن مرزوق: تنبيه: قد مر أن فاعل "لزمته" راجع إلى "الزكاة" فقوله: "لمن لزمته" راجع إلى "الزكاة"؛ أي أن جهله بأحكام الزكاة إنما يكون جرحة في حق من لزمته الزكاة، وأما الجهل بأحكام الوضوء والغسل فجرحة في حق كل مكلف. قاله ابن مرزوق. وذكر أن قوله: "إحكام" يحتمل فتح الهمزة وكسرها، قال: والنصوص توافق كلا من الاحتمالين، وقال ابن حبيب: وكذلك من عرف بتضييع الوضوء أو الزكاة ولا يعذر فيه بجهل. اهـ. وقال ابن مرزوق بعد جلب كلام كثير: والحاصل أن ما يجرح به الشاهد لا تحصى جزئياته ولا تخفى كلياته، وإنما ذكرنا ما ذكرنا تأنيسا بالجزئيات.
وبيع نرد وطنبور يعني أن بيع النرد والطنبور والمزامير وما أشبه ذلك يقدح في العدالة. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ولو أدخل الكاف على نرد ليدخل الزامير والعيدان لكان أحسن. اهـ. وقال عبد الباقي: وبيع نرد وطنبور ونحوه من كل آلة لهو، والطنبور بضم الطاء فارسي معرب، والطنبار لغة. ابن عرفة: وترد شهادة من يشتغل بمطلق علم الكيمياء، وأفتى الشيخ صالح الفقيه أبو الحسن بمنع إمامته.
واستحلاف أبيه يعني أن الولد إذا استحلف أباه أو أمه فإن ذلك يبطل شهادته؛ أي يكون جرحة في حقه إلا اليمين المنقلبة والمتعلق بها حق لغير الولد، وقوله: "واستحلاف أبيه" أي وحلفه بالفعل، واعلم أن المذهب أن الولد لا يمكن من حلف والده. وقوله: "واستحلاف أبيه" قال عبد الباقي: دنية وأمه نسبا في حقه عليهما أو على أحدهما وأنكره أي وحلفه بالفعل ولا يعذر بجهل، وربما يخرج بقوله: "استحلاف" المنقلبة من الولد والمتعلق بها حق لغير الولد؛ لأن المتعلق بها حق ليس للولد فيها طلب، والمنقلبة شأنها أن لا تطلب. اهـ.
تنبيه: قد مر للمص في باب الفلس أن الولد لا يحلف والده حيث قال: "وحبس السيد لكاتبه والجد والولد لأبيه لا عكسه كاليمين إلا المنقلبة والمتعلق بها حق لغيره". اهـ. قال البناني: وينبغي أن يحمل المص عليه هنا بأن يكون تفسيقه بذلك إنما هو بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا يمكن من تحليفه على المشهور. قال ابن رشد: واختلف في تحليف الرجل أباه في حق يدعيه قِبَلَه
стр. 8175
أو حدّه على ثلاثة أقوال، أحدما: أنه مكروه وليس بعقوق فيقضى له بذلك ولا تسقط شهادته.
الثاني: أن ذلك عقوق فلا يقضى له به وهو مذهب مالك، وأظهر الأقوال وأولاها بالصواب لا أوجب الله من بر الوالدين بنص القرآن وما تضافرت به الآثار، وقد روي أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: (لا يمين للولد على والده ولا للعبد على سيده) (١). والثالث: أن ذلك عقوق إلا أنه يقضى له به إن طلبه ويكون جرحة فيه تسقط به شهادته، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وهو بعيد؛ لأن العقوق إن كان من الكبائر فلا ينبغي أن يمكن من فعله أحد. اهـ. وقد علمت أن الخلاف إنما هو بالكراهة والتحريم خلافا للتتائي في ذكره الإباحة. اهـ. كلام البناني.
وقدح في المتوسط بكل يعني أن الشاهد المتوسط في العدالة إذا شهد على شخص وأعذر القاضي للمشهود عليه في ذلك الشاهد، فإنه يجوز له أن يقدح فيه بكل قادح من تجريح أو قرابة أو عداوة أو غير ذلك. قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: وقدح في الشاهد المتوسط العدالة إذا أدى شهادته وأعذر القاضي في ذلك للمطلوب بكل من الموانع المسابقة من تجريح وعداوة وقرابة؛ أي أن المشهود عليه إذا طلب القدح في الشاهد المتوسط فإنه يسمع القدح فيه ويوقف الحكم إلى إثباته: وأما إن لم يطلب ذلك، فإن كان به ضعف أو جهل سأله الحاكم في تجريح الشاهد عليه وإلا فلا، وحينئذ فقوله السابق: "وأعذر بأبَقِيَتْ لك حجة"؟ مقيد بما إذا كان به جهل أو ضعف. اهـ. وقال ابن مرزوق: يعني أن الشاهد الذي ليس بمبرز في العدالة بل هو متوسط الحال فيها يقبل فيه التجريح بكل نوع من أنواع الجرح: وقدح مبني للمفعول أي وسمع من المشهود عليه البينة بالقدح فيمن شهد عليه إن كان متوسط العدالة بكل مجرح من كل عدل، كان الذي جرحه مثله في العدالة أو فوقه أو أدنى منه، ويحتمل أن يكون "قدح" مبنيا للفاعل أي وقدح المشهود عليه في الشاهد عليه التوسط إلى آخر ما ذكرنا. اهـ.
وقال التتائي: وقدح في الشاهد المتوسط العدالة إذا أدى شهادته وأعذر القاضي في ذلك للمطلوب بكل من الموانع المسابقة، من تجريح وعداوة وقرابة. واختلف هل يقول له دونك فجرح؟ وهو قول
стр. 8176
ابن نافع ومطرف وابن الماجشون وابن كنانة: أولا يقول ذلك؟ وهو قول مالك. اهـ. وقال الرهوني: قال ابن مرزوق: واختلف المذهب هل يدعو الحاكم إلى الإعذار أم لا؟ وظاهر المدونة إن طلب الخصم ذلك منه، وإلا فإن ظن جهله أو ضعفه دعاه إليه، وإلا فلا. اهـ. فظاهره أن قوله: وإلا فإن ظهر جهله لخ هو من تمام ما عزاه لظاهرها، وصرح بذلك ابن يونس فقال: أشهب عن مالك في العتبية في البينة تعدل عند الحاكم فلا يقول للمطلوب دونك فجرح: وذلك توهين للشهادة. وقال ابن نافع: أرى أن يقول له ذلك، وقد يكون العدل عدوا للمشهود عليه، وقد فرق في المدونة بين من يجهل وجه التجريح وبين من لا يجهل. انتهى.
وفي المبرز بعداوة وقرابة الواو في قرابة بمعنى: أو؛ يعني أن البرز وهو من برز عن أقرانه في العدالة يقدح فيه بالعداوة والقرابة، بأن يشهد عدلان بأن بين المبرز والمشهود عليه عداوة دنيوية، أو بأن بينه وبين المشهود له قرابة متأكدة، كالأبوة والبنوة مثلا حيث كان العدلان الشاهدان بالعداوة أو القرابة مثل البرز، بل وإن كان القدح وقع بشاهدين عدلين دونه أي دون البرز في العدالة: ولو عبر المص بلو لرد قول ابن العطار لكان أحسن، فقد قال ابن عرفة: منع ابن العطار من إسقاط شهادته بالعداوة ممن هو دونه، وأجازها ابن الهندي: ونقل ابن مرزوق نحوه عن المتيطي ومثله في المفيد، ونصه: ومنع ابن العطار من إسقاط شهادته بالعداوة ممن هو دونه وأجازها ابن الهندي. انظر الرهوني.
وقوله: "بعداوة وقرابة" حقه أن يزيد وشبههما، والمراد بشبههما ما عدا الإسفاه أي الفسق وهذا هو الذي حكى عليه ابن ناجي الاتفاق، فإنه قال: فأما المتوسط في العدالة فتسمع فيه المطاعن كلها من تجريح وعداوة وصداقة، وأما المبرز في العدالة ومعناه الذي في أعلى درجاتها وهو في اللغة السابق فهذا يسمع فيه القدح بالعداوة والقرابة وشبههما، وهل يسمع فيه التجريح؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها لمطرف أنه يسمع ذلك فيه من كل عدل سواء كان دونه في العدالة أو مساويا أو أعلى درجة منه، ومقابله لأصبغ، والثالث التفصيل بين المساوي له في العدالة فأعلى فيسمع منه، وبين من هو دونه فلا يسمع، وظاهر قولها: وإذا طلب المشهود عليه تجريحا يقتضي أنه
стр. 8177
إنما يمكنه من ذلك إن طلب ذلك الخصم، وأما إن لم يدعه إليه فلا يطلبه، ومعناه ما لم يكن به جهل أو ضعف، فإن ظن ذلك دعاه إليه وهذا هو المشهور، وقيل: يدعوه القاضي إلى الإعذار مطلقا. اهـ. وما حكاه من الاتفاق وإن رده الرهوني فأقل أحواله أن يكون هو المشهور، وما رده به هو ما نقله عن التوضيح وابن عرفة أنه لا يباح تجريح المبرز بعداوة وقرابة ولا غيرهما، واستبعده ابن رشد. انتهى.
كغيرهما على المختار يعني أن اللخمي اختار قول مطرف المذكور أنه يجرح المبرز بالفسق كما يجرح بالعداوة والقرابة وشبههما، وقد علمت أن المقابل لقول مطرف التفصيل بين أن يجرحه من هو مساو له في العدالة أو أعلى منه فيسمع منه، ومن هو دونه فلا يسمع. وقول أصبغ: إنه لا يسمع منه مطلقا. والله تعالى أعلم.
تنبيهان: الأول: قال مقيده عفا الله تعالى عنه: قوله: "كَغَيْرِهِمَا على المختار" غَيرُ مخالف لما مر من قوله: "والبرز بغير عداوة" كما هو المفهوم من كلام غير واحد؛ إذ القدح فيه بالسفه لا يستلزم أن القاضي أعذر إليه كما هو واضح.
الثاني: قوله: "كغيرهما على المختار" هذا خلاف المعتمد، فإن المعتمد أنه إنما يقدح في المبرز بالعداوة والقرابة وشبههما هذا، هو الذي صححه القلشاني في شرح الرسالة، فإنه قال: رتبة التبريز لا يسمع في صاحبها التجريح بالإسفاه يعني الفسق على الصحيح من القولين، وإنما يسمع فيه التجريح بالعداوة والقرابة ونحو ذلك. اهـ. ويدل على أنه المعتمد أيضا اقتصار صاحب التحفة عليه وتسليم شراحه وحواشيه ذلك له، بل صرح أبو علي في حاشيته بأنه المشهور ونصه فيها: ولكن المشهور أن المبرز لا يجرح إلا بالعداوة. اهـ.
قال الرهوني: قلت يشهد لذلك ما نقله ابن عرفة عن ابن رشد وسلمه وهو ولابن رشد في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب: المبرز في العدالة لا يجرح بالإسفاه. قاله أصبغ في الواضحة. وهو تفسير لقول من أجمل القول في ذلك، كقول سحنون في نوازله وغيره من أصحاب مالك. اهـ. إلى غير ذلك من الأدلة على اعتماد هذا القول، فقول عبد الباقي عند قوله: "كغيرهما على المختار". هذا هو المعتمد. فيه نظر. انظر الرهوني. والله تعالى أعلم.
стр. 8178
وعلم مما مر أن محل قول المص: وأعذر بأبقيت لك حجة حيث كان به جهل أو ضعف وإلا فلا يعذر إليه على المعتمد، لكن إن طلب التجريح مكنه من ذلك في غير المبرز فيقدح فيه بكل قادح، وأما المبرز فبالقرابة والعداوة وشبههما لا بالفسوق على المعتمد. والله تعالى أعلم. وعلى أنه يقدح في المبرز بالفسوق فإن أثبته لم يحكم عليه بشهادة المبرز، وإلا أدب.
وزوال العداوة والفسق بما يغلب على الظن مني أن الشاهد إذا ردت شهادته لفسق أو لعداوة بينه وبين المشهود عليه، ثم شهد عليه ثانيا بغير الحق الأول فإن شهادته الثانية تقبل إن زالت عداوته أو فسقه بمضي زمن يغلب على الظن زوالهما به؛ أي ظن الناس زوالهما به ويسألهم القاضي عن ذلك فيخبرونه بذلك حيث بدا لهم. وقوله: "بما" أي وزوال العداوة والفسق بما أي بمضي زمن يغلب على الظن زوالها بمضيه مع قرائن تدل على ذلك، ويعتمد الشاهد في زوال العداوة على غلبة الظن بأن يصير إلى ما كانا عليه قبل العداوة، وفي الفسق بأن يتصف بصفات العدالة. وفسرت المص بأن ما في قوله: "بما" واقعة على زمن مع قرائن على حذف مضاف أي بمضي زمن يغلب على الظن زوال ما ذكر بمضيه مع قرائن تدل لخ. وفسرها عبد الباقي بأنها واقعة على قرائن، فقال: "بما" أي بقرائن يغلب على الظن زوالها بها، ففي العداوة رجوعهما إلى ما كانا عليه قبلها، وفي الفسق أن يتصف بصفات العدالة. وقولي: بغير الحق الأول تحرز عما إذا شهد بالحق الأول فإنها مردودة، كما مر في قوله: "ولا إن حرص على إزالة نقص فيما رد فيه" لخ.
وفي التتائي: وزوال العداوة بين الشاهد والمشهود عليه وزوال الفسق عن الشاهد يحصل ذلك في كل منهما بما يغلب على الظن، أما في العداوة فيعرف ذلك بأن يصير أمرهما كما في سماع أشهب إلى سلامة وصلاح. ابن رشد: صيرورتهما إلى صلاح هو أن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل الخصومة. ابن عرفة: مثله في سماع سحنون ونوازل أصبغ. اهـ. وأما الثاني فبعد توبته لا بمجرد قوله تبت: بل لا بد من القرائن الدالة على صدقه واتصافه بصفات العدالة. اهـ. وقال الشبراخيتي: وزوال العداوة بين الشاهد والمشهود عليه وزوال الفسق من الشاهد يحصل ذلك في كل منهما بما
стр. 8179
يغلب على الظن أي بالقرائن التي يحصل بها غلبة الظن بزوالهما لكثرة اختلاف الناس فيه، فمنهم من لا يظهر على باطنه على طول الدهر ويخالط الحذاق حتى يظن صالحا وهو في الباطن على خلافه، ومنهم خلافه فلذلك رجع إلى الظواهر وغلبة الظن وهي في العداوة رجوعهما إلى ما كانا عليه قبل الخصومة، وفي الثاني حصول ما يدل على صدقه في التوبة واتصافه بصفات العدالة. وقوله: "الظن" أي ظن الناس ويسألهم القاضي عن ذلك فيخبرونه به. اهـ.
واعلم أن المص تبع ابن الحاجب في تسويته بين العداوة والفسق، وبحث في ذلك ابن عرفة فقال بعد كلام: في إجراء العداوة على رفع الفسق نظر؛ لأن ثبوت عدالة الشاهد شرط في قبول شهادته؛ فنظر القاضي في ثبوتها ضروري وهو مستلزم لرفع فسقه أو بقائه، وأما العداوة فلا نظر للقاضي في رفعها لأنه مانع يبديه المشهود عليه، فإن أثبتها ثم شهد عليه بعد ذلك احتمل النظر في تكليفه إياها ثانيا لاحتمال ارتفاعها وعدمه لاحتمال بقائها، والأظهر تخريجها على حكم من عدل في شهادة ثم شهد شهادة أخرى هل تستصحب عدالته أو يستأنف إثباتها؛ وقد تقدمت. اهـ.
قال بعضهم: إنما يتم الفرق الذي ذكره إذا لم يثبت المانع، أما مع ثبوته فلا يسوغ للحاكم الحكم إلا أن يثبت رفعه، وليس هذا من قبيل الشك في المانع بل من قبيل الشك في رافعه. اهـ. نقله التتائي في كبيره. قال البناني: وعليه فيكفي شاهدا للمص وابن الحاجب ما نقله ابن عرفة عن السماع. اهـ. يعني السماع الذي قدمت الإشارة إليه في الرجلين يختصمان ثم يشهد أحدهما على صاحبه بعد سنين، قال: إن صار أمرهما إلى صلاح وسلامة فذلك جائز. ابن رشد: صيرورة أمرهما إلى صلاح هو أن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل الخصومة ومثله في سماع سحنون ونوازل أصبغ. اهـ. قال عبد الباقي: وبَحْثُ ابن عرفة مخالف للمنصوص، وقال الرهوني. قول البناني: فما نقله ابن عرفة عن السماع يكفي شاهدا للمص لخ ظاهر، وقد قال ابن مرزوق ما نصه: وفي النوادر وغيرها، ومن العتبية: أشهب عن مالك: فنقل ذلك ثم نقل كلام اللخمي، وقال عقبه: وهذا مثل ما في النوادر عن أشهب، ثم قال: وكل هذا معنى قول المص: بما يغلب على الظن، وقد ترك ابن عرفة والبناني من كلام ابن رشد ما لا يصلح تركه، فإنه زاد بعد ما نقلاه عنه، وإذا
стр. 8180
كانت بينهما عداوة معلومة فاصطلحا جازت شهادة كل واحد منهما على صاحبه. وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: وذلك إذا طال الأمر واستمر الصلح وظهرت براءتهما من ذحْل العداوة.
تنبيه: ذكر الحطاب مضمون ما في سماع أشهب هذا عند قول المص قبل: "ولا عدو" على عدوه وقال بإثره، قاله في سماع أشهب، ونقله ابن عرفة وقال في المسائل الملقوطة: مسألة: قوم بينهم فتنة أو بين آبائهم وأجدادهم ثم اصطلحوا فلا يشهد بعضهم على بعض حتى ينقضي القرن الذين شاهدوا الفتنة قاله مالك في أسئلة محمد بن سالم. وفي النوادر: ومثله لابن العربي في الأحكام، واستدل بقوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. اهـ كلام الحطاب. والظاهر أنه أتى بما في المسائل الملقوطة للتنبيه على أنه مخالف لما ذكره قبله عن سماع أشهب، لكن كلامه يوهم أن ما فيها أقوى وليس كذلك. اهـ. قاله الرهوني.
وقال: وقد أشار أبو العباس الملوي إلى اعتراضه، فكتب بهامش الحطاب ما نصه: أسئلة محمد بن سالم وكذلك الاحكام في مسائل الأحكام كل منهما مطعون فيه محذر من الاعتداد به، ويأتي للمص: "وزوال العداوة والفسق بما يغلب على الظن بلا حد". اهـ. قلت: وما قاله من مخالفة ذلك لكلام المص هنا ظاهر. اهـ كلام الرهوني. ثم قال بعد كلام: فتعين العمل بما قاله المص هنا لا بما قاله في المسائل الملقوطة. اهـ.
بلا حد يعني أن زوال العداوة والفسق يرجع فيه إلى القرائن التي يغلب على الظن بسَبَبهَا زوالهما ولا حد في ذلك بزمن مخصوص، خلافا لمن حد ذلك بستة أشهر وخلافا لمن حده بسنة. قال ابن مرزوق: ومن العتبية: أشهب عن مالك: إن وقعت بينهما خصومة فأقاما سنين ثم شهد أحدهما على الآخر، إن صار أمرهما إلى سلامة وصلح فذلك جائز، وقال ابن الماجشون: إن سلم عليه فقط ولم يكلمه في غير ذلك إن كان له خاصَّةً لم يخرج من الهجرة لما في الإثم ولما في جواز الشهادة، وإن لم يكن ما بينهما خاصا فذلك يخرجه من الهجرة. اهـ. وقال اللخمي: لا تجوز شهادة الخصم والعدو والمتهاجرين، فإن اصطلحا فقال قال محمد: تجوز، وقال مطرف وابن الماجشون:
стр. 8181
إن شهد بحدثان الصلح لم تجز، وإن طال وتحقق صلحهما وظَهرت براءتهما من ذحل العداوة والخصومة جازت. اهـ. وهذا كما في النوادر. وَقول محمد: لا ينبغي أن يكون خلافا لهم، وحمله ابن عبد السلام على الخلاف اعتمادا على إطلاقه وكل هذا معنى قول المص: "بما يغلب على الظن". وقوله: "بلا حد" أي من غير تحديد بزمان ولا غيره كالسلام ونحوه. اهـ.
وتحصَّلَ مما مر أن معنى قول المص: "وزوال العداوة والفسق بما يغلب على الظن بلا حد" أنه إنما ينظر في زوال العداوة والفسق للقرائن التي يغلب على الظن بسبب حصولها زوالهما، ولا بد من طول زمن بين الشهادتين ولا حد في قدر ذلك الزمن ولما فيما يقع بينهما من سلام ونحوه، وإنما الرجع في زوالهما بما يغلب على الظن من زوالهما بسبب القرائن وطول الزمن. والله تعالى أعلم.
ومن امتنعت له لم يزك شاهده يعني أن من امتنعت شهادتك له لأجل القرابة المتأكدة كأبيك وابنك ونحوهما لا يجوز لك أن تزكي من شهد له لأنك تجد له بذلك منفعة، فلا تمح شهادتك بذلك، وكما لم يزك شاهده لم يجرح شاهدا عليه بحق لأنه يدفع عنه بذلك مضغ فيجرح معطوف على مدخول "لم". قاله عبد الباقي. وقال ابن مرزوق: والمعنى أن كل من لا تقبل شهادته على غيره لقرابة ونحوها لا تقبل تزكيته لمن شهد لذلك الغير، ولا يقبل تجريحه لمن شهد عليه أيضا وهذا بين؛ لأن تزكيته وتجريحه لمن ذكر لما كانا نافعين لمن امتنعت له امتنعا لأنهما يرجعان إلى الشهادة لمن تقبل له.
ومن امتنعت عليه فالعكس يعني أن من لا تقبل شهادته على غيره لعداوه أو نحوها لم يقبل تجريحه لمن شهد لذلك الغير ولا تزكيته لمن شهد عليه، وإنما لم يقبلا منه لأنهما يضران المشهود عليه فامنتع قبولهما منه كما تمنع شهادته عليه، وفهم من المص أن من امتنعت له يزكي من شهد عليه ويجرح من شهد له، وإن امتنعت عليه يزكي من شهد له ويجرح من شهد عليه. إلا الصبيان مستثنى من قوله أول الباب: "العدو بالغ" لخ. قال الخرشي: لما ذكر شروط شهادة البالغين وانتفاء موانعها، أخرج من ذلك شهادة الصبيان بعضهم على بعض فإنها لا يشترط فيها جميع الشروط ولا انتفاء كل الموانع، فتجوز شهادتهم بشروطها الآتية وهو مذهب مالك وجماعة
стр. 8182
من الصحابة منهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية ﵁، ومنعها الأئمة الثلاثة وابن عباس وجماعة، وإنما جازت شهادة الصبيان للضرورة ولأنهم يندبون إلى تعليم الرمي والصراع وغير ذلك مما يُدَرِبُهُم على حمل السلاح والكر والفر، والغالب أن الكبار لا تحضر معهم، فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى ذلك إلى إهدار دمائهم. اهـ. والاستثناء منقطع أي تجوز شهادة العدل بالشروط المذكورة، لكن شهادة الصبيان تجوز في القتل والجرح بالشروط التي ستذكر.
لا نساء في كعرس يعني أن النساء عند اجتماعهن في عرس أو حمام أو وليمة أو مأتم كمقعد أي حزن لَسْنَ كالصبيان فلا تجوز شهادتهن في القتل والجرح، فلا بد من استيفائهن للشروط المتقدمة، فإذا توفرت قبلت فيما تقبل فيه شهادتهن وهو المال وما يؤول إليه، فالمنفي هو أنهن لسن كالصبيان. قال الرهوني مفسرا لقول المص "لا نساء": أي لا يستثنى النساء كما استثني الصبيان لا يتوهم من أن اجتماعهن لا يحضره الرجال فيكن كالصبيان للمساواة في العلة، وأما ما ذكر الزرقاني ففيه نظر ولا سيما قوله: لأنهن لا يقبلن فيهما فهو غير صحيح، لصادمته لقول المص الآتي: "أو جرح خطإ أو مال"، ولقول الباجي: وسواء كان الكبار رجالا أو نساء؛ لأن النساء يجزن في الخطإ، وعمد الصبي كالخطإ، قاله كله سحنون. اهـ. ومثله في ابن يونس وغيره، ولما نقل ابن عرفة كلام الباجي، قال عقبه ما نصه: قلت هو نصها مع كل المذهب. انتهى.
في جرح أو قتل راجع للأمرين قبله إثباتا في الأول ونفيا في الثاني؛ يعني أن شهادة الصبيان جائزة في الجرح والقتل لما في المال، فلا تجوز في غصب بعضهم من بعض، ولا تجوز شهادة النساء في الجرح والقتل عند اجتماعهن في كعرس إلا إذا توفرت فيهن الشروط المتقدمة، فتجوز في المال وما يؤول إليه كجرح المال كما يأتي. وفي حاشية الشيخ البناني: ابن عرفة: الباجي: إذا جوزت في القتل، فقال غير واحد من أصحاب مالك: لا تجوز فيه حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولا. ابن رشد: رواه ابن القاسم عن مالك وقاله غير واحد من أصحابه. اهـ. واعلم أنه لا
стр. 8183
قسامة في شهادة الصبيان، وقال ابن مرزوق: وقوله: "لانساء في كعرس" أي ولا يلحق بشهادة الصبيان بينهم شهادة النساء بينهن في الجرح والقتل في الموضع الذي يجتمعن فيه حيث لا رجال كبارا كالأعراس، بما يتوهم من جامع الضرورة إلى قبولهن لأن شهادة الصبيان قبولها خارج عن القياس: ومن شرط الأصل المقيس عليه أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس، ولأن اجتماع الصبيان لما ذكر مأذون فيه شرعا بخلاف اجتماع النساء، قلت: كذا قيل وفيه نظر، أما نحو اجتماعهن في الحمام فمسلم أنه غير مأذون فيه وكذا في نحو العرس على ما هو الحال اليوم، وأما في العرس على الوجه المشروع فلما لما جاء في السنة من الإذن لهن في ذلك، كقوله ﷺ في الصحيح لأمنا عائشة ﵂ وقد أقبلت من عرس: (أكان معكن لهو فإن الأنصار يحبون اللهو) (١)، فيبقى الفارق الأول. اهـ. يعني - والله تعالى أعلم - كون شهادتهم مقبولة بالسنة، وكونهم يندبون إلى ذلك تدريبا لهم على الحروب.
وقال الرهوني: قال ابن سحنون: قلت لسحنون: لم أجزت شهادة الصبيان بينهم في الجراح ولم تجزها في الحقوق؟ قال: للضرورة؛ لأن الحقوق يحضرها الكبار ولا يحضرون في جراح الصبيان، ألا ترى لو حضر فيهم كبير لم تجز شهادتهم؟ قلت: فيلزمك أن تجيزها في غصب بعضهم بعضا، قال: هذا اتباع الماضين ولا وجه للقياس فيما هو سنة أو هو كالسنة. قال غير سحنون: لا يستوي المال والدماء وقد فرقت الأئمة بينهما فقبلوا في الدماء ما لم يقبلوه في المال: وما الضرورة، إلى تحصين دماء الصبيان كَالضَّرورة إلى تحصين أموالهم فلكل شيء من هذا موقعه. انتهى. قال الرهوني: الفرق بينهما ظاهر وإن خفي على هؤلاء السادات الأكابر؛ لأن إلغاء شهادتهم في غصب الأموال لا يوجب بطلانها لإمكان توصل من غصب منه شيء إلى أخذه بإقامة البينة أنه كان يملكه قَبْلُ لتَيَسُّر ذلك في الغالب، بخلاف الجرح والقتل فتأمله بإنصاف. والله الموفق. اهـ.
وقوله: "في جرح أو قتل" قال التتائي: عند ابن القاسم وهو المشهور، وقال ابن مرزوق: قال اللخمي: شهادة الصبيان فيما بينهم من جراح أو قتل، قال مالك: تجوز فيهما وقيل تجوز في
стр. 8184
الجراح خاصة، وقال ابن عبد الحكم: لا تجوز فيهما لأن الله تعالى إنما أجاز شهادة العدل الرضى، والأول أحسن لأن القتل والجرح موجود والشأن صدقهم عند أول قولهم والضرورة تدعو إلى معرفة ذلك منهم، والقول الثاني عزاه في المدونة لأشهب وغيره، وأما شهادة النساء في هذا الباب؛ فقال ابن الجلاب: ولا تجوز شهادة النساء بعضهن على بعض في المواضع التي لا يحضرها الرجال مثل الحمام والرس والأتم، وقال بعض أصحابنا: تجوز شهادتهن في ذلك واعتبرها بشهادة الصبيان بعضهم على بعض.
ولشهادة الصبيان شروط أشار لأولها بقوله: والشاهد حر يعني أن شهادة الصبيان المذكورة إنما تصح حيثما كان الصبي الشاهد حرا، لا إن كان قنا كله أو بعضه؛ لأن كبار القن لا تقبل شهادتهم فصغارهم أحرى، وحكى عبد الوهاب عن بعض متأخري أصحابنا أن شهادة صغار العبيد جائزة. نقله الرهوني. ولا خلاف في اشتراط الإسلام فلا يقبل صغار أهل الذمة لكن لا يخفى أن اشتراط الحرية يتضمن اشتراط الإسلام كما قال ابن غازي؛ لأن عدم قبول شهادة العبد كونه رقا والرق أثر الكفر وليس في كلامه اعتبار ذلك في المشهود عليه. قال التتائي: ولا فرق بين أن يشهد صغار المسلمين على حر أو عبد، لكنه خلاف قول المواق عند قوله: "إلا الصبيان" من اعتبار الحرية والإسلام في المشهود عليه. اهـ. يشير به إلى قول المواق، قال المقري: كل من ليس بحر، مسلم، مكلف، عدل، مستعمل لمروءة مثله لا تقبل شهادته، إلا بعض ذكور صبيان المسلمين الأحرار على بعض في الدماء. انتهى. ويأتي تحقيق هذا عند قوله: "ولا قريب".
ولثانيها بقوله: مميز يعني أنه يشترط في صحة شهادة الصبي المذكور أن يكون مميزا؛ لأن غيره لا يضبط ما يقول ولا يثبت على ما يفعله، قال عبد الباقي: ولا بد من كونه ابن عشر سنين وما قاربها في القلة كما في المدونة، وليدر في كلامه ما يدل عليه. اهـ. قال الرهوني: فيه نظر عَزْوًا وفِقْهًا؛ إذ لم يذكر في المدونة التمييز في شهادة الصبيان أصلا، والذي في ابن عرفة هو قوله: وشَرَطَ القاضي أن يكون ممن يعقل الشهادة، قلت: لقولها: وتجوز وصية ابن عشر سنين وأقل مما يقاربها. اهـ. فليس فيه أن ذلك في المدونة نصا ولا أنه شرط لا بد منه؛ ولذلك قال ابن
стр. 8185
مرزوق: ولا خفاء لوجه اشتراط التمييز لأن غير المميز كالبهيمة، وينبغي أن يكون من المميز ما ذكره المحدثون في من [من] (١) يصح سماعه من أربع أو غيرها أو إحالته على وجود الضبط المختلف باختلاف الصبيان وهو التحقيق. اهـ. وفي القصد المحمود: وأن يكونوا ممن يعقل ابن سبع فما فوق. اهـ. والمميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب وهذا يعقل الشهادة. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: وإنما لم تجز شهادة غير المميز لأنه لا يثبت على ما يعانيه من الأمور ولا تنضبط أحواله ولا يحرص على ما يصدر منه من الأقوال. اهـ.
ولثالثها بقوله: ذكر يعني أنه لا بد في شهادة الصبي المذكورة من كونه ذكرا، فلا تقبل شهادة صغار البنات أو كن مع صبي على المشهور وهو قول مالك وابن القاسم. قاله التتائي وقال عبد الباقي: ذكر فلا تجوز شهارة الإناث من الصبيان وإن كثرن. قاله في المدونة. يريد ولو كان معهن ذكرت وهذا يقتضي أن لفظ الصبيان يستعمل في الإناث. اهـ. وقيل تجوز شهادة الإناث من المسلمين الأحرار.
ولرابعها بقوله: تعَدَّدَ يعني أنه لا يعمل بشهادة الصبيان إلا أن تكون من متعدد اثنان فصاعدا، ففي المدونة: لا تجوز إلا شهادة اثنين منهم فأكثر بعضهم على بعض إذا كانوا صبيانا كلهم ولا تجوز شهادة واحد، قال: ولو شهدت بينة على قول الصبي إن فلانا الصبي قتله لم ينتفع بهذا إلا ببينة على القتل ولا يقسم بذلك، وإن اعترف القاتل وليس في الصبيان قسامة فيما بين بعضهم على بعض. قاله التتائي. وقال المواق من المدونة: لا تجوز إلا شهارة اثنين منهم فأكثر، ولا تجوز شهادة واحد ولا تجوز أيضا شهادة الإناث من الصبيان وإن كثرن. اهـ.
ولخامسها بقوله: لَيْسَ بعَدُوٍّ يعني أنه يشترط في قبول شهادة الصبي المذكورة أن يكون الصبي الشاهد غير عدو للمشهود عليه، سواء كانت العداوة بين الصبيان أنفسهم أو بين آبائهم. قال عبد الباقي: والظاهر أن مطلق العداوة هنا مضرة أي دينية أو دنيوية. اهـ. وهذا هو الذي يفيده ما نقله المواق عن المقري المتقدم عند قوله: "والشاهد حر".
стр. 8186
ولا قريبٍ أي ولا بد أيضا من كون الصبي الشاهد غير قريب للمشهود له، فإن كان قريبا له ولو بعيدة كعم وخال لم تقبل شهادته كما استظهره الجيزي. قاله عبد الباقي. وقال: وذِكْرُ المص الأوصاف المسابقة للشاهد يدل على أنها لا تشترط في المشهود عليه منهم، وصرح التتائي بعدم اشتراط الحرية والظاهر من كلامه أن التمييز كذلك دون الإسلام والذكورة، وظاهر ما ذكره المواق اعتبار الحرية والإسلام فيه وهو مشكل وإلا لم يكن لتخصيص المص الشاهد بذلك فائدة. اهـ. ولقد صدق عبد الباقي في أن المواق ذكر ما يفيد ذلك كما مرت الإشارة إليه، ونص المواق: قال المقري: كل من ليس بحر مسلم مكلف عدل مستعمل لمروءة مثله لا تقبل شهادته إلا بعض ذكور صبيان المسلمين الأحرار على بعض في الدماء. اهـ. وقد استظهر علي الأجهوري ما قاله التتائي وهو ظاهر نصوص المتقدمين والتأخرين؛ لأنهم إنما ذكروا الشروط في الشاهد فقط، فقول الزرقاني: وإلا لم يكن لتخصيص المص الشاهد بذلك فائدة، الأوْلى أن يقول بدله: وإلا لم يكن لتخصيص أهل المذهب الشاهد لخ. وقد صرح الباجي بذلك في المنتقى في الحرية وساقه فقه مسلما ونصه: إن شهد أحرارهم لعبيدهم جاز. قاله أشهب في المجموعة. اهـ. وقد أغفلوه كلهم. والله أعلم. قاله الرهوني. واشتراط المص انتفاء العداوة والقرابة بينهم، فحكاه في النوادر وابن يونس وغيرهما عن ابن القاسم، وقال ابن يونس: قال ابن المواز: ولا ينظر في الصبيان إلى عداوة أو قرابة، وقال ابن القاسم: لا تجوز لقريب ولا لعدو منهم إن ثبتت العداوة. وقال عبد الملك: تثبت في العداوة وتسقط في القرابة. اهـ. نقله ابن مرزوق.
ولسادس الشروط بقوله: ولا خلاف بينهم يعني أنه يشترط في قبول شهادة الصبيان أن لا يكون بينهم اختلاف في الشهادة، قال عبد الباقي: فلو شهد اثنان أن فلانا شج فلانا وشهد آخران أنه إنما شجه فلان غير ذلك بطلت، وإن قال واحد: قتل أو جرح فلان وآخر فلان لغيره منهم بطلت أيضا، وفي الشامل: لو لعب ستة منهم ببحر فغرق منهم واحد، فقال ثلاثة: إنما غرَّقه الاثنان، وقال الاثنان إنما غرقَّه الثلاثة، فالدية على الخمسة وقيل تبطل، ولو شهدا أن فلانا قتل فلانا وقال آخران إنما رفسته دابة قدمت بينة القتل. اهـ. وَوُجِّه الأخير بأن من أثبت حقا
стр. 8187
أولى ولكنه ضعيف والصحيح سقوطهما. اهـ كلام عبد الباقي. قوله: وإن قال واحد قتل أو جرح لخ، قال البناني: هذا مثال غير صواب؛ لأن الواحد لا يقبل في غير الاختلاف فضلا عنه. اهـ منه بلفظه. وقوله: وَوُجِّهَ الأخير أي الفرع الأخير في كلام الشامل وهو شهادة صبيين أن فلانا قتله وشهد آخَرَان أنَّ دابة أصابته. وقوله: والصحيح سقوطها صححه اللخمي، فإنه قال: والصحيح أنها قد اختلفت فتسقط جميعها. اهـ. ويشهد للشامل كلام الباجي في المنتقى فإنه ساق ما لابن الماجشون من تقديم بينة القتل مقتصرا عليه كأنه المذهب. قاله الرهوني. وما ذكره في مسألة الغرق مُصَدِّرًا به من كون العقل على الخمسة رواه ابن وهب عن مالك قال ابن المواز: هو غلط لاختلافهم ولا يجوز، وكذلك قال ابن حبيب عن مطرف، قال: ولو كانوا كبارا فاختلفوا هكذا كانت الدية عليهم في أموالهم لأنه صارت شهادتهم إقرارا. اهـ. ومثله لابن يونس، وقال ابن مرزوق: هو في النوادر. قاله الرهوني.
تنبيهان: الأول: قد مر قول ابن الماجشون إنه إن شهد صبيَّان أن فلانا قتله وشهد آخران أنه رفسته دابة فإنه تقدم بينة القتل، قال: ووجه ذلك أنهم لو كانوا كبارا عدولا لحكم بشهادة شاهدي القتل. انتهى.
الثاني: قال ابن يونس: قال أصبغ: إذا شهد اثنان من الصبيان أن صبيا قتل صبيا الساعة، وشهد رجلان أنه لم يقتله وأنهما كانا حاضرين حتى سقط الصبي فمات، قال: شهادة الصبيين تامة؛ ثم قال: قال ابن الماجشون: وأنكر سحنون قول أصبغ هذا، وقال: قول أصحابنا أن شهادة الكبيرين أحق وغير هذا خطأ إذ لا يشبه ذلك بالكبيرين. محمد بن يونس: قال بعض فقهاء القرويين: قول سحنون أصوب: لأن شهادة الصبيان تبطل بحضور الكبار، سواء أثبت الصبيان حكما أو نفوه. انتهى.
ولسابعها بقوله: وفرقة يعني أن شهادة الصبيان إنما تقبل ما داموا مجتمعين، وأما إن تفرقوا قبل لقي العدول لهم فلا تقبل شهادتهم. قال عبد الباقي: "وفرقة" بالرفع والنصب ولا يصح بناؤه على الفتح لعدم اقترانه بلا. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا فرقة بينهم وإنما كان التفرق قادحا في شهادتهم لأنه مظنة تخبيبهم أي تعليمهم؛ لأن الخِبَّ الخديعة ومنه قول عمر في نهيه
стр. 8188
عن رطانة العجم لأنها خب. انتهى. وقال التتائي: ولا فرقة بينهم لما في المدونة تجوز شهادتهم ما لم يتفرقوا أو يخببوا أي يعلموا. وقال الباجي: أي يدخل بينهم كبير على وجه يمكنه أن يلقنهم. ابن عرفة: مقتضى قولها: ما لم يتفرقوا أو يخببوا أنهما غير مترادفين لأن تفرقتهم مظنة مخالطتهم من يلقنهم ما تبطل به شهادتهم، وكذا لفظ اللخمي. ولفظ الجلاب: قبل أن يتفرقوا أو يخببوا فإن افترقوا وأمكن تخبيبهم لا تقبل شهادتهم إلا أن يشهد الكبار على شهادتهم قبل افتراقهم، ونحوه لفظ ابن فتوح. انتهى. وقال المواق: قال مالك: تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح ما لم يتفرقوا أو يخببوا. الباجي: التخبيب أن يدخل بينهم كبير على وجه يمكنه أن يلقنهم. ابن فتوح: معنى يخببوا أي يعلموا. انتهى.
إلا أن يشهد عليهم قبلها أي التفرقة: يعني أنهم إذا شهد على شهادتهم عدلان أو أكثر قبل التفرق فإنه تقبل شهادتهم لأنها محفوظة فلا يضر اختلافهم بعد التفرقة.
ولثامنها بقوله: ولم يحضر كبير يعني أن قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض مشروطة بأن لا يحضرهم كبير، فإن حضرهم كبير وقت الجرح أو القتل فإنه لا تقبل شهادتهم. قال عبد الباقي: ولم يحضر كبير أي بالغ بينهم وقت الجرح أو القتل، فإن حضر وقته أو بعده وأمكنه تعليمهم ذكرا أو أنثى عدلا أو غيره ولو عبدا أو كافرا سقطت. هذا ظاهر كلام المص. لإمكانه تعليمهم، ولكن في الحطاب أن هذا واضح في غير العدل اتحد أو تعدد، وفي العدل إن تعدد، وسواء حضر في هذه الصورة في جرح أو قتل، وكذا في العدل إن اتحد وشهدوا في جرح فتبطل شهادتهم، لما في قتل فلا تبطل شهادتهم. انتهى باختصار. ولا يخفى أن حضور العدل الواحد في الجرح يستغنى بشهادته عن شهادة الصبيان مع يمين المدعي وينتظر بلوغه. انتهى. أي بلوغ الصبي المدعي الذي شهد له الآن عدل فيحلف معه إذا بلغ وهو واضح. قاله الرهوني.
وقال البناني: قوله ولكن في الحطاب أن هذا واضح لخ، حاصل ما تضمنه كلام الحطاب هنا أن الكبير الحاضر بينهم إن كان ممن لا تجوز شهادته كالكافر والفاسق والعبد، فقال الأخوان وأصبغ: لا يضر حضوره في شهادة الصبيان. المازري: لا خلاف فيه منصوص عندنا، وعزا ابن
стр. 8189
يونس وأبو الحسن مقابله لابن المواز، والخلاف مبني على التعليل بارتفاع الضرورة بشهادة الكبير أو بإمكان التخبيب أي التعليم وإن كان الكبير عدلا، فإن قال: لا أدري من رماه ثبتت شهادة الصبيان. قاله اللخمي. وإلا لم تقبل اتفاقا عند الرجراجي وعلى المشهور عند غيره، وقال سحنون بالجواز، ثم قال الحطاب: إذا علم ذلك فالفرع الذي أشار إليه المص غير الفرع الذي أشار إليه صاحب الرسالة، بقوله: ولم يدخل بينهم كبير، لأن المص أراد الحضور وقت الجراح أو القتل، وكلام الشيخ ابن أبي زيد فيما إذا حضر بعد ذلك، والظاهر حينئذ أن ينظر فإن كان يمكن التخبيب سقطت شهادتهم وإن كان عدلا لم تسقط. انتهى. وليس فيه تفريق بين الجرح والقتل ولا تعرض لتعدد الكبير. واللَّه أعلم. انتهى.
أو يشهد عليه أو له هذا تَاسِعُ الشروط يعني أن شهادة الصبيان إنما تقبل حيث شهد بعضهم لبعض في جرح أو قتل وأما إن شهدوا للصغير عليه أي على الكبير أي شهدوا بأن البالغ جرح صغيرا أو قتله، أو شهدوا للكبير على الصغير أي بأن الصغير قتل الكبير أو جرحه فإن شهادتهم غير مقبولة، وظاهر قوله: "أو له" ولو شهدوا بقتله من حينه بحيث لا يمكن أن يعلمهم وهو مقصود المص، لأنه حمل كلام ابن الحاجب على ظاهره، وجعل تفصيل ابن المواز مقابلا لا تقييدا: فإنه قال عند قول ابن الحاجب: ولا تقبل شهادتهم على كبير لصغير ولا عكسه. وقال محمد: وأما على صغير بقتله فتجوز - انتهى - ما نصه: الشرط الثامن أن تكون شهادة بعضهم على بعض، فلا تجوز شهادتهم لصغير على كبير وبالعكس والأول أظهر، وقول محمد بن المواز له وجه لأن معناه أن شهادتهم مقبولة على صغير أنه قتل كبيرا؛ لأن بموت الكبير يؤمن تعليمه، بخلاف العكس فإنهم متهمون على الدفع عن أنفسهم، وقول المص في قول محمد بقتله احتراز مما لو جرحه فإنها لا تقبل عنده، ولهذا زاد في قول محمد لأنه لم يبق حتى يعلمهم. انتهى. وتبعه في الشامل، وفي كلام الحطاب ما يفيد أن ما لابن المواز هو المذهب. قاله الرهوني. وَرَدَّ الرهوني على الحطاب بما فيه كفاية، ويعلم بالوقوف عليه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "أو يشهد له أو عليه" الظاهر في تعليله أن شهادة الصبيان على خلاف الأصل، وإنما جازت للضرورة فيقتصر فيها على محلها وهي شهادة بعضهم على بعض، كما يؤخذ ذلك من
стр. 8190
قول الموطإ: مالك عن هشام بن عروة: أن عبد اللَّه بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح، وسمعت مالكا يقول: الأمر المجتمع عليه أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح ولا تجوز على غيرهم. قاله الرهوني. وهذا الذي عليه المص وابن الحاجب هو المشهور كما صرح به الرهوني.
ولا يقدح رجوعهم يعني أن الصبيان إذا شهدوا بالشروط المذكورة ثم رجعوا عن تلك الشهادة بعد ما سمع العدول منهم فإنه لا يعتبر رجوعهم والعبرة بما شهدوا به أولا، وسواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، ولو تأخر الحكم لبلوغهم وعدلوا لقبل رجوعهم. قاله ابن المواز. وجعله اللخمي المذهب أي إذا تيقنوا الآن أنهم شهدوا بباطل لا إن شكوا فيعمل الآن بما شهدوا به قبل، وفهم من قوله: "رجوعهم" أنهم رجعوا في حال صغرهم، لأن الضمير عائد على الصبيان إذ هم بعد بلوغهم ليسوا بصبيان. قاله الخرشي. وعلم منه أن رجوعهم بعد بلوغهم وبعد الحكم في صغرهم بشهادتهم لم يقبل رجوعهم الحاصل بعد بلوغهم وتعديلهم، وبقي على المص من الشروط أن لا يكون الشاهد منهم معروفا بالكذب.
ولا تجريحهم يعني أن الصبيان إذا شهدوا بالشروط المذكورة ثم جرحوا من غيرهم أو من بعضهم لبعض: فإن ذلك لا يقدح في شهادتهم لعدم بلوغهم الذي هو رأس أوصاف العدالة. قاله ابن المواز. ثم قال: لم يختلف في أنه لا ينظر إلى عدالة ولا إلى جرحة في الصبيان، "وتجريحهم" من إضافة المصدر لمفعوله. قاله الخرشي وغيره.
تنبيه: قال التتائي عند قوله: "ولم يحضر كبير" لو قال رجلان قتله هذا أخذ بقولهما يعني ولا يلتفت لشهادة الصبيان: وإذا أخذ بقولهما فتكون الدية على عاقلة من شهدا عليه إلا أن يقوم أولياء القتيل بشهادة الصبيين فتسقط الدية، ولو شهد عدل أن هذا الصبي قتله لغير من شهد عليه الصبيان فإنه يُقْسَم معه وتكون الدية على عاقلة الصبي القاتل، وكذلك إن وافقه الصبيان فيما شهد به لأن حضور الكبير معهما مسقط لشهادتهما وهذا هو الصحيح من المذهب. انتهى.
стр. 8191
ثم ذكر المص مراتب الشهادة الأربع على طريق التدلي فيها بادئا بأعلاها، فقال: وللزنى واللواط أربعة يعني أن الشهادة على فعل الزنى وعلى فعل اللواط لابد فيها من أربعة عدول، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، ولقوله تعالى فيما يدفع به حد القذف: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. قال ابن عرفة: شرط بينة الزنى كونها أربعة بنص القرآن وحكم عُمَر، قال المازري: ولا خلاف فيه إن كانت الإصابة طوعا، وإن كانت على الإكراه فكذلك، على أن الرجل يحد في الإكراه والأصح في ذلك رجلان لا تستحقه المرأة من مهر على الواطئ. اهـ. وقوله: "أربعة" أي لا يكفي إلا من أربعة، وقولي: على فعل الزنى وعلى فعل اللواط تحرز عن الإقرار بذلك، فإنه لا يحتاج إلى شهادة على القول الذي مشى عليه المص؛ لأن المقر بهما له أن يرجع عن إقراره ذلك، ولو أقر بحضرة الجم الغفير من العدول:
وقبلوا رجوع زان شارِبْ … ومثله السارق والمحارب
في محض حق الله لا في المال … فغرمه له بكل حال
قال الشبراخيتي: وهل طلب التشديد بالأربعة لقصد الستر ودفع العار اللاحق للزاني ولها ولأهلها، وهذا أحسن ما قيل فيه للغزالي، أو لأنه لما كان لا يتصور إلا من اثنين اشترط أربعة ليكون على كل واحد اثنان، أو تغليظا على الشهود لعدم امتثالهم الستر؟ أقوال. انتهى. وقوله: "وللزنى" لخ مبتدأ وخبر أي وأربعة كائنة أو حاصلة للزنى واللواط، وتقديم ما حقه التأخير قد يفيد الحصر أي لا يقبل للزنى واللواط إلا أربعة، وعطف اللواط على الزنى من عطف الخاص على العامِّ قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإنما اختصت شهادة الزنى بأربعة مع أن القتل أشد لقصد الستر ودفع عار الزاني والمزني بها وأهلها، ولا لم [تلحق] (١) معرة في القتل اكتفي باثنين وإن كان أشد. وقيل لأنه لما كان الزنى إلى أن تتم الأقوال الثلاثة في كلام الشبراخيتي، قول عبد
стр. 8192
الباقي: ولما لم تلحقه معرة في القتل اكتفي باثنين أظهر منه أنه اكتفي فيه باثنين لحفظ النفوس، لأن القصاص شرع لذلك قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والاجتزاء باثنين أردع للجُنَاة: وقوله: وقيل لما كانت الشهود مأمورين بالستر لخ قال ابن مرزوق: هذا أحسن ما قيل فيه، قال الرهوني: قلت: فيه نظر لأن شرب الخمر ونحوه يؤمر بالستر فيه أيضا مع أنه يكفي فيه اثنان اتفاقا. انتهى.
بوقت ورؤيا اتحدا يعني أنه يشترط في الأربعة أن يؤدوا في وقت واحد وأن تكون رؤيتهم له يزني بها أو يلوط به في وقت واحد فقوله بوقت أي لابد من اتحاد وقت تأديتهم للشهادة بأن يؤدوا شهادتهم في وقت واحد. وقوله: "ورؤيا" أي لا بد من اتحاد وقت تحملهم للشهادة بأن يروه في وقت واحد يزني بها. وقوله: "اتحدا" ضمير التثنية فيه للوقت والرؤية أي لا بد من اتحاد وقت الأداء، ولا بد من اتحاد وقت الرؤية، هذا هو توضيح المسألة. والله تعالى أعلم. قال فيها: وجه الشهادة في الزنى أن يأتي أربعة شهداء في وقت واحد يشهدون على وطء واحد في موضع واحد، بهذا تتم الشهادة. اهـ. والباء للظرفية حقيقة في المعطوف عليه ومجازا في المعطوف، واستعمل المص الرؤيا التي هي لرأي الحلمية غالبا في مصدر رآى البصرية وهو جائز غير غالب. قاله الخرشي. فإن لم يتحد وقت الأداء بطلت الشهادة، وكذا تبطل إن لم يتحد وقت الرؤية وَحُدُّوا ولا حد على المشهود عليه، وكذا لو شهد واحد أنه زنى يوم الأحد والآخر أنه زنى يوم الجمعة وهكذا، وواحد أنه وقت الصبح وآخر أنه وقت الظهر مثلا وهكذا حدوا، ولا حد على المشهود عليه، ولو اجتمعوا ونظروا واحدا بعد واحد لبطلت شهادتهم وحُدُّوا كما هو مدلول كلام المدونة، ولو اختلفوا في صفة الزنى فشهد اثنان منهم أنها عصت واثنان أنها طاعت حُدَّ الأربعة، ولا يحد واحد منهما للزنى. نقله التتائي عن ابن القاسم. أما المرأة فظاهر لعدم اتفاق الأربعة على طوعها والمكرهة لا حد عليها، وأما الرجل فلأن الشهادة إذا بطل بعضها تبطل كلها، فلذا لم يحد مع اتفاق الأربعة على زناه. قاله عبد الباقي.
стр. 8193
وقال ابن مرزوق قال في كتاب الرجم من التهذيب: ووجه الشهادة في الزنى أن يأتي الأربعة الشهداء في وقت واحد فيشهدون على وطء واحد في موضع واحد بصفة واحدة فبهذا تتم الشهادة، ثم قال بعد هذا في اتحاد المكان والفعل: وإن شهد رجلان أنه زنى بها في قرية كذا وشهد اثنان أنه زنى بها في قرية أخرى لم يحد لذلك وحد الأربعة للقذف، وقال في كتاب القذف في شأن اللواط: والشهادة فيه كالشهادة في الزنى، ويفهم اشتراط اتحاد المكان من قول المص: "ورؤية اتحدا" بأن اشتراط اتحاد الرؤية يستلزمه. وفي التلقين: وأما البينة فشهادة أربعة رجال عدول يشهدون مجتمعين لا تراخي بين أوقات إقامتهم الشهادة على معاينة الزنى الواحد، ورؤية فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة وما جرى مجرى ذلك. اهـ.
وفي المقدمات: لا خلاف بين العلماء أن حد الزنى لا يقام بأقل من أربعة، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وعن قوم: إجازة ثلاثة رجال وامرأتين وهو خلاف القرآن. انتهى. وقال ابن يونس: وخالف مطرف وابن الماجشون في شرطية اجتماعهم، فقال: لا تجوز شهادتهم وإن كانوا هم القائمين بها مجتمعين أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضه من بعض. وقال ابن يونس أيضا: وخالف ابن الماجشون في شرطية اتحاد وقت الرؤية والموضع، فقال: إذا اتفقوا على صفة الزنى والرؤية واختلفوا في الأيام والمواطن تقبل شهادتهم. وقال محمد: إن قال بعضهم وطئها متكئة وبعضهم مستلقية، أو قال بعضهم في غرفة وبعضهم في سفل، أو قال بعضهم ليلا وقال بعضهم نهارا، أو اختلفوا في الأيام والساعات بطلت شهادتهم وحُدُّوا للقذف. وقال اللخمي: إن افترقوا وشهدوا بفعل واحد أو اجتمعوا وشهدوا بفعلين أو بوصفين بطلت عند ابن القاسم وحُدُّوا، وقال أشهب في كتاب محمد: تجمع شهادة الأربعة وإن أتوا متفرقين ويحد المشهود عليه، ولا ينبغي للإمام أن يؤخر حد من شهد قبل أن تتم الشهادة، فإن أخره حتى ثبتت الشهادة حد المشهود عليه، وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة إنظارهم يأتوا برابع كان معهم وجب إنظارهم وجمعت الشهادات وحد المشهود عليه وهذا أحسنها.
стр. 8194
وفرقوا فقط يعني أنه إذا اجتمع الشهود لأداء الشهادة في الزنى واللواط فإنهم يفرقون في هاتين الشهادتين فقط دون شهود غير الزنى واللواط فلا يفرقون، وقوله: "وفرقوا" وجوبا عند الأداء بعد إتيانهم جميعا كما يشعر به لفظ فرقوا. وقوله: "وفرقوا" سواء حصلت ريبة أم لا، خلافا لقول سحنون: لا ينبغي تفريقهم إلا عن تهمة فيغعله برفق. انتهى. وقوله: وفرقوا فإن فرقوا واختلفت شهادتهم بطلت وحُدُّوا، ولم يحد المشهود عليه. وفي الشبراخيتي: وفرقوا فقط لعظم ما شهدوا فيه؛ فلعل بعضهم لا يضبط شهادته فتسقط، فإن فرقوا واختلفوا بطلت شهادتهم. اهـ. وقال ابن مرزوق: قال ابن القاسم: كل الشهود لا يسألون ولا يفرقون إذا كانوا عدولا إلا على الزنى فإنهم يسألون ويفرقون. انتهى.
أنه أدخل فرجه في فرجها متعلق بمقدر وهو يشهدون، وقال الخرشي: وعبارة الشارح تدل على أنه معمول لرؤيا يعني أن صفة شهادة الأربعة أن يشهدوا أنه - أي الزاني - أدخل فرجه في فرجها أي المزني بها إن كانت أنثى، أو في دبره إن كان ذكرا. ومقتضى نقل المواق أنه لا بد أن يزيد: كالمرود في المكحلة: وكلام الشارح يفيده. وقال ابن مرزوق: ظاهره أنه لا يحتاج لزيادة: كالمرود في المكحلة، والظاهر أنه تأكيد. انتهى. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: قوله: في فرجها إن كان أنثى أو في دبره إن كان ذكرا، وقد يقال: إن المؤلف أطلق الفرج على ما هو أعم. انتهى. وقال عبد الباقي: ويشهدون أنه أدخل أو أولج فرجه أي ذكره في فرجها: أو رأينا فرجه في فرجها ونحوه مما يدل على التيقن والتثبت، ولا بد من زيادة: كالمرود في المكحلة كما قرره به الشارح. البساطي: استغنى المؤلف عنها لأنها زيادة بيان فقط، ولعل الحامل على ذلك الحرص على ترك هذه الفاحشة أي على ترك الشهادة بها. انتهى. وقال المواق: مالك: لا تتم شهادتهم حتى يقولوا: كالمرود في المكحلة في البكر والثيب. الغزالي: ونِيَط الزنى بهذا وهذا قط لا يتفق فهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش، فانظر إلى الحكمة في حسم باب الفاحشة بإيجاب الرجم الذي هو أعظم العقوبات، ثم انظر إلى كثيف ستر الله كيف أسبله على العصاة بتضييق الطريق في كشفه، فنرجوا من اللَّه أن لا نُحْرَمَ هذا الكرم يوم تبلى السرائر. انتهى.
стр. 8195
ولكل النظر للعورة يعني أنه يباح لكل واحد من الشهود النظر للعورة أي قصد النظر للعورة حال فعل الفاحشة ليتحملوا الشهادة بذلك فيثبت الحد، وإنما جاز ذلك وإن كان النظر للعورة محرما للضرورة، لأنه إن لم يبح ذلك لم تثبت الشهادة في هذا الباب، والقرآن دل على مشروعيتها فيه وكذا السنة على ما ثبت في الصحيح من قول سعد للنبي ﷺ في الرجل يجد مع امرأته رجلا: (أيمهله حتى يأتي بأربعة شهداء (١)). الحديث. وهو أظهر في الاستدلال من الآية، وفي كتاب الرجم من التهذيب قيل: فإن شهد أربعة على رجل بالزنى، فقالوا: تعمدنا النظر [إليها] (٢) لنثبت الشهادة، فقال: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا. اهـ. وقال ابن عبد السلام: قصد النظر جائز على الشهور بشرط أن يكون معه ثلاثة عدول؛ لأن من لا يقبل لا فائدة في نظره فيحرم على الأصل. قاله ابن مرزوق.
فرع: قال الشبراخيتي: ذكر ابن رشد ما يفيد أن شهود الزنى لا يضرهم إمكان منع الزاني من فعله، فتجوز شهادتهم مع قدرتهم على منعه من الزنى، خلافا لما ذكره ابن عرفة وتبعه ابن غازي. قاله الحطاب.
وندب سؤالهم يعني أنه إذا شُهِدَ عند الحاكم بالزنى فإنه يندب له أن يسأل الشهود عن الرؤية، وكونها كالمرود في المكحلة بوقت واحد، ووطء واحد وكيف اجتماعهم ومن أين دخلوا وما الباعث لهم وكيف خفي عليهما وصولكم إليهما؟ قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: وندب سؤالهم عن كيفية توصلهم لما شهدوا به من الرؤية، فيندب سؤالهم على أي حالة رأوها، وهل راقدين أو لا وهل كانا في الجانب الغربي أو الشرقي؟ ونحو ذلك لعل أن تختلف شهادتهم فتدرأ الحدود بالشبهات. وانظر لو خالف أحدهم في ذلك هل يضر وهو الذي ينبغي أم لا؟ اهـ. وقوله: وانظر لو خالف أحدهم. في كلام عبد الباقي ما يفيد أن هذا التنظير قصور، ونصه: وندب للحاكم سؤالهم على أي حالة رأوهما هل راقدين أو لا وهل كانا في الجانب - أي للبيت مثلا - الغربي أو الشرقي أو غير ذلك، قاله أحمد. أي وهل كانا على الجانب الأيمن أو الأيسر وهل كانت على