المطلوب بعد نكوله يغرم حق الناكل له ولبقية الورثة، وليس كذلك بل حق الناكل إنما يغرمه للناكل، وأما بقية الورثة فإنما يغرم لكل واحد منهم حقه من الدين إذا حلفوا أو لم يطلب منه اليمين.
وحَاصِلُ ما أشار إليه فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا أنه إذا حلف من يظن به العلم قضي له وللفريقين الآخرين كما تقدم، الثاني أنه إذا نكل واحد ممن يظن به العلم أولا سقط حق الناكل إن حلف المطلوب، فإن نكل غرمه للناكل ثم إذا نكل بعده آخر ممن يظن به العلم، فَيَحْتَمِلُ أن يقال: يغرم له المطلوب نظرا لنكوله أولا وهو مستمر، وَيَحْتَمِلُ أن يقال: لا يغرم نظرا لتأخر نكول هذا الطالب عن نكول المطلوب وهو الظاهر. والله أعلم. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: وعلم مما قررنا أن موضوع المص ثبوت الدين ببينة عليه، فإن كان شاهد به فقط وحلف معه بعض الورثة ثبت الحق لجميعهم ولم يحتج لحلف باقيهم، وهذا مخالف لغرماء المفلس، ولقوله. فيما تقدم: "لا صبي وأبوه" من أن البالغ يحلف وتوقف حصة الصبي حتى يبلغ إلا أن يحمل على ما إذا حلف البالغ على حصته فقط، وأما لو ادعى بعض ورثة بدين لأبيه على غريم وحلف الغريم للمدعي فحكم قاض، فهل هو حلف لجميعهم وبه العمل أو تعاد عند طلب بعض آخر؟ قولان، وسكت المص عن دعوى شخص على ورثة ميت أن له عليه دينا ولا بينة له، فإن علمت قضي من تركته بعد يمين القضاء، وإن لم تعلم حلفت أنها لا تعلم إن ادعي عليهم العلم وإلا فلا، فإن ادعي عليهم فلم يجيبوا كانت من أفراد ما تقدم من قوله: "وإن لم يجب حبس وأدب ثم حكم بلا يمين" انتهى. قوله: ثبت الحق لجميعهم ولم يحتج لحلف باقيهم إلخ فيه نظر، بل النص بخلافه، ففي تبصرة ابن فرحون: وإذا مات رجل وله ورثة كبار وصغار وترك ذكر حق وليس فيه إلا شاهد واحد، فإن الكبار يحلفون كلهم مع شاهدهم ويستحقون حقهم، وأما الصغار فيقال للغريم: احلف أن الذي شهد به عليك الشاهد باطل وأنه ليس عليك، فإن نكل أخذ منه حق الصبي ودفع إلى وليه، وإن حلف أقر حق الصبي بيده، فإذا بلغ الصبي حلف وأخذ، فإن نكل عن اليمين لم يكن له شيء وهذا هو الموافق لا تقدم عند المص، وأما
стр. 8402
ما ذكره الزرقاني تبعا لعلي الأجهوري فلا أصل له وحمله على ما إذا حلف البالغ على الجميع كما ذكره لا يصح لما علم من أنه لا يحلف أحد ليستحق غيره. انتهى.
وحلف في نقص بتا وغش علما يعني أن من دفع لغيره دراهم من حق ترتب له عليه، ثم ادعى آخذها أن عددها ناقص عما قال الدافع، وأنكر الدافع فإنه يحلف على البت أي على القطع أنه أعطاه العدد الذي ذكر، وإن ادعى الآخذ أن تلك الدراهم مغشوشة أو فيها مغشوش وأنكر الدافع فإنه يحلف على العلم أنه ما أعطاه إلا جيادا في علمه، والفرق أن العدد يتوصل إلى القطع فيه والغش قد يخفى فلا يحلف فيه إلا على علمه، ولو حلف على البت كانت اليمين غموسا، والظاهر أن انتصاب بتا وعلما من كلام المص على أنهما نائبان عن المصدر النوعي، وأشار بعضهم إلى الفرق بين الصيرفي وغيره، فالصيرفيُّ يحلف على البت، وهذه المسألة إنما هي فيمن أخذ الدراهم لنفسه على التصديق، وأما لو أخذها ليقلب فيأخذ ما أعجبه ويرد الآخر لكان القول قوله، لأنه أمين. قاله ابن مرزوق.
وقال عبد الباقي: ومن دفع لآخر دنانير أو دراهم صرفا أو قضاءَ حق فاطلع فيها على نقص أو غش. وأراد رَدَّها لدافعها فأنكر أن يكون فيها ذلك حلف الدافع في نقص العدد كوزن في متعامل بد وزنا فقط بتا أنه ما دفع إلا كاملا، لأن النقص يمكن فيه حصول القطع ولا يتعذر الجزم به صيرفيا أو غيره، وفي دعوى غش ونقص وزن في متعامل به عددا روزنا معا علما أي على نفي العلم أي أنه ما دفع إلا جيادا في علمه، وزاد ابن يونس: ولا يعلمها من دراهمه لأن الجودة والرداءة مما لا يخفى، وظاهره حلفه على نفي العلم صيرفيا أو غيره وهو قول ابن القاسم، وقيل: هذا في غير الصيرفي فيحلف على البت مطلقا. قاله التتائي ونحوه للشارح. وظاهر كلام الحطاب في باب المبيع اعتماد تقييد قوله: "وغش علما" بغير الصيرفي، وظاهر كلام المص في القسمين قبول قول الدافع بيمينه، سواء قبضها الآخذ مقتضيا لها أو ليقلبها فيأخذ الطيب ويرد غيره.
وقال بعض الشراح: على الاقتضاء لا على التقليب، والظاهر أن لا فرق. قاله التتائي. قال ابن غازي والظاهر ما لبعض الشراح فالقول قول الآخذ لا الدافع، لأنه ائتمنه في أن ما أخذه رَدِيٌ أو
стр. 8403
ناقص. اهـ. قوله: والظاهر ما لبعض الشراح إلخ، ما قاله بعض الشراح هو نص المدونة في سلمها، ونصها: وإذا أصاب المسلم إليه من رأس المال رصاصا أو نحاسا فردها عليه، فقال: له ما دفعت لك إلا جيادا، فالقول قوله ويحلف ما أعطاه إلا جيادا في علمه، إلا أن يكون إنما أخذها على أن يريها فالقول قوله مع يمينه وعليه بدلها. اهـ نقله ابن عرفة. ولم يذكر له مقابلا. اهـ. قاله البناني. وقوله: "وحلف في نقص" إلخ هذا الحكم جار في المسكوك وغيره في النقص منصوص عليه في المدونة وغيرها، وقد قال المص في المسلم: "وحلف لقد أوفى ما سمى" والظاهر أنه في المعيب كذلك. قاله الرهوني.
تفريع: في أواخر نوازل الدعاوي والأيمان من المعيار: وسأل السلطان أبو عنان قاضيه على الجماعة أبا عبد الله المقري التلمساني رحمهما الله عمن لزمته يمين على نفي العلم فحلف جهلا على البت، هل يعيد اليمين أم لا؟ فأجابه بإعادتها، قال: وكان من حضره من الفقهاء أفتوه بأن لا تعاد لأنه أتى بأكثر مما أمر به على وجه يتضمنه، فقلت: اليمين على وجه الشك غموس، قال ابن يونس: الغموس الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين، ولا شك أن الغموس محرمة منهي عنها، والنهي يدل على الفساد ومعناه في العقود عدم ترتب أثره عليه فلا أثر لهذه اليمين ويجب أن تعاد، وقد يكون من هذا اختلافهم فيمن إذنها صماتها فتكلمت هل يُجْتَزَى بالكلام؟ والاجتزاء هنا أقرب لأنه الأصل والصمات رخصة لغلبة الحياء، فإن قلت: البت أصل ونفي العلم إنما يعتبر عند تعذره؟ قلت ليس رخصة كالصمات وليس المحل بالذي يحرم فيه الكلام، ألا ترى الثيب ولو تمسك بالأصل؟ وجعل كلام الثيب للضرورة، قلنا: ليس التحريم كالتحريم. اهـ منه بلفظه، فليتأمل.
واعتمد البات على ظن قوي يعني أن الحالف على البت يجوز له أن يعتمد في إقدامه على حلفه بتا على ظن قوي، قال ابن مرزوق: يعني أن الحالف على البت لا يشترط فيه أن لا يحلف إلا على ما يتيقنه مما طريقه العلم، بل يجوز أن يعتمد على ظن قوي يحصل له، ومثل لذلك بقوله: كخط أبيه يعني أن هذا مما يحصل له الظن القوي، فيقدم به على الحلف بتا وهو أن يجد خط أبيه أن له قبل فلان كذا، أو يعلم من أبيه أنه لا يكتب مثل هذا إلا عن تحقيق، ثم لا يدعي
стр. 8404
فلان القضاء بل ينكر المعاملة، فإنه يسوغ للوارث أن يحلف في هذا الحق على البت، ومثل خط أبيه خطه هو.
أو قرينة من عطف العام على الخاص أي كل قرينة حصلت له الظن القوي فإنه يجوز له أن يعتمد عليها ويحلف على البت، أما ما ذكر من اعتماد البات على الظن القوي فهو المشهور، وقيل لا يعتمد إلا على ما يتيقنه. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: واعتمد البات في إقدامه على حلفه بتا في سائر الأمور لا في خصوص المسألة السابقة فقط على ظن قوي، كخط أبيه أو خطه أو قرينة من خصمه كنكوله عن الحلف فيما ادعى عليه به، أو شاهد لأبيه يغلب على ظنه صدقه وتقدم أن الاعتماد على الظن غموس، وظاهره ولو قوي، فأما أن يقال هذا على أحد قولين أو يقال الأموال ليست كغيرها أو أنه هنا قيد بكونه قويات بخلاف ذلك فإنه مطلق، فيقيد بما إذا لم يكن قويا: واقتصر أحمد على الأول نافيا للأخير، ومفهوم البات أن غيره ممن يحلف على نفي العلم يعتمد على الظن وإن لم يقو، وهذا بخلاف الشهادة فلا يشهد الشاهد إلا على العلم إلا فيما لا يمكن كضرر الزوجين إلا في بعض المسائل كما تقدم في قوله: "واعتمد في إعسار بصحبة وكشهادة السماع". اهـ.
قوله: فإما أن يقال هذا على أحد قولين على هذا اقتصر المص في التوضيح وهو الظاهر. قاله البناني. واقتصر عليه الشيخ أحمد كما قال عبد الباقي، وقال الرهوني على ما استظهره البناني: يكون المص هنا رجح هذا القول، وفي اليمين رجح مقابله ولا يُدْرَى من كلامه ما المعول عليه منهما، ورجح أبو علي ما في اليمين في الشرح، وفي حاشية التحفة فإنه قال: قيل لا يعتمد إلا عدى اليقين وقيل على الظن، والأول هو الذي يظهر رجحانه وعليه الباجي قائلا: هو المعلوم من مذهب مالك وهو الصحيح. اهـ. وكلام الباجي هو قوله في المنتقى: يحلف الصغير إذا كبر مع شاهده على البت. ابن المواز: ولا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به، وفي كتاب ابن سحنون أنه يحلف كما يحلف الوارث على ما لم يحضر ولم يعلم، وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا فيحلف معه على خبره ويصدقه، كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من
стр. 8405
مال أو غيره، وهو لا يعلم ذلك إلا بقولهما وظاهر قول مالك: والمعلوم من مذهبه أنه لا يحلف حتى يقع له العلم بالخبر التواتر، سواء كان الخبر له عدلا أو غير عدل، فحينئذ يحلف مع شاهده، فإن لم يبلغ هذا الحد امتنع من اليمين واستحلف المدعى عليه لأنه لا يحل لأحد أن يحلف على ما لا يستيقنه. اهـ.
وقوله: وهو الصحيح إلى آخره من كلام أبي علي لا من كلام الباجي. اهـ. وقال الرهوني أيضا: لكن رجح غير واحد ما هنا. اهـ. ففي نقله: ثم الحالف تحل له اليمين بظن غالب يحصل له من خط أبيه أو خط نفسه أو من يثق به أو قرينة حال من نكول خصم وغير ذلك، وقيل: لا يحلف إلا على ما يتيقنه ولم يتعقبه ابن عرفة، بل في كلامه ما يؤيده، ففيه عن المازري: وينظر في حق الله تعالى في إباحة اليمين مع الشاهد للصغير الذي لم يعاين ما شهد به الشاهد ولا علمه ضرورة، فإن لم يعلم ذلك إلا من قول الشاهد وغلب على ظنه صدقه بخبره أو غير ذلك، ففي إباحة اليمين له بذلك ووقفها على تيقنه قولان لكتاب ابن سحنون والموازية، واحتج سحنون بجواز تصرف الولد الصغير في مال شهد له شاهدان أنه لأبيه. اهـ. وقد جزم ابن ناجي أن محل القولين عند غلبة الظن.
وقال الرهوني أيضا بعد جلب نقول: إن القولين متفقان على أنه يحلف على البت، وإنما اختلف كحل يعتمد في ذلك على غلبة الظن أو لا بد من اليقين، وقول عبد الباقي: ومفهوم البات أن غيره ممن يخلف على نفي العلم يعتمد على الظن وإن لم يقو، قال شَيخُنا الجِنْويُّ: بل يجوز له أن يحلف على نفي العلم وإن كان شاكا كما يفهم مما نقله الحطاب عن النوادر. اهـ. وهو واضح. اهـ. وقال الشبراخيتي: واعتمد البات في إقدامه على حلفه بتا على ظن قوي، كخط أبيه أو خطه أو قرينة من خصمه، كأن سأل الصلح على بعض الْمُدّعَى مثلا أو نكول المدعى عليه أو شاهد لأبي المدعي. اهـ. وقال التتائي: واعتمد البات في إقدامه على ظن قوي كخط أبيه أو خطه أو قرينة من خصمه أو شاهد لأبيه يغلب على ظنه صدقه، ولا يحتاج البات للقطع بموجب حلفه عند مالك واحتجوا له بأنه يسوغ لصغير قام له شاهدان بدين لأبيه على آخر أخذ المال والتصرف فيه مع عدم قطعه بصدقهما. اهـ. وقال المواق: قال ابن يونس: إن قيل كيف يحلف الوارث على
стр. 8406
ما لم يحضر ولم يعلم وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا؟ قِيلَ: حلف مع الشاهد على خبره وتصديقه كما جاز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من مال أو غيره ولم يعلم ذلك، ولا يختلف في هذا. اهـ.
ويمين المطلوب ماله عندي كذا ولا شيء منه يعني أن يمين المطلوب لا تكون إلا على نفي ما يطابق دعوى الطالب، ويحتاط في نفي الدعوى باليمين حتى لا يبقى احتمال إلا ويرفعه بيمينه، فإذا قال الطالب مثلا: لي عليك عشرة وأنكر المطلوب فتوجهت عليه اليمين، فإنه يقول: بالله الذي لا إله إلا هو ماله عندي عشرة ولا شيء منها، لاحتمال أن يكون بقي عليه ما دون العشرة ولا ينتفي بقوله: ماله عندي عشرة. قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ. وقال عبد الباقي: وَيَمِينُ الْمَطْلُوبِ أي المدعى عليه بقدر معين كعشرة مَالَهُ أي للمدعي عندي كذا للقدر المعين، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ لأن مدعى العشرة كمدع لكل آحادها، فحق اليمين نفي كل واحد لأن إثبات الكل إثبات لكل أجزائه، ومثل ما ذكره المص ما يؤديه كما له عندي شيء من العشرة مثلا، فإن أسقط ولا شيء منه وجب حلفه عليه أو يعيد الصيغة بتمامها. اهـ. وقال الخرشي: قال ابن الحاجب: وشرط اليمين أن تطابق الإنكار. انتهى. فإن قُلْتَ: إنه أشهد عليه شاهد بعشرة وآخر بخمسة وأنكر جميع ما شهد له عليه فإن المشهود له يأحْدْ الخمسة بشهادة الشاهدين ويحلف على الزائد مع شاهده فإن لم يحلف على الزائد حلف المشهود له على نفيه واليمين في هذه غير مطابقة للإنكار لأنه منكر للجميع، قلت: إن الإنكار الذي يعتبر مطابقة اليمين له الإنكار الذي يفيد فيه اليمين. اهـ كلام الخرشي بحذف بعضه والله تعالى أعلم.
ونفَي سَبَبًا إنْ عيّنَ وغَيْرَهُ يعني أنه إذا عين الطالب السبب الذي ترتب منه الدين على المطلوب؛ كأن يقول إن العشرة من سلف أو بيع لَزِمَ الطلوبَ أن ينفي ذلك السبب الذي عَيَّنَهُ الطالبُ وَغيْرَهُ بيمينه، فيقول: ماله عندي عشرة ولا شيء منها من سلف ولا غيره، وإنما زاد ولا غيره لأن نفي الأخص وهو ترتب الدين من سلف لا يلزم منه نفي الأعم وهو ترتبه من غيره، ففاعل نفى ضمير المطلوب وعين مبني للمفعول وهو ضمير السبب، وَمَفهُومُ إن عين أنه إن لم يعين لا
стр. 8407
يلزم المطلوب نفيه باليمين بناء على أنه لا يلزم ذِكرُ السبب في الدعوى، وقد مر الكلام عليه عند قول المص: ولمدعًى عليه السؤالُ عن السبب، وعند قوله: وإلا فليسأله الحاكم عن السبب. انظر ابن مرزوق.
فإن قضى نوى سلفا يجب أنه يعني أنه إذا عين الطالب السبب فإن المطلوب ينفي ذلك السبب المعين وغيره، فإن كان المطلوب قد قضاه سلفا كان عليه ولا بينة له بقضائه وجحد الطالب القضاء، فإن المطلوب يقول: ما أسلفني وينوي سلفا يجب رده، وأما قول ابن مرزوق مفسرا للمص: فإن كان المطلوب قضى الطالب السلف المدعَى مثلا وجحد الطالب الاقتضاء ولا بينة للطالب، وأراد المطلوب أن ينكر أصل العاملة لعلمه بأنه لا شيء عليه ويحلف على ذلك، فإنه يسوغ له ذلك ويقول ما له عندي كذا ولا شيء منه من سلف، وينوي حينئذ في نفسه سلف يجب عليَّ رده ويبرأ من الغرامة ومن الإثم. اهـ. فغير ظاهر لأن هذا ليس له عنده سلف حتى يحتاج إلى أن ينوي في نفسه يجب رده، بل لو حلف هذا الحَلِفَ لم يحتج إلى تلك البينة. قال البناني: قال ابن عبد السلام: مذهب الكتاب أنه لا يقبل منه أن يقول ما له عندي حق، فلهذا يلزمه أحد الأمرين: إما الحلف بيمين كاذبة، وإما غرم ما لا يجب عليه غرمه إن أقر. وقال ابن عبدوس: يقول: والله ما اشتريت منك هذه السلعة، وينوي: شراء يلزمني الآن منه شيء وكذلك في السلف وما أشبهه ويبرأ من الأثم، ومن غرم ما لا يجب عليه غرمه. اهـ.
ومَفهُومُ المص أنه إن لم ينو سلفا يجب رده الآن حنث، ومثل ما ذكره المصنف العسر إذا خاف أن يحبس فإنه يحلف كذلك أي يحلف ما أسلفتني وينوي سلفا يجب رده، والمراد المعسر حقيقة بحيث لا يكون عنده ما يباع على المفلس، وهذه المسألة مما تحرم الفتوى به حيث كان عند الدين ما يباع على المفلس. اهـ. قاله عبد الباقي. وقال البناني عند قوله: "فإن قضى نوى سلفا يجب رده": ابن عرفة: تقدم الكلام في نية الحالف في الأيمان وأن الخلاف عام في يمين القاضي وغيره حسبما نص عليه ابن رشد، قائلا: إلا أن تتضمن نية المحكوم عليه إبطال حق فهي على نية المحلوف له اتفاقا، ونص ابن رشد في كتاب النذور من البيان بعد أن ذكر ستة أقوال في يمين الحالف، وهذا ما لم يقطع بيمينه حقا لغيره، فإن اقتطع بها حقا لغيره فلا ينفعه في ذلك نية إن
стр. 8408
نواها بإجماع وهو آثم عاص لله ، داخل تحت الوعيد، قال رسول الله ﷺ : (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حَرَّمَ الله تعالى عليه الجنة وأوجب له النار) (١) اهـ. ونحوه في المقدمات، وقال ابن الحاجب: واليمين على نية الحاكم فلا تفيد تورية ولا استثناء. اهـ. وقال المواق: ابن شاس: قال أحمد بن زياد: قلت لابن عبدوس: إذا أسلف الرجلُ الرجلَ مالا فقضاه إياه بعد ذلك بغير بينة وجحد القابض، فإن أراد أن يحلفه أنه ما أسلفه، وقال المستسلف: بل أحلف ماله عندي شيء، قال: لا بد أن يحلف ما أسلفه شيئا، قلت له: فقد اضطررتموه إلى يمين كاذبة أو إلى غرم ما لا يجب عليه، قال: يحلف ما أسلفه وينوي في ضميره سلفا يجب علي رده إليه في هذا الوقت وبرئ من الإثم في ذلك. اهـ.
وقال الخرشي: ثم كان على المؤلف أن يزيد الآن وإلا فهو حانث لأنه استسلف منه سلفا كان يجب عليه رده بحسب الأصل. اهـ. وقال ابن الحاجب: إن المسائل لابن عبدوس ابن دينار خلاف ما ذكر ابن شأس من عزو السؤال لأحمد بن زياد، وذكر ابن حارث في كتاب المديان كلفظ ابن شأس وعزو ابن الحاجب وهم لأن ابن دينار إما عيسى وإما عبد الرحمن وإما محمد، وكلهم لا يستقيم أن يسأل ابن عبدوس لعلو طبقاتهم، أما عيسى فهو أكبر من ابن عبدوس، قال عياض وغيره: إنه أخذ عن مالك ولازم ابن القاسم، فقال عياض فيه: لقي ابن القاسم في رحلته الأخرى وروى عنه سماعه وعرض عليه المدونة وفيها أشياء من رأيه، وكلاهما من أهل الأندلس وذكرهما في طبقة سحنون، وأما محمد فقال فيه عياض: إنه صحب مالكا وابن هرمز وروى عنه ابن وهب، قال ابن عبد البر: كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز، وأما ابن عبدوس فقال فيه عياض هو: محمد بن إبراهيم بن عبدوس، وكان من أصحاب سحنون وهو أحد المحمدين الأربعة الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة مذهب مالك، لم يجتمع في زمن مثلهم، اثنان مصريان: ابن عبد الحكم وابن المواز، واثنان قرويان: ابن عبدوس وابن سحنون، والحق ما ذكره ابن حارث أن المسائل أحمد بن زياد. قال عياض: صحب ابن عبدوس وغيره، سمع منه ابن
стр. 8409
حارث وأبو العرب وغيرهما، قال أبو العرب: كان عالما بالوثائق وضع فيها عشرة أجزاء أجاد فيها. قاله البناني.
تنبيهات: الأول: قال الخرشي: لو مات إنسان وله وارث أبكم أصم، وقام شاهد لأبيه بدين فهذا لا يمكن أن يحلف مع شاهده فيحلف من عليه الحق ويبقى عنده إلى أن يزول ذلك فيحلف، فإن لم يزُلْ عنه ذلك برئ من عليه الحق ولا تعاد عليه اليمين كما تقدم في قوله: "فإن نكل اكتفي بيمين المطلوب الأولى" وإذا ادعى بعض الورثة بدين على غريم وحلف الغريم لذلك الوارث بحكم القاضي، فإنه حلف لجميعهم وعليه العمل. انتهى.
الثاني: لو كان للميت شاهد واحد وعليه دين حلف الورثة ودفعوا لذي الدين دينه واقتسموا الفضل، فإن أبوا حلف الغريم وأخذ حقه، فلو أراد الوارث بعد ذلك الحلف وأخذ الفضل لم يكن له إلا أن يكون امتناعه لعذر أو لجهل أن فيه فضلا. قاله في الإرشاد. والظاهر قبول قوله في العذر والجهل. اهـ. نقله الخرشي.
الثالث: اسْتُشْكِلَ ما ذكره المص من قوله: فإن قضى نوى سلفا يجب رده بأن اليمين على نية الحاكم، ويجاب بأن المجمع عليه أنها لا تفيد إنما هو حيث اقتطع بيمينه حق امرئ مسلم وهنا لم يقتطعه بها فتنفعه على خلاف في ذلك. والله تعالى أعلم.
وإن قال: وقف أو لولدي لم يصنع مدع من إقامة بينة يعني أن من ادعى شيئا معينا بيد غيره من دار أو غيرها، فقال المدعى عليه: هذا وقف أو هو لولدي تصير المنازعة بين الطالب وناظر الموقف أو بينه وبين الولد الكبير أو بينه وبين ولي الصغير فيقيم بينة بذلك ويعمل بمقتضاها، قال عبد الباقي: وإن قال: من ادعي عليه بشيء معين عقارا أو غيره في يده هو وقف أو هو لولدي الكبير أو الصغير لم يمنع مدع لذلك الشيء بسبب القول المذكور من إقامة بينة على المقر له وينتقل خصام المدعي لناظر الموقف أو للولد الكبير أو لوالد الصغير.
وإن قال لفلان يعني أنه إذا قال المدعى عليه هو لفلان، فلا يخلو ذلك من أمرين: إما أن يكون المقر له حاضرا وإما أن يكون غائبا، فإن حضر القر له أي كان حاضرا ادَّعَى بالبناء للفاعل كما في ابن مرزوق، وفاعله ضمير يعود على المدعي عليه أي على المقر له الحاضر، ومعنى ادعى عليه
стр. 8410
أنه تنتقل الدعوى إلى المقر له باعتراف الأول مع تصديق المقر له إياه، ثم لا يخلو المقر له من أن يحلف أو ينكل، فإن حلف استحق الشيء المتنازع فيه، وحينئذ فللمدعي تحليف المقر بكسر القاف أنه صادق في إقراره للمقر له، وأنه لا حق فيه للمدعي، فإن حلف سقط حق المدعي، ويأتي في كلامه: نكوله، وإن نكل المقر له حلف المدعي أن المقر كاذب في إقراره وأنه حقي وأخذه بيمينه مع نكول المقر له، فإن نكل المدعي فلا شيء له وليس له حينئذ تحليف المقر بخلاف ما إذا حلف المقر له، فللمدعي تحليف المقر كما قال المص، وليست بيمين تهمة خلافا للتتائي، بل يمين تحقيق، بدليل قوله: "وإن نكل حلف وغرم ما فوته له". قاله عبد الباقي.
وقال البناني: اسْتُشْكِلَ هذا بأن هذه اليمين للتهمة وهي ضعيفة، بدليل الخلاف فيها هل تتوجه وأيضا فإنها لا تنقلب، فكيف ساغ مع النكول عنها أن يحلف الآخر ويغرم المقر ما فوته مع أن النكول؟ بمنزلة شاهد وهو هنا ضعيف، وأجاب الزرقاني: بأن اليمين ليست يمين تهمة وإنما هي تحقيق، بدليل قوله: وإن نكل المقر بعد حلف المقر له وأخذه الشيء المقر به، حلف المدعي أن المقر كاذب في إقراره لمن أقر له، وغرم المقر بكسر الراء ما فوته أي الشيء الذي فوته عليه بإقراره للمقر له أي قيمته إن كان مقوما، ومثله إن كان مثليا. وذكر قسيم قوله: "فإن حضر"، بقوله: أو غاب أي وإن كان المقر له غائبا غيبة بعيدة لا يعذر له فيها، لزمه أي لزم المقر أحد أمرين: يَمِينٌ أن إقراره حق لاتهامه أنه أراد إبطال الخصومة عن نفسه، أو بينة أنه ملك لفلان الغائب أودعه عنده أو رهنه أو أعاره أو نحو ذلك. قاله عبد الباقي.
قوله: إنه ملك لفلان الغائب، قال البناني: لا يشترط شهادة هذه البينة بالملك للغائب، بل شهادتها بالإعارة أو بالإيداع تكفي في بقائه تحت يده، ورد دعوى المدعي المجردة كما يأتي له. اهـ. واذا وجد أحد هذين الأمرين بقي بيد المدعى عليه، وانتقلت الحكومة له أي انتقلت المخاصمة فيه عند الحاكم للمقر له الغائب فيبقى المدعي على حقه إذا قدم المقر له، وإن نكل المقر عن اليمين في غيبة المقر له أخذه المدعي إلى حضور المقر له بلا يمين على المدعي؛ إذ لا معنى لها لأنها لا تقطع حجة الغائب، وإن جاء المقر له بعد يمين المقر أو نكوله وتسليمه للمدعي
стр. 8411
فهو كالفرع على الأمرين، فصدق المقر فيما أقر به أخذه المقر له من يد المقر حيث حلف أو أقام بينة أو من يد المدعي حيث انتفيا بلا يمين في الأوليين، وبها في الثالثة كما يفيده الحطاب، وقرر معظم شيوخ علي الأجهوري أنه بيمين في الأوليين أيضا؛ لأن إقراره به له ويمينه أنه له كشاهد حيث كان عدلا، والبينة التي أقامها في غيبته حيث لم تشهد بالملك بل بالإعارة أو الوديعة أو الرهن كذلك، فإن شهدت بالملك أخذه المقر له بلا يمين وينبغي التعويل على هذا. قاله الشارح والتتائي. واللفظ له.
ومَفْهُومُ صدق المقر أنه لو كذبه سقط حقه، وهل يكون لبيت المال لأنه كمال لا مالك له لا؟ المازري: وهو ظاهر الروايات عندنا أو يسلم لدعيه لأنه لا منازع له فيه وبيت، المال لم يحز حتى يدافع الإمام عنه المُدَّعيَ كما قيل فيما أخذه السلابة [فأخذه منه] (١)، فإنه يقضى به لدعيه بعد الاستيناء والإياس ممن يطلبه أو يبقى بيد حائزه أقوال، والظاهر القول الثاني لأن ملكه دائر بين المقر والمقر له والمدعِي فيما يظهر، فإذا انتفى ملك الأولين بقي للمدَّعِي. قاله عبد الباقي. وقوله: "بلا يمين" في الأوليين وبها في الثالثة كما يفيده الحطاب، ما أفاده الحطاب هو الظاهر لأن معناه أن المقر له إذا حضر يأخذه من المقر بلا يمين، لكن إذا خاصمه المدعي حلف له لقول المص: "وانتقلت الحكومة له"، وشيوخ علي الأجهوري إنما تكلموا على حلفه للمدعي لا للمقر كما يدل عليه كلامه عنهم، فلا خلاف إذا بينهم وبين الحطاب. فتأمله. والله أعلم. قاله البناني.
تنبيهات: الأول: قوله: "أو غاب" لو قال: وإن غاب لنسج على منوال قسيمه. قاله عبد الباقي، وغيره.
الثاني: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: ويقدح في القياس على السلابة أن احتمال كونه أي الشيء المتنازع فيه يعني حيث كذب المقر له المقر لغير من يدعيه أقوى من احتمال كونه لغير المدعي. اهـ. وفيه نظر، والصواب أن يقول: والقياس أحروي كما في الرهوني. والله تعالى أعلم. الثالث: قوله: "وإن جاء المقر له" إلخ تفصيل لقوله: "وانتقلت الحكومة له" قاله الخرشي.
стр. 8412
وإن استحلف وله بينة حاضرة أو كالجمعة يعلمها لم تسمع يعني أن المدعي إذا كان له بينة حاضرة أو غائبة كثمانية أيام ونحوها ذهابا وإيابا وهو عالم بها وحَلَفَ المدعى عليه، فإنه لا تقبل بينته بعد ذلك إذا حضرت لأنه ما حلف خصمه إلا على إسقاطها، فلذا تسقط بمجرد الحلف وإن لم يصرح بالإسقاط كما هو ظاهر كلام المؤلف وهو حمل الأكثر لِلْمُدَوَنة، وقال آخرون: لا يكون تاركا لها إلا بتصريحه بترك القيام بها وأما إن لم يعلم بها فله القيام بها، والقول قوله في نفي العلم مع يمينه. قاله سحنون. فقوله: فإن استحلف أي وحلف وليس المراد أن مجرد الحلف يسقط قيام البينة كما هو ظاهر قول الرسالة، وإذا وجد الطالب بينة بعد يمين المطلوب، فإن لم يكن علم بها قضي له بها، وإن كان علم بها فلا تقبل منه، وقد قيل تقبل منه. وقوله: "كالجمعة" أي مع الأمن، واحترز بذلك عما إذا كانت الغيبة بعيدة فإن له أن يقيمها، فإن قيل: المستحلف إنما يستحلف بعد أن ينفي البينة وإذا نفاها، كيف يكون له القيام بها مع أنه أسقطها؟ فالجواب: أن البينة الغائبة غيبة بعيدة نزلوها منزلة العدم، فإذا نفاها لم يضره ذلك. قاله الخرشي.
وقوله: "يعلمها" صفة لبينة فهو راجع للمسألتين، وليس قوله: "وإن استحلف" تكرارا مع ما سبق من قوله: "وإن نفاها واستحلفه فلا بينة إلا لعذر؛ " لأنه هنا أفاد تفصيلا لم يفده هناك، ولو نكل المدعى عليه وحلف المدعي على ما ادعى وغرم له المدعى عليه، ثم وجد المدعى عليه بينة بالوفاء فله أن يقيمها. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن استحلف المدعي أي طلب يمين غريمه وحلف بالفعل لا مجرد طلبه من غير حلف، إذ لا تسقط به بينة وله بينة حاضرة بالبلد يعلمها أو قريبة كالجمعة ذهابا فقط يعلمها، وأراد إقامتها بعد ذلك لم تسمع لأنه إنما حلف على إسقاطها فتسقط، وإن لم يصرح به إلا أن يشترط سماعها بعد حلفه ويوافقه الآخر فيعمل به كما في الحطاب عن زروق، ومفهوم يعلمها سماعها حيث لم يعلمها، والقول قوله مع يمينه على نفي علمها، وكذا نسيانها وبعدها الزائد عن كالجمعة على ظاهر المص، فإن قيل هذه المسألة مكررة مع قوله فيما مر: "فإن نفاها واستحلفه فلا بينة إلا لعذر كنسيان"، فالجواب أن هذه استفيد
стр. 8413
فيها ما لم يستفد مما هناك. اهـ. قوله: حلف بالفعل إلخ، قال الرهوني: تقدم ما فيه في باب القضاء فراجعه. اهـ. ولي معه بحث. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: فلو كانت البينة بعيدة سمعت. علم بها أم لا. اهـ.
تنبيه: قال في التبصرة: ومن الحزم للمدعى عليه إذا طلب المدعي يمينه أن يلزمه أنه أسقط بينته ما علم منها وما لم يعلم، فإذا عقد على نفسه مثل هذا لم يكن له أن يقوم بالبينة بعد اليمين. اهـ.
وإن نكل في مال وحقه استحق به بيمين فاعل "نكل" من توجهت عليه اليمين، يعني أن من توجهت عليه اليمين في مال أو في حقه أي المال أي ما يؤول إلى المال كأجل وخيار ونكل عنها، فإن صاحبه يستحق ما ذكر من المال وحقه بالنكول ممن توجهت عليه اليمين مع يمين الطالب، قال عبد الباقي: وإن نكل مدعى عليه عن يمين توجهت عليه في مال وحقه أي المال وما يؤول إليه، كخيار وأجل استحق مدع ما ادعاه به أي بسبب نكوله بيمين من المدعي، أي معه لا بمجرد النكول، وهذا إن حقق المدعي معرفة ما ادعى به فالتحقيق قيد في اليمين، فإن كان موجبه التهمة فبمجرد نكوله استحقه المدعي لأن يمين التهمة لا ترد. قال عبد الباقي: ولا يعارضه قوله في باب القضاء: "فيدعي بمعلوم محقق وإلا لم تسمع كأظن" لأنه في غير دعوى الاتهام، وما هنا في دعواها. اهـ.
قوله: ولا يعارض قوله في باب القضاء فيدعي بمعلوم إلخ، تبع فيه الأجهوري وفيه نظر، بل هو معارض له لكن مشى هنا على قول وهناك على قول آخر، وقد قال الحطاب في مفهوم قول المص: "إن حقق"، فلو كانت يمين تهمة فإن الحق فيها يثبت بمجرد النكول على المشهور، صرح به ابن رشد. اهـ من التوضيح. قال ابن عرفة: ابن زرقون: اختلف في توجه يمين التهمة، فمذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه، وقاله غير ابن القاسم في غير المدونة، وقال أشهب: لا تتوجه وعلى الأول فالمشهور لا تنقلب، وقي سماع عيسى من كتاب الشركة أنها تنقلب، قُلْتُ: هو كلام ابن رشد. اهـ. وقال مصطفى: قول المص: "بيمين إن حقق" تفريع على توجه يمين التهمة، وقوله في القضاء: "فيدعي بمعلوم محقق" إلخ يقتضي عدم سماع دعوى التهمة
стр. 8414
فضلا عن توجه اليمين فيها، وفي المسألة خلاف، فيؤخذ من كلام المص قولان بالتوجه وعدمه، ثم ذكر كارم ابن فرحون في تبصرته بقوله: ثم قال إذا علمت هذا ظهر لك أن قَوْلَ الأجهوري: إن ما تقدم في القضاء من قوله: "فيدعي بمعلوم محقق" إلخ هو في غير دعوى الاتهام أما فيها فتسمع، فيه نَظَرٌ ولا معنى له؛ إذ كل ما خالف التحقيق فهو تهمة، وكأنه فهم أن المراد بالاتهام كون المدعى عليه من أهل المتهم، وليس كذلك لما علمته من كلام الأئمة أن يمين التهمة - أعني المقابلة للمحققة - تتوجه على القول بها، وإن كان المدعى عليه ليس من أهل التهم، نعم في بعض المسائل يشترطون ذلك لموجب وهي قليلة، فتأمله. قاله البناني.
وقال الشبراخيتي: وإن نكل مدعى عليه عن اليمين في مال وحقه أي حق المال وهو ما يؤول إليه كخيار وأجل استحق ما ادعاه به؛ أي بسبب نكوله بيمين من المدعي مع النكول، والباء الأولى سببية والثانية بمعنى مع أي حقق الدعوى احترازا عن الاتهام، فلا يحتاج ليمين المدعي بل يغرم بمجرد النكول، والنكول كما قال ابن عرفة: امتناع من وجبت عليه أو له يمين منها. اهـ. وقال المواق: ابن شأس: ولا يثبت الحق بمجرد النكول ولكن ترد اليمين على المدعي إذا تم نكول المدعى عليه، ويتم نكوله بأن يقول: لا أحلف أو أنا ناكل، أو يقول للمدعي: احلف أو يتمادى على الامتناع من اليمين فيحكم القاضي بنكوله، فإن قال بعد ذلك: أنا أحلف لم يقبل منه. ابن عتاب: قوله عليه الصلاة السلام: واليمين على من أنكر، مذهبنا أن هذا على الخصوص؛ إذ لو أن رجلا ادعى نكاح امرأة أو العكس أنه لا يمين على المنكر إذ لا يقضى فيه بالنكول إذ لا ينعقد النكاح بالأيمان؛ ابن زرقون: اختلف في توجه يمين التهمة، ومذهب المدونة أنها تتوجه وعلى توجهها فالمشهور أنه إن نكل فلا تنقلب على المدعي، قال الباجي: إن ادعى المودَع تلف الوديعة وادعى الودِع تعديه عليها صدق المودَع إلا أن يتهم فيحلف. قاله أصحاب مالك، قال ابن عبد الحكم: فإن نكل ضمن ولا ترد اليمين هنا. اهـ.
وليبين الحاكم حكمه أي حكم النكول، يعني أن الحاكم يجب عليه أن يبين حكم النكول للمدعى عليه بأن يقول له: إن نكلت حلف المدعي واستحق ما ادعى، قال عبد الباقي: وليبين
стр. 8415
الحاكم للمدعى عليه حكمه أي النكول أي ما يترتب على النكول في دعوى التحقيق أو التهمة، وظاهره كعبارة الأم الوجوب وعليه فهو شرط في صحة الحكم كالإعذار في محله للمدعى عليه، وظاهر ابن شأس وابن الحاجب الاستحباب. اهـ.
قال مقيده عفا الله عنه: والأولى أن يكون معني المص: وليبين الحاكم حكمه أي النكول من مدع أو مدعى عليه. اهـ. ومحل طلب القاضي حيث لا يعرف المُدّعَى عليه أو يعرف ويعرف منه الجهل.
ولا يمكن منها إن نكل يعني أن من توجهت عليه اليمين من مدع أو مدعى عليه إذا نكل عن اليمين وأراد بعد ذلك أن يحلف، فإنه لا يمكن من اليمين، قال عبد الباقي: ولا يمكن من توجهت عليه من مدع أو مدعى عليه كما في التتائي عن التوضيح منها إن نكل عند السلطان أو غيره؛ لأن نكوله دليل على صدق خصمه، وسيأتي مفهومه إن سكت، وقال الشبراخيتي: ولا يمكن منها إن نكل سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، وسواء كان عند القاضي أو غيره. اهـ.
وقال مالك فيمن أقام شاهدا على مال وأبى أن يحلف معه ورد اليمين على المطلوب ثم بدا له أن يحلف: فليس له ذلك.
بخلاف مدع التزمها ثم رجع يعني أن من التزم اليمين من مدع أو مدعى عليه أي التزم الحلف بنفسه، وأنه لا يرد اليمين على صاحبه ثم رجع عن ذلك وأراد تحليف صاحبه، فله ذلك أي له أن يحلفه بعد التزام أنه يحلف بنفسه ولا يحلف صاحبه؛ لأن التزامه لا يكون أشد من إلزام الله تعالى له اليمين، وهو إذا رد اليمين بعد أن كانت عليه كان له ذلك.
تنبيهان: الأول: قوله: "ولا يمكن منها إن نكل" أي ولو كانت اليمين متعددة كأيمان القسامة، وقوله: "ولا يمكن" أي لأنه تعلق لخصمه حق بنكوله فلا يمكن من إبطاله. قاله الخرشي. ومفهومه أنه لو أسقط حقه لكن منها. قاله في التبصرة. وإذا تم نكوله، ثم قال بعد ذلك: أنا أحلف لم يقبل منه ولم يلزم ذلك خصمه إلا أن يشاء. اهـ.
الثاني: قال الخرشي: يؤخذ من هذا الفرع أن من وجبت عليه يمين فطلب التأخير ليتروى في أمره أنه يجاب لذلك؛ إذ قد يكون له غرض صحيح في ذلك وهو خوف نسبته للتجرؤ على
стр. 8416
اليمين لو حلفها من غير تحقق، ويدل له قول المواق عند قول المؤلف: "وإن نكل في مال وحقه" إلخ، ولو قال: أمهلوني أمهل. اهـ. وهذا ما لم يطلب خصمه التعجيل كما يفيده قول ابن فرحون.
مسألة: وإذا وجبت يمين على رجل فأراد الطالب تأخيرها وأراد الآخر تعجيلها أو العكس، فتعجيلها واجب لمن طلب ذلك منهما. اهـ. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ولو قال: بخلاف من التزمها ثم رجع لكان أخصر وأشمل. اهـ.
وإن ردت على مدع وسكت زمانا فله الحلف يعني أن اليمين إذا توجهت على مدع أو مدعى عليه، وسكت هذا الذي توجهت عليه زمانا قصيرا أو طويلا لم يقض العرف بأنه نكول، فإن له الحلف وهذا مفهوم قوله: "ولا يمكن منها إن نكل"، قال عبد الباقي: وإن ردت يمين على مدع أو مدعى عليه من مقيم شاهد في مال وَرَدَّ اليمين على المدعى عليه لرد شهادة الشاهد وسكت زمانا قصيرا أو طويلا، لم يقض العرف بأنه نكول فيما يظهر فله الحلف، ولا يعد سكوته نكولا، وأولى إن طلب المهلة ليتروى في الإقدام عليها أو الإحجام، إلا أن يطلب خصمه التعجيل كما لابن فرحون. اهـ.
وقال البناني: لو قال: عوض ما ذكر وإن سكت من توجهت عليه زمانا إلخ لكان أحسن لشموله. اهـ. وقال المواق: ابن شأس: نكول المدعي بعد نكول المدعى عليه كحلف المدعى عليه. ابن عرفة: هذا هو نص الروايات في المدونة وفي غيرها، ومثله قول ابن الحاجب: لو ادعى أنه قضاه ثم نكل بعد نكوله لزمه، وقال ابن عرفة: الأقوال ثلاثة فيمن وجبت عليه يمين، وقال أمهلني أنظر في حسابي، قيل: يمهل، وقيل: لا، وقيل: يمهل ثلاثة أيام لا يزاد عليها.
وسُئِل ابن عتاب: إذا رد المطلوب اليمين على الطالب فسكت ثم أراد أن يحلف، فقال: المراد لا أمكنك الآن وأنا أحلف على إنكاري دعواك، واليمين إنما بقيت عليَّ لا عليك، فجاوب: يحلف الطالب ويستحق ما حلف عليه. قاله مالك وعامة أصحابه. ابن سهل: هو في سماع أصبغ وسماع عيسى وفي المختلطة. اهـ.
стр. 8417
وقال الشبراخيتي: وإن ردت يمين على مدع ومثله المدعى عليه فسكت غير ملتزم ولا ناكل، ثم أراد أن يحلف فله الحلف ولا مقال للآخر، إذ لا يعد سكوته نكولا، وسواء طال أو لا. قاله ابن عتاب. اهـ. وقال ابن مرزوق: وظاهر ما تلخص من النقل أن لا رجوع بعد النكول ورد اليمين اتفاقا وبعد النكول وقبل ردها قولان، وظاهر المص أن مجرد النكول مانع من الرجوع. اهـ.
ثم تكلم على مسألة تعرف بمسألة الحيازة وألحقها بالشهادة؛ لأن في بعض أنواعها ما تسمع فيه البينة، وفي بعضها ما لا تسمع فيه، وربما يذكرونها مع الأقضية لأن بعضها يقع فيه القضاء، وذكر منها ثلاثة أنواع: أجنبي غير شريك، وأجنبي شريك، وأقارب شركاء أصهار وغيرهم، فأشار للنوع الأول بقوله:
وإن حازَ أجنبيٌّ غير شريك وتصرف ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين لم تسمع ولا بينته يعني أن الأجنبي غير الشريك إذا حاز شيئا على صاحبه وتصرف فيه ولو بغير هدم كالإسكان والإجارة على المشهور مدة عشر سنين وصاحبه حاضر ساكت طول المدة لا مانع له من القيام بحقه، فإن ذلك ينقل الملك عنه أي يدل على نقل الملك عنه، فإذا قام صاحبه الأجنبي بعد ذلك يطلب متاعه فإن دعواه ملك ذلك الشيء لا تسمع، وكذلك إذا أقام بينة تشهد له بالملك لذلك الشيء فإن بينته لا تسمع أي لا تقبل واستحقه الحائز، لقوله ﵊: (من احتاز شيئا عشر سنين فهو له) (١)، ولا بد أن يدعي الحائز الملك بشراء أو هبة أو غير ذلك، فإن لم يدع الملك له سمعت دعوى المدعي وبينته. والله تعالى أعلم.
قال عبد الباقي: وإن حاز أجنبي غير شريك، وأشار لصفة الحوز وأول شروطه بقوله: وتصرف بواحد من ثلاثة عشر: سكنى أزدراع، غرس، استغلال، هبة، صدقة ت نحلة، عتق، كتابة، تدبير، بيع، هدم، بناء كثير لغير إصلاح لا له، أو يسير عرفا. وفي بعض الشراح: استثناء المبيع والهبة والصدقة والوطء والكتابة ونحو ذلك، فإن هذا لا يحتاج معه إلى طول الزمان إذا علم المدعي ذلك ولم ينكر، وهذا عام في جميع الأقسام التي ذكر المص، والتي لم يذكرها كالأصهار
стр. 8418
والموالي ولا يلتفت لكلام الشارح وغيره، ولثانيها بقوله: ثم ادعى أجنبي حاضر مع الحائز ولو حكما، كعلى مسافة يومين في حق الرجال لا النساء. قاله ابن عاصم. وأراد يومين مع الأمن، فإن بعدت غيبته كالسبعة الأيام فله القيام متى قدم اتفاقا مطلقا، فإن قربت كالأربعة وثبت عذره عن القدوم لعجز ونحوه عن التوكيل فكذلك أيضا، وإن أشكل أمره فكذلك عند ابن القاسم. وقال ابن حبيب: يسقط حقه ما لم يثبت عذره كذا يفيده الشارح وغيره، فجَعْلُ التتائي اختلاف ابن القاسم وابن حبيب في القريبة كالأربعة مع ثبوت العذر فيه نظر، لما علمت من أن اختلافهما مع جهله: وأما مع ثبوته فله القيام باتفاقهما. اهـ كلام عبد الباقي.
وقال الرهوني بعد جلب نقول: فالقولان لابن القاسم وليسا متساويين، بل الأول هو المعتمد ومقابله لابن حبيب وهو قول ابن القاسم الرجوع عنه. اهـ. وقال عبد الباقي: ولثالثها بقوله: "ساكت" فإن نَازَعَ الحائز لم يسقط حقه، وظاهره ولو في أي وقت من العشر سنين، وفي ابن مرزوق عن سحنون: لا بد من دوام النازعة فيها. اهـ. [وظاهره] (١) وإن لم تكن عند حاكم وهو ظاهر الشارح وابن ناجي، وفي ابن عمر أنه تنفعه إن كانت عند قاض. اهـ. وفيه نظر، بل الذي صرح به ابن ناجي أن الخصام الذي ينفعه هو ما كان عند القاضي. قاله الرهوني. وقال بعد جلب كلام: وبه تعلم أن الراجح هو الثاني؛ أي إنما تنفع إذا كانت عند قاض لا ما صدر به. اهـ.
وقال عبد الباقي: قال التتائي عنه - يعني عن ابن عمر -: الحيازة إنما تكون في موضع الأحكام، وأما في موضع البادية فلا حيازة، ولرابعها بقوله: "بلا مانع"، ومن عدمه جهل حكم أن الحيازة تقطع البينة فلا يعذر به، ودعواه سكوته لغيبتها أو غيبة وثيقته، فحين حضرت بعد العشر سنين قام بها فلا ينفعه ذلك. اهـ. قوله: لغيبتها أو غيبة وثيقته فيه نظر، بل ذلك من العذر كالذي بعده، وهو قوله فإن سكت لعذر إلخ، فهما معا من العذر. قاله الرهوني.
стр. 8419
وقال عبد الباقي: فإن سكت لمانع كدعوى جهله ما يقوم به من بينة أو وثيقة ثم وجدها عذر بذلك، وكخوفه من سطوة الحائز أو استناده لذي سطوة أو كونه رب دين على المدعي وهو معدم، كصغره أو سفهه مولى عليه أو بكر غير معنسة وكان ذلك عشر سنين، ظرف لحاضر ساكت بلا مانع وهو يتضمن كون الحيازة عشر سنين أي للحائز أو له ولوارثه، فإنها تلفق منهما وليس ظرفا لتصرف إذ لا يعتبر فية تلك المدة، بل يكفي فيه أول جزء منها. قاله علي الأجهوري. وفي ابن مرزوق ما يخالفه، فإنه قال: قوله: "عشر سنين" يصح أن يعمل فيه حاز أو تصرف أو حاضر أو ساكت فيعمل فيه أحدها، وباقيها في ضميره إن جاز تنازع مثل هذا العدد، وإلا فيقدر معمول لا زاد على العوامل، ولايجوز أن يعمل في ضمير المتنازع فيه والمعتمد ما في الأجهوري لم تسمع دعواه كسماعها على غير الحائز، بحيث تكون البينة على المدعي واليمين على من أتكر، وليس المراد نفي سماعها مطلقا إذ تسمع لاحتمال إقرار الحائز للمدعي واعتقاد الحائز أن مجرد حوزها تلك المدة يوجب له ملكها وإن كانت ثابتة الملك [لغيره] (١). قاله التتائي.
وبقي عليه شرط خامس، وهو أن يعلم هذا الحاضر أنه ملكه مع تصرف الحائز له، وأما إن قال لا علم لي بأنه ملكي وما وجدت الوثيقة إلا عند فلان، أو كان وارثا وادعى أنه لم يعلم قبل قوله مع يمينه. قاله في الوثائق المجموعة. ويحتمل أن يدخل هذا في قول المص "بلا مانع". اهـ. أي في مفهومه، وبقي من شروطها أيضا أن يدعي الحائز ملك الشيء المحوز أي ولو مرة، وأما إن لم تكن له حجة إلا مجرد الحيازة فلا ينفعه كما قاله ابن مزروق: وإنما لم تسمع دعواه بعد المدة المذكورة مع شروطها لأن العرف يكذبه؛ إذ سكوته تلك المدة دليل صدق الحائز لجري العادة أن الإنسان لا يسكت عن ملكه تلك المدة، ولخبر: من حاز شيئا عشر سنين فهو له، والتحديد بها هو المشهور كما قال ابن رشد، وعزاه في المدونة لربيعة.
стр. 8420
"ولا بينته" ذكره لدفع توهم أن دعواه تسمع مع البينة ولأجل قوله: إلا أن تشهد البينة بإسكان من المدعي للحائز، ونحوه كإعماره ومساقاته أو مزارعته فإن ذلك لا يُفَوِّتُه على صاحبه فتسمع بينته، فليس مراده إلا بدعوى إسكان لعدم قبول دعواه مع إنكار الحائزة نعم إن أقر به كان كالبينة أو أولى كما في المَوَّاق. انتهى. قوله: فليس مراده إلا بدعوى إسكان إلخ غير صحيح، لمخالفته للنصوص، والحق أن الاستثناء راجع للأمرين أي لم تسمع دعواه إلا أن يدعي الإسكان ولا بينته إلا بينة شهدت بالإسكان. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي عقب قوله كما في المواق: ثم لا بد من حلفه إن ادعى الحائز الملكية من المدعي أو غيره ببيع أو هبة، فإن ادعى مجرد الحيازة لم يحلف مقيم البينة معها. قاله في التوضيح. وأصله لابن رشد والمازري وتقدم نحوه، وفي المدونة: الحيازة كالبينة القاطعة لا يحتاج معها ليمين. اهـ.
ولا يكون قوله: وهبته لي إقرارا بالملك فيخص ما تقدم في باب الإقرار بما إذا لم تكن مدة حيازة لتقديم شهادة العرف على إقراره، وقيد قوله: "إلا بإسكان ونحوه" بما إذا لم يحصل من الحائز بحضرة المدعي بيع أو هبة أو صدقة أو نحلة أو عتق أو كتابة أو تدبير أو وطء أو نحو ذلك مما لا يحصل إلا من المالك في ملكه، فلا تسمع بينة المدعي بإسكان ونحوه. قاله أبو الحسن والتبصرة وقيد قوله لم تسمع إلخ بحق الآدمي، وأما في حق الله كوقف وبناء الطريق فتسمع البينة ولو زادت مدة الحيازة على الأمد المذكور قطعا في الأول، وقيد ابن عرفة الثاني بما إذا لم يتقادم البناء بالطريق كستين سنة، والإطلاق هو الموافق لقول المص في باب الشركة: "وبهدم بناء بطريق ولو لم يضر"، فظاهره ولو تقادم. ويستثنى من قوله: "ولا بينته" الديون الثابتة، قال أحمد: وفي فتاوي البرزلي: اختلف المذهب في حد السكوت القاطع لطلب الديون الثابتة في الوثائق والأحكام مع حضور ربها وتمكنه، فقيل: عشرون سنة وهو قول مطرف، وقيل: ثلاثون وهو قول مالك، قال: وأحفظ لابن رشد أنه إذا تقرر الدين وثبت لا يبطل وإن طال، لعموم خبر: (لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم) واختاره التونسي إذا كان بوثيقة مكتوبة وهي في يد الطالب، واختاره شيخنا الغبريني وسواء كان من مبايعة أو سلف أو صَدُقَاتٍ. اهـ.
стр. 8421
تنبيهات: الأول: من العذر كون الإنسان واسع المال له مال عديد ببلاد شتى وجرت عادته بالتفضل مع الناس لعلو همته. قاله الرهوني. وجلب دليله فانظره إن شئت.
الثاني: قول عبد الباقي: وبقي من شروطها أن يدعي الحائز ملك الشيء المحوز، قال الرهوني: يشمل صورتين: الأولى أن يدعيه ملكا لنفسه ولا يقر بأنه، كان ملكا للقائم عليه ولا إشكال في هذه، الثانية أن يدعي ذلك لنفسه مع اعترافه أنه كان ملكا للقائم لكن ادعى أنه اشتراه منه أو وهبه له أو تصدق به عليه، ومحصله أنه تنفعه الحيازة في دعوى الشراء على المشهور وفي دعوى الهبة والصدقة قولان قويان. اهـ. ومثل قوله: للمحوز عنه وهبته لي قوله أي الحائز للمحوز عنه: وهبه لي والدي ووالده كما في الدر النثير.
الثالث: قال المواق: سئل ابن زرب عمن بيع ماله بمحضره ولم ينكر، فقال: يقضى له بالثمن وليس له نقض المبيع، وسئل أيضا: إذا كان غائبا ثم علم وسكت السنة والسنتين، فقال: إنه له القيام، وقال أبو عمران وابن عبد الحكم: ليس له القيام إلا إن قام بعد اليوم والأيام اليسيرة، ومن هذا المعنى: إذا رآى التركة تقسم ثم قام بذكر حق أنه لا شيء له نقله ابن سهل. اهـ.
الرابع: قال البناني: يستثنى من قوله: لم تسمع، ما إذا كان الحائز معروفا بالغصب لأموال الناس فإن الحيازة لا تنفعه. ابن عرفة: سمع يحيى بن القاسم: من عرف بالغصب لأموال الناس لا ينتفع بحيازة مال غيره في وجهه، فلا يصدق من أجلها على ما يدعيه من شراء أو عطية وإن طال بيده أعواما إذا أقر بأصل الملك لدعيه أو قامت له به بينة، قال ابن رشد: وهذا صحيح لا خلاف فيه لأن الحيازة لا توجب الملك إنما هي دليل عليه توجب تصديق غير الغاصب فيما ادعاه من تصييره إليه؛ لأن الظاهر أنه لا يجوز أخذ مال أحد وهو حاضر لا يطلبه ولا يدعيه إلا وقد صار إلى حائزه إذا حازه العشرة الأعوام ونحوها. اهـ. الرهوني: هذا مقيد بما إذا كانت حيازة الغاصب بغير المبيع ونحوه، وإلا فالغاصب كغيره. اهـ.
الخامس: اختلف هل يطالب الحائز ببيان وجه ملكه؟ فقال ابن أبي زمنين: لا يطالب به، وقال غيره: يطالب، وقيل: إن لم يثبت أصل الملك للمدعي لم يطالب الحائز، وإن ثبت أصل الملك
стр. 8422
للمدعي طولب الحائز بالبيان. قاله البناني. قال الرهوني: والراجح القول الثالث، وناقش في العزو لابن أبي زمنين.
السادس: قد مر قول عبد الباقي: وفي المدونة: الحيازة كالبينة القاطعة إلخ، قال البناني: هو موضوع في غير محله لأن كلامه هنا في القضاء للمدعي وكلام المدونة في القضاء للحائز، فلو قدمه عند قول المص: "لم تسمع" إلخ كان صوابا، وكذا قوله: "ولا يكون وهبته لي" إلخ، الصواب تقديمه هناك أيضا؛ لأن معنى هذا الفرع أن المدعي لم تشهد له بينة بإسكان ولا نحوه، وادعى الحائز أنه ملكه من جهة المدعي بهبة أو ابتياع مثلا، فإن الحائز يصدق بعد المدة بيمينه. اهـ. وفي المعيار: وسُئِلَ سيدي أبو عبد الله العبدوسي عمن له دين على رجل برسم وللرسم المذكور مدة من أربعين سنة، فهل يبطل الدين بتقادم عهده أم لا؟ فأَجَابَ: طول المدة المذكورة لا يبطل الدين عن المديان المذكور ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف إذا كان الدين برسم وطالت المدة المذكورة جدا وادعى المديان قضاءه، ولم يكن هناك ما يدل على أنه لم يقضه من مغيب أو إكراه أو إنكار أو غير ذلك، فقيل يقبل قوله في القضاء مع يمينه، وقيل لا يقبل وهو المشهور، وإن كان بغير رسم فقيل يقبل قوله في القضاء مع طول المدة مع يمينه وهو المشهور، ولا سيما إن كان رب الدين محتاجا والذي عليه الدين مليا وكانا حاضرين، ولا دلالة بينهما تمنع من الطلب. وبالله التوفيق. نقله البناني.
السابع: قوله: "عشر سنين" قال البناني: هذا خاص بالعقار، والتحديد بالعشرة نحوه في الرسالة، وعزاه في المدونة لربيعة، قال ابن رشد: وهو المشهور في المذهب، ولابن القاسم في الموازية: ما قارب العشر كسبع وثمان كالعشر، وقال مالك في المدونة: تحد باجتهاد الحاكم.
الثامن: قد مر قول عبد الباقي عند قوله: "ثم ادعى حاضر": ولو حكما كمن على مسافة يومين أي في حق الرجال، فإن قربت كالأربعة وثبت عذره ثم قال وإن أشكل أمره فكذلك عند ابن القاسم، قال البناني: قول الزرقاني وإن أشكل أمره فكذلك أيضا تبع فيه الأجهوري، وأصله في التوضيح، قال مصطفى: وظاهر النقل أن ابن القاسم لا يسقط حقه بالأربعة ولو كان لا عذر له
стр. 8423
فيما يراه الناس. اهـ. قال ابن عرفة: ابن رشد: وهذا الخلاف في القريب إنما هو إذا علم وإن لم يعلم فلا حيازة عليه وإن كان حاضرا، غير أنه في [القريب] (١) محمول على غير العلم حتى يثبت علمه، وفي الحاضر محمول على العلم حتى يتبين أنه لم يعلم. اهـ.
التاسع: قال البناني: قال ابن رشد في كتاب الاستحقاق من البيان: لا تنقل الحيازة ملك المحوز عليه إلى الحائز اتفاقا، ولكنها تدل على الملك كإرخاء الستور ومعرفة العفاص والوكاء، فيصدق الحائز مع يمينه لحديث: (من حاز شيئا عشر سنين فهو له)، ومعناه عند العلماء أن الحكم يوجبه له بدعواه، فمن حاز مال غيره في وجهه عشرة أعوام مع الهدم والبناء أم لا وادعى ملكه ببيع أو هبة مدق مع يمينه. انتهى باختصار. قال الحطاب: وسواء ادعى [صيرورة] (٢) ذلك من غير المدعي أو ادعى أنه صار إليه من المدعي، ثم قال ابن رشد: والحيازة ستة أقسام أضعفها حِيَازَةُ الأب عن الابن، ثم حيازة الأقارب الشركاء، ثم الأقارب غير الشركاء، ثم الموالي والأختان غير الشركاء، ثم الأجانب الشركاء، ثم الأجانب غير الشركاء وهي أقواها. انظر الحطاب. وقول الزرقاني: وفي بعض الشراح استثناء المبيع والهبة إلخ، محل هذا الاستثناء إنما هو قوله: "عشر سنين" كما يفيده كلامه، ونص ابن رشد؛ وتحصل الحيازة في كل شيء بالبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء ولو بين أب وابنه ولو قصرت المدة، إلا أنه إن حضر مجلس المبيع فسكت لزمه المبيع وكان له الثمن وإن سكت بعده الْعَامَ وَنَحْوَه استحق البائع بالحيازة مع يمينه، وإن لم يعلم بالبيع إلا بعد وقوعه فقام حين علم أخذ حقه، وإن سكت العام ونحوه لم يكن له إلا الثمن، وإن لم يقم حتى مضت مدة الحيازة لم يكن له شيء واستحقه الحائز، وإن حضر مجلس الهبة والعتق وسكت لم يكن له شيء، وإن لم يحضر ثم علم فإن قام حينئذ كان له حقه وإن سكت العام ونحوه فلا شيء له، ويختلف في الكتابة هل تحمل على البيع أو على العتق؟ قولان، اهـ باختصار. اهـ.
стр. 8424
العاشر قال الحطاب: "وإن حاز أجنبي غير شريك" احترز بقوله: "أجنبي" من القريب فإنه يأتي حكمه: وبقوله: "غير شريك" من الشريك فإنه يأتي أيضا حكمه، ومفعول قوله: "حاز" محذوف أي حاز عقارا من دار أو أرض، وأما غير العقار فلا يفتقر في الحيازة إلى عشرة أعوام كما يأتي بيانه: وقوله: "وتصرف" يعني أنه يشترط في الحيازة أن يكون الحائز يتصرف في العقار المحوز، وأطلق التصرف لينبه على أن حيازة الأجنبي غير الشريك يكفي فيها مطلق التصرف في العقار المحوز، ولو كان ذلك السكنى والازدراع الذي هو أضعف أنواع الحيازة، وهذا هو المشهور في المذهب أن الحيازة بينهم - يعني الأجانب غير الشركاء - تكون في العشرة الأعوام، وإن لم يكن هدم ولا بنيان. وعن ابن القاسم أنه لا تكون حيازة إلا مع الهدم والبنيان، ولاخلاف أنه تكون حيازة مع الهدم والبنيان. اهـ.
وقوله: "ثم ادعى حاضر" يعني أنه يشترط في كون الحيازة مانعة من سما دعوى المدعي أن يكون المدعي حاضرا احترز بذلك مما لو كان المدعي غائبا غيبة بعيدة كالسبعة الأيام، قال في التوضيح: وإن كانت الغيبة قريبة كالأربعة الأيام وثبت عذره عن القدوم والتوكيل من عجز ونحوه فلا حجة عليه، وإن أشكل أمره فظاهر المذهب أنه على قولين، قال ابن القاسم: لا يسقط حقه لأنه قد يضعف عن القدوم، قيل له: فإن لم يتبين عجزه عن ذلك، قال: قد يكون معذورا من لا يتبين عذره، وذكر ابن حبيب أنه يسقط حقه إلا أن يثبت عذره ساكت، واحترز بذلك مما لو تكلم قبل مضي مدة الحيازة، فإن حقه لا يبطل بلا مانع؛ يعني أن سكوت المدعي في المدة المذكورة إنما يبطل حقه إذا لم يكن له مانع يمنعه من الكلام، فلو كان هناك مانع يمنعه من الكلام فإن حقه لا يبطل، وفسر ابن الحاجب المانع بالخوف والقرابة والصهر، وقد احترز المص من القرابة بقوله: أوَّلا "أجنبي" فيكون المراد بالمانع في كلامه الخوف أي خوف المدعي من الذي في يده العقار لكونه ذا سلطان أو مستندا لذي سلطان، فإذا كان سكوته لذلك لم يبطل حقه. قال الجزولي: وكذلك إذا كان للحائز على المدعي دين ويخاف إن نازعه أن يطلبه ولا يجد من أين يغطيه. اهـ.
стр. 8425
ويدخل في المانع ما إذا كان المدعي صغيرا أو سفيها فإن سكوته لا يقطع دعواه، قال ابن فرحون: قال ابن العطار: ولا يقطع قيام البكر غير المعنسة ولا قيام الصغير ولا قيام المولى عليه الاعتمار المذكور بحضرته إلا أن يبلغ الصغير ويملك نفسه المولَّى عليه وتعنس الجارية وتحاز عنهم عشرة أعوام من بعد ذلك وهم عالمون بحقوقهم لا يتعرضون من غير عذر. انتهى. ويدخل في المانع أيضا ما إذا لم يعلم المدعي بالحيازة أو لم يعلم بأن العقار المحوز ملكه، قال والرسالة: ومن حاز دارا على حاضر عشر سنين تنسب إليه وصاحبها حاضر عالم، قال الشيخ أبو الحسن الصغير في أواخر كتاب الشهادات: لما تكلم على الحيازة: وفي الرسالة وصاحبها حاضر عالم، الشيخ: أي عالم بمعلومين بتصرف الحائز وبأنها ملكه ولا يفيد العلم بأحدهما دون الآخر. اهـ كلام الحطاب.
وقال عند قوله: "عشر سنين" بعد جلب كثير: فتحصل في مدة الحيازة ثلاثة أقوال، الأول: قول مالك في المدونة: إنها لا تحدد بسنين مقدرة بل باجتهاد الإمام. نقله ابن يونس وابن شأس وابن عرفة. القَولُ الثاني: أن مدة الحيازة عشر سنين وهو الذي مشى عليه المص وعليه اقتصر في الرسالة، قال في النوادر: وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن يونس: قال سحنون: لما أمر الله نبيه بالقتال بعد عشر سنين كانت أبلغ شيء في الإعذار، واعتمد أهل المذهب على الحديث المتقدم وعلى أن كل دعوى يكذبها العرف فإنها غير مقبولة، ولا شك أن بقاء ملك الإنسان بيد الغير يتصرف فيه عشر سنين دليل على انتقاله عنه. والله أعلم. القَوْلُ الثّالِثُ: أن مدة الحيازة سبع فأكثر وهو قول ابن القاسم الثاني. اهـ.
ثم قال الحطاب: الهدم والبناء مقيدان بما إذا لم يخش سقوطه فإن ذلك لا ينقل الملك وكذا الإصلاح اليسير، والحيازة على النساء عاملة إذا كن في البلد، وتقدم أنه لا حيازة على الغائب، إلا أنه يستحب له إذا علم أن يشهد أنه على حقه. قاله ابن بطال والرجراجي. والمدة المذكورة يستوي فيها الوارث والموروث، لعموم قول النبي ﷺ : (من حاز شيئا عشر سنين فهو له)، وتضاف مدة حيازة الوارث إلى مدة حيازة الموروث، مثل أن يكون الوارث حاز خمسة أعوام وكان موروثه قد حاز خمسة أعوام، فيكون ذلك حيازة على الحاضر.
стр. 8426
وأشار للنوع الثاني بقوله: كشريك أجنبي حاز فيها إن هدم وبنى يعني أن الشريك الأجنبي إذا حاز شيئا عن صاحبه عشر سنين، وتصرف فيه بالهدم أو البناء فأحدهما كاف وصاحبه حاضر ساكت طول المدة المذكورة، ولا مانع له من القيام بحقه فإن الحائز يملكه بذلك، ولا تسمع دعوى صاحبه ولا بينته بعد ذلك. قال عبد الباقي: وأشار للنوع الثاني بقوله: "كشريك" في المتنازع فيه لا مطلقا أجنبي حاز فيها أي في العشر سنين إن هدم أو قلع غرسا، أو باع أو وهب أو تصدق أو نحل أو أعتق أو كاتب أو دَبَّرَ أو وطئ، والواو بمعنى أو في قوله: "وبنى كثيرا بالعرف للتوسعة فتثبت له الحيازة بذلك، ونبه عليه لأنه قد يتوهم أن الشريك يحابي شريكه فتسمع دعواه وبينته فنفي ذلك، وأما إن هدم ما يخشى سقوطه أو بنى يسيرا فإن ذلك لا يمنع من قيام شريكه، ومثل البناء غرس بدار أو أرض واستغلال في غيرهما لا استخدام رقيق أو ركوب دابة أو لبس ثوب. إهـ. قوله: واستغلال أي ككراء الدابة ومؤاجرة العبد مثلا وأخذه أجرة ذلك لنفسه. قاله الرهوني. وقال الشبراخيتي: إن هدم وبنى ثم إن الهدم وحده يكفي كما أن البناء كذلك، ولا بد أن يكون الهدم للتوسعة ونحوها لا للإصلاح وأن يكون كثيرا، وأما البناء فقط فكالهدم في التفصيل المذكور، والظاهر أنه يرجع في كونه كثيرا أو يسيرا لقول أهل المعرفة، قال الحطاب: والاستغلال في غير الدور والأرضين يقوم مقام الهدم والبناء والغرس في الدور والأرضين، وفي اختصار المتيطية أنه يُكتفى بالهدم وحده أو البناء وحده أو الغرس وحده، وأن الكراء في العقار بمنزلة ذلك وكذلك الكراء في غيره بمنزلة البناء والهدم فيه.
وفي الشريك القريب معهما قولان يعني أن الشريك القريب إذا حاز شيئا على شريك عشرة أعوام وهو يتصرف فيه بالهدم والبناء، وإليهما يعود ضمير التثنية فإن في ذلك قولين، أحدهما: أن ذلك حيازة فيكون للحائز ولا تسمع دعوى شريكه الآخر القريب ولا بينته، وثانيهما أن ذلك لا يكون حوزا بل حيازته أزيدُ من الأربعين عاما. قال عبد الباقي: وفي الشريك القريب معهما أي مع الهدم والبناء وما يقوم مقام كل كما مر، قولان: أحدهما عشر سنين، والثاني زيادة على أربعين عاما معهما وهو المعتمد بين الأقارب، ولو غير شركاء في عقار إلا لعداوة بينهم فكأجانب
стр. 8427
شركاء كما في ابن عاصم، كأصهار لا قرابة بينهم وموال كأجانب شركاء، وقيل كأجانب غير شركاء، وقيل كأقارب غير شركاء، والأقوال الثلاثة لابن القاسم، والفرق على الأول بينهم وبين الأقارب أن شدة مداخلة القريب غير الشريك أقوى من الموالي والأصهار غير الشركاء، وأما الأصهار الذين بينهم قرابة فيجري فيهم ما جرى في الأقارب الذين ليسوا بموال ولا أصهار، وسكت المص عن الموالي والأصهار كما ترى. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وفي الشريك القريب معهما أي مع الهدم والبناء قولان لابن القاسم، فمرة قال عشر سنين حيازة، ومرة قال لا تكون حيازة إلا بأمد يزيد على أربعين سنة مع الهدم والبناء أو الغرس وهو الراجح الرجوع إليه، وسكت المص عن الأقارب غير الشركاء والراجح أنهم كالشركاء الأجانب فلا فرق بين الشركاء وغيرهم، وهذا في أقارب ليس بينهم تشاجر وإلا فكالأجانب وسكت عن الوالي والأصهار الشركاء، وذكر الحطاب أن القريب الشريك وغيره سواء لا بد من زيادة مدة حيازته على أربعين عاما مع الهدم أو البناء أو ما يقوم مقامهما. اهـ. وقال الإمام الحطاب: ظاهر كلام المص وغيره أن القولين متساويان، وقد علمت أن القول الذي رجع إليه ابن القاسم أن ذلك لا يكون حيازة، ولا شك أن العمل على القول الرجوع إليه يعني القول بأن حيازة ذلك أزيد من أربعين عاما، وعلم من قول المص معهما أنه لا تحصل الحيازة بين الأقارب الشركاء إذا لم يكن هدم وبناء وهو كذلك، ولم يذكر المص حكم القريب الذي ليس بشريك، واختلف فيه قول ابن القاسم فجعله مر كالقريب الشريك فالحيازة فيه أزيد من أربعين عاما، ومر رآى أن الحيازة تكون بينهم في العشرة الأعوام مع الهدم والبناء والراجح الأول.
قال مقيد كهذا الشرح عفا الله عنه: تحصل من هذا أن في الشريك القريب قولين، والراجح أن الحيازة فيه أزيد من أربعين عاما، وأن في القريب غير الشريك قولين أيضا، والراجح أن الحيازة فيه أيضا أزيد من أربعين عاما. قال الحطاب بعد جلب نقله: وَتَحَصّلَ من هذا أن الحيازة بين الأقارب سواء كانوا شركاء أو غير شركاء لا تكون بالسكنى والازدراع، وإنما تكون بالبناء والهدم في الأمد الطويل الذي يزيد على أربعين سنة على الأرجح من القولين. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
стр. 8428
ومقابل الأرجح عشرة أعوام حيازة مع الهدم والبناء أوما يقوم مقامهما، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: لا بد من تحرير هذه المسألة، فأقول معترفا بالتقصير، معتصما باللطيف الخبير: الحيازة إما بين الأجانب شركاء أو غير شركاء أو بين الأصهار شركاء أو غير شركاء أو الموالي شركاء أو غير شركاء أو الأقارب شركاء أو غير شركاء، فأما بين الأجانب غير شركاء فهي عشرة أعوام بشروطها المارة، وقيل لا تحد بمدة بل باجتهاد الإمام، وقيل مدة الحيازة بينهم سبعة أعوام فأكثر، وأما الأجنبي الشريك فعشرة أعوام إن هدم أو بنى أو فعل ما يقوم مقام ذلك كما مر مستوفى فراجعه إن شئت، وأما الموالي والأصهار إن كانوا شركاء فقيل عشرة أعوام إن هدم أو بنى وقيل لا. قاله الحطاب. يعني فتكون بأزيد من أربعين عاما كالقريب. والله تعالى أعلم. وإن كانوا غير شركاء، فقال الحطاب: وفي كون السكنى والازدراع في العشرة الأعوام حيازة لمولى وصهر غير شريكين، أو إن هدم في العشر وبنى أو إن طال جدا أقوال، وأما الأقارب شركاء أو غير شركاء فالراجح أنها زيادة على أربعين عاما، ومقابله عشرة إن هدم أو بنى أو فعل ما يقوم مقام ذلك.
هذا في الأقارب الذين ليسوا بأب وابنه، وإلا فهو ما أشار إليه بقوله: لا بين أب وابنه إلا بكهبة، قال الخرشي: عطف على المعنى أيَ والحيازة بين من ذكر لا بين أب وابنه كما في مختصر المتيطية، فلا يصح حوز أحدهما بالهدم والبناء والسكنى والازدراع ونحو ذلك، ولا خلاف في الفوات بالبيع والشراء والهبة والعتق والوطء ونحوه. فقوله: "إلا بكهبة" أي إلا أن يكون تصرف الأب أو ابنه بكهبة وعتق ونحوه مما لا يفعل الشخص إلا في ملكه، وهو راجع لجميع الباب، أو يقال: إنه راجع للأب وابنه وأولى غيرهما. وقال الحطاب: قال ابن رشد: وتحصل الحيازة في كل شيء بالبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء ولو بين أب وابنه ولو قصرت المدة، إلا أنه إن حضر مجلس المبيع فسكت حتى انقضى المجلس لزمه البيع في حصته وكان له الثمن، وإن سكت بعد العام ونحوه استحق البائع الثمن بالحيازة مع يمينه؛ وإن لم يعلم بالبيع إلا بعد وقوعه وقام حين علم أخذ حقه وإن سكت العام ونحوَه لم يكن له إلا
стр. 8429
الثمن، وإن لم يعلم حتى مضت الحيازة لم يكن له شيء واستحقه الحائز، وإن حضر مجلس الهبة والصدقة والتدبير والعتق وسكت حتى انقضى المجلس لم يكن له شيء، وإن لم يحضر ثم علم، فإن قام حينئذ فإن له حقه وإن سكت العام ونحوه فلا شيء له، ويختلف في الكتابة هل تحمل على المبيع أو العتق؟ قولان. اهـ.
إلا أن يطول معهما ما تهلك البينات وينقطع العلم يعني أن حيازة الأب على ابنه أو العكس تصح إذا طال الزمن بحَيْث تهلك فيه البينات وينقطع فيه العلم وهو يهدم ويبني والمالك حاضر ساكت طول المدة ولا مانع له، فليس له القيام فلا تسمع دعواه بالملك ولا بينته. وَقَوْلهُ: "إلا بكهبة" وقوله: "إلا أن يطول معهما" إلخ كلاهما مستثنى من قوله: "لا بين أب وابنه": وكان حقه لو عطف الأخير بالواو، فيقول: وإلا أن يطول معهما إلخ، والضمير في قوله: "معهما" عائد على الهدم والبناء، قال عبد الباقي: إلا أن يطول أمد الحيازة بين الأب وابنه معهما أي مع الهدم والبناء أو مع أحدهما "ما" أي زمان يغلب على الظن أنه تهلك فيه البينات وينقطع العلم معه بحقيقة ما يدعيه كل منهما، فتعتبر الحيازة بينهما حينئذ وتنقطع حجة المدعي ولا تسمع دعواه ولا بينته، ولا يخفى أن هلاك البينة وانقطاع العلم يختلف باختلاف سن المشهود، وسكت المص في أنواع الحيازة الثلاثة عن حيازة الأكثر، هل يكون الأقل تبعا له أو لا وفيه قولان، وإن حاز النصف فلكل حكمه. اهـ.
وقال الشبراخيتي في مختصر المتيطية: إن حاز الأكثر بشروطه صح حوزه، وفي الباقي قولان أحدهما أنه تبع للأكثر فيستحقه الحائز للأكثر مع يمينه. رواه يحيى عن ابن القاسم. ولم يذكر اليمين، والثاني أنه لا يكون تبعا ويكون للمحوز عليه حقه فيه بعد يمينه وهو قوله أيضا في سماع سحنون: وإن حاز الأقل فظاهر رواية سحنون عن ابن القاسم أنه له بحيازته ولا يكون تبعا لما لم يحز، وروى عنه يحيى أنه يكون تبعا لا بقي ويأخذ المحوز عليه حقه في الجميع، فإن فات بعتق كان له قيمة حظه على معتقه، وإن بيع كان له حظه من الثمن وإن وعب أو تصدق به أخذ حظه منه إلا أن لا يجده فيكون له قيمة حظه على معطيه، وإن حاز النصف ونحوه فلا خلاف أنه لا يكون له بعض ذلك تبعا فيختص الحائز بما حاز دون ما لم يحز. اهـ.
стр. 8430
وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي يعني أن المحوز لا تفترق أنواعه إلا في الأجنبي، فمدة الحيازة في الدار وغيرها من أنواع العقار عشرة بالشروط المتقدمة، ويأتي حكم غير العقار، وأما الأقارب فلا فرق بالنسبة لهم بين الدور ونحوها من بقية أنواع العقار، وغير ذلك من العروض كالثياب والدواب وغيرها فلا تفترق مدة الحيازة في الأقارب والأب وابنه في الأصول والعروض والحيوان بل هي مستوية وقد مرت مدة حيازتهم.
وأشار لما إذا كان المحوز غير عقار، بقوله: ففي الدابة وأمة الخدمة السنتان يعني أن مدة الحيازة في الدابة وأمة الخدمة السنتان فأكثر بالنسبة للأجنبي، ويزاد على ثلاث سنين لا على سنتين كما يوهمه المص في عبد لخدمة أو غيرها، كتجر وعرض ثوبا أو غيره، قوله: "ففي الدابة" تركب وأمة الخدمة تستخدم قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ففي الدابة إذا كانت تركب والظاهر أن استعمالها في غير الركوب كاستعمالها فيه، وأمة الخدمة إذا كانت تستخدم السنتان، وأما إن لم تركب الدابة ولم تستخدم الأمة فالظاهر أن حكمهما حكم العرض، ويفهم من قوله: "وأمة الخدمة" أن أمة الوطء بمنزلة الهبة والصدقة وطئها (١)، وإن لم يحصل فيها وطء بالفعل فالظاهر أنه يفيتها أقل من ذلك، لأن التي شأنها الوطء شأنها أن يسارع لوطئها فهي مظنة الوطء، وانظر هل يفيتها سنة أم لا؟ وظاهر قوله: "ويزاد في عبد وعرض" أنه يكتفي بثلاث سنين وليس كذلك، بل لابد من الزيادة على ثلاث سنين كما في النقل. قال في الحاشية: والزيادة هنا باجتهاد الحاكم. اهـ.
وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أنه إنما يفرق بين الدور وغيرها في مدة الحيازة إذا كانت الحيازة بين الأجانب، وأما في حيازة القرابة بعضهم على بعض فلا يفرق بين الدور وغيرها. قال ابن رشد: إن الأقارب الشركاء بالميراث أو بغير الميراث لا خلاف أن الحيازة بينهم لا تكون بالسكنى والازدراع، ولا خلاف أنها تكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والتدبير والوطء، وإن لم تطل المدة والاستخدام في الرقيق والركوب في الدواب كالسكنى فيما يسكن
стр. 8431
والازدراع فيما يزرع، والاستغلال في ذلك كالهدم والبنيان في الدور وكالغرس في الأرضين، ثم قال: ولا فرق في مدة حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض، وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي مال الأجنبي بالسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللباس في الرقيق والدواب والثياب، فقد قال أصبغ: إن السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت تلبس وتمتهن، وأن السنتين والثلاث حيازة في الدواب إذا كانت تركب، وفي الإماء إذا كن يستخدمن، وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ في شيء من ذلك كله بين الأجنبيين إلى العشرة الأعوام كما يصنع في الأصول. اهـ.
وعلم من كلام ابن رشد أن اللباس في الثياب كالسكنى في الدور، وأنه لا تحصل به حيازة بين الأقارب ولو طالت المدة، وأن الاستغلال في الرقيق والدواب والثياب بمعنى قبض أجرة العبيد والدواب والثياب كالهدم والبنيان في العقار، فلا تحصل الحيازة بين الأقارب في الرقيق والدواب والثياب والعروض إلا في الاستغلال، ويختلف في مدتها على القولين السابقين الذين أشار إليهما المص بقوله: "وفي الشريك القريب معهما قولان" أو بالأمور المفوتة كالبيع والهبة والصدقة والعتق والوطء" ويعلم من كلام المص لأنه لا جعل ذلك مفوتا بين الأب وابنه، علم أنه مفوتٌ في حق غيرهما من باب أحرى. والله أعلم. وفهم من قوله: "في الأجنبي" أن القريب لا تفترق الدار من غيرها في حقه: سواء كان شريكا أو غير شريك، ففيه إشارة إلى ترجيح القول بتساويهما كما تقدم، وتقدم في كلام ابن رشد أن الثياب تكفي في حيازتها السنة والسنتان ولم يتعرض لها المص، بل قد فهم من كلامه دخولها في العروض، تنبه لذلك. اهـ.
وقال البناني: إنما اعتمد المص في هذا الحصر كلام ابن رشد الذي نقله المواق والحطاب وغيرهما، واعترضه مصطفى بأن ابن رشد لم يستند فيما ذكره من التفريق إلا لأصبغ، فاقتضى كلامه أن أصبغ سوى بين العقار والثياب وما معها في القريب مع أن أصبغ فرق بينهما فيه أيضا، ففي ابن سلمون قال أصبغ ومطرف: وأما حيازة الشريك الوارث عمن ورث عنه في العروض والعبيد بالاختدام واللبس والامتهان منفردا به على وجه الملك له، فالقضاء فيه أن الحيازة في ذلك فوق العشرة الأعوام على قدر اجتهاد الحاكم عند نزول ذلك. اهـ. ولذا اعترض ابن مرزوق عبارة المص
стр. 8432
قائلا: مفهوم الحصر يقتضي مساواة الدار وغيرها بالنسبة للأقارب في مدة الحيازة، ولا عمل على هذا المفهوم لمخالفته النص، قال ابن يونس وغيره عن مطرف: وما حاز الشركاء والورثة من العبيد والإماء والدواب والحيوان وجميع العروض تختدم وتركب وتمتهن العروض، فلا يقطع حق الباقين ما لم يطل، والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع وفوق حيازة الأجنبي عن الأجنبيين. اهـ. كلام ابن مرزوق.
وما نقله ابن يونس عن مطرف يرجع لنقل ابن سلمون عنه مع أصبغ، وقوله: والطول في ذلك دون الطول في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع لأن مدة ذلك بالنسبة للسكنى والازدراع في كلام ابن عاصم وغيره أزيد من أربعين سنة، ونقله في شرح التحفة عن المنتقى خلافا لقول ابن رشد: لا حيازة بين الورثة الشركاء بالسكنى والازدراع وإن طال الزمن جدا، فقد ظهر لك أن أصبغ كما فرق بين العقار وغيره في الأجنبي فرق في الأقارب، وأما ابن القاسم فسوى بين الأصول وغيرها في الأجنبي، كما سوى بينهما في الأقارب ت ففيها: قال ابن القاسم: ومن حاز على حاضر عروضا أو حيوانا أو رقيقا فذلك كالحيازة في الربع. اهـ. ولم أر التفصيل الذي سلكه ابن رشد من التفريق في الأجنبي فقط إلا أنه رجل حافظ ولعله تفقه له، فتأمل ذلك. وقد جرى الحطاب على طريق ابن رشد معتمدا عليه، وأما الأجهوري فقال: اعتراض ابن مرزوق صحيح، بل ربما يتعين المصير إليه لموافقته لما في النوادر، وهو مقدم على ما يدل عليه كلام ابن رشد. اهـ من مصطفى باختصار. والله سبحانه أعلم. اهـ. كلام البناني.
تنبيهات: الأول: قال الرهوني: قال التاودي: مما ينبغي أن يدرج في قوله ونحوه؛ يعني. قوله: إلا بإسكان ونحوه، فرع ابن الحاج: من قام بعقد ابتياع من القوم عليه أو من أبيه قبله وتاريخ الابتياع أكثر من عشرين سنة، وقال: لم يعلم بشراء أبيه ولا جده إلى الآن فليحلف على ذلك ويأخذ الأملاك. اهـ. وهو ظاهر ولا يعارضه ما تقدم من أن رسوم الأشرية بمجردها لا تفيد ولا ينتزع بها من يد حائز مثل شهادة السماع، كما اعترض به صاحب المعيار على ابن الحاج قائلا: فتواه مخالفة لما دلت عليه المنصوص، وشهد لاعتباره المنصوص إلى آخر كلامه، لأنا نقول
стр. 8433
محل ذلك إذا لم يكن الشراء من المقوم عليه، كما قال ابن لب: عقود الأشرية لا تكون حجة إلا على جهة البائع.
الثاني: قال يحيى: سألت ابن القاسم عن رجل أمدق امرأة عن ابنه منزلا، فلما دخل ابنه بالمرأة أخذت النزل إلا حقولا يسيرة تركتها في يد حموها، فلم تزل في يده حتى مات بعد طول زمان، ثم أرادت المرأة أخذها فمنعها ورثة الحمو، وقالوا: قد عايشته زمانا من دهرك وهي في يده ولا تشهدين عليه بعارية ولا كراء ولا ندري لعله أرضاك من حقك، أترى للمرأة في ذلك حقا؟ قال نعم: لها أن تأخذ تلك الحقول التي هي مما كان أصدقها الحمو عن ابنه، ولا يضرها طول ما تركت ذلك في يد الحمو لأنها ليست بالصدقة فتلزم حيازتها، وإن الصداق ثمن من الأثمان، قال: وكذلك لو تركت كل [ما] (١) أصدقته في يد الحمو لم يضرها ذلك، قال القاضي: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها لأنه حقها تركته في يده، فلا يضرها ذلك طال الزمان أو قصر، لقول رسول الله ﷺ : (لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم)، وليس هذا من وجه الحيازة التي ينتفع الحائز بها، ويفرق فيها بين القرابة والأجنبيين والأصهار؛ إذ قد عرف وجه كون الأحقال بيد [الحمو] (٢) فهي على ذلك محمولة حتى يعرف مصيرها إليه بوجه صحيح؛ لأن الحائز لا ينتفع بحيازته إلا إذا جهل أصل مدخله فيها، وهذا أصل في الحكم بالحيازة وبالله التوفيق. اهـ. نقله الحطاب، والرهوني. قال الرهوني: قوله في الرواية: عايشته، كذا وجدته في نسختين من البيان بالشين المعجمة، من العيش وهو في جميع ما وقفت عليه من نسخ الحطاب قد عاينته بالنون من المعاينة، والمعنى صحيح على كل منهما والأول أوجه. والله أعلم. اهـ.
الثالث: قال الحطاب: أَصّلَ ابن رشد أن ترجيح الحيازة إنما هو فيما جهل أصله، وأما إذا ثبت أصلها بكراء أو إعارة أو إعمار أو غير ذلك فلا يزال الحكم كذلك وإن طال الزمان، ثم جلب على ذلك مسألة يحيى، قال: سألت ابن القاسم إلى آخر ما مر. والله تعالى أعلم.
стр. 8434
الرابع: قال الخرشي: والمراد بالأجنبي يعني من قوله: وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي أعم من أن يكون شريكا أو لا، ونقل عن بعض الشراح أن قوله: وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي أي غير الشريك: وكان ينبغي أن يقول العقار. اهـ. وفي مختصر الواضحة: وإذا قضي للرجل على الرجل بشيء فلم يخرجه المقضي له من يد من قضي عليه حتى تقادم زمانه وحازه عليه بعد أن قضي له بذلك لا يسقط حق المقضي له، ونحو هذه المسألة في البيان. نقله في التبصرة.
الخامس: قال في التبصرة: وحكم تفويت الأجنبي ملك الأجنبي ببيع ونحوه، وتفويت القرابة ذلك بالبيع أو الوطء أو العتق يفترق الجواب فيه، وفيه تفصيل بين تفويت الكل أو الأكثر أو الأقل أو النصف، انظر ذلك في البيان والتحصيل لابن رشد مستوفى. اهـ.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: انظر هذا عند قول المص: "إلا أن يطول معهما ما تهلك البينات وينقطع العلم" معزوا للشبراخيتي، فإنه استوفى فيه ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى.
السادس: قال في التبصرة: قال ابن رشد اختلف في الأب والابن هل يحوز كل منهما على صاحبه بالهدم والبنيان والغرس أم لا؟ على قولين، المشهور أنه لا يحوز عليه بذلك إن ادعاه ملكا لنفسه، قام عليه في حياته أو بعد وفاته، قال ابن رشد: يريد والله أعلم إلا أن يطول الأمر إلى ما تهلك فيه البينات وينقطع العلم، والقول الثاني أنه يحوز عليه بذلك، قام عليه في حياته او على سائر ورثته بعد وفاته إذا ادعى ملكا لنفسه، ومثل الأب والابن الأب والجد ولا اختلاف أنه لا تكون الحيازة بينهما بالسكنى والازدراع ولا بالاستخدام والاتفاق، على أنها تكون بالتفويت من المبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء. اهـ.
فروع في مسائل متفرقة في القضاء والشهادات، الفرع الأول: إذا نهى الحاكم أحد الخصمين عن الكلام فلم يفعل، وأتى بالحجج ليخلط على صاحبه ويمنعه من الكلام ويكثر معارضته في الكلام، أمر القاضي بأدبه. قاله في التبصرة. وإذا غلط الشاهد في مجلس القاضي في نقص الشهادة، فعلى القاضي أن يأمر الخصمين ألَّا يعرضا له لا المدعي بتلقين ولا المدعى عليه بتوبيخ، فإن اقتحم
стр. 8435
أحدهما ذلك بعد النهي أمر بأدبه. قاله سحنون. وكان سحنون إذا غلط عنده الشاهد في شهادته أعرض عنه وأمر المكاتب أن لا يكتب، وربما قال له: تثبت ثم يردده، فإذا ثبت على شهادته أمر كاتبه فكتب لفظ الشاهد ولا يزيد ولا ينقص، وليمنع القاضي ذات الجمال والنطق الرخيم أن تباشر الخصومة ويأمرها أن توكل وكيلا. وقال المازري: إذا كانت الدعوى على امرأة شابة لها جمال ويخاف عليها إن تكلمت أن يؤدي سماع كلامها إلى الشغف بها، فإنها تؤمر أن توكل.
وقد حضرت الغامدية إلى النبي ﷺ حتى أقرت بالزنى، فأمر برجمها: وقال ﷺ في المرأة الأخرى: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) (١)، فلم يأمر بإحضارها ولعلها كانت على حال لا يحسن إحضارها وخطابها بمحضر الناس، وينبغي للقاضي أن يؤدب من قام بشكية بغير حق أو ادعى باطلا وأقل ذلك الحبس ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد عن ذلك. قاله في التبصرة. وإذا توجه الحق لأحد الخصمين بتغيب خصمه، فأراد من الحاكم رسولا يعينه على طلبه فيجب على الحاكم إجابته إلى ذلك، وإذا دخل عليه الخصمان فلا يسألهما من المدعي منهما، بل يسكت حتى يبدأ أحدهما بالكلام. وقال بعضهم: يسألهما، قال ابن أبي زمنين: وهذا شأن حكام العدل. وقال المازري: هو بالخيار إن شاء سكت عنهما حتى [ينظر] (٢) أحدهما ويستدعي من القاضي الجواب، وإن شاء سألهما جميعا بلفظ التثنية، فقال: ما لكما أو ما حاجتكما، ولا يخص أحدهما بالسؤال لأن سؤال أحدهما يشعر بعناية القاضي به وإقباله عليه دون خصمه، والقاضي مأمور بالعدل بينهما في مدخلهما إليه فلا يأذن لأحدهما قبل الآخر، وفي مخرجهما عنه فلا يصرف أحدهما قبل الآخر وإقباله بوجهه عليهما وفي كلامه لهما.
وقد نزل ضيف بعلي بن أبي طالب ﵁ فخوصم عنده، فأمر ضيفه أن يتحول عنه من منزله ولا يحلف المدعى عليه إذا أنكر إلا بإذن خصمه، إلا أن يكون شاهد من حاله أنه أراد ذلك من القاضي، وينبغي للقاضي موعظة الخصمين وتعريفهما بأن (من خاصم في باطل فإنه خَائِضٌ
стр. 8436
في سخط الله)، ومن حلف ليقطع مال أخيه بيمين فَاجِرَةٍ فليتبوأ مقعده من النار)، ويعظ الشهود أيضا كما رُوي عن شريح انه كان يقول لمن يشهد عنده: إنما يقضي على هذا المسلم أنتما بشهادتكما وإني مُتّقٍ بكما من النار فاتقيا الله والنار، ولا ينبغي للقاضي أن يصرف من ابتدأ التحاكم عنده رجاء أن يظهر حقه عند غيره، بل يعجزه إن عجز ويقطع عن المطلوب تعنيته إياه، وينبغي للراغب في هذا أن يختار لنفسه الحاكم الذي يظن ظهور حقه عنده، وأما بعد ابتدائه عند حاكم ثم يريد العدول عنه إلى آخر فغير سائغ له.
مسألة: قال ابن حبيب: قال مطرف في القاضي يتواضع الخصمان عنده الحُجَجَ فيقول لهما اجتهدا فإني لست أقيلكما فيضعان حجتهما ويوقع ذلك في ديوان القاضي، ثم يريد أن يتحول من حجته إلى حجة أخرى: فأنا أرى له أن يقيل الناس من حججهم؛ لأن الرجل قد يضع حجة فيسقط منها كثيرا نسيانا أو عجلا أو حصرا إلا أن يستوعب أمر الخصمين بالكشف عن أمرهما ويعجزا له أنفسهما، ويقولان: ليس عندنا من الحجج والبينات إلا الذي وضعنا عندك، ثم إن القاضي وقف يستشير في ذلك، فحينئذ إن بدا لأحدهما أن ينتقل عن حجته تلك إلى غيرها تكون أنفع له لم يكن له ذلك إلا أن يرى القاضي ذلك ويثبت عنده عذره، فإن أتى ببينة وكان قد عجز نفسه عنها، فإن رآى السلطان أن بينته تلك كانت غائبة عنه غيبة بعيدة أو لم يكن يعرفها قبل ذلك نظر له ما لم يفصل الحاكم بينهما، فحينئذ لا ينظر له في بينة ولا يعذره بغيبتها وما خفي عنه من أمرها، وكذا لو أراد أن يأتي بحجة لم يكن أتى بها أو يجرح من تمكن من جرحه فلم يفعل لم يكن له شيء من ذلك ومضى أمره، وهذا الذي عليه أمر الحكام بالمدينة، ولا بأس أن يقضي القاضي بين الخصمين له على أحدهما دين إذا كان به موسرا، فإن كان به معسرا لم يجز له النظر بينهما. قاله مطرف.
ولو شهد عند القاضي رجلان أن رجلا سرق متاع القاضي قطعه ولم يُغرِّمْه حتى يرفعه إلى غيره لأن السرقة حق له وهو لا يحكم لنفسه. وفي ابن يونس: ولا ينبغي له أن يحكم بين أحد من عشيرته وبين خصمه وإن رضي الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي فينفذ ذلك
стр. 8437
[عليهما] (١)، ولا يقضي بين عبده وخصمه وإن رضي الخصم بذلك، فإن فعل فليشهد على رضاه ويحكم بالعدل ويجتهد، ومما يجري مجرى القاضي في المنع من الحكم لمن يتهم عليه المفتي يعني لمن يتهم عليه ممن لا تجوز شهادته له، فينبغي للمفتي المتهم الهروب متى قدر عليه.
قال المازري: وقد نزل بي مثلُ هذا في خصام لزوجتي في مواريث وسألني القاضي والخصوم في الفتوى فامتنعت من ذلك، ويجوز للقاضي أن يحكم بين أهل الذمة إذا رضوا حكمه أي رضي به الخصمان، وإن لم ترض أساقفتهم به وليحكم بينهم بحكم الإسلام، ولا يحكم بينهم في الخمر والزنى والربا. ومن أفعال الحاكم ما يستلزم الحكم، كبيعه العبد الذي أعتقه من أحاط الدين بماله، وكتزويجه امرأة تزوجت تزويجا يستحق الفسخ، فإن نفس العقد عليها يستلزم فسخ نكاحها المتقدم، يريد أن الحاكم زوجها قبل دخول الأول بها ومن الأشياء ما يفتقر لحكم الحاكم كالطلاق بالإعسار والطلاق بالإضرار والطلاق على المولي، وإذا قالت امرأة المعترض: لا تطلقوني وأنا أصبر إلى أجل آخر فذلك لها، ثم تطلق نفسها متى شاءت بغير سلطان، وكذلك الذي يحلف ليقضين فلانا حقه يوقف عن امرأته، فإذا جازت أربعة أشهر قيل له فيْء وإلا طَلَّقْنا عليك، فتقول امرأته أنا أنظره شهرين أو ثلاثة فذلك، ثم تطلق متى شاءت بغير أمر السلطان. وقد مر أن القاضي يحكم في كل شيء إلا ما استثني هناك، وأما غير القاضي فمقصور على ما قدم عليه. وفي المتيطي: أربع مسائل لا يحكم فيها صاحب الشرطة: التحجير والحكم على الغائب وإقامة الحدود والقسم بين الكبار والصغار، وما عداها يجوز حكمه فيه. اهـ.
مسألة: اعلم أن العقود من الحكَّام كالبيع والشراء والإجارة وعقد النكاح، ونحو ذلك من التصرفات ليست حكما فلغيرهم النظر فيها فيرد ما ليس بصواب إلا أن تتوقف هذه التصرفات على إبطال تصرفات قبلها كما مر، واختلف هل يعزل القاضي بنفس الفسق أو حتى يعزله الإمام؟ المازري: ظاهر المذهب على قولين، وأشار إلى ترجيح عدم العزل وهو قول أصبغ، ومذهب
стр. 8438
ابن العطار أنه إذا طرأ عليه الفسق بعد ولايته انفسخ عقد ولايته، وإذا عزل القاضي فحكم قبل بلوغ العزل فظاهر المذهب أن أحكامه تلك نافذة لضرورة الناس إلى ذلك.
مسألة في البيان والتحصيل في رجل أتى إلى زمزم، فقال لرجل ناولني قدحك، فقال إذا أخاف عليه، فقال هذا كسائي عندك حتى أعود به فأخذ القدح ووضع الكساء ثم رجع فلم يجد الرجل، فحكمه: أن يأتي السلطان فيخبره، فيأمره السلطان إن كان صادقا أن يَبيعَ القدح ويقبض ثمنه من ثمن الكساء، قيل لأشهب: أيأمر السلطان بذلك؟ قال: نعم يأمره من غير حكم على الغائب، ويقول له: إن كنت صادقا فافعل، فإن جاء الرجل كان على خصومته، وفائدة رفعه إلى السلطان أن صاحب القدح إذا جاء لم يكن له على الذي باعه إلا الثمن الذي بيع به، وإن باعه بغير أمر السلطان كان عليه قيمة القدح بالغة ما بلغت.
وفي مختصر الواضحة لفضل بن مسلمة: أن المرأة إذا رفعت أمرها إلى القاضي ليفرض لها النفقة على زوجها الغائب وحاله في العسر واليسر مجهول، فليشهد لها السلطان لئن كان فلان زوج فلانة مليا اليوم موسرا في غيبته هذه فقد أوجبنا عليه لامرأته فريضةَ مثلها من مثله، وإن كان معسرا فلا شيء عليه ويكتب التاريخ ثم تكون الفريضة لازمة له إلا أن يثبت عسره. قاله في التبصرة. وإذا أراد رجل أن يزوج يتيمة تحت نظره من ولده فلا بد أن يثبت عند القاضي رضى اليتيمة بالزوج والسداد في صداقها، وأن الزوج كفؤها في جميع أحوالها، وحينئذ يأذن له القاضي أن يزوجها من ولده. قاله في التبصرة.
مسألة: لا تجب الملاعنة إذا كان الزوج والمرأة من أهل المصر إلا بعد ثبوت الزوجية وإن لم تثبت الزوجية لزم الزوجَ الحدُّ، وإن لم يكونا من المصر لزمت الملاعنة وإن لم تثبت الزوجية.
مسألة: إذا ادعى على الوصي في مال الميت والورثة صغار فلا بد من ثبوت الورثة وصغر الورثة، فإن ثبت ذلك كانت الخصومة مع الوصي حينئذ، غير أن الوصي لا يكلف جوابا لأن إقراره في ذلك وإنكاره غير معتد به، ولكن يحضر ليعلم من شهد على الميت ليكون ذلك عونا له في مدفعه إن رامه. قاله في التبصرة.
стр. 8439
مسألة: كان الرد بالمعيب إذا ادعى رجل على شخص أنه اشترى منه زريعة وزرعها فلم تنبت، فإن وجد من تلك الزريعة بقية فإنها تجرب فيعرف صدق المشتري من كذبه، فيجب له إذا عرف صدقه الرجوع بقيمة العيب إن لم يكن البائع مدلسا وبجميع الثمن إن كان مدلسا، ولا يجب له الرجوع بشيء إذا عرف كذبه، فإذا لم يبق منها ما تجرب به حلف المبتاع أنه زرعها في الأرض، يريد أن تنبت فلم تنبت، فإن أثبت ذلك كان الأمر على ما تقدم من الرجوع بجميع الثمن أو قيمة العيب، وإن لم يثبت ذلك حلف البائع على العلم أنه ما علم أنها لم تنبت. قاله في التبصرة. قوله فإن أثبت ذلك لخ.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن المراد بالإثبات ما يعم البينة وحلف المبتاع. والله تعالى أعلم. مسألة: لا يسمع القاضي من أحد دعواه الوكالة حتى يثبت عنده ذلك بشاهدين عدلين أو بشاهد ويمين على قول مالك وابن القاسم، ولا بد أن يشهد الشهود عند القاضي على معرفة عين الموكل ويثبت أيضا عين الوكيل، إما بالشاهدين الأولين أو بغيرهما، وإذا حضر الوكيل والخصم واتفقا على صحة الوكالة فلا يحكم بينهما بمجرد قولهما؛ لأنه حق لغيرهما يتهمان على التواطؤ عليه، ولو صدق الخصم الوكيل في الدعوى واعترف بالمدعَى به لم يجبره الحاكم على دفعه على المشهور حتى يثبت عنده صحة الوكالة.
مسألة من باب الرهن: لا يحكم القاضي للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له، ويحلف بعد ذلك أنه ما وهب دينه ولا قبضه ولا أحال به ولا استحال به، وأنه لباق عليه إلى حين قيامه.
مسألة: إذا أتى رجل إلى الحاكم، وقال: إن فلانا دفع إلي أو بعث إلي دنانير ذكر أنها لورثة فلان وأنا أريد أن أدفعها إليهم بأمر الحاكم، فالحكم في هذه أنه إذا ثبت عند الحاكم عدة الورثة، وأقر هذا أن الغائب أمره بدفعها إليهم كتب إليه الحاكم: إنك ذكرت أن فلانا أمرك بدفع ذلك إلى ورثة فلان وأنا أمرتك أن تدفعها إليهم بعد أن ثبت عندي أنهم ورثة فلان. قاله في التبصرة.
стр. 8440
مسألة: إذا شرط الزوج لزوجته أنه إن غاب عنها أكثر من سنة فأمرها بيدها، فقامت عند الحاكم تريد الأخذ بشرطها، فإن القاضي يكلفها إثبات الزوجية والشرط الذي ادعته وغيبته عنها، ثم يحلفها في الجامع لقد غاب عنها أزيد من كذا، وما أذنت له فيما زاد على ذلك ولا رجع إليها سرا ولا جهرا، وما أسقطت شرطها عنه وما كان سكوتها تركا منها لشرطها، وما علمت بانقطاع عصمتها منه، فإذا ثبت ذلك كله عند الحاكم أباح لها الأخذ بشرطها.
مسألة في المرأة تريد الفراق من زوجها الغائب لعدم النفقة: إذا قامت المرأة بذلك كلفها القاضي إثبات الزوجية والغيبة واتصالها، وأنهم ما علموه ترك لها نفقة ولا بعث إليها بشيء فوصلها ولا أحالها بها ولا بشيء منها فاستحالت ولا أحالت عليه أحدا بها ولا بشيء منها فاستحال ولا وكلت أحدا على قبضها منه ولا طاع أحد بالإنفاق عليها بسببه ولا رضيت بالمقام معه دون نفقة ولا له مال يعدى فيه بنفقتها، فإذا ثبتت هذه الفصول عنده نظر في الغيبة، فإن كانت قريبة أعذر إليه، وإن كانت بعيدة أو كان غير معلوم المكان أجلها القاضي بحسب ما يراه. وذكر المتيطي خسمة وأربعين يوما، فإذا انقضى الأجل استظهر عليها اليمين ووجه لحضور يمينها عدلين فتحلف أنه ما رجع إليها من غيبته سرا ولا جهرا إلى حين يمينها هذه، ولا ترك لها نفقة قليلة ولا كثيرة وذكر ما تقدم من الفصول المشهود بها، ثم تقول: وما علمت أن عصمة النكاح انقطعت بيني وبينه حتى الآن، فإذا ثبت يمينها عنده طلقها عليه. قاله في التبصرة.
مسألة في مملوكة قامت في مغيب سيدها بعدم النفقة وذكرت أن سيدها غاب عنها وتركها بلا شيء تنفق منه على نفسها وأنه لم يرسل إليها شيئا وسألت الحاكم النظر في أمرها، فيكلفها ما يجب إثباته وذلك أن يثبت عنده ملك سيدها إياها وغيبته، وأنه لم يخلف عندها شيئا لنفقتها ولا أرسل شيئا إليها وأنها لا مال لها ولا له ما يعدى فيه بنفقتها فأفتى ابن عتاب وابن القطان: إذا ثبت ذلك فيأمر الحاكم من يبيعها ويقبض ثمنها للغائب ويوقفه عنده أو عند ثقة غيره حتى يقدم الغائب.