بأن يسمعوا أن عبد فلان أبق، وعدم يعني أن العدم يثبت بشهادة السماع كان المثبت له الغرماء أو المدين. قاله الشبراخيتي. وقال ابن مرزوق: وكذا في العدم أي الإعسار. انتهى. وأسر يعني أن الأسر يثبت بشهادة السماع، قال ابن مرزوق: وكذا في الأسر أي أن فلانا أسره العدو. وعتق يعني أن العتق يثبت بشهادة السماع أي يقولوا: لم نزل نسمع أنه أعتق عبده فلانا وكذا الحرية، قال الحطاب عند قول المص: "وعتق" ما نصه: عَدَّ ابن جزي في المواضع التي تجوز فيها الشهادة بالسماع الفاشي الحرية. واللَّه أعلم. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وعتق من جانب المدعي أو المدعى عليه، ومقتضى كلامه هنا أن الولاء يثبت بشهادة السماع، وهو الذي قاله ابن عرفة وهو خلاف ما جزم به فيما يأتي في باب الولاء، وآخر باب العتق من قوله: "وإن شهد واحد بالولاء" وشهد اثنان أنهما لم يزالا يسمعان أنه مولاه أو ابن عمه لم يثبت لكنه يحلف ويأخذ المال بعد الاستيناء، والمشهور ما أفاده كلامه هنا. اهـ. وقال المواق: الكافي: الشهادة على السماع عند مالك وأصحابه جائزة في النسب المشهور وفي الولاء المشهور وفي الأحباس والصدقات التي تقادم أمرها، إذا قال الشهود: لم نزل نسمع أن هذه الدار تحاز حوز الأحباس، وأن فلانا ابن فلان مولى عتاقة ويثبت بذلك النسب، وقال ابن القاسم: لا يثبت بذلك نسب إنما يستحق به المال إلا أن يكون أمرا [مشتهرا] (١)، مثل نافع مولى ابن عمر، ابن عرفة: قال ابن القاسم في المدونة: شهادة السماع لا يثبت بها نسب ولا ولاء. اللخمي: ومما يثبت به القسامة السماع المستفيض. انتهى.
ولوث قال الخرشي: ومنها يعني من الأمور التي تثبت بشهادة السماع اللوث بأن يقولوا سمعنا سماعا فاشيا أن فلانا قتل فلانا، فشهادة السماع لَوْثٌ وهو ما يفيده كلام ابن مرزوق والمواق، لا أنها يثبت بها اللوث كما هو ظاهر كلام المؤلف، وحمله الشيخ كريم الدين على ظاهره، فقال: اللوث: اللطخ الشار إليه بقوله في باب الجراح والقسامة: "سببها قتل الحر المسلم في محل اللوث" وصورتها أن يقولوا: لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم أن فلانا، قال: دمي عند فلان.
стр. 8262
اهـ. ويحتاج لنقل يدل عليه. وقوله "كعزل" مشبه في إفادة السماع لا بقيد الطول. اهـ كلام الخرشي. ونحوه لعبد الباقي، وقال: ودخل بالكاف البيع كما مر والنسب والولاء والرضاع والقسامة كما في الشارح، والتشبيه في إفادة السماع في العشرين موضعا لا بقيد الطول، فلذا رتبها بالكاف.
تنبيه: قال البناني: اعلم أن الناس قد اجتهدوا في عد مواضع شهادة السماع، فعدها القاضي أبو عبد الله بن العزفي السبتي إحدى وعشرين، ونظمها وزاد عليه ولده ستة، ونظمها وزاد ابن عبد السلام خمسة. فهذه اثنتان وثلاثون. ونظمها العبدوسي في قصيدة رجزية وذكر ذلك كله ابن غازي، وزاد مسائل أخر ونظمها فانظره، وقد رأيت أن أثبت هنا نظم أبي عبد اللَّه بن مرزوق، فقد نظم أربعين موطنا في سبعة أبيات، ونصها:
فعدل وإسلام ورشد ولاية … وأضدادها ثم المقر وواهب
رضاع وقسم نسبة ووصية … ولاء وأسر ثم موت ونائب
نكاح وضد ثم خلع عتاقة … إباق وتفليس كذاك المحارب
ووقف وبيع طال عهدهما وفي … جراح وحمل والفارق راغب
وإضرار زوج ثم لوث قسامة … ولادتها طول التصرف غالب
وإنفاق من أوصى ومن هو نائب … وتنفيذ إيصاء وعشرون عاقب
وإرث وإيسار فذي أربعون خذ … فما رتبة إلا علتها مراتب
وتعقب عليه ابن غازي في التكميل ذكر الجراح قائلا: ما وقفت في الجراح على شيء لغيره، وأما عده الإقرار منه فهو تابع فيه للقرافي في فروقه، وأشار بقوله: طول التصرف غالب وإنفاق من أوصى ومن هو نائب إلى قول الكافي، وجائز أن يشهد أنه لم يزل يسمع أن فلانا كان في ولاية فلان، وأنه كان يتولى النظر له والإنفاق عليه بإيصاء أبيه عليه به أو بتقديم قاض عليه، وإن لم
стр. 8263
يشهد أبوه بالإيصاء ولا القاضي بالتقديم، ولكنه علم ذلك كله بالاستفاضة من أهل العدل وغيرهم، ويصح بذلك سفهه إذا شهد معه غيره بمثل شهادته، وفيها بين أصحابنا اختلاف فأطلق ابن مرزوق السبب الذي هو التصرف، والإنفاق على السبب الذي هو التقديم، والإيصاء ومثل ذلك وقع في نظم ابن عرفة فانظره في ابن غازي وقوله: وتنفيذ إيصاء أشار به إلى ما ذكره ابن هشام في مفيده من أن ابن زرب أفتى في وصي قامت له بينة بعد ثلاثين سنة على تنفيذ وصية أسندت إليه بالسماع من أهل العدل والثقة أنها جائزة. انتهى. قال في التكميل: وأما قوله وعشرون عاقب أي متأخر عن تنفيذ الإيصاء، فلعله فهم أن الثلاثين في فتوى ابن زرب وقعت في السؤال، فاعتمد على صريح قول ابن القاسم في إعمال السماع في العشرين. اهـ.
وللقاضي أبي عبد اللَّه بن العزفي:
أيا سائلي عما ينفذ حكمه … ويثبت سمعا دون علم بأصله
ففي العزل والتجريح والكفر بعده … وفي سفه أو ضد ذلك كله
وفي البيع والأحباس والصدقات والـ … ـــرضاع وخلع والنكاح وحله
وفي قسمة أو نسبة وولاية … وموت وحمل والمضر بأهله
وَلِوَلَدِهِ:
ومنها هبات والوصية فاعلمن … وملك قديم قد يضن بمثله
ومنها ولادات ومنها حرابة … ومنها إباق فليضم لشكله
فدونكها عشرين من بعد سبعة … تدل على حفظ الفقيه ونُبله
أبي نَظم العشرين من بعد واحد … وأتبعته ستا تماما لفعله
نقله التتائي، وقال: قال ابن هارون: واستدرك عليه الملاء والعدم والأسر، وقال اللخمي: تجب القسامة في القتل مع شهادة السماع، فقلت تتميما للمقال ونسجا على المنوال:
وفي اليسر والإعسار سَمْعٌ مقرر … وفي الأسر يدوى من يقوم بنقله
стр. 8264
أبو الحسن اللخمي قائل يقسمُ … ولاة قتيل بالسماع لقتله
وذيلها ابن عبد السلام بقوله: (١)
وقد زيد فيها الفقر والأسر والملا … ولوث وعتق فاظفرن بنقله
فصارت لدى عدٍ ثلاثين أتبعت … يثنتين فاطلب نصها في محله
والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية التحمل لغة الالتزام، وفي الشرع: قال ابن عرفة: علم ما يشهد به بسبب اختياري، فيخرج بقوله اختياري ما علمه دون اختياره، كمن قرع سمعه صوت مطلق ونحوه من قول يوجب على قائله حكما، فالمعرض للتكليف به الأول دون الثاني من غير اختيارت فإنه لا يسمى تحملا، ومعنى كلام المص أن تحمل الشهادة عند تعدد من يقوم به إذا افتقر إليه فرض كفاية، ومعنى افتقر إليه أنه يخاف ضياع الحق إن لم تتحمل الشهادة، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض به ويتعين إذا لم يوجد من يقوم به غيره، وفرض الكفاية يتعين بالشروع فيه والضمير المجرور بإلى راجع للتحمل. قال ابن مرزوق: والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية يأثم الجميع إن تركوه ويسقط عنهم الفرض بقيام البعض كسائر فروض الكفاية، وهذا - واللَّه أعلم - لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فلولا أنه يجب التحمل على المُسْتَشْهَدِينَ إذا دعوا إليها لما أفاد الأمر بالإشهاد، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ فيحتمل أن يراد التحمل أو الأداء أو كلاهما. اهـ.
واحترز بقوله: "إن افتقر إليه" عما إذا لم يفتقر إليه، كأن يقول: اشهدوا أني قد زنيت فإنه لا يستحب فضلا عن أن يكون فرض كفاية، وقوله: "إن افتقر إليه" كان المشهود به جائزا أو واجبا أو مندوبا، فإن كان مكروها كان التحمل مكروها أو محرما كان محرما. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: والتحمل للشهادة إن افتقر إليه فرض كفاية لأجل حفظ المال أو غيره؛ إذ لو تركه
стр. 8265
الجميع لضاعت الحقوق وفرض عين إن لم يوجد من يقوم به غيره، وانظر هل يقيد بقوله الآتي "من كبريدين" أم لا؟ وفرض الكفاية يتعين أيضا بالشروع فيه، ويجوز للشاهد أن ينتفع على التحمل الذي هو فرض كفاية دون الأداء كما يذكره، وظاهر قوله: فرض كفاية ولو كان فاسقا إذ قد يحسن حاله وقت الأداء وهو العتبر، واحترز بقوله: افتقر إليه عما لو لم يفتقر إليه فليس فرض كفاية: بل يندب كأن يقول اشهدوا علي أني رأيت الهلال. اهـ. وقوله: ويجوز للشاهد أن ينتفع على التحمل الذي هو فرض كفاية، ظاهره أنه إن تعين لا يجوز له أن ينتفع عليه وليس كذلك. ابن عرفة: وفي جواز أخذ العوض على التحمل خلاف واستمر عمل الناس اليوم وقبله بإفريقية وغيرها على أخذ الأجرة على تحملها بالكتب ممن انتصب لها، قال ابن المناصف: اختلف في كتب الوثيقة بأجرة فأجيز ومنع والكتب واجب على الكفاية، فيجري فيه ما جرى في غيره من واجبات الكفاية، وعلى الجواز فالأولى لمن قدر واستغنى ترك الأخذ وعلى الأخذ تكون الأجرة معلومة مسماة، وتجوز بما اتفقا عليه من قليل وكثير ما لم يكن المكتوب له مضطرا للكاتب، إما لقصر القاضي الكتب عليه لأجل اختصاصه بموجب ذلك، وإما لأنه لم يجد بذلك الموضع غيره فيجب على الكاتب أن لا يطلب فوق ما يستحقه، فإن فعل فهو جرحة وإن لم يسعيا شيئا ففيه نظر، وهو عمل الناس اليوم وهو عندي محمل هبة الثواب، فإن أعطاه أجرة المثل لزمه وإلا كان مخيرا في قبول ما أعطاه وتمسكه بما كتب له إلا أن يتعلق بذلك حق للمكتوب له؛ يعني من تضمن الكتاب شهادة وحق ثبت فيكون فوتا ويجبران على أجرة المثل. وقوله: ظاهر قوله فرض كفاية ولو كان فاسقا لخ فيه نظر؛ لأنه تعريض لضياع الحقوق لأن الغالب رد شهادته، نعم إن لم يوجد سواه ظهر طلب تحمله تأمله. قاله البناني.
وقال الرهوني: قوله: ولو كان فاسقا لخ إذا فقد العدول، فربما يقال هذا وأما مع وجودهم فلا يظهر تأمل. اهـ. وقوله: كأن يقول اشهدوا أني رأيت الهلال لخ تمثيله بهذا لما لم يفتقر إليه غير ظاهر، لأن التحمل قد يكون متعينا لغيبة الرائي أو مرضه مع ترتب حكم شرعي على رؤيته، والأولى أن الذي لا يفتقر إليه مثل أن يقول اشهدوا أني قد زنيت لأن له أن يرجع عن إقراره ولأن الستر مطلوب. اهـ. قاله البناني.
стр. 8266
وقال الشبراخيتي: والتحمل للشهادة إن افتقر إليه فرض كفاية عند تعدد من يقوم به لأجل حفظ المال وغيره ولو تركه الجميع لضاعت الحقوق ويسقط بقيام البعض به، ويتعين بما يتعين به فرض الكفاية كأن لم يوجد من يقوم به غيره، وقوله: "إن افتقر إليه" هذا إذا طلبت الشهادة، وانظر لو لم يطلب مع علمه باحتياجه إلى ذلك وينبغي أن يخاطب بذلك. اهـ. وقال الحطاب: قال ابن رشد: من دعي أن يشهد على أمر جائز أو مستحب أو واجب فالإجابة عليه فرض من فروض الكفاية، ومن دعي أن يشهد على مكروه فيكره له أن يشهد عليه، ومن دعي أن يشهد على حرام فلا يحل له أن يشهد عليه. اهـ.
وقال الدماميني في قوله عليه الصلاة السلام: (لا أشهد على جور (١)) قال المهلب في الحديث: من الفقه أن الإنسان لا يضع اسمه في وثيقة لا تجوز، ومن العلماء من رآى جوازه بقصد الشهادة على الممنوع ليرد، قال ابن المنير: إنما يريد لا يضع خطه في وثيقة بظاهر الجواز مع أن الباطل باطل، وأما المساطير التي تكتب لإبطال الفاسد بصيغة الاستدراك لا البناء فلا خلاف ولا خفاء في وجوب وضع الشهادة فيها، ولو وضع شهادة في وثيقة كتبت بظاهر الجواز والعقد فاسد زاد في خطه فقال: والأمر بينهما في ذلك محمول على ما يصححه الشرع من ذلك أو يبطله، ومثل هذا الوضع لا يكاد يختلف فيه.
وتعين الأداء من كبريدين يعني أن الأداء فرض عين يتعين على الشاهد أن يؤدي الشهادة إن كان بينه وبين المحل الذي يؤدي فيه الشهادة كبريدين. فأقل، قال عبد الباقي: ولما ذكر أن التحمل فرض كفاية ذكر أن الأداء فرض عين، بقوله: "وتعين الأداء" على من تحمل أي إعلام الحاكم بشهادته على شيء معين من كبريدين، والكاف استقصائية على ظاهر نقل المواق، والظاهر الاكتفاء في الأداء بالإشارة المفهمة. اهـ. وقال ابن مرزوق: أي وأما أداء ما تحمل الشاهد من الشهادة فهو متعين عليه أي فرض عين إن كان مكانه قريبا من المحل الذي يؤدي فيه الشهادد، كما لو كان منه على بريدين فأقل وإنما تعين عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ
стр. 8267
قَلْبُهُ﴾، وظاهر كلام المص أن الأداء من المسافة المذكورة متعين على الشاهد مطلقا متبع في هذا ابن الحاجب وابن شاس، وفي نقل المتيطي أن ذلك مقيد بما إذا لم يكن في موضع الشاهد أمين للقاضي أو حاكم، وظاهر نقل النوادر موافقة المص. اهـ.
وقال الرهوني: وتعين الأداء أي وجب عينا على من عنده شهادة أداؤها إذا لم يكن غيره فإن تعددوا وجب كفاية. اهـ. وقال البناني: قال ابن الحاجب: والأداء من نحو البريدين إن [كانا (١)] اثنين فرض عين، وإن كانوا أزيد فالأداء عليهم فرض كفاية إلا أن لا يكتفي القاضي بالاثنين الذين أديا أولا لمانع من قبول شهادتهما أو شهادة أحدهما، فيتعين على الثالث لخ. ابن عرفة: ظاهر قولهم أن الأداء فرض عين مطلقا وهو القائم من المدونة. اهـ باختصار. وذكره أول الباب، وقال في فصل الأداء: وقول ابن شأس إن كانا اثنين فقد تعينا، فإن امتنع أحدهما وقال احْلِفْ مع الآخر فهو آثم لا أعرفه لأصحابنا، بل للغزالي في وجيزه وهو جار على مذهبنا. انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه: تأمل عبارة ابن مرزوق أي فرض عين إن كان مكانه قريبا من المحل لخ، فإنها حسنة جدا، وتأمل أيضا قول الرهوني أي وجب عينا على من عنده شهادة فإنه حسن جدا، لإفادة الأول أن بين المحل الذي فيه الشاهد وبين محل الأداء بريدين (٢)، ولإفادة الثاني وجوب التأدية وإن لم يحصل منه تحمل للشهادة، كمن سمع من غير قصدٍ إقرارَ شخصٍ لآخر. واللَّه تعالى أعلم.
وعلى ثالث إن لم يجتز بهما قال الخرشي: يعني لو شهد بالحق المالي أكثر من اثنين فشهد عند الحاكم منهم اثنان ولم يجتز بهما لعدم عدالتهما أو لغير ذلك فإنه يتعين على ثالث من الشهود أن يشهد، فإن لم يجتز به أيضا فإنه يتعين على رابع وعلى خامس إلى أن يثبت الحق. وإن انتفع فجرح يعني أن الشاهد إذا انتفع على الأداء وهو على مسافة بريدين فأقل، فإن ذلك يكون قادحا في شهادته، قال الخرشي: يعني أن الشاهد إذا كان على مسافة بريدين فما دون ذلك
стр. 8268
وتعين عليه الأداء، فإنه إذا انتفع بشيء من المشهود له على أداء شهادته يكون ذلك رشوة قادحة في عدالته، فلا تقبل شهادته لأنه أخذ أجرا على أداء واجب عليه فهو بمنزلة من أخذ على الصلاة أجرا لا يجوز، أما إن لم يمتنع ودفع له المشهود له من غير طلب فليس بجرح. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، فإنه قال: وإن اتنفع من تعين عليه الأداء بأن امتنع منه إلا بأخذ شيء فجرح يمنع قبول شهادته لأخذه رشوة على أداء واجب عليه، وأما إن انتفع بشيء دفعه له المشهود له من غير طلب ولا امتناع بعد أداء الشهادة فليس بجرحة. قاله التتائي.
قوله: بأن امتنع منه إلا بأخذ شيء لخ تبع فيه ما نقله بعد عن التتائي من أنه إن انتفع بشيء من غير طلب ولا امتناع لم يكن جرحة قال مصطفى: وهو مخالف لإطلاق الأئمة في الانتفاع كابن رشد وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد، ولم يفصلوا تفصيله وعلى الإطلاق قرره ابن مرزوق، وإن كان التقييد بالامتناع وقع في الرواية عن سحنون فلا عبرة به لأنه وقع في السؤال، ولم يعول عليه ابن رشد في شرحه. اهـ. وقال ابن مرزوق: يعني أن الشاهد إن انتفع من المشهود له بسبب الشهادة التي أداها له من المكان الذي يلزمه الأداء منه، فإن ذلك الانتفاع الذي حصل له جرح يوجب سقوط شهادته، فقوله: "جرح" خبر مبتدإ محذوف تقديره فهو، وهو عائد على الانتفاع المفهوم من انتفع، ودل على أن هذا الحكم إنما هو فيما قرب من المسافة، بدليل قوله بعد: "لا كمسافة".
إلا ركوبه لعسر مشيه وعدم دابته يعني أن كل ما انتفع به على الشهادة من المسافة القريبة يوجب الجرح إلا ركوبه على دابة المشهود له إن عسر مشي الشاهد وعدم دابة له يركبها، فإنه يجوز له حينئذ أن ينتفع بركوب دابة المشهود له ولا يكون جرحا، وظاهره أنه إن انتفع بغير الدابة كالنفقة فإن ذلك جرح، وإن كان الشاهد لا يقدر على ذلك وقدمنا من نقل المتيطي خلافه، وسيأتي أيضا ذلك في نقل الباجي وابن يونس والنوادر والعتبية، وإنما تبع المص ابن الحاجب وابن شأس اهـ. وقال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "فجرح إلا ركوبه لعسر مشيه وعدم دابته"
стр. 8269
فليس بجرح فله فإن أخذ حينئذ أجرة ركوبه ومشى، فانظر هل يكون جرحا وهو ظاهر أو لا؟ اهـ.
وقال الشبراخيتي: إلا ركوبه دابة ولو بأجرة من المشهود له ذهابا وإيابا، وتفريق بعضهم تعمق في الفقه لعسر مشيه لموضع أدائها وعدم دابته، فليس جرحا. اهـ. وهذا الذي قاله ظاهر، فإن كلام ابن رشد يدل على أن الاكتراء حكمه حكم دابة المشهود له في الجواز: فتنظير البساطي قصور. واللَّه أعلم. انظر البناني. وظاهر كلام المص أنه لو أخذ الأجرة حيث يكون ركوبه على المشهود له ومشى فإن ذلك يكون جرحة. واللَّه تعالى أعلم. انظر الشبراخيتي.
لا كمسافة القصر عطف على "كبريدين"، يعني أنه إذا كان بين الشاهد ومحل الأداء مسافة القصر فإنه لا يلزمه الذهاب إلى محل أدائها، قال عبد الباقي: بل يؤديها عند قاضي بلده ويكتبها لقاض على مسافة القصر. اهـ. قال البناني: نحوه للتتائي، والذي في نوازل سحنون وكلام ابن رشد وابن عرفة أنه يؤديها عند رجل ولم يخص القاضي. وفي التوضيح والشارح والمواق عن سحنون: ويشهدون عند من يأمرهم القاضي به بذلك البلد، قال مصطفى: فلا أدري من أين أخذ التتائي تخصيص القاضي؟ اهـ.
وله أن ينتفع منه بدابة ونفقة يعني أنه يجوز للشاهد إذا اختار أن يؤدي من هذه المسافة البعيدة أي مسافة القصر فما فوقها أن ينتفع من المشهود له بدابة يركبها ونفقة ينفقها على نفسه طول طريقه وفي مقامه بالبلد الذي فيه الحاكم إلى أن يؤدي الشهادة إن عسر عليه لقاء الحكم سريعا، وهذه الزيادة منصوصة كما ترى ولم ينبه عليها المص، ثم لا يكون هذا الانتفاع مع البعد جرحا يسقط الشهادة لأن هذا شيء لا يجب عليه، فله أن يأخذ عليه أجرة وإن جاز له أخذ الأجرة لم يكن جرحة، والأول لما كان الأداء عليه واجبا منه كان أخذ الأجرة عليه حراما فكان جرحة.
تنبيهات: الأول: قال ابن مرزوق: هنا المسألة بكمالها من الباجي ونحوه لابن يونس، وأصلها من النوادر: ومن كان على بريد أو بريدين فإنه يؤدي عند الحاكم، فإن وجد نفقة ومركوبا، فقال سحنون: لا يقوم المشهود له بذلك، فإن فعل سقطت شهادته ووجهه ما فيه من الرشوة لأن ذلك يلزم الشاهد لوجوب الأداء عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾،
стр. 8270
ولقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، فإن لم يجد الشاهد نفقة ولا مركوبا فللمشهود له أن يقوم بهما، ووجهه أنه مؤونة لا تلزم الشاهد فلا تبطل شهادته بتكلف الشهود له ذلك كسائر نفقاته، وكذلك لو استنهض الشهود إلى مسافة بعيدة ليعاينوا حدود أرض وصفتها، قال مطرف: لا بأس أن يركبهم المشهود له ويطعمهم، وقال سحنون في الشاهد يأتي من البادية فينزل في ضيافة المشهود له حتى يخرج: لا ترد شهادته بذلك إن كان عدلا وهو خفيف، يريد أن هذا أمر معتاد عند الناس، ولَعَلَّ ذلك كان بينهم قبل ذلك. انتهى. وقال سحنون: إن دعوا إلى شهادة بغير البلد فقالوا يشق علينا النهوض فيركبهم المشهود له أو ينفق عليهم إن كانوا على مثل البريد أو البريدين وهم يجدون الدواب والنفقة سقطت شهادتهم، وإن كانوا لا يجدون ذلك جاز وقبلوا ولو أخبر بذلك القاضي لكان أحسن. اهـ. وفي العتبية مثله. ابن رشد: الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، ومعناه بالإجماع فيما قرب لا فيما بعد، وهو من تخصيص عموم القرآن بالإجماع، فإن انتفع الشاهد بشيء من المشهود له في المسافة التي يلزمه الأداء منها سقط، وخففه ابن حبيب إذا كان قريبا وكان أمرا خفيفا، وينبغي أن يجعل تفسيرا لقول سحنون: والقرب الذي يلزم الأداء منه على هذا التأويل قسمان: قريب جدا تقل فيه مؤنة النفقة والركوب فهذا لا يضر الشاهد ركوب دابة المشهود له وإن كانت له دابة ولا أَكْلُ طعامه، وما فوقه مما تكثر فيه مؤنتهما تسقط الشهادة بركوب دابة المشهود له إن كانت للشاهد دابة وبأكل طعامه عند سحنون، وقيل لا تبطل بذلك فإن لم يقدر الشاهد على نفقة ولا ركوب وهو ممن يشق عليه المشي لم تبطل شهادته بركوب دابة المشهود له وبأكل من طعامه، وقيل تبطل بذلك إن كان مبرزا فإن بعد الشاهد بحيث لا يلزمه الأداء وليس بموضعه من يشهد عنده فلا يضره أكل طعام المشهود له ولا ركوب دابته، وإن لم يحتج إلى شيء منهما، وكذا لا يضره إنفاق المشهود له عليه إن احتجب السلطان عن الشاهد ما دام منتظرا له إن لم يجد من يشهد على شهادته وينصرف، وقيل إنها تبطل بذلك وهو الأظهر.
стр. 8271
الثاني: قال المص: "وتعين الأداء من كبريدين" قد علم من النصوص المتقدمة أن الكاف استقصائية وهو نقل غير واحد. وفي الخرشي: والتحمل كالأداء يتعين من كبريدين.
الثالث: قال في النوادر في كتاب الشهادات: من شهد بدين فشهد عنده شاهدان بقضائه أو رجل وامرأتان فإنه لا يشهد، قيل: فإن أخبره شاهد واحد فوقف وقال ما تبين لي. اهـ. قاله الحطاب.
الرابع: قال الخرشي في قوله: "إلا لركوبه لعسر دابته" ما نصه: إضافة الدابة له مخرج لدابة قريبه، فليس عليه استعارتها، وقوله: "وتعين الأداء من كبريدين" لخ ظاهره ولو كان اشتغاله بأدائها يمنعه من اشتغاله بما يقيم به أوده. قاله الخرشي.
وحلف بشاهد في طلاق وعتق يعني أنه إذا قام للمرأة على الطلاق شاهد واحد أو امرأتان والزوج منكر للطلاق فإنه يحلف لرد شهادة الشاهد، وكذا إذا قام على العتق شاهد واحد أو امرأتان والسيد منكر للعتق فإنه يحلف لرد شهادة الشاهد، وهذا راجع لمفهوم قوله فيما مر: "فلا يمين بمجردها" أي فإن لم تتجرد الدعوى بل قام للمدعي شاهد فبعضها تتوجه فيه اليمين كالطلاق والعتق، وبعضها لا تتوجه فيه اليمين كنكاح، الباء في، "بشاهد" للسببية أو بمعنى مع، قال الخرشي: والمعنى أن المرأة إذا أقامت شاهدا على زوجها أنه طلقها أو أقامت امرأتين بذلك كما في التوضيح، فإنه يقضى على الزوج بيمين أنه ما طلق، فإن حلف ردت الشهادة وإن نكل فإنه يحبس حتى يحلف، فإن طال حبسه كسنة فإنه يدين أي يخلى بينه وبين زوجته، وكذلك العبد إذا أقام شاهدا على سيده أنه أعتقه فإن السيد يلزمه يمين لرد الشهادة، فإن نكل حبس وإن طال دين.
ومعنى قوله: لا نكاح أن أحد الزوجين إذا أقام شاهدا واحدا أنه زوج للآخر وهو منكر فإنه لا يمين على المنكر منهما، فإن أقام شاهدا آخر عمل به وهذا وإن كان مساويا للطلاق والعتق من حيث إن كلا منهما لا يثبت إلا بشاهدين فالنكاح لشهرته لا يكاد يخفى على الأهل. والجيران، فإن عجزه عن إقامة شاهدين قرينة تكذب مدعيه ويفرق أيضا بأن الطلاق والعتق يلزمان بالإقرار، بخلاف النكاح.
стр. 8272
تَنبيهَاتٌ: الأول: قال الخرشي: مثلُ الطلاق والعتق ما إذا أقام شخص على آخر شاهدا أنه قذفه فإن المدعى عليه يلزمه يمين لرد الشهادة، فإن نكل حبس وإن طال دين.
الثاني: قد مر الفرق بين النكاح والطلاق والعتق بأنهما يلزمان بالإقرار، بخلاف النكاح، ومحل ذلك إذا ادعته المراة أو ادعي عليها فلا يثبت لفقد العقد من الولي. قاله البناني.
الثالث: قوله: "لا نكاح" هذا في غير الطارئين، وأما في الطارئين فتتوجه على منكر النكاح منهما بالشاهد لا بمجرد الدعوى. قاله الخرشي وغيره.
الرابع: قال عبد الباقي بعد ذكر الفرق بين النكاح والعتق ما نصه: ومقتضى الفرق المذكور بين النكاح وبينهما أن مثلهما سائر ما لا يثبت إلا بعدلين، وقد قدمنا جميع ذلك. انتهى.
فإن نكل حبس وإن طال دين يعني أنه إذا حلف الزوج لرد شهادة الشاهد فلا شيء عليه، وإن نكل حبس ليحلف أو يقر، فإن حلف ترك، فإن استمر على نكوله، فإن طال حبسه سنة دين أي وكل إلى دينه فيما ادعاه أنه لم يطلق، أي لا يحال بينه وبين زوجته، وكذلك السيد إذا لم يحلف لرد شهادة الشاهد فإنه يسجن ليحلف أو يقر، فإن حلف فلا شيء عليه وإن استمر على نكوله فإن طال سجنه سنة فإنه يدين أي يوكل إلى دينه فيما ادعاه من عدم العتق؛ أي لا يحال بينه وبين استخدامه للعبد على وجه الاسترقاق، قال الشبراخيتي: فإن حلف منكر الطلاق والعتق برئ وإن نكل حبس ليحلف فيهما، فإن حلف ترك وإن طال سجنه دين أي وكل إلى دينه فيما ادعاه أنه لم يطلق ولم يعتق. قال الزرقاني: والطول معتبر باجتهاد الحاكم وبسنة على ما رجع إليه مالك وأخذ به ابن القاسم. وقال ابن عاصم: وبه عمل. اهـ. وقال عبد الباقي: فإن نكل من توجهت عليه من زوج أو سيد وكذا من ادعي عليه بقذف كما زدناه حبس، وإن طال حبسه سنة على ما رجع إليه الإمام وأخذ به ابن القاسم. ابن عاصم: وبه العمل دين أي وكل إلى دينه وخلي بينه وبين زوجته ورقيقه، ولم يلزمه حد قذف.
стр. 8273
تنبيه: قد مر أنه ليس على الفقيه مكافأة ولا ضيافة أحد ولا شهادة بين اثنين، قال ابن مرزوق: قُلْتُ: ووجهه بين، فإنها أمور تشغل سره وتجر إلى تعطيله عن العلم وأمره لا يحتمل ذلك. واللَّه أعلم. اهـ.
وحلف عبد يعني أن العبد إذا قام له شاهد بحق فإنه يحلف معه ويقضى له على المدعى عليه، وأطلق العبد ليشمل المأذون وغيره وهو كذلك اتفاقا، وسكت عما لو نكل، وفيه قال اللخمي: إن كان مأذونا له في التجارة حلف المدعى عليه وبرئ، ولا مقال لسيده، وإن كان غير مأذون له حلف سيده واستحق، ويشمل قوله: بشاهد ما لو أقبضه سيده مالا ليقضي عنه فقضاه بشاهد حلف العبد وبرئ سيده، وإن نكل حلف المشهود عليه وغرم العبد إن كان مأذونا له موسرا، وإن كان معسرا أو غير مأذون له حلف السيد وبرئ، ويشمل أيضا ما لو وكله غير سيده فقضى بشاهد ونكل عن اليمين، فإن الطالب يحلف ويغرم العبد إن كان مأذونا له، قال محمد: كالحر يوكله رجل. قاله التتائي.
وسفيه يعني أن السفيه إذا قام له شاهد بحق فإنه يحلف معه ويقضى له، وإن نكل السفيه حلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد وبرئ، وعلم مما قررت أن قوله: مع شاهد راجع لمسألتي العبد والسفيه، قال عبد الباقي: وحلف عبد مأذون له في التجارة أم لا؟ وسفيه بالغ مع قيام شاهد لكل بحق مالي تولى كل منهما فيه المعاملة، واستحق كل ما حلف عليه مع شهادة شاهده وأخذه العبد وولي السفيه، فإن نكل العبد عن اليمين، فإن كان مأذونا له حلف المدعى عليه وبرئ، وإن كان غير مأذون له حلف سيده وأخذ ما حلف عليه مع شهادة شاهد عبده، وإن نكل السفيه حلف المدعى عليه لرد شهادة الشاهد وبرئ، وأشعر قوله: "وحلف" لخ أنهما مدعيان وأنه لا يشترط في المدعي الحرية ولا الرشد وهو كذلك، بل ولا البلوغ. وقولي: تولى المعاملة احترازا عما إذا لم يتول السفيه المعاملة بل تولاها وليه، فإنه الذي يحلف مع إقامة الشاهد كما قدمه المص في النكاح من قوله: "وحلفت هي أو أبوها إن كانت سفيهة"، وفي باب تنازع الزوجين من قوله: "ولا كلام لسفيهة" أي لأن التولي للمعاملة وليها فلا تعارض بينهما. اهـ. ونحوه للشبراخيتي، وقوله: "وحلف عبد وسفيه مع شاهد" أي يحلفان الآن، ولا يؤخران للرشد
стр. 8274
والعتق، وقال المواق: وإن شهد شاهد لسفيه حلف معه الآن واستحق لأنه مخاطب بالشرع وهو كالرشيد في اليمين، واختلف إذا نكل، فقال ابن القاسم: يحلف المطلوب ويبرأ ولا يحلف السفيه إذا رشد، وكذلك البكر المولى عليها تنكل عن اليمين مع شاهدها فلا يمين عليها إذا رضي حالها. انتهى. وقال البناني: وحلف عبد وسفيه لخ، فرض المسألة في حلف السفيه مع الشاهد يدل على أنه لا يمين عليه في الإنكار أو التهمة وهو كذلك، سواء كان ذكرا أو أنثى إذ لا فائدة لليمين حينئذ لأنها تتوجه حيث لو أقر المدعى عليه لزمه وهنا ليس كذلك. اهـ.
لا صبي يعني أن الصبي إذا قام له شاهد بحق فإن الصبي لا يحلف مع شاهده، قال عبد الباقي: لا يحلف صبي مع شاهد قام له بحق مالي إرث أو غيره، وقال ابن مرزوق: وأما الصبي إذا قام له شاهد بحق فإنه لا يحلف معه، ويبقى الأمر موقوفا إلى بلوغه فيحلف حينئذ. اهـ. وأبوه يعني أن الصبي إذا قام له شاهد بحق ولد أب، فإن الأب لا يحلف عنه مع الشاهد المذكور حيث لم ينفق عليه، بل وإن أنفق الأب على الصبي لفقره على المشهور بحيث يكون ليمين الأب فائدة في سقوط النفقة عنه، وقال ابن مرزوق: أي ولا يحلف أيضا أبو الصبي مع الشاهد الذي قام للصبي ليثبت حق الصبي، وإن كان الأب منفقا على الصبي لكونه لا مال له، أما أن الصبي لا يحلف مع شاهده فلكونه غير مكلف لا يتورع عن الإثم، وأما أن أباه لا يحلف عنه فلأن القاعدة أنه لا يحلف أحد ويستحق غيره.
وحلف مطلوب ليترك بيده يعني أنه إذا قام للصبي شاهد بحق فإنه لا يحلف الصبي ولا أبوه ولا غير الأب من الأولياء، ولكن يحلف المطلوب أي المدعى عليه ليترك الشيء المتنازع فيه بيده إلى بلوغ الصبي حوزا فقط إن كان معينا وله غلته، وإن كان بيده حوزا كما يفيده قوله فيما سبق: "والغلة له للقضاء والنفقة على المقضي له به ويضمن الحائز إذا تلف ولو بسماوي؛ لأنه متعد، فإن كان دينا بقي في ذمته. قاله عبد الباقي. وقال البناني: وحلف المطلوب ليترك بيده، الذي لابن الحاجب: فإذا حلف أي المطلوب ففي وقف العين قولان، فنسب في التوضيح الأول لظاهر الموازية وكتاب ابن سحنون، وعزا الثاني - يعني القول بأنه يبقى بيد المطلوب - للأخوين وابن
стр. 8275
عبد الحكم وأصبغ، قال: وبنى المازري الخلاف في الإيقاف على الخلاف في إسناد الحق إلى الشاهد فقط واليمين كالعاضد، فيحسن الإيقاف أو إليهما معا فيضعف الإيقاف. اهـ.
وذكر ابن رشد في البيان الخلاف في وقف الدين، ثم قال: ووقفه في القياس صحيح؛ إذ لو كان المدعى فيه شيئا بعينه لوجب توقيفه أو بيعه وتوفيقه ثمنه إن خشي عليه على ما يأتي لابن القاسم. اهـ. فظاهره أن وقف العين هو المذهب. واللَّه أعلم. اهـ. قوله: فنسب في التوضيح الأول لظاهر الموازية لخ، قال الرهوني: سلم ما عزاه التوضيح للموازية كما سلمه أبو علي. وفيه أمران: أحدهما أنه يقتضي أنه ليس في الموازية إلا ما عزاه لها وليس كذلك، بل فيها القولان ما عزاه لظاهرها وهو من قولة ابن المواز نفسه، وما اقتصر عليه المص وجعله من قول مالك، كما نقله ابن يونس وسلمه. ثانيهما أنه يوهم أنه ظاهر الموازية فقط لا مصرح به فيها، وليس كذلك بل هو مصرح به فيها، واغتر أبو علي ﵀ بعبارة التوضيح، والمذهب ما قاله المص. اهـ.
وأسجل ليحلف إذا بلغ يعني أنه إذا حلف المطلوب ليترك الشيء المتنازع فيه عنده إن كان معينا، وإن كان دينا بقي في ذمته كما عرفت، وحينئذ فإنه يسجل القاضي المدعى فيه أي يأمر أن يكتب في سجله شهادة الشاهد صونا لحفظ مال الصبي وخوفا من موت الشاهد أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي وفسقه بعد الإسجال، بمنزلة فسقه بعد الحكم لا يضر فلا يعارض ما سبق للمص، فإذا بلغ الصبي فإنه يحلف ويأخذ المدعى فيه إن كان قائما، وقيمته إن فات أو مثله إن كان مثليا، ومفهوم حلف مطلوب أنه إن نكل فإن الصبي يأخذ المدعى فيه ملكا من الآن ولا يمين عليه إذا بلغ.
كوارثه قبله يعني أن الصبي الذي قام له شاهد بحق إذا مات قبل البلوغ فإن وارثه يحلف الآن ويستحق، فالضمير في قبله عائد على البلوغ المفهوم من بلغ، وظاهر إطلاق المص أن وارث الصغير يحلف الآن ولو كان كبيرا مشاركا في الحق أو لا، وحلف وكأنه اعتمد في هذه الصورة قول ابن يونس حيث قطع بتكرير اليمين، وسلمه المازري وابن عبد السلام وابن عرفة، وقطع ابن رشد بعدم تكريرها وردها عياض إلى أصل مختلف فيه، ثم قال: ويَقوَى عندي أنه لا بد من اليمين، إذ اليمين مع الشاهد ليست بثبات حق وإنما هي إيجاب حكم بالمال المحلوف عليه. اهـ. قاله
стр. 8276
الرهوني. ثم قال: وبذلك كله تعلم أن حمل المص على إطلاقه أولى إذ يد اللَّه مع الجماعة واللَّه أعلم. اهـ. والأقسام ثلاثة: أن يكُونَ وارث الصبي غير مشارك له في الحق أولا، أو مشارك له فيه ولم يحلف لصغر مثلا وحلفه في هذه ظاهر. الثاني أن يكون مشاركا له في الحق أولا وحلف، فهاتان المسألتان يشملهما قوله: "كوارثه قبله"، والثانية هي محل الخلاف الذي عرفت. الثالث أن يكون الوارث مشاركا للصبي في الحق أولا ونكل، وإليه أشار المص بقوله: إلا أن يكون نكل أولا ففي حلفه قولان صورتها أن يشهد عدل أو امرأتان بحق لصغير ولأخيه الكبير فينكل الكبير واستؤني بيمين الصغير لبلوغه فمات قبل بلوغه وورثه أخوه الكبير، ففي حلف الكبير على نصيب الصغير الذي ورثه منه لأنه إنما نكل أولا عن حصته. ابن يونس: وهو الذي يظهر، ألا ترى أنه لو حلف أولا وأخذ حصته ثم إنه ورث الصغير لم يأخذ حصته إلا بيمين ثانية، وعدم حلفه لأنه قد نكل أولا فلا يرجع عليه اليمين قولان، قال المازري للمتأخرين: ولا نص فيها للمتقدمين، قال غير واحد: حقه تردد، قال البناني: ويُجَابُ بأن المص إنما قال إنه إن ذكر الترددت فقد أشار به لتردد المتأخرين لخ، ولم يقل إنه مهما اختلف المتأخرون حكى اختلافهم بالتردد تأمل. انتهى.
فإن نكل اكتفى بيمين المطلوب الأولى يعني أنه إذا نكل الصبي بعد بلوغه عن اليمين أو نكل وارثه بعد موته وكان المطلوب قد حلف أولا، فإنه يكتفي بيمين المطلوب الأولى أي اليمين التي حلفها ليترك بيده فلا تعاد عليه ثانية.
تنبيهات: الأول: قال البناني عند قول المص "وإن أنفق" ما نصه: لو عبر بلو كان أولى، ونص ابن رشد: وليس لولي الصغير أن يحلف مع شاهده، واختلف هل ذلك للأب أم لا؟ فالمشهور المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ذلك ليس له، وقال ابن كنانة: ذلك له لأنه يمونه وينفق عليه وهذا فيما لم يل [فيه] (١) الأب أو الوصي المعاملة؛ لأن ما ولي أحدهما فيه المعاملة فاليمين عليه واجبة؛ لأنه إن لم يحلف غرم. انتهى من رسم جاع من سماع عيسى.
стр. 8277
انتهى. وقال الخرشي: وقيد الخلاف بما إذا لم يل الأب المعاملة وأولى غيره من الأولياء، فأما إن تولى الأب أو غيره من الأولياء المعاملة فإنه يحلف، فإن لم يحلف غرم.
الثاني: قال عبد الباقي عند قوله: "ليحلف إذا بلغ" ما نصه: وأشر فرض المص في إقامة الشاهد بأنه لو قام للصبي شاهدان فإنه يأخذه، ولا يترك بيد المطلوب وهو كذلك، وتؤخر يمين القضاء لبلوغه، فإن حلف بعده تم الحكم له به، وإن نكل رد إلى من أخذ منه. اهـ. وقال الخرشي: وأما يمين القضاء إذا توجهت على الصبي فإنه يحلف بعد بلوغه، فإذا قامت للصبي بينة واحتاج ليمين القضاء فإنه يحلفها بعد بلوغه كما يأتي في نظم ابن عاصم؛ أي ويدفع له المال وما ادعى به من الآن، فإذا بلغ فإن حلف هو أو وارثه فالأمر واضح، وإن نكل رجع له. اهـ. وقد مر أنه لا يمين عليه للقضاء إذا بلغ عند قول المص: "والبعيد جدا كإفريقية" قضي عليه بيمين القضاء. واللَّه تعالى أعلم.
الثالث: إذا قام للمغمى عليه أو للمجنون الذي ترجى إفاقته شاهد فإنه ينتظر فلا يحلف المطلوب، وأما الذي لا ترجى إفاقته ومن لا يمكنه الحلف لصمم وخرس وعدم اليمين بالإشارة فإنه يحلف المطلوب فيهما كما في مسألة الصبي. قاله الخرشي. وقال عند قوله: "وحلف عبد وسفيه مع شاهد": هذا فيما إذا كان كل من العبد والسفيه مدعيا، وأما إن كان مدعى عليه فلا يمين.
الرابع: ذكر الحطاب عند قول المص: "وفي تمكين الدعوى" لخ أنه إذا وجبت يمين القضاء على غائب له حق في غيبته، هل يوقف حتى يحلف أو يسلم لوكيله وتؤخر اليمين حتى يقدم فيحلف أو يموت فتحلف ورثته، وإن نكل أو نكلوا رجع عليه، ذكر البرزلي في ذلك قولين.
الخامس: قوله: "كوارثه قبله"، فإن كان الوارث بيت المال فإنه لا حق له لأنه يتعذر منه اليمين ويبقى بيد المدعى عليه، ولا يثبت الحق بشاهد واحد وإنما تتوجه اليمين على المطلوب، وهو قد حلفها أولا، ومثل بيت المال الوارث الذي لا يتأتى منه اليمين كمجنون لا ترجى إفاقته وأخرس لا يشير ليمين ولا يكتب، ومثله إذا مات بعد بلوغه وقبل أن يطلب منه اليمين وينكل عنها. قاله الخرشي.
стр. 8278
السادس: قال الرهوني عند قوله: "وحلف مطلوب ليترك بيده": قال ابن يونس في كتاب محمد: وإن حلف المطلوب أولا أخر عنه الحق حتى يكبر الصبي فيحلف ويأخذ حقه، فإن كان الغريم حينئذ عديما، فإن كان يوم أخذ الكبير حقه لا شيء له إلا ما أخذ رجع الصغير على أخيه بنصف ما كان أخذ بعد يمينه إذا كبر، قيل ويحلف الصبي على ما لم يعلم، قال: لا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقنه فله أن يحلف، قال مالك: يحلف على البت إن هذا لحق.
السابع: قول المص: ليترك بيده شامل للمعين، ولما في الذمة كما مر، قال الرجراجي: فإن حلف بقي الحق عنده، كان الحق معينا أو ثابتا في الذمة حتى يحلف الصغير بعد بلوغه فيستحق حقه ما كان منه في الذمة وما بقي من العين، وإن فات فقيمته يوم الحكم به للصبي إن كان بسبب الفوات من الذي هو بيده أو من آدمي غيره، وإن كان من قبل اللَّه تعالى فلا شيء عليه إلا أن يكون غاصبا أو متعديا. رواه ابن حبيب عن الأخوين وأصبغ وابن عبد الحكم. انتهى. وعبارة العبدوسي: هل يضمن قيمته يوم الحكم أو يوم الهلاك؟ هكذا قال، ولم يجزم بأحدهما. قاله أبو علي. قال الرهوني: وفي توركه على الرجراجي بكلام العبدوسي ما لا يخفى؛ لأن ما جزم به الرجراجي هو الذي جزم به المحققون ممن قبله. اهـ. وقد مر عن عبد الباقي عند قوله: "وحلف مطلوب ليترك بيده" أنه يضمن ولو بسماوي وهو مخالف لما مر صريحا في كلام الرجراجي، لكن قال أبو علي في حاشية التحفة عقبه: وتفصيله في الضمان لم يذكره الباجي. قال الرهوني: لا خصوصية للباجي بذلك بل ظاهره وظاهر كلام ابن أبي زمنين أنه يضمن مطلقا كما قال الزرقاني. واللَّه أعلم. اهـ. وقد مر نقل ابن يونس عن محمد في حلف الصغير إذا بلغ أنه لا يحلف إلا بالخبر الذي تيقنه، ونحوه في المواق عن ابن عرفة وزاد، وقال مالك: يحلف كما يحلف الوارث على ما لم يحضر وهو لا يدري، شهد له بحق أم لا، فيحلف معه على خبره، ويصدقه، كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان وهو لا يعلم ذلك إلا بقولهما. ابن عرفة، ففي شرط حلفه مع شاهده بتيقنه أو ظنه قولا محمد ومالك. اهـ.
стр. 8279
الثامن: ما يقبل فيه النساء يقبل فيه الشاهد الواحد واليمين، فيجري ذلك في هذه المسائل من قوله: "وحلف عبد وسفيه" لخ.
التاسع: قال ابن مرزوق عند قوله: "وحلف عبد وسفيه مع شاهد"، والحاصل من ظواهر النصوص أن العبد والذمي كالرشيد اتفاقا، وأن السفيه اختلف فيه فقيل كالرشيد وهو المشهور، وقيل كالصبي حكى الخلاف الباجي والمازري وغيرهما، وقال ابن زرقون: لم يختلف ابن القاسم ومطرف في أنه يحلف مع شاهده، وإنما اختلفا إن نكل وحلف المطلوب ثم رشد، فقال مطرف: يحلف بعد رشده ويقضى له، وقال ابن القاسم: لا يحلف لنفوذ الحكم للمطلوب وهكذا هو منصوص في الواضحة.
وإن حلف المطلوب ثم أتى بآخر فلا ضم هذه مسألة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها، يعني أن الطالب إذا أتى بشاهد على ما ادعى ولم يحلف معه، وَحَلَّف المطلوب على أنه لا شيء له قبله، ثم بعد ذلك أتى الطالب بشاهد آخر على دعواه فإن هذا الشاهد لا يضم إلى الأول حتى يثبت الحق بهما من غير يمين، كما لو أتى بهما ابتداء. قاله ابن مرزوق. وقال الخرشي: يعني أن من ادعى حقا وأقام شاهدا ولم يحلف معه، وحلف المطلوب وهو المدعى عليه ثم أتى المدعي بشاهد آخر فإنه لا يضم إلى الأول لأن شهادته بطلت بنكول المدعي وحلف المدعى عليه لأن الحق يثبت بالشاهد واليمين.
وفي حلفه معه يعني أنه إذا بطلت شهادة الأول لنكول المدعي وحلف المدعى عليه فإنه اختلف، هل يحلف المدعي مع الشاهد الثاني وهو قول غير ابن القاسم، لأنه وإن نكل أولا فقد يظهر له الآن ما يقدم به على الحلف؟ أولا يحلف وهو قول ابن القاسم في المبسوط؛ لأنه لما نكل أولا فقد أسقط حقه؟ وتحليف المطلوب إن لم يحلف يعني أنه إذا فرعنا على القول الأول وهو أن للمدعي أن يحلف مع الشاهد الثاني ونكل المدعي عن الحلف معه، فإنه اختلف هل يحلف المطلوب لرد شهادة الشاهد الثاني أولا يحلف، وعلى القول بحلف المطلوب لو نكل المطلوب عن اليمين لأخذ الطالب الحق بغير يمين كما في التوضيح، والقول الثاني لا يحلف المطلوب ثانيا ويسقط الحق لأن يمينه قد تقدمت فلا تعاد عليه مرة ثانية، وهذا قول ابن بشير ولا مفهوم لقوله: "بآخر" على
стр. 8280
كلام ابن القاسم في المبسوط، وله مفهوم على كلامه في الموازية، وهو أنه إن أتى بشاهدين قُضي له بهما. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن ادعى شخص على آخر بحق مالِيٍّ، وأقام شاهدا عند من يرى ثبوته به وبالحلف معه وردها على المطلوب وحلف المطلوب، ثم أتى بآخر أي أتى المدعي بشاهد ثان فلا ضم أي لا يضمه للأول الذي نكل عن اليمين معه لبطلان شهادته بنكوله معه وحلف المطلوب، وإذا لم يضمه له وأراد الحلف مع الثاني فإنه في حلفه معه لأنه قد يظهر له بشهادته ما يقدم به على اليمين وعدم حلفه، لأنه لما نكل أولا فقد أسقط حقه.
قولان وعلى القول بحلفه مع الثاني، ففي تحليف المطلوب إن لم يحلف مقيمه بل نكل مع الثاني أيضا لأن حلف المطلوب قبل ذلك لرد شهادة الأول فيحتاج ليمينه لرد شهادة الثاني أيضا، وعلى هذا القول لو نكل المطلوب عن اليمين أخذ الطالب الحق بغير يمين كما في التوضيح وعدم تحليفه لأنه حلف أولا لرد شهادة الأول قولان محذوفان من الأول، لدلالة هذا عليه كما قررنا، وجعلنا موضوع المص في حق مالي يثبت بشاهد ويمين، وأقامه عند من يرى ثبوته به، وأبى من الحلف مع الأول احترازا عن إقامته في نحو طلاق وعتق، فحلف المطلوب لرد شهادته ثم أتى الطالب بآخر فإنه يضمه للأول اتفاقا لعدم ثبوت ذلك بعدل ويمين، وعن إقامة شاهد في حق مالي عند من لا يرى ثبوته به، وحلف المطلوب ثم أتى بآخر فإنه يضمه له كما تقدم هذان في قوله: "أو وجد ثانيا أو مع يمين لم يره الأول". اهـ كلام عبد الباقي. وقال عبد الباقي أيضا: قال بعض: قوله: "فلا ضم" لا يعارض قوله: "أو وجد ثانيا" لأن تلك لم يحلف فيها المطلوب. اهـ.
قال الرهوني: قال التاودي: اقتصر الخرشي على قول هذا البعض وفيه نظر؛ لأن الموضوع هناك أن المطلوب حلف بالفعل. اهـ. والقولان الأولان المحذوفان لابن المواز وابن كنانة، ففي الموازية: يحلف مع شاهده، وقال ابن كنانة: لا يحلف. وقاله أيضا ابن القاسم. والقولان الأخيران أحدهما له تحليف المطلوب وهو لابن المواز، والقول بأنه لا يحلف لابن ميسر. انظر المواق. ومفهوم قوله: "بآخر" أنه لو أتى باثنين لكان له القيام بهما عند ابن القاسم في الموازية، وله في المبسوط لا قيام
стр. 8281
له بهما ونحوه لابن كنانة كما في التتائي، وعلى الثاني فلا مفهوم لقوله: "بآخر"، وتقدم أنه إذا حلف الطالب المطلوب وله بينة حاضرة أو كالجمعة يعلمها لم تسمع، ولا يخالف الأول من قولي ابن القاسم لإمكان حمله على ما إذا لم يعلمها أو كانت على أبعد من كالجمعة. قاله الشيخ عبد الباقي.
وإن تعذر يمين بعض يعني أنه إذا قام شاهد واحد بحق لمتعدد وتعذر اليمين من بعضهم وتيسر من بعضهم أو تعذر اليمين من كل، فهنا مسألتان إحداهما تعذر اليمين من بعض وتيسرت من بعض والأخرى تعذرت فيها اليمين من كل، ففي المص حذفُ أَوْ مع معطوفها وهو سائغ كما قاله غير واحد. ومثل للمسألة الأولى بقوله: كشاهد بوقف على بنيه وعقبهم أي مثال ما إذا تيسر الحلف من بعض وتعذر من بعض أن يشهد واحد أو امرأتان أن هذه الدار أو الأرض أو غيرهما وقف على بني فلان وعقبهم بطنا بعد بطن، لا أنه سوى بين البنين وعقبهم كما قد يتوهم من الواو، فاليمين متيسرة من البنين ومتعذرة من عقبهم وهم بعض الموقوف عليهم، ومثل للمحذوف بقوله: أو شاهد أو امرأتين بوقف بدار أو أرض أو غيرهما على الفقراء فاليمين متعذرة من جانبهم، وجواب الشرط أعني قوله: "وإن تعذر"، قوله، حلف من يخاطب باليمين وهو البعض الموجود من الوقوف عليهم في الأولى والمدعى عليه في المسألة الثانية، فإن حلف البعض الموجود مع الشاهد ثبت الوقف، وإن حلف بعض دون بعض ثبت نصيب مَنْ حَلَفَ دون من لم يحلف فنصيبه ملك للمدعى عليه إن حلف، وإن نكلوا كلهم بطل الوقف إن حلف المدعى عليه. قاله عبد الباقي.
قال البناني: قول الزرقاني: وإن نكلوا كلهم بطل الوقف إن حلف المدعى عليه، وكذا قوله قبله: دون من لم يحلف فملك للمدعى عليه إن حلف لخ، ظاهره أن الوقف قد بطل بحلف المطلوب حتى بالنسبة للبطن الثاني، وأنه لا كلام لهم وهو خلاف ما استظهره المازري وغيره. ابن عرفة: لو عرضت اليمين على البطن الأول فنكل جميعهم ثم جاء بعدهم البطن الثاني، فمن قال: أخذ البطن كأخذ الإرث من آبائهم لم يمكنوا من الحلف لبطلان حقهم بنكول آبائهم، وعلى الطريقة الأخرى وهي أن أخذهم إنما هو بعقد التحبيس من المحبس يمكنون من اليمين، ولم يضرهم
стр. 8282
نكول آبائهم وهو الظاهر. اهـ. وقولي: بطنا بعد بطن المُحْوِجُ له هو ما رتبه المص عليه من التردد الآتي، فإنه لا يتفرع إلا على هذا المعنى، وفيه فرض المسألة.
ابن الحاجب: وإن حلف المدعى عليه في مسألة الفقراء ثبتت الملكية له وبطل الوقف، الا يحلف بعد نكولهم في المسألة الأولى وابتداء في مسألة الفقراء، فالشيء الذي قام على وقفيته شاهد واحد أو امرأتان حبس في المسألتين، وَالْحَاصِلُ أن المشهود عليه يحلف في المسألتين معا وإلا لزم الحبس، لكن حلفه في المسألة الأولى بعد نكول المشهود لهم أو بعضهم، وفي المسألة الثانية يحلف ابتداء أما مستنده في كون المشهود عليه يحلف ابتداء، في المسألة الثانية وهي مسألة الفقراء فهو ما ذكره اللخمي والمازري وابن شاس وابن الحاجب، وتعقبه ابن عرفة فقال: ظاهر الروايات عدم حلفه لعدم تعيين طالبه. اهـ. وأما مستنده في كونه يحلف في مسألة وقف على بنيه وعقبهم فهو ما فهمه في توضيحه من قياس هذا الفرع على مسألة الفقراء بناء على ما ذكره اللخمي ومن تبعه فيها من اليمين.
ثم فرع على الفرع الأول فقط في خصوص ما إذا حلف بعضهم دون بعض قوله: فإن مات البعض الحالف اتحد أو تعدد ولم يبق إلا البعض الناكل، ففي تعيين مستحقه أي مستحق نصيب الحالف الذي مات وكل من استحق لابد من يمينه؛ لأن أصل الحبس بشاهد واحد، وبين جنس المستحق بمن البيانية فقال: من بقية الأولين دون البطن الثاني لأن نكولهم عن الحلف على نصيبهم لا يمنعهم من استحقاق نصيب الحالف الميت، كما مر في تأخير الصبي إذا نكل أخوه الكبير ثم مات الصغير قبل بلوغه، أو البطن الثاني أي إنما يستحق نصيب الحالف الميت البطن الثاني دون بقية البطن الأول لبطلان حقهم بنكولهم.
وقوله: تردد مبتدأ، وخبره قوله: "في تعيين" لخ يعني أنه جرى التردد فيما إذا مات البعض الحالف وبقي البعض الناكل، هل المستحق لنصيب الحالف البعض الناكل لأنه بقية الأولين والموضوع أن الواقف قال: وقف على العقب وبنيهم بطنا بعد بطن أو المستحق لنصيب الحالف الميت إنما هو البطن الثاني لا بقية الأولين؟ قال ابن مرزوق مفسرا للمص: فإن مات إلى تردد أي
стр. 8283
إن اجتمع ممن تمكن يمينه مع هذا الشاهد جماعة، فحلف بعضهم ونكل بعضهم واستحق الحالف نصيبه وسقط نصيب الناكل ثم مات الحالف عن نصيبه الذي استحقه، فهل يستحق نصيبه بقية الأولين الذين الحالف منهم فينتقل نصيبه لمن بقي من أهل درجته ولو كانوا نكلوا عن اليمين، وهذا القائل يرى أنهم ورثوه عن هذا المستحق لا عن المحبس، أو يستحقه أهل البطن الثاني ولا شيء لبقية الأولين لنكولهم، تردد في ذلك المتأخرون من أهل المذهب، وإنما عبر المص هنا بالتردد لعدم نص المتقدمين في المسألة، وظاهر كلام المص القول الثاني أنه ينتقل لجميع البطن الثاني وهو أحد القولين، وفيها قول آخر نقله المص، وهو أنه لا يستحقه من أهل البطن الثاني إلا من حلف أبوه من البطن الأول، وقد مر عند قوله: "ففي تعيين مستحقه" أن كل من استحق لا بد من يمينه. قاله عبد الباقي وغيره.
وقال الشيخ التتائي: وسكت المص عمن وجب له أخذ من بقية البطن الأول، هل يأخذه بيمين أو بغير يمين؟ وهما قولان. وقوله: "تردد" قال عبد الباقي: الراجح منه الثاني، قال البناني: انظر من رجحه وهذا التردد إنما حكاه ابن شأس ومن بعده عن المازري، وهو إنما استظهر القول الأول، قال ابن عرفة عن المازري: ولو حلف واحد فاستحق حقه ونكل الآخر من البطن الأول ثم مات الحالف وبقي إخوته الناكلون، فقيل نكولهم كموتهم فينتقل الحق للبطن الثاني، وهذا عندي لا يصح على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما، وهو أن نكول من نكل لا يبطل حق من يأتي بعده ولا يرجع حظ الناكل إلى أهل البطن الثاني، والأظهر إن اشترط أن لا يأخذ البطن الثاني شيئا إلا بعد انقراض البطن الأول وموت جميعهم لم يأخذ أحد من البطن الثاني شيئا ما دام أحد من الناكلين حيا. انتهى.
وقال عبد الباقي: ثم تمكين بقية البطن الأول على القول بأن الحق لهم من اليمين بعد ما نكل عنها مخالف، لقوله: ولا يمكن منها إن نكل، ولما تقدم من قوله: "إلا أن يكون نكل أولا ففي حلفه قولان" اهـ. قال البناني: قول الزرقاني: ولا تقدم من قوله: إلا أن يكون نكل أولا لا مخالفة لأن كلا من المسألتين فيه قولان. اهـ. وقال الخرشي: إنه لا يخالف قوله: "ولا يمكن منها إن نكل" لأن حلفه هنا على حق موروثه الحالف لا على الحصة الناكل هو عنها. انتهى
стр. 8284
وقال عبد الباقي أيضا: وما ذكرناه من أن بقية الأولين يستحقونه بعد الحلف ظاهر في الناكل على ما فيه، وأما على القول بأنه يستحقه أهل البطن الثاني فبعد الحلف كما مر، وينبغي أن يحلف غير ولد الميت لأنه يأخذه بالوراثة، وجعلي موضوع التردد أنه لم يبق إلا البعض الناكل احتراز عما إذا مات بعض من حلف وبقي منهم بعض مع الناكلين، فلا شيء للناكلين ويستحق نصيب الحالف الميت بقية الحالفين على أحد تقريرين في أحمد، والتقرير الآخر شمول التردد لذلك أيضا، وعلى الأول فهل يحلفون حينئذ أيضا أم لا؟ قولان.
واعلم أن كلام المص هنا في بيان أن الوقف المعقب يثبت بشاهد ويمين لا في القضاء به، فلا يخالف ما مر في قوله: وإن قال داري صدقة بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين لم يقض إلا ببت معين من أن مثله داري حبس، فالوقف على شخص بعينه يثبت بشاهد ويمين على المشهور، ويقضى به لأنه آئل لمال وهو كون الغلة تصرف في مصرفه المشهود به. اهـ. قال البناني: ما ذكره في دفع التعارض تبعا للأجهوري اعترضه مصطفى، ونصه: ما ذكره المص من اليمين على المشهود عليه في مسألة الفقراء تبع فيه صاحب الجواهر وابن الحاجب والمازري، وأصله للخمي. وقال ابن عرفة: ظاهر الروايات عدم حلفه لعدم تعين طالبه. اهـ. قال: وبه تعلم معارضة ما ذكره المؤلف هنا لما ذكره آخر الهبة من أن الصدقة على غير المعين، ومثلها الحبس لا يقضى به إذ توجه اليمين فرع القضاء، وأن ما ذكره هناك هو الموافق لظاهر الروايات وهو نص المدونة، وقول الأجهوري ومن تبعه: كلام المص هنا في بيان ما يثبت به الوقف لا في القضاء، وحينئذ فلا يخالف ما تقدم من قوله: وإن قال داري صدقة لخ فيه نظر. انتهى. أي لأنه لا فائدة للثبوت إلا القضاء.
قال البناني: قلت: قد يقال في دفعها أن ما تقدم آخر الهبة محله في الدعوى على المالك لشيء أنه تصدق به أو حبسه على غير معين، فلا يقضى عليه به وما هنا في حائز لشيء يدعي ملكه يستحق من يده بإثبات أنه وقف من غيره على غير معين، وهذا يقضى به. فتأمله. انتهى.
стр. 8285
تنبيه: قال الخرشي: لو حلف الموجودون كلهم ثبت الحبس كله، فلو ماتوا استحقه من بعدهم من غير أيمان، وحملنا كلام المؤلف على ما إذا قال الواقف في وقفه بطنا بعد بطن، وأما لو لم يكن هناك شرط فيصير التردد هكذا، هل يدخل بقية الأولين مع البطن الثاني أو يختص بالبطن الثاني؟ اهـ.
ولما فرغ من ذكر أنواع الشهادات التي يؤديها الشاهد بنفسه عند الحاكم ومنها شهادة السماع، أخذ يذكر الشهادة على الشهادة، وصدره ببيان الشهادة على حكم القاضي لأنها لما كانت نقلا لحكمه أشبهت نقل الشهادة، فلذا ذكرها هنا وإن كانت من الذي قبله، فقال: ولم يشهد على حاكم قال: ثبت عندي إلا بإشهاده يعني أن من سمع حاكما يقول ثبت عندي كذا فلا يشهد عليه أنه ثبت عنده ذلك حتى يشهد القاضي الشاهد بذلك فيقول له اشهد علي أنه ثبت عندي كذا، فحينئذ يشهد به. اهـ. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: ولم يشهد على حاكم، قال: ثبت عندي لفلان على فلان كذا أو في أمر عام، وكذا إذا سمعه يقول حكمت بطلاق زوجة فلان كما في أحمد بحثا أو بغير طلاق إلا بإشهاد منه لهما، بأن يقول اشهد على حكمي. اهـ. وعلل ابن مرزوق قول المص: "ولم يشهد على حاكم قال ثبت عندي" لخ بقوله، لأنه قد يكون ذلك من القاضي على وجه الاستفهام أو التثبت لأحد الخصمين أو الترتب على الخصم. انتهى.
فرع في المدونة: قيل لمالك: فرجلان تنازعا في أمر فأدخلا بينهما رجلين على أن لا يشهدا بما سمعا منهما فيتقاران ثم يفترقان فيتجاحدان، قال: فليعذر الشاهدان إليهما ولا يعجلا، فإن تماديا على الجحود فَلْيُشْهَدْ عليهما. انتهى من كتاب الحدود في الزنى. ومنه في ابن يونس عنها هناك ولم يذكر غيره، فوجب التعويل عليه. واللَّه أعلم. قاله الرهوني. وقد مضى الخلاف في هذه المسألة وفي الخرشي عن الأجهوري عند قوله: "ولم يشهد على حاكم" لخ، فلو حضر الثبوت ولم يشهده فلا ينقله هذا الذي حضر عنده، ومثل ثبت عندي قوله حكمت به كان بطلاق أو غيره، وقول الزرقاني: بطلاق صورة مسألة.
كاشهد على شهادتي يعني أن نقل الشهادة لا يصح إلا بأحد أمرين، أحدهما أن يقول الشاهد المنقول عنه للشاهد الناقل اشهد على شهادتي، فإذا قال له أنا أشهد على كذا فاشهد على
стр. 8286
شهادتي بذلك فإنه يصح له النقل عنه، قال عبد الباقي: وشرع في شهادة النقل فقال كاشهد على شهادتي، مثال لمحذوف معطوف على حاكم أي أو على شاهد لشخص بحق إلا بإشهاد أو ما هو بمنزلة الإشهاد، كما أشار له بقوله: أو رآه يؤديها هذا هو الأمر الثاني؛ يعني أن الشاهد إذا رآى من يؤدي شهادته عند القاضي فإنه يجوز له النقل عنه ولو لم يقل له اشهد على شهادتي، فالحاصل أنه إذا قال له اشهد على شهادتي فإنه يسوغ له النقل عنه ولو لم يكن ذلك عند الحاكم، كما أنه إذا رآه يذكرها عند الحاكم ينقل عنه، ولو لم يقل له اشهد على شهادتي، قال ابن مرزوق: وقوله: "كاشهد على شهادتي" إلى "يؤديها"، هذا هو نقل الشهادة أي كما لا يشهد على القاضي بأنه ثبت عمده، كذا إن سمع منه ذلك لا يشهد على شهادة شاهد سمعه يذكر شهادة عنده حتى يقول له الشاهد اشهد على شهادتي، وهذا إذا سمعه يذكرها عند غير الحاكم، وأما إن رآه يؤديها عند الحاكم وحضر المجلس وسمع تلك الشهادة فإنه يجوز له أن يشهد على شهادته تلك، كما لو قال له: اشهد على شهادتي، وإلى هذا أشار بقوله: "أو رآه يؤديها" أي عند الحاكم؛ لأن الأداء إنما يكون عنده، وما ذكره أنه يشهد إن رآه يؤديها مختلف فيه، ولأشهب في كتاب ابن المواز خلافه كما ترى في نقل النوادر، وهذا هو الذي كان ينبغي للمص أن يفتي به؛ لأن ظاهر المدونة كما ترى في عموم لفظها وهو ظاهر العتبية أيضا وقول أصبغ، وما ذكر المصنف قول مطرف.
قال في المدونة: ومن سمع رجلا يذكر شهادته أن لفلان على فلان كذا، أو يقول سمعت فلانا يطلق زوجته فلا يشهد على شهادته حتى يقول: اشهد على شهادتي. اهـ. وقال في النوادر: ونقله أيضا ابن يونس في كتاب ابن المواز: إن سمع قوما يقولون لقوم اشهدوا على شهادتنا أن لفلان على فلان كذا فلا يشهد على شهادتهم حتى يقولوا له اشهد على شهادتنا. اهـ. وفي العتبية: قال ابن القاسم في رجلين قالا: سمعنا فلانا يذكر أنه شهد لفلان في كذا، قال: ما أحب أن يشهدا وإن شهدا لم يقبلا، قال ابن رشد: هذا مثل ما في المدونة وهو متفق عليه لا اختلاف أنه لا يشهد أحد على شهادة أحد دون أن يشهده، وإنما اختلف إن سمعه يشهد غيره على
стр. 8287
شهادته: فقيل يجوز له أن يشهد عليها وقيل لا حتى يشهده، وقال ابن يونس: وهو في النوادر أيضا، قال مطرف: ومن سمع رجلا يشهد عند القاضي شهادته ثم مات القاضي أو عزل فتجوز شهادته عليه، وتكون شهادة على شهادة. اهـ. وقال عبد الباقي: أو رآه يؤديها عند قاض فيشهد على شهادته لأن سماعه يؤدي الشهادة عند القاضي منزل منزلة قوله: اشهد على شهادتي، ثم إن قوله: "ولم يشهد" لخ موافق لما في الإنهاء من قوله: وأفاد إن أشهدهما أن ما فيه حكمه أو خطه فإنه يفيد أنه إذا لم يشهدهما وسمعا قوله ما فيه حكمي فلا يشهدان وهو كذلك عند أشهب، ولكن قول ابن القاسم وابن الماجشون خلافه، وأنهما يشهدان حيث سمعاه يقول ما فيه حكمي وإن لم يشهدهما. قاله الأجهوري. وتقدم نحوه هناك وانظره مع [نقل أحمد] (١) هنا: ما للمص قول ابن القاسم ومطرف. اهـ. وهو ظاهر.
وَالْفَرْقُ أن الإنهاء له أحكام تخصه، وأشعر قوله: رآه يؤديها أنه إذا سمع شاهدا يقول لآخر: اشهد على شهادتي فليس للسامع أن ينقل عن الشاهد الأصلي، وذكر الشارح فيه خلافا، واقتصر المواق على أن له أن ينقل عنه، وقال: إنه المشهور أي لأنه شهره ابن رشد كما في المواق، وظاهر كلام المص أنه يجوز النقل ولو تسلسل وهو ظاهر الروايات، فلا يطلب التاريخ للنقل، وظاهره أنه يجوز النقل وإن لم يعرف الناقل المنقول عنه، وفهم من قوله: "كاشهد على شهادتي" لخ أن المنقول عنه عدل وقت قوله المذكور أو وقت رؤيته أداءها، لا صبي أو عبد أو كافر قال كل اشهد على شهادتي وانتقلوا إلى حالة العدالة بعد النقل عنهم، وماتوا أو غابوا فلا يجوز النقل عنهم لأن المنظور إليه وقت التحمل عنهم، ولا يخالف هذا قول المص: "إلا أن يشهد عليهم" قبلها لأن الشهادة عليهم بها بمنزلة الشهادة على أصل ما شهدوا به، وليس بنقل عنهم إذ لم يعتبروا في شهادة الصبيان نقلا. انتهى كلام عبد الباقي.
تنبيهات: الأول: عَرَّفَ ابن عرفة شهادة النقل بقوله: النقل عرفا إخبار الشاهد عن سَمَاعِهِ شهادة غيره أو سماعه إياه لقاض، فيدخل نقل النقل ويخرج الإخبار بذلك لغير قاض، وظاهر
стр. 8288
عموم الروايات وإطلاقها صحة نقل النقل، ولم أقف عليه نصا فيه فيها مع غيرها، وتجوز الشهادة على الشهادة في الحدود والطلاق والولاء وكل شيء، قُلْتُ: والنقل عن الأصل شيء، فإن قال المنقول عنه للناقل: اشهد على شهادتي أو انقلها عني صح نقله اتفاقا. انتهى. نقله البناني. والنقل لغة معلوم، وقد قصره الشرع في عرفه على بعض مدلوله، وعرفا منصوب على نزع الخافض. وقوله: إخبارت صَيَّرَ الجنس للنقل الإخبارَ وهو مصدر أخبر، وقوله: الشاهد أخرج به ما ليس بشاهد إذا أخبر بما سمع لا على وجه الشهادة، وأطلق الشاهد على من تحمل السماع. قوله: عن سماعه شهادة غيره معناه أنه أخبر عن الذي سمعه يذكر شهادة عنده وعن سماعه متعلق بالإخبار، والضمير عائد على الشاهد، وشهادة غيره مفعول سماعه، وقوله أو سماعه عطف على سماعه، والضمير فيه عائد على الشاهد وإياه عائد على الإخبار، وذكر هذه الزيادة ليدخل نقل النقل، وفي نسخة: إياها فضمير سماعه يعود على غيره، في قوله: شهادة غيره، وضمير إياها عائد على الشهادة، وأدخل بها أيضا نقل النقل. وقوله: الشاهد أي من نسب له الشهادة ذكرا أو أنثى، وقوله: لقاض يتعلق بالإخبار واللام تقوية للعامل، فَإن قُلْتَ: إذا تعدد النقل فالوسائط أطلق عليها نقلا وليس في الوسائط إخبار لقَاض، قُلْتُ: أطلق النقل على الوسائط لغة والمعتبر شرعا هو الطرف الأخير الذي وقع فيه الإخبار للقاضي: وقوله: لقاض يخرج ما إذا أخبر الشاهد الثاني غير قاض، فلا يقال فيه نقل. انظر الخرشي.
الثاني قال المواق: قال ابن رشد: شهادة الرجل بما سمعه دون إشهاد من المشهود عليه ثلاثة أقسام: الأول: ما سمعه منه من قذف يوجب حده أو عقوبته شهادته به مقبولة اتفاقا، القسم الثاني: ما سمعه منه من إقرار على نفسه بحق لرجل، فقال ابن القاسم في المدونة: تصح وهو أحد قولي مالك في المدونة، وقوله: الآخر لا تصح. الْقِسْمُ الثَّالثُ: شهادته عليه بما سمع من شهادته على غيره بحق أو قذف أو زنى لا تجوز اتفاقا. قال الباجي: من سمع رجلا ينص شهادته لم يجز أن ينقلها عنه حتى يشهده على ذلك، ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن سمع
стр. 8289
رجلا يذكر شهادته يقول سمعت فلانا يقذف فلانا أو يطلق زوجته فلا يشهد على شهادته حتى يقول له اشهد على شهادتي.
الثّالِثُ: قال مطرف: من سمع رجلا يؤدي عند القاضي شهادته، ثم مات القاضي أو عزل فتجوز شهادته عليه وتكون شهادة على شهادة، وقال أصبغ: لا تجوز حتى يشهده على ذلك أو يشهد على قبول القاضي لتلك الشهادة. ابن يونس: قول أصبغ أعدل وأشبه بظاهر المدونة، وقال ابن رشد: إن سمعه يؤديها عند الحاكم، أو كان هو الحاكم فشهد بها عنده أو سمعه يشهد غيره وإن لم يشهد فالمشهور أنها جائزة. انتهى. قوله: أو كان هو الحاكم لخ، صورة ذلك - والله أعلم - أن يؤديها الشاهد عند الحاكم فينقلها الحاكم ويشهد بتلك الشهادة عند حاكم آخر من غير أن يشهده المنقول عنه. قاله مقيده عفا الله عنه. والله تعالى أعلم.
وذكر شروط صحة النقل بقوله: إن غاب الأصل يعني أنه يشترط في صحة النقل أن يكون الأصل المنقول عنه غائبا، وهو أي والحال أن الأصل المنقول عنه رجل، بخلاف ما إذا كان المنقول عنه امرأة فإنه يجوز أن ينقل عنها مع حضورها، بمكان لا يلزم الأداء منه يعني أنه يشترط في صحة النقل أن يكون الأصل غائبا عن محل الأداء بموضع لا يلزمه أن يؤدي الشهادة منه، وهو ما فوق البريدين هذا فيما إذا كان المشهود به مالا اتفاقا.
وأشار للحدود بقوله: ولا يكفي في الحدود الثلاثة الأيام يعني أنه لا يكفي في النقل عن الشاهد الأصلي في الحدود الثلاثة الأيام؛ أي كون مسافته ذهابا على ثلاثة أيام، فلا يصح النقل إلا إذا كان المنقول عنه على مسافة أكثر من ثلاثة أيام، وما مشى عليه المص قول ابن القاسم في الموازية: وقال سحنون: الغيبة البعيدة مسافة القصر، ولم يفرق بين الحدود وغيرها وعلى ما للمص، فإذا كان بموجب حد على مسافة قصر فأعلى ولم يبعد أكثر من ثلاثة أيام رفع شهادته إلى من يخاطب قاضي المصر الذي يراد بنقل الشهادة إليه، وانظر لمَ لَمْ يكتف بنقل الشهادة هنا مع اكتفائهم فيها بالخط إلى قاضي بلد الخصومة. قاله ابن عاشر؟ وَأُجِيبَ بأنه إنما اكتفوا بالخطاب لأنه لما كان صادرا من القاضي وثقت النفس به ما لا تثق بنقل الشاهد. والله أعلم. قاله البناني.
стр. 8290
تنبيه: فهم من كلام المص أن شهادة النقل يعمل بها في كل شيء، قال في المدونة: وتجوز الشهادة على الشهادة في الحدود والطلاق وفي كل شيء. اهـ. وقال في القطع في السرقة: وتجوز الشهادة على الشهادة في السرقة وغيرها، وعلل القاضي في التنبيهات عدم قبول النقل حيث لم يشهد الأصل الناقل، بقوله لأنهم لو دعوا إلى الشهادة لعلهم لا يشهدون لعلة، أو لأن كثيرا من يستعمل في كلامه المعاريض والمزح. اهـ. ثم إنه جرى في قوله: "الثلاثة الأيام" على مذهب الكوفيين هذا على جر الأيام، ويجوز فيها الرفع على البدلية كما في الخرشي والشبراخيتي. والله تعالى أعلم.
أو مات عطف على غاب يعني وكذلك يصح النقل إن مات الأصل المنقول عنه لتعذره أو مرض أي وكذلك يصح النقل عن الأصل إذا مرض مرضا يتعسر معه الحضور لأداء الشهادة، وإن كان بموضع يلزمه الأداء منه لو لم يكن مريضا، قال ابن مرزوق: أي ومن شروط قبول الشهادة على الشهادة أن يكون المنقول عنه الشهادة غائبا أو ميتا أو مريضا، ويعني مرضا لا يقدر معه على الأداء، نص على هذا التقييد في المرض المازري وغيره، وهو من كلام ابن المواز كما في النوادر، وكان من حق المص أن ينبه عليه كما فعل ابن شاس، وإنما تركه المص وابن الحاجب - والله أعلم - لأنهما رأياه ظاهرا فلم يحتاجا إلى ذكره استغناء بظهوره، وأما إن كان الأصل المنقول عنه حاضرا صحيحا لا مانع يمنعه من أداء الشهادة فلا يجوز نقلها عنه؛ لأن تركه الأداء مع تمكنه منه ربية، ولأنه لو حضر عند القاضي لتبين للقاضي من أحواله ما ترد به الشهادة، أو لأنه لا يؤديها كما يؤديها الناقل عنه. اهـ.
ومثل مرض الأصل كل عذر تترك له الجمعه. نقله في الميسر عن ابن شأس. وقوله: "إن غاب الأصل" أو مات أو مرض الأصل هو المنقول عنه لأنه أصل في الشهادة والناقل فرع. وقوله: "وهو رجل" جملة في موضع الحال من الأصل، وقوله: "بمكان" الباء فيه للظرفية، وقوله: "بمكان لا يلزم الأداء منه" قد تقدم أنه كمسافة القصر. انتهى كلام ابن مرزوق. وقد مر أن البريدين هما الذي يتعين الأداء منهما عن غير واحد، وذلك صريح في أن مسافة القصر وما دونها مما فوق
стр. 8291
البريدين لا يتعين الأداء منه، وحينئذ فالظاهر أن الكاف في قوله: "لا كمسافة القصر" مدخلة لما فوق البريدين. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. وقد مر لعبد الباقي أن الكاف في كبريدين استقصائية على ظاهر نقل المواق، قال: وظاهر مقابلة المص لما هنا بقوله: "لا كمسافة القصر" أن ما دونها يتعين الأداء منه. والله تعالى أعلم. وقوله: "وهو رجل" قال ابن يونس: ولا يجوز النقل عن الصحيح الحاضر - يريد إلا النساء - فإنه يجوز النقل عنهن وهن أصحاء لضرورة الكشف، وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: ينقل عن النساء وإن كن حضورا وذلك الشأن، وقال [ابن شاهين] (١) وابن الحاجب: قال مطرف: لم أر قط امرأة بالمدينة أدت شهادتها وإنما تنقل عنها. انتهى.
فرع: قال في التوضيح: ويشترط أيضا في صحة النقل أن يسمِّيَ الناقلون من نقلوا عنه، لاحتمال أن يكونوا إذا سَمَّوْهُمْ طعن فيهم. انتهى. قاله الخرشي. وقال ابن مرزوق: وأما النقل عن الميت، فقال ابن يونس: وهو في النوادر أيضا. ابن حبيب: في نقل الناقلين لشهادة قوم في نكاح أو حق فقالوا أشهدنا قوم على كذا وكانوا عندنا يومئذ عدولا ولا ندري اليوم من هم، فلا تجوز شهادتهم حتى يسموهم فيعلم أنهم غُيَّبٌ أو أموات فيجوز وإلا لم يجز؛ إذ لعلهم حضور قد نزعوا عن شهادتهم أو نسوها أو حالت حالتهم إلى جرحة، وقاله أصبغ. انتهى المراد منه. وقوله: "أو مات أو مرض" قال الشبراخيتي: ومثلهما الاعتكاف كما مر في بابه. اهـ.
ولم يطرأ فسق يعني أن من شرط نقل الشهادة أن يكون من نقلت عنه عدلا حين تحملها الناقل عنه، وتستمر عدالته إلى حين أدائها عنه فلو طرأ فسق قبل أن تؤدى عنه لبطلت، وظاهره عموم بطلانها بطرو الفسق من أيِّ نوع كان، وبعضهم يستثني ما كان من نوع الجراح مما يمكن حدوثه كما مر في الشاهد نفسه. قاله ابن مرزوق. أو عداوة يعني أن من شرط نقل الشهادة أن لا يكون من المنقول عنه من حين تحمل الشهادة إلى أن تؤدى عنه ما يمنع من قبول شهادته على المشهود عليه كعداوة بينهما، فلو طرأت بين المنقول عنه وبين المشهود عليه عداوة قبل الأداء لم تود عنه،
стр. 8292
والحاصل أن طرو الفسق أو العداوة على الأصل المنقول عنه قبل أداء الفرع الناقل يبطل شهادة الفرع، وأَمّا لو طرأ على الأصل الفسق أو العداوة بعد الأداء أي الأداء الحاصل من الفرع الناقل، فإنه لا تبطل شهادة الفرع بل تصح لأن أداءه بمنزلة الحكم هذا هو التحقيق.
بخلاف جن أي طرو جن يعني أنه لو طرأ للمنقول عنه جن بعد النقل فإن ذلك لا يمنع من صحة شهادة النقل عنه، كان ذلك قبل أداء الفرع أو بعده. قال الإمام الحطاب: ولم يطرأ فسق أو عداوة، بخلاف جن أي طروّ الفسق والعداوة على الأصل قبل أداء الفرع يبطل شهادة الفرع، بخلاف طرو الجنون على الأصل فإنه لا يبطل شهادة الفرع. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يطرأ فسق للمنقول عنه أو عداوة بينه وبين المشهود عليه قبل أداء الشهادة، فلو زال الفسق عن الأصل فهل ينقل عنه بالسماع الأول أو حتى يأذن ثانية خلاف؟ بخلاف طرو جن أي جنون بعد تحمل الناقل عنه فلا يقدح في النقل عنه. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن طرو الجنون على شاهد الأصل لا يقدح في النقل عنه. ابن عرفة: طرو الجنون والعمى على الأصل لغو.
ولم يكذبه أصله قبل الحكم يعني أن من شروط شهادة النقل أن لا يكذب الأصل الناقل قبل الحكم بشهادة النقل ولو بعد الأداء، فلو كذبه قبل الحكم لم تصح شهادته. وعلم مما قررت أن قوله: "قبل الحكم" خاص بالأخيرة، وأما قول عبد الباقي: إن قوله قبل الحكم راجع للمسائل الثلاث فغير صحيح، قال البناني: قول الزرقاني وهو راجع للمسائل الثلاث لخ غير صحيح، والصواب رجوعه للأخيرة فقط، وأما الفسق والعداوة فالأداء فيهما بمنزلة الحكم فلا يضر طروهما بعد الأداء كما في التوضيح وابن عرفة. انظر كلامه في المواق. انتهى. وقال الرهوني: قول الزرقاني راجع للمسائل الثلاث، أراد بالثلاث: طرو الفسق وطرو العداوة وتكذيب الأصل، وفيه نظر بل هو خاص بالأخيرة، ورجوعه للأولين مخالف لقوله: أو لا عقبهما قبل أداء الشهادة، وما قاله أولا هو الصواب. والله أعلم. وقوله: "ولم يطرأ فسق أو عداوة" وكذا صهارة أو مانع أعم، كما لو تزوج الأصل المرأة المشهود لها. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ولم يكذبه أصله، فإن كذبه
стр. 8293
حقيقة أو حكما كشكه في أصل شهادته بالشيء لم ينقل عنه، ومثل تكذيبه طرو فسق الناقل قبل الحكم، بخلاف طرو عداوة بينه وبين المشهود عليه. انتهى.
وقال التتائي: ولم يطرأ فسق للمنقول عنه أو عداوة بينه وبين المشهود عليه أو ردة، فإن حدث شيء من ذلك قبل التحمل أو قبل الأداء أبطل شهادته، وظاهره كان الفسق مما يخفى ويكتم كالزنى أو مما يتجاهر به كالقتل وهو كذلك، بخلاف طرو جن وعمى على الأصل بعد النقل وقيل الأداء فإنه غير مانع من النقل عنه، وكذا طروه على الفرع بعد الأداء للغوهما في غير النقل، وأشار لشرط آخر بقوله: "ولم يكذبه" أي الفرع أصله قبل الحكم بشهادة الفرع: فإن كَذَّبه بأن قال: لم أشهده على شهادته ولا أديتها عند قاض، أو قال: لا شهادة لي في ذلك بطلت إذ هو كرجوعهم عنها قبل الحكم. اهـ.
وإلا بأن كذب الأصل فرعه الناقل عنه بعد الحكم بشهادة الناقل، مضى الحكم فلا ينقض بلا غرم على الأصل، ولا على الناقل كما في الخرشي وغيره؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون صادقا في نفس الأمر أو كاذبا، فكيف يغرم بالشك؟ قال ابن مرزوق: وأما إن كذب الأصل الفرع بعد حكم الحاكم بها فإن التكذيب بها لا يفيد والحكم ماض، وهذا معنى قوله: "وإلا مضى" أي وإن لم يكذبه قبل الحكم بل كذبه بعده مضى أي الحكم الواقع بشهادة النقل، ولا ينقض وليس على الأصل المكذِّبِ غرمُ ما أتلف بشهادته المنقولة عنه، كما يغرم الشاهد إذا رجع بعد الحكم لأنه لم يشهد حتى يعد تكذيبه رجوعا، وهذا معنى قوله: "بلا غرم" أي بلا غرم من الأصل المكذّب، ويحتمل أن يريد مع ذلك ولا من الناقل كما نقل اللخمي عن ابن القاسم ومطرف؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون صادقا في نفس الأمر وكاذبا، فكيف يغرم بالشك؟ وهذا الذي ذكر من التكذيب قبل الحكم يسقط النقل قيده في كتاب ابن المواز بما إذا لم يصر في ذلك إقرار على الأصل أو في جحوده منفعة له، وإنما لم يقيده المص - والله أعلم - لأنه رآى أن الأمر إذا آل إلى ما ذكر خرجت الشهادة عن النقل وصارت إلى أنها شهادة على المقر. اهـ.
وقال الرهوني: لم يقيد الزرقاني ولا غيره كلام المص بشي، وفي ابن يونس: ومن كتاب ابن المواز: وإذا شهد رجلان على شهادة رجل ثم قدم وأنكر شهادته أو شك فيها عن قرب ذلك أو
стр. 8294
بُعْدِه فلا يجوز أن تنقل عنه إلا أن يكون صار ذلك إقرارا على نفسه، أو آل أمره إلى أن صار جحوده منفعة له فينفذ ذلك. اهـ. وقوله: "وإلا مضى بلا غرم" هو قول ابن القاسم ومطرف، ومقابله رواه ابن حبيب عن مالك أنه ينقض. انظر ابن مرزوق. وقال الشبراخيتي: وإلا بأن كذب الأصل فرعه بعد الحكم بشهادته مضى الحكم بلا غرم من الأصل المكذب. اهـ. وقال التتائي: وإلا بأن كذب الأصل فرعه بعد الحكم بشهادته مضى الحكم بلا غرم، واستقرأ اللخمي أنه يمضي ويغرم شهود الأصل. ابن المواز: شك الأصل مع جزم الفرع بمنزلة الإنكار. انتهى.
ونقل عن كل اثنان عطف على "غاب" يعني أنه يشترط في صحة شهادة النقل أن ينقل عن كل من الأصلين اثنان، والحال أن الناقلين ليس أحدهما أصلا وهو صادق بأربعة، بأن ينقل عن زيد الأصل شاهدان، وينقل عن عمرو الأصل شاهدان آخران، وباثنين بأن ينقل عن زيد الأصل اثنان ثم يذهبا إلى عمرو الأصل فينقلا عنه، ولا يكفي في النقل إذا كان أحد الناقلين أصلا أي من المنقول عنهم؛ لأنه إذا كان أحدهما أصلا يرجع إلى أن واحدا أحيا شهادتهما، فيلزم ثبوت الحق بشاهد واحد، قال عبد الباقي: وعطف على غاب قوله: "ونقل عن كل من الشاهدين الأصلين في غير الزنى اثنان ليس أحدهما؛ أي أحد الناقلين أصلا أداء شهادته، وذلك لأنه يلزم ثبوت الحق بشاهد واحد، والمتبادر من المص أن الناقلين عن اثنين أربعة ويصدق أيضا، وإن كان خلاف المتبادر منه بنقل اثنين عن واحد بمجلس ثم ذهبا للآخر فنقلا عنه بمجلس آخر. انتهى.
قال الرهوني: قول الزرقاني لأنه يلزم ثبوت الحق لخ التعليل الذي في المواق أبين وعليه يتفرع ما علل به الزرقاني، وكلام المواق هو قوله: ونقل عن كل اثنان من المدونة، قال مالك: شهادة الرجلين تجوز على شهادة عدد كثير ولا ينقل أقل من اثنين في الحقوق عن واحد فأكثر، ولا يجوز نقل واحد عن واحد مع يمين الطالب في مال؛ لأنها بعض شهادة شاهد والنقل نفسه ليس بمال ولو أجيز ذلك لم يصل إلى قبض المال إلا بيمينين، وإنما قضى النبي ﷺ في الأموال بشاهد ويمين واحدة ليس أحدهما أصلا، قال ابن القاسم في المجموعة: إذا شهد الرجل في حق على علمه وشهد هو وآخر ينقلان عن رجل ذلك الحق، فلا يجوز لأن واحدا أحيا
стр. 8295
الشهادة، قال في العتبية: وتجوز الشهادة على علم نفسه ولا يجوز نقله عن الآخر، وانظر إذا شهد رجلان على شهادة رجل وشهد أحدهما وثالث على شهادة آخر في ذلك الحق، نص ابن الماجشون أن ذلك أيضا لا يجوز لأنه يرجع إلى أن واحدا أحيا شهادتهما. اهـ. وقال التتائي عند قوله: "ليس أحدهما أصلا": كأن يشهد اثنان على شهادة واحد وأحدهما أصل؛ إذ لو كان كذلك لصار الأصل مؤديا إذ نقله عن نفسه ساقط فتبطل شهادة الناقل معه لانفراده. اهـ. وقال الخرشي: "ونقل عن كل اثنان ليس أحدهما أصلا" يعني أن شرط النقل في غير الزنى بدليل ما بعده أن ينقل عن كل واحد من شهود الأصل اثنان ليس أحدهما من شهود الأصل؛ لأنه إذا كان أحدهما من شهود الأصل صار الحق كله إنما ثبت بشاهد واحد. قال ابن القاسم: وإذا شهد رجل في حق على علمه وشهد هو وآخر ينقلان عن رجل في ذلك الحق، فلا يجوز لأن واحدا أدى الشهادة.
وفي الزنى أربعة يعني أن شهود النَّقْلِ في الزنى لا بد أن يكونوا أربعة، ولا بد في ذلك من أن ينقل الأربعة عن كل واحد من شهود الأصل الأربعة، بأن ينقلوا كلهم عن زيد ثم ينقلوا كلهم عن عمرو ثم ينقلوا كلهم عن بكر ثم ينقلوا كلهم عن خالد مثلا، فالناقلون في هذه الصورة أربعة فقط، وأحرى في الثبوت لو نقل عن كل واحد أربعة ثم نقل أربعة آخَرُون عن كل واحد من الثلاتة ونحو ذلك.
أو عن كل اثنين اثنان يعني أنه يكفي في شهادة النقل في الزنى أن ينقل عن كل اثنين من الأصول اثنان؛ بأن ينقل اثنان عن زيد وعن عمرو أي ينقل الاثنان عن كل واحد منهما وينقل اثنان آخران عن بكر وخالد؛ أي ينقل الاثنان عن كل واحد منهما فالناقلون أربعة في هذه أيضا قوله: "وفي الزنى أربعة" معطوف على مقدر أي ونقل عن كل اثنان في غير الزنى وفي الزنى أربعة، فقد عطف معمولان على معمولين لعامل واحد. قال عبد الباقي: وفي الزنى أربعة أي ينقل جميع الأربعة عن كل أي عن كل واحد من الأربعة الأصل، فشهود النقل أربعة في هذا وفي قوله: أو نقل أربعة عن كل واحد من اثنين من الأصول اثنان أي ينقل اثنان عن كل واحد من اثنين من الأربعة الأصول، وينقل غيرهما عن كل واحد من الاثنين الباقيين من الأربعة، فلو نقل اثنان عن
стр. 8296
ثلاثة وعن الرابع اثنان لم يصح خلافا لابن الماجشون، أو أدى الرابع بنفسه لم يصح صرح به المواق وأحمد، أو نقل ثلاثة عن ثلاثة وواحد عن الأربعة لم يتم الحكم. قاله الشارح. إذ الرابع لم ينقل عن شهادته اثنان، ثم لا بد أن يقول شهود الزنى لمن ينقل عنهم: اشهدوا عنا أنا رأينا فلانا يزني وهو كالمرود في المكحلة، ولا يجب الاجتماع في تحمل النقل ولا تفريق الناقلين وقت شهادتهم عند الحاكم، بخلاف أصولهم كما مر. اهـ.
قوله: فلو نقل اثنان عن ثلاثة وعن الرابع اثنان لم يصح لخ، قال البناني: أي على المشهور كما في التوضيح، خلافا لابن الماجشون، وَوَجْهُ عدم صحتها أنه لا تصح شهادة الفرع إلا حيث تصح شهادة الأصل لو حضر: والرابع الذي نقل عنه الاثنان لو حضر ما صحت شهادته مع الاثنين الناقلين عن الثلاثة لنقص العدد، ويحتمل أن عدم الصحة لأن عدد الفرع فيها ناقص عن عدد الأصل حيث نقل عن الثلاثة اثنان فقط، والفرع لا ينقص عن الأصل لقيامه مقامه ونيابته منابه، كذا على ما للمص في التوضيح، وفي ابن عرفة خلافه، ونصه: وسمع أبو زيد ابن القاسم: يجوز ثلاثة عن ثلاثة في الزنى واثنان عن واحد، ثم قال عن ابن رشد: وقول ابن القاسم في السماع: يجوز ثلاثة الخ كلام خرج على سؤال سائل أنه لا يجوز عنده أقل من ذلك؛ لأنه يجوز على مذهبه اثنان عن ثلاثة واثنان عن واحد. اهـ. فمقتضاه أن الجواز في ذلك هو مذهب ابن القاسم. اهـ.
وقال الرهوني: قوله فمقتضاه أن الجواز في ذلك هو مذهب ابن القاسم، قال الرهوني: هو نص في ذلك، ولفظ ابن رشد الذي اختصره أوضح في الدلالة على ذلك وعلى أنه المذهب، ففي سماع أبي زيد من كتاب الشهادات الرابع، قال ابن القاسم: تجوز شهادة ثلاثة على ثلاثة في الزنى واثنين على واحد، قال الإمام القاضي: هذا نص قول ابن القاسم في المدونة أن الشهادة على الشهادة في الزنى لا تتم بأقل من أربعة شهداء إذا شهدوا على كل واحد من الأربعة الذين شهدوا على الرؤية، وكذلك لو شهد منهم اثنان على اثنين واثنان على اثنين، أو اثنان على ثلاثة واثنين (١)
стр. 8297
على واحد لخ. وصرح بذلك أيضا اللخمي في موضعين من تبصرته، فقال: قال ابن القاسم: لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى لحد المشهود عليه، وسواء شهد جميع هؤلاء الأربعة على شهادة كل واحد من شهود الزنى، أو شهد اثنان على شهادة اثنين واثنان على شهادة اثنين، أو شهد اثنان على شهادة ثلاثة واثنان على شهادة واحد، ثم نقل عن أبي الحسن مثله، ثم قال: وما صرح به هؤلاء الأئمة هو المأخوذ من نقل النوادر عن ابن القاسم، ومن كلام ابن يونس ومن كلام ابن عرفة فما في التوضيح - يعني ما قدمته عنه من أن المشهور هذا الذي ذكر المص هنا وإن سلمه الناصر في حواشيه بسكوته، ونقله جسوس وقبله واعتمده الأجهوري وأتباعه - فيه نظر، والصواب خلافه. والله أعلم. انتهى كلام الرهوني.
وَلُفِّقَ نَقْلٌ بأَصْلٍ يريد في الزنى وغيره، والباء بمعنى: مع يعني أنه يجوز تلفيق الناقل مع شهود الأصل، فإذا شهد اثنان بالرؤية في الزنى ونقل اثنان عن اثنين تمت الشهادة، وكذلك لو شهد ثلاثة بالرؤية ونقل اثنان عن رابع تمت الشهادة على المشهور، وقال ابن القاسم: إن شهد واحد برؤية نفسه وثلاثة على شهادة ثلاثة فذلك تام، وأما لو شهد واحد على رؤية نفسه واثنان على شهادة ثلاثة لم يجز وَحُدَّ شاهد الرؤية للقذف. انتهى. انتهى. نقله الخرشي. وأما التلفيق في غير الزنى، فأن يُشْهَدَ واحد بالأصل وينقل اثنان عن واحد، ثم إن المؤلف ضَمَّنَ لُفِقَ مَعْنَى ضُمَّ، فعداه بالباء أو هي بمعنى مع أي ضم مع أصل. وقوله: "ولفق" لخ أي إذا كان النقل صحيحا. قاله الخرشي أيضا. وقال عبد الباقي: ولفق نقل بأصل أي جاز تلفيق نقل مع شهادة أصل في الزنى وغيره، كأن يشهد اثنان على رؤية وينقل اثنان عن كل من الاثنين الآخَرَيْن، أو يشهد ثلاثة بالرؤية وينقل اثنان عن الرابع فتتم الشهادة في هاتين الصورتين، ولا بد من كون النقل صحيحا، احترازا عما إذا نقل اثنان عن ثلاثة وشهد الرابع بنفسه فلا تلفق الشهادة كما تقدم النقل عن المواق وأحمد لعدم صحة النقل. انتهى.
وجاز تَزْكِيَةُ ناقلٍ أَصْلَهُ يعني أن ناقل الشهادة عن غيره يجوز أن يزكي المنقول عنه إذا كان الحاكم لا يعرفه "فتزكية" مصدر مضاف لفاعله وأصله مفعول تزكية، والهاء عائدة على الناقل. قاله ابن مرزوق. وهو كالصريح في أن نقل الشهادة يجوز عمن يحتاج القاضي إلى التعريف به
стр. 8298
فيزكيه الناقل أو غيره، قال في النوادر في كتاب ابن المواز: وليس النقل عن الشاهد بتعديل حتى يعدله الناقلون أو يعرفه القاضي بعدالته، قال أشهب: وإلا طُلِبَ منه أن يزكيه. اهـ. ولا خلاف في جواز تزكية الناقل الأصل، بل شرط أبو حنيفة في صحة النقل أن يزكي الناقل الأصل، والمذهب عدم الشرطية كما رأيت. ومن العتبية: قال أشهب: وإن شهد على شهادة رجل من لا يعرفه بالعدالة والقاضي يعرفه بالعدالة وعدله غيره فذلك جائز. قال أصبغ: وذلك إذا عرفه القاضي والذين عدلوه أنه المنقول عنه بعينه ليلا يجعل اسمه لغيره. قاله ابن مرزوق أيضا. وقال عبد الباقي: وجاز تزكية ناقل أصله؛ أي يجوز لشخص أن يزكي شاهده الأصل بعد أن ينقل عنه شهادته. وكأنهم لم ينظروا للتهمة في تجويز نقله لأنه خفف في شهادة النقل ما لم يخفف في الشهادة الأصلية، وعكس كلام المص أي تزكية المنقول عنه الناقل لا يجوز لأن التهمة في هذه أقوى منها فيما قبلها. انتهى.
تنبيه: قال عبد الباقي: ولا يجوز تزكية أحد الناقلين أو الشاهدين الأصليين لصاحبه إن حصل تواطؤ، لا إن لم يحصل فيجوز كما قدم المص قوله: "وشهادة كل للآخر وإن بالمجلس". اهـ. قوله: إن حصل تواطؤ لا إن لم يحصل فيجوز لخ، هذا غير صحيح إذ لا يتصور تزكية كل واحد من الشاهدين أو الناقلين الآخر إلا مع التواطؤ لا بدونه؛ لأنهما إذا كانا معا يحتاجان للتزكية فهما مجهولان والمجهول لا يزكي غيره لما قدمه المص من اشتراط التبريز في المزكي، وإنما الذي هنا تزكية أحد الشاهدين فقط لصاحبه. قاله البناني.
وقال الرهوني: قول الزرقاني: إن حصل تواطؤ لخ فيه نظر إذ لم أر من ذكر هذا التفصيل، بل النص موجود بخلافه، ففي ابن يونس: قال ابن كنانة وابن القاسم في المجموعة: وإذا شهد رجلان فلا تجوز تزكية من عرفت عدالته منهما للآخر. قال عبد الملك: ويصير الحق قد حَيي به وحده. قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال ابن هارون في اختصار المتيطية: ولا يزكي الشاهد من شهد معه أو نقل معه شهادة، وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة في حق ثم شهد فيه أخرى أن تزكي كل طائفة صاحبتها كما لو شهدتا في حقين، وروي عنه المنع من ذلك ولو شهدتا في حقين.
стр. 8299
اهـ. ونحوه في المعين ونحوه في ابن يونس. اهـ. فلو اعترضه البناني بهذا لأجَادَ، وأما ما اعترضه به من قوله إذ لا يتصور لخ ففيه نظر؛ لأنه يتصور أن يكون أحد الشاهدين معروفا عند قاضي بلد دون آخر. انتهى.
ونقل امرأتين مع رجل في باب شهادتهن يعني أن النقل يجوز ويصح إذا نقل عدلان ذكران كما مر، ويجوز أيضا إذا نقلت امرأتان بشرط أن ينقل معهما رجل فينقل الجميع عن رجل أو امرأتين في باب شهادة النساء وهو المال وما يؤول إليه وما في حكم ذلك وما لا يظهر للرجال، إذا عرفت هذا فاعلم أنه لا بد من نقل رجل مع امرأتين ولو فيما ينفردن به مما لا يظهر للرجال على المعتمد ابن عرفة: في لغو نقلهن مطلقا وصحته في مطلق ما تجوز فيه شهادتهن بشرط نقل رجل معهن، ثالثها يجوز فيما لا يطلع عليه غيرهن ولو كن اثنتين دون رجل، ورابعها إن كن فيه دون رجل فلا بد من أربع؛ فالأول لابن الماجشون مع سحنون، والثاني لابن القاسم في المدونة مع سماع عيسى. والثالث قول أصبغ، والرابع لابن لبابة. انتهى. قاله البناني.
وقال ابن مرزوق: وما ذكره المص هو قول ابن القاسم وأشهب، ومنع غيرهما نقل النساء، قال في المدونة: وتجوز شهادتهن على الشهادة في الأموال وفي الوكالة على الأموال إذا كان معهن رجل وهن وإن كثرن كرجل واحد، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن عن رجل أو امرأة. [وقاله] (١) أشهب وقال غيره: ولا تجوز شهادتهن على شهادة غيرهن ولا على وكالة في مال. ابن القاسم: وما لا تجوز شهادتهن فيه فلا يجوز أن يشهدن فيه على شهادة غيرهن، كان معهن رجل أم لا. اهـ. وقال اللخمي: اختلف في نقلهن فأجازه ابن القاسم فيما يشهدن فيه، فينقل رجل وامرأتان عن رجلين شهدا بمال فتتم الشهادة، أو عن رجل فيحلف الطالب على شهادة الأصل، وعن امرأة فتكون ربع شهادة، أو عن رجل وامرأتين بطلاق أو عتق أو قتل فيحلف الزوج أو السيد ويقسم الأولياء، ولا يَصْلَحُ نقل امرأتين كما لا ينقل رجل عن رجل ولا عن امرأتين، واختلف في
стр. 8300
نقل امرأتين عن امرأتين في ولادة أو استهلال فأجازه أصبغ كشهادتهما بذلك. وقال ابن القاسم: لا يجوز في ذلك إلا رجل وامرأتان. اهـ المراد منه.
وقال عبد الباقي ما معناه: كلام المص شامل لشيئين، الأولُ: ما يقبلن فيه مع يمين أو مع رجل وهو المال وما يؤول إليه، الثاني: ما يختص بشهادتهن فقط كولادة أو استهلال وعيب فرج وهذا إنما يصح أن يكون الرجل ناقلا فقط عن امرأتين مع نقل امرأتين. وَمَفهُومُ قوله: "مع رجل" عدم صحة نقلهن في باب شهادتهن لا مع رجل، ومفهوم قوله: "في باب شهادتهن" عدم صحة نقلهما، انفردتا أو كانتا مع رجل، فيما لا تجوز شهادتهن فيه استقلالا كطلاق أو عتق. اهـ. وقال الشبراخيتي: ونقل امرأتين مع رجل أي ناقل. وقوله: "مع رجل" مصب الجواز أي حالة كونهما مع رجل، فإن لم يكن معهما رجل لم يجز نقلهما في باب شهادتهن التي يشاركهن فيها الرجال وهو المال وما يؤول إليه، أو باب شهادتهن الخاصة بهن كالولادة وعيب الفرج والاستهلال والحيض.
ولما ذكر الشهادة أصلا ونقلا، أخذ يذكر ما يبطل الشهادة من رجوع أو شبهه، فقال: "وإن قالا وهمنا" لخ. قاله ابن مرزوق. وقال التتائي: ثم شرع في الكلام على الرجوع عن الشهادة، وَعَرَّفَهُ ابن عرفة بأنه: انتقال الشاهد بعد أداء شهادته بأمر إلى عدم الجزم به دون نقيضه فيدخل انتقاله إلى شك على القولين بأن الشاك حاكم أو غير حاكم، والأول قول الأصبهاني، والثاني قول القرافي، وقيدُ بعد الشهادة وهو ظاهر الروايات، وظاهر لفظ المازري صدقه على ما قبل الأداء، فعليه يحذف لفظ بعد أداء شهادته. انتهى. وللرجوع صور: قبل الحكم وبعده قبل الاستيفاء، وبعد الاستيفاء ثم تارة تكون عن المشهود عليه وتارة عن المشهود به وأشار للرجوع قبل الحكم عن المشهود عليه، بقوله: وإن قالا بعد الأداء وقبل الحكم وهمنا في المشهود عليه وهو زيد مثلا، بل شهادتنا على عمرو وهو هذا سقطتا أي الشهادتان. رواه ابن القاسم عن مالك، وقاله هو وأشهب، وعلله أشهب بأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة لإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك. اهـ كلام التتائي، وقال ابن مرزوق: معناه أن الشاهدين إن أديا شهادة على أحد بأن قبله حقا من