← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

الأشرية لا توجب رفع النزاع إلا بين المتنازعين خاصة، ونقله ابن عرفة عن شيخه ابن عبد السلام. انتهى. وإن شهد بإقرار استصحب قال الخرشي: أي ثم رجع للإنكار، والمعنى أنه إذا شهدت البينة لأحد المتنازعين في شيء بأن الآخر أقر به لمن ينازعه فيه قبل هذا الوقت، فإنه يستصحب هذ الإقرار فلا تحتاج البينة أن تزيد في هذه الصورة وأنها لم تخرج عن ملكه في علمنا. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، وقال عبد الباقي: لأن الخصم لما أقر لخصمه ثبت ذلك فلا يصح للمقر دعوى الملك فيه إلا بإثبات انتقاله إليه ثانيا. اهـ. تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: وانظر في المنازعة بين ورثة المقروبين المشهود له بالإقرار، هل هو كذلك؟ فتكفي شهادة البينة بإقرار أبيهم، ولا تحتاج لزيادة أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، أو لابد من الزيادة لانقطاع ملك المقر بموته؟ اهـ. قال البناني: قول الزرقاني: وانظر في المنازعة بين ورثة المقر. الخ. الظاهر أنه لا فرق بين المقر وورثته في ذلك. اهـ. الثاني: ترك المص [مما] (١)، تعتمد عليه البينة خامسا مع أنه لابد منه وهو نسبة الشيء المشهود به له. قاله عبد الباقي. وقال ابن مرزوق: شهد مبني للمفعول، والمعنى أنه إن شهدت بينة في شيء تنازع فيه خصمان أن أحدهما أقر به قبل هذا الوقت لصاحبه، فإنه يستصحب هذا الإقرار ويقضى بالشيء للمقر به ولا يحتاج الشهود أن يزيدوا في هذه الصورة، ولا نعلم ذلك خرج عن ملك المقر له، لأن الخصم لما أقر به لخصمه ثبت له ملكه فلا يصح للمقر دعوى الملك فيه إلا بإثبات انتقاله إليه ثانية. اهـ. وقال البناني: وإن شهد بإقرار استصحب. ابن شأس ولو شهدت أنه أقر بالأمس ثبت الإقرار ويستصحب موجبه. ابن عرفة: لا أعرف هذا. اهـ. وهو ظاهر لاحتمال أنه خرج عن ملكه بوجه من الوجوه. اهـ قول البناني. وهو ظاهر يوهم أن ابن عرفة أنكر وجوده، وابن عرفة إنما أنكر وجوده نصا على أن ذلك لا يليق بمنصب ابن عرفة، فإن النصوص بذلك كثيرة. قاله الرهوني.

стр. 8367

وجلب على ذلك من النقول ما جلب، وقال ابن مرزوق: هذه المسألة - يعني قوله: "وإن شهد بإقرار استحصب" - ذكرها ابن شاس وابن الحاجب ووافقه شراحه، وزاد: وكذلك لو قال أحد الخصمين للآخر كان هذا الشيء ملكا لك بالأمس فإنه يستصحب أيضا، ورآى المص الاستغناء عن هذه لدخولها فيما ذكر. انتهى. وإن تعذر ترجيح سقطتا صورتها أن الشيء المتنازع فيه بيد شخص يدعيه كدار مثلا فادعاها رجلان وأقام كل واحد بينة أنها له وتكافأت بينتهما، فإن البينتين تسقطان وتصيران كالعدم، وإذا سقطتا وصارتا كالعدم بقي بيد حائزه حيث ادعاه لنفسه. وعلم مما قررت أن قوله: "بيد حائزه" أي من غير المتنازعين، وأما إن كان بيد أحد المتنازعين فهو قوله. وبيد إن لم ترجح بينة مقابله. تنبيه: قال البناني: قال ابن عرفة: وفي الولاء منها: من ورث رجلا بولاء يدعيه ثم أقام آخر البينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثلها وتكافأتا فالمال بينهما، قيل: ولم؟ وقد قال مالك إذا تكافأت البينتان فالمال هو للذي بيده: قال: إنما ذلك إذا لم يعرف أصل المال وهذا مال عرف أصله، وقال غيره: هو للذي بيده كمن بيده ثوب ادعاه رجل وأقام بينة أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها ومات البائع ولم تؤرخ البينتان، وهم في العدالة سواء سقطت البينتان وبقي الثوب لحائزه ويحلف. الصقلي: مسألة الولاء بخلاف هذه؛ لأن الولاء لم يحزه أحدهما، وإنما وقع الحوز في مال عرف أصله، وعبر عنهما المازري بقوله: إن عرف مبدأ حوزه، ففي الترجيح به قولان. اهـ. قُلتُ: ما أفاده المازري من شمول القولين للمسألتين أظهر من تفريق ابن يونس بينهما. اهـ. ورده الرهوني، وقال: إن ما لابن يونس هو الصواب. أو لمن يقر له معطوف على "بيد حائزه"؛ أي إذا تكافأت البينتان فإنهما يسقطان ويبقى الشيء المتنازع فيه بيد حائزه من غير المتنازعين حيث ادعاه لنفسه، فإن لم يدعه الحائز لنفسه بل أقر

стр. 8368

به لغيره: فإنه يكون للمقر له يعني حيث كان المقر له من (١) أحد المتنازعين. قال عبد الباقي: أو بقي بمعنى صار لمن يقر الحائز له من المتنازعين المقيم كل بينة، وتعذر الترجيح بإقرار من هي بيده لأحد مقيمي البينة كأنه ترجيح للبينة، لا إن أقر به لغيرهما فلا يعمل بإقراره على الراجح، ثم إذا أقر به لأحد مقيمي البينة فيأخذه لكن بيمين لضعف إقراره بوجود البينتين المتساويتين، وأما إن تجردت دعوى كل عن بينة فيعمل بإقرإره ولو لغيرهما، ويأخذه المقر له من المتنازعين أو من غيرهما بلا يمين لقوة إقراره حين عدم البينتين، فإن لم يقر به لأحد وادعاه لنفسه حلف وبقي له، فإن لم يكن بيده أو لم يدعه دخل في قوله: "وقسم على الدعوى" لخ. اهـ. قوله: بلا يمين، قال الجنوي: فيه نظر، والظاهر أنه بيمين. الرهوني: إن كان المراد أنه يأخذه ملكا فالحق ما قاله شيخنا، وإن كان المراد أنه حائز ثم يقال للآخر: أثبت ما ادعيت، فالحق ما قاله الزرقاني. والله أعلم. اهـ. وقال البناني: إنه إذا كان الشيء بيد أحدهما فظاهر حكمه مما تقدم، وإن كان بيد غيرهما فظاهر ما ذكره الزرقاني وغيره في ذلك من الصور ثمان؛ لأن من هو بيده تارة يدعيه لنفسه وتارة يقر به لأحدهما وتارة لغيرهما وتارة لا يدعيه لأحد، وفي كل من الأربع فتارة تقوم لكل من المتنازعين بينة وتسقط البينتان بعدم الترجيح، وتارة لا تقوم لواحد منهما بينة فهذه ثمان صور، ففي صور البينة: إن ادعاه لنفسه وسقطت البينتان حلف وبقي بيده كما في المتن وهو قول المدونة، وقيل ينزع منه ويقسم بين المتنازعين، وإن أقر به لأحدهما فهو للمقر له بيمينه كما في المتن وهو مذهب المدونة أيضا، وقيل إقراره لغو ويقتسمانه. قاله ابن عرفة. وإن أقر به لغيرهما أو سكت لم يلتفت إليه وقسم بينهما، ويدخلان في قول المص: "وقسم على الدعوى" وفي صور عدم البينة إن ادعاه لنفسه حلف وبقي بيده، وإن أقر به لأحدهما أو لغيرهما أخذه المقر له بلا يمين لقوة الإقرار هنا، وضعفه مع البينة فلذا حلف معها ولم يحلف هنا، وإن سكت أو قال لا أدري قسم على الدعوى. انتهى.

стр. 8369

وعلم مما مر ثلاثة أقسام: إن أمكن جمع بين البينتين جمع، فإن لم يمكن الجمع رجح، فإن تعذر الترجيح سقطتا. والله تعالى أعلم. وقسم على الدعوى إن لم يكن بيد أحدهما يعني أنه إذا أقام كل البينة وتعذر الترجيح ولم يكن الشيء المتنازع فيه بيد أحدهما؛ بأن كان بأيديهما معا أو ليس بيد أحد، كَعَفْوٍ من الأرض أو بيد أجنبي غيرهما ولم يدعه لنفسه ولم يقر به لأحدهما، فإن الشيء المتنازع فيه يقسم على الدعوى أي على قدر الدعوى، وإذا قسم على قدر الدعوى، فقال الأكثرون: يكون ذلك كمسألة العول في الفرائض التي زاد سهامها على أصلها. قال عبد الباقي: وقسم الشيء المتنازع فيه بعد أيمانهما على قدر الدعوى، لا نصفين كما يقول أشهب. وقوله الآتي: "كالعول" أي لا على التسليم؛ أي من سلم له شيء من المتنازعين أخذه، والمُنَازَعَةِ كما يقول ابن القاسم كذا للوالد، وفيه رد لقول أحمد: انظر ما فائدة قوله على الدعوى؛ أي مع قوله: "كالعول". اهـ باختصار. إن لم يكن بيد أحدهما بل كان بأيديهما معا أو بيد غيرهما ولم يقر به لأحدهما ولم يدعه لنفسه، ولا مرجح لبينة أحدهما وذلك بعد أيمانهما، وكذا لو لم يكن بيد أحد كتنازعهما في عفو من الأرض أو في زرع في أرض شخص لا يدعية، فكلامه يشمل هذه الصور الثلاث، كالعول في فريضة زادت سهامها على أصلها، كما لو ادعى أحدهما الكل وادعى الآخر النصف، فيقسم على الثلث والثلثين. وكيفية العمل أن يزاد على الكل النصف ونسبة النصف للكل حين الزيادة ثلث، فالمسألة من ثلاثة: يعطى لمدعي الكل اثنان ولمدعي النصف واحد، وإذا ادعى أحدهما الكل وآخر النصف وآخر الثلث، فيحصل أقل عدد يشتمل على هذه المخارج وهو ستة، يزاد عليها نصفها وثلثها فيعطى لمدعي الكل ستة ولمدعي النصف ثلاثة ولمدعي الثلث اثنان، وكأن ادعى كلٌّ كسرا وكانت الكسور تزيد على الكامل، كادعاء واحد النصف وآخر الثلثين فلصاحب النصف ثلاثة أسباع المتنازع فيه، وللآخر أربعة أسباعه، وكأن ادعى أحدهما الكل والآخر الثلث فلمدعي الكل ثلاثة أرباع المتنازع فيه ولمدعي الثلث ربعه، وكدعوى آحدهما الكل والآخر الثلثين، فإنه يعال لمدعي

стр. 8370

الثلثين بمثل ثلثي ثلاثة وذلك اثنان، فيقسم المدعى فيه ضلى خمسة لمدعي الكل ثلاثة ولمدعي الثلثين اثنان، وعلى هذا فقس. اهـ كلام عبد الباقي. وفي نسخة: وإن لم يكن - والواو للحال - قول عبد الباقي بعد أيمانهما لم يذكر من المبدأ منهما باليمين وفيه خلاف. ابن عرفة: الأظهر تبدئة آخرهما دعوى على صاحبه لأنه الأول من المدعى عليه منهما. اهـ. ثم القسم إنما يكون بعد الاستيناء كثيرا إن كان مثل الدور والأرضين، وفليلا إن كان مثل الحيوان والعروض والطعام والرقيق لعل أحدهما أن يأتي بأثبت مما جاء به صاحبه، فيقضى له به. وقوله: لا نصفين كما يقول أشهب، وكذا قوله: لا على التسليم والمنازعة، ظاهره أن هذا الخلاف في القسم مطلقا وليس كذلك، بل محله فيما إذا كان بأيديهما، وأما قسم ما ليس بأيديهما فعلى قدر الدعوى اتفاقا، وإن كان في أيديهما فقيل على الدعوى وقيل نصفين. التوضيح. قال مالك وابن القاسم وعبد الملك وغيرهم: يقسم على قدر الدعاوي وهو المشهور، وقال أشهب وسحنون: يقسم بينهما نصفين لتساويهما فيه في الحيازة. اهـ. ابن الحاجب: وإذا قسم على الدعاوي، فقال الأكثرون: يعول كالفرائض، وقاك ابن القاسم وابن الماجشون: يختص مدعي الأكثر بالزائد. انتهى. وفسر ابن هارون قول ابن الحاجب في القسم الأول على قدر الدعاوي اتفاقا، بقوله: فعليه إن ادعى أحدهما جميع الثوب والآخر نصفه قسم بينهما أثلاثا. اهـ. فقصره على قسمه كالعول، وتعقب ابن عرفة الاتفاق المذكور بنقل ابن حارث عن عبد الملك وسحنون في ذلك أن لمدعي الكلِّ النصفَ بإجماعهما عليه، والنصف الثاني الذي تداعيا فيه بينهما نصفين. قال: وكذا نقله في النوادر عن أشهب في كتاب ابن سحنون وهو خلاف قول ابن الحاجب اتفاقا. اهـ. وسلمه المواق وابن غازي وهو غير ظاهر، وذلك أن قول ابن الحاجب على قدر الدعاوي صادق بقسمه كالعول وبقسمه على الدعوى والتسليم، وإنما قصد بالاتفاق نفي القول بقسمه نصفين فقط، بدليل قوله: وإذا قسم على الدعاوي، فإنه راجع لمحل الاتفاق والخلاف معا، وإنما بنى ابن عرفة اعتراضه على تفسير ابن هارون وهو غير قاصر عليه. والله أعلم. ثم إن كلام المص شامل لما إذا كان النزاع بين أكثر من اثنين فيقسم بينهم على الدعوى كالعول، قال

стр. 8371

ابن يونس: وهذا أعدل الأقوال وأبينها، وإليه كان يذهب جماعة شيوخنا. انظر المواق. قاله البناني. ولم يأخذه بأنه كان بيده يعني أنه إذا أقام شخص بينة على أن هذا الشيء كان بيده فإنه لا ينزع بذلك من يد حائزه، قال عبد الباقي: ولم يأخذه أي لم يأخذ الشيء ممن هو حائز له شخص أقام بينة بأنه كان بيده قبل ذلك لم تشهد له بملكه، بل يبقى بيد حائزه، ويحتمل أن يكون المعنى أن كلا من المتنازعين إذا أقام بينة أنه ملكه وزاد بينة من لم يكن بيده أنه كان بيده، فإنها لا ترجح بذلك وكل منهما صحيح. قاله أحمد. اهـ. وقال الشبراخيتي: ولم يأخذه من شهد له أنه أي بسبب شهادة البينة أنه كان بيده أمس، ولم تشهد بينة بملكه فلا ينزع من يد حائزه بهذه الشهادة. اهـ. وقال الخرشي: ولم يأخذه بأنه كان بيده أي بسبب شهادة بينة أنه كان بيده من غير شهادة بالملك، فلا ينزع من يد حائزه بهذه الشهادة؛ لأن كونه في يده لا يدل على أنه مالكه، ولا أنه مستحق له بوضع يده عليه ما لم تزد البينة أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه، فالشهادة على هذا جائزة ويجعل المدعي صاحب اليد. اهـ. وقال ابن مرزوق: يعني إذا ادعى كل واحد من الخصمين في شيء أنه ملكه وليس هو حين التداعي في يد واحد منهما، أوكان في أيديهما جميعا وشهدت بينة لأحدهما أن هذا الشيء كان بيده قبل هذا لم يأخذه المشهود له بهذه الشهادة؛ إذ ليس فيها إلا أنه كان بيده، وكونه بيده لا يقتضي ملكه إياه ولا يأخذه حتى تقول الذي كان بيده ملكا، وتقرير كلامه: ولم يأخذ أحد الخصمين الشيء المتنازع فيه إن لم يكن في يده في الحال، بشهادة أنه كان في يده قبل ذلك، وإنما قلنا إنه يريد إن لم يكن في يده في الحال لما قدم من أنه مع تعارض البينتين وتساقطهما يبقى الشيء بيد حائزه فأحرى مع مجرد الدعوى، لكن لا بد من اليمين في هذه الفصول. اهـ. وقال البناني: ولم يأخذه إن شهد أنه كان بيده كذا لابن شاس وابن الحاجب، قال ابن عبد السلام: لأن كونه في يده لا يدل على أنه مالكه ولا أنه مستحق لوضع يده عليه، قال ابن شأس: ولو شهدوا أنه انتزعه منه أو غصبه أو غلبه عليه فالشهادة على هذه جائزة، ويجعل المدعي صاحب اليد ففرق بينهما، وكذا فعل ابن

стр. 8372

الحاجب، قال ابن غازي: وأغفل المص هنا هذه الثانية، وذكر ابن عرفة أنه لا يعرفهما معا نصا لمن قبل ابن شاس من أهل المذهب، مع أن هذه الثانية في النوادر. والكمال لله سبحانه. اهـ. قلت: وكذا المسألة الأولى وهي مسألة المص منصوصة لأشهب وابن القاسم. والكمال لله. قال العوفي: قال التونسي: رأيت لأشهب: لو كان عبد بيد رجل فادعاه آخر وأقام بينة أنه كان أمس بيده، فلا يكون أحق به حتى تقوم له بينة بأنه ملكه، قال التونسي: وفي هذا نظرٌ لأن كونه في يده أمس سابق للذي هو في يده اليوم، فيجب رده إلى يده حتى يُثبت هذا أنه كان في يده قبله؛ لأن الأصل أن كُلَّ من سبقت يده على شيء لا يخرج من يده إلا بيقين. ابن محرز: قول أشهب صحيح، قال العوفي: قلت: وكلام التونسي ومذهب ابن القاسم أصوب من كلام أشهب. اهـ. نقله الطخيخي، وأبو علي. وقول ابن غازي: أغفل المص هنا يعني في هذا الباب، وإلا فقد قدم في باب الغصب ما يفهم منه ذلك، حيث قال: "كشاهد بملك لثان بغصبك وجعلت ذا يد لا مالكا"، والمسألة في المدونة كما نقله المواق هنالك. فانظره. اهـ. وقال المواق: قال ابن الحاجب: لو شهد أنه كان بيد المدعي لم يأخذه بذلك، ولو شهد أنه غلبه عليه جعل صاحب يد. اهـ. تنبيه: قال الحطاب: من أقام بينة على شيء فقضي له به، ثم أقام المدعَى عليه بينة بخلاف ما شهدت به البينة الأولى، فإنه من تعارض البينتين وينظر في أعدلهما، وكذلك إذا أقام شخص بينة على شيء فقضي له به، ثم أتى آخر أقام بينة مثل بينة الأول فإنه ينظر فيهما. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: حاصل هذا أن الحكم بشيء ببينة لا يفيت النظر فيه لمقيم بينة أخرى أنه له، سواء كان مقيم البينة بعد الحكم المدعى عليه أو غيره. والله ﵎ أعلم. قال عبد الباقي: ثم أشار إلى أربع صور في أب معلوم النصرانية أو مجهولها وله ولدان مسلم ونصراني ادعى كل أن أباه مات على دينه دعوى مجردة أو ببينة، فأشار للمجردة في معلوم النصرانية بقوله: وإن ادعى أخ أسلم أن أباه أسلم فالقول للنصراني يعني أنه إذا مات نصراني وترك ولدين مسلما ونصرانيا، وادعى المسلم من الأخوين أن أباهما مات مسلما وطلب أن يرثه دون أخيه، وزعم أخوه النصراني أن أباهما مات نصرانيا على حاله ولا بينة لواحد منهما،

стр. 8373

فالقول قول النصراني لأن دعواه موافقة للأصل في بقاء الشيء على ما هو عليه، وعلم من قوله: "أسلم" أنهما متفقان على أن أصله النصرانية، وعبر بأخ نظرا للمنازع الآخر. وقوله: "فالقول للنصراني" وكذا القول لليهودي أو المجوسي في معلوم المجوسية أو اليهودية، فلو قال: للكافر، لكان أشمل، وإنما لم يعبر بالكافر تبعا لغيره. والله تعالى أعلم. وقدمت بينة المسلم يعني أنه إذا أقام الأخ الذي أسلم بينة على أن أباهما أسلم ولم يقم الأخ النصراني بينة إلا على أصل نصرانيته، فإنه تقم بينة الأخ المسلم فيختص بالمال لأنها ناقلة والأخرى مستصحبة. وقوله: "وقدمت بينة المسلم" أي ولو كانت بينة النصراني أعدل، قال الخرشي: وشمل قوله: "وقدمت بينة المسلم" ما لو شهدت بينة النصراني بأنه نطق بالنصرانية ومات عليها، وشهد بينة المسلم بأنه نطق بالإسلام وإن لم تقل ومات عليه، وفيه نظر؛ إذ هذا من التعارض فيصار إلى الترجيح. فإن تعذر قسم المال. إلا بأنه تنصر إن جهل أصله يعني أنه إذا شهدت لكل من الأخ المسلم والأخ النصراني بينة بما ادعى من موت الأب على الإسلام والنصرانية، والحال أن الأب مجهول الأصل أي لم يعلم هل هو مسلم أصالة أو كافر فإنه يصار إلى الترجيح، فَإذا لم يوجد مرجح فإنه يُقسم المال بينهما نصفين كمال تنازعه اثنان إذ لا ترجيح لإحدى البينتين على الأخرى، وَهُو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: إذا تكافأت البينتان قضي بالمال للمسلم بعد أن يحلف، ابن يونس: قال بعض أصحابنا: وقول ابن القاسم أصوب، لأن معناه أن الرجل جهل أصله، وإذا جهل فليس ثم زيادة ولا أمر يرد إليه، فوجب قسم المال بينهما. اهـ. وعلم مما قررت أن الاستثناء منقطع؛ لأن ما قبله في معلوم النصرانية وهذا في مجهولها. كمجهول الدين يعني أنه إذا لم يعلم هل الأب مسلم أو كافر ومات وتداعياه، فقال المسلم: هو مسلم، وقال النصراني: بل هو نصراني ولا بينة لواحد منهما، فإنه يقسم المال بينهما لأنه مال تنازعه اثنان: وعلم مما قررت أن صور هذه المسألة أربع؛ لأن الأب إما معلوم النصرانية أو مجهولها، وفي كل قارنت دعوى المسلم منهما بينة أو لا، فإن كان معلوم النصرانية وأقام بينة أو تجردت دعواه فهاتان صورتان، أشار إليهما بقوله: "وإن ادعى أخ أسلم أن أباه أسلم فالقول

стр. 8374

للنصراني وقدمت بينة المسلم"، فأشار لما إذا لم يقم المسلم بينة بقوله: "وإن ادعى أخ أسلم أن أباه أسلم فالقول للنصراني"، وأشار لما إذا أقام البينة بقوله: "وقدمت بينة المسلم" وأشار لمسألة مجهول الدين حيث أقام كل البينة بقوله: "إلا بأنه تنصر ومات" إن جهل أصله"، وأشار لما إذا تجردت دعوى كل عن بينة بقوله: "كمجهول الدين" والله تعالى أعلم. تنبيه: قال عبد الباقي: انظر هل يحلف كل في مجهوله عند تجرد دعواهما كما يحلف فيما سيأتي أم لا؟ اهـ. قال البناني: التنظير قصور، وقد صرح العقباني في شرح فرائض الحوفي بأن القسم بينهما إنما يكون بعد يمينهما في صورتي قيام البينة وعدم قيامها، وربما يشعر به قول المص: "وإن كان معهما طفل فهل يحلفان" لخ. اهـ. وقسم على الجهات بالسوية يعني أنه إذا كان بنو مجهول الدين ثلاثة - مثلا -: مسلم ويهودي ونصراني، فإنه يقسم ماله على الجهات الثلاث المذكورة، وكذا على أربع إن كان له ولد رابع مجوسي، وزاد قوله: "بالسوية" لإفادة أنه يقسم أثلاثا بين ثلاث جهات أو أرباعا بين أربع جهات أو نصفين بين جهتين، ولو كانت أفراد جهة أكثر من أفراد الجهة الأخرى، فإذا كان المسلم واحدا واليهود عشرة والنصارى كذلك فللمسلم الثلث ولكل فريق غيره ثلث، وكذا يقال في الأخوين والأربع، ثم إذا قسم بالسوية على الجهات فيراعى في كل جهة ما في شريعتهم، فيقسم ما ينوب جهة الإسلام على حكم الإرث عندنا حيث تعددت جهة المسلم ذكرا أو أنثى كذا يظهر، فإن لم يخلف إلا بنتا مسلمة وأختا كافرة أو عكسه فإن ما تأخذه المسلمة تعطى نصفه والنصف الآخر لبيت المال؛ لأن كلا من الأخت والبنت تدعي نصف ماله والنصف الآخر لا يدعيانه. ذكره بعض المالكية من شراح الرحبية. ويلغز بها، فإذا (١) كانت البنت هي المسلمة فيقال: ميت عن بنت أخذت ربع المال وبيت المال ربعه ونصفه لأخته، وسواء في هذا كله كان المال بيدهم أو بيد أحدهم، أو لايد لأحد عليه لأنه مال علم أصله لمجهول الدين، فلا أثر للحوز فيه.

стр. 8375

وإن كان معهما طفل يعني أنه إذا مات مجهول الدين وله ولدان مسلم وكافر، وادعى كل منهما أن أباه مات على دينه وكان معهما طفل ولد للميت ذكرا كان الطفل أو أنثى ولم يحكم بإسلامه لجهل دين أبيه، فإنه اختلف في ذلك على قولين، هل يحلفان؟ أي يحلف كل أن أباه مات على دينه وينبغي التبدئة بالقرعة، ويوقف للصغير الثلث لأنه ربما ادعى جهة ثالثة فمن أي فالأخ الكبير الذي وافقه الطفل أي ادعى دعواه أخذ الطفل حصته أي القدر الذي ينوب الأخ الكبير من الثلث لو قسم بين الأخوين الكبيرين، ورد الطفل على الآخر الذي لم يوافقه النصف الآخر من الثلث: فمن واقعة على أحد الولدين، وضمير وافقه البارز عائد على من، والمستتر عائد على الطفل: وضمير أخذ عائد على الطفل أيضا، والضمير في حصته عائد على من أيضا، والتقدير: فأي ولد وافقه ذلك الطفل أخذ ذلك الطفل حصة ذلك الولد من الثلث الموقوف وهي النصف في هذا المثال، ويدفع النصف الآخر للولد الذي لم يوافقه الطفل، فإذا كان المال اثنيْ عشر دينارا دفع لكل من البالغين أربعة، ووقف للصغير على هذا القول أربعة، فإذا بلغ ووافق أحدهما أخذ دينارين، ورد للذي لم يوافقه دينارين، ولا يشارك الصبي من وافقه في شيء من الأربعة التي أخذها أولا، فالطفل ينوبه سدس التركة وينوب الذي وافقه الطفل ثلثها، وينوب الذي لم يوافقه الطفل نصفها، وإنما لم يشارك الطفل من وافقه مع أنه مساو له في الدرجة؛ لأنه حين الموت قد استحق كل من أصحاب الجهتين الثلث ولا ينقص عنه، وإنما وقف للصغير لأنه ربما ادعى جهة ثالثة كما مر، ولم يعطه لأنه لما وافق المسلم مثلا كانا جهة واحدة، فتستحق الجهة الأخرى النصف، ولو ادعى الطفل جهة ثالثة لدفع له جميع الثلث. قال عبد الباقي: ومفهوم المص أنه إن لم يوافق واحدا منهما بأن تدين لجهة ثالثة أخذ الموقوف كله. اهـ. وعلى هذا القول إن مات الصغير قبل بلوغه حلفا أي حلف كل من الولدين البالغين على طبق دعواه، وإذا حلفا قسم نصيب الطفل بينهما فاليمين السابقة لاستحقاق كل حظه من أبيه، والثانية لاستحقاق كل حظه من نصيب الطفل، وإن مات أحدهما قبل بلوغ الطفل وله ورثة يعرفون فهم أحق بميراثه، وإن لم يكن له ورثة وقف فإذا كبر الصغير وادعاه كان له. قاله عبد الباقي.

стр. 8376

أو للصغير النصف يعني أنه قيل إن الحكم في ذلك ليس كما ذكر، والحكم أنه يكون للصغير النصف من موروث أبيه لأن كلا منهما مقر بأنه أخوه، ويُجْبَرُ الآن على الإسلام ترجيحا له لأنه يعلو ولا يعلى عليه، وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك قولان، الأول في كتاب ابن سحنون. والقول الثاني حكاه في النوادر عن أصبغ، قال المواق: قال ابن يونس: اختلف إن كان معهما ولد صغير، فقال أصبغ: يأخذ النصف لأن كل واحد مقر أن له النصف فيعطيه نصف ما بيده، فيصير له وحده النصف. وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي مثل دعوى أحدهما، فيأخذ ما وقف له من سهمه، فإن مات قبل أن يبلغ حلفا واقتسما ميراثه. ثم تكلم المص على مسألة ترف بمسألة الظفر فقال: وإن قدر على شيئه فله أخذه يعني أنه إذا كان لشخص قِبَلَ آخر حق وقدر على أخذه فإنه يجوز له أن يأخذ حقه أو ما يساوي قدره من مال ذلك الغير، فعلم من هذا أنه يجوز له الأخذ سواء كان المأخوذ من جنس الحق أم لا، وسواء علم غريمه أو لم يعلم ولا يلزمه الرفع للحاكم، وجواز الأخذ مشروط بشرطين أشار إلى أحدهما بقوله: إن يكن غير عقوبة يعني أنه إنما يجوز له الأخذ حيث كان الحق غير عقوبة، وأما إن كان عقوبة كأدب وحد وقصاص فلا يجوز له ذلك لأنه لابد فيها من الرفع للحاكم. وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: وأمن فتنة ورذيلة يعني أنه يشترط في جواز أخذه شيئه أيضا أن يكون ذلك الشيء يأمن مع أخذه من فتنة تحصل له بسبب أخذه، كقتال أو إراقة دم أو نحو ذلك، ومن رذيلة تنسب إليه كسرقة أو غصب أو حرابة أو نحو ذلك، وإلا لم يجز الأخذ. قال عبد الباقي: وإن قدرمن له حق على غيره على أخذ شيئه بعينه فله أخذه ولا يلزمه الرفع للحاكم، وكذا غير عين شيئه ولو من غير جنسه على ظاهر المذهب. قاله ابن عرفة. ويدل له قول المص: "إن يكن غير عقوبة"، فيراد بشيئه حقه الشامل لغير شيئه وعوضه، فاحتاج إلى إخراج العقوبة منه. وشمل قوله: "شيئه" دينه على ممتنع من أدائه فله أخذ قدره، ولو كان من

стр. 8377

غير جنسه، وإن كان غريمه مدينا أخذ قدر حصته في الحصاص فقط، وشمل كلامه أيضا الوديعة على المعتمد. وما قدمه في مثلها من قوله: "وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها" ضعيف. والأخذ بشرطين أحدهما، قوله: "إن يكن غير عقوبة" لأن العقوبة لا بد فيها من الرفع للحاكم وكذا حق الله والحدود، والآخر: قوله: "وأمن فتنة" تحصل له كقتال أو إراقة دم أو نحو ذلك، وأمن رذيلة تنسب إليه كسرقة أو غصب أو حرابة أو نحو ذلك، وإلا لم يجز الأخذ. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن قدر من له حق على غيره على أخذ شيئه فله أخذه علم غريمه أو لم يعلم، وكذلك غير شيئه كان من جنسه أم لا على ظاهر المذهب، فالمراد قدر على عين شيئه أو مثله أو قيمته إن فات، ويدل له قوله: "إن يكن غير عقوبة" لأن العقوبة لا يمكن أخذها وإنما يمكن أخذ مثلها، وظاهره أنه يأخذه ولو كان وديعة، وهو المعتمد خلافا لما قدمه المص في باب الوديعة إلى آخر ما مر. والله تعالى أعلم. وإذا كان شخصان لكل منهما حق على الآخر وجحد أحدهما حق صاحبه فلصاحبه أن يجحد بقدر ما جحده الآخر على المعتمد، وقد مر أن له الأخذ ولو من غير الجنس، ويأخذ من المقوم بقدر قيمته المثلي ومن المثلي بقدر قيمة المقوم يوم التعدي. انظر الخرشي. وقال المواق: ولابن عرفة هنا يعني في باب الوديعة: فمن ظفر بمال لمن جحده مثله فيه اضطراب، وقال في فصل الدعوى، فيه أربعة أقوال، المنع والكراهة والإباحة والاستحباب، وقد قال خليل بعد هذا: "وإن قدر على شيئه فله أخذه" إن يكن غير عقوبة وأمن فتنة ورذيلة، وقال المازري: من غصب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنة أو سوء عاقبة بأن يعد سارقا أو نحو ذلك جاز له أخذه، ولم يلزمه الرفع إلى الحاكم، وأما العقوبة فلا بد من الحاكم. ومن قدر على غير شيئه. فثالثها: إن كان من جنسه جاز. ابن عرفة: هذه طريقة ابن شأس، وقال المازري: ظاهر المذهب أن لا فرق بين جنس ماله وغيره، وقال ابن رشد: من أودع رجلا وديعة فجحده إياها ثم استودعه وديعة وائتمنه على شيء، ففي المدونة: لا يجحده، وروى ابن وهب له أخذه إن لم يكن عليه دين، فإن كان فبقدر حصاصه منه. المازري: هذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: له أن يأخذ وإن كان عليه دين، وقال

стр. 8378

اللخمي: إن كان عليه غرماء عالمين بفلسه أو شاكين وتركوه يبيع ويشتري جاز له حبس جميعها. وإن كان ظاهره عندهم اليسر، ولو علموا ضربوا على يديه جاز له أخذ ما لا شك أنه يصير له في المحاصة، وإن كانت الوديعة عرضا جاز أن يبيعها ويحبس الثمن بماله عليه. المازري: ولا يأخذ العرض يتملكه عوض حقه لأن ذلك إلزام للمانع المستحق عليه أن يعوض عنه بغيره اختياره، وسامح بعضهم في هذا للضرورة. قال: وإذا قلنا إن المشهور لا يتملكه، فهل له أن يبيعه بنفسه لأنه إن رفعه إلى القاضي كلفه إثبات دينه؟ اختار بعض أشياخي هذا: ويبيع ذلك بنفسه لهذه الضرورة التي نبهنا عليها، والصواب أن له أن يجحد ما أودعه مكان حقه عليه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾. الآية. ولحديث هند: (خذي ما يكفيك). انتهى المراد منه. تنبيه: قد مر قول المص: "إن يكن غير عقوبة وأمن فتنة ورذيلة"، وقال عياض عند قوله: (اهجهم أو هاجهم وجبريل معك) (١)، فيه جواز الانتصار من العرض وغيره بما يقدر عليه من الكفار وغيرهم، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. اهـ. وقد مر أن للغريم أن يأخذ ما ينوبه في الحصاص، قال المواق: قال ابن يونس: وإنما جاز له أخذ قدر ما ينوبه، وإن كان للغرماء الدخول معه فيه للضرورة التي تلحقه لو أظهر ذلك، فمتى لم يضر بالغرماء بأخذ ما ينوبه جاز له ذلك. قال بعض فقهائنا: فإن حلف ما ضره ذلك كالمكره على اليمين في أخذ ماله فيحلف ولا يضره ذلك. قال مالك: إنما يجوز له أن يجحده إذا أمن أن يحلفه كاذبا، يريد أن المودع يقول له: احلف لي أني ما أودعتك وقيل: يحلف ما أودعتني شيئا، ينوي: يلزمني رده، وقيل ينوي مثله أو يحرك به لسانه وكل ذلك واسع، والصواب له أن يجحد ما أودعه مكان حقه عليه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية، ولحديث هند: (خذي من ماله)، وقيل: معنى (ولا تخن من خانك (٢) أن تأخذ فوق حقك. وحاصل كلام اللخمي والمازري وابن رشد وابن يونس ترجيح جواز

стр. 8379

الأخذ وقد نصوا في الوصي إذا علم بالدين دون غيره أنه إن خفي له دفعه دون معقب فعل وإلا كان شاهدا. ومن ابن يونس قال مالك في ميت أوصى لصغير بدينار ولم يشهد على ذلك إلا الوصي: فإن خفي له دفع ذلك حتى لا يتبع به دفع ذلك دون السلطان، وكذلك لو رفعه فلم يقبل شهادته السلطان ثم خفي له دفع ذلك فله ذلك، وقد كنت أفتيت في زمن القائد أبي القاسم بن السراج ﵀ أن يأخذ المجاهد من الغنيمة قدر حقه لقلة الاهتبال بجمع الغنائم وقسمها، وما كان أحد وافقني على ذلك حتى وجدت النص بما أفتيت في نوازل البرزلي، وكان من جملة مستندي مع ما تقدم ما نقله عياض أن هارون الرشيد أجاز مالكا بثلاثة آلاف، فقيل لمالك: يا أبا عبد الله ثلاثة آلاف تأخذها من هذا؟ كأنه يستكثرها، فقال: إذا كان مقدار ما لو كان إمام عدل فأنصف أهل المروءة أصابه شبيه لذلك لم أر به بأسا. وسأله غير واحد عن جائزة السلطان، فقال: لا تأخذها، فقال له: فأنت تقبلها، فقال له مالك: تريد أن أبوء بإثمي وإثمك. اهـ. وانظر قول مالك هذا إنما هو لأن التصريح بالفقه لمثل هذا السائل موحش. كما قال ابن القاسم حين منع من قبالة مصر، فقيل: أشهب يقبلها، فقال للرجل: قم أنت ببعض ما يقوم به أشهب وحينئذ خذ ما يأخذ أشهب، أو كما قاله. وكما حكي عن زيادة الله عامل إفريقية أنه أجاز العلماء، فمنهم من قبل الجائزة ومنهم من ردها فَاسْتَنْقَصَ زيادة الله كل من قبل، فبلغ ذلك أسد بن الفرات - وكان ممن قبل - فقال: لا عليه إنما أوصلنا إلى بعض حقنا والله حسيبه فيما يمسكه عنا، وقد نصوا أنه إن لم يكن بيت مال أن يجمع الناس مالا ليرتبوا به الجند وحملة العلم؛ أعني فرض الكفاية الذي سئل مالك عنه، أهو فرض؟ فقال: أما على كل الناس فلا. قالوا: والذي يتعين عليه هذا العلم هو: من جاد حفظه وحسن إدراكه وطابت سجيته وسريرته، فمثل هذا هو الذي يجوز له أخذ الجائزة، ومن لم يكن فيه هذه الأوصاف فلا يجوز له الأخذ، وربما كان طلبه للعلم من باب العبث بالنسبة للمصلحة المجتلبة، ومن طلب ما لا يطيق في حقه وكلاهما باطل شرعا، فكيف يحل له أن يأخذ على ذلك مرتبا أو أجرا؟ اهـ كلام المواق.

стр. 8380

تنبيه: قد مر قول المص: "إن يكن غير عقوبة" إنما جاز له أخذ المال لما جاء في ذلك من السنة، وأما العقوبة من دون الحاكم فإن ذلك مثير للفتنة غالبا، ولأن الحقد اللاحق عن موجب العقوبة أكثر من اللاحق عن أخذ المال، فيخاف على المعاقب من دون الحاكم أن يتجاوز في القصاص، فيحتاج إلى أن يقتص منه ثانية وهو خلاف ما شرع القصاص من أجله، ومنع أن يمكن المجني عليه من استيفاء حقه بنفسه في الأطراف، وأسلم الجاني في النفس إلى ولي المقتول؛ لأن الأول لا كان يقتص لنفسه خيف منه المجاوزة في العقوبة قصدا للتشفي لما به من الحقد على الجاني، بخلاف الولي فإن الأمر لا يبلغ به ذلك المبلغ، ومع ذلك ينهى على العبث. انتهى. انظر ابن مرزوق. وإن قال أبرأني موكلك الغائب أنظر يعني أن الوكيل إذا أتى من للموكل حق عليه يستقضي دين موكله والموكل غائب، فقال من عليه الدين للوكيل: أبرأني مما تُطالبني به موكلك الغائب أو قضيته حقه أنظر؛ أي أخر إلى أن يأتي الموكل ليعلم ما عنده لا بالاجتهاد، وإنما ينظر بكفيل بالمال على الأرجح إن قربت غيبة الموكل لأنه مقر، فإن بعدت قضي عليه بالدفع من غير يمين الوكيل، خلافا لابن كنانة القائل: إنه يحلف الوكيل ما علم الموكل أبرأ أو اقتضى، وهو بعيد لأنه لا يحلف أحد ليستحق غيره، ثم إن قدم الموكل من البعيدة حلف وتم الأخذ، فإن نكل حلف الغريم ويرجع على الوكيل بما دفعه له. قال عبد الباقي: وإن قال من ادعى عليه وكيل شخص بحق لموكله: أبرأني موكلك الغائب أو قضيته حقه انظر إلى أن يعلم ما عنده لا بالاجتهاد، فلا يصح أن يرجع قوله: بالاجتهاد لهذه أيضا، وإنما ينظر بكفيل بمال على الأرجح لأنه مقر به إن قربت غيبة الموكل، فإن بعدت قضي عليه بالدفع من غير يمين الوكيل انه ما يعلم موكله أبرأ أو اقتضى، خلافا لابن كنانة لأنه لا يحلف ليستحق غيره، ثم إن قدم الموكل من البعيدة حلف وتم الأخذ، فإن نكل حلف الغريم ورجع على الوكيل بما دفعه له. اهـ. وقال البناني: وإن قال أبرأني موكلك الغائب أنظر؛ أي إذا قال المدين لوكيل رب الدين الغائب أبرأني موكلك أنظر أي أخر حتى يحلف الغائب أنه ما أبرأه، وظاهره في الغيبة القريبة

стр. 8381

والبعيدة، وهذا حكاه اللخمي بلفظ، قيل: والمنصوص لابن القاسم في سماع عيسى أنه يقضى بالحق على المطلوب ولا يؤخر، ولم يفرق بين كون الموكل قريبا أو بعيدا، وفرق ابن عبد الحكم بين قربه وبعده. ابن رشد: وهو عندي تفسير لقول ابن القاسم. ابن رشد: زاد ابن كنانة أنه لا يقضى عليه في بعيد الغيبة حتى يحلف الوكيل على نفي العلم. ابن عبد السلام: وهو بعيد جدا لأنه يحلف لينتفع غيره. اهـ المراد منه. وتحصل من هذا أن الراجح أنه ينظر في القريبة إلى أن يعلم ما عند الموكل الغائب، وأنه في البعيدة يقضى على المدين بالدفع من غير يمين الوكيل، وبه على ما لابن كنانة وفيه ما فيه، وقيل ينظر مطلقا أي في القريبة والبعيدة إلى أن يعلم ما عند الموكل. والله تعالى أعلم. ومن استمهل لدفع بينة أمهل بالاجتهاد يعني أن من أقيمت عليه بينة بحق لشخص، فطلب المهلة لدفع تلك البينة بأن يثبت أنه دفع الحق أو أنه أبرأه منه أو طلب دفعها لعداوة أو نحو ذلك، فإنه يمهل باجتهاد الحاكم، قال عبد الباقي: ومحل المص إن قربت غيبته كجمعة وإلا قضي عليه وبقي على حجته إذا أحضرها. اهـ. كحساب وشبهه يعني أن المدعى عليه إذا طلب المهلة لأجل حساب يظهره أو لشيء مكتوب عنده ليكون في جوابه بإقرار أو إنكار في ذلك على بصيرة، فإنه يجاب إلى ذلك ويمهله القاضي باجتهاده. بكفيل بالمال قيد فيما قبل الكاف فقط، يعني إنه إنما يمهل فيما قبل الكاف إذا أعطى كفيلا بالمال، وأما ما بعدها فبكفيل بالوجه على المعتمد. قال عبد الباقي: كحساب وشبهه من شيء مكتوب عنده، طلب المهلة للنظر فيه أو ليتفكر ما يجيب به جزما، فهو غير منكر بل أتى بما يحتمل الإقرار، ولا يعارض هذا ما تقدم في قوله: "ولم يجب وكيل للخصومة ولا كفيل بالوجه بالدعوى إلا بشاهد"، لحمل ما تقدم على المنكر وإمهالهُ لدفع البينة يكون بكفيل أي معه بالمال، فهذا راجع لما قبل الكاف فقط، وأولى لقوله أنظر كما مر، وأما ما بعدها فبكفيل بالوجه على المعتمد، إلا أن يحمل على ما إذا وقع طلب حساب وشبهه بعد شهادة بينة عليه بالحق، ويفوت المص حينئذ ما إذا كان طلبه للحساب وشبهه قبل إقامتها. اهـ.

стр. 8382

كإن أراد إقامة ثان تشبيه في الإمهال وفي لزوم كفيل بالمال؛ يعني أن المدعي إذا أقام شاهدا وطلب المهلة لأجل إقامة شاهد ثان فإنه يجاب إلى ذلك، ويلزم المطلوب حميل بالمال لأن له الحلف مع شاهده. قاله غير واحد. أو لإقامة بينة عطف على قوله: "لدفع" يعني أن المدعي إذا استمهل لأجل إقامة بينة، وطلب من المدعى عليه كفيلا بعد دعواه المجردة، فليس على المطلوب أن يأتيه بكفيل بالمال، ولكن عليه أن يأتيه بحميل بالوجه، وقدم في باب الضمان أنه لا يجب وكيل للخصومة ولا كفيل بالوجه بالدعوى، وهذا الذي ذكره هنا من لزوم حميل بالوجه بالدعوى في المدونة، وفيها أيضا نفيه أي نفي حميل الوجه كما هو سياقه، واختلف الشيوخ هل ما في الموضعين من المدونة خلاف أو وفاق؟ وهو أحد وجهين أحدهما المراد بالحميل وكيل يلازمه أي يلازم المطلوب ويحرسه لأنه يطلق على الوكيل حميل، أو المراد بقوله: "فبحميل بالوجه" إن لم تعرف عينه أي عين المدعى عليه بأن لم يكن مشهورا لتشهد البينة على عينه، فإن كان معروفا مشهورا لم يلزمه حميل بوجه؛ لأنا نسمع البينة في غيبته ثم يعذر إليه قيها إلا أن يخشى تغيبه. تأويلات. مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلات ثلاثة، واحد بالخلاف واثنان بالوفاق، قال البناني: قال ابن الحاجب: ومن استمهل لإقامة بينة أو لدفعها أمهل جمعة ويقضى ويبقى على حجته. وللمدعي طلب كفيل في الوجهين. اهـ. التوضيح: أي طلب أن يمهل لإقامة بينة هذا في حق المدعي أو لدفعها، هذا في حق المدعى عليه أمهل جمعة هو لغير ابن القاسم في المدونة ابن عبد السلام: والمذهب لا تحديد في ذلك، قال غير واحد من أهل المذهب: ضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد القضاة والحكام. ابن رشد: العمل على أحد وعشرين يوما، وذكر ابن سهل وغيره في الأصول خمسة عشر يوما ثم ثمانية ثم أربعة ثم ثلاثة تتمة للثلاثين يوما. ذكره ابن العطار. وقوله: وللمدعي طلب كفيل في الوجهين أي في إقامة البينة وفي دفعها، وأجمل في الكفيل إذ لم يبين هل بالوجه أو بالمال، فأما المطلوب إذا أجل لدفع البينة فللطالب أخذ حميل بالمال. المازري: وكذلك لو أقام عليه شاهدا وطلب ذلك المدعي ليأتي بشاهد آخر، وأما إن طلب المدعي

стр. 8383

كفيلا حتى يقيم البينة بالحق، فحكى المازري الاتفاق على أنه لا يلزمه حميل بالمال، وأما بالوجه ففي الحمالة من المدونة: لا يلزمه، وفي الشهادات منها: يلزمه، ثم قيل: ما في الموضعين خلاف، وقال أبو عمران: المراد بالكفيل في الشهادات وكيل يلازمه، وقال ابن يونس: لزوم الكفيل إذا لم يكن المدعى عليه معروفا مشهورا ليوقع البينة على عينه. اهـ. باختصار. هذا شرح ما أشار إليه المص في هذا الفصل. والله أعلم. تنبيهان: الأول: قوله: "فبحميل بالوجه" مقيد بقيدين، أحدهما أن لا يدعي بينة قريبة بكالسوق كما تقدم في الحمالة، والثاني وجود الخلطة أو التهمة كما في المدونة، ففي الشهادات من المدونة: ومن ادعى قِبَلَ رجل دينا أو غصبا أو استهلاكا، فإن عرف بمخالطته في معاملة أو علمت تهمة فيما ادعي قبله من التعدي والغصب نظر فيه الإمام، فإما أحلفه أو أخذ له كفيلا حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له، وفي الحمالة من المدونة: ومن كان بينه وبين رجل خلطة في معاملة فادعى عليه حقا لم يجب له كفيل بوجه حتى يثبت حقه. اهـ. الثاني: وقع في شرح عبد الباقي عند قوله: "فبحميل بالوجه" ما نصه: أي إن أقام المدعي شاهدا يحتاج لتزكية وكان مُزَكِّيهِ أو إقامةُ ثان بَعِيدًا عن السوق، وكذا البينة التي يريد إقامتها لا بد من إقامة شاهد على دعواه لخ، قوله: بعيدا خبر كان، وقوله: إن أقام المدعي شاهدا لخ، قال البناني: هذا القيد غير صحيح، وقوله: وكذا البينة التي يريد إقامتها لخ غير صحيح أيضا، والحاصل أنه ليس هنا إلا قيدان، أحدهما أن لا يدعي بينة قريبة إلى آخر ما مر. ويجيب عن القصاص العبد يعني أن العبد إذا ادعى عليه دعوى يلزمه بمقتضى الإقرار بها حكم في بدنه من قصاص نفس أو طرف وفي معنى ذلك الحدود، فإن جواب هذه الدعوى على العبد أي يلزم العبد أن يجيب من ادعي عليه موجب قصاص منه بإقرار أو إنكار؛ لأن ذلك إنما يكون في بدنه. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: ويجيب - عن دعوى جناية القصاص أو الحد أو الأدب من الأحكام المتعلقة ببدنه - العبد إذا ادعي عليه بذلك؛ لأنه الذي يتوجه عليه الحق ويقع عليه الحكم فيدعى عليه بذلك، فيلزمه الجواب ولا يقبل قول سيده في ذلك لأنه إقرار على

стр. 8384

غيره، وكذا مدعى عليه بمال فيجيب عنه، فإن أقر به أخذ بإقراره إن كان مأذونا وإلا وقف الأمر على السيد، فإن عتق قبل العلم لزمه كما في الحطاب، فقوله. في باب الإقرار: "كالعبد في غير المال" مراده غير المأذون فلا يتعلق بما في يده، وأما المأذون فتقدم أنه يؤخذ ما في يده وإن مستولدته، كعطيته لا غلته ورقبته. وسيأتي في باب الكتابة أن المكاتب ليس له إقرار بجناية خطإ ونحو ذلك، وإن أقر العبد بسرقة لزمه القطع بلا غرم وإقرار السيد عليه بها بالعكس، وقيد المص هنا بما إذا لم يتهم، فإن اتهم في جوابه لم يعمل به كإقراره بقتل مماثله واستحياه سيد مماثله ليأخذه فيبطل حق الولي إن لم يكن مثله يجهل ذلك، وإلا فله أن يرجع للقصاص بعد حلفه. اهـ. كلام عبد الباقي. وقال الحطاب: قال ابن فرحون في التبصرة، ومن أنواع المدعى عليهم العبد، فإذا ادعي عليه بما يوجب القصاص فيلزمه الجواب، وإن ادعي عليه بما يوجب الأرش فيطلب الجواب من السيد، وإن ادعي عليه بما يوجب المال فيطلب الجواب من العبد، فإن أقر وكان مأذونا فهو كالحر، وإن لم يكن مأذونا وقف إقراره على سيده، فيرده [أو يلزمه إياه] (١)، فإن عتق قبل أن يعلم ما عند السيد لزمه الدين ولا يحكم القاضي بإلزام الدين ذمته حتى يثبت عنده ما عند السيد فيه من إلزام أو إسقاط وذلك بعد أن يثبت عنده ما للعبد من إذن أو حجر، فإن لم يثبت شيء فهو على الحجر حتى يثبت عنده خلافه. اهـ قول عبد الباقي والحطاب إن العبد يجيب عن المال إذا ادعي عليه. قال الرهوني: المراد في المال الذي تعامل به معه مالكه، مثل أن يدعي عليه بسلف أو بيع أو إجارة أو كراء أو يدعي عليه بوديعة أو عارية أو نحو ذلك، وأما إن ادعي عليه أنه غصب مالا أو تعدى عليه ونحو ذلك، فالذي يجيب عنه هو السيد، ويدخل هذا في قول المص: وعن الأرش السيد لأن هذا من باب الجناية، وقد أحكمت السنة أن العبد فيما جنى، فإذا ثبت عليه شيء من ذلك وجب على السيد أن يفتَكَّه أو يسلمه، بخلاف ما ثبت عليه من بيع وما ذكر

стр. 8385

معه، بل له أن يسقطه عنه فيسقط ولا يؤاخذ به إذا عتقه بعد الإسقاط، فإن عتق قبل الإسقاط لزمه وهذا أمر معلوم مذكور عند المص في مواضع وعند غيره. اهـ. وعن الأرش السيد يعني أن العبد إذا جنى جناية توجب الأرش أي ما لا قصاص فيه وإنما فيه الأرش، فإن الذي يجيب عن ذلك هو السيد والأرش كالخطإ وقطع الحر ولو عمدا. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ويجيب عن إقراره في موجب الأرش السيدُ لا العبدُ إلا لقرينة تصدقه، كمشي دابة ركبها على إصبع صغير فقطعته فتعلق به الصغير وهي تدمى، فيقول فعل بي هذا فصدقه العبد فيقبل ويتعلق برقبته. اهـ. وقال الشبراخيتي: ويجيب عن دعوى جناية القصاص أو الحد أو الأدب العبد، لأن جواب الدعوى إنما يعتبر فيما يؤاخذ به المجيب لو أقر به، وإقرار العبد بالأحكام المتعلقة ببدنه يلزمه، فيلزمه الجواب عنها ولا يقبل قول سيده فيها لأنه إقرار على غيره، إلا أن تقوم قرينة على كذبه. اهـ. وقال ابن مرزوق: وَالْحَاصِلُ أنه إذا ادعى عليه جناية عمد يلزمه فيها القصاص فالمجيب العبد ويلزمه إقراره، وإن ادعي عليه جناية توجب الأرش أي غرم المال فجواب هذه الدعوى على سيد العبد، ولا يلزم العبد أن يقر بها لأنه لا يعطيها من ماله لأنه محجور عليه، قال في الرسالة: وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه، وما كان في رقبته فلا إقرار له فيه، وقال في آخر كتاب الوديعة: وإن أودعك عبد وديعة وهو مأذون أو غير مأذون، ثم غاب فقام سَيِّدُهُ ليأخذها فله ذلك. اهـ. وقال الخرشي: في اللباب ما حاصله أن العبد يُدعَى عليه في القصاص، والسيد يدعى عليه في الأرش. اهـ. تنبيهات: الأول: قال مطرف: إذا شهد للمأذون شاهد بحق ونكل لا يحلف سيده ونكوله كإقراره جائز، فإن مات حلف السيد لأنه وارثه. اهـ. قاله الحطاب. الثاني: قال في الموازية: إن بعت لابنك الصغير حلفت مع الشاهد، فإن رددت اليمين على المشهود عليه حلف وبرئ وغرمته، وكذلك يغرم الوصي إذا ادعى غريم الميت الدفع للوصي فرد الوصي اليمين على الغريم لجنايته برد اليمين. اهـ. قاله الحطاب.

стр. 8386

الثالث: قال مالك: إذا استحق من يدك ما اشتراه شريكك الغائب المفاوض وشهد شاهد أن شريكك اشتراه حلفت أنت معه. قاله الحطاب. الرابع: قال ابن كنانة: إن وكلته وثبتت الوكالة وجحد البائع وشهد شاهد حلفت معه، وإن لم تثبت الوكالة حلف الوكيل. اهـ. قاله الحطاب أيضا. وقال الخرشي: إذا توجهت يمين على ولي المحجور في مال محجوره، فرد اليمين على المطلوب وحلف غرم الولي لرده اليمين، وإذا أنكر الوكيل على قبض ثمن القبض وكان صغيرا أو نحوه حلف الموكل ما يعلم وصوله لوكيله واستحق. قاله مالك. اهـ. الخامس: قال الرهوني عند قوله: "وعن الأرش السيد" ما نصه: فائدة هذا توجه اليمين عليه؛ يعني على السيد عند الإنكار لا على العبد هذا الذي يدل عليه كلامه، وكاد أن يكون صريحا في كلام التوضيح وفي كلام ابن عرفة. اهـ. وقال التتائي عند قوله: "وعن الأرش السيد": أطلق هنا، وفي توضيحه إلا أن تقوم قرينة توجب قبول إقرار العبد فيها بالمال كما في كتاب الديات في عبد راكب على برذون مشى على إصبع صبي فقطعها فتعلق به وهو يدمى، فيقول: هذا فعل بي فصدقه العبد أن الأرش يتعلق برقبته. البساطي: قد يقال: إن عدم قبول العبد في الأرش إنما هو للاتهام وفي هذه الصورة وشبهها لا تهمة. اهـ. وحيث قبل إقراره في القصاص فعفا عنه مستحقه على أن يأخذ العبد فليس له ذلك؛ لأن العبد يتهم على إرادة الفرار من سيده بإقراره على هذا الوجه. قاله في المدونة. اهـ. واليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو يعني أن اليمين القاطعة للنزاع هي في جميع الحقوق أن يقول من توجهت عليه: بالله الذي لا إله إلا هو، والواو كالباء، قال الفاكهاني: والصحيح من المذهب الإجزاء بقول: والله الذي لا إله إلا هو، وفي المنتقى للباجي: واتفق أصحابنا على أن الذي يجزئ من التغليظ باليمين: والله الذي لا إله إلا هو. انتهى. فإن قال: والذي لا إله إلا هو، أو قال: والله فقط، فإن ذلك لا يجزئه. وقال الخرشي: لا بد أن يأتي بالاسم والوصف ولا يكفي أحدهما، وإن كان كافيا في كونه يمينا تكفر. وقال عبد الباقي: واليمين المتوجهة عند حاكم

стр. 8387

أو محكم على مدع أو مدعى عليه بمجرد طلب الخصم اليمين من خصمه بدون من ذكر لا يلزمه الحلف به في كل حق مال إلا اللعان والقسامة؛ إذ يقول في الأول: أشهد بالله كما قدمه، وفي القسامة: أقسم بالله لمن ضربه مات، وكيفيتها في كل حق غير هذين أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أي بهذا اللفظ، فلا يكفي الاسم دون وصفه المذكور، وإن كانت يمينا تكفر لأن الغرض هنا زيادة التخويف، وهو إنما يحصل بهما والواو كالباء كما في أبي الحسن. أهـ. ويأتي الكلام على تحقيق اليمين في القسامة، وقال الخرشي: وكيفية اليمين القاطعة للنزاع بين الخصوم: بالله الذي لا إله إلا هو، فلا بد أن يأتي بالاسم والوصف، ولا يكفي أحدهما فقط وإن كان كافيا في كونه يمينا، ولا يكفي غير ذلك من أسماء الله وصفاته، وقضية عبارتهم أجمعين أنه لابد من حذف الفعل، فلو صرح به فقال: أحلف أو أقسم بالله الذي لا إله إلا هو فلا يكفي وهو واضح؛ لأن الفعل إذا ذكر احتمل الإخبار فحذفوه دلالة على الإنشاء. قوله: "بالله" ومثل الباء الواو، وأما التاء فلم يرد الحلف بها في الحقوق الشرعية وإن كانت من حروف القسم اللغوي. تنبيهات: الأول: قال البناني: لا بد في اليمين أن تكون بحضرة الخصم، فلو أحلفه القاضي من غير حضور الخصم فإنه لا يجزئه ذلك. قاله الباجيُ. فعلى هذا ما يكتبه الموثقون من قولهم أحلفه القاضي بحضرة خصمه وتَقَاضِيهِ اليمينَ شرط. قاله أبو الحسن. الثاني: لو وجبت اليمين لورثة أو غيرهم، فأحلفه القاضي لبعضهم فلا يحلف للآخرين ثانية. قاله أبو الحسن. نقله البناني. الثالث: قال ابن عرفة: قول ابن الحاجب: ولا يحلف مع البينة إلا أن يدعى عليه طرو ما يبرئه من إبراء أو بيع هو قولها في اللقطة وغيرها: ولا يستحلف طالب الحق مع شاهديه، يريد غير يمين الاستحقاق في غير الربع على المشهور، وقال ابن الحاجب: واليمين في الحقوق كلها: بالله الذي لا إله إلا هو فقط على المشهور، وروى ابن كنانة يزاد في ربع دينار، وفي القسامة واللعان: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. اهـ. التوضيح: المعروف من المذهب المنصوص عند جميع المالكية أنه لا يكتفى، بقوله: بالله فقط، وكذلك لو قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أجزأه حتى يجمع بينهما. اهـ.

стр. 8388

الرابع: قال الخرشي: قد علمت أن اليمين الشرعية في كل حق لا يوجبها إلا الحاكم أو المحكم وإلا فلا يمين على المطلوب؛ أي ليس لخصمه أن يحلفه. اهـ. الخامس: قال الحطاب عند قول المص: "واليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو": قد يتبادر أنه لا بد في اليمين أن يكون حرف القسم فيها الباء؛ لأن غالب من وقفت على كلامه من أهل المذهب يقول: لما تكلم على صفة اليمين، واليمين: بالله الذي لا إله إلا هو، أو يقول: وصفة اليمين أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو، ونحو ذلك، إلا أن الظاهر أنه لا فرق بين الباء وغيرها من حروف القسم، لكني لم أقف على نص في التاء الفوقانية، وأما الواو فغالب من رأيت كلامه من أهل المذهب كاللخمي وابن فرحون وابن عرفة والجزولي والشيخ زروق في شرح الإرشاد وغيرهم يقول بعد كلامه المتقدم: إذا قال والله ولم يزد، أو قال: والذي لا إله إلا هو، قال الشيخ أبو الحسن: قال أشهب: وإن حلف، فقال: والذي لا إله إلا هو لم يقبل منه، وكذا إذا قال: والله فقط: حتى يقول: والله الذي لا إله إلا هو لخ. ولو كتابيا بعني أن الكتابي كالمسلم في الحلف بالله الذي لا إله إلا هو ولا يكون ذلك إيمانا منه، فلا يزيد اليهودي الذي أنزل التوراة على موسى، ولا النصراني الذي أنزل الإنجيل على عيسى. وقوله ولو كتابيا هذا هو المشهور وعليه تؤولت المدونة. وأشار إلى مقابل المشهور بقوله: وتؤولت أيضا على أن النصراني يقول: بالله فقط يعني أن المدونة تؤولت أيضا على أن النصراني يقول في حلفه في كل حق: بالله فقط، وأما اليهودي فيقول: بالله الذي لا إله إلا هو، وتؤولت أيضا على أن اليهودي والنصراني كل واحد منهم، إنما يحلف بالله فقط. التوضيح. وظاهر قول مالك أن المجوسي يحلف كما يحلف المسلم: بالله الذي لا إله إلا هو، وقيل: لا يلزمه أن يقول إلا: بالله فقط، وفي بعض النسخ بإسقاط أيضا. والفرق على هذا التأويل الذي في التوضيح أن النصراني لا يَقُولُ بالتوحيد بخلاف اليهودي، واعْتُرِضَ بما ذكر الله عنهما في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، فهما متساويان في عدم القول بالتوحيد. قاله عبد الباقي. قال البناني: أصل هذا الاعتراض للبساطي، وأجاب

стр. 8389

الفيشي بأن اليهود إنما قالوا ببنوة عزير دون أُلُوهِيَّتِه، والنصارى قالوا ببنوة عيسى وأُلُوهِيَّتِه، فافترقا. قال: وخفي هذا الفرق على البساطي. اهـ. وعلم مما مر ثلاثة تأويلات أحدها: أن الكتابي يقول: بالله الذي لا إله إلا هو كالمسلم. ثانيها: أن النصراني يقول بالله فقط، بخلاف اليهودي فيقول كما يقول المسلم. ثالثها. أن اليهودي والنصراني كل منهما يقول: بالله فقط، الأول لابن شبلون، والثاني لغيره، والثالث لابن محرز. وغلظت في ربع دينار بجامع يعني أن اليمين تغلظ أي تثقل في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عرض يساوي أحدهما، وتغليظها يكون بالجامع الأعظم الذي فيه الخطبة كما في ابن مرزوق، لا بمسجد ولو مسجد جماعة. قال الشبراخيتي: الباء معدية لا ظرفية والجامع آلة التغليظ، وذلك لأنها لو كانت ظرفية لكان المعنى أن التغليظ يكون في الجامع، ولا يدرى ما الذي يغلظ به. اهـ. وفيما قاله نظر، فإن باء الآلة ليست للتعدية وإنما التي للتعدية هي العاقبة للهمزة، نحو: ذهبت بزيد أي أذهبته ولا يصح في كلامه هنا إرادة التعدية العامة لأنها لا فرق فيها بين التي للظرفية والتي للآلة وغيرهما. والله تعالى أعلم. وغلظت يمين الحالف أي ثقلت من الغلظ الذي هو مقابل الرقة في ربع دينار فصاعدا لا دونه بم إذ هو أقل مال له بال. انتهى. وقد علمت أن مثل ربع الدينار ثلاثة دراهم وعرض يساوي أحدهما، قال عبد الباقي: وغلظت وجوبا لحق الطالب فمن امتنع منه عد ناكلا لا لحق الله في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عرض يساوي أحدهما لشخص واحد ولو على اثنين متضامنين. انتهى. أي لأن كلا منهما كفيل عن الآخر يلزمه أداء الجميع، وعبارة القرافي كما إذا ادعى أحد المتفاوضين على شخص بثلاثة دراهم، فليس عليه أن يحلف بالجامع لأن كل واحد إنما يجب له درحم ونصف، ولو ادعى عليهما بثلاثة دراهم حلفهما في الجامع لأن كل واحد عليه درهم ونصف وهو كفيل بالباقي، فالثلاثة على كل واحد منهما، وأما ما هو أقل من ربع دينار من المذهب أو أقل من ثلاثة دراهم من الفضة أو عرض لا يساوي أحد الأمرين فلا تغلظ فيه اليمين ولو وجب دفعه وكان تافها وادعى به فتتوجه فيه اليمين، بدون تغليظ. قاله عبد الباقي.

стр. 8390

وقال: والتغليظ يكون بجامع أي الحلف فيه نفسه تغليظ، فالباء للآلة لا للظرفية إذ ليس المراد تغليظ زيادة على ما تقدم في الجامع، فإن امتنع من الحلف فيه كان كالنكول. اهـ. يعني أن كونها للظرفية يقتضي أن المراد اليمين إذا وقعت في الجامع تغلظ بصفات أخر زائدة على الوصف، بالله الذي لا إله إلا هو وليس كذلك، بل اليمين واحدة في الجامع وغيره، لكن في ربع دينار تغلظ بوقوعها في الجامع. قاله البناني. فروع: الأول: سئل أبو الحسن عن قوم لا جامع لهم؟ فأجاب: يحلفون حيث هم، ولا يجلبون إلى الجامع. اهـ. وقال التازغدري: يجلبون إلى الجامع بمقدار مسافة الجمعة، وقيل بنحو عشرة أميال وإلا حلفوا بموضعهم. نقله في المعيار. قاله البناني. الثاني: إذا زعم من وجب حلفه عجزه عن الخروج لمرض، ففي نوازل الشعبي أربعة أقوال، قال ابن بقي: إن ثبت ذلك ببينة حلف ببيته وإلا أخرج، وقال ابن حارث: وإلا حلف لا يقدر على الخروج أو رد اليمين، وقال ابن لبابة: إن ثبت مرضه حلف ببيته في المصحف وإلا حلف على عجزه وخير المدعي في الأمرين، وقال ابن زرب: يختبره القاضي ببَعثِهِ له شاهدين، وأنكر هذا القول محمد بن ميسور. اهـ نقله ابن عرفة. قاله البناني. الثالث: قال الرهوني: قال في المدونة: وكل شيء له بال فإنه يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه. ابن ناجي: يعني ربع دينار أو ثلاثة دراهم شرعية وما ذكره في حلفه في الجامع الأعظم، قال المازري: هو المعروف، وفي المذهب ما يشير إلى مساواة مساجد الجماعات والقبائل للجامع الأعظم، وأصله لشيخه ابن عرفة. الرابع: قال الرهوني: ظاهر كلام المدونة وغيرها كالمص أنه يحلف في المسجد الجامع مطلقا، لكن قال ابن ناجي: ويريد في الكتاب ما لم تكن بلدة يعظمون مسجدا من مساجد بلدهم غير جامعهم فإنهم يحلفون به، وبه حكمت ببلد سبتة لما وجدت ذلك بها، وكذلك الحكم ببلد قفصة لما كان ذلك بها، ونقله أبو علي بحاشية التحفة، وقال عقبه: واحتججنا بهذا حين ولينا القضاء بالمدينة البيضاء: فاس الجديد. وقد وجدنا جل أهلها يعظمون جامع مسجد الحجر، وكنت إذا

стр. 8391

رأيت الدعوى قريبة وطلب رب الحق التحليف بهذا المسجد مكنته من التحليف به بعد أن أعلمه أن الجامع الأعظم هو الذي تجب له اليمين [به] (١)، وإنما سقنا هذا تقوية للتحليف على المصحف لمن طلبه، إذ بمثل كلام ابن ناجي نعرف أن الدار في الأيمان هو المحل الذي يرهب به الحالف. اهـ. الخامس: قوله: "بجامع" يعني إذا كان الحالف مسلما، قال التتائي: بجامع من مسلم، وقال الخرشي: ويكون التغليظ في حق المسلم بالجامع. اهـ. وقال ابن مرزوق: وهذا التغليظ يكون بمكان اليمين كالمسجد الجامع الذي فيه الخطبة إن كان الحالف مسلما. السادس: قال المتيطي إذا ادعى رجل على رجل حقوقا وزعم أنه لا بينة له في بعضها وأن له بينة على بعضها وذهب إلى استحلاف المدعى عليه فيما لا بينة له فيه، وأن يبقى على إقامة البينة فيما له فيه بينة، فإنه إن التزم إن لم تقم له بينة على ما زعم أن له فيه بينة أن لا يكون له يمين على المدعى عليه، كان له أن يستحلفه فيما لا بينة له فيه، فإن أقام بينة على ما زعم من دعاويه عمل بها وإلا فلا يمين له عليه، وإن لم يلتزم ذلك لم يكن له أن يستعجل يمينه فيما لا بينة له عليه، ويؤخر ذلك حتى تقوم البينة التي زعمها على البعض، فإن أتى بها وإلا جمع دعاويه كلها وحلف له على الجميع كما نقله الناصر اللقاني. قوله: وإن لم يلتزم ذلك، محله ما لم يرض المدعى عليه بالحلف فله ذلك. السابع: قال الخرشي: ويجوز للقاضي أن يحلف الخصم بالطلاق إذا علم أنه لا يصدق بالله، كما نص على ذلك. ابن عاصم: أخذه من قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. اهـ. وقال الرهوني: في المواق والعيار وغيرهما عن ابن وضاح أن ابن عاصم كان يُحَلِّفُ بالطلاق، وابن عاصم من رواة ابن القاسم وروى عن أشهب أيضا وكان محتسبا بالأندلس. اهـ. ومع هذا فذلك غير مرتضى فإن سحنون لم يرتض قول ابن عاصم، وقد بحث فيه الشيخ ميارة في شرح التحفة وقد جزم أبو علي بعدم الجواز، فقال بعد أنقال: قال كاتبه عفا

стр. 8392

الله عنه: التحليف بالطارق لا يحل ولا يجوز أصلا، وربما كان هذا الطلاق هو آخر الثلاث ويصعب عليه مفارقة زوجته فيبقى معها على حرام وذلك هو الداهية العظمى. اهـ. قال الرهوني: وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، والنبي ﷺ قد بين كيفية اليمين، (وأخبر أن الحالف ظلما يلقى الله وهو عليه غضبان)، وأنزل الله تعالى مصداق ذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. الآية. وعمل بذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم من أئمة المسلمين، فكيف يعدل عن الحكم بما بينه وضمل به وأجمع على العمل به أصحابه فمن بعدهم إلى الحكم بما نهى عنه ﵊ ومن لم تصلحه السنة لا أصلحه الله؟ وفي نوازل الشهادات من المعيار يحكى أن بعض الملوك المتأخرين كتب إلى فقيه من الفقهاء أن الناس فسدوا فاكتب لي أن أحكم بينهم بما يليق بهم فإني استوفيت لهم الطالب الشرعية فأكل الناس بعضهم بعضا، فأجابه: لو علم الله مصلحة لهذه الأمة غير الشريعة التي اختارها على لسان نبيه ﷺ لاختارها لهم، فلا حكم إلا بما جاء به الشرع والسلام. قال مالك بن أنس: لمن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: لست بمبتدع ولكني متبع. اهـ. الثامن: قال الشبراخيتي عند قوله: "وغلظت في ربع دينار": وظاهره وجوب التغليظ وإن لم يطلبه مستحق اليمين، لكن نص القرافي وغيره على أنه من حق من توجهت اليمين من أجله، واختلف في ذلك هل هو واجب أو أولى، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا حلف على عدم التغليظ هل يُحَنَّث أو لا؟ فعلى الوجوب يُحَنَّث وعلى عدمه فلا يُحَنّثُ، وأيضا على الوجوب تعاد يمينه وعلى عدمة لا تعاد: وأيضا على الوجوب يكون ناكلا بامتناعه وعلى مقابله لا يكون ناكلا بذلك، ولو كان الرفع لشخصين ولو متفاوضين على شخص واحد فإنها لا تغلظ، وإن كان المدعى عليه شخصين متفاوضين والمدعى به ربع دينار لواحد فإنه تغلظ اليمين على كل واحد، والمراد بالدينار هنا دينار الدم الذي هو اثنا عشر درهما، لأن اليمين ملحقة بالحدود فهي ملحقة بالسرقة لا دينار الزكاة وهو عشرة دراهم. اهـ. وقال الخرشي: والتغليظ واجب ومن امتنع منه عد ناكلا،

стр. 8393

وظاهر كلامهم أنه من حق الخصم فله أن يرضى بتحليف من توجهت عليه اليمين في مجلس الشرع لا من حق الله. وقوله: "في ربع دينار" أو ما يتضمنه كالنكاح والطلاق لأن النكاح لا يصح إلا بربع دينار والطلاق فرعه والعتق والدماء. اهـ. كالكنيسة يعني أن التغليظ يكون في الجامع في حق المسلم، ويكون في حق اليهودي بالكنيسة، ويكون في حق النصراني بالبيعة، والكنيسة: مسجد اليهود، والبيعة: مسجد النصارى، ويكون التغليظ للكافر المجوسي ببيت النار، قال عبد الباقي: كالكنيسة لليهودي والبيعة للنصراني وبيت النار للمجوسي وحيث يعظمون، وللمسلم الذهاب لتحليفهم بتلك الواضع وإن كانت حقيرة في نظر الشرع، لأن المقصد صرفهم عن الإقدام على الباطل ويؤخذ من ذلك بالأولى جواز حلف المسلم على المصحف أو براءة أو أضرحة المشايخ أو بالطلاق الثلاث أو نحو ذلك حيث لا ينفك عن الباطل إلا بذلك، ويدل على الجواز أيضا أن من قواعد الشرع ارتكاب أخف الضررين وهو تحليفه على ما ذكر دون ضياع الحق، ويوافقه قول الرسالة عن عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور: وتقدم عن ابن فرحون أن للقاضي أن يحلف الشاهد بالطلاق إن اتهمه. اهـ كلام عبد الباقي. قوله: ويؤخذ من ذلك جواز تحليف المسلم على المصحف يعني يحلف بالله ويضع يده على المصحف، وقوله: أو براءة يعني السورة المعلومة، وقوله: أو أضرحة المشايخ أي يحلف بالله عندها لا أنه يحلف بصاحب القبر كما يفعله كثير من الجهلة، وما ذكره في المصحف تقدم في كلام أبي علي تقويته، وقال ابن ناجي عند قول المدونة: ويحلفون في كنائسهم وحيث يعظمون: أخذ شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي على ما بلغني من هنا أن الأعراب الذين يعظمون الحلف بالمصحف يحلفون به بجامع التعظيم، فكما قالوا: يحلف الكفار حيث يعظمون، فكذلك الحلف بالمصحف ولم يرتض فتواه بذلك بعض شيوخنا لظاهر نصوصهم، وسمعت شيخنا حفظه الله يفتي بالثاني ثم رجع إلى الأول. اهـ. وقوله: أو بالطلاق الثلاث، انظر من زاد الثلاث فإن الذي في المواق والمعيار وغيرهما عن ابن وضاح أن ابن عاصم كان يُحَلِّفُ بالطلاق، وكلام هؤلاء الأئمة ليس فيه ذكر الثلاث، ومع هذا فهو غير مرتضى فلم يرتضه سحنون أي لم يرتض قول ابن عاصم: إنه

стр. 8394

يحلف بالطلاق، وقد بحث فيه الشيخ ميارة، وقد جزم أبو علي بعدم الجواز إلى آخر ما مر عن الرهوني وقد مر عن الرهوني، أن عدم جواز التحليف بالطلاق هو الحق الذي لا محيد عنه، قال: وأما توجيه سيدي يعيش بأنه أرتكاب أخف الضررين وتسيلم ابن قاسم له ففيه نظر؛ لأن ضرر الحلف بالطلاق محقق وضرر أكل أموال الناس غير محقق. والله تعالى أعلم. وبالقيام يعني أن التغليظ يكون بالقيام أي يحلف قائما، قال التتائي: وغلظت بالقيام في ربع دينار لا جالسا. ابن هشام: وبه القضاء ونحوه في الرسالة. اهـ. لا بالاستقبال يعني أن اليمين لا تغلظ بالاستقبال وهو مذهب المدونة، لكن على القول بالاستقبال جرى ابن سلمون قائلا به العمل وعليه درج في التحفة وهو قول الأخوين. قاله البناني. وقال المواق: قال مالك في كتاب ابن سحنون: يحلف جالسا، وفي كتاب محمد: يحلف قائما، ومن المدونة: ليس عليه أن يستقبل بيمينه القبلة. اهـ. وقال عبد الباقي: وبالقيام لا بالاستقبال إلا أن يرهب منه، فيكف عن الباطل؟ وبمنبره ﵊ يعني أن التغليظ يكون بمنبر النبي ﵊، قال الشبراخيتي: الباء بمعنى عند كما هو ظاهر المدونة، أو بمعنى على وهو قول ابن المواز، لقوله: يحلف عليه، وكلام المص محتمل للقولين، وقوله: فقط قيد في المنبر، ويحلف في مكة عند الركن الذي فيه الحَجَرُ الأسود لأنه أعظم مكان فيه، ويحلف في غيرهما في الجامع الأعظم. اهـ كلام الشبراخيتي. وقال ابن مرزوق: وقوله: "فقط" أي إنما يكون التغليظ بالمنبر في منبر النبي ﷺ لا في منبر سائر البلاد، وظاهر كلام المص أن الجامع كله سواء وأن مطلقه كاف في التغليظ، وفي المدونة: أنه يحلف في أعظم مواضعه وكان حقه أن ينبه عليه، ونص هذه الجملة من المدونة: وكل شيء له بال فإنه يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه، وليس عليه أن يستقبل القبلة ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبره ﷺ في ربع دينار فأكثر. اهـ.

стр. 8395

ابن يونس: قال ابن حبيب: قيل لمالك: أيحلف قائما أو قاعدا؟ قال: قائما أبين، وقال عند ابن القاسم: يحلف قائما إلا من علة، وقال ابن كنانة: يحلفون في مدائنهم وأمصارهم في مساجد جماعاتهم جلوسا لا قياما [ويتوخوا بأيمانهم] (١) في المال العظيم وفي الدماء واللعان الساعاتِ التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة، وأما ما سوى ذلك من حق أو مال ففي كل حين، وقال مطرف وابن الماجشون: يحلَّف الرجال والنساء مستقبلين القبلة في ربع دينار فأكثر في المدينة عند منبر رسول الله ﷺ ، وبغيرها في مسجدهم الأعظم حيث يعظمون منه عند منبرهم وتلقاء قبلتهم، فإن لم يبلغ الحق ربع دينار حلفوا جلوسا إن أحبوا، ويحلف الرجل في أقل من ربع دينار في مكانه الذي قضي عليه فيه، ومن امتنع أن يحلف عند المنبر أو غيره من مقاطع الحقوق فناكل ويغرم. قال ابن يونس: بعد يمين المدعي في ذلك الوضع قال ابن حبيب: وإن كان مدعيا بطل حقه، وكذلك قضى مروان على زيد بن ثابت، قال أبو محمد: قال مالك: من أبى أن يحلف عند المنبر فكالناكل، ويحلف أهل مكة في القسامة في مسجدهم، كما يحلف أهل المدينة وبيت القدس في مسجديهما. اهـ. وقال التتائي: "وغلظت بمنبره ﵊" الباء بمعنى عند كما هو ظاهر المدونة، أو بمعنى على وهو قول ابن المواز، لقوله: يحلف عليه. البساطي: منبره ﵊ كان معروفا موجودا في زمن مالك، وأما في هذه الأيام فينظر هل هذا الحكم في المنبر الذي هو في مسجد المدينة أو موضع منبره ﵊؟ وأنكر مالك الحلف عند غير منبره ﵊، وظاهر كلام المص أنها لا تغلظ بالزمان في المال وهو كذلك، وعلى التغليظ به فقيل وقت الصلاة أي حين حضور الناس في المساجد يجتمعون للصلاة، وأما في الدماء واللعان فتغلظ بالمكان والزمان. اهـ. قوله: وأما في هذه الأيام إلخ فيه نظر يأتي التنبيه عليه قريبا في كلام الشيخ عبد الباقي، وقال الخرشي: ولا يختص التغليظ بمكان من المسجد إلا منبره ﵊، وفي مكة عند

стр. 8396

الحجر الأسود، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي غير ذي في أَيّ موضع، ولا يغلظ بالزمان ككونه بعد العصر إلا في اللعان والقسامة. اهـ. وقال الحطاب: وبالقيام، قال في الرسالة في باب الأقضية: يحلف قائما، وقال في القسامة: ويحلفون في القسامة قيماما، فإن لم يحلفوا قياما فهل يكون ذلك نكولا أو لا اختلف وذلك. اهـ. وقال عبد الباقي: وغلظت بمنبره ﵊ أي عنده كما هو ظاهر المدونة أو عليه كما قال ابن المواز. البساطي: منبره كان موجودا معروفا في زمن مالك، وأما في هذه الأيام فينظر هل هذا الحكم في المنبر الذي هو في مسجد المدينة أو موضع منبره عليه الصلاة السلام. قاله التتائي. وظاهر قوله: أو صريحه أنه صار الآن في غير محله، والذي للدماميني والسيد السمهودي في تاريخهما وغيرهما من الأفاضل أنه موضوع الآن في غير موضعه الذي كان فيه منه ﵊. قاله الفيشي عن شيخه اللقاني. وفي مكة عند الركن لأنه أعظم مكان في المسجد، وفي غيرهما في الجامع الأعظم ولا يختص بمكان منه ولا تغلظ بالزمن ككونه بعد العصر. اهـ. وقال البناني: وبمنبره ﵊ نحوه في المدونة، وإنما اختص منبر النبي ﷺ بهذا لقوله ﵊: (من حلف عند منبري كاذبا فليتبوأ مقعده من النار) (١)، وقول الزرقاني: والذي للدماميني إلخ ما ذكره من أن المنبر الآن بالموضع الذي كان فيه في زمنه ﵊ صرح به ابن رشد في البيان، ومثله في التبصرة لابن فرحون، وقول الزرقاني: لا يختص بمكان منه إلخ الذي جرى به العمل عندنا أنه يحلف عند المنبر حتى في غير المدينة. ذكره المسناوي وهو قول مطرف وابن الماجشون. وخرجت المخدرة فيما ادعت أو ادعي عليها الجارية المخدرة هي التي ألزمت الخدر وهو الستر يعني أن المرأة التي أُلْزمت الخدر إن توجهت لها يمين على غيرها في حق ادعته عليه أو توجهت عليها يمين في حق ادعي عليها فإنها تخرج لقبض يمينها أو لتحلف، قال عبد الباقي:

стр. 8397

وخرجت للتغليظ المخدرة أي الملازمة للخدر وهو الستر ويزري بها مجلس الحكم، وإن كانت تنصرف إلى غيره فيما ادعت وقام لها شاهد بمال ربع دينار أو ما يساويه فتحلف معه، أو ادعي عليها بذلك وتوجهت عليها اليمين ويحلفها بحضرة رب الحق فإن أبت هي أو زوجها من حضوره خشية الاطلاع عليها، فحكم ابن عبد السلام بأنه يبعد عنها أقصى ما يسمع لفظ يمينها، فإن ادعى صاحب الحق عدم معرفتها فهل إثبات من يعرفها عليه أو عليها؟ قولان، فإن أريد التغليظ عليها بمسجد فادعت حيضا حلفت على ما ادعت وأخرت. اهـ. وقال الشبراخيتي: وخرجت للتغليظ المستفاد من قوله: "وغلظت في ربع دينار": المخدرة أي: الملازمة للخدر وهو الستر فيما ادعت، متعلق بخرجت أي لتحلف إن كانت طالبة لكمال النصاب أو ليمين ردت عليها مغلظة بالجامع في ربع دينار كالرجل، أو ادعي عليها لتحلف لرد الدعوى. اهـ. ومر عن ابن مرزوق أنها تخرج لقبض اليمين ولكن ذلك إن اختارت كما صرح به، قال الخرشي: وخرجت المخدرة فيما ادعت أو ادعي عليها، المخدرة هي: المستترة في بيتها لأن الخدر هو الستر. قاله الجوهري. وجد عندي ما نصه: المخدرة من يزري بمثلها حضور مجالس الحكم وإن كانت تتصرف بالخروج لمصالحها، والمعنى أن المخدرة تخرج لليمين فيما ادعت وأقامت شاهدا فتحلف معه وهو ربع دينار فأكثر، وكذلك تخرج إذا ادعي عليها وتوجهت عليها اليمين. اهـ. وقال التتائي: وخرجت المخدرة أي اللازمة للخدر وهو الستر فيما ادعت لتحلف، إن كانت طالبة لكمال النصاب أو ليمين ردت عليها مغلظة، بالجامع في ربع دينار كالرجل. المازري: وهو المشهور، ولابن القاسم: لا تخرج إلا في المال الكثير، وفسره اللخمي بالدينار فأكثر. إلا التي لا تخرج نهارا يعني أن المخدرة التي عادتها أنها لا تخرج نهارا وتخرج ليلا حيث كانت حرة، بل وإن كانت مستولدة فإنها لا تخرج نهارا للتغليظ، بل تخرج له ليلا لأن أمهات الأولاد لهن حرمة ساداتهن وأبنائهن كحرمة الحرائر ومن عداهن من المكاتبات والمدبرات والسراري كالذكران من الرجال، قال عبد الباقي: فإن كانت المخدرة ممن لا تخرج في حوائجها أصلا لمعرة عليها حلفت في ربع دينار ببيتها بحضرة شاهدين يوجههما القاضي لها ولا يقضى

стр. 8398

للخصم بحضوره معهما على ظاهر المدونة. قاله ابن عرفة. فتستثنى هذه الصورة من قولهم: لابد من حضور الطالب لليمين وإلا أعيدت بحضوره، وكذا من قولهم: إنما تقام البينة بحضرة المدعى عليه الحاضر بالبلد أو قريب الغيبة وقد كتب إليه ليحضر. اهـ. قوله: إنما تقام البينة بحضرة المدعى عليه إلخ، صوابه إنما يقيم المدعي البينة بحضرة المدعى عليه الحاضر بالبلد. إلخ. قاله البناني. وقال ابن مرزوق: ولو قال وخرجت المرأة كما هي عبارة المدونة لكان أشمل وأخصر، ولكنها عبارة صاحبيه. اهـ. وقال البناني: إلا التي لا تخرج نهارا، قال أبو حمص العطار: معنى قولهم لا تخرج أي غير مستترة، وأما التي تخرج مستترة فحكمها حكم من لا تخرج البتة قاله القلشاني. انتهى. وقال الرهوني: إلا التي لا تخرج نهارا، ظاهره أنها تخرج في ربع دينار. قال في توضيحه. المازري: وهو المشهور وهو قول مطرف وابن الماجشون، وفي الموازية عن ابن القاسم: إنما تخرج في المال الكثير، وفسره اللخمي بالدينار فأكثر. وقول عبد الباقي: فإن كانت لا تخرج في حوائجها أصلا إلخ هذا أحد قولين، ثم ظاهره ولو كانت هي الطالبة وليس كذلك. ففي التوضيح: وظاهر كلام المصنف أنها تخرج ليلا ولو كانت لا تخرج جملة ولا تنصرف كنساء الملوك، وهكذا قال الأندلسيون قالوا: وإن منعت من الخروج حكم عليها بحكم الملد. عياض: ليس بصواب لأنها مكرهة، فكيف تؤخذ بذنب مانعها؟ وقال ابن كنانة وغيره: وهو الذي ذكره عبد الوهاب أن مثل هذه تحلف في بيتها وهو أظهر والمدونة محتملة للقولين، فهذا إنما هو فيما تطلب به المرأة من اليمين ويجب عليها، وأما يمينها فيما تستحق به حقها فلتخرج إلى موضع اليمين نص عليه ابن كنانة وغيره ولم يذكر فيه خلافا. اهـ. وتحلف في أقل ببيتها يعني أن المراة التي تخرج لصالحها نهارا أو ليلا تحلف في أقل من ربع دينار ونحوه ببيتها، كالتي لا تخرج أصلا في ربع دينار كما مر الكلام عليه، وكذا عليل لا يستطيع مشيا ولا ركوبا في ربع دينار. قاله عبد الباقي. وقاله الخرشي أيضا، قال مقيد هذا الشرح: علم مما مر قسمان، أن يكون الحق لا يبلغ ربع دينار فهذا لا تغليظ فيه، كان الحالف ذكرا أو أنثى. القسم الثاني: أن يكون الحق له بال كربع دينار فأكثر فهذا تغلظ فيه اليمين

стр. 8399

فيخرج الحالف لتغلظ عليه اليمين، أما إن كان ذكرا فيخرج حرا كان أو عبدا، ومثله غير المخدرة من النساء، وأما المخدرة فعلى ثلاثة أنواع: نوع يخرج في حوائجه نهارا وغيره وهذه تخرج للتغليظ ليلا ونهارا، ونوع لا تخرج في مصالحها نهارا وتخرج ليلا فهذه تخرج للتغليظ ليلا لا نهارا، النوع الثالث لا تخرج أصلا فهذه إن كانت مطلوبة فيها قولان، قيل تحلف في مكانها ويوجه القاضي إليها شاهدين للحلف ولا يمكن الخصم من الحضور معهما، وقيل تخرج للتغليظ ليلا كالتي تخرج بالنهار في حوائجها فقط، والقول بأنها تحلف في بيتها أظهر وإن كانت طالبة فهذه تخرج إلى موضع اليمين كما نص عليه ابن كنانة وغيره، ولم يذكر فيه خلافا. هذا هو تحرير المسألة. والله تعالى أعلم. وإن ادعيت أيها الدين قضاء على ميت أي ادعيت أنك وفيته قبل موته ولم تصدقك ورثته على ذلك وطلبت تحليفهم، لم يحلف على نفي العلم إلا من يظن به العلم واحدا أو متعددا من ورثته البالغ منهم يوم موته، ظنه قبله أو بعده لا من بلغ بعده ولو قبل الدعوى. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي يعني أن من عليه دين شرعي ثابت في ذمته مات صاحبه وطلبت الورثة دين أبيهم، فقال الذي عليه الدين: قضيته لموروثكم ولم تصدقه الورثة على ذلك، فللذي عليه الدين أن يحلف من الورثة من يظن به علم ذلك مثل أبيه وأخيه أو نحو ذلك ممن يخالطه، ويحلفون على نفي العلم أي أنهم لم يعلموا أن موروثهم أخذ شيئا من ذلك ولا أحال به وما أشبه ذلك، ومن لا يظن به علم ذلك من الورثة فإنه لا يحلف، وكذلك الصغير يوم موته لا يحلف، وهل يشترط في دعوى المطلوب العلم على الوارث أو لا يشترط ذلك؟ فيه قولان ذكرهما في توضيحه. قوله: "قضاء" أي إسقاطا من جانب الميت فيشمل الإبراء والهبة ونحو ذلك. اهـ. وقوله: "لم يحلف إلا من يظن به العلم من ورثته" أي البالغ يوم موته كما عرفت، قال عبد الباقي: فإن نكل البالغ ردت اليمين على من عليه الحق فيحلف أنه قضى وسقط حق البالغ فقط، قال التتائي: من يظن به العلم كقريب القرابة لا بعيدها. البساطي: وقد يكون البعيد من الورثة مخالطا للميت والقريب بضده فينظر الحاكم في ذلك، أي ويكون البعيد وارثا كأخ لأم مع أخ شقيق لا غير وارث؛ إذ لا يحلف ليستحق وارث، ودخل في ورثته كما لأبي الحسن زوجته فيفصل فيها بين ظن علمها

стр. 8400

وعدمه اهـ قال الرهوني الذي في ابن ناجي عن أبي الحسن هو التوقف ونصه المغربي انظر الزوجة هل هي ممن يظن به العلم أم لا؟ قلت: الأقرب حملها على العلم لأن غالب الحال أنها تعرف مال زوجها، واختار شيخنا أبو مهدي عكسه ولا يبعد أن يكون الخلاف فيها خلافا في حال. اهـ. فال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وإذا تأملت ما قاله عبد الباقي علمت أنه لا يتعقب لأنه إنما قال إنها من الورثة فيفصل فيها، ولم يقل إنها ممن يظن به العلم أو لا وهذا ظاهر كما أشار له ابن ناجي. والله تعالى أعلم. وقوله: "لم يحلف إلا من يظن به العلم من ورثته" قال كبد الباقي: وظاهر كلام المص كظاهر المدونة حلف الوارث، سواء ادعى المطلوب عليه العلم أم لا، وإنما طلب منه اليمين فقط وهو كذلك على أحد قولين ذكرهما في توضيحه، والآخر أنه لا يحلف مع ظن علمه إلا إن ادُّعِي عليه العلم، كما إذا حلف بالغ منهم قضي لغير البالغ ولا يطلب بعد بلوغه بيمين، ولمن يظن به ولمن لا يظن به حيث لم يطلب الحلف من جميع من يظن به أو طلب وبادر أحدهم واكتفي به ولم يكن من باقي الفريقين نكول، وإلا ثبت حق الحالف وسقط حق الناكل إن حلف المطلوب أنه قضى الميت وإن نكل غرمه للناكل، وكذا لبقية الورثة إن لم يطلب منهم اليمين أو طلب وحلفوا، فإن نكلوا فهل يغرم لهم نظرا لنكوله أو لا نظرا لنكولهم وهو الظاهر، وليس لهم تحليفه لنكوله أو لا عن اليمين. اهـ. قوله: ثم إذا حلف بالغ منهم قضي لغير البالغ إلخ، كلامه يوهم أن القضاء لغير البالغ ومن لا يظن به العلم يتوقف على حلف البالغ وليس بظاهر، بل الظاهر ما أفاده كلامه أول التقرير من عدم التوقف على ذلك، وإن كانت عبارته هنا كقول ابن شأس، وإذا حلف البالغ قضي لجميعهم. اهـ. والمراد بجميعهم الفرق الثلاث من يظن به العلم ومن لا يظن به العلم وغير البالغ. وقوله: ولم يكن من باقي الفريقين نكول، صوابه لم يكن من باقي من يظن به العلم نكول. إلخ. إذ لا يعتبر النكول من غير هذا الفريق. وقوله: وكذا لبقية الورثة إلخ فيه نظر، لأنه مع ركاكته يقتضي أن

стр. 8401

المطلوب بعد نكوله يغرم حق الناكل له ولبقية الورثة، وليس كذلك بل حق الناكل إنما يغرمه للناكل، وأما بقية الورثة فإنما يغرم لكل واحد منهم حقه من الدين إذا حلفوا أو لم يطلب منه اليمين. وحَاصِلُ ما أشار إليه فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا أنه إذا حلف من يظن به العلم قضي له وللفريقين الآخرين كما تقدم، الثاني أنه إذا نكل واحد ممن يظن به العلم أولا سقط حق الناكل إن حلف المطلوب، فإن نكل غرمه للناكل ثم إذا نكل بعده آخر ممن يظن به العلم، فَيَحْتَمِلُ أن يقال: يغرم له المطلوب نظرا لنكوله أولا وهو مستمر، وَيَحْتَمِلُ أن يقال: لا يغرم نظرا لتأخر نكول هذا الطالب عن نكول المطلوب وهو الظاهر. والله أعلم. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وعلم مما قررنا أن موضوع المص ثبوت الدين ببينة عليه، فإن كان شاهد به فقط وحلف معه بعض الورثة ثبت الحق لجميعهم ولم يحتج لحلف باقيهم، وهذا مخالف لغرماء المفلس، ولقوله. فيما تقدم: "لا صبي وأبوه" من أن البالغ يحلف وتوقف حصة الصبي حتى يبلغ إلا أن يحمل على ما إذا حلف البالغ على حصته فقط، وأما لو ادعى بعض ورثة بدين لأبيه على غريم وحلف الغريم للمدعي فحكم قاض، فهل هو حلف لجميعهم وبه العمل أو تعاد عند طلب بعض آخر؟ قولان، وسكت المص عن دعوى شخص على ورثة ميت أن له عليه دينا ولا بينة له، فإن علمت قضي من تركته بعد يمين القضاء، وإن لم تعلم حلفت أنها لا تعلم إن ادعي عليهم العلم وإلا فلا، فإن ادعي عليهم فلم يجيبوا كانت من أفراد ما تقدم من قوله: "وإن لم يجب حبس وأدب ثم حكم بلا يمين" انتهى. قوله: ثبت الحق لجميعهم ولم يحتج لحلف باقيهم إلخ فيه نظر، بل النص بخلافه، ففي تبصرة ابن فرحون: وإذا مات رجل وله ورثة كبار وصغار وترك ذكر حق وليس فيه إلا شاهد واحد، فإن الكبار يحلفون كلهم مع شاهدهم ويستحقون حقهم، وأما الصغار فيقال للغريم: احلف أن الذي شهد به عليك الشاهد باطل وأنه ليس عليك، فإن نكل أخذ منه حق الصبي ودفع إلى وليه، وإن حلف أقر حق الصبي بيده، فإذا بلغ الصبي حلف وأخذ، فإن نكل عن اليمين لم يكن له شيء وهذا هو الموافق لا تقدم عند المص، وأما

стр. 8402

ما ذكره الزرقاني تبعا لعلي الأجهوري فلا أصل له وحمله على ما إذا حلف البالغ على الجميع كما ذكره لا يصح لما علم من أنه لا يحلف أحد ليستحق غيره. انتهى. وحلف في نقص بتا وغش علما يعني أن من دفع لغيره دراهم من حق ترتب له عليه، ثم ادعى آخذها أن عددها ناقص عما قال الدافع، وأنكر الدافع فإنه يحلف على البت أي على القطع أنه أعطاه العدد الذي ذكر، وإن ادعى الآخذ أن تلك الدراهم مغشوشة أو فيها مغشوش وأنكر الدافع فإنه يحلف على العلم أنه ما أعطاه إلا جيادا في علمه، والفرق أن العدد يتوصل إلى القطع فيه والغش قد يخفى فلا يحلف فيه إلا على علمه، ولو حلف على البت كانت اليمين غموسا، والظاهر أن انتصاب بتا وعلما من كلام المص على أنهما نائبان عن المصدر النوعي، وأشار بعضهم إلى الفرق بين الصيرفي وغيره، فالصيرفيُّ يحلف على البت، وهذه المسألة إنما هي فيمن أخذ الدراهم لنفسه على التصديق، وأما لو أخذها ليقلب فيأخذ ما أعجبه ويرد الآخر لكان القول قوله، لأنه أمين. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: ومن دفع لآخر دنانير أو دراهم صرفا أو قضاءَ حق فاطلع فيها على نقص أو غش. وأراد رَدَّها لدافعها فأنكر أن يكون فيها ذلك حلف الدافع في نقص العدد كوزن في متعامل بد وزنا فقط بتا أنه ما دفع إلا كاملا، لأن النقص يمكن فيه حصول القطع ولا يتعذر الجزم به صيرفيا أو غيره، وفي دعوى غش ونقص وزن في متعامل به عددا روزنا معا علما أي على نفي العلم أي أنه ما دفع إلا جيادا في علمه، وزاد ابن يونس: ولا يعلمها من دراهمه لأن الجودة والرداءة مما لا يخفى، وظاهره حلفه على نفي العلم صيرفيا أو غيره وهو قول ابن القاسم، وقيل: هذا في غير الصيرفي فيحلف على البت مطلقا. قاله التتائي ونحوه للشارح. وظاهر كلام الحطاب في باب المبيع اعتماد تقييد قوله: "وغش علما" بغير الصيرفي، وظاهر كلام المص في القسمين قبول قول الدافع بيمينه، سواء قبضها الآخذ مقتضيا لها أو ليقلبها فيأخذ الطيب ويرد غيره. وقال بعض الشراح: على الاقتضاء لا على التقليب، والظاهر أن لا فرق. قاله التتائي. قال ابن غازي والظاهر ما لبعض الشراح فالقول قول الآخذ لا الدافع، لأنه ائتمنه في أن ما أخذه رَدِيٌ أو

стр. 8403

ناقص. اهـ. قوله: والظاهر ما لبعض الشراح إلخ، ما قاله بعض الشراح هو نص المدونة في سلمها، ونصها: وإذا أصاب المسلم إليه من رأس المال رصاصا أو نحاسا فردها عليه، فقال: له ما دفعت لك إلا جيادا، فالقول قوله ويحلف ما أعطاه إلا جيادا في علمه، إلا أن يكون إنما أخذها على أن يريها فالقول قوله مع يمينه وعليه بدلها. اهـ نقله ابن عرفة. ولم يذكر له مقابلا. اهـ. قاله البناني. وقوله: "وحلف في نقص" إلخ هذا الحكم جار في المسكوك وغيره في النقص منصوص عليه في المدونة وغيرها، وقد قال المص في المسلم: "وحلف لقد أوفى ما سمى" والظاهر أنه في المعيب كذلك. قاله الرهوني. تفريع: في أواخر نوازل الدعاوي والأيمان من المعيار: وسأل السلطان أبو عنان قاضيه على الجماعة أبا عبد الله المقري التلمساني رحمهما الله عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلا على البت، هل يعيد اليمين أم لا؟ فأجابه بإعادتها، قال: وكان من حضره من الفقهاء أفتوه بأن لا تعاد لأنه أتى بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه، فقلت: اليمين على وجه الشك غموس، قال ابن يونس: الغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها، والنهي يدل على الفساد ومعناه في العقود عدم ترتب أثره عليه فلا أثر لهذه اليمين ويجب أن تعاد، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها صماتها فتكلمت هل يُجْتَزَى بالكلام؟ والاجتزاء هنا أقرب لأنه الأصل والصمات رخصة لغلبة الحياء، فإن قلت: البت أصل ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذره؟ قلت ليس رخصة كالصمات وليس المحل بالذي يحرم فيه الكلام، ألا ترى الثيب ولو تمسك بالأصل؟ وجعل كلام الثيب للضرورة، قلنا: ليس التحريم كالتحريم. اهـ منه بلفظه، فليتأمل. واعتمد البات على ظن قوي يعني أن الحالف على البت يجوز له أن يعتمد في إقدامه على حلفه بتا على ظن قوي، قال ابن مرزوق: يعني أن الحالف على البت لا يشترط فيه أن لا يحلف إلا على ما يتيقنه مما طريقه العلم، بل يجوز أن يعتمد على ظن قوي يحصل له، ومثل لذلك بقوله: كخط أبيه يعني أن هذا مما يحصل له الظن القوي، فيقدم به على الحلف بتا وهو أن يجد خط أبيه أن له قبل فلان كذا، أو يعلم من أبيه أنه لا يكتب مثل هذا إلا عن تحقيق، ثم لا يدعي

стр. 8404

فلان القضاء بل ينكر المعاملة، فإنه يسوغ للوارث أن يحلف في هذا الحق على البت، ومثل خط أبيه خطه هو. أو قرينة من عطف العام على الخاص أي كل قرينة حصلت له الظن القوي فإنه يجوز له أن يعتمد عليها ويحلف على البت، أما ما ذكر من اعتماد البات على الظن القوي فهو المشهور، وقيل لا يعتمد إلا على ما يتيقنه. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: واعتمد البات في إقدامه على حلفه بتا في سائر الأمور لا في خصوص المسألة السابقة فقط على ظن قوي، كخط أبيه أو خطه أو قرينة من خصمه كنكوله عن الحلف فيما ادعى عليه به، أو شاهد لأبيه يغلب على ظنه صدقه وتقدم أن الاعتماد على الظن غموس، وظاهره ولو قوي، فأما أن يقال هذا على أحد قولين أو يقال الأموال ليست كغيرها أو أنه هنا قيد بكونه قويات بخلاف ذلك فإنه مطلق، فيقيد بما إذا لم يكن قويا: واقتصر أحمد على الأول نافيا للأخير، ومفهوم البات أن غيره ممن يحلف على نفي العلم يعتمد على الظن وإن لم يقو، وهذا بخلاف الشهادة فلا يشهد الشاهد إلا على العلم إلا فيما لا يمكن كضرر الزوجين إلا في بعض المسائل كما تقدم في قوله: "واعتمد في إعسار بصحبة وكشهادة السماع". اهـ. قوله: فإما أن يقال هذا على أحد قولين على هذا اقتصر المص في التوضيح وهو الظاهر. قاله البناني. واقتصر عليه الشيخ أحمد كما قال عبد الباقي، وقال الرهوني على ما استظهره البناني: يكون المص هنا رجح هذا القول، وفي اليمين رجح مقابله ولا يُدْرَى من كلامه ما المعول عليه منهما، ورجح أبو علي ما في اليمين في الشرح، وفي حاشية التحفة فإنه قال: قيل لا يعتمد إلا عدى اليقين وقيل على الظن، والأول هو الذي يظهر رجحانه وعليه الباجي قائلا: هو المعلوم من مذهب مالك وهو الصحيح. اهـ. وكلام الباجي هو قوله في المنتقى: يحلف الصغير إذا كبر مع شاهده على البت. ابن المواز: ولا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به، وفي كتاب ابن سحنون أنه يحلف كما يحلف الوارث على ما لم يحضر ولم يعلم، وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا فيحلف معه على خبره ويصدقه، كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من

стр. 8405

مال أو غيره، وهو لا يعلم ذلك إلا بقولهما وظاهر قول مالك: والمعلوم من مذهبه أنه لا يحلف حتى يقع له العلم بالخبر التواتر، سواء كان الخبر له عدلا أو غير عدل، فحينئذ يحلف مع شاهده، فإن لم يبلغ هذا الحد امتنع من اليمين واستحلف المدعى عليه لأنه لا يحل لأحد أن يحلف على ما لا يستيقنه. اهـ. وقوله: وهو الصحيح إلى آخره من كلام أبي علي لا من كلام الباجي. اهـ. وقال الرهوني أيضا: لكن رجح غير واحد ما هنا. اهـ. ففي نقله: ثم الحالف تحل له اليمين بظن غالب يحصل له من خط أبيه أو خط نفسه أو من يثق به أو قرينة حال من نكول خصم وغير ذلك، وقيل: لا يحلف إلا على ما يتيقنه ولم يتعقبه ابن عرفة، بل في كلامه ما يؤيده، ففيه عن المازري: وينظر في حق الله تعالى في إباحة اليمين مع الشاهد للصغير الذي لم يعاين ما شهد به الشاهد ولا علمه ضرورة، فإن لم يعلم ذلك إلا من قول الشاهد وغلب على ظنه صدقه بخبره أو غير ذلك، ففي إباحة اليمين له بذلك ووقفها على تيقنه قولان لكتاب ابن سحنون والموازية، واحتج سحنون بجواز تصرف الولد الصغير في مال شهد له شاهدان أنه لأبيه. اهـ. وقد جزم ابن ناجي أن محل القولين عند غلبة الظن. وقال الرهوني أيضا بعد جلب نقول: إن القولين متفقان على أنه يحلف على البت، وإنما اختلف كحل يعتمد في ذلك على غلبة الظن أو لا بد من اليقين، وقول عبد الباقي: ومفهوم البات أن غيره ممن يخلف على نفي العلم يعتمد على الظن وإن لم يقو، قال شَيخُنا الجِنْويُّ: بل يجوز له أن يحلف على نفي العلم وإن كان شاكا كما يفهم مما نقله الحطاب عن النوادر. اهـ. وهو واضح. اهـ. وقال الشبراخيتي: واعتمد البات في إقدامه على حلفه بتا على ظن قوي، كخط أبيه أو خطه أو قرينة من خصمه، كأن سأل الصلح على بعض الْمُدّعَى مثلا أو نكول المدعى عليه أو شاهد لأبي المدعي. اهـ. وقال التتائي: واعتمد البات في إقدامه على ظن قوي كخط أبيه أو خطه أو قرينة من خصمه أو شاهد لأبيه يغلب على ظنه صدقه، ولا يحتاج البات للقطع بموجب حلفه عند مالك واحتجوا له بأنه يسوغ لصغير قام له شاهدان بدين لأبيه على آخر أخذ المال والتصرف فيه مع عدم قطعه بصدقهما. اهـ. وقال المواق: قال ابن يونس: إن قيل كيف يحلف الوارث على
следующие страницы →