والظاهر أنه يدفع لهما قيمتها شيئا فشيئا بحسب ما يستوفيها، لا أنه يعجلها لهما دفعة فهي كالمسألة السابقة، وأشعر قوله: "استوفيا" أنه لو كان لا خدمة له فلا شيء لهما وهو كذلك. تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: والظاهر أنه ينجز عتقه حينئذ يعني حين لا خدمة له؛ لأن عدم تنجيزه إنما هو لأجل أن يستوفيا من خدمته، وقد انتفى ذلك والأنثى كالذكر. قاله علي الأجهوري ولا ينافيه قول المص: "فإن عتق بموت سيده" اهـ.
قوله: "والظاهر أنه ينجز عتقه" لخ، قال البناني: فيه نظر؛ إذ كونه لا خدمة له لا يقتضي سقوط حق سيده منه، ولأنه قد يموت السيد ولا يحمله ثلثه فيرق كله أو بعضه، وأيضا إذا كان المدبر أمة بقي فيها حق السيد في الوطء، والحاصل أنه لا وجه لتنجيز عتقه عند انتفاء خدمته. والله تعالى أعلم. وكذا تعليله بقوله لأن عدم تنجيزه إنما هو لأجل أن يستوفيا من خدمته لا معنى له؛ إذ يقتضي أنه لولا تعلق حق الشاهدين بالمدبر لَنُجِّزَ عتقه وهو غير صحيح، نعم ذكر في التوضيح ما نصه: ولو كان موضع المدبر مدبرة ممن لا حِرْفَةَ لها وينهى عن استيجارها، فإنه إذا قضى على الشاهدين بقيمتها نجز عتقها؛ إذ لا فائدة في بقائها إلا أن يلتزما النفقة عليها رجاء رقها بعد وفاة سيدها، فذلك لهما أو تطوع السيد بذلك رجاء أن ترق له فذلك له، ومثله نقله ابن عرفة عن سحنون. اهـ. وقوله: "واستوفيا من خدمته" قال الشبراخيتي: مثل ذلك أرش الجناية عليه، فلو كان لا خدمة له فلا شيء لهما. اهـ.
فإن عَتَق بموت سيده فعليهما يعني أن هذا الذي شهدا بتدبيره وحكم به ثم رجعا عن شهادتهما، إذا عتق بموت سيده بأن حمله الثلث، فإن كانا قد استوفيا ما غرماه فلا كلام، وإن كانا قد بقي لهما شيء فقد ضاع عليهما. وهما أولى إن رده دين أو بعضه يعني أنه إذا لم يحمله الثلث أو حمل بعضه، فإنهما أولى به حيث رده الدين كله أو بما رق منه من غيرهما من أرباب الديون حتى يستوفيا، قال عبد الباقي: وهما أولى أي أحق حتى يستوفيا إن رده أي العتق أو التدبير دين أو بعضه؛ لأنهما لما دفعا قيمته لسيده فكانت كحق تعلق بعينه، وهو مقدم على الدين المتعلق بالذمة، فإن مات قبل الاستيفاء أخذ من ماله، فإن لم يكن له مال فلا شيء لهما، فإن قتل أخذا من قيمته. انظر المواق. اهـ. وقوله: "وهما أولى إن رده دين أو بعضه" قال البناني:
стр. 8332
هذا يقتضي أن رِقِّيَّة البعض تتوقف على الدين كَرِقِّيَّة الكل وليس كذلك، فإن السيد إذا مات ولم يترك مالا سوى المدبر عتق منه الثلث ورق الثلثان. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: إنما قصد الوجه المشكل لأنه إذا كان أولى من أرباب الديون فأحرى أن يقدم، فيمارق منه إذا لم يكن دين، فلا يفيد أنه إذا لم يكن دين لا يرق بعضه حيث لم يحمله الثلث. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال في التوضيح: قال محمد بن عبد الحكم: فإن كان الشاهدان عديمين لم يوجد عندهما ما يؤخذ من القيمة التي لزمتهما، فالواجب أن يحكم عليهما بما بين قيمة العبد مدبرا ممنوعا مشتريه من بيعه ومجوزا عتق جميعه أو عتق بعضه أو رق جميعه لو جاز في الشرع البيع على هذا. فيطلب سيد العبد ذلك من الشاهدين متى أيسرا، وقيل يستوفي السيد من خدمته ما لزمهما فيبقى في يده مدبرا، فإن مات قبل الاستيفاء أخذ من الشاهدين ما بقي من قيمته إذا أيسرا.
كالجناية يَحْتَمِلُ أن معناه أن المدبر إذا جنى على غيره فإن المجني عليه أحق به من أرباب الديون إن رق كله أو بعضه، وهذا الاحتمال يدل عليه قول ابن عرفة: ولو مات سيده وعليه دين يرقه بيع لهما أي للشاهدين قبل الدين، كما لو جنى جناية والدين محيط فإن أهل الجناية أولى برَقَبَتِهِ. اهـ. ومثله قول التوضيح: فإن مات السيد وحمله الثلث خرج حرا، وإن رق منه شيء فهما أولى به، وكذلك إن رده دين فهما أولى من صاحب الدين وهما كأهل الجناية، ثم إذا بيع وفضل منه فضل لم يكن للشاهدين أخذه؛ إذ لا يربحان. اهـ. وكلاهما صريح في أن التشبيه راجع لقوله: وهما أولى إن رده دين لخ. وعلى هذا الاحتمال فأل عوض عن المضاف إليه، فالمدبر هو الجاني، وَيَحْتَمِلُ أن معناه أن المدبر إذا جني عليه فإن الشاهدين يستوفيان مالهما مما أخذ في جنايته، ويدل عليه نقل المواق، فإنه قال عند قوله كالجناية ما نصه: سحنون لو مات المدبر قبل أن يستوفيا وترك مالا أو قتل لأخذا من ماله أو من قيمته ما بقي لهما، وإن لم يترك شيئا فلا شيء لهما. اهـ.
стр. 8333
تنبيهان: الأول: قوله: "كالجناية" اعلم أن المجني عليه يستوفي من خدمته المدبر تقاضيا، وكذا المعتق لأجل فإن المجني عليه يستوفي من خدمة تقاضيا، وأما القن الخالص فإنه يسلم إلى المجني عليه ملكا إن لم يَفْدِهِ سيده بالأرش.
الثاني: قال عبد الباقي: سكت المص عما إذا رجعا عن شهادتهما بتنجيز عتق المعتق لأجل وهو غرمهما قيمة رقبته؛ أي على أنه معتق لأجل لا خدمته. انظر ابن عرفة. اهـ. قوله: وهو غرمهما قيمة رقبته لخ، قال البناني: غير صحيح، بل الذي عند ابن عرفة والتوضيح أن عليهما قيمة الخدمة على غررها لا قيمة الرقبة. اهـ.
وإن كان بكتابة قالقيمة يعني أنه إذا شهد شاهدان على شخص أنه كاتب عبده فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يغرمان قيمته للسيد عاجلا، قال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادة بكتابة أي بأنه كاتب عبده وحكم بذلك عليه، فالقيمة أي قيمة المكاتب لا الكتابة يغرمان قيمته للسيد عاجلا، وتعتبر يوم الحكم بشهادتهما. اهـ. وقال الشبراخيتي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بكتابة، فالقيمة - أي قيمة المكاتب قنا لا مكاتبا - لازمة لهما ناجزا.
وَاسْتَوْفَيَا مِن نُجُومِهَا يعني أنهما يغرمان قيمته على أنه قن كما علمت، فإذا غرماها له فإنهما يستوفيان ما غرماه من القيمة من نجوم الكتابة، فإن فضل منها شيء فللسيد، وإن نقصت عما لهما فلا شيء لهما سواها. وإن رق فمن رقبته يعني أنه إذا عجز عن أداء الكتابة فإنه يصير قنا ويستوفيان ما غرماه من رقبته بأن يباع ويستوفيا من ثمنه. والله تعالى أعلم. قال المواق: سحنون: وإن شهدا بأنه كاتب عبده فقضى بذلك ثم رجعا وأقرا بالزور فالحكم ماض، وليؤديا قيمته ناجزة للسيد يوم الحكم ويتأدياها من الكتابة على النجوم، فإذا اقتضى منها مثل ما وديا رجع السيد فأخذ باقي الكتابة منجمة، فإن وداها عتق وإن عجز رق له، وإن عجز قبل أن يقبض الراجعان ما وديا نقل ابن عرفة أنه يباع لهما منه تمام ما بقي لهما، فإن عجز عن تمامه لهما. فلا شيء لهما هذا قول عبد الملك. قال ابن المواز: وبه أقول وعليه أصحاب مالك، وما قاله ابن القاسم فغير معقول. اهـ. وقال ابن مرزوق في النوادر ما معناه: روى أصبغ عن ابن القاسم أنهما يغرمان
стр. 8334
القيمة، فتوضع بيد عدل ويتأدى السيد الكتابة، فإن استوفى من الكتابة مثلها رجعت إلى الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل ومات المكاتب قبل الاستيفاء دفع إلى السيد من تلك القيمة تمام قيمة عبده. قال محمد: وهو جواب غير معتدل، وبقول عبد الملك أقول وعليه أصحاب مالك. اهـ. المراد منه. وأشعر قول المص: "واستوفيا" من نجومها أنهما رجعا قبل أدائها، وأما لو لم يرجعا حتى أداها وخرج حرا فالظاهر أن السيد يرجع عليهما بباقي القيمة، ولا وجه للتوقف في ذلك. انظر حاشية الشيخ البناني.
وإن كان بإيلادٍ فالقيمة يعني أنهما إذا شهدا على رجل أنه استولد أمة فحكم القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يغرمان للسيد قيمتها الآن قنا، قال الشبراخيتي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على السيد بالإيلاد فالقيمة أي قنا يوم الحكم بإيلادها، ولا يخفف عنهما شيء من قيمتها لأجل ما بقي له فيها من الاستمتاع. اهـ.
وأخذا من أرش جناية عليها يعني أنهما يستوفيان ما غرماه من قيمة الأمة التي شهدا بأنه استولدها من أرش جناية عليها نفسا أو طرفا، قال المواق من كتاب ابن المواز: إن شهدا على رجل أنه أولد جارية أو أنه أقر أنها ولدت منه، فحكم عليه بذلك ثم رجعا فعليهما قيمتها للسيد ولا شيء لهما، وهي أم ولد للسيد يطؤها ويستمتع بها ولم تبق فيها خدمة ولا يرجعان فيها بما غرما، إلا أن تجرح أو تقتل فيؤخذ لذلك أرش فلهما الرجوع في ذلك الأرش بقدر ما وديا والفضل للسيد. قال محمد: ولا يرجعان فيما تستفيد من مال بعمل أو هبة أو بغير ذلك وذلك للسيد مع ما أخذ، وقال سحنون: يرجعان في الأرش وفي كل ما تستفيده.
وإلى قول محمد وسحنون أشار المص بقوله: وفيما استفادته قولان يعني أنه اختلف فيما تستفيده بعمل أو هبة ونحو ذلك على قولين، فقيل: ذلك للسيد وليس للشاهدين أن يستوفيا منه وهو قول محمد، وقيل: يستوفيان منه كأرش الجناية وهو قول سحنون. قال عبد الباقي: وفيما استفادته من هبة أو وصية أو نحو ذلك، وكذا ما اكتسبت من عمل كما في التتائي، قولان في أخذهما منه؛ لأنه في معنى الأرش وعدمه؛ لأنه منفصل عنها وهو الراجح كما في ابن مرزوق لا فيما استفاده
стр. 8335
ولدها من غير السيد. اهـ. وقال الشبراخيتي: وهل لهما أن يرجعا فيما استفادته بعمل أو فائدة أو هبة أو غير ذلك؟ وهو قول سحنون، أو لا شيء لهما في ذلك وهو للسيد مع ما أخذ؟ وهو قول محمد بن المواز. وهو الراجح كما قال ابن مرزوق قولان. اهـ. قوله: مع ما أخذ يعني القيمة قاله مقيده عفا الله عنه، وقال ابن مرزوق: يعني فإن شهدا على رجل أنه أولد أمة له فقيمة تلك الأمة واجبة عليهما لأنهما منعاه من بيعها والتصرف فيها إلا بالأمر الخفيف الذي له في أم الولد من الاستمتاع والخدمة اليسيرة، وظاهر كلامه أنهما يغرمان قيمة الأمة كاملة ولا يوضع عنهما شيء لهذا الأمر الذي بقي للسيد فيها. وقيل: إنه يخفف عنهما بذلك ثم لا شيء للشاهدين من القيمة التي غرما إلا أن يُجْنَى عليها جناية، فإنهما يستوفيان من أرش تلك الجناية ما دفعا من قيمتها، وإن لم يوف ذلك بالقيمة فلا شيء لهما غيره، واختلف هل يأخذان من مال استفادته أو لا؟ على قولين، ولم يطلع المص على نص على الراجح منهما، فلذلك حكى القولين.
وإن كان بعتقها فلا غرم يعني أنهما إذا شهدا على السيد بأنه أعتق أم ولده، فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما لا يغرمان شيئا لسيدها؛ لأنهما لم يفوتا عليه إلا الاستمتاع بها وهو لا يتقوم كما في الرجوع عن الطلاق بعد البناء. قاله الخرشي. وقال المواق: ابن المواز: إن شهدا في أم ولد رجل أنه أعتقها فحكم بذلك ثم رجعا، فقال أشهب وعبد الملك: لا شيء على الشاهدين لأنه لم يبق له فيها غير ذلك ولا قيمة له، وقال ابن القاسم: على الشاهدين قيمتها للسيد، كما لو قتلها رجل والقول الأول أقوم وأصح. اهـ. وقال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتقها أي أنه نجز عتق أم ولده وحكم به فلا غرم؛ لأنهما إنما فوتاه استمتاعه بها وهو لا قيمة له، كما لو رجعا عن طلاق مدخول بها، وليس له وطؤها ولو بالتزويج إلا أن يبت عتقها فيتزوجها. قاله الأجهوري، وانظر ما الفرق بينه وبين ما قدمته في قوله: "وهل إن كان لأجل" لخ من أن له وطأها حيث علم بكذبهم وهو المناسب، بل هذا أولى لأنهما لم يغرما له شيئا، وقد يُفرّقُ بقوة الشبهة هناك بكونها قنا خالصة بخلاف هذه. اهـ. وقال التتائي: واسْتُشْكِلَتْ هذه المسألة بأن الشاهدين لو قتلاها لغرما قيمتها وشهادتهما بعتقها كقتلها، وقد
стр. 8336
استدل به ابن القاسم، فما الفرق؟ وأجاب البساطي بأن قتلها لا يكون هدرا لأنها معصومة، فلا بد من الغرم والذي يأخذ ذلك السيد، وليس هذا المعنى موجودا في الشهادة فافترقا. اهـ.
أو بعتق مكاتب فالكتابة يعني أنهما إذا شهدا على السيد أنه نجز عتق مكاتبه، فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يغرمان للسيد ما أتلفاه عليه مما كان على المكاتب عينا أو عرضا ويؤديانه على النجوم ولا يغرمان قيمة الكتابة، ولذا عدل المؤلف عن عبارة ابن الحاجب: غرما قيمة كتابته؛ لأن ذلك غير مقصود كما نبه عليه الطخيخي، والباء في قوله: "بعتق مكاتب" بمعنى: عن، أي وإن كان رجوعهما عن عتق مكاتب أي عن شهادتهما بعتق مكاتب فالكتابة يغرمانها على نجومها إن لم يكن أدى منها قبل عتقه بشهادتهما، فإن كان أدى منها قبله غرما ما بقي منها، هذا مستفاد من كلام الشارح. قاله الخرشي. وقال ابن مرزوق: أي إن رجعا عن شهادة بعتق مكاتب، فإن الحكم فيها كالحكم فيما إذا رجعا عن شهادة بقبض كتابة مكاتب، والحكم إنما يغرمان ما كان على المكاتب. اهـ.
وإن كان ببنوة فلا غرم يعني أنهما إذا شهدا على شخص أنه ابن فلان أي أقر بأنه ولده مثلا وفلان ينكر ذلك، فحكم القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما فإنه لا غرامة عليهما؛ لأنهما لم يفوتا على الأب مالا. قال عبد الباقي: وإن كان رجوعهما عن شهادة ببنوة أي ادعى شخص على شخص أنه أبوه وشهدا بإقراره ببنوة أو استلحاقه له وحكم بها ثم رجعا فلا غرم عليهما للأب لأنهما لم يفوتا عليه مالا. اهـ. وقال الشبراخيتي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما ببنوة كما لو ادعى شخص أن أباه زيد فأنكر ونفاه وشهدا له بذلك وحكم بشهادتهما ثم رجعا فلا غرم عليهما؛ إذ لم يتلفا على الأب بشهادتهما مالا إلا أن يكون الشهود ببنوته صغيرا وأنفق عليه بسبب البنوة، فيرجع عليهما بالنفقة. اهـ. وقال البناني عند قوله: "وإن كان ببنوة فلا غرم" ما نصه: ينبغي حمله على ما إذا لم تكن نفقته واجبة على الأب، وإلا فقد ألزماه نفقته بشهادتهما. قاله البساطي. وقال الحطاب: إنه الظاهر، ولم أر فيه نصا. اهـ.
стр. 8337
إلا بعد أخذ المال بإرث يعني أن هذا الشخص الذي حكم ببنوته لزيد مثلا لشهادة شاهدين بذلك ثم رجعا، فإنه لا غرم عليهما كما عرفت، هذا إذا لم يمت الأب ويأخذ هذا المحكوم ببنوته ماله بالإرث، وأما إذا مات الأب وأخذ هذا الولد المال بالإرث فإنهما يغرمان للعصبة ما أخذه ذلك الولد بالإرث إن كان هناك عصبة، أو لبيت المال إن لم تكن عصبة، والباء في قوله: "ببنوة" بمعنى: عن؛ أي عن شهادتهما ببنوة، واحْتَرَزَ بقوله: "بإرث" عما إذا أخذ المال بغير إرث، كدين ونحوه فإنه لا شيء على من شهد. قاله الخرشي. وقال المواق من كتاب ابن سحنون: من ادعى أنه ابن فلان والأب ينفيه، فأقام بينة أن الأب أقر أنه ابنه فحكم بذلك ثم رجعا قبل موت الأب فلا شيء عليهما في النسب قبل أن يرث ويمنع العصبة، فحينئذ يغرمان للعصبة ما أتلفا. اهـ. وقال عبد الباقي: إلا بعد أخذ المال بإرث فيغرمان قدره للثابت أو لبيت المال، واحترز عن أخذه بغيره كدين ونحوه فإنه لا غرم عليهما. اهـ. وقال الشبراخيتي: إلا بعد أخذ المال بإرث، كموت المحكوم عليه وهو الأب فأخذ الابن المال وللأب ورثة يحجبهم هذا الوارث أو يشاركهم فإنهما يغرمان ما أخذه الولد، فإن لم يكن له مشارك غرما جميع التركة لبيت المال. قاله في التوضيح. اهـ. وقال التتائي: وإن كان فيها مقوم غرما قيمته والتقييد بالإرث مخرج لا يؤخذ بدين أو نحوه فلا غرم على الشاهدين فيه. اهـ. وقال الحطاب: قوله: "بإرث" احترز به مما لو أخذه بدين أو غصب أو غير ذلك فلا غرم على الشاهدين. قاله البساطي. والله أعلم. اهـ.
إلا أن يكون عبدا فقيمته أولا مستثنى من قوله: "فلا غرم" يعني أنه لا غرم على الشاهدين فيما إذا رجعا عن شهادتهما بالبنوة المذكورة حيث كان الأب حيا كما عرفت، ومحل هذا حيث لم يكن المشهود ببنوته عبدا، وأما إن كان المشهود ببنوته عبدا حكم بحريته وثبوت نسبه ثم رجعا عن شهادتهما واعترفا برقيته، فإنهما يغرمان للسيد قيمته أولا؛ أي حين رجعا في أول الأمر من قبل أن يحصل موت، فيؤخذ المال بإرث، ولو حصل الموت بإثر الرجوع بدئ بالقيمة ثم ورث الباقي. قاله عبد الباقي. قوله: ولو حصل الموت بإثر الرجوع لخ؛ أي لو حصل الموت للسيد بعد الرجوع وبعد أخذه القيمة من الشاهدين بدئ من ماله بقدر القيمة يختص به الولد الثابت النسب، والباقي من ماله يرثه الولدان: العبد، وثابت النسب: قاله البناني.
стр. 8338
قال مقيده عفا الله عنه: يريد ثم يرجع ثابت النسب على الشاهدين بما ورثه العبد المشهود ببنوته كما مر للمص. والله تعالى أعلم. وعلم مما قررت أن غرم القيمة لا يتقيد بموت المشهود عليه.
ثم إن مات وترك آخر فالقيمة للآخر يعني أنه إذا مات المشهود عليه بالبنوة وهو الأب، وترك المشهود ببنوته وترك ولدا آخر ثابت النسب، فإن قيمة العبد المشهود ببنوته تكون للولد الثابت النسب يختص بها دون العبد، فإنه لا يأخذ منها شيئا أصلا لأنه يدعي أن نسبه ثابت وأن أباه قد ظلم الشهود في أخذها منهم، وأنه لا ميراث له منها، ثم يقسمان ما بقي من التركة نصفين، فما خص الولد المشهود له يغرمان مثله للولد الثابت النسب لأنهما أتلفاه عليه بشهادتهما، فإن لم يترك الأب إلا المشهود له، فقال ابن الحاجب: ولو لم يترك غير المسْتَلْحَق والمال مائتان وكانت القيمة المأخوذة مائة، أخذ المستلحَق مائة وبيت المال مائة، ثم غرم الشاهدان لبيت المال مائة أخرى لما فوتاه. وعلم مما قررت أن قوله: "ثم إن مات وترك آخر" مرتب على ما بعد الاستثناء، الثاني وقوله: "ثم إن مات وترك آخر" اعلم أنه إذا لم توجد عنده القيمة بعينها فإنها تؤخذ من تركته كما في الشارح وغيره، ويدل له نقل المواق. قاله البناني. وقال المواق من كتاب ابن المواز: وإن شهدا على رجل أنه أقر في عبده أنه ابنه فقُضِي بإلحاق نسبه وحريته، ثم رجعا والسيد صحيح البدن فالحكم بالنسب ماض وعليهما للسيد قيمة العبد، فإن مات الأب بعد ذلك وترك ولدا آخر مع المستلحق فليقسما تركته إلا قيمة المستلحق التي أخذ الأب من الشاهدين، فإنها تعزل من التركة فتكون للابن الأول وحده؛ لأن المستلحق يقول إن أباه ظلم فيها الشهود وأنه لا ميراث له فيها، وينظر ما حصل للمستلحق من الميراث غير القيمة فيغرم الشاهدان مثله للابن الأول بما أتلفاه عليه.
وغرما له نصف الباقي يعني أن القيمة يختص بها الثابت النسب، فإذا أخذها من التركة فإن الباقي بعد ذلك يقسم على حسب الميراث، فيكون بينهما نصفين إن لم يكن وارث غيرهما، وإلا قسم على حسب ميراثهم وترجع الورثة على الشاهدين بما أخذه العبد، فقوله: "وغرما" أي
стр. 8339
الشاهدان له أي الثابت النسب نصف الباقي؛ أي ما بقي بعد القيمة من التركة يقسم نصفين بين العبد والثابت، ويرجع الثابت على الشاهدين بما أخذه العبد الذي هو نصف الباقي فيغرمانه له. اهـ.
وإن ظهر دين مستغرق أخذ من كل نصفه وَكُمِّلَ بالقيمة يعني أنه إذا مات الأب فإن الثابت النسب يختص من التركة بالقيمة ويقتسمان الباقي بعدها، فيأخذ كل نصفه كما عرفت، ثم إن ظهر بعد ذلك دين على الأب يستغرق التركة فإنه يؤخذ من كل من الولدين الثابت النسب والآخر نصفه الذي أخذه منها، وإن لم يوفه كمل بالقيمة أي من القيمة التي اختص بها ثابت النسب، والعبد نصفه أي نصف الباقي عن القيمة من التركة ويقضى به الغرماء، فإن وفي بما على الأب فالأمر واضح، فإن لم يف ذلك بما عليه فإنه يدفع للغرماء من القيمة ما يتم به قضاء ديونهم، فعلم من هذا أنه يقضى الغريم بالمحقق كونه تركة وهو ما عدا القيمة، فإن وفي بالدين فإنه يختص الثابت النسب بالقيمة، فإذا لم يف ذلك بالدين فإنه يدفع من القيمة ما يكمل به قضاء الدين.
وقوله: "وإن ظهر دين مستغرق" وكذا إن كان الدين غير مستغرق فإنه يؤخذ من كل نصفه أيضا، وإنما أتى المص بقوله: "مستغرق" لأجل قوله: "وكمل بالقيمة"، وإلا فلا مفهوم له، فلو قال: وإن ظهر دين اقتضى من كل نصفه كان أشمل. قال البناني: وقال عبد الباقي: وإن ظهر على الميت دين والمسألة بحالها مستغرق للتركة، وكذا غير مستغرق أخذ من كل من الولدين نصفه الذي أخذه من التركة بالميراث وكمل وفاؤه بالقيمة التي اختص بها ثابت النسب، وإنما كانت متأخرة لأن كونها ميراثا غير محقق إذ المستلحق بالفتح يدعي أنها ليست لأبيه. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وإن ظهر على الأب الميت دين مستغرق جميع التركة أخذ من كل من الولدين الثابت النسب، والآخر نصفه الذي أخذه منها، وإن لم يوفه كمل بالقيمة أي من القيمة التي انتهى بها ثابت النسب. وإنما أخرت القيمة لأن كونها ميراثا غير محقق، ولو حذف قوله: "مستغرق" لكان أتم فائدة، لشموله حينئذ للمستغرق وغيره، ولا مفهوم لقوله: "تصفه" أي أخذ
стр. 8340
من كل واحد ما يخصه، إن نصف فنصف وإن ثلث فثلث وإن ربع فربع، إلا أن يكون الدين دون ما أخذاه فإنه يؤخذ من كل واحد نصف الدين. اهـ.
ورجعا على الأول بما غرمه العبد للغريم يعني أنه إذا أخذ من كل نصفه، فإن الشاهدين يرجعان على ثابت النسب بمثل ما دفعه العبد المشهود ببنوته لرب الدين، يعني أن العبد إذا أخذ فرضه من التركة فإن الثابت النسب يرجع على الشاهدين بما أخذه العبد المذكور، فإذا ظهر دين فإن العبد يدفع ما نابه أو بعضه للغريم، فيرجع الشاهدان على ثابت النسب بمثل ما دفعه العبد للغريم؛ لأنه تبين أنهما لم يتلفا عليه شيئا لأنه تبين أن ذلك لرب الدين. قال عبد الباقي: ورجعا أي الشاهدان على الأول أي الثابت النسب، ولو تأخر وجوده عمن شهدا ببنوته "بما" أي بمثل ما غرمه المشهود ببنوته للغريم أي رب الدين؛ لأنهما غرما النصف لثابت النسب بسبب إتلافه عليه بشهادتهما وأخذ المشهود له إياه، فلما ثبت على التركة دين فلم يتلفا شيئا عليه، وإن كان الدين غير مستغرق أخذ من كل واحد أيضا نصف الدين ورجع الشاهدان على ثابت النسب بمثل ما غرمه المشهود ببنوته للغريم. اهـ.
وقال الشبراخيتي: ورجعا أي الشاهدان على الأول الثابت النسب بما غرمه العبد أي بمثل ما غرمه العبد؛ أي من كان عبدا وهو الأخ المشهود ببنوته للغريم هو رب الدين، وهو القدر الذي كان فوتاه لثابت النسب على تقدير عدم الدين؛ لأنه تبين أنهما لم يضيعا عليه شيئا. اهـ. وقال الخرشي: والمراد بالأول الثابت النسب بلا نزاع وسماه أولا لذلك، فيصدق بما إذا وجد بعد الإشهاد ببنوة المشهود له، ولو عَبَّرَ بالثابت بدل الأول لكان أوضح، ويلغز بهذه المسألة، فيقال: ولدان ورث أحدهما الثلث والآخر الثلثين ويغرمان الدين بالسوية. اهـ. وقال البناني: إنما قال: "بما غرمه العبد" لخ، لأن الدين قد لا يستغرق التركة، فلا يرجعان على الأول إلا بقدر ما يلزم الثاني للغريم. قاله البساطي. قال الحطاب: وهو ظاهر إلا أن فرض المسألة في دين مستغرق فلا يلائم ما قاله، وإنما يلائمه لو قال: بما غرماه له، قال: ويظهر لي إن ساعده النقل أن الغريم قد
стр. 8341
لا يجد بيد العبد إلا بعض ما أخذ وهو معسر بالباقي، فلا يرجع الشهود على الأول إلا بما دفع العبد للغريم. اهـ. باختصار.
لطيفة: مما أنشده الشيخ الأبار لنفسه عند قراءة هذا المحل عليه لغزا في هذه المسألة وهو قوله:
أُسَائِلُ أهْلَ الفقه أي قَضِيَّةٍ … يضاعف فيها للمساوي برتبة؟
وإن بان غرم من ديون تخلدت … بذمة ميت أُغْرِمَا بالسوية
فأجابه تلميذه: سيدي أبو عبد الله عياش في المجلس، بقوله:
نعم في رجوع الشاهدين بعيد ما … على عبد مرء سَجَّلَا بالبنوة
وقيمته قد أغرما وتُراثَه … فتعطى أخاه بعد موت لحكمة
وقال الرهوني ما قاله البناني مخالف للتاودي، ونصه: ألغز في ذلك شيخ بعض شيوخنا العلامة سيدي عبد القادر الفاسي، فقال: أسائل لخ.
تنبيه: لا يخفى أن الجواب غير واف بالسؤال، ولم ينبه البناني عليه، وقال التاودي: ولم يوف ﵀ الجواب للسؤال، فقلت:
وعند ظهور الدين يؤخذ منهما … وإن كان بعض فاضلا ذا مزية
فائدة: اللَّغز في هذه المسألة هو بفتح اللام وسكون الغين، قال في القاموس: اللغز ميلك بالكلام عن وجهه، ثم قال: وألغز في كلامه [أعمى] (١)، مراده منه، وأما بالضم فهو اسم للفظ الذي تقع به التعمية وفي هذا لغات، وقد قلت في ذلك تقريبا للحفظ:
стр. 8342
اللغز يا صاح بفتح اللام … تعمية في الشيء بالكلام
واللغز بالضم حقيقا وزد … كعنق وجمل وصرد
وكالحميراء وسماها معا … ألغُوَزة لفظ يُعمى فاسمعا
والأربع الأول تجمع على … ألغَازِ فلتكن بذا محتفلا
وَفى بذا القاموسُ بالتصريح … وبعض ذا ذكر في التصريح
وقولي: على ألغاز يقرأ بغير تنوين للضرورة، ولا يخفى مابين بالتصريح وفي التصريح من الجناس التام المماثل. اهـ. وقوله: "بما غرمه العبد" سماه عبدا وإن كان محكوما بحريته، إما باعتبار ما كان عليه أو باعتبار اعتقاد المنكرين من الأب وابنه والشاهدين بعد رجوعهما. قاله ابن مرزوق. وإن كان برق لحر فلا غرم صورتها: شهد زيد وعمرو على بكر أنه عبد لمسعود، والشخص المشهود برقيته يدعي الحرية، فحكم القاضي بأنه رقيق لمسعود، ثم رجعا عن شهادتهما واعترفا بأنه حر، فإن الحكم برقيته لمسعود ماضٍ ولا غرامة على الشاهدين؛ لأنه يدعي الحرية والحر لا قيمة له. قاله غير واحد. وقال البناني: قال في التوضيح: يتخرج على ما مر في الغصب من أن من باع حرا وتعذر رجوعه فعليه الدية أن يكون على الراجعين هنا ديته. اهـ. وهو تخريج ضعيف؛ لأن القول أضعف من الفعل، ولأنه انضم إلى القول هنا دعوى المدعي. قاله الشيخ المسناوي. وأصله لابن عبد السلام وابن عرفة، قالا: إنما لم تجب عليهما الدية لأنهما لم يستقلا بالتسبب في الرقية بل المدعي معهما. اهـ. وبحث الرهوني في هذا الرد بما يعلم بالوقوف عليه. قال: وَالْحَقُّ في رد التخريج أن مسألة بيع الحر لم يقع فيها مجرد تفويت الحرية فقط الذي هو العلة في مسألتنا؛ لأن الفرض فيها أن المشتري غاب فلم تدر حياته من موته، فصار فعله ذلك شبيها بقتله فلذلك أوجبوا فيه الدية ت ويدل لذلك ما قاله الحطاب وغيره عند قوله في الغصب: "كحر باعه وتعذر رجوعه" من أنه يضرب مائة ويحبس سنة، فحكموا له بحكم مثل العمد في ذلك. اهـ. والله تعالى أعلم.
стр. 8343
وقال الشبراخيتي: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما برق قضي به لحر أي على مدعي الحرية، فاللام بمعنى على، ثم رجعا فلا غرم عليهما لأن الحر لا قيمة له، وهذا ما لم يكن له أولاد صغار أحرار: فإن كانوا له فإنهم يرجعون على الشهود بالنفقة التي فوتوها عليهم كما في السماع، ولو كان له أولاد من أمته فالظاهر أنه يسري عليهم الرق، ويجري فيهم ما جرى في أبيهم المشار إليه بقوله: "إلا لكل ما استعمل ومال انتزع" اهـ. ونحوه لعبد الباقي.
إلا لكل ما استعمل مستثنى من قوله: "فلا غرم"، ومعناه أنهما إذا شهدا على حر أنه رقيق فحكم بشهادتهما ثم رجعا، فإن الحكم بالرقية ماض ولا غرامة عليهما كما عرفت، إلا أن يستعمل فإذا استعمله المشهود له، فإن الشاهدين يغرمان للمشهود عليه بالرقية أجرة كل عمل عمله للمشهود له، وكذلك يغرمان له أيضا كل مال انتزع من يده، قال الشبراخيتي: إلا أن عليهما الغرم لكل ما استعمل فيه من أجرة مثل؛ لأن العبد يملك ويغرمان له أيضا كل مال انتزع من يده. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا لكل ما استعمل المشهود له ومال انتزع أي انتزعه المشهود له من المشهود عليه ويغرمان له، نظير ذلك لأن العبد يملك. اهـ. وقال الحطاب من كتاب ابن سحنون: إن شهدا على رجل أنه عبد لمن ادعاه والمدعى عليه يجحد، فحكم برقه ثم قاطعه المحكوم له بمال أخذه منه وأعتقه أو كاتبه عليه فأدى وعتق ثم أقرا بالزور، غرما للمشهود عليه ما أدى للسيد والحكم ماض والولاء قائم. اهـ. وقال الخرشي: ولو كاتبه المشهود له بالرقية فإنه يرجع على الشاهدين أيضا، والولاء للمشهود له. اهـ.
ولا يأخذه المشهود له يعني أن هذا المال الذي أخذه المشهود عليه من الشاهدين لا يجوز للسيد أن يأخذه من المشهود عليه بالرقية لأنه يعتقد رقيته، وأنه ظالم للشهود فيما أخذ منهم، قال الشبراخيتي: ولا يأخذه المشهود له أي لا يأخذه المشهود له وهو السيد ما أخذه المشهود برقه في نظير ما استعمله السيد أو انتزعه منه، وإنما لم يأخذه المشهود له لأنه يعتقد حرمته وأن العبد ظلم الشهود فيما أخذه منهم. اهـ. وقال عبد الباقي: ولا يأخذه المشهود له أي لا يجوز للسيد أن يأخذ منه ذلك المال الذي أخذه من الشاهدين الراجعين، لأن العبد إنما أخذه منهما عوضا عما أخذه السيد منه وهو يعتقد أن العبد ظلمه في رجوعه عليهما، لاعتقاده أنه عبده وأن رجوعهما في
стр. 8344
غير محله. اهـ. وقال البناني: ولا يأخذه المشهود له؛ إذ لو أخذه السيد منه لغرم الشهود له عوضه، فيأخذه السيد أيضا ويتسلسل.
وَوُرِثَ عنه يعني أن هذا المال الذي يأخذه العبد من الشاهدين الراجعين يورث عن العبد أي يرثه عنه من يستحقه من أقاربه الأحرار، قال عبد الباقي: وورث عنه أي يرثه عنه من يستحقه بالحرية ولا يرثه سيده لأن الميت إنما أخذه من الشاهدين على تقدير الحرية، وإن لم يكن وارث فبيت المال. اهـ. ونحوه لغيره. والله تعالى أعلم.
وله عطية يعني أن للعبد أن يعطي ذلك المال الذي أخذه من الشاهدين في نظير ما استعمله السيد أو انتزعه فيهبه ويتصدق به ويوصي به في الثلث، قال عبد الباقي: وله أي لذلك العبد عطية هبة أو صدقة أو وصية في ثلث مما في يده لمن شاء، ويلغز بقوله: "ولا ياخذه" إلى هنا، فيقال: عبد ليس للسيد انتزاع ماله ولم يتعلق به كتابة ولا تدبير ولا عتق لأجل، وله أن يهب ويتصدق ونحوهما. لا تزوج يعني أنه ليس للعبد أن يتزوج بالمال الذي أخذه من الشاهدين الراجعين لأن التزويج يعييه فللسيد منعه منه. قال الشبراخيتي: لا تزوج أي ليس له أن يتزوج منه لأن النكاح ينقص رقبته. قاله الشارح. وهو يفيد أن له التزويج بإذن سيده. اهـ. ونحوه لعبد الباقي. وقال المواق: قال ابن عبد الحكم: إن شهدا على رجل أنه عبد فلان وهو يدعي الحرية فقضي برقه، ثم رجعا فلا قيمة عليهما ويغرمان للعبد كلما استعمله سيده وخراج عمله وما انتزعه منه وليس لمن قضي له بملكه أخذ ذلك منه، لأنه عوض ما أخذه منه، ولو مات العبد لم يرث ذلك السيد ولكن يوقف ذلك حتى يستحق ذلك مستحق ثم يرثه بالحرية، وإن أوصى منه العبد كان ذلك في الثلث، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك ويرث باقيه ورثته إن كان له من يرثه إن كان حرا، وليس للعبد أن يتزوج منه لأن النكاح ينقص رقبته. اهـ.
تنبيه: قد مر أنه يلغز بقوله: "ولا يأخذه" لخ، قال التاودي: نظمت ذلك فقلت:
خليلي ما عبد يرى خالص الرق … وما لامرئ في نزع مَالِهِ مِن حق
ويملك أن يعطي بلا إذن سيد … ويورثه حرا تقيا أخا صدق
стр. 8345
قال الرهوني: ولم يذكر له جوابا، فأجبته بقولي:
جوابك في حر يصير إلى رق … فينزع منه ماله دون ما رفق
فيرجع بعدُ الشاهدان فيغرما … فلا حجر مع إرث لذي نسب حق
وقوله: "وله عطية" وكذا له أن يعتق منه، ففي نقل ابن مرزوق: فإن أَعْتَقَ منه العبد قبل موته جاز عتقه وكان ولاؤه بعد لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حرا، ويرثه العبد إن مات وهو حي. اهـ. وقال التتائي: وورث عنه هذا المال أي يرثه من يستحقه بالحرية لا هذا السيد ولو أعتق منه هذا العبد عبدا في حياته، جاز عتقه وكان ولاؤه بعد موته لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حرا. اهـ.
وإن كان بمائة لزيد، وعمرو ثم قالا: لزيد غرما خمسين للغريم فقط يعني أنهما إذا شهدا بمائة لزيد وعمرو بالسوية بينهما على بكر فحكم القاضي بذلك، ثم رجعا عن شهادتهما وقالا بل المائة كلها لزيد وحده فإنه لا يقبل منهما ذلك ويغرمان للغريم الذي هو بكر في هذا المثال الخمسين التي أخذها عمرو، ولا يغرمان لزيد شيئا وهذه النسخة التي شرحت عليها وهي للغريم ظاهرة كما قررت، وفي نسخة لعمرو بدل قوله: "للغريم"، واللام فيها للتعليل ومتعلق غرما محذوف أي للمدين يعني أنهما يغرمان خمسين للمدين فقط لأجل رجوعهما عن شهادتهما لعمرو، وهذا التقرير وإن كان فيه تكلف خير من دعوى ابن غازي التصحيف الفظيع، وهذه النسخة التي شرحت المص عليها هي التي شرح التتائي عليها، قال: ووقع عند الشارحين موضع للغريم لعمرو فاعترضا على المص لخ، وما قررت به لعمرو من أن اللام للتعليل. قاله غير واحد. وفي الخرشي: وفي عبارة اللام في لعمرو زائدة وأقحمت بين المضاف والمضاف إليه والجر للام لا للمضاف لأنها أقرب، وعمرو يكتب بالواو في حال الرفع والجر بخلاف النصب. وقوله: "فقط" راجع للخمسين. اهـ.
وفي الخرشي أيضا: قال عبد الحكم: إن شهد شاهدان على رجل أنه أقر لفلانِ وفلانِ بمائة دينار، فقضي بذلك لهما ثم رجع الشاهدان فقالا إنما شهدنا بها لأحدهما وسمياه، فللَمقضي عليه بالمائة أن يرجع عليهما بخمسين لأنهما أقرا أنهما أخرجاها من يده إلى من لا حق له فيها، ولا تقبل شهادتهما للآخر أن المائة كلها له لأنهما مجرحان برجوعهما ولا عليهما أن يغرما له
стр. 8346
شيئا؛ لأنه إن كان له حق فقد بقي على من هو عليه. اهـ. ونحوه في التتائي، وزاد: وليس قول من قال يغرمان له خمسين بشيء لأنهما إنما أخذا خمسين من المطلوب أعطياها لمن لا شيء له عليه. وفي ابن عرفة عقب السابقة يليها: لو كان عبدا بعينه شهدا أنه أقر به لفلان وفلان فرجعا بعد القضاء به لهما وقالا إنما أقر به لفلان منهما فهاهنا يغرمان لمن أقرا له قيمة نصفه لأنهما أتلفاه عليه، هذا إن أقر من كان العبد بيده أنه لمن شهدا له أخيرا: وإن ادعاه لنفسه وأنكر شهادتهما غرما نصف قيمته للمشهود عليه، وليس للمقر له أخيرا إلا نصفه. اهـ.
وإن رجع أحدهما غرم نصف الحق يعني أنه إذا شهد شاهدان بحق على شخص فقُضِي به ثم رجع أحدهما، فإنه يغرم للمقضي عليه نصف الحق وهو عام في جميع مسائل الرجوع، وليس خاصا بمسألة زيد وعمرو، ولعله نبه على ذلك ليلا يتوهم أنه يغرم الكل، واختلف إذا ثبت حق بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد، هل يغرم جميع الحق وهو مذهب ابن القاسم وهو المعتمد، وإن كان مبنيا على ضعيف وهو أن اليمين استظهار، وقيل يغرم نصفه بناء على أنها مع الشاهد مكملة للنصاب. قاله عبد الباقي وغيره. قال الرهوني: في هذا البناء عندي نظر، بل الظاهر أن قول ابن القاسم الذي هو المشهور يصح بناؤه على كل من القولين؛ لأن موجب الغرم في هذا الباب كون التلف نشأ عن شهادته إلى آخر كلامه. وقال ابن مرزوق: لما تقرر أن رجوع الشاهدين يوجب عليهما غرم جميع الحق الذي أتلفاه إن أقرا بتعمد الزور ونفذ الحكم بشهادتهما الأولى، لزم من ذلك أنه إن رجع أحدهما غرم نصف الحق وهذا أبين.
كرجل مع نساء يعني أنه لو شهد رجل وامرأتان فأكثر في حق مالي فحكم القاضي بذلك، فإن على الرجل إذا رجع عن شهادته نصف الحق سواء رجع وحده أو رجع مع غيره، فإذا شهد رجل ونساء في حق مالي فقضى بذلك القاضي، ثم رجع الجميع فإن الغرامة على الرجل شطرها وعلى النساء وإن كثرن شطرها؛ لأنهن كرجل واحد وإذا رجع الرجل وحده أو رجع مع امرأة وبقي بعدها من النساء اثنتان، فعلى الرجل غرم نصف الحق ولا شيء على المرأة، فإن بقي منهن واحدة فعلى الرجل نصف وعلى من رجع منهن واحدة أو أكثر ربع الحق، قال المواق: سحنون:
стр. 8347
لو شهد رجل وثلاث نسوة ثم رجع الشاهد وامرأة فعلى الرجل نصف الحق وحده، ولا تضم المرأة إلى رجل وإنما تضم إلى مثلها واثنتان منهن فأكثر عدل رجل، فلو رجع الرجل والنسوة كلهن لزم الرجلَ نصفُ الحق والنسوةَ نصفُه. اهـ. وقال عبد الباقي: كرجل شهد مع نساء بمال قضي به فيغرم برجوعه نصفه للمقضي عليه ويَغْرَمْن وإن كثرن نصفه لأنهن كرجل واحد، فهو تشبيه في أن على الرجل نصف الحق سواء رجع وحده أو مع بعض النساء حيث بقي منهن اثنتان على شهادتهما، ولا يضم له في المال واحدة ممن رجعت فإن رجعت، واحدة من الباقيتين فعليها مع من رجع من النساء وإن كثرن ربع الحق. انتهى. فإن رجعت الأخرى فعليها مع جميعهن نصف الحق يقسم على رؤوسهن. قاله البناني.
وهو معهن في الرضاع كاثنتين يعني أنه إذا شهد رجل مع نساء برضاع بين زوجين، فحكم القاضي بالفراق ثم رجع الجميع فإنه يكون على الرجل مثل غرامة امرأتين. قال عبد الباقي: وهذا ضعيف والمذهب أنه فيه كواحدة وهو الموافق لقوله في الرضاع: "ويثبت برجل وامرأة وبامرأتين إن فشا" فجعل الرجل فيه كالمرأة. والحاصل أن الرجل في شهادة المال مع النساء كامرأتين، فإذا شهد رجل ومائة امرأة بمال ورجع الرجل وحده أو مع بعض النساء بحيث بقي منهن اثنتان فعليه نصف الغرم، ولا شيء على الراجعات معه إذ لا تضم المرأة للرجل في شهادة الأموال، فإن رجعت المرأتان الباقيتان كان نصف الغرم عليهن كلِّهن، وإن رجعت امرأة من الباقيتين فربع الغرم عليها وعلى بقية النساء، والنصف على الرجل الراجع وأما شهادة الرضاع وما شابهه مما تقبل فيه شهادة المرأتين (١)، فكواحدة على المذهب كما يفيده ما قدمه في باب الرضاع، وإن وجهه ابن عبد السلام بأنه آئل إلى المال، فإذا شهد رجل وعشر نسوة برضاع فرجع الرجل وحده أو مع ثمان نسوة فلا غرم عليه ولا عليهن؛ لأنه بقي من يستقل الحكم به وهو امرأتان إن فشا قبل العقد، فإن رجعت امرأة من الباقيتين كان نصف الغرم على الرجل وعلى النسوة التسع، ويجعل كامرأة لا كامرأتين، فإن رجعت الباقية فالغرم عليه وعليهن وهو كامرأة،
стр. 8348
فقد بان مما ذكرنا أن النساء تضم للرجل في الغرم في شهادة الرضاع في حالة رجوعه مع بعض من يستقل الحكم به ومعهن كلهن، بخلاف شهادة الأموال فلا تضم له في الحالتين، فإن قُلْتَ: كيف يتصور غرم شهود الرضاع بالرجوع؛ لأنه إن شهدوا بعد البناء فقد وجب لها به الصداق ولم يتلفوا له مالا وإنما أتلفوا عليه الاستمتاع فقط، وإن شهدوا به قبله فلا غرم على الزوج لأنه لا نصف لها في فسخ الرضاع قبله؟ فالجواب: أنه يتصور بعد موت الزوج أو الزوجة فيغرم الشاهدان للباقي من الزوجين ما فوتاه من الإرث، ويغرمان للمرأة بعد موت الزوج ما فوتاها من الصداق إن شهدا بالرضاع قبل البناء، بل وإن لم يحصل موت أحدهما فيغرمان لها نصف الصداق حيث فسخ قبله؛ لأن من حجتها أن تقول فوتُّما عَلَيَّ بشهادتكما مع (١) رجوعكما قبل البناء نصف الصداق لو طلقني قبله فلها نصف الصداق. اهـ كلام عبد الباقي. ونحوه لغير واحد. ولما ذكر أن الشاهد إذا رجع وحده عن جميع الحق غرم نصف الحق، ذَكَرَ ما إذا رجع عن بعضه فقال: وعن بعضه غرم نصف البعض يعني أن الشاهد إذا رجع عن جميع الحق فإنه يغرم نصفه، وأما إن رجع عن بعضه فإنه يغرم نصف ذلك البعض، فعن النصف يغرم الربع وعن الثلث يغرم السدس وعن الربع يغرم الثمن، وعلى ذلك القياس. قاله الشبراخيتي وغيره. وقال ابن مرزوق: ابن يونس من كتابي ابن المواز وابن سحنون عن ابن القاسم وغيره في شاهدين قُضِي بشهادتهما في حق ثم رجع أحدهما: فإنه يغرم نصف الحق، ولو رجع عن نصف ما شهد به غرم الربع، ولو رجعا معا عن الحق أو عن بعضه غرما ما رجعا عنه بالسوية، ولو اختلف في رجوعهما غرم كل نصف ما رجع عنه لأنه هو الذي أتلف. اهـ.
وإن رجع من يستقل الحكم بعدمه فلا غرم يعني أنه إذا رجع بعد الحكم بعض الشهود وبقي على الشهادة غيره فإنه رجوعه كالعدم؛ أي فلا يؤثر رجوعه غرما عليه هذا إذا بقي على الشهادة من يستقل به الحكم لأن الراجع لما كان الباقي على الشهادة يتم به الحكم؛ والراجع يستقل الحكم؛ أي يتم لو لم يشهد أصلا كان رجوعه كلا رجوع لتمام الحكم بدونه، والله تعالى
стр. 8349
أعلم. قال عبد الباقي: وإن رجع بعد الحكم من يستقل الحكم بعدمه كثالث ثلاثة في مال فلا غرم عليه لبقاء اثنين فإن رجع ثان غرم هو والأول النصف سوية.
فإذا رجع غيره فالجميع يعني أنه إذا رجع غير من يستقل الحكم بعدمه بأن رجع من لا يتم الحكم دونه، فإن الغرم على الجميع أي جميع الراجعين يغرمون ما رجعوا عنه من يستقل الحكم بعدمه وغيره، قال ابن مرزوق مفسرا للمص: يعني أن رجوع بعض الشهود الموجب لغرم الراجع هو ما إذا كان الحكم لا يستقل إلا بالراجع لتحقق إتلافه بشهادته ما يغرمه، وأما إذا كثر الشهود ورجع بعضهم وبقي من يستقل الحكم به ولا يحتاج إلى من رجع، فإن الراجع لاغرم عليه لأنه لم يتلف بشهادته شيئا لأن وجوده كعدمه، ثم إن رجع من لا يستقل الحكم بعد رجوعه بمن بقي فإن هذا الراجع آخرا يشترك في غرم ما ينوبه مع جميع من تقدم قبله، وهذا معنى قوله: "فإذا رجع غيره" أي غير من رجع والحكم مستقل بدونه وبالضرورة لا يكون هذا الراجع آخرا إلا من يستقل الحكم به تحقيقا للغيرية. وقوله: "فالجميع" أي من رجع أولا وآخرا وهو مبتدأ وخبره محذوف أي يغرمون، وقد تقدم شيء من هذا الحكم عند قوله: "وإن رجع اثنان من ستة فلا غرم ولا حد"، وإنما لم يكتف عن هذا النص بذلك لأن ذلك خاص بمسائل الزنى، وذكره ليفرع عليه ما يناسبه مما ذكر هنالك وهذا النظر عام في كل رجوع، وبالجملة لا يخلو كلامه من تكرار، وما ذكره من أنه لا غرم على من يستقل الحكم بدونه هو المشهورة وقيل يغرم الراجع مطلقا، قال ابن يونس: ولو كانت البينة ثلاثة فرجع أحدهم بعد الحكم فلا شيء عليه لبقاء من يثبت به الحق، ثم إن رجع ثان غرم هو والراجع قبله نصف الحق بينهما بالسوية. وقال محمد بن عبد الحكم: إن رجع أحدهم غرم ثلث الحق وهو أحب إليَّ، وقاله أشهب في أربعة شهدوا بدرهم فرجع ثلاثة أن عليهم ثلاثة أرباع درهم. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وإن رجع من يستقل الحكم بعدمه فلا غرم على الراجع حينئذ، فإن رجع بعده غيره ممن لا يستقل الحكم بعدمه فالجميع أي يشتركون في الغرم بالسوية، فإذا رجع اثنان من أربعة فلا غرم على الراجعين لبقاء النصاب، فإن رجع ثالث غرم مع الأَوَّلَيْن النصف أثلاثا
стр. 8350
على المشهور. اهـ. وقال عبد الباقي: فإذا رجع غيره دفعة واحدة أو مرتبا فالجميع أي جميع الراجعين يغرمون ما رجعوا عنه من يستقل الحكم بعدمه وغيره. انتهى.
وللمقضي عليه مطالبتهما بالدفع للمقضي له هذه المسألة تتعلق بجميع ما تقدم، وليست من مسألة: غريمُ الغريم غريمٌ يعني أن من قضي عليه بشهادة شاهدين ثم رجعا عن شهادتهما قبل أن يدفع المقضي عليه المال لمستحقه فللمقضي عليه أن يطالب الشاهدين بالمال ليدفعاه عنه لمستحقه، وكحو المقضي له، هكذا في النوادر وغيرها عن ابن عبد الحكم. قال ابن يونس: قال ابن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطالب الشاهدين بالمال حتى يدفعاه عنه إلى المقضي له. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقضى على الشاهدين بشيء حتى يؤدي المقضي عليه وفي هذا تعريض لبيع داره وإتلاف ماله، واللذان أوجبا ذلك عليه قائمان، أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوسا ولا يغرِّم الشاهدين، بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه فإن لم يفعلا حبسا معه. اهـ. وهذه المسألة ليست من باب قولهم: غريم الغريم غريم، بل التي بعدها كما هو ظاهر. قاله البناني. وللمقضي له ذلك إذا تعذر من المقضي عليه يعني أن للمقضي له أن يطالب الشاهدين بالمال المذكور إذا تعذر الغرم من المقضي عليه، قال ابن مرزوق: لفظ المقضي المتكرر الذكر هنا اسم مفعول والمجرور بعد كل هو مفعوله وهو بكسر الضاد في الجميع، وأصله مَقْضُويٌ من الثلاثي، وَمَعْنَى المسألة أن الشاهدين إذا ترتب عليهما الغرم بسبب رجوعهما ولم يكن المقضي عليه بشهادتهما دفع شيئا للمقضي له، فإن للمقضي عليه طلب الشاهدين بأن يدفعا عنه للمقضي له ما ألزماه بشهادتهما ولا يتكلف أن يبيع متاعه أو نحو ذلك، وللمقضي له أيضا أن يطالب الشاهدين فيما شهدا به بعد رجوعهما إذا تعذر عليه أخذ ذلك من المقضي عليه لإفْلاسه أو لدده أو نحو ذلك؛ لأنهما غريمان للمقضي عليه بما ترتب له عليهما، فكما يطالب غرماءه إذا تعذرعليه الأخذ منه كذلك يطالب الشاهدين. اهـ.
وما ذكره المص من قوله: "واللمقضي له" تبع فيه ابن الحاجب وهو خلاف ما في النوادر عن الموازية أنه إذا حكم بشهادتهما ثم رجعا فهرب المقضي عليه قبل أن يؤدي وطلب المقضي له أن
стр. 8351
يأخذ الشاهدين بما كانا يغرمان لغريمه لو غرم لا يلزمهما غرم حتى يغرم المقضي عليه فيغرمان له حينئذ، ولكن ينفذ القاضي الحكم للمقضي عليه على الراجعين بالغرم هرب أو لم يهرب، فإذا غرم أغرمهما. اهـ. والحق في الجواب عن ابن الحاجب - والله تعالى أعلم - أن ابن الحاجب فهم أن ما لابن المواز مخالف لما لابن عبد الحكم ومقابل له، وترجح عنده قول ابن عبد الحكم لموافقته لقاعدة: غريم الغريم غريم، وجعله مقابلا له وهو المتبادر من سياق ابن يونس وسياق الشيخ أبي محمد في نوادره. قاله الرهوني ثم قال بعد كلام ما نصه: فكلام النوادر هذا صريح فيما قاله ابن الحاجب واعتمده المص هنا. اهـ المراد منه. والله تعالى أعلم.
ولَمّا فَرَغَ من الكلام على رجوع الشهود ذكَرَ حكم تعارض البينتين، فقال: وإن أمكن جمع بين البينتين جمع وقد عرفوا تعارض البينتين بأنه اشتمال كل منهما على ما ينافي الأخرى، يعني أنه إذا تعارضت البينتان فإن ذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يمكن الجمع بينهما أو لا، فإن أمكن الجمع بينهما فإنه يجمع بينهما بمعنى أنه يجب العمل بمقتضى كل من الشهادتين، من أمثلة ذلك ما في الطرر عن الاستغناء: إن تداعى رجلان ثوبا بيد رجل وأقام كل منهما بينة أنه باعه في الذي هو بيده بألف دينار - وهو منكر - قضي له بالثوب وقضي عليه بالبينتين جميعا لأنه جائز أن يبيعه أحدهها منه، ثم يصير إلى المدعي الآخر بشراء أو غيره ثم يبيعه منه فتكون البينتان صادقتين. قاله الرهوني. ومن أمثلة ذلك ما لو شهدت للمسلم بَيِّنَةٌ أنه أسلمه هذا الثوب في مائة إردب حنطة، وشهدت آخرى للآخر أنه أسلمه هذين الثوبين سواه في مائة إردب حنطة لزمه أخذ الثلاثة الأثواب في مائتي إردب حنطة. قاله غير واحد. وقال الخرشي: ولو قال المسلم إليه أسملت إليَّ هذا الثوب الذي ذكرت مع هذا العبد فيما سميت وأقاما البينة قضي بالبينة الزائدة فيأخذ الثوب والعبد وتلزمه مائة إردب. اهـ.
قوله: ومن أمثلة ذلك ما لو شهدت للمسلم بينة لخ، فإن قُلت: المسلم إنما يدعي مائة في مقابلة ثوب معين والمسلم إليه إنما يدعي ثوبين معينين غير الذي عينه المسلم وهذا يتضمن دخول مال في ملك شخص جبرا عليه بغير ميراث؟ فالجواب: أنه لما كانت شهادة كل من البينتين معمولا بها فكأن كل واحد ادعى ما أنكره، أو أنه لما كان ينكر دخوله في ملكه هنا في مقابلة عوض
стр. 8352
يدفعه جبرا عليه لزمه قبوله ليلا يؤدي إلى إبطال حق من له عوضه عن العوض. قاله غير واحد. وقال البناني: قال ابن عرفة: تعارض البينتين اشتمال كل منهما على ما ينافي الأخرى، فمهما أمكن الجمع بينهما جمع كالدليلين. انتهى. المتيطي: ومن ادعى أنه أسلم هذا الثوب في مائة إردب حنطة، وقال المسلم إليه: بل ثوبين غيره في مائة إدرب من حنطة، وأقام كل منهما بينة على دعواه كانت الثلاثة الأثواب في المائتين؛ لأن بينة كل واحد شهدت على غير ما شهدت عليه بينة الآخر، قال ابن عبدوس: هذا إن كان ذلك في مجلسين، وأما إن كان في مجلس واحد فهي (١) تكاذب. وقال بعض القرويين: سواء كان ذلك في مجلس واحد أو مجلسين؛ لأن كل بينة أثبتت حكما غير ما أثبتته صاحبتها، ولا قول لمن نفى ما أثبته غيره ولو لم يقيما بينة لتحالفا وتفاسخا، ومن أقام بينة على أنه أسلم هذا العبد في مائة إردب حنطة، وأقام البائع بينة على أن ذلك العبد وثوبا معه في المائة الأردب، فقال ابن القاسم: إن الثوب والعبد يكونان في المائة ويقبل قول البائع لأن بينته شهدت بالأكثر. اهـ. والمسألتان معا في المدونة، قال ابن عرفة: ولابن رشد في سماع يحيى: إن شهدت إحدى البينتين بخلاف ما شهدت به الأخرى مثل أن تشهد إحداهما بعتق والثانية بطلاق، أو إحداهما بطلاق امرأة والثانية بطلاق امرأة أخرى وشِبْهِ هذا، فلم يختلف قول ابن القاسم ورواية المصريين في أنه تهاتر يحكم فيه بأعدل البينتين، فإن تكافأتا سقطتا وروى المدنيون أنه يقضى بهما معا إذا استوتا في العدالة أو كانت إحداهما أعدل، ثم قال ابن عرفة: وقول ابن الحاجب: ومهما أمكن الجمع جُمع يدل على أنه إن شهدت إحداهما بأنه طلق الكبرى والأخرى بأنه إنما طلق الصغرى فإنه يجمع بينهما، وتقدم من نقل ابن رشد أنه خلاف قول ابن القاسم ورواية المصريين. اهـ.
قال الحطاب وفيه نظر من وجهين: الأوَّلُ أن ما لزم ابن الحاجب لزمه لأنه صدر في أول كلامه بمثل ما قال ابن الحاجب كما تقدم عنه، الثاني أن ما نقله عن ابن رشد لا يمكن الجمع فيه لأن فرض المسألة أن البينتين في مجلس واحد وكل واحدة تنفي أن يكون تكلم بغير ما شهدت به
стр. 8353
ويتبين ذلك بنقل المسألة بلفظها ونقل سماع يحيى فانظره، وبه يتبين أن الجمع بين البينتين مقيد بكون شهادتهما في مجلسين لا في مجلس واحد، وأنَّ به يسقط اعتراض ابن عرفة على ابن الحاجب الذي عبارته كعبارة المص. والله أعلم. انتهى. وقوله: "وإن أمكن جمع بين البينتين جمع" اعلم أنه قد تقرر في علم الأصول والحديث وغيرهما أن الجمع بين الدليلين ما أمكن أولى من اطراحهما أو اطراح أحدهما. قاله ابن مرزوق، وإلا أي وإن لم يمكن الجمع بين البينتين رُجِّحَ أي صير إلى الترجيح بينهما، بسبب أي بذكر سبب ملك، فقوله: "وإلا رجح" أي صِيرَ إلى الترجيح أي طلب لإحدى البينتين وبه يرجحها على الأخرى ولا يرجح بالتشهي، وقوله: "بسبب ملك" أي بذكر سبب ملك.
اعلم أن صورة المسألة على ما لابن غازي أن كل واحدة شهدت بالملك، لكن إحداهما زادت ذكر السبب فتقدم التي زادت ذكر السبب على التي شهدت بالملك المطلق أي شهدت إحداهما بأنه ملك لزيد ولم تزد على ذلك، وشهدت الأخرى بأنه ملك لعمرو صاده أو نتج عنده، وصورها في التوضيح بأن إحداهما شهدت بأنه صادها أو نتجت عنده، وشهدت الأخرى بالملك المطلق فتقدم التي شهدت بسبب الملك. قال البناني: ما قرر به الزرقاني من أن المراد شهادة إحداهما بالملك والسبب معا والأخرى بالملك المطلق تبع فيه ابن غازي، قائلا: بنحو هذا فسر ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب، وقال في التوضيح: كما لو شهدت إحداهما أنه صادها أو نتجت عنده، وشهدت الأخرى بالملك المطلق لقدمت من شهدت بسبب الملك والأول هو الذي في المدونة وهو متفق عليه، وما في التوضيح به قرر الشارح في صغيره، قال المصطفى: والمسألة ذات خلاف والمعتمد ما عليه الشارح تبعا للتوضيح. قال اللخمي: قال أشهب فيمن أقام بينة في أمة بيد رجل أنها وُلِدَتْ عنده: لا يقضى له بها حتى يقولوا كان يملكها لا نعلم لغيره فيها حقا، وقد يولد في يده ما هو لغيره. اللخمي: وقول ابن القاسم إنها لمن ولدت عنده أصوب، ومحمل الأمر على أنها كانت له حتى يثبت أنها وديعة أو غصب. اهـ.
ونقل ابن عرفة كلام اللخمي وأقره، ولما نقل في توضيحه قول أشهب هذا، قال: وخالفه التونسي. اهـ. قال: مصطفى: فظهر لك أن المعتمد ما عليه الش وهو مراد المؤلف، وإلا لقال:
стр. 8354
ورجح بسبب ملك معه. اهـ. وقوى الرهوني ما قاله مصطفى ورد على البناني في رده على مصطفى. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال الرهوني: أطلق المص هنا وفي التوضيح في تقديمه بينة السبب، ولم يقيده أحد ممن تكلم عليه ممن وقفنا على كلامه، وقيد ابن سحنون واللخمي ذلك فقصرا كلام المدونة على ما إذا لم تورخا معا أو كانت الشهادة بالسبب أقدم تأريخا، فلو أرختا ولم تكن ذات السبب أقدم تاريخا كان ذلك تكاذبا وقضي بأعدل البينتين. والله تعالى أعلم.
كنسج ونتاج هذان مثالان لسبب الملك؛ يعني أنه لو شهدت بينة بالملك لزيد وشهدت أخرى بأنه ملك لعمرو، وذكرت سبب ملكه له بأن ذكرت أنه نسخه أو ولد عنده أو نسخه أو اصطاده أو نحو ذلك، فإنه تقدم البينة التي شهدت بالملك وبينت سببه، فيكون المدعى فيه لمقيمها، هذا معنى المص على ما لابن غازي، ومعناه على ما للتوضيح أنه إذا شهدت بينة بالملك وشهدت بينة بالسبب، فإنه تقدم ذات السبب فيكون لمقيمها. والله تعالى أعلم.
إلا بملك من المقاسم مستثنى من قوله: "كنسج ونتاج" يعني أنه إذا شهد بينة لأحدهما بأنه ملك هذا الشيء من المقاسم؛ أي شهدت بينة بأنه اشتراه أو وقع في سهمه من المقاسم فإن الشيء يكون لمقيمها سواء كانت الشهادة للآخر شاهدة بالملك وسببه أو بالملك فقط، وسواء كانت بيد الآخر أم لا، وسواء أرخت بينة الآخر أو كانت أقدم تاريخا أم لا، وكلام المواق يفيد ما ذكرنا لأن ما غنمه الحربيون يملكونه. قاله الشبراخيتي. وقال ابن مرزوق مفسرا للمص: تقدير الكلام ترجح بينة النسج والنتاج على البينة التي لم تذكر سببا أو ذكرت سببا غيرهما إلا أن تشهد بينة بملك المشهود له ذلك الشيءَ من المقاسم، فإنها ترجح على النسج والنتاج ويقضى لمن شهدت له إلا أن يعطيه الآخر قيمة ذلك فيكون أحق به، وما ذكرنا من تقديم من شهدت بالملك من المقاسم على التي شهدت بالملك بالنسج والنتاج هو ظاهر لفظه، والذي رأيته منصوصا هو تقديم الملك من المقاسم على الملك بالنتاج، فكان حقه أن يقول: وكنتاج، فيعيد العامل ليفيد أن الاستثناء مختص به، ولعله رآى أن لا فرق بين الشهادة بالنتاج والنسج وهو ظاهر، أو لعله وقف عليه منصوصا في
стр. 8355
النسج، واحترز بقوله: "من المقاسم" عن شهادتهما أنه اشتراها من السوق أو وهبت له أو تصدق بها عليه، فلا تقدم على بينة الآخر لأن البائع في السوق أو الواهب أو المتصدق قد يكون غير مالك. قاله عبد الباقي.
أو تاريخ يعني أن البينة التي أرخت أي ذكرت الوقت الذي ملكه فيه تقدم على البينة التي لم تؤرخ عند تعارضهما، أو تقدمه يعني أن البينتين عند تعارضهما إذا أرختا أو كان تاريخ إحداهما أقدم من تاريخ الأخرى فإنه يعمل بالتي هي أقدم تاريخا، وقوله:. "أو تاريخ" أو تقدمه معطوف على "بسبب"، قال ابن مرزوق: أي وترجح إحدى البينتين المتعارضتين على مقابلتها بذكرها تاريخ الملك إذا لم تؤرخه الأخرى أو يكون تاريخ إحداهما متقدما على تاريخ الأخرى إذا أرختا جميعا، والهاء في تقدمه عائدة على التاريخ. انتهى. وقال الشبراخيتي: والظاهر أن ذاكرة السبب تقدم مطلقا إلا على الشاهدة بالملك من المقاسم، وتليها المؤرخة ومقدمة التاريخ ويلي ذلك زيادة العدالة. ولا يخفى تقديم كل مرجح على اليد. قاله الأجهوري. وهو مخالف لما في الحاشية عند قوله: إن لم ترجح بينة مقابله، فإنه ذكر أن أقوى المرجحات العدالة. اهـ. وقال عبد الباقي: وتاريخ ذكرته بينة فتقدم على التي لم تؤرخ أو تقدمه أي التاريخ فتقدم الشاهدة بسبقه على المتأخرة تأريخا ولو كانت أعدل من المتقدمة، وسواء كان المتنازع فيه بيد أحدهما أو بيدهما أو بيد غيرهما أو لا يد لأحد عليه ذكره ولد ابن عاصم في المؤرخة، ولعل تقدم التاريخ كذلك. انظر أحمد. اهـ. وقال البناني: "أو تاريخ". ابن الحاجب: وفي مجرد التاريخ قولان. التوضيح: القول بتقديم المؤرخة لأشهب، زاد إلا أن يكون في شهادة التي لم تؤرخ أن الحاكم قضى بهذا العبد لمن شهدت له، والقول بنفي التقديم ذكره اللخمي والمازري ولم يعزواه. اهـ.
وبمزيد عدالة يعني أن البينتين إذا تعارضتا فإنه يقدم ذات مزيد العدالة على غيرها أي فيقضى لمقيمها: قال الشبراخيتي: وبمزيد عدالة في إحدى البينتين على الأخرى في المال وما يؤول إليه لا في غير ذلك، لقوله في النكاح: وأعدلية متناقضتين ملغاة. اهـ. وقال عبد الباقي: ورجح بمزيد عدالة في إحدى البينتين بمال، كقيام بينة لأحدهما أنه ملكه والآخر كذلك وزادت إحداهما عدالة فتقدم على الأخرى، ويحلف مقيمها بناء على أن زيادتها كشاهد. وفي الموازية: لا يمين عليه بناء
стр. 8356
على أن الزيادة كشاهدين، ومثل المال ما يؤول إليه وكقصاص في جرح، وأما مزيدها في المزكين للبينة فإنه غير معتبر عند ابن القاسم وهو المشهور، كما أنه لا يعتبر مزيدها نفسها في النكاح كما قدمه فيه، بقوله: "وأعدلية متناقضتين ملغاة"، وينبغي أن تكون بقية المرجحات كذلك. اهـ.
قوله: بمال، ومثل المال ما يؤول إليه. قال البناني: أفاد به أن الترجيح بزيادة العدالة خاص بالأموال ونحوها من كل ما يثبت بالشاهد واليمين دون غيرها مما لا يثبت إلا بعدلين، كالعتق والطلاق والنكاح والحدود ونحوها فلا يقع الترجيح في شيء من ذلك بزيادة العدالة لأنها بمنزلة الشاهد الواحد على المشهور، وهو مذهب المدونة كما يفيده قول ابن عرفة الصقلي، قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل، هل يحلف صاحب التي هي أعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف. اهـ. وأما على مقابله أنها كالشاهدين فيثبت الترجيح بها في كل شيء، وهو الموافق لما تقدم عن سماع يحيى عند قوله: "وإن أمكن جمع بين البينتين جمع" على أن ما ذكر ليس خاصا بزيادة العدالة بل سائر المرجحات كذلك لا يثبت الترجيح بها إلا في الأموال ونحوها، كما يفيده كلام القرافي، ونقله ابن فرحون في الباب الرابع والعشرين من القسم الثاني من التبصرة، ونصه: حكى القرافي في كتاب الأحكام في تمييز الفتاوي من الأحكام مذهب المالكية أنه لا يحكم بترجيح إحدى البينتين عند التعارض إلا في الأموال خاصة. انتهى. وبه تعلم أن قول الزرقاني: وينبغي أن تكون بقية المرجحات كذلك، قصور. انتهى.
لا عدد يعني أنه لا ترجح إحدى البينتين المتعارضتين بمزيد العدد، فإذا أقام أحدهما رجلين عدلين وأقام الآخر ثلاثة كذلك أو أربعة كذلك فإنه لا ينظر لزيادة العدد، بل يرجح بغير ذلك من المرجحات إلا إذا كثروا حتى يقع بهم العلم فيقضى بهم. ابن مرزوق: وما ذكره المص من الترجيح بمزيد العدالة وعدمه بمزيد العدد هو المشهور فيهما، وقيل لا يرجح بمزيد العدالة وقيل يرجح بكثرة العدد إلا إذا كان كل من البينتين قد زادت على النصاب فلا يرجح بالكثرة؛ كأن تكون إحداهما ثلاثة والأخرى أكثر من ذلك.
стр. 8357
وبشاهدين على شاهد ويمين يعني أنه إذا أقام أحد المتداعيين شاهدين على ما ادعاه، وأقام الآخر شاهدا وأراد الحلف معه فإنه يقدم مقيم الشاهدين فيقضى له، أو امرأتين يعني أنه يقضى لمقيم شاهدين على مقيم شاهد وامرأتين، والحاصل أنه عند التعارض يقضى لمقيم شاهدين على مقيم شاهد يريد الحلف معه، ويقضى له على مقيم شاهد وامرأتين. والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي: ورجح بشاهدين من جانب على شاهد ويمين من جانب آخر، ولو كان أعدل زمانه كما في المواق إذ من العلماء من لا يرى الحكم بشاهد ويمين وعلى شاهد وامرأتين، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، فجعل في الآية مرتبتهم عند عدم الشاهدين ما لم يكن الشاهد الذي مع المرأتين أعدل من الشاهدين فيقدم هو والمرأتان على الشاهدين، وأولى إن كانتا أعدل كالشاهد معهما، وأما إن كانتا أعدل دونه فيقدم الشاهدان. اهـ.
وقال ابن مرزوق بعد جلب كلام: والحاصل أن ابن القاسم يقول: إن الشاهدين لا يقدمان في المسألتين بل المسألتان من تعارض البينتين صرح بهذا في المدونة في الشاهدين مع الشاهد والمرأتين: كما تقدم من قوله: "حتى لو كانت بينة [أحدهما] (١)، رجلين أو رجلا وامرأتين فيما تجوز فيه شهادة النساء والأخرى مائة رجل لا ترجح المائة". اهـ. وحمله اللخمي والمازري على المبالغة: وأما لو كثروا حتى يقع العلم بهم لقضي بهم لأن شهادة الاثنين إنما تفيد غلبة الظن. والله تعالى أعلم.
وبيد إن لم ترجح بينة مقابله يعني أنه إذا تعارضت البينتان فإنه يرجح باليد بشرط أن لا يكون لغير ذي اليد ما يرجح بينته من المرجحات، قال عبد الباقي: والترجيح يكون أيضا بيد أي كون الشيء في حوزه مع تساو البينتين في الشهادة بالملك لما لم يعرف أصله، وهذا يقتضي أن بينة الداخل مقدمة على بينة الخارج كمذهب الشافعي، وكون الحوز مع الشرط يعني قوله: "إن لم ترجح" لخ مرجحا تَجَوُّزٌ، لأنه لما تعادلت البينتان سقطتا وبقي بيد حائزه كما يأتي للمص. اهـ. وهذا الذي قاله اعتراض ظاهر، ويجاب بأن ما يأتي في غير المتنازعين وهذا فيهما. والله تعالى
стр. 8358
أعلم. وقوله: "وبيد" كان ذلك الشيء دارا أو عرضا أو نقدا أو غير ذلك، وفي الحطاب: قال القرافي في كتاب الدعاوي: اليد عبارة عن القرب والاتصال فأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله ومنطقته، ويليه البساط الذي هو جالس عليه، والدابة التي هو راكبها، ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها، والدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم الاستيلاء على جميعها قال بعض العلماء: فيقدم الأقوى على الأضعف، فلو تنازع الساكنان الدار سوي بينهما بعد أيمانهما، أو الراكب مع الراكب والراكب والسائق يقدم الراكب مع يمينه. انتهى. وفي نوازل سحنون في كتاب الشهادات: إن شهدت بينة بقتل زيد عمرا يوم كذا، وشهدت بينة أنه كان ذلك اليوم ببلد بعيد عن موضع القتل قضي ببينة القتل: قال ابن رشد: هذا مشهور المذهب وقاله أصبغ، وقال إسماعيل: يقضى ببينة البراءة إن كانت أعدل، وإن كانتا في العدالة سواء طرحتا. وقاله ابن عبد الحكم. اهـ.
فيحلف يعني أنه يحلف ذو اليد ويبقى الشيء بيده يعني حيث لم ترجح بينة مقابله، قال الشبراخيتي: فيحلف ذو اليد وهو مفرع على المنطوق وهو عدم ترجيح بينة مقابله فيفيد حلف ذي اليد إذا رجحت بينته على بينة مقابله، قال: والمرجحات كلها تحتاج إلى اليمين لأن أقواها العدالة، ومع ذلك لا بد معها من اليمين. انتهى. وقال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن اليد من المرجحات فيما لم يعرف أصله، ثم قال: وقولنا فيما لم يعرف أصله احترازا مما إذا عرف أصله فإنه يقسم بين ذي اليد ومقابله، فإذا مات شخص وأخذ ماله من يدعي أنه مولاه أو وارثه وأقام على ذلك بينة وأقام غيره بينة أنه وارثه أو مولاه وتعادلتا كما في الطخيخي عن المدونة، فإنه يقسم بين ذي اليد ومقابله. وقوله: "فيحلف" قال الخرشي: فإن نكل أخذه الآخر بيمين حوزا فيهما، فإن نكل أيضا بقي بيد من كان معه حوزا، وقوله: "إن لم ترجح بينة مقابله" فإن رجحت بينة مقابله أخذه بيمين ملكا، فإن نكل أخذه الآخر حوزا فإن نكل أيضا رجعتْ له. اهـ. وقال عبد الباقي: فيحلف ذو اليد مع الشرط المذكور، ومفهومه لو رجحت بينة مقابله بأي مرجح نزع من ذي اليد ويحلف آخذه، فهو مفرع على المنطوق والمفهوم معا.
стр. 8359
وبالملك على الحوز يعني أنه يرجح بالملك على الحوز، ومعنى ذلك أن الترجيح يكون بالبينة الشاهدة بالملك على البينة الشاهدة بالحوز، ولو كان تاريخ الحوز سابقا لأن الحوز قد يكون عن ملك وعن غيره، قال أشهب: إذا شهدت بينة أنه يملكها منذ سنة وأخرى أنه يحوزها منذ عامين، فإن بينة الملك مقدمة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: والترجيح يكون بالبينة الشاهدة بالملك مع اعتمادها على حوز سابق على الحوز؛ أي على البينة الشاهدة بالحوز الآن المجردة عن شهادة ملك، ولو كان تاريخ الحوز سابقا لأن الحوز قد يكون عن ملك وعن غيره. اهـ. وقال الشبراخيتي: وترجح البينة الشاهدة بالملك على بينة الحوز لأن الحوز قد يكون بغير الملك كالعارية والغصب، وظاهره ولو أرخت. وقوله: "على الحوز" أي بينة شهدت بالحوز فقط. وقوله: "وبالملك" أي مع اعتماد بينة الملك على الحوز كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى، وحينئذ فلا يعارض قوله: "وبيد إن لم ترجح بينة مقابله" لأنها شهدت بالملك. انظر الشبراخيتي والخرشي.
ورجح أيضا بنَقْل أي ترجح بينة نقلت عن أصل على بينة مُسْتَصْحِبَةٍ للأصل، كأن تشهد بينة أنه أنشاها ولا يعلمونها خرجت عن ملكه إلى الآن، وتشهد بينة لآخر أنه اشتراها منه فتقدم لأنها علمت ما لم تعلمه المستصحِبة ولو كانت المستصحبة عدلين والناقلة عدل ويمين أو رجل وامرأتان. والله تعالى أعلم. والظاهر عدم التعارض بين هاتين البينتين، فليس هذا من باب الترجيح. قاله غير واحد. وقال عبد الباقي: ثم الناقلة تقدم على المستصحبة ولو كانت الناقلة سماعا كما مر في قوله: "إلا بسماع أنه اشتراها من كأبي القائم"، ومن تقديم الناقلة على المستصحبة تقديم الشاهدة أنه اشتراها من المقاسم على الشاهدة بالملك وسببه، ومنه أيضا: تقديم البينة بالتنصر كرها لأنها ناقلة عن البينة بإقراره بالطوع؛ لأن الأصل أنه إن تنصر أسير فعلى الطوع.
تنبيهان: الأول: وقع لعبد الباقي وغيره عند قول المص: "وبنقل على مستصحبة" ما نصه: لو شهدت المستصحبة بأنها باقية في ملكه إلى الآن فالمعارضة بينها وبين الناقلة ظاهرة؛ أي فيصار
стр. 8360
إلى الترجيح، قال البناني: سيأتي قريبا أن الراجح في هذه الشهادة أنها باطلة لأنها لم تشهد على نفي العلم. انتهى.
الثاني: قال البناني: بقي من المرجحات: الأصالة تقدم على الفرعية، فإذا شهدت إحدى البينتين أنه أوصى وهو صحيح العقل، وشهدت الأخرى أنه موسوس، فقال ابن القاسم في العتبية: تقدم بينة الصحة لأنها الأصل والغالب، قال في الفائق ومن نظائر هذه المسألة بينتا الطوع والإكراه والصحة والفساد والرشد والسفه والعسر واليسر والعدالة والجرحة والحرية والرقية والكفاءة وعدمها والبلوغ وعدمه. اهـ.
وقوله: من نظائر هذه المسألة أي مسألة الترجيح لا بقيد الأصالة: وقوله: بينتا الطوع والإكراه أي فتقدم بينة الإكراه على الطوع، وكذا كل ضرر لأن من أثبت قد زاد كما صححة ابن رشد وابن الحاج، ونقله في نوازل الاستحقاق من المعيار. وقوله: والرشد والسفه أي فتقدم بينة السفه كما نقله صاحب المعيار في نوازل الحجر عن ابن لب، وكذا مراده تقديم اليسار لأنه الغالب، وكذا تقديم الجرحة. اهـ كلام البناني. الرهوني: وبنقل عن مستصحبة، يشبه أن يكون من هذا المعنى ما إذا تعارضت بينتان بالحوز وعدمه فيما يفتقر إلى الحوز، وقد تقدم من ذلك مافيه الشفاء فراجعه في الهبة عند قوله: "بخلاف سنة"، وقول البناني: تقدم بينة الصحة، قال ابن رشد: القياس أن شهادة الصحة أعمل لأنها أثبتت الحكم وعلمت ما جهلته الأخرى على ما في سماع أبي زيد، وما لأصبغ في سماعه من كتاب العتق. وقد قيل: إنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة بطلتا، ويتخرج في المسألة قول ثالث أن شهارة المرض أعمل. اهـ.
وقوله: أي فتقدم بينة الجرحة على بينة العدالة، وظاهرة ولو كانت المعدلة أعدل وهو كذلك على المشهور، وخلاف ما اقتضاه ظاهر كلام التحفة، ومن هذا النوع الكفاءة وعدمها، ففي التوضيح عن أحكام ابن زياد أن شهادة من شهد بعدم الكفاءة أتم، وليس على الحاكم أن يسأل الشهود من أين علموا عدم الكفاءة، وقيل يقضى بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كان الجرح أولى، وقيل: يسقطان وينظر الحاكم في ذلك وفي أحكام ابن جدير عن جماعة من الشيوخ: إن بيَّن الشهود
стр. 8361
الحال التي كان بها غير كفؤ كانت شهادتهم أولى، فإن شهدوا مجملا كانت شهادة الآخرين أولى بعض الموثقين الذي جرى به الحكم إن كانت إحدى البينتين أعدل حكم بها، وبه قال سعيد بن أحمد وابن زرب وغيرهما.
قُلْتَ: يتعين أن يكون محل هذا الخلاف إذا بين من شهد بعدم الكفاءة وجه ذلك، أو كان من أهل العلم وإلا فلا بد من سؤالهم عنه، فإن تعذر فلا عبرة بشهادتهم لما هو معلوم. والله أعلم. وقوله: فتقدم بينة السفه، بهذا جزم ابن فتوح. ابن عات: وينظر إلى أعدل البينتين ويقضى بها. اهـ. المراد منه. وفي الرهوني. أيضا: وإذا أطلق الوصي اليتيم ثم باع ماله أو أفسده وقامت البينة أنه لم يزل سفيها منذ عرفوه إلى وقتهم لزمته الولاية ورد فعله وعزل الوصي وجُعِلَ غيره، ولم يضمن الوصي شيئا مما أتلفه لأنه فعل باجتهاده. ومن نوازل ابن رشد: وأما إن كان نكاحه بعد أن ثبت عند القاضي رشده وقضى بترشيده فالنكاح ماض ولها الصداق والميراث قولا واحدا، والحكم نافذ لا يرد بشهادة من شهد أنه متصل السفه، وإن كان أعدل من الشهود الذين قضى القاضي بشهادتهم؛ إذ قد فات موضع الترجيح بين الشهود بنفوذ الحكم فإنما تفيد شهادتهم الحكم بتسفيهه، ويكون ما تقدم من أفعاله من يوم حكم بترشيده إلى يوم حكم بتسفيهه جائزا ماضيا. اهـ. والله تعالى أعلم.
ثم شرع يتكلم في شروط صحة الشهادة بالملك وهي أربعة. ابن عرفة: الملك استحقاق التصرف في الشيء بكل أمر جائز فعلا أو حكما، فيدخل ملك الصبي ونحوه لاستحقاقهما ذلك حكما، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذي الإمرة. اهـ.
وصحة الملك بالتصرف يعني أن صحة شهادة البينة إذا شهدت بالملك لشخص، سواء كان حيا أو ميتا مشروطة بأن يعتمدوا في شهادتهم على هذه الأمور الأربعة، وإن لم يصرحوا بها إلا الأمر الأخير فلا بد من التصريح به على ما سيأتي. الْأَمْرُ الْأَوّلُ: التصرف التام للمشهود له. الأمر الثاني: عدم المنازع له في ذلك الأمر، وإليه أشار بقوله: وعدم منازع له في التصرف كما في الخرشي، أو في الشيء المتصرف فيه كما في ابن مرزوق. الأمر الثالث: الحيازة له على ذلك المال حيازة طويلة، وإليه أشار بقوله: وحوز طال بأن يختص به دون مشارك له فيه مدة طويلة، ومثل
стр. 8362
للحيازة الطويلة بقوله: كعشرة أشهر. الأمر الرابع أن تذكر البينة أنه أي الشيء المشهود بملكه لم يخرج عن ملكه في علمهم، وإليه أشار بقوله: وأي،، وتقول البينة الشاهدة بالملك في أداء شهادتها أنه أي الشيء المشهود بملكه - لم يخرج عن ملكه؛ أي ملك المشهود له في علمهم أي علم الشهود؛ أي لابد أن تذكر البينة أنهم لم يعلموا أنه خرج عن ملكه بناقل شرعي، ببيع أو هبة أو وجه من الوجوه إلى الآن، فإن قالوا: إنها لم تخرج عن ملكه قطعا بطلت شهادتهم، فإن أطلقوا ففيه خلاف، فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصرف فشهادتهم باطلة، هذا على أن قولهم ذلك شرط صحة وقيل شرط كمال كما في عارية المدونة، وإليه أشار بقوله:
وتؤولت المدونة على الكمال أي على أن هذا الأخير شرط كمال لا شرط صحة، كما قال: في الأخير، وهو قوله، وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم وعلى أنه شرط كمال، فإن لم تذكره البينة حلف المشهود له بتا وورثته على العلم أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق ولا خرج عن ملكه بناقل وتمت شهادتهم. وقوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير" قال غير واحد: والمذهب الأول دون قوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير"، وقال ابن مرزوق: لما ذكر أن بينة الملك تقدم على بينة الحوز أراد أن يبين ما هو مستند الشهود في الشهادة بالملك، فإنه لا ينبغي لهم أن يشهدوا بالملك بمجرد رؤية الشيء بيد الحائز له أو رؤيتهم شراءه إياه؛ لأن اليد قد تكون بالعارية والغصب، والشراء يكون من غاصب، وجملة ما ذكر من الأمارات الدالة على صحة الملك أربع: الأولى التصرف في الشيء ولا يريد مطلق التصرف بل التصرف المعهود من المالكين في أملاكهم، فأل في التصرف للعهد وهو وإن لم يذكره إلا أنه اتكل على أنه لا يخفى هذا على من بلغ في هذا الْفَنِّ إلى هنا. الثانية: عدم المنازع له فيما هو متصرف فيه. الثالثة: الحوز الطويل، ومعنى الحوز أن يختص بالشيء ويحوزه إلى نفسه ولا يكون شركة بينه وبين غيره، وحد الطول عشرة أشهر كما ذكر، وقيل ستة وهما متقاربان. الرابعة: كون الشيء المتصرف فيه لم يخرج عن ملكه فيما يعلم الشاهد بالملك إلى حين الشهادة به، وإنما قال في علمهم احترازا عما في نفس الأمر، فإنه يحتمل أن يكون مالكه باعه ولم يعلم الشهود بذلك، ولابد أن تكون الشهادة بالملك هكذا، ولو شهدوا
стр. 8363
أنها لم تخرج عن ملكه على القطع لكانت الشهادة زورا وهذد الأمارة وقعت في المدونة، فمنهم من تأولها على أنها من شروط الكمال، وأنها إن لم تذكر في الشهادة لم تضر وهذا معنى قوله: "وتؤولت" أي المدونة: "على الكمال في الأخير" أي في القيد الأخير أو في الدليل الأخير من أدلة الملك إذا الأمارة دليل. اهـ.
وقال عبد الباقي: وصحة شهادة بينة الملك لشخص حي أو ميت ثابتة بالتصرف؛ أي أن يشهدوا بتصرفه فيه تصرفا تاما، والمراد بالصحة الاعتماد والباء بمعنى على؛ أي اعتمدت البينة بالملك على التصرف وعدم منازع، وحوز طال كعشرة أشهر الكاف استقصائية كما تفيده المدونة، وقيل وزيادة شهرين، وما قدمناه من أنها تعتمد على ذلك في الشروط الثلاثة المتقدمة فلا يلزمها ذكره هو مفاد أبي الحسن وابن مرزوق وحلولو. وفي النوادر ما ظاهره خلافه، ودرج عليه التتائي ولكن لا يعول عليه، وأما قوله في الشرط الرابع: وأنها، فمعمول لمقدر أي تقول أو تؤدي أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم ببيع أو هبة أو وجه من الوجوه إلى الآن، فإن قالوا: إنها لم تخرج عن ملكه قطعا بطلت شهادتهم، فإن أطلقوا ففيه خلاف، فإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب فشهادتهم باطلة بناء على أن قولهم ذلك شرط صحة، كما صدر به المص وهو المذهب دون قوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير" اهـ. المراد منه.
تنبيهات الأول: قال البناني. عند قول المص: "وحوز طال كعشرة أشهر" ما نصه: ما نقله المواق هنا على هذا النص لا يطابقه إنما يطابق قول المص الآتي: "وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي ففي الدابة" الخ.
الثاني: قد مر قول عبد الباقي: فلا يلزم الشهود ذكره كما هو مفاد أبي الحسن، قال البناني: ظاهره أن أبا الحسن أطلق عدم لزوم ذكرها وليس كذلك، بل قيده بمن يعرف ما تصح به الشهادة بالملك وإلا لزمه ذكرها، قال: فإن كان الشاهد يعرف ما تصح به الشهادة بالملك قُبلَ منه إطلاقُ معرفة الملك - وقليل ما هم - وإلا فلا حتى يفسر الخمسة أشياء: أن يعرف الشاهد لمدعي الملك كون يديه على ما يدعي، وأنه يعرف تصرفه تصرف المالك، وأنه ينسبه لنفسه، وأنه لا ينازعه فيه منازع، وأن تطول مدة ذلك عاما فأكثر. وفي المدونة: ما يقوم منه أن عشرة أشهر طول
стр. 8364
هذا الذي يشترط في الشهادة بالملك لا غير. اهـ. وقال ابن هلال: قال المازري ﵀: لا نبيح للشاهد أن يشهد بالملك بمجرد شهادته شخصا باع سلعة من الآخر؛ لأنه قد يبيعها غاصب أو مودَع ومن لا يجوز له البيع، ولكن حقيقة الشهادة به يستدل عليها بالحوز ووضع اليد على الشيء والتصرف فيه تصرف المالك مع دعوى الملك وإضافته إلى نفسه وطول الزمن ولا يظهر من ينازعه في ذلك، قال: فإذا شهد بأن هذه الدار لفلان وعوَّل على ما أطلق من الشهادة بالملك على معرفته بهذه الأمور قبلت شهادته، وإن أطلق الشهادة ولم يضفها لهذه الأمور لم تقبل إلا إن كان عارفا. قال: وإلى هذا أشار سحنون وغيره من أصحابنا. اهـ.
الثالث: قال البناني: قال ابن عرفة: وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها ملك فلان حتى يقول ومال من أمواله وقبولها مطلقا، ثالثها إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة، الأول لابن سهل عن ابن مالك قائلا: شاهدت القضاء به، والثاني لأبي المطرف، والثالث لابن عتاب. انتهى.
الرابع: قال البناني عند قول المص: "وأنه لم يخرج عن ملكه في علمهم": هذا ما في كتاب الشهادة من المدونة، ففيها: من تمام شهادتهم أن يقولوا: ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه، ثم لا يقضى له بذلك حتى يحلف على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، وفي العارية منها: وإن شهدوا أن الدار له ولم يقولوا لا نعلم أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق حلف على ذلك وقضي له. انتهى. فظاهر هذا أنه شرط كمال فقط، وحمل أبو الحسن وأبو إبراهيم الأعرج ما في الشهادة على هذا، وإليه أشار المص بقوله: "وتؤولت على الكمال في الأخير"، وعزاه ابن عرفة لنص عارية المدونة ولظاهر قول ابن يونس وابن رشد، وقال ابن العطار: هو شرط كمال في وثيقة الحي وشرط صحة في وثيقة الميت. انتهى.
الخامس قد مر أنهم إذا قالوا لم تخرج عن ملكه قطعا بطلت شهادتهم، قال البناني: قال ابن رشد: قولا واحدا، وإن لم يصرحوا به ولكن جزموا شهادتهم فهي محل الخلاف.
السادس: قوله: "وعدم منازع" الواو بمعنى: مع، وقوله: "وعدم منازع" أي عند الحاكم، فالمنازعة عند غير الحاكم لا عبرة بها.
стр. 8365
لا بالاشتراء عطف على قوله: "بالتصرف" يعني أن الشهود بالملك يعتمدون على التصرف لخ: ولا يعتمدون في شهادتهم بالملك لشخص على أنه اشتراها، فإذا أقام أحد المتنازعين بينة أنه اشتراها من غير الحائز لها، وادعى من هي بيده أنها له، فإن بينة الشراء تلغى ويبقى بيد حائزه، ومثل الشراء الإرث والهبة والصدقة لاحتمال عدم ملك كل، وهذا مقيد بغير ما تحقق أن كلا ممن ذكر غنمه وإلا عمل بها، وكذا يقيد أيضا بما إذا شهدت أنه اشتراها من الخصم، وإلا عمل بها لأنها ناقلة والأخرى مستصحبة. قاله عبد الباقي وغيره. وفسر الشارح المص بأن معناه أن أحد الخصمين إذا اشترى الشيء من الآخر وقامت على ذلك بينة، فإنها تستصحب ولا يقبل قول المشهود عليه إنها عادت إليه. انتهى. ونحوه لابن الحاجب تبعا لابن شأس. وإن أنكره ابن عرفة قائلا: لا أعرف عينها نصا في المذهب إلا له ولمن تبعه. انتهى. وإيضاح المص على هذا أنه لا بد أن تقول البينة الشاهدة على الملك: إنه لم يخرج عن ملكه في علمهم، لا فيما إذا شهدت أنه اشتراه من خصمه فلا يحتاج الشهود إلى أن يقولوا إنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، وعلى هذا فيكون متعلق بالاشتراء محذوفا أي منه أي من الخصم. قال مصطفى: وبه يلتئم كلام المؤلف مع ما قبله، وغايته أنه حذف لفظة منه والخطب سهل. انتهى. وعلى هذا فيكون من نوع قوله: "وإن شهد بإقرار استصحب". الرهوني: محل عدم ثبوت الملك بالشراء إذا لم يثبت الملك للبائع بشروطه، واستمراره إلى أن باعه لهذا المشتري، وأما إذا ثبت ذلك بشهادة شاهدي الشراء أو غيرهما فإنه يقضى بذلك وينزع الشيء من يد حائزه، ومحله أيضا إذا لم يشهد شاهد الشراء أنه ملكه بعد الشراء بحوزه ويتصرف فيه، وتوهم بعض المعاصرين ﵀ أنه مهما شهد بالشراء كان الحكم ما ذكره المص، وإن شَهِدَا مع ذلك بما ذكرنا وليس ما توهمه بصحيح، وقد رجع ﵀ عن ذلك بعد أن أوقفته على نصوص الأئمة. والله أعلم. انتهى.
تنبيه: قال الزهوني: لما ذكر في نوازل المعيار جوابا لأبي محمد مضمنا قول المص فيما تقدم: "ولا إن شهد باستحقاق وقال أنا بعته"، قال عقبه: قال بعض الشيوخ: من هنا أخذ أن وثائق الأشرية القديمة يجب دفعها للمشتري، ويجب أن يكون لهذه الوثائق دلالة على الحوز، فيكون القول قول من هو بيده حتى يثبت ما يخرج به ذلك من يده، ورد على من قال: إن وثائق
стр. 8366
الأشرية لا توجب رفع النزاع إلا بين المتنازعين خاصة، ونقله ابن عرفة عن شيخه ابن عبد السلام. انتهى.
وإن شهد بإقرار استصحب قال الخرشي: أي ثم رجع للإنكار، والمعنى أنه إذا شهدت البينة لأحد المتنازعين في شيء بأن الآخر أقر به لمن ينازعه فيه قبل هذا الوقت، فإنه يستصحب هذ الإقرار فلا تحتاج البينة أن تزيد في هذه الصورة وأنها لم تخرج عن ملكه في علمنا. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، وقال عبد الباقي: لأن الخصم لما أقر لخصمه ثبت ذلك فلا يصح للمقر دعوى الملك فيه إلا بإثبات انتقاله إليه ثانيا. اهـ.
تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: وانظر في المنازعة بين ورثة المقروبين المشهود له بالإقرار، هل هو كذلك؟ فتكفي شهادة البينة بإقرار أبيهم، ولا تحتاج لزيادة أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، أو لابد من الزيادة لانقطاع ملك المقر بموته؟ اهـ. قال البناني: قول الزرقاني: وانظر في المنازعة بين ورثة المقر. الخ. الظاهر أنه لا فرق بين المقر وورثته في ذلك. اهـ.
الثاني: ترك المص [مما] (١)، تعتمد عليه البينة خامسا مع أنه لابد منه وهو نسبة الشيء المشهود به له. قاله عبد الباقي. وقال ابن مرزوق: شهد مبني للمفعول، والمعنى أنه إن شهدت بينة في شيء تنازع فيه خصمان أن أحدهما أقر به قبل هذا الوقت لصاحبه، فإنه يستصحب هذا الإقرار ويقضى بالشيء للمقر به ولا يحتاج الشهود أن يزيدوا في هذه الصورة، ولا نعلم ذلك خرج عن ملك المقر له، لأن الخصم لما أقر به لخصمه ثبت له ملكه فلا يصح للمقر دعوى الملك فيه إلا بإثبات انتقاله إليه ثانية. اهـ.
وقال البناني: وإن شهد بإقرار استصحب. ابن شأس ولو شهدت أنه أقر بالأمس ثبت الإقرار ويستصحب موجبه. ابن عرفة: لا أعرف هذا. اهـ. وهو ظاهر لاحتمال أنه خرج عن ملكه بوجه من الوجوه. اهـ قول البناني. وهو ظاهر يوهم أن ابن عرفة أنكر وجوده، وابن عرفة إنما أنكر وجوده نصا على أن ذلك لا يليق بمنصب ابن عرفة، فإن النصوص بذلك كثيرة. قاله الرهوني.
стр. 8367
وجلب على ذلك من النقول ما جلب، وقال ابن مرزوق: هذه المسألة - يعني قوله: "وإن شهد بإقرار استحصب" - ذكرها ابن شاس وابن الحاجب ووافقه شراحه، وزاد: وكذلك لو قال أحد الخصمين للآخر كان هذا الشيء ملكا لك بالأمس فإنه يستصحب أيضا، ورآى المص الاستغناء عن هذه لدخولها فيما ذكر. انتهى.
وإن تعذر ترجيح سقطتا صورتها أن الشيء المتنازع فيه بيد شخص يدعيه كدار مثلا فادعاها رجلان وأقام كل واحد بينة أنها له وتكافأت بينتهما، فإن البينتين تسقطان وتصيران كالعدم، وإذا سقطتا وصارتا كالعدم بقي بيد حائزه حيث ادعاه لنفسه.
وعلم مما قررت أن قوله: "بيد حائزه" أي من غير المتنازعين، وأما إن كان بيد أحد المتنازعين فهو قوله. وبيد إن لم ترجح بينة مقابله.
تنبيه: قال البناني: قال ابن عرفة: وفي الولاء منها: من ورث رجلا بولاء يدعيه ثم أقام آخر البينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثلها وتكافأتا فالمال بينهما، قيل: ولم؟ وقد قال مالك إذا تكافأت البينتان فالمال هو للذي بيده: قال: إنما ذلك إذا لم يعرف أصل المال وهذا مال عرف أصله، وقال غيره: هو للذي بيده كمن بيده ثوب ادعاه رجل وأقام بينة أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها ومات البائع ولم تؤرخ البينتان، وهم في العدالة سواء سقطت البينتان وبقي الثوب لحائزه ويحلف. الصقلي: مسألة الولاء بخلاف هذه؛ لأن الولاء لم يحزه أحدهما، وإنما وقع الحوز في مال عرف أصله، وعبر عنهما المازري بقوله: إن عرف مبدأ حوزه، ففي الترجيح به قولان. اهـ. قُلتُ: ما أفاده المازري من شمول القولين للمسألتين أظهر من تفريق ابن يونس بينهما. اهـ. ورده الرهوني، وقال: إن ما لابن يونس هو الصواب.
أو لمن يقر له معطوف على "بيد حائزه"؛ أي إذا تكافأت البينتان فإنهما يسقطان ويبقى الشيء المتنازع فيه بيد حائزه من غير المتنازعين حيث ادعاه لنفسه، فإن لم يدعه الحائز لنفسه بل أقر
стр. 8368
به لغيره: فإنه يكون للمقر له يعني حيث كان المقر له من (١) أحد المتنازعين. قال عبد الباقي: أو بقي بمعنى صار لمن يقر الحائز له من المتنازعين المقيم كل بينة، وتعذر الترجيح بإقرار من هي بيده لأحد مقيمي البينة كأنه ترجيح للبينة، لا إن أقر به لغيرهما فلا يعمل بإقراره على الراجح، ثم إذا أقر به لأحد مقيمي البينة فيأخذه لكن بيمين لضعف إقراره بوجود البينتين المتساويتين، وأما إن تجردت دعوى كل عن بينة فيعمل بإقرإره ولو لغيرهما، ويأخذه المقر له من المتنازعين أو من غيرهما بلا يمين لقوة إقراره حين عدم البينتين، فإن لم يقر به لأحد وادعاه لنفسه حلف وبقي له، فإن لم يكن بيده أو لم يدعه دخل في قوله: "وقسم على الدعوى" لخ. اهـ.
قوله: بلا يمين، قال الجنوي: فيه نظر، والظاهر أنه بيمين. الرهوني: إن كان المراد أنه يأخذه ملكا فالحق ما قاله شيخنا، وإن كان المراد أنه حائز ثم يقال للآخر: أثبت ما ادعيت، فالحق ما قاله الزرقاني. والله أعلم. اهـ. وقال البناني: إنه إذا كان الشيء بيد أحدهما فظاهر حكمه مما تقدم، وإن كان بيد غيرهما فظاهر ما ذكره الزرقاني وغيره في ذلك من الصور ثمان؛ لأن من هو بيده تارة يدعيه لنفسه وتارة يقر به لأحدهما وتارة لغيرهما وتارة لا يدعيه لأحد، وفي كل من الأربع فتارة تقوم لكل من المتنازعين بينة وتسقط البينتان بعدم الترجيح، وتارة لا تقوم لواحد منهما بينة فهذه ثمان صور، ففي صور البينة: إن ادعاه لنفسه وسقطت البينتان حلف وبقي بيده كما في المتن وهو قول المدونة، وقيل ينزع منه ويقسم بين المتنازعين، وإن أقر به لأحدهما فهو للمقر له بيمينه كما في المتن وهو مذهب المدونة أيضا، وقيل إقراره لغو ويقتسمانه. قاله ابن عرفة. وإن أقر به لغيرهما أو سكت لم يلتفت إليه وقسم بينهما، ويدخلان في قول المص: "وقسم على الدعوى" وفي صور عدم البينة إن ادعاه لنفسه حلف وبقي بيده، وإن أقر به لأحدهما أو لغيرهما أخذه المقر له بلا يمين لقوة الإقرار هنا، وضعفه مع البينة فلذا حلف معها ولم يحلف هنا، وإن سكت أو قال لا أدري قسم على الدعوى. انتهى.
стр. 8369
وعلم مما مر ثلاثة أقسام: إن أمكن جمع بين البينتين جمع، فإن لم يمكن الجمع رجح، فإن تعذر الترجيح سقطتا. والله تعالى أعلم.
وقسم على الدعوى إن لم يكن بيد أحدهما يعني أنه إذا أقام كل البينة وتعذر الترجيح ولم يكن الشيء المتنازع فيه بيد أحدهما؛ بأن كان بأيديهما معا أو ليس بيد أحد، كَعَفْوٍ من الأرض أو بيد أجنبي غيرهما ولم يدعه لنفسه ولم يقر به لأحدهما، فإن الشيء المتنازع فيه يقسم على الدعوى أي على قدر الدعوى، وإذا قسم على قدر الدعوى، فقال الأكثرون: يكون ذلك كمسألة العول في الفرائض التي زاد سهامها على أصلها. قال عبد الباقي: وقسم الشيء المتنازع فيه بعد أيمانهما على قدر الدعوى، لا نصفين كما يقول أشهب. وقوله الآتي: "كالعول" أي لا على التسليم؛ أي من سلم له شيء من المتنازعين أخذه، والمُنَازَعَةِ كما يقول ابن القاسم كذا للوالد، وفيه رد لقول أحمد: انظر ما فائدة قوله على الدعوى؛ أي مع قوله: "كالعول". اهـ باختصار. إن لم يكن بيد أحدهما بل كان بأيديهما معا أو بيد غيرهما ولم يقر به لأحدهما ولم يدعه لنفسه، ولا مرجح لبينة أحدهما وذلك بعد أيمانهما، وكذا لو لم يكن بيد أحد كتنازعهما في عفو من الأرض أو في زرع في أرض شخص لا يدعية، فكلامه يشمل هذه الصور الثلاث، كالعول في فريضة زادت سهامها على أصلها، كما لو ادعى أحدهما الكل وادعى الآخر النصف، فيقسم على الثلث والثلثين.
وكيفية العمل أن يزاد على الكل النصف ونسبة النصف للكل حين الزيادة ثلث، فالمسألة من ثلاثة: يعطى لمدعي الكل اثنان ولمدعي النصف واحد، وإذا ادعى أحدهما الكل وآخر النصف وآخر الثلث، فيحصل أقل عدد يشتمل على هذه المخارج وهو ستة، يزاد عليها نصفها وثلثها فيعطى لمدعي الكل ستة ولمدعي النصف ثلاثة ولمدعي الثلث اثنان، وكأن ادعى كلٌّ كسرا وكانت الكسور تزيد على الكامل، كادعاء واحد النصف وآخر الثلثين فلصاحب النصف ثلاثة أسباع المتنازع فيه، وللآخر أربعة أسباعه، وكأن ادعى أحدهما الكل والآخر الثلث فلمدعي الكل ثلاثة أرباع المتنازع فيه ولمدعي الثلث ربعه، وكدعوى آحدهما الكل والآخر الثلثين، فإنه يعال لمدعي
стр. 8370
الثلثين بمثل ثلثي ثلاثة وذلك اثنان، فيقسم المدعى فيه ضلى خمسة لمدعي الكل ثلاثة ولمدعي الثلثين اثنان، وعلى هذا فقس. اهـ كلام عبد الباقي.
وفي نسخة: وإن لم يكن - والواو للحال - قول عبد الباقي بعد أيمانهما لم يذكر من المبدأ منهما باليمين وفيه خلاف. ابن عرفة: الأظهر تبدئة آخرهما دعوى على صاحبه لأنه الأول من المدعى عليه منهما. اهـ. ثم القسم إنما يكون بعد الاستيناء كثيرا إن كان مثل الدور والأرضين، وفليلا إن كان مثل الحيوان والعروض والطعام والرقيق لعل أحدهما أن يأتي بأثبت مما جاء به صاحبه، فيقضى له به. وقوله: لا نصفين كما يقول أشهب، وكذا قوله: لا على التسليم والمنازعة، ظاهره أن هذا الخلاف في القسم مطلقا وليس كذلك، بل محله فيما إذا كان بأيديهما، وأما قسم ما ليس بأيديهما فعلى قدر الدعوى اتفاقا، وإن كان في أيديهما فقيل على الدعوى وقيل نصفين. التوضيح. قال مالك وابن القاسم وعبد الملك وغيرهم: يقسم على قدر الدعاوي وهو المشهور، وقال أشهب وسحنون: يقسم بينهما نصفين لتساويهما فيه في الحيازة. اهـ. ابن الحاجب: وإذا قسم على الدعاوي، فقال الأكثرون: يعول كالفرائض، وقاك ابن القاسم وابن الماجشون: يختص مدعي الأكثر بالزائد. انتهى. وفسر ابن هارون قول ابن الحاجب في القسم الأول على قدر الدعاوي اتفاقا، بقوله: فعليه إن ادعى أحدهما جميع الثوب والآخر نصفه قسم بينهما أثلاثا. اهـ.
فقصره على قسمه كالعول، وتعقب ابن عرفة الاتفاق المذكور بنقل ابن حارث عن عبد الملك وسحنون في ذلك أن لمدعي الكلِّ النصفَ بإجماعهما عليه، والنصف الثاني الذي تداعيا فيه بينهما نصفين. قال: وكذا نقله في النوادر عن أشهب في كتاب ابن سحنون وهو خلاف قول ابن الحاجب اتفاقا. اهـ. وسلمه المواق وابن غازي وهو غير ظاهر، وذلك أن قول ابن الحاجب على قدر الدعاوي صادق بقسمه كالعول وبقسمه على الدعوى والتسليم، وإنما قصد بالاتفاق نفي القول بقسمه نصفين فقط، بدليل قوله: وإذا قسم على الدعاوي، فإنه راجع لمحل الاتفاق والخلاف معا، وإنما بنى ابن عرفة اعتراضه على تفسير ابن هارون وهو غير قاصر عليه. والله أعلم. ثم إن كلام المص شامل لما إذا كان النزاع بين أكثر من اثنين فيقسم بينهم على الدعوى كالعول، قال