ثلاثة وعن الرابع اثنان لم يصح خلافا لابن الماجشون، أو أدى الرابع بنفسه لم يصح صرح به المواق وأحمد، أو نقل ثلاثة عن ثلاثة وواحد عن الأربعة لم يتم الحكم. قاله الشارح. إذ الرابع لم ينقل عن شهادته اثنان، ثم لا بد أن يقول شهود الزنى لمن ينقل عنهم: اشهدوا عنا أنا رأينا فلانا يزني وهو كالمرود في المكحلة، ولا يجب الاجتماع في تحمل النقل ولا تفريق الناقلين وقت شهادتهم عند الحاكم، بخلاف أصولهم كما مر. اهـ.
قوله: فلو نقل اثنان عن ثلاثة وعن الرابع اثنان لم يصح لخ، قال البناني: أي على المشهور كما في التوضيح، خلافا لابن الماجشون، وَوَجْهُ عدم صحتها أنه لا تصح شهادة الفرع إلا حيث تصح شهادة الأصل لو حضر: والرابع الذي نقل عنه الاثنان لو حضر ما صحت شهادته مع الاثنين الناقلين عن الثلاثة لنقص العدد، ويحتمل أن عدم الصحة لأن عدد الفرع فيها ناقص عن عدد الأصل حيث نقل عن الثلاثة اثنان فقط، والفرع لا ينقص عن الأصل لقيامه مقامه ونيابته منابه، كذا على ما للمص في التوضيح، وفي ابن عرفة خلافه، ونصه: وسمع أبو زيد ابن القاسم: يجوز ثلاثة عن ثلاثة في الزنى واثنان عن واحد، ثم قال عن ابن رشد: وقول ابن القاسم في السماع: يجوز ثلاثة الخ كلام خرج على سؤال سائل أنه لا يجوز عنده أقل من ذلك؛ لأنه يجوز على مذهبه اثنان عن ثلاثة واثنان عن واحد. اهـ. فمقتضاه أن الجواز في ذلك هو مذهب ابن القاسم. اهـ.
وقال الرهوني: قوله فمقتضاه أن الجواز في ذلك هو مذهب ابن القاسم، قال الرهوني: هو نص في ذلك، ولفظ ابن رشد الذي اختصره أوضح في الدلالة على ذلك وعلى أنه المذهب، ففي سماع أبي زيد من كتاب الشهادات الرابع، قال ابن القاسم: تجوز شهادة ثلاثة على ثلاثة في الزنى واثنين على واحد، قال الإمام القاضي: هذا نص قول ابن القاسم في المدونة أن الشهادة على الشهادة في الزنى لا تتم بأقل من أربعة شهداء إذا شهدوا على كل واحد من الأربعة الذين شهدوا على الرؤية، وكذلك لو شهد منهم اثنان على اثنين واثنان على اثنين، أو اثنان على ثلاثة واثنين (١)
стр. 8297
على واحد لخ. وصرح بذلك أيضا اللخمي في موضعين من تبصرته، فقال: قال ابن القاسم: لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى لحد المشهود عليه، وسواء شهد جميع هؤلاء الأربعة على شهادة كل واحد من شهود الزنى، أو شهد اثنان على شهادة اثنين واثنان على شهادة اثنين، أو شهد اثنان على شهادة ثلاثة واثنان على شهادة واحد، ثم نقل عن أبي الحسن مثله، ثم قال: وما صرح به هؤلاء الأئمة هو المأخوذ من نقل النوادر عن ابن القاسم، ومن كلام ابن يونس ومن كلام ابن عرفة فما في التوضيح - يعني ما قدمته عنه من أن المشهور هذا الذي ذكر المص هنا وإن سلمه الناصر في حواشيه بسكوته، ونقله جسوس وقبله واعتمده الأجهوري وأتباعه - فيه نظر، والصواب خلافه. والله أعلم. انتهى كلام الرهوني.
وَلُفِّقَ نَقْلٌ بأَصْلٍ يريد في الزنى وغيره، والباء بمعنى: مع يعني أنه يجوز تلفيق الناقل مع شهود الأصل، فإذا شهد اثنان بالرؤية في الزنى ونقل اثنان عن اثنين تمت الشهادة، وكذلك لو شهد ثلاثة بالرؤية ونقل اثنان عن رابع تمت الشهادة على المشهور، وقال ابن القاسم: إن شهد واحد برؤية نفسه وثلاثة على شهادة ثلاثة فذلك تام، وأما لو شهد واحد على رؤية نفسه واثنان على شهادة ثلاثة لم يجز وَحُدَّ شاهد الرؤية للقذف. انتهى. انتهى. نقله الخرشي. وأما التلفيق في غير الزنى، فأن يُشْهَدَ واحد بالأصل وينقل اثنان عن واحد، ثم إن المؤلف ضَمَّنَ لُفِقَ مَعْنَى ضُمَّ، فعداه بالباء أو هي بمعنى مع أي ضم مع أصل. وقوله: "ولفق" لخ أي إذا كان النقل صحيحا. قاله الخرشي أيضا. وقال عبد الباقي: ولفق نقل بأصل أي جاز تلفيق نقل مع شهادة أصل في الزنى وغيره، كأن يشهد اثنان على رؤية وينقل اثنان عن كل من الاثنين الآخَرَيْن، أو يشهد ثلاثة بالرؤية وينقل اثنان عن الرابع فتتم الشهادة في هاتين الصورتين، ولا بد من كون النقل صحيحا، احترازا عما إذا نقل اثنان عن ثلاثة وشهد الرابع بنفسه فلا تلفق الشهادة كما تقدم النقل عن المواق وأحمد لعدم صحة النقل. انتهى.
وجاز تَزْكِيَةُ ناقلٍ أَصْلَهُ يعني أن ناقل الشهادة عن غيره يجوز أن يزكي المنقول عنه إذا كان الحاكم لا يعرفه "فتزكية" مصدر مضاف لفاعله وأصله مفعول تزكية، والهاء عائدة على الناقل. قاله ابن مرزوق. وهو كالصريح في أن نقل الشهادة يجوز عمن يحتاج القاضي إلى التعريف به
стр. 8298
فيزكيه الناقل أو غيره، قال في النوادر في كتاب ابن المواز: وليس النقل عن الشاهد بتعديل حتى يعدله الناقلون أو يعرفه القاضي بعدالته، قال أشهب: وإلا طُلِبَ منه أن يزكيه. اهـ. ولا خلاف في جواز تزكية الناقل الأصل، بل شرط أبو حنيفة في صحة النقل أن يزكي الناقل الأصل، والمذهب عدم الشرطية كما رأيت. ومن العتبية: قال أشهب: وإن شهد على شهادة رجل من لا يعرفه بالعدالة والقاضي يعرفه بالعدالة وعدله غيره فذلك جائز. قال أصبغ: وذلك إذا عرفه القاضي والذين عدلوه أنه المنقول عنه بعينه ليلا يجعل اسمه لغيره. قاله ابن مرزوق أيضا. وقال عبد الباقي: وجاز تزكية ناقل أصله؛ أي يجوز لشخص أن يزكي شاهده الأصل بعد أن ينقل عنه شهادته. وكأنهم لم ينظروا للتهمة في تجويز نقله لأنه خفف في شهادة النقل ما لم يخفف في الشهادة الأصلية، وعكس كلام المص أي تزكية المنقول عنه الناقل لا يجوز لأن التهمة في هذه أقوى منها فيما قبلها. انتهى.
تنبيه: قال عبد الباقي: ولا يجوز تزكية أحد الناقلين أو الشاهدين الأصليين لصاحبه إن حصل تواطؤ، لا إن لم يحصل فيجوز كما قدم المص قوله: "وشهادة كل للآخر وإن بالمجلس". اهـ. قوله: إن حصل تواطؤ لا إن لم يحصل فيجوز لخ، هذا غير صحيح إذ لا يتصور تزكية كل واحد من الشاهدين أو الناقلين الآخر إلا مع التواطؤ لا بدونه؛ لأنهما إذا كانا معا يحتاجان للتزكية فهما مجهولان والمجهول لا يزكي غيره لما قدمه المص من اشتراط التبريز في المزكي، وإنما الذي هنا تزكية أحد الشاهدين فقط لصاحبه. قاله البناني.
وقال الرهوني: قول الزرقاني: إن حصل تواطؤ لخ فيه نظر إذ لم أر من ذكر هذا التفصيل، بل النص موجود بخلافه، ففي ابن يونس: قال ابن كنانة وابن القاسم في المجموعة: وإذا شهد رجلان فلا تجوز تزكية من عرفت عدالته منهما للآخر. قال عبد الملك: ويصير الحق قد حَيي به وحده. قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال ابن هارون في اختصار المتيطية: ولا يزكي الشاهد من شهد معه أو نقل معه شهادة، وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة في حق ثم شهد فيه أخرى أن تزكي كل طائفة صاحبتها كما لو شهدتا في حقين، وروي عنه المنع من ذلك ولو شهدتا في حقين.
стр. 8299
اهـ. ونحوه في المعين ونحوه في ابن يونس. اهـ. فلو اعترضه البناني بهذا لأجَادَ، وأما ما اعترضه به من قوله إذ لا يتصور لخ ففيه نظر؛ لأنه يتصور أن يكون أحد الشاهدين معروفا عند قاضي بلد دون آخر. انتهى.
ونقل امرأتين مع رجل في باب شهادتهن يعني أن النقل يجوز ويصح إذا نقل عدلان ذكران كما مر، ويجوز أيضا إذا نقلت امرأتان بشرط أن ينقل معهما رجل فينقل الجميع عن رجل أو امرأتين في باب شهادة النساء وهو المال وما يؤول إليه وما في حكم ذلك وما لا يظهر للرجال، إذا عرفت هذا فاعلم أنه لا بد من نقل رجل مع امرأتين ولو فيما ينفردن به مما لا يظهر للرجال على المعتمد ابن عرفة: في لغو نقلهن مطلقا وصحته في مطلق ما تجوز فيه شهادتهن بشرط نقل رجل معهن، ثالثها يجوز فيما لا يطلع عليه غيرهن ولو كن اثنتين دون رجل، ورابعها إن كن فيه دون رجل فلا بد من أربع؛ فالأول لابن الماجشون مع سحنون، والثاني لابن القاسم في المدونة مع سماع عيسى. والثالث قول أصبغ، والرابع لابن لبابة. انتهى. قاله البناني.
وقال ابن مرزوق: وما ذكره المص هو قول ابن القاسم وأشهب، ومنع غيرهما نقل النساء، قال في المدونة: وتجوز شهادتهن على الشهادة في الأموال وفي الوكالة على الأموال إذا كان معهن رجل وهن وإن كثرن كرجل واحد، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن عن رجل أو امرأة. [وقاله] (١) أشهب وقال غيره: ولا تجوز شهادتهن على شهادة غيرهن ولا على وكالة في مال. ابن القاسم: وما لا تجوز شهادتهن فيه فلا يجوز أن يشهدن فيه على شهادة غيرهن، كان معهن رجل أم لا. اهـ. وقال اللخمي: اختلف في نقلهن فأجازه ابن القاسم فيما يشهدن فيه، فينقل رجل وامرأتان عن رجلين شهدا بمال فتتم الشهادة، أو عن رجل فيحلف الطالب على شهادة الأصل، وعن امرأة فتكون ربع شهادة، أو عن رجل وامرأتين بطلاق أو عتق أو قتل فيحلف الزوج أو السيد ويقسم الأولياء، ولا يَصْلَحُ نقل امرأتين كما لا ينقل رجل عن رجل ولا عن امرأتين، واختلف في
стр. 8300
نقل امرأتين عن امرأتين في ولادة أو استهلال فأجازه أصبغ كشهادتهما بذلك. وقال ابن القاسم: لا يجوز في ذلك إلا رجل وامرأتان. اهـ المراد منه.
وقال عبد الباقي ما معناه: كلام المص شامل لشيئين، الأولُ: ما يقبلن فيه مع يمين أو مع رجل وهو المال وما يؤول إليه، الثاني: ما يختص بشهادتهن فقط كولادة أو استهلال وعيب فرج وهذا إنما يصح أن يكون الرجل ناقلا فقط عن امرأتين مع نقل امرأتين. وَمَفهُومُ قوله: "مع رجل" عدم صحة نقلهن في باب شهادتهن لا مع رجل، ومفهوم قوله: "في باب شهادتهن" عدم صحة نقلهما، انفردتا أو كانتا مع رجل، فيما لا تجوز شهادتهن فيه استقلالا كطلاق أو عتق. اهـ. وقال الشبراخيتي: ونقل امرأتين مع رجل أي ناقل. وقوله: "مع رجل" مصب الجواز أي حالة كونهما مع رجل، فإن لم يكن معهما رجل لم يجز نقلهما في باب شهادتهن التي يشاركهن فيها الرجال وهو المال وما يؤول إليه، أو باب شهادتهن الخاصة بهن كالولادة وعيب الفرج والاستهلال والحيض.
ولما ذكر الشهادة أصلا ونقلا، أخذ يذكر ما يبطل الشهادة من رجوع أو شبهه، فقال: "وإن قالا وهمنا" لخ. قاله ابن مرزوق. وقال التتائي: ثم شرع في الكلام على الرجوع عن الشهادة، وَعَرَّفَهُ ابن عرفة بأنه: انتقال الشاهد بعد أداء شهادته بأمر إلى عدم الجزم به دون نقيضه فيدخل انتقاله إلى شك على القولين بأن الشاك حاكم أو غير حاكم، والأول قول الأصبهاني، والثاني قول القرافي، وقيدُ بعد الشهادة وهو ظاهر الروايات، وظاهر لفظ المازري صدقه على ما قبل الأداء، فعليه يحذف لفظ بعد أداء شهادته. انتهى. وللرجوع صور: قبل الحكم وبعده قبل الاستيفاء، وبعد الاستيفاء ثم تارة تكون عن المشهود عليه وتارة عن المشهود به وأشار للرجوع قبل الحكم عن المشهود عليه، بقوله: وإن قالا بعد الأداء وقبل الحكم وهمنا في المشهود عليه وهو زيد مثلا، بل شهادتنا على عمرو وهو هذا سقطتا أي الشهادتان. رواه ابن القاسم عن مالك، وقاله هو وأشهب، وعلله أشهب بأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة لإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك. اهـ كلام التتائي، وقال ابن مرزوق: معناه أن الشاهدين إن أديا شهادة على أحد بأن قبله حقا من
стр. 8301
الحقوق، ثم قالا للقاضي قبل الحكم: وهِمْنَا في شهادتنا على هذا بل الذي قِبَلَهُ الحق هو هذا الآخَرُ، فإن الشهادة الأولى التي ادعوا الوهم فيها والثانية التي زعموا تحقيقها ساقطتان، ففاعل قالا؛ ضمير الشاهدين المفهوم من السِّيَاق، وضمير هو عائد على المشهود عليه، كما أن الإشارة بهذا إليه، وفاعل سقطتا ضمير الشهادتين الأولى والثانية الصادرتين من هذين الشاهدين. قال في كتاب القطع في السرقة من المدونة: وإذا شهد رجلان على رجل بالسرقة ثم قالا قبل القطع: وهمنا بل هو هذا الآخر لم يقطع واحد منهما. اهـ. وقال في النوادر: ونقله ابن يونس وغيره، قال سحنون: ولو شهدا على رجل بسرقة أو قصاص ثم أتيا قبل الحكم بآخر، فقالا: هذا هو، فلا تقبل شهادتهما على الأول ولا على الآخر، فقد خرجا عن حد العدالة ويحدان فيما شهدا به من الزنى حد القذف في الحر المسلم، وإن حكم به مضى قالا: وهمنا أو تعمدنا، قال في كتاب ابن المواز: إن قالا قبل الحكم وهمنا فقد صارا غير عدلين لا يقبلان. وقاله ابن القاسم وأشهب، وقالا: لو قالا في الأخير على هذا شهدنا ووهمنا في الأول لم يقبلا على واحد منهما. وقاله ابن القاسم عن مالك. قال أشهب: كان ذلك في قتل أو حد أو سرقة لأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة بإقرارهما أنهما شَهِدَا على الوهم والشك. اهـ. وقد تقدم حكم الشاهد بشك في شهادته ثم يزول شكه قبل الأداء عند قول المص: "وذاكر بعد شك". اهـ كلام ابن مرزوق.
وقال عبد الباقي: وإن قالا بعد أداء الشهادة وقبل الحكم بها وهمنا أي غلطنا في شهادتنا بدم أو حق على زيد، بل هو أي المشهود عليه هذا عمرو سقطتا أي الشهادتان لاعترافهما بأنها على وهم وشك في الأولى، والثانية لاعترافهما بعدم عدالتهما حيث شهدا على شك، وكذا بعد الحكم وقبل الاستيفاء إن كانت في دم لا في مال فلا يسقط، ويدفع لمن شهدا له به أولا. اهـ. قال البناني: قال ابن عاشر: لما ذكر ابن الحاجب أن للرجوع ثلاث صور: أولها الرجوع قبل القضاء، ذكر مسألة قولهما: "وهِمْنا" ويظهر لي أن محط الفائدة في هذه إنما هو عدم صحة شهادتهم على الثاني، وأما الأول فإن رجوعهم عن الشهادة عليه قبل القضاء يسقط شهادتهم وهو من معنى الرجوع قطعا. اهـ. وهو ظاهر وبه تعلم أن قول عبد الباقي: وكذا بعد الحكم إلى آخره
стр. 8302
خلاف ما مشى عليه المص بعد في الرجوع من أنه بعد الحكم لا ينقض الحكم مطلقا على قول مالك وقول ابن القاسم المرجوع عنه. انتهى كلام البناني.
وقال الرهوني: هذا الفصل يعني رجوع الشاهد عن شهادته يُحتاج إليه اليوم كثيرا لكثرة وقوع ذلك من الشهود لأمورٍ اللهُ يعلمها. اهـ. وقال الخرشي: كان على المؤلف أن يؤخر قوله: "وهمنا" عن قوله: "لا رجوعهم" كأن (١) يقول لا رجوعهم، كقوله: وهمنا وهمنا، بل هو هذا ويترك قوله: "سقطتا". اهـ. يعني لأن هذا من الرجوع فيكون مثالا له. والله تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: قال في الطرر: لو شهد الشاهد ثم قال: بالله الذي لا إله إلا هو ما شهدتُ إلا بالحق لكني أرجع عن شهادتي فلا يقضى بها، فأفتى ابن خزيمة وأصبغ بن سعيد أنه يقضى بها وليس هذا برجوع، والرجوع أن يكذب نفسه ويدخله الشك، وأفتى ابن زرب أنه لا يقضى بها لأنه إن كان رجع عن حق علمه فقد فعل ما لا يجوز له، وأسقط شهادته وينبغي أن يفصل بين العامي الذي يجهل حرمة ذلك فلا ترد شهادته وبين غيره ممن يعلم ذلك. والله أعلم. انتهى.
الثاني: ظاهر قوله: "سقطتا" ولو عادت الشهادة عليه، كما إذا شهدا على زيد بشيء ثم مات فصار الشاهد وارثه فرجع بعد أن صار وارثا، وقد تقدم عند قوله: "وخط شاهد مات" ما يفيد أن في ذلك قولين، والموافق في المعنى لما قدمناه عن ابن يونس عن ابن المواز قريبا عند قوله: "ولم يكذبه" أصله أنه لا يقبل منه الرجوع. والله أعلم. قاله الرهوني.
الثالث: وقع نزاعٌ هل يشترط في الرجوع أن يكون عند القاضي الأول أو عند القاضي مطلقا أو لا يشترط ذلك، ففي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات الأول، قيل لسحنون: أرأيت رجلا شهد عليه رجل فلقيه المشهود عليه، فقال له: بلغني أنك شهدت علي بكذا وكذا، فقال له الشاهد: إن كنت شهدت عليك بكذا فأنا فيه مبطل وقد كان شهد بذلك، هل شهادته ساقطة؟ قال: أرى هذا رجوعا إذا كان على قوله بينة، وتسقط شهادته ولا تجوز ولا يثبت بها
стр. 8303
شيء إذا كان رجوعه قبل القضاء، وإن كانت هذه المقالة بعد القضاء ضمن ما استهلك من المال. وقال مطرف وابن الماجشون: يشترط أن يكون رجوعه عند الحاكم الذي شهد عنده، فإذا رجع عن شهادته عند غير القاضي الذي شهد عنده لا يكون رجوعا، وعند سحنون يكون رجوعا، وفي ابن سلمون: والرجوع لا يكون إلا عند القاضي الذي شهد عنده، قال ابن الحاج: فإذا رجع عند غيره فلا يضره ولا يعمل بذلك، وفيها قول آخر: إذا شهد عليه بالرجوع بطلت شهادته.
ونقض إن ثبت كذبهم يعني أن الحاكم إذا حكم بأمر قامت عليه البينة، فثبت بعد ذلك كذب الشهود فإنه ينقض الحكم إن أمكن نقضه، قال الخرشي: يعني أن الشهود إذا تبين كذبهم فإن الحكم ينقض، ثم قال عن أحمد: الزرقاني: ونقض إن ثبت كذبهم أي حيث الإمكان. انتهى. وقال عبد الباقي: ونقض الحكم إن ثبت بعده كذبهم إن أمكن نقضه، كما زاده ابن الحاجب: فإن لم يثبت كذبهم إلا بعد الاستيفاء لم يبق إلا الغرم كما سيذكره، ومثل لثبوت كذبهم بقوله: كحياة من قتل يعني أنهم إذا شهدوا بأن زيدا قتل عمرا عمدا فحكم الحاكم بلزوم القصاص أي بقتل زيد، ثم إن عمرا تبين أنه حي قبل أن يقتص من زيد فإن الحكم ينقض فلا قصاص على زيد.
أوجَبه قبل الزنى يعني أنهم إذا شهدوا على بكر بالزنى وحكم الحاكم برجمه أو جلده، ثم تبين أن بكرا كان مجبوبا قبل الزنى والحال أنه لم يستوف على بكر حد الزنى، فإن الحكم ينقض ولا حد على بكر، وإنما نقض الحكم في المسألتين لتبين كذب الشهود، فلو لم يظهر ذلك إلا بعد الرجم أو القصاص فالدية. قال البناني عند قوله: "ونقض إن ثبت كذبهم" لخ: هذه المسألة استوفاها ابن الحاجب وأجملها المص، فلو قال المص: ونقض إن ثبت كذبهم قبل الاستيفاء كحياة من قتل أو جَبِّه قبل الزنى أو بعد الاستيفاء وأمكن كدية الخطإ، وإلا فلا كرجوعهم ولو عن دماء وحد وغرما مالا ودية. اهـ. لكان أوضح وأتم. ذكره ابن عاشر. وقال: هذا هو تفصيل المسألة، ويعود الضمير من غرما على الشاهدين في عدم النقض في صورتي تبين الكذب والرجوع. انتهى. ودخل بالكاف حياة من شهد بموته وتزوجت زوجته فلا تفوت بدخول، وقوله: "أوجبه" يعني ولا حد قذف على الشهود إذ لا حد على من قذف مجبوبا بالزنى. قاله في المدونة.
стр. 8304
تنبيهات: الأول: قال الخرشي: قوله: "وإن قالا وهمنا" لخ ويؤدبان إلا أن يأتيا بأمر يعذران به، ولا تقبل شهادتهما في المستقبل إلا أن يكونا مشهورين بالعدالة فتقبل شهادتهما في المستقبل في غير هذا. انتهى. وانظره مع ما يأتي عن المواق في التنبيه الرابع.
الثاني: قال الشبراخيتي: واعلم أن قول ابن القاسم: والأكثر أنهما لا يغرمان إذا قالا وهمنا أو غلطنا بعد الحكم، وكذا هو ظاهر الرسالة، وأن ظاهر المدونة في كتاب القطع والديات أنهما يغرمان في دعوى الوهم والغلط وهو الموافق لما في الجلاب والمعونة، واختاره ابن عبد السلام. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، والصواب تأخيره عن قوله: "وغرما" لخ كما يأتي.
الثالث: قال الشبراخيتي: كحياة من قتل أو جَبِّه قبل الزنى، مثل أن يشهدا أن فلانا قتل زيدا فلم يقتص منه بعد الحكم بالقصاص حتى قدم زيد حيا، أو شُهِدَ على مُحصَن بالزنى فلم يرجم بعد الحكم برجمه حتى وجد مجبوبا، فإن الحكم ينقض فيهما لإمكان نقضه، هذا هو الصواب في تقريره، فإن لم يثبت الكذب حتى اقتص من المشهود عليه أو رجم المشهود بزناه فالدية في مال الشاهدين، ولا شيء على الإمام ولا على من قتله، وإن كانت الشهادة بقتل الخطإ، فإن أخذت الدية من عاقلة القاتل رجعت العاقلة على من أخذها منهم وهم المستحقون للدية، فإن كانوا معدمين رجعوا على من شَهِدَ بالقتل لأنهم السبب في أخذها، ولا رجوع للغارم من الولي والشهود على الآخر.
الرابع: قال المواق: قال سحنون: وإذا رجع الشهداء قبل الحكم وقد شهدوا بحق واحد فإنهم يقالون ولا شيء عليهم ولا عقاب، ولو اتهموا أو رجعوا بشك لأن العقوبة توجب أن لا يرجع أحد. ابن يونس: روى المغيرة [عن ابن أبي ذئب] (١) أن الرسول ﵊ قال في شاهد شهد ثم رجع عن شهادته بعد أن حكم بها رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: (تمضي شهادته الأولى لأهلها وهي الشهادة والأخيرة باطلٌ)، وأخذ بهذا ملك وغيره. اهـ.
стр. 8305
لا رجوعهم عطف على قوله: "كذبهم" يعني أنه لا ينقض الحكم برجوع الشهود عن شهادتهم، قال الشبراخيتي: لا رجوعهم عن الشهادة بعد الحكم فلا ينقض به، وأما قبله فتسقط شهادتهم ولا أدب على الشاهدين الراجعين كما قال حلولو وابن ناجي، وذكر بعضهم أنهما يؤدبان حيث حصل تعمد الزور وحصل الرجوع بعد الاستيفاء، فإن لم يتعمد الزور أو حصل الرجوع قبل الاستيفاء فلا أدب عليهما، وقد يقال: إن الأول في الأموال وما هنا في القذف والشتم. اهـ. وقال عبد الباقي: لا رجوعهم بعد الحكم والاستيفاء، وكذا قبله يعني الاستيفاء في المال اتفاقا، وكذا في الدم على أحد قولي ابن القاسم، وعليه فيستوفى، وقال التتائي: لا رجوعهم عن الشهادة فلا ينقض الحكم به، وظاهره رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء أو بعدهما، أما الصورة الأولى فإن كان الحكم فيها بمال مضى اتفاقا، وإن كان بقصاص أو حد، فقال ابن القاسم: لا ينقض كما في المال، وقال هو أيضا وغيره: لا يستوفى الدم لحرمته وتجب الدية، وأما الصورة الثانية فقال المص: لا خلاف أن الحكم تام اتفاقا. اهـ.
وغرما مالا يعني أن الشهود إذا رجعوا بعد الحكم عن شهادتهم بمال فإن الحكم لا ينقض، بل يمضي المحكوم به للمشهود له ويغرمان للمشهود عليه المالَ الذي فوتاه عليه. قال عبد الباقي: وغرما بكسر الراء حيئنذ مالا رجعا عن شهادتهما به، وقال التتائي: وإن رجع الشاهدان بعد الحكم غرما مالا أتلفاه بشهادتهما، ولو قالا غلطنا؛ لأن الخطأ والعمد سواء بالنسبة لضمان أموال الناس. اهـ. ونحوه للشبراخيتي، وظاهر قوله: "وغرما مالا" تعمدا أم لا، وهو أحد قولين ومختار غير واحد، قال ابن ناجي في شرح الرسالة بعد ذكره القول بالضمان: وهو الصواب الذي عندي لقول أصحابنا: العمد والخطأ في أموال الناس سواء، وكذلك قال في أحكام الشعبي: من أفتى بغُرم ما لا يجب فقُضِي به غرم. قاله أصبغ بن خليل. اهـ. قاله الرهوني.
ودية يعني أنهما إذا شهدا بقتل فحكم بموجَبه من قصاص في العمد ثم رجعا بعد الاستيفاء فإنهما يغرمان الدية حيث لم يثبت تعمدهما بإقرارهما بأن ادعيا الغلط، بل ولو تعمدا أي إنما عليهما الدية ولو ثبت أنهما أقرا بأنهما تعمدا الزور عند ابن القاسم، ولا يقتص منهما بل عليهما الدية في مالهما، ورد بلو قول أشهب: إن ثبت تعمدهما بإقرارهما يقتص منهما وعليهما الدية إذا
стр. 8306
غلطا، قال ابن مرزوق: قوله: "ولو تعمدا" أي إنما يغرمان فيما أتلفاه بشهادتهما من نفس أو طرفٍ الديَة ولو كانا تعمدا شهادة الزور، ولا يقتص منهما بتسببهما لأنهما لم يباشرا القتل، وأغيا "بلو" تنبيها على خلاف أشهب في المسألة أنه يقتص منهما إن ثبت تعمدهما بإقرارهما. قال ابن الجلاب: ولو شهد شاهدان على رجل بالقتل فقتل بشهادتهما ثم رجعا وأقرا بالكذب والغلط غرما الدية ولم يلزمهما القود. وقال أشهب: يقتص منهما إذا تعمدا ويغرمان الدية إذا غلطا، وقال اللخمي في كتاب الرجم: إن أقروا بالتعمد بعد الرجم فالقول إنهم يقتلون أشبه لأنهم كالمجبرين للإمام، ولا فرق بين أن يلوا ذلك بأيديهم أولا. اهـ. وقوله: "تعمدا" (١) يحتمل أن يكون ماضيا مسندا إلى ضمير الشاهدين وهو الظاهر أي تعمدا شهادة الزور، ويحتمل أن يكون مصدرا خبرا لكان واسمها ضمير التسبب في الإتلاف المفهوم من السياق؛ أي ولو كان تسببهما في الإتلاف للمال وغيره تعمدا. اهـ المراد منه. ومقتضى كلامه أو صريحه أن المبالغة على هذا راجعة. لقوله: "مالا ودية" وذلك باطل؛ إذ العمد في المال أحرى بالغرم فلا يبالغ عليه كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقال الرهوني عند قول المص: "ولو تعمدا": اعلم أن في الدية أربعة أقوال: أحدها أن الدية في مال الشاهدين إذا رجعا عن شهادتهما بعد الحكم تعمدا الزور أو شبه عليهما وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وفي الواضحة وقولُ مطرفٍ وأصبغ فيها، وظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة. والثاني: أنه إذا تعمدا كان عليهما القصاص وإن شبه عليهما كانت الدية في أموالهما وهو قول ابن نافع وأشهب، وروى ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁. والثالث: أنه إن تعمدا كانت الدية في أموالهما وإن شبه عليهما كانت على عواقلهما، وهو قول أصبغ في سماعه من كتاب الديات. والرابع: أنه إن تعمدا كانت الدية في أموالهما وإن شبه عليهما كان ذلك هدرا وهو قول ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم. اهـ وما أفاده كلام المص من
стр. 8307
الغرم في غير العمد هو الذي للجلاب والمعونة، واختاره ابن عبد السلام لأنه ظاهر المدونة، وقال ابن القاسم: والأكثر لا يغرمان إذا قالا وهمنا وكذا هو ظاهر الرسالة. انتهى.
وقال عبد الباقي: وغرما مالا ودية ولو تعمدا الزور في شهادتهما ومع الغرم يوجعان أدبا ويسجنان مدة طويلة كما في المواق، وقول ابن القاسم الثاني: ورجع إليه أنهما إذا رجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء لا يستوفى بحرمة الدم، ومشى المص على قول ابن القاسم الأول وإن رجع عنه لأنه قول مالك كما في المتيطي، فأشار لقول ابن القاسم إذا رجعا في عتق أو دين أو قصاص أو حد أو غير ذلك، فإنهما يضمنان قيمة المعتق والدين والعقل في القصاص في أموالهما وبلو لرد قول أشهب: يقتص منهما في العمد، قال المص: وهو أقرب لأنهم قتلوا نفسا بغير شبهة. اهـ. وظاهر قوله: "نقض" أنهما إذا رجعا بعد الاستيفاء بدون حكم، كمن أقام شاهدين بدين على شخص لآخر فدفعه له من غير رفع لحاكم ثم رجعا فإنهما لا يغرمان، مع أن الظاهر غرمهما أيضا، ويحتمل أن يرجع به على من دفعه له وأن يؤدب إن تعمد الزور، وشمل قوله: "وغرما مالا" ما إذا شهدا بوفاء حق لمستحقه ثم رجعا فإنهما يغرمان للمشهود عليه لا للمشهود له. اهـ. قوله: مع أن الظاهر غرمهما أيضا فيه نظر، بل الظاهر عدم غرمهما لأنه تطوع بالدفع، قياسا على ما قاله فيما إذا قام المشتري على بائع غير مدلس بالعيب، فقد نصوا على أنه إن قبله بغير حكم فلا يرد السمسار الجعل، وبحكمٍ رَدَّه. والله أعلم. قوله: ويحتمل أن يرجع لخ لا معنى لهذا الاحتمال. قاله الرهوني.
تنبيه: قال البناني عند قوله: "ولو تعمدا" ما نصه: المبالغة راجعة لقوله: "ودية فقط" إذ العمد في المال أحرى بالغرم فلا يبالغ عليه، واعلم أن ما قبل المبالغة فيه خلاف أيضا لكن بالغرم وعدمه، وما مشى عليه المص فيه من الغرم هو خلاف قول أكثر أصحاب مالك، لكنه هو ظاهر المدونة كما ذكره ابن عرفة وغيره، وهذا الخلاف الذي ذكره الزرقاني عند قوله: "وإن قالا وهمنا" اهـ. وقد مر أن محله هنا.
وقال ابن مرزوق: قال سحنون: روى ابن وهب عن علي ﵁ أن رجلين شهدا عنده على سارق فقطعه، ثم قالا: وهمنا إنما هو هذا فأبطل شهادتهما الآخرة وأغرمهما دية الأول،
стр. 8308
وقال: لو علمت بتعمدكما قطعه قطعتكما. قال ابن عبد الحكم: وفيه قطع يدين بيد، كقولنا: خلافا للحنفي وفيه قطع الشاهدين مع العمد وهو قول أشهب وبه أقول، وفي البيان تَحْصِيلُ القول في رجوع الشاهد إن رجع قبل الحكم، وقد شبه عليه قبل الآن وفي المستقبل وبعد الحكم لم يرد الحكم، واختلف هل يضمن أم لا؟ وهل يقبل في المستقبل أم لا؟ فإن قال: شبه علي قُبل إن كان مبرزا اتفاقا، فإن لم يكن مبرزا ففيه خلاف، وإن لم يأت بشبهة وتعمد الزور أدب وضمن ما أتلف بشهادته، ولا يقبل في المستقبل كان رجوعه قبل الحكم أو بعده، وقال سحنون: لا يؤدب قبل الحكم.
ولا يشاركهم شاهدا الإحصان يعنى أنه إذا شهد على شخص أربعة بالزنى وشاهدان بالإحصان فرجع الجميع، فإنه يختص شهود الزنى بالغرم أي غرم الدية، ولا يشارك شهود الزنى في الغرم شاهدا الإحصان، فالضمير في "يشاركهم" يعود على شهود الزنى المفهومين من قوله: "أو جبه قبل الزنى"، وما ذكره المص هو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يغرم الجميع لتوقف الرجم عليهم، وعلى قول أشهب فهل الستة يستوون في الغرم؟ أو على شاهدي الإحصان نصفها، لأن الشهود نوعان فيكون على كل نوع نصفها؟ قولان. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: وإذا شهد أربعة على شخص بالزنى وشاهدان بالإحصان، فرجع الجميع اختص شهود الزنى بالغرم ولا يشاركهم شاهدا الإحصان في الغرم؛ لأنه لما كانت شهادتهما منفردة لا يثبت بها حكم وشهادة شهود الزنى منفردة يثبت بها حكم، صارت شهادتهما غير منظور إليها. اهـ. ونحوه لغير واحد، وقال ابن مرزوق: يعني إذا شهد أربعة بزنى واثنان بإحصان فرجم ثم رجع جميعهم فإن ديته على شهود الزنى خاصة، ولا غرامة على شاهدي الإحصان لأنه لم يقتل بشهادتهم، وذلك كما لو شهد الأربعة بالزنى أو اثنان بحق وزكى الشهود غيرهم ثم رجع جميعهم، فإن الغرامة أيضا على الشهود دون المزكين؛ لأن الحق إنما أخذ بالشهود المزكَّيْن بالفتح لا بالمزكِّين بالكسر، فقوله: كرجوع المزكى قصد به الاستدلال على عدم غرم شاهدي الإحصان، فجعل مسألة التزكية كالأصل لها، وكذلك أتى بها من نص على
стр. 8309
المسألة، وكأن عَدَمَ غُرْم المزكي متفقٌ عليه. اهـ. قال ابن مرزوق: وفيه نظر لأنه لولا تعديلهم ما قبلوا، ونفي الغرامة عن شاهدي الإحصان أظهر منه عن المزكي. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وظاهر كلام المص أنه لا غرم على شهود الإحصان ولا على المزكي، سواء حصل منهم الرجوع مع من شهد بالأصل أيضا أو رجع شهود الإحصان فقط أو رجع المزكي فقط وهو كذلك. اهـ. وقال البناني: واعلم أنهم لم يذكروا في رجوع المزكي خلافَ أشهبَ المذكور في شهود الإحصان، ولعله يتخرج من هنا بالأحرى من شاهدي الإحصان لعدم ثبوت شيء دون المزكي، بخلاف شاهدي الإحصان فيثبت بدونهما الجلد. قاله السناوي. ﵀. انتهى. وقوله: "ولا يشاركهم شاهدا الإحصان" قد علمت أن الذي مشى عليه المص قول ابن القاسم، وقال: أصبغ بقول ابن القاسم وقال هي كما لو شهد شاهدان على رجل أنه حلف بحرية عبده إن دخل المسجد شهرا وشهد غيره أنه دخله قبل الشهر، فعتق ثم رجع شاهدا الدخول فلا شيء عليهما، وإن رجع شاهدا اليمين قضي عليهما، ولا شيء على شاهدي الدخول إلا ما لزمهما من الحرية. انتهى.
وأدبا في كقذف يعني أنهما إذا شهدا على شخص أنه قذف شخصا أو شبه ذلك كالشتم فَحُدّ المشهود عليه حدَّ القذف أو أدِّب في الشتم، ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يؤدبان، قال في النوادر: قال سحنون: فإذا شهدا على رجل أنه قذف رجلا أو شتمه أو لطمه أو ضربه بسوط فحدَّه القاضي في القذف أو أدَّبه فيما يجب عليه الأدب فيه، ثم رجعا وأقرا بالزور فليس في هذا عند جميع أصحابنا غرم، ولا قود ولا حدٌّ معروف إلا الأدب من السلطان، ولا تقع المماثلة في اللطمة ولا ضرب السوط بأمر يضبط ولا أرش لذلك، وإنما فيه الأدب. نقله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: وأدبا أي الشاهدان على شخص في كقذف؛ أي أنه قذف آخر أو ضربه أو شتمه فأقيم عليه الحد أو التعزير ثم رجعا فعليهما الأدب فقط بلا غرم؛ إذ لم يتلفا مالا ولا نفسا، هذا إن جعل مدخول الكاف ما ليس فيه مال ولا دية، ويفوته حينئذ أدبهما فيما فيه غرم، وقد قدمناه عن المواق وإن جعل مدخولها شاملا لما فيه غرم كغصب وسرقة ثم رجعا بعد الاستيفاء وغرم المال
стр. 8310
ودية اليد فيؤدبان أيضا، فيفيد الأدب فيما مر في النفس بالأولى، ومحل أدبهما في رجوعهما في كقذف حيث تبين كذبهما تعمدا، فإن تبين أنه شبه عليهما فلا أدب، وإن أشكل فقولان.
وقولي: فأقيم عليه ثم رجعا هو نقل المواق عن سحنون، قال أحمد: وظاهره أنهما لو رجعا قبل الاستيفاء لا أدب عليهما، سواء حصل الاستيفاء بعد ذلك أم لا، ولعله غير مراد لكون الاستيفاء مستندا لشهادتهم. اهـ. وقال الخرشي: وُجِدَ عندي ما نصه: سواء كان رجوعهما فيما ذكر بعد الحكم والاستيفاء أو بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فإنهما يؤدبان لأن الحكم لا ينقض. انتهى. قال ابن مرزوق: فإن قُلْتَ: لا يدخل في كلامه القذف نفسه لأنه إنما حكم على مثله، قُلْتُ: القذف مماثل لمثله وكل شيء هو كذلك. اهـ.
وحُدّ شُهُودُ الزِّنَى مُطْلقًا يعني أنه إذا شهد شهود على شخص بالزنى ثم إنهم رجعوا عن شهادتهم فإنهم يحدون حد القذف مطلقا، أي رجعوا قبل الحكم أو بعده، قبل الاستيفاء أو بعده، وسواء حد المشهود عليه أم لا، قال الخرشي: يعني أنه إذا شهد أربعة على شخص بالزنى ثم رجعوا عن شهادتهم فإنهم يحدون حد القذف، ومعنى الإطلاق سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، سواء حد المشهود عليه أم لا، فقوله: "وحد شهود الزنى" إن رجعوا كلهم، بدليل ما بعده. اهـ. ابن الحاجب: للرجوع ثلاث صور: قبل الحكم أو بعده قبل الاستيفاء، وبعد الاستيفاء. ويحدون في شهادة الزنى في الصور كلها. اهـ. نقله المواق.
كرجوع أحد الأربعة قبل الحكم يعني أنه إذا شهد أربعة على شخص بالزنى، ثم رجع أحد الشهود الأربعة قبل أن يحكم عليه بموجَبِ الزنى فإنه يحد الأربعة؛ لأن الشهادة لم تتم. والله تعالى الموفق. قال الخرشي: والمعنى أنه إذا شهد أربعة على شخص بالزنى ثم رجع واحد منهم قبل الحكم، فإن الشهود الأربعة يحدون حد القذف، لأن الشهادة لم تكمل. اهـ. وقال عبد الباقي: كرجوع أحد الأربعة، تشبيه في حد الجميع للقذف لأن الشهادة لم تكمل، واحتمال حد الراجع فقط يرفعه قوله: وإن رجع أحد الأربعة بعده أي بعد الحكم حد الراجع لاعترافه على نفسه بالقذف فقط أي دون غيره، فلا يحد واحد من الثلاثة الباقين. قال ابن الحاجب: فلو
стр. 8311
رجع أحد الأربعة قبل الحكم حدوا، وبعد إقامته حد الراجع اتفاقا دون الثلاثة على المشهور. التوضيح: يعني إذا رجع أحد الأربعة، فإن كان رجوعه قبل الحكم حد الجميع، وإن كان بعد إقامة الحد وبعد الحكم حد الراجع اتفاقا لاعترافه على نفسه بالقذف دون الثلاثة على المشهور، وهو مذهب المدونة لأن الحكم قد نفذ بشهادتهم وهم باقون عليها، والشاذ أنهم يحدون أيضا. اهـ. قوله: على المشهور أي من أنه لا ينقض الحكم ويقام عليه الحد، ومفهومه أن على الشاذ من نقض الحكم وسقوط الحد يحد الجميع، وصرح بذلك اللخمي. وإن رجع بعد الحكم وقبل أن ينفذ أقيم الحد على المشهود عليه وعلى الراجع، وعلى القول الآخر أنه لا ينفذ لا يحدُّ هاهُنَا وحد جميعهم. وفي الجواهر: ولو كان رجوعه بعد الحكم وإقامة الحد على الزاني لحد الراجع بلا خلاف، واختلف هل يحد الباقون أو لا يحدون؟ لأن الحكم قد نفذ بشهادتهم وهم الآن باقون عليها. انتهى. وجعل ابن رشد الخلاف في حد الباقين حيث كان رجوعه بعد الحكم وقبل إقامة الحد، وأما لو كان رجوعه بعد إقامة الحد على الزاني فيحد هو وحده بغير خلاف، ونص ابن رشد: ولا حد على الثلاثة الذين ثبتوا ولا اختلاف في هذا. اهـ. لكنه خلاف ما لا بن يونس واللخمي عن ابن المواز من أن ابن القاسم كان يقول: يحد من لم يرجع مع من رجع، ثم رجع عن هذا القول، وقال: لا حد على من لم يرجع؛ لأن الحكم لم ينتقض. انظر الرهوني.
وقال عبد الباقي عند قوله: "وبعده حد الراجع فقط" ما نصه: بخلاف ما إذا ظهر بعد الحكم وقبل الاستيفاء أن أحد الأربعة عبد، فإن الحد على الجميع وسقطت الشهادة، وإن تبين بعد الحكم أن أحدهم فاسق فلا حد على واحد منهم؛ لأن الشهادة تمت باجتهاد القاضي، وألحقوا بالعبد الكافر والأعمى أي فيما لا تقبل شهادته فيه وولد الزنى كذلك والولى عليه. اهـ. قال البناني: فرق بين العبد والفاسق بناء على أن الحكم لا ينقض بتبين أن أحدهم فاسق وهو مذهب المدونة في كتاب الحدود، ولكنه خلاف مذهبها في كتاب الشهادات أنه ينقض في الفاسق كالعبد، وعليه مشى المص في القضاء بقوله: "أو ظهر أنه قضى بعبدين أو كافرين أو صبيين أو فاسقين كأحدهما" لخ، وعليه فيحد الجميع في الفاسق أيضا. انتهى.
стр. 8312
وإن رجع اثنان من ستة فلا غرم ولا حد الشهود في التي قبلها أربعة، وهنا أكثر من أربعة؛ يعني أنه إذا شهد على شخص ستة بالزنى ثم رجع منهم اثنان فإنه لا غرم عليهما ولا حد؛ لأنه بقي من يستقل الحكم به، فشهادتهم بزناه تصيره غير عفيف، فلذا لم يحدا للقذف وهذا هو المشهور، وقيل: يحد من رجع مطلقا. قاله ابن مرزوق. وقال الشبراخيتي: وإن رجع اثنان من ستة بعد الحكم بشهادتهم حتى يتأتى نفي الغرم؛ يعني أنه إذا كان الرجوع قبل الحكم فلا يتوهم الغرم حتى ينفيه المص بقوله: فلا غرم قال الشبراخيتي: فلا غرم ولا حد على من رجع أو بقي. اهـ. وقال عبد الباقي فلا غرم ولا حد عليهما للقذف؛ لأن شهادة الأربعة بزناه تصيره غير عفيف، وإنما عليهما الأدب الشديد بالاجتهاد. اهـ.
إلا أن يتبين أن أحد الأربعة عبد يعني أنه إذا رجع اثنان من ستة فلا غرم ولا حد كما عرفت، هذا إن لم يتبين أن أحد الأربعة الباقين عبد وأما إن تبين أن أحد الأربعة الباقين عبد، فإنه يحد الراجعان للقذف ثمانين، ويحد العبد نصف حد الحر أربعين، وعلل حد الثلاثة في كتاب محمد بأن الحد قد أقيم بأربعة بطل أحدهم لرقه، ولا حد على الثلاثة الباقين. قال عبد الباقي: فإن قلت: تقدم أنه إذا ظهر بعد الحكم أن أحد الأربعة عبد حد الجميع وهنا جعلوا الحد عليه وعلى الراجعين فقط؟ قلت: لأنه في الأول لم يبق أربعة غيره، بخلاف ما هنا فإنه بقي خمسة غيره؛ لأن شهادة الراجعين معمول بها في الجملة، ألا ترى أن الحكم المرتب عليها لا ينقض. اهـ. قال البناني: ما تقدم هو الذي في المدونة، وما هنا مذكور في الموازية، والسؤال والجواب مذكوران في التوضيح، ونقلهما ابن عرفة عن ابن هارون وابن عبد السلام. اهـ المراد منه.
والحاصل أنه إذا رجع بعض الشهود بعد الحكم فإنه يحد الراجع فقط حيث لم يبق من يستقل الحكم به، وأما إن بقي من يتم به الحكم فلا حد، وإن كان الشهود أربعة ثم ظهر بعد الحكم أن أحدهم عبد فإنه يحد الجميع، فإن كان الشهود ستة - مثلا - ورجع منهم اثنان وتبين أن أحد الأربعة الباقين عبد، فإنه يحد الراجعان والعبد فقط، واسْتُشْكِلَ بما تقدم من أنه إن تبين أن أحد الأربعة عبد حد الجميع، وأجيبَ عنه بما مر.
стр. 8313
وغرما فقط ربع الدية يعني أنه إذا رجع اثنان من ستة، وتبين أن أحد الأربعة عبدٌ. فإن الراجعين والعبد يحدون للقذف كما عرفت، وعلى الراجعين ربع الدية ولا شيء على العبد من الدية، وإنما عليه الحد كما علمت، ولا غرم ولا حد على الثلاثة الباقين. قال التتائي: وألحقوا بالعبد الأعمى وولد الزنى والمولى عليه والكافر. اهـ. وقال ابن مرزوق: قوله: "إلا أن يتبين" إلى "ربع الدية" أي إلا أن يظهر بعد رجوع اثنين من ستة أن أحد الأربعة الباقين عبد، وما في معناه ممن لا تجوز شهادته كالكافر والصبي فإنه حينئذ يحد الراجعان والعبد ويغرم الشاهدان فقط دون العبد ربع الدية، أما أحد الراجعين والعبد فلقذفهم وليس فيمن بقي نصاب الشهادة، وأما اختصاصهما بالغرامة دون العبد فلأن ماله لسيده، وهذا أحسن من قول من قال: إنما لم يغرم العبد لأنه لم يرجع عن شهادته، فإن مفهوم تعليله أنه لو رجع لغرم ورجوعه وعدمه سواء بعد تبين كونه عبدا، وأما غرمهما ربع الدية فلأنه لما بقي ثلاثة كانا هما في حكم واحد لأن بأحدهما مع الثلاثة يستقل الحكم والآخر زائد، لكن لما كان في تغريم أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح شُرِّكا في الغرم، وظاهر كلامه أن الثلاثة الباقين لا يحدون وهو المشهور، وقيل: يحدون. اهـ كلام ابن مرزوق.
وقد مر أنه لا غرم على العبد لأن ماله لسيده، قال ابن مرزوق: فإن قلت: مقتضى الفقه أن تكون جناية في رقبته كشيء استهلكه، قلت: لا نسلم أنه استهلك شيئا وإنما وقع منه الغرور القولي، والمشهور فيه عدم الغرامة والتفريط إنما وقع من الحاكم. انتهى. ونص هذه المسألة من النوادر من كتاب ابن المواز: فإن شهد ستة بالزنى فرجم ثم رجع اثنان فلا غرم عليهما ولا حد، فإن وجد أحد الأربعة الباقين عبدا فإنه يغرم الراجعان ربع الدية، ولا حد على من لم يرجع من الأحرار ولا غرم، ويحد العبد أربعين جلدة ولا غرم عليه. اهـ.
ثم إن رجع ثالث حد هو والسابقان هذه المسألة ليست من تمام المسألة التي ظهر فيها أن أحد الأربعة عبد، وإنما قوله: "ثم إن رجع" عطف على قوله: "وإن رجع اثنان" يعني أنه لو شهد ستة بالزنى على شخص فرجم، ثم رجع منهم اثنان فلا غرم ولا حد كما مر، فإن رجع ثالث فإن حد القذف واجب على الثلاثة، لأنه لم يبق من يستقل به الحكم. وغرموا ربع الدية يعني
стр. 8314
أن هؤلاء الذين حدوا وهم السابقان والثالث الراجع بعدهما يلزمهم أن يغرموا ربع الدية أثلاثا بينهم مستوين فيه؛ لأنهم كواحد إذا بقي بعدهم ثلاثة، وإن رجع بعد رجوع الثلاثة رابع فإن الأربعة يغرمون نصفها أي الدية يغرمونه أرباعا بينهم، ويحد الرابع أيضا، فإن رجع خامس فثلاثة أرباعها بينهم أخماسا، فإن رجع سادس فجميعها بينهم أسداسا، وسكت عن هذا لوضوحه. وقوله: "غرموا ربع الدية ورابع فنصفها"، سواء رجعوا مجتمعين أو متفرقين، وإن شهد على شخص ستة بالزنى وهو محصن، فلما شرع الإمام في رجمه رجع سادس بالنسبة للباقين بعد فقء عينه، ورجع خامس بالنسبة للباقين وهو ثان بالنسبة للأول الذي هو السادس بعد موضحة، ورجع رابع بالنسبة للباقين وهو ثالث بالنسبة للماضين بعد موته، فعلى الثاني وهو الخامس خمس دية الموضحة لأنها حصلت بشهادة خمسة هو أحدهم، مع سدس دية العين كالأول؛ أي فإن الأول وهو السادس عليه سدس دية العين لأنها ذهبت بشهادة ستة هو أحدهم وعلى الثالث بالنسبة للماضين وهو الرابع بالنسبة للباقين ربع دية النفس؛ لأنها ذهبت بشهادة أربعة هو أحدهم فقط؛ أي لا شيء عليه من دية الموضحة والعين لاندراجهما في النفس، وإنما وجب الغرم على السادس والخامس لرجوع الرابع، فلو لم يرجع فلا غرم على واحد منهما، بدليل قوله: "وإن رجع" من يستقل الحكم بعدمه فلا غرم فإذا رجع غيره فالجميع، وهذا الفرع عزاه ابن الحاجب لمحمد بن المواز. قاله في توضيحه. وهو مبني على مذهبه أن الرجوع بعد الحكم وقبل الاستيفاء يمنع من الاستيفاء، وأما على قول ابن القاسم إنه يستوفى، فينبغي أن يكون على الثلاثة الراجعين ربع دية النفس دون العين والموضحة لأنه قتل بالستة، وتندرج دية الأعضاء فلا اعتراض على ابن الحاجب لأنه عزاه لمحمد، وأما المص فلم يعزه فهي معارضة للتي قبلها لبنائها على مذهب ابن القاسم.
وقال الأجهوري: ينبغي أن المذهب ما قاله المص؛ أي لأنه لا غرابة في بناء مشهور على ضعيف. قاله عبد الباقي. وقال ابن مرزوق: يعني أنه إذا شهد ستة على محصن بالزنى فأمر الإمام برجمه، فلما فُقِئتْ عَيْنُهُ في أثناء الرجم رجع أحد الستة ثم جرح موضحته، فرجع آخر ثم مات
стр. 8315
فرجع آخر، فعلى الراجع الأول - وهو الذي سماه المص "سادسا" سدس دية العين، وسماه ثانيا أولا في قوله: "كالأول"، وإنما سماه سادسا تنبيها على علة لزومه سدس الدية؛ لأن هذه عين تسبب في إتلافها ستة، فعلى كل واحد سدس ديتها، وسماه أولا لأنه أول من رجع وعلى الراجع الثاني، وهو الذي عبر عنه أولا بخامس، وثانيا بالثاني خمس دية الموضحة لأنه جرح بسبب خمسة وهم الباقون بعد رجوع الأول، فعليه خمس ديته ولذا سماه خامسا، وعليه أيضا مع هذا الخمس سدس دية العين؛ لأنه بسبب الستة أصيب، وهذا معنى قوله: "مع سدس العين كالأول" أي الوجه الذي لزم به الأول سدس العين، وهو كونه أحد ستة. فقوله: "كالأول" إشارة إلى الحكم والعلة وعلى الراجع الثالث وهو الذي سماه أولا رابعا ربع دية النفس فقط؛ لأنه أحد أربعة تسببوا في هلاك نفس، ولا شيء عليه في دية العين ولا من دية الموضحة لاندراجهما في دية النفس وهذا هو المشهور، وقيل عليه ذلك مع السدس والخمس كصاحبيه. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وهذا الفرع الذي مشى عليه المص لابن المواز وهو ضعيف وهو مخالف لقول المص: "لا رجوعهم" من أن الحكم لا ينقض قبل الاستيفاء وهو المشهور؛ لأن الأعضاء تندرج في النفس، فإن لم يرجع الثالث فلا غرم على الأول والثاني باتفاق منهما؛ لأن النصاب تام بدونهما. اهـ. وقال البناني: هذا الاعتراض أصله لابن عبد السلام، ونقله ابن عرفة وأجاب عنه بأن قال: القول بإمضاء الحكم بشهادة من رجع بعده وقبل تنفيذه إنما ثبت حيث لا مستند للحكم إلا شهادة الراجعين، ولا يلزم منه إسناده إليه حيث صح إسناده لمقيم على شهادته كهذه المسألة. انتهى.
ومكن مدع رجوعا من بينة يعني أن المشهود عليه إذا ادعى أن من شهد عليه قد رجع عن شهادته وطلب إقامة البينة على ذلك، فإنه يجاب إلى ذلك ويمكن منه، فقوله: "من بينة" متعلق بمكن أي يمكن من إقامة بينة على دعواه رجوع الشاهدين عما شهدا به عليه، وسواء أتى بلطخ أي شبهة أو لا. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ومكن غارم مدع رجوعا من الشاهدين عليه عن شهادتهما، من إقامة بينة عليهما أنهما رجعا فيغرمان له ما غرمه، وظاهره تمكينه من إقامتهما، ولو عجزه القاضي عن إقامتها حيث نسيها وقت غرمه بشهادة الشاهدين أو أقر على نفسه
стр. 8316
بالعجز. اهـ. وأما إن عجزه وهو يدعي حجة فلا تسمع بينته بحال كما تقدم. قاله الشبراخيتي. وقوله: "ومكن مدع رجوعا" لخ: وأما إن أقرا له بالرجوع فيغرمان له ولا يحتاج لإقامة بينة. قاله غير واحد.
كيمين إن أتى بلطخ يعني أن المشهود عليه إذا ادعى أن من شهد عليه رجع عن شهادته والتمس يمين المشهود على ذلك، فإنه يجاب إلى ذلك بأن يحلفا أنهما لم يرجعا عن شهادتهما، فإن حلفا برئا من الغرامة وإلا حلف المدعي أنهما رجعا وأغرمهما، فإن نكل فلا شيء له عليهما، ومحل توجه اليمين على الشاهدين أنهما لم يرجعا حيث أتى المشهود عليه بلطخ في دعوى الرجوع بأن يكون لدعواه وجه؛ بأن يتحدث الناس أنهم سمعوا أنهم رجعوا، فاللطخ هو القرينة؛ كأن يشيع بين الناس أن فلانا وفلانا رجعا عن شهادتهما، وكأن يأتي المدعي بشاهد غير مقبول الشهادة أو امرأتين. واعلم أن دعوى الرجوع هنا موجبة للمال ولو فيما ليس بمال ولا آئل له كطلاق وعتق. قاله البناني.
وقال ابن مرزوق: يعني إن ادعى المقضي عليه أن البينة الذين شهدوا عليه رجعوا عن شهادتهم عليه، فإنه يمكن من إقامة البينة على دعواه كما يمكن من تحليفهم على ذلك إن أنكروا دعواه عليهم ذلك ولم تكن له بينة، لكنه لا يحلفهم إلا إن أتي بلطخ يدل على قوة دعواه، ومقتضى مفهوم الشرط أنه إن لم يأت بلطخ فلا يمين عليهم وهو كذلك، فإن أتى بلطخ ونكلوا عن اليمين بعد طلبه منهم حلف المقضي عليه وأغرمهم، وهذه فائدة توجه اليمين عليهم "ورجوعا" في كلام المص مفعول "مدع". اهـ. وقال الشبراخيتي: والظاهر أن اليمين تتوجه على البينة ولو عجزه القاضي. انتهى.
وقال التتائي: واللطخ أن يكون لدعواه وجه وإلا فلا يمين، ولذا قال ابن عرفة: نقلُ ابن الحاجب توجه اليمين على البينة لا يفيد قيام اللطخ وهم، وفي نقل ابن عرفة: من شهد عند حاكم، ثم قال: نالني أذى من أجل شهادتي وحلف أنه ما شهد إلا بالحق، وأنا رجعت عنها، فقال ابن خزيمة وأصبغ: لا تسقط شهادته بهذا، وقال ابن زرب: تسقط، قال ابن عرفة: الأظهر
стр. 8317
إن علم نزول ضرر به لأجلها قضى بها وإلا فلا. اهـ. وقال الخرشي: وقوله: "ومكن مدع" لخ "مكن" فعل ماض مبني للمفعول، "ومدع" نائب الفاعل. انتهى. وقوله: "ومكن مدع رجوعا من بينة"، قال ابن مرزوق: قال محمد بن عبد الحكم: وزعم أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يقبل عليهما شهادة من شهد برجوعهما، قال محمد: وهذا خروج عن المعقول؛ لأن من قولهم: لو أقر بالرجوع لزمهما الغرم: فما الذي فرق بين إقرارهما عند الحاكم بالرجوع وبين قيام البينة عليهما بذلك؟ اهـ.
ولا يقبل رجوعهما عن الرجوع يعني أن الشاهدين إذا شهدا بحق على شخص، ثم رجعا عن شهادتهما ثم رجعا عن رجوعهما، فإن ذلك لا يقبل منهما، فإذا شهدا بأن هذه الناقة التي عند زيد لعمرو، أو شهدا بأن لعمرو على زيد دينا - مثلا - ثم رجعا عن ذلك بعد الحكم لعمرو على زيد في المسألتين، ثم رجعا عن رجوعهما ذلك، وقالا: لا شيء لعمرو مما شهدنا له به فإنه لا يقبل منهما هذا الرجوع الأخير، ويغرمان لزيد ما أتلفا عليه بشهادتهما وهو الناقة التي استحقها عمرو بشهادتهما في المسألة الأولى، والدين الذي غرمه له في الثانية. والله تعالى أعلم. قال الخرشي: يعني أن الشاهدين إذا شهدا بحق على شخص ثم رجعا عن شهادتهما ثم رجعا عن رجوعهما ذلك، فإنه لا يقبل منهما ويغرمان ما أتلفا كالراجع المتمادي. اهـ.
وقال عبد الباقي: ولا يقبل رجوعهما حين طالبهما المقضي عليه بأصل شهادتهما بما غرمه أي طلبهما لأجل رجوعهما عما شهدا به فقالا رجعنا عن الرجوع، فلا يقبل بل يغرمان ما أتلفاه بشهادتهما كالراجع المتمادي؛ لأن رجوعهما عن الرجوع بمنزلة من أقر ورجع عن إقراره. اهـ. وقال الشبراخيتي: ولا يقبل رجوعهما عن الرجوع ويعد نَدَمًا؛ لأنه بمنزلة من أقر ورجع عن إقراره. انتهى. وقال المواق: عبارة ابن شأس: لو رجعا عن الرجوع لم يقالا بل يقضى عليهما بما يقضى به على الراجع المتمادي في رجوعه، ووجه ذلك أن رجوع الشاهد عن شهادته ليس بشهادة وإنما هو إقرار على نفسه بما أتلف بشهادته. انتهى. وقال ابن مرزوق: يعني أن الشاهدين إذا رجعا عن شهادتهما بعد الحكم بها ثم رجعا عن رجوعهما لم يقبل الآخر ويعد
стр. 8318
منهما ندما، وإنما المعول عليه من رجوعهما هو الأول لأنه إقرار بإتلاف، والثاني كتعقب الإقرار بالرافع فلا يقبل.
وإن علم الحاكم بكذبهم وحكم فالقصاص يعني أنه إذا شُهِدَ على رجل بما يوجب قتله أو عقوبته دون القتل والشهود كاذبون، فحكم الحاكم بقتله فقتل والحاكم يعلم أنهم كاذبون في شهادتهم، فإنه يقتص منه وليس هو كالشهود في قول ابن القاسم: إن تعمدوا الكذب فإنما عليهم الدية، كما قدمه المص بقوله: "ولو تعمدا" لأن الشهود لم يباشروا القتل ولا أمروا به، وإنما هم متسببون والحاكم تولى القتل بنفسه أو أمر به، قال في المدونة: وإن أقر القاضي أنه رجم أو قطع الأيدي أو جَلَدَ تعمدا لِلْجَورِ أقيد منه. اهـ. وظاهر هذا العموم سواء فعل هذا استنادا للشهادة التي علم كذبها قبل الحكم وهي مسألة المص، أو فعله من غير استناد إليها إذ كل ذلك جور، وظاهره أيضا وإن لم يباشر ذلك لأنه منفذه وهو ممن تجب طاعته، بخلاف الشهود فإن غيرهم هو المنفذ، وأخذ من قوله: أقيد منه، وقد ذكر الجلد أن في ضرب السوط القود كما نص عليه في غير هذا المكان، وروي عن مالك أنه لا قود فيه. انتهى. انظر ابن مرزوق. وقال الشبراخيتي: وإن علم الحاكم يشمل المحكم في الجرح كالقتل لأنه يمضي حكمه، وقول المدونة القاضي فرض مسألة. انتهى.
وقال عبد الباقي: وإن علم الحاكم بكذبهم أي الشهود أو بقادح من القوادح في شهادتهم وحكم بما شهدوا به من رجم أو قطع يد أو رجل أو جلد تعمدا للجور، وأولى إن باشر ذلك أو علم به وثبت علمه بإقراره لا ببينة تشهد عليه بعلمه، فلا يقتص منه على ما استظهره الأجهوري أي لفسقهم بكتمهم الشهادة قبل الاستيفاء. انتهى. قوله: أو بقادح من القوادح، مثله في الخرشي والشبراخيتي، وليس بصواب إذ لا قصاص في هذه، وإنما عليه الدية في ماله، وقد جزم بذلك الخرشي وعبد الباقي عند قول المص في باب القضاء: "وغرم شهود علموا وإلا فعلى عاقلة الإمام". انظر البناني. والله تعالى أعلم. وفي الخرشي: وليس على الشهود غرم حيث اقتص من الحاكم أو الولي كما هو الظاهر، ولا شيء على من باشر القتل لأنه مأمور من جهة الشرع. اهـ. وقال قبل
стр. 8319
هذا مفسرا للمص: يعني أن الحاكم إذا علم بأن الشهود الذين عنده شهدوا بالجور والزور وحكم بشهادتهم، فإنه يقتص منه، وظاهره سواء باشر القتل أولا وهو كذلك كما هو ظاهر المدونة، وحملها بعضهم على ذلك، وكذلك يقتص من ولي الدم حيث علم بكذبهم وتعمده، وإن علم القاضي والولي بالكذب اقتص منهما، وذكره الزرقاني على سبيل البحث بلفظ ينبغي، واعترضه بعض الشراح بأن المسألة مذكورة في ابن غازي. انتهى.
وإن رجعا عن طلاق فلا غرم يعني أنه لو شهد شاهدان على شخص بأنه طلق زوجته فحكم بذلك ثم رجعا عن شهادتهما، فإنه لا غرامة عليهما للزوج لأنهما لم يفوتا عليه إلا الاستمتاع وهو لا قيمة له. كعفو القصاص يعني أنهما إذا شهدا على ولي الدم أنه عفا عن القاتل فحكم الحاكم بذلك، ثم رجعا عن تلك الشهادة فإنهما لا يغرمان لولي الدم شيئا، لأنهما لم يتلفا عليه شيئا؛ إذ ليس له على قول ابن القاسم إلا القتل أو العفو، وكلاهما لا قيمة له، وأما على قول أشهب أن له مع ذلك إلزامَ القاتل الديةَ فإن الولي يرجع عليهما بها. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: وإن رجعا عن طلاق شهدا به على زوج فلا غرم عليهما لأنهما لم يتلفا عليه بشهادتهما مالا، وإنما فوتاه البضع وهو لا قيمة له، وشبه بقوله: "فلا غرم" قوله: "كعفو القصاص"؛ أي إذا شهدا بأن ولي الدم عفا عن القاتل فحكم به وسقط القصاص ثم رجعا عن شهادتهما بالعفو فلا غرم عليهما؛ لأنهما لم يفوتاه متمولا وإنما فوتاه استحقاق الدم، وهو لا قيمة له ويؤدبان ويجلد القاتل مائة ويحبس سنة. اهـ. وقوله: "كعفو القصاص" التشبيه لإفادة الحكم لا للاستدلال. قاله التتائي وقال الشبراخيتي: قال الشارح: ويجلد القاتل مائة ويحبس سنة ويؤدب الشاهدان. اهـ. وسيقول المص: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة" وهو يفيد أن على القاتل ذلك، وإن استمر الشاهدان بالعفو على شهادتهما. انتهى. إن دخل شرط في قوله: "فلا غرم" يعني أن محل عدم الغرم على الشاهدين بالطلاق الراجعين عن شهادتهما به إنما هو حيث دخل الزوج بالمرأة المشهود بطلاقها، وإلا بأن لم يدخل بها فعليهما نصف من الصداق يغرمانه للزوج عند ابن القاسم. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: يعني وإن رجع الشاهدان بالطلاق عن شهادتهما وكانت المرأة غير مدخول بها فعليهما نصف الصداق، قال ابن عبد السلام والمص: نص في المدونة على
стр. 8320
أنهما يغرمان نصف الصداق، وسكت عمن يستحقه. قال ابن عرفة: وفيها إن رجعا بعد قضاء قاض بشهادتهما بالطلاق قبل البناء، فعليهما نصف الصداق. عياض: كذا قيدنا في الأصل. قال بعض الشيوخ: لم يبين لمن هذا النصف، وحمله الشيوخ على أن غرمه للزوج، وكذا جاء مفسرا في كتاب العشور من الأسمعة، وحمله غير واحد على أن غرمه للمرأة ليكمل لها صداقها الذي أبطله عليها بالفراق قبل الدخول، وعليه اختصر المسألة القرويون، قالوا: وهو مقتضى النظر والقياس؛ لأن غرمه للزوج لا وجه له إذ النصف عليه متى حصل الفراق قبل الدخول، وأشهب وسحنون لا يريان عليهما من المهر شيئا. اهـ. ونحوه في التوضيح وابن عبد السلام. اهـ.
واعلم أن القول بأنهما يغرمان للزوج النصف مبني على أنها لا تملك بالعقد شيئا، والقول بأنهما يغرمان النصف للزوجة، قال البناني: الظاهر أنه مبني على القول بأنها تملك بالعقد الجميع. انتهى. وقال عبد الباقي: وإلا يدخل فنصفه يغرمانه للزوج عند ابن القاسم، بناء على أنها لا تملك بالعقد شيئا لجواز ارتدادها، فبشهادتهما غرم نصف الصداق، ثم قال: ومحل كلام المص في نكاح مسمى فيه صداق لا في تفويض وشهدا قبل التسمية ثم رجعا فلا غرم عليهما، وإنما لم يؤخر قوله: "كعفو القصاص" عن شرط ما قبله ليلا يتوهم أن التشبيه في غرم النصف، ولا يتوهم أن الشرط راجع لما بعد الكاف على القاعدة الأغلبية لعدم صحته هنا. اهـ.
كرجوعهما عن دخول مطلقة التشبيه في غرم نصف الصداق للزوج؛ يعني أنه لو شهد شاهدان على رجل أنه دخل بزوجته والحال أنه مقر بطلاقها قبل الدخول بها، فحكم القاضي عليه بالطلاق وكمال الصداق، ثم رجعا عن شهادتهما بالدخول بها فإنهما يغرمان للزوج نصف الصداق، ولو رجع أحدهما غرم ربع الصداق، وكلام المؤلف في نكاح التسمية وإلا غرما جميع الصداق، ولو شهد بالدخول امرأتان ثم رجعتا فإنهما يغرمان للزوج النصف؛ لأن الدخول يثبت بامرأتين. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: "كرجوعهما عن دخول مطلقة" أقر الزوج بطلاقها وادعى أنه قبل البناء وحكم عليه بسبب شهادتهما بدخوله ليتكمل الصداق، فيغرمان له برجوعهما نصف الصداق، فإن رجع أحدهما غرم ربعه، ومحل المص في نكاح مسمى وإلا غرما له
стр. 8321
جميع الصداق؛ لأن التفويض إنما يستحق فيه بوطء لا بموت أو طلاق كما مر في فصل الصداق. انتهى.
واختص الراجعان بدخول عن الطلاق صُورَتُهَا: امرأة في عصمة رجل نكاحها ثابت، شهد اثنان بطلاقها وشهد آخران بأن زوجها قد دخل بها، فحكم القاضي على الزوج بالطلاق وجميع الصداق ثم رجع الأربعة فإن الغرم لجميع الصداق مُخْتَصٌّ بشاهدي الدخول؛ لأنه إنما دفع بشهادتهما ولا غرم على شاهدي الطلاق لأنه بمنزلة رجوعهما عن طلاق مدخول بها، وقد تقدم عدم الغرم في ذلك أي واختص الراجعان عن شهادة الدخول بغرم جميع الصداق، بناء على أنها لا تملك بالعقد شيئا عن شاهدي الطلاق الراجعين عن شهادتهما بالطلاق، فإن قيل قد تقدم أن شاهدي الطلاق إذا رجعا عن الطلاق وكانت الزوجة غير مدخول بها يرجع عليهما بنصف الصداق، فلم اختص شاهدا الدخول بغرم الجميع ولم يشترِكَا مع شاهدي الطلاق، مع أنهما بشهادتهما ألزماه النصف وبشهادة بينة الدخول يكمل الصداق؟ فالجواب: أن شاهدي الطلاق في الحقيقة إنما شهدا بطلاق مدخول بها إذ قد شهدت البينة بالدخول، وقد تقدم عدم الغرم في ذلك، فإن قيل لم كان على شاهدي الدخول الجميع ولم يكن عليهما النصف خاصة على أنها تملك النصف بالعقد أو بالطلاق؟ فَالْجَوَابُ: أن هذا الفرع مبني على أنها لا تملك بالعقد شيئا والطلاق مستند إلى الشاهدين به، وقد تعذر الرجوع عليهما كما تقدم، فوجب الرجوع على شاهدي الدخول قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: وإن شهد اثنان على رجل أنه دخل بزوجته وآخران بطلاقها وحكم القاضي بالطلاق وجميع الصداق على الزوج، ثم رجع الأربعة اختص الراجعان بدخول الباء بمعنى عن، أي اختصا بغرم جميع الصداق لأنه إنما دفع بشهادتهما بناء على أنها لا تملك بالعقد شيئا كما في أحمد وهو ظاهر الشارح، قيل: وهو المعتمد هنا، وفي التتائي وحلولو والمواق: يغرمان له نصف الصداق وهو مبني على أنها تملك بالعقد النصف أو الجميع، والطلاق يشطره عن شاهدي الطلاق فلا غرم عليهما برجوعهما عنه؛ لأنه بمنزلة رجوعهما عن طلاق مدخول بها وقد مر عدم الغرم
стр. 8322
في ذلك. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال البناني: التقرير الثاني في كلام الزرقاني هو الصواب، وهو الذي اعتمده ابن مرزوق إلى آخر كلامه.
وإن ماتت الزوجة في رجوع الأربعة رجع شاهدا الدخول على الزوج بما غرماه له، وهو جميع الصداق عند رجوعهما عن الدخول على التقرير الأول؛ أي تقرير أحمد والشارح، وقد قيل إنه المعتمد، أو نصف الصداق على التقرير الثاني وهو تقرير التتائي وحلولو وابن مرزوق، وقد قال البناني: هو الصواب. بموت الزوجة الباء سببية تتعلق برجع أي ورجع شاهدا الدخول على الزوج بما ذكر بسبب موت الزوجة، بشرط أشار إليه بقوله: إن أنكر الطلاق أي إنما يرجع شاهدا الدخول على الزوج عند موت الزوجة حيث أنكر الزوج الطلاق؛ أي استمر على إنكاره إذ الفرض إنكاره لأن موتها في عصمته على دعواه قبل البناء يكمل عليه الصداق، وقوله: "شاهدا الدخول" من إقامة الظاهر مقام المضمر، ولو قال: رجعا على الزوج كان أخصر. قاله أحمد. ومفهوم الشرط أنه إن أقر بالطلاق وشهدا عليه بالدخول ثم رجعا لم يرجعا عليه بشيء عند موتها لانتفاء العلة المذكورة، وبهذا يعلم حسن ذكر المص الشرط؛ إذ لو لم يأت به لتوهم رجوع شاهدي الدخول على الزوج بموتها، ولو أقر بالطلاق لإطلاقه حينئذ مع تقدم المسألتين في كلامه مسألة إقراره ومسألة إنكاره، ومثل موت الزوجة موت الزوج. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وإن ماتت الزوجة - والمسألة بحالها أو أعم - رجع شاهدا الدخول بما غرماه من الصداق على الزوج بموت الزوجة إن أنكر الطلاق، وهذا في نكاح التسمية وإلا فالتفويض لا يوجب بالعقد شيئا، ولو ماتت الزوجة. وقوله: "إن أنكر" لخ شرط في رجوع الشاهدين، وأما لو رجع لتصديق شاهدي الطلاق فلا رجوع لهما عليه. اهـ.
ورجع الزوج عليهما بما فوتاه من إرث دون ما غرم الضمير في عليهما يرجع لشاهدي الطلاق؛ يعني أنه إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة قبل البناء فحكم القاضي بالطلاق، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما بالطلاق فغرم الزوج للمرأة نصف الصداق ثم ماتت المرأة، فإن الزوج يرجع على شاهدي الطلاق بما فوتاه من الإرث، وهو النصف إن لم يكن لها ولد والربع إن كان لها ولد، ولا
стр. 8323
يرجع الزوج على الشاهدين بما غرم من نصف الصداق للمرأة لاعترافه بتكميل الصداق عليه بموت المرأة؛ إذ هو منكر للطلاق قبل البناء. قاله في التوضيح. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: وهذه المسألة ليست خاصة بما قبلها، بل هي عامة فيه وفي غيره، وهو أن كل شاهدين شهدا بطلاق امرأة ثم رجعا عن شهادتهما وماتت الزوجة، فإن الزوج يرجع عليهما بما فوتاه من إرث، ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الدخول [وبعده] (١)، كان هناك شاهدا دخول أولا. اهـ. ونحوه لعبد الباقي.
ورجعت عليهما بما فوتاها من إرث وصداق يعني أن الزوجة ترجع على شاهدي الطلاق عند موت الزوج بما فوتاها من إرثها منه ومن نصف صداقها؛ إذ لولا شهادتهما بالطلاق لكانت ترثه ولتكمل صداقها، قال الخرشي: وعلم مما قررنا أن الموضوع حيث لم يكن إلا شهود طلاق قبل البناء. وكلام المؤلف يدل على المراد. اهـ.
وإن كان عن تجريح أو تغليط شاهدي طلاق أمة غرِمَا للسيد ما نقص بزوجيَّتها يعني أنهما إذا شهدا بطلاق أمة من عصمة زوجها قبل الدخول بها أو بعده، والحال أن سيدها مصدق على الطلاق فحكم القاضي بالفراق بينهما، ثم إن شاهدين شهدا بتجريح شاهدي الطلاق بوجه من وجوه التجريح على ما تقدم، أو شهدا بتغليطهما بأن قالا: سمعنا شاهدي الطلاق يقران على أنفسهما بالغلط وماتا أو غابا أو حضرا وأنكرا الغلط. قاله الشبراخيتي. فحكم القاضي برد الأمة في عصمة زوجها بأن نقض حكمه، ثم إن شاهدي التغليط أو التجريح رجعا عن شهادتهما بما ذكر، فإنهما يغرمان للسيد ما نقص من قيمة الأمة بسبب زوجيتها أي بسبب بقائها وعودها لعصمة زوجها، فإن عودها ثانيا عيب فتقوم الأمة بلا زوج وتقوم متزوجة فيغرمان ما بين القيمتين. قاله الخرشي وغيره. وقال غير واحد: وتجريح بغير تنوين لأنه مضاف في التقدير لمثل ما أضيف إليه ما عطف فهو من باب قول الشاعر:
يا من رآى عارضا يسر به … بين ذراعى وجبهة الأسد
стр. 8324
ونقل عن الخرشي عن بعض الشراح أنه قال: قوله "شاهدي" يتنازعه تجريح وتغليط، فهو من باب قول العرب: بين ذراعي وجبهة الأسد، وقول النحاة: قطع الله يدَ ورجلَ من قالها. اهـ. وقولي: والحال أن سيدها مصدق على الطلاق احتراز عما لو كان منكرا له فلا يغرمان شيئا؛ لأنهما ما أدخلا على أمته عيبا، ومفهومه أنه لو كان الرجوع عن تجريح أو تغليط شاهدي طلاق حرة لا يغرمان شيئا؛ لأن الحرة لا قيمة لها، والظاهر أن العبد كالأمة. قاله الخرشي. البناني: هذه المسألة لا تتصور إلا أن يكون القاضي حكم بالطلاق أولا ثم نقضه، فهما حكمان. اهـ. وهذا هو الذي صورت به المسألة وبه صور الخرشي وعبد الباقي والتتائي، وكذا هو عند ابن عرفة، وقول المص: أو تغليط تقدم تقرير الشبراخيتي له، ونحوه للبناني عن الشيخ أحمد بابا، فإنه قال: إن كيفية الشهادة بغلط الشاهدين أن يشهدا أنهما أي شاهدي الطلاق أقرا على أنفسهما بالغلط وماتا أو غابا ولم يسألا. اهـ المراد منه.
ولو كان رجوعهما عن شهادة على امرأة بخلع بثمرة، وفي نسخة: بخلع ثمرة بالإضافة لم تطب أي لم يبد صلاحها، أو كان رجوعهما عن شهادة بخلع برقيق آبق أو بعير شارد، ونحو ذلك مما يصح الخلع به لا ما لا يصح الخلع به، فاللازم لهما القيمة أي قيمة الثمرة يغرمانها للمرأة، بدل ما أُغرمته للزوج بالحكم بالخلع حينئذ، وقال البناني: فالقيمة حينئذ أي حين الرجوع إن قلنا: إن الظرف متعلق بلزوم القيمة، فيكون قوله: "حينئذ" في مقابلة قوله: "بلا تأخير" لخ، أو حين الشهادة إذا كان إشارة إلى وقت اغترامهما القيمة، وبهذا يتفق كلام الشراح، فإن منهم من قال حين الرجوع، ومنهم من قال حين الشهادة والكل صحيح. اهـ. وقال الشبراخيتي: فالقيمة حيتئذ أي حين الشهادة لا حين الرجوع؛ لأنهما قد لا يرجعان إلا بعد الطيب أو حصول الآبق، وهذا قول عبد الملك واختاره ابن راشد القفصي.
وإلى اختيار ابن راشد لقول عبد الملك، أشار المص بقوله: على الأحسن كالإتلاف تنظير بمعلوم أي أن المعتبر هنا في ضمانهما القيمة وقت تفويت ثمرتها بشهادتهما، كاعتبار ذلك فيمن أتلف
стр. 8325
لشخص سلعة في ضمانه قيمتها يوم الإتلاف، والمعنى قياسا على إتلافها قبل زهوها، فإنها تقوم على الرجاء والخوف. قاله عبد الباقي وغيره.
بلا تأخير للحصول فيُغرم القيمة حينئذ يعني أن التقويم إنما يكون حين الشهادة بالخلع، ولا يؤخر إلى حصول طيب الثمرة ووجود كالآبق، فتغرم القيمة حينئذ أي حين طيب الثمرة ووجود كالآبق، ورد بهذا على محمد القائل: يؤخر التقويم إلى طيب الثمرة ووجود كالآبق فيغرم الشاهدان القيمة حينئذ أي حين حصول ما ذكر. وعلم مما قررت أن قوله: "فتغرم القيمة حينئذ" داخل في المنفي، وأن قوله: على الأحسن راجع للقيمة المثبتة لا المنفية، والحاصل أن المص مشى على قول عبد الملك: إن القيمة تعتبر وقت الشهادة ولا ينتظر بها حصول ما ذكر، وقول عبد الملك اختاره ابن رشد، فقال: قول عبد الملك أقيس إنما يقع الغرم وهو على الصفة التي كان عليها يوم الخلع، كالإتلاف ولا اعتبار بقول محمد. اهـ. قال الشبراخيتي: قيمة الثمرة وما معها تعتبر حين الخلع؛ لأنه الوقت الذي أخرج الشاهدان الثمرة عن ملكها فيه وأدخلاها في ملك الزوج بشهادتهما، فقد أتلفاها عليها بشهادتهما بالخلع، وأما الغرم فلا يكون إلا حين الرجوع. وَتَحَصَّلَ من هذا أن القيمة إنما تكون على الرجاء والخوف؛ أي تغرم القيمة على احتمال أن يحصل ما ذكر وأن لا يحصل، سواء رجع الشاهدان قبل الحصول أو بعده. والله تعالى هو الموفق. البناني: أشار المص بقوله: "بلا تأخير" لاختيار قول عبد الملك ورد قول ابن المواز، وأشار بقوله: "على الأحسن" لقول ابن راشد: قول عبد الملك أقيس. اهـ. وقال عبد الباقي وغيره: فالقيمة الأولى حين الخلع والحكم به وهي مثبتة، والثانية حين الحصول وهي منفية فلم يتواردا على محل واحد، فلا تكرار كما ظن الشارح. اهـ. وقال الحطاب: فالقيمة حينئذ كالإتلاف؛ يعني أن قيمة الثمرة على الرجاء والخوف، وقيمة الآبق والبعير الشارد على أقرب صفاتهما، فإن ظهر أنه كان ميتا قبل الخلع لم يكن عليهما شيء، ولو ظهر أنه أصابه عيب قبل الخلع لم يلزمهما إلا قيمته كذلك، ويستردان ما يقابل العيب. قاله ابن عبد السلام وابن عرفة. وبعضه في التوضيح. اهـ.
стр. 8326
وقال الحطاب أيضا عند قوله "بلا تأخير للحصول فيغرم القيمة حينئذ" ما نصه: يشير بهذا إلى القول الثاني الذي يقول: تؤخر الغرامة حتى تجذ الثمرة ويوجَد الآبق والشارد فتغرم القيمة حينئذ ابن عرفة: قال محمد بل قيمتها يوم جذها الزوج. انتهى. وقال ابن الحاجب: وقال محمد: يؤخر الجميع للحصول فيغرمان ما يحصل. اهـ. وقال الشبراخيتي: وينبغي على هذا القول الثاني أن الكلفة على الثمرة تسقط عن الشاهدين من القيمة، وعلى هذا القول الثاني أيضا لو هلكت الثمرة قبل جذها أو لم يرجع الآبق أو نزل الجنين ميتا، هل لا غرم على الشاهدين أو يغرمان القيمة؟ ومقتضى قول ابن شاس أنه لا غرم عليهما. اهـ. وقال الشبراخيتي أيضا: قال ابن غازي: وينبغي أن يقرأ فيغرم بالنصب جوابا للنفي وعطفا للمصدر المؤول على الصريح. اهـ. الأجهوري: قوله: فينبغي أن يقرأ بالنصب ليس بمتعين إذ هذا المعنى يحصل مع قراءته بالرفع، بناء على عطفه على تأخير والنفي مُنصَبٌّ على كل منهما، كما هو أحد وجهي الرفع، وقد نظمت الأوجه الأربعة في نحو هذا بقولي:
فِي نَحْوِ زَيْدٍ ما يجي فأكرمَهْ … رَفعٌ ونصبٌ جاء كل فاعلمه
فرفعه بجعلها فاء السببْ … والمبتدا مقدر بلا نصب
أي أن الإكرام مسبب على … نفي المجي الذ به جي أولا
كذا بعطفه فكل قد نفي … وانصبه فالمقدر في كل نفي
وقد نفي الثاني بنفي الأول … لكونه مسببا فامتثل
أو عطف الثاني وقد نفى فقط … فهذه أربعة بلا شطط
стр. 8327
والباء في بخلع وما عطف عليه بمعنى عن علي حذف مضاف؛ أي ولو كان رجوعهما عن شهادتهما بخلع لخ، وأتى المص في البعض بعن وفي البعض بالفاء للتفنن. قاله الشبراخيتي وغيره.
وإن كان بعتق غرما قيمته يعني أنهما لو شهدا على شخص أنه أعتق عبده عتقا ناجزا، فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يغرمان لسيده قيمته يوم الحكم بعتقه. وولاؤه له يعني أن ولاء هذا العبد الذي حكم بحريته بسبب شهادتهما يكون لسيده، فقد غرما له القيمة مع أن الولاء له، فإذا مات العبد ولا وارث له فإن سيده يأخذ ماله، وفي نسخة: وولاؤه لسيده. قال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على سيد بعتق ناجز لرقيق والسيد منكر وحكم بالعتق غرما قيمته لسيده يوم الحكم بعتقه، ولا يرد العتق برجوعهما وولاؤه له لاعترافهما له بذلك، ولأنهما بغرمهما القيمة، كأنهما أعتقاه عنه فرجوعهما لا يفيد فيما أقرا به لغيرهما وهو الولاء، فإن من أقر بشيء ثم رجع فإن رجوعه لا ينفعه فيما يتعلق بغيره، وإن كانت أمة لم يجز لها إباحة فرجها بالتزويج إن علمت بكذب الشاهدين، والظاهر أن للسيد وطأها عند علمه أنه لم يُعْتقْ، وأنهما شهدا عليه بزور ولا يمنع من ذلك أخذه القيمة عند رجوعهما لأنه أمر جر إليه الحكم. قال المازري: فإن مات العبد ولا وارث له أخذ السيد ماله. اهـ.
وانظر لو كان له وارث، هل يرجع السيد عليهما بما أخذه الوارث؟ لأنه لولا شهادتهما لأخذ ماله بالرق أولا لأنهما غرما قيمته له وهو الظاهر، ولا يشكل عليه ما يأتي في قوله: "وغرما له نصف الباقي" لأن الآتي المال من التركة وهنا للعبد الذي دفعت قيمته. انتهى. قوله: أولا لأنهما غرما قيمته له وهو الظاهر لخ، قال الرهوني: إن كان هذا المال موجودا يوم قوم عليه، فما قاله ظاهر لأنه يقوم بما ليس للسيد أن يرجع عليهما به بعد أخذه عوضه، وإن لم يكن موجودا يومئذ فليس بظاهر لأن غرم القيمة لا تأثير له فيما هو أعظم من هذا، وهو إباحة الوطء بعد غرمها إذا كانت أمة، لقول الزرقاني قبل: والظاهر أن للسيد وطأها عند علمه بأنه لم يعتق، فكيف يؤثر في هذا؟ تأمل. اهـ.
стр. 8328
وهل إن كان لأجل يغرمان القيمة يعني أنه لو شهد شَاهِدان على شخص أنه أعتق عبده إلى أجل فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما، فقد اختلف في ذلك، فقال عبد الملك: يغرمان القيمة حالة لمنعهما له من بيعه، وعلى قول عبد الملك هذا تكون المنفعة أي خدمة العبد إليه أي إلى الأجل لهما أي للشاهدين، يأخذان منها ما أديا لكن يبقى العبدُ تحت يد سيده ويُعطيهما من تحت يده، وقال سحنون: مثل قول عبد الملك إلا أنه يسلم إليهما حتى يستوفيا ما غرماه ثم يرجع لسيده، وهذان القولان يحتملهما قول المص: "والمنفعة إليه لهما".
أو تسقط منها أي من القيمة المنفعة يعني أن عبد الله بن عبد الحكم، قال قولا مخالفا للقولين المتقدمين، فإنه قال: إن منفعة العبد إلى الأجل تقوم على غررها فتسقط من القيمة وباقي القيمة يأخذه السيد الآن ويتسلم منافع العبد إلى الأجل، قال عبد الله بن عبد الحكم: تقوم منافعه على غررها وتجويز أن يموت العبد قبل الأجل أو يعيش فيخرج حرا فتحط القيمة على تلك الصفة من جملة القيمة التي يغرمانها، وتبقى منافع العبد لسيده على حسب ما كان قبل أن يرجعا عن الشهادة. وقوله: "أو تسقط منها المنفعة"، قال البناني: هذا قول عبد الله بن عبد الحكم كما قاله ابن عرفة وابن عبد السلام، لا قول محمد بن عبد الحكم كما في التوضيح، ولا قول عبد الملك كما قال ابن الحاجب. اهـ.
أو يخير فيها هذا قول ابن المواز، فإنه قال: يخير السيد في المنفعة أي يخير بين أن يسلم المنفعة إلى الأجل للشاهدين ويأخذ منهما قيمته بتمامها، وبين أن يأخذ منهما قيمته الآن ويتمسك بالمنافع إلى الأجل ويدفع قيمتها إليهما وقتا بعد وقت بحسب ما يراه هو لا هما، وفي نسخة بضمير التثنية فالضمير عائد على الإسقاط وعدمه، لا على القولين قبل، كما يوهمه المص أي يخير بين أن يسقط حقه من المنفعة ويسلمها للشاهدين مع أخذه قيمته منهما، وفي عدم إسقاطها بأن يأخذها ويدفعها إليهما شيئا فشيئا مع أخذه قيمته منهما أيضا، وكَلَامُ الشارح خلاف النقل. قال عبد الباقي: وهل إن كان رجوعهما عن شهادتهما على سيد بعتق لأجل وحكم به يغرمان للسيد القيمة الآن؛ أي قيمة العبد المحكوم بعتقه لأجل شهادتهما والمنفعة في العبد إليه أي إلى
стр. 8329
الأجل لهما يستوفيان منها القيمة التي غرماها، فإن استوفياها وبقي من الأجل بقية رجع باقيها للسيد، فإن قتله السيد رجعا عليه ببقية قيمة المنفعة أو ببقية مالهما إن زادت قيمة باقي المنفعة على ذلك، قال التتائي: فإن مات في يد السيد قبل الأجل وترك مالا أو قتل فأخذ له قيمة أو مات بعد الحرية وترك مالا، فإنهما يأخذان ما بقي لهما من ذلك، وأما إن مات بيد السيد ولم يترك مالا أو قتله بعد استيفائهما مالهما من خدمته فلا علاقة لهما، أو لا يغرمان جميع القيمة، بل تسقط منها عنهما المنفعة أي قيمتها، فتحسب منفعته من جملة القيمة التي يغرمان الآن، وللسيد ما زاد على قيمة المنفعة وتبقى تلك المنفعة لسيده على حسب ما كان قبل رجوعهما عن الشهادة، فإن مات في هذه الحالة فلا شيء للسيد عليهما لأنهما أخذا قيمتها على غررها، وتجويز موت العبد قبل الأجل وحياته إليه. اهـ. وقوله أقوال مبتدأ حذف خبره أي في ذلك أقوال، قال عبد الباقي: أقوال ثلاثة الراجح منها الأول. اهـ. ومر عنه في تفسير القول الأول ما يفيد أن مراده به قول عبد الملك لا قول سحنون. والله تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قال البناني: وهل إن كان لأجل يغرمان القيمة لخ، جعل المص الأقوال في هذه ثلاثة وهي في الحقيقة أربعة، الأول لعبد الملك يغرمان القيمة والمنفعة إلى الأجل لهما لكن يبقى تحت يد السيد ويعطيهما من تحت يده، الثاني لسحنون كالأول إلا أنه يسلم إليهما حتى يستوفيا ما غرماه ثم يرجع لسيده وهذان القولان يحتملهما قول المص والمنفعة إليه لهما، والثالث يغرمان القيمة بعد أن تسقط منها قيمة المنفعة على الرجاء والخوف وهو قول عبد الله بن عبد الحكم كما قاله ابن عرفة وابن عبد السلام، الرابع لابن المواز يخير بين الوجهين الأولين، وكلام المص لا يفي بهذا الأخير بل يوهم خلافه، وقد أصلحه ابن عاشر بقوله: والمنفعة لهما تحت يده أو يدهما أو تسقط منها المنفعة أو يخير في الأولين. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن المص أتى بالأربعة: ويكون الأول شاملا لقول عبد الملك وسحنون.
الثاني: إن شهدا بتنجيز عتق معتق لأجل، فقضي بذلك ثم رجعا فعليهما قيمة الخدمة على غررها، ولو كان معتقا إلى موت فلان فعليهما قيمة خدمته أقصر العمرين. اهـ.
стр. 8330
الثالث: قال الخرشي: لو شهدا بإخدام عبد لآخرَ حَياتَه ثم رجعا فعليهما قيمة العبد إلى أقصَرِ عمر العبد. والمخدم الذي هو الآخر لا عمر السيد.
الرابع: قال ابن مرزوق: قال ابن يونس: وهو في النوادر عن سحنون: إن رجعا عن شهادة بعتقه إلى سنين غرما قيمته حالة، ويطلبان ذلك في خدمة العبد فيؤاجرانه ويستخدمانه، فإن قبضا ما وديا قبل الأجل خدم العبد سيده إلى الأجل، وإن تم الأجل ولم يتم ما أديا فلا شيء لهما مما بقي، وإن مات العبد قبل الأجل وترك مالا أو قتل وأخذ له قيمة، أو مات بعد الحرية وترك مالا فليأخذ الشاهدان من ذلك ما بقي لهما، وإن أعتقه السيد قبل أن يقبضا ما غرما فليرد عليهما ما غرما أو ما بقي لهما إن كانا قبضا شيئا من خدمته. اهـ المراد منه.
وإن كان بعتق تدبير فالقيمة الإضافة بيانية أي بعتق هو تدبير؛ يعني أنهما إذا شهدا على سيد عبد أنه دبره فحكم الحاكم بتدبيره، ثم رجعا عن شهادتهما فالقيمة أي غرم قيمة العبد واجب عليهما قال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق تدبير وحكم بعتقه والإضافة بيانية أي بعتق هو تدبير، بدليل قوله: "واستوفيا" لخ، ولو أسقط لفظ عتق كان أولى، وأما إن شهدا بتنجيز عتق المدبر فيرجع عليهما بقيمته على أنه مدبر فلا شيء لهما كما في المواق.
واستوفيا من خدمته يعني أنهما يستوفيان من خدمة المدبر القيمة التي غرماها للسيد، قال المواق: قال ابن الحاجب: لو شهدا على رجل أنه دبر عبده فقضي بذلك والسيد ينكر، ثم رجعا وأقرا بالزور فليتعجل منهما قيمة العبد، ويقال: ادخلا فيما أدخلتماه فاقتضيا من الخدمة التي أبقيتما في يده ما وديتما، ثم ترجع بقية خدمته لسيده. ابن المواز: لو شهدا أنه أعتق مدبره فقضي بتعجيل عتقه ثم رجعا فعليهما قيمته للسيد؛ لأنهما أتلفاه عليه، ولأنها إن كانت أمة كان له وطؤها ويقضى بها دينه بعد موته. اهـ. وقال عبد الباقي: وإن كان بعتق تدبير فالقيمة ناجزا، وتعتبر يوم الحكم بتدبيره واستوفيا خدمته تقاضيا أي شيئا فشيئا، ولا يملكان جميعها، والمراد استوفيا إن شاء سيده، وإن شاء أمسكها ودفع لهما قيمتها كما في ابن مرزوق عن ابن يونس،
стр. 8331
والظاهر أنه يدفع لهما قيمتها شيئا فشيئا بحسب ما يستوفيها، لا أنه يعجلها لهما دفعة فهي كالمسألة السابقة، وأشعر قوله: "استوفيا" أنه لو كان لا خدمة له فلا شيء لهما وهو كذلك. تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: والظاهر أنه ينجز عتقه حينئذ يعني حين لا خدمة له؛ لأن عدم تنجيزه إنما هو لأجل أن يستوفيا من خدمته، وقد انتفى ذلك والأنثى كالذكر. قاله علي الأجهوري ولا ينافيه قول المص: "فإن عتق بموت سيده" اهـ.
قوله: "والظاهر أنه ينجز عتقه" لخ، قال البناني: فيه نظر؛ إذ كونه لا خدمة له لا يقتضي سقوط حق سيده منه، ولأنه قد يموت السيد ولا يحمله ثلثه فيرق كله أو بعضه، وأيضا إذا كان المدبر أمة بقي فيها حق السيد في الوطء، والحاصل أنه لا وجه لتنجيز عتقه عند انتفاء خدمته. والله تعالى أعلم. وكذا تعليله بقوله لأن عدم تنجيزه إنما هو لأجل أن يستوفيا من خدمته لا معنى له؛ إذ يقتضي أنه لولا تعلق حق الشاهدين بالمدبر لَنُجِّزَ عتقه وهو غير صحيح، نعم ذكر في التوضيح ما نصه: ولو كان موضع المدبر مدبرة ممن لا حِرْفَةَ لها وينهى عن استيجارها، فإنه إذا قضى على الشاهدين بقيمتها نجز عتقها؛ إذ لا فائدة في بقائها إلا أن يلتزما النفقة عليها رجاء رقها بعد وفاة سيدها، فذلك لهما أو تطوع السيد بذلك رجاء أن ترق له فذلك له، ومثله نقله ابن عرفة عن سحنون. اهـ. وقوله: "واستوفيا من خدمته" قال الشبراخيتي: مثل ذلك أرش الجناية عليه، فلو كان لا خدمة له فلا شيء لهما. اهـ.
فإن عَتَق بموت سيده فعليهما يعني أن هذا الذي شهدا بتدبيره وحكم به ثم رجعا عن شهادتهما، إذا عتق بموت سيده بأن حمله الثلث، فإن كانا قد استوفيا ما غرماه فلا كلام، وإن كانا قد بقي لهما شيء فقد ضاع عليهما. وهما أولى إن رده دين أو بعضه يعني أنه إذا لم يحمله الثلث أو حمل بعضه، فإنهما أولى به حيث رده الدين كله أو بما رق منه من غيرهما من أرباب الديون حتى يستوفيا، قال عبد الباقي: وهما أولى أي أحق حتى يستوفيا إن رده أي العتق أو التدبير دين أو بعضه؛ لأنهما لما دفعا قيمته لسيده فكانت كحق تعلق بعينه، وهو مقدم على الدين المتعلق بالذمة، فإن مات قبل الاستيفاء أخذ من ماله، فإن لم يكن له مال فلا شيء لهما، فإن قتل أخذا من قيمته. انظر المواق. اهـ. وقوله: "وهما أولى إن رده دين أو بعضه" قال البناني:
стр. 8332
هذا يقتضي أن رِقِّيَّة البعض تتوقف على الدين كَرِقِّيَّة الكل وليس كذلك، فإن السيد إذا مات ولم يترك مالا سوى المدبر عتق منه الثلث ورق الثلثان. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: إنما قصد الوجه المشكل لأنه إذا كان أولى من أرباب الديون فأحرى أن يقدم، فيمارق منه إذا لم يكن دين، فلا يفيد أنه إذا لم يكن دين لا يرق بعضه حيث لم يحمله الثلث. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال في التوضيح: قال محمد بن عبد الحكم: فإن كان الشاهدان عديمين لم يوجد عندهما ما يؤخذ من القيمة التي لزمتهما، فالواجب أن يحكم عليهما بما بين قيمة العبد مدبرا ممنوعا مشتريه من بيعه ومجوزا عتق جميعه أو عتق بعضه أو رق جميعه لو جاز في الشرع البيع على هذا. فيطلب سيد العبد ذلك من الشاهدين متى أيسرا، وقيل يستوفي السيد من خدمته ما لزمهما فيبقى في يده مدبرا، فإن مات قبل الاستيفاء أخذ من الشاهدين ما بقي من قيمته إذا أيسرا.
كالجناية يَحْتَمِلُ أن معناه أن المدبر إذا جنى على غيره فإن المجني عليه أحق به من أرباب الديون إن رق كله أو بعضه، وهذا الاحتمال يدل عليه قول ابن عرفة: ولو مات سيده وعليه دين يرقه بيع لهما أي للشاهدين قبل الدين، كما لو جنى جناية والدين محيط فإن أهل الجناية أولى برَقَبَتِهِ. اهـ. ومثله قول التوضيح: فإن مات السيد وحمله الثلث خرج حرا، وإن رق منه شيء فهما أولى به، وكذلك إن رده دين فهما أولى من صاحب الدين وهما كأهل الجناية، ثم إذا بيع وفضل منه فضل لم يكن للشاهدين أخذه؛ إذ لا يربحان. اهـ. وكلاهما صريح في أن التشبيه راجع لقوله: وهما أولى إن رده دين لخ. وعلى هذا الاحتمال فأل عوض عن المضاف إليه، فالمدبر هو الجاني، وَيَحْتَمِلُ أن معناه أن المدبر إذا جني عليه فإن الشاهدين يستوفيان مالهما مما أخذ في جنايته، ويدل عليه نقل المواق، فإنه قال عند قوله كالجناية ما نصه: سحنون لو مات المدبر قبل أن يستوفيا وترك مالا أو قتل لأخذا من ماله أو من قيمته ما بقي لهما، وإن لم يترك شيئا فلا شيء لهما. اهـ.
стр. 8333
تنبيهان: الأول: قوله: "كالجناية" اعلم أن المجني عليه يستوفي من خدمته المدبر تقاضيا، وكذا المعتق لأجل فإن المجني عليه يستوفي من خدمة تقاضيا، وأما القن الخالص فإنه يسلم إلى المجني عليه ملكا إن لم يَفْدِهِ سيده بالأرش.
الثاني: قال عبد الباقي: سكت المص عما إذا رجعا عن شهادتهما بتنجيز عتق المعتق لأجل وهو غرمهما قيمة رقبته؛ أي على أنه معتق لأجل لا خدمته. انظر ابن عرفة. اهـ. قوله: وهو غرمهما قيمة رقبته لخ، قال البناني: غير صحيح، بل الذي عند ابن عرفة والتوضيح أن عليهما قيمة الخدمة على غررها لا قيمة الرقبة. اهـ.
وإن كان بكتابة قالقيمة يعني أنه إذا شهد شاهدان على شخص أنه كاتب عبده فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يغرمان قيمته للسيد عاجلا، قال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادة بكتابة أي بأنه كاتب عبده وحكم بذلك عليه، فالقيمة أي قيمة المكاتب لا الكتابة يغرمان قيمته للسيد عاجلا، وتعتبر يوم الحكم بشهادتهما. اهـ. وقال الشبراخيتي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بكتابة، فالقيمة - أي قيمة المكاتب قنا لا مكاتبا - لازمة لهما ناجزا.
وَاسْتَوْفَيَا مِن نُجُومِهَا يعني أنهما يغرمان قيمته على أنه قن كما علمت، فإذا غرماها له فإنهما يستوفيان ما غرماه من القيمة من نجوم الكتابة، فإن فضل منها شيء فللسيد، وإن نقصت عما لهما فلا شيء لهما سواها. وإن رق فمن رقبته يعني أنه إذا عجز عن أداء الكتابة فإنه يصير قنا ويستوفيان ما غرماه من رقبته بأن يباع ويستوفيا من ثمنه. والله تعالى أعلم. قال المواق: سحنون: وإن شهدا بأنه كاتب عبده فقضى بذلك ثم رجعا وأقرا بالزور فالحكم ماض، وليؤديا قيمته ناجزة للسيد يوم الحكم ويتأدياها من الكتابة على النجوم، فإذا اقتضى منها مثل ما وديا رجع السيد فأخذ باقي الكتابة منجمة، فإن وداها عتق وإن عجز رق له، وإن عجز قبل أن يقبض الراجعان ما وديا نقل ابن عرفة أنه يباع لهما منه تمام ما بقي لهما، فإن عجز عن تمامه لهما. فلا شيء لهما هذا قول عبد الملك. قال ابن المواز: وبه أقول وعليه أصحاب مالك، وما قاله ابن القاسم فغير معقول. اهـ. وقال ابن مرزوق في النوادر ما معناه: روى أصبغ عن ابن القاسم أنهما يغرمان
стр. 8334
القيمة، فتوضع بيد عدل ويتأدى السيد الكتابة، فإن استوفى من الكتابة مثلها رجعت إلى الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل ومات المكاتب قبل الاستيفاء دفع إلى السيد من تلك القيمة تمام قيمة عبده. قال محمد: وهو جواب غير معتدل، وبقول عبد الملك أقول وعليه أصحاب مالك. اهـ. المراد منه. وأشعر قول المص: "واستوفيا" من نجومها أنهما رجعا قبل أدائها، وأما لو لم يرجعا حتى أداها وخرج حرا فالظاهر أن السيد يرجع عليهما بباقي القيمة، ولا وجه للتوقف في ذلك. انظر حاشية الشيخ البناني.
وإن كان بإيلادٍ فالقيمة يعني أنهما إذا شهدا على رجل أنه استولد أمة فحكم القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يغرمان للسيد قيمتها الآن قنا، قال الشبراخيتي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على السيد بالإيلاد فالقيمة أي قنا يوم الحكم بإيلادها، ولا يخفف عنهما شيء من قيمتها لأجل ما بقي له فيها من الاستمتاع. اهـ.
وأخذا من أرش جناية عليها يعني أنهما يستوفيان ما غرماه من قيمة الأمة التي شهدا بأنه استولدها من أرش جناية عليها نفسا أو طرفا، قال المواق من كتاب ابن المواز: إن شهدا على رجل أنه أولد جارية أو أنه أقر أنها ولدت منه، فحكم عليه بذلك ثم رجعا فعليهما قيمتها للسيد ولا شيء لهما، وهي أم ولد للسيد يطؤها ويستمتع بها ولم تبق فيها خدمة ولا يرجعان فيها بما غرما، إلا أن تجرح أو تقتل فيؤخذ لذلك أرش فلهما الرجوع في ذلك الأرش بقدر ما وديا والفضل للسيد. قال محمد: ولا يرجعان فيما تستفيد من مال بعمل أو هبة أو بغير ذلك وذلك للسيد مع ما أخذ، وقال سحنون: يرجعان في الأرش وفي كل ما تستفيده.
وإلى قول محمد وسحنون أشار المص بقوله: وفيما استفادته قولان يعني أنه اختلف فيما تستفيده بعمل أو هبة ونحو ذلك على قولين، فقيل: ذلك للسيد وليس للشاهدين أن يستوفيا منه وهو قول محمد، وقيل: يستوفيان منه كأرش الجناية وهو قول سحنون. قال عبد الباقي: وفيما استفادته من هبة أو وصية أو نحو ذلك، وكذا ما اكتسبت من عمل كما في التتائي، قولان في أخذهما منه؛ لأنه في معنى الأرش وعدمه؛ لأنه منفصل عنها وهو الراجح كما في ابن مرزوق لا فيما استفاده
стр. 8335
ولدها من غير السيد. اهـ. وقال الشبراخيتي: وهل لهما أن يرجعا فيما استفادته بعمل أو فائدة أو هبة أو غير ذلك؟ وهو قول سحنون، أو لا شيء لهما في ذلك وهو للسيد مع ما أخذ؟ وهو قول محمد بن المواز. وهو الراجح كما قال ابن مرزوق قولان. اهـ. قوله: مع ما أخذ يعني القيمة قاله مقيده عفا الله عنه، وقال ابن مرزوق: يعني فإن شهدا على رجل أنه أولد أمة له فقيمة تلك الأمة واجبة عليهما لأنهما منعاه من بيعها والتصرف فيها إلا بالأمر الخفيف الذي له في أم الولد من الاستمتاع والخدمة اليسيرة، وظاهر كلامه أنهما يغرمان قيمة الأمة كاملة ولا يوضع عنهما شيء لهذا الأمر الذي بقي للسيد فيها. وقيل: إنه يخفف عنهما بذلك ثم لا شيء للشاهدين من القيمة التي غرما إلا أن يُجْنَى عليها جناية، فإنهما يستوفيان من أرش تلك الجناية ما دفعا من قيمتها، وإن لم يوف ذلك بالقيمة فلا شيء لهما غيره، واختلف هل يأخذان من مال استفادته أو لا؟ على قولين، ولم يطلع المص على نص على الراجح منهما، فلذلك حكى القولين.
وإن كان بعتقها فلا غرم يعني أنهما إذا شهدا على السيد بأنه أعتق أم ولده، فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما لا يغرمان شيئا لسيدها؛ لأنهما لم يفوتا عليه إلا الاستمتاع بها وهو لا يتقوم كما في الرجوع عن الطلاق بعد البناء. قاله الخرشي. وقال المواق: ابن المواز: إن شهدا في أم ولد رجل أنه أعتقها فحكم بذلك ثم رجعا، فقال أشهب وعبد الملك: لا شيء على الشاهدين لأنه لم يبق له فيها غير ذلك ولا قيمة له، وقال ابن القاسم: على الشاهدين قيمتها للسيد، كما لو قتلها رجل والقول الأول أقوم وأصح. اهـ. وقال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتقها أي أنه نجز عتق أم ولده وحكم به فلا غرم؛ لأنهما إنما فوتاه استمتاعه بها وهو لا قيمة له، كما لو رجعا عن طلاق مدخول بها، وليس له وطؤها ولو بالتزويج إلا أن يبت عتقها فيتزوجها. قاله الأجهوري، وانظر ما الفرق بينه وبين ما قدمته في قوله: "وهل إن كان لأجل" لخ من أن له وطأها حيث علم بكذبهم وهو المناسب، بل هذا أولى لأنهما لم يغرما له شيئا، وقد يُفرّقُ بقوة الشبهة هناك بكونها قنا خالصة بخلاف هذه. اهـ. وقال التتائي: واسْتُشْكِلَتْ هذه المسألة بأن الشاهدين لو قتلاها لغرما قيمتها وشهادتهما بعتقها كقتلها، وقد