في سخط الله)، ومن حلف ليقطع مال أخيه بيمين فَاجِرَةٍ فليتبوأ مقعده من النار)، ويعظ الشهود أيضا كما رُوي عن شريح انه كان يقول لمن يشهد عنده: إنما يقضي على هذا المسلم أنتما بشهادتكما وإني مُتّقٍ بكما من النار فاتقيا الله والنار، ولا ينبغي للقاضي أن يصرف من ابتدأ التحاكم عنده رجاء أن يظهر حقه عند غيره، بل يعجزه إن عجز ويقطع عن المطلوب تعنيته إياه، وينبغي للراغب في هذا أن يختار لنفسه الحاكم الذي يظن ظهور حقه عنده، وأما بعد ابتدائه عند حاكم ثم يريد العدول عنه إلى آخر فغير سائغ له.
مسألة: قال ابن حبيب: قال مطرف في القاضي يتواضع الخصمان عنده الحُجَجَ فيقول لهما اجتهدا فإني لست أقيلكما فيضعان حجتهما ويوقع ذلك في ديوان القاضي، ثم يريد أن يتحول من حجته إلى حجة أخرى: فأنا أرى له أن يقيل الناس من حججهم؛ لأن الرجل قد يضع حجة فيسقط منها كثيرا نسيانا أو عجلا أو حصرا إلا أن يستوعب أمر الخصمين بالكشف عن أمرهما ويعجزا له أنفسهما، ويقولان: ليس عندنا من الحجج والبينات إلا الذي وضعنا عندك، ثم إن القاضي وقف يستشير في ذلك، فحينئذ إن بدا لأحدهما أن ينتقل عن حجته تلك إلى غيرها تكون أنفع له لم يكن له ذلك إلا أن يرى القاضي ذلك ويثبت عنده عذره، فإن أتى ببينة وكان قد عجز نفسه عنها، فإن رآى السلطان أن بينته تلك كانت غائبة عنه غيبة بعيدة أو لم يكن يعرفها قبل ذلك نظر له ما لم يفصل الحاكم بينهما، فحينئذ لا ينظر له في بينة ولا يعذره بغيبتها وما خفي عنه من أمرها، وكذا لو أراد أن يأتي بحجة لم يكن أتى بها أو يجرح من تمكن من جرحه فلم يفعل لم يكن له شيء من ذلك ومضى أمره، وهذا الذي عليه أمر الحكام بالمدينة، ولا بأس أن يقضي القاضي بين الخصمين له على أحدهما دين إذا كان به موسرا، فإن كان به معسرا لم يجز له النظر بينهما. قاله مطرف.
ولو شهد عند القاضي رجلان أن رجلا سرق متاع القاضي قطعه ولم يُغرِّمْه حتى يرفعه إلى غيره لأن السرقة حق له وهو لا يحكم لنفسه. وفي ابن يونس: ولا ينبغي له أن يحكم بين أحد من عشيرته وبين خصمه وإن رضي الخصم، بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي فينفذ ذلك
стр. 8437
[عليهما] (١)، ولا يقضي بين عبده وخصمه وإن رضي الخصم بذلك، فإن فعل فليشهد على رضاه ويحكم بالعدل ويجتهد، ومما يجري مجرى القاضي في المنع من الحكم لمن يتهم عليه المفتي يعني لمن يتهم عليه ممن لا تجوز شهادته له، فينبغي للمفتي المتهم الهروب متى قدر عليه.
قال المازري: وقد نزل بي مثلُ هذا في خصام لزوجتي في مواريث وسألني القاضي والخصوم في الفتوى فامتنعت من ذلك، ويجوز للقاضي أن يحكم بين أهل الذمة إذا رضوا حكمه أي رضي به الخصمان، وإن لم ترض أساقفتهم به وليحكم بينهم بحكم الإسلام، ولا يحكم بينهم في الخمر والزنى والربا. ومن أفعال الحاكم ما يستلزم الحكم، كبيعه العبد الذي أعتقه من أحاط الدين بماله، وكتزويجه امرأة تزوجت تزويجا يستحق الفسخ، فإن نفس العقد عليها يستلزم فسخ نكاحها المتقدم، يريد أن الحاكم زوجها قبل دخول الأول بها ومن الأشياء ما يفتقر لحكم الحاكم كالطلاق بالإعسار والطلاق بالإضرار والطلاق على المولي، وإذا قالت امرأة المعترض: لا تطلقوني وأنا أصبر إلى أجل آخر فذلك لها، ثم تطلق نفسها متى شاءت بغير سلطان، وكذلك الذي يحلف ليقضين فلانا حقه يوقف عن امرأته، فإذا جازت أربعة أشهر قيل له فيْء وإلا طَلَّقْنا عليك، فتقول امرأته أنا أنظره شهرين أو ثلاثة فذلك، ثم تطلق متى شاءت بغير أمر السلطان. وقد مر أن القاضي يحكم في كل شيء إلا ما استثني هناك، وأما غير القاضي فمقصور على ما قدم عليه. وفي المتيطي: أربع مسائل لا يحكم فيها صاحب الشرطة: التحجير والحكم على الغائب وإقامة الحدود والقسم بين الكبار والصغار، وما عداها يجوز حكمه فيه. اهـ.
مسألة: اعلم أن العقود من الحكَّام كالبيع والشراء والإجارة وعقد النكاح، ونحو ذلك من التصرفات ليست حكما فلغيرهم النظر فيها فيرد ما ليس بصواب إلا أن تتوقف هذه التصرفات على إبطال تصرفات قبلها كما مر، واختلف هل يعزل القاضي بنفس الفسق أو حتى يعزله الإمام؟ المازري: ظاهر المذهب على قولين، وأشار إلى ترجيح عدم العزل وهو قول أصبغ، ومذهب
стр. 8438
ابن العطار أنه إذا طرأ عليه الفسق بعد ولايته انفسخ عقد ولايته، وإذا عزل القاضي فحكم قبل بلوغ العزل فظاهر المذهب أن أحكامه تلك نافذة لضرورة الناس إلى ذلك.
مسألة في البيان والتحصيل في رجل أتى إلى زمزم، فقال لرجل ناولني قدحك، فقال إذا أخاف عليه، فقال هذا كسائي عندك حتى أعود به فأخذ القدح ووضع الكساء ثم رجع فلم يجد الرجل، فحكمه: أن يأتي السلطان فيخبره، فيأمره السلطان إن كان صادقا أن يَبيعَ القدح ويقبض ثمنه من ثمن الكساء، قيل لأشهب: أيأمر السلطان بذلك؟ قال: نعم يأمره من غير حكم على الغائب، ويقول له: إن كنت صادقا فافعل، فإن جاء الرجل كان على خصومته، وفائدة رفعه إلى السلطان أن صاحب القدح إذا جاء لم يكن له على الذي باعه إلا الثمن الذي بيع به، وإن باعه بغير أمر السلطان كان عليه قيمة القدح بالغة ما بلغت.
وفي مختصر الواضحة لفضل بن مسلمة: أن المرأة إذا رفعت أمرها إلى القاضي ليفرض لها النفقة على زوجها الغائب وحاله في العسر واليسر مجهول، فليشهد لها السلطان لئن كان فلان زوج فلانة مليا اليوم موسرا في غيبته هذه فقد أوجبنا عليه لامرأته فريضةَ مثلها من مثله، وإن كان معسرا فلا شيء عليه ويكتب التاريخ ثم تكون الفريضة لازمة له إلا أن يثبت عسره. قاله في التبصرة. وإذا أراد رجل أن يزوج يتيمة تحت نظره من ولده فلا بد أن يثبت عند القاضي رضى اليتيمة بالزوج والسداد في صداقها، وأن الزوج كفؤها في جميع أحوالها، وحينئذ يأذن له القاضي أن يزوجها من ولده. قاله في التبصرة.
مسألة: لا تجب الملاعنة إذا كان الزوج والمرأة من أهل المصر إلا بعد ثبوت الزوجية وإن لم تثبت الزوجية لزم الزوجَ الحدُّ، وإن لم يكونا من المصر لزمت الملاعنة وإن لم تثبت الزوجية.
مسألة: إذا ادعى على الوصي في مال الميت والورثة صغار فلا بد من ثبوت الورثة وصغر الورثة، فإن ثبت ذلك كانت الخصومة مع الوصي حينئذ، غير أن الوصي لا يكلف جوابا لأن إقراره في ذلك وإنكاره غير معتد به، ولكن يحضر ليعلم من شهد على الميت ليكون ذلك عونا له في مدفعه إن رامه. قاله في التبصرة.
стр. 8439
مسألة: كان الرد بالمعيب إذا ادعى رجل على شخص أنه اشترى منه زريعة وزرعها فلم تنبت، فإن وجد من تلك الزريعة بقية فإنها تجرب فيعرف صدق المشتري من كذبه، فيجب له إذا عرف صدقه الرجوع بقيمة العيب إن لم يكن البائع مدلسا وبجميع الثمن إن كان مدلسا، ولا يجب له الرجوع بشيء إذا عرف كذبه، فإذا لم يبق منها ما تجرب به حلف المبتاع أنه زرعها في الأرض، يريد أن تنبت فلم تنبت، فإن أثبت ذلك كان الأمر على ما تقدم من الرجوع بجميع الثمن أو قيمة العيب، وإن لم يثبت ذلك حلف البائع على العلم أنه ما علم أنها لم تنبت. قاله في التبصرة. قوله فإن أثبت ذلك لخ.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن المراد بالإثبات ما يعم البينة وحلف المبتاع. والله تعالى أعلم. مسألة: لا يسمع القاضي من أحد دعواه الوكالة حتى يثبت عنده ذلك بشاهدين عدلين أو بشاهد ويمين على قول مالك وابن القاسم، ولا بد أن يشهد الشهود عند القاضي على معرفة عين الموكل ويثبت أيضا عين الوكيل، إما بالشاهدين الأولين أو بغيرهما، وإذا حضر الوكيل والخصم واتفقا على صحة الوكالة فلا يحكم بينهما بمجرد قولهما؛ لأنه حق لغيرهما يتهمان على التواطؤ عليه، ولو صدق الخصم الوكيل في الدعوى واعترف بالمدعَى به لم يجبره الحاكم على دفعه على المشهور حتى يثبت عنده صحة الوكالة.
مسألة من باب الرهن: لا يحكم القاضي للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له، ويحلف بعد ذلك أنه ما وهب دينه ولا قبضه ولا أحال به ولا استحال به، وأنه لباق عليه إلى حين قيامه.
مسألة: إذا أتى رجل إلى الحاكم، وقال: إن فلانا دفع إلي أو بعث إلي دنانير ذكر أنها لورثة فلان وأنا أريد أن أدفعها إليهم بأمر الحاكم، فالحكم في هذه أنه إذا ثبت عند الحاكم عدة الورثة، وأقر هذا أن الغائب أمره بدفعها إليهم كتب إليه الحاكم: إنك ذكرت أن فلانا أمرك بدفع ذلك إلى ورثة فلان وأنا أمرتك أن تدفعها إليهم بعد أن ثبت عندي أنهم ورثة فلان. قاله في التبصرة.
стр. 8440
مسألة: إذا شرط الزوج لزوجته أنه إن غاب عنها أكثر من سنة فأمرها بيدها، فقامت عند الحاكم تريد الأخذ بشرطها، فإن القاضي يكلفها إثبات الزوجية والشرط الذي ادعته وغيبته عنها، ثم يحلفها في الجامع لقد غاب عنها أزيد من كذا، وما أذنت له فيما زاد على ذلك ولا رجع إليها سرا ولا جهرا، وما أسقطت شرطها عنه وما كان سكوتها تركا منها لشرطها، وما علمت بانقطاع عصمتها منه، فإذا ثبت ذلك كله عند الحاكم أباح لها الأخذ بشرطها.
مسألة في المرأة تريد الفراق من زوجها الغائب لعدم النفقة: إذا قامت المرأة بذلك كلفها القاضي إثبات الزوجية والغيبة واتصالها، وأنهم ما علموه ترك لها نفقة ولا بعث إليها بشيء فوصلها ولا أحالها بها ولا بشيء منها فاستحالت ولا أحالت عليه أحدا بها ولا بشيء منها فاستحال ولا وكلت أحدا على قبضها منه ولا طاع أحد بالإنفاق عليها بسببه ولا رضيت بالمقام معه دون نفقة ولا له مال يعدى فيه بنفقتها، فإذا ثبتت هذه الفصول عنده نظر في الغيبة، فإن كانت قريبة أعذر إليه، وإن كانت بعيدة أو كان غير معلوم المكان أجلها القاضي بحسب ما يراه. وذكر المتيطي خسمة وأربعين يوما، فإذا انقضى الأجل استظهر عليها اليمين ووجه لحضور يمينها عدلين فتحلف أنه ما رجع إليها من غيبته سرا ولا جهرا إلى حين يمينها هذه، ولا ترك لها نفقة قليلة ولا كثيرة وذكر ما تقدم من الفصول المشهود بها، ثم تقول: وما علمت أن عصمة النكاح انقطعت بيني وبينه حتى الآن، فإذا ثبت يمينها عنده طلقها عليه. قاله في التبصرة.
مسألة في مملوكة قامت في مغيب سيدها بعدم النفقة وذكرت أن سيدها غاب عنها وتركها بلا شيء تنفق منه على نفسها وأنه لم يرسل إليها شيئا وسألت الحاكم النظر في أمرها، فيكلفها ما يجب إثباته وذلك أن يثبت عنده ملك سيدها إياها وغيبته، وأنه لم يخلف عندها شيئا لنفقتها ولا أرسل شيئا إليها وأنها لا مال لها ولا له ما يعدى فيه بنفقتها فأفتى ابن عتاب وابن القطان: إذا ثبت ذلك فيأمر الحاكم من يبيعها ويقبض ثمنها للغائب ويوقفه عنده أو عند ثقة غيره حتى يقدم الغائب.
стр. 8441
مسألة: إذا ادعى الرجل على خصمه، فهل للمدعى عليه أن يوكل قبل أن يجيب عن تلك الدعوى بإقرار أو إنكار؟ فقيل: إنه لا يمكن من التوكيل حتى يجيب، فإن لم يجب حمله الحاكم على الجواب بالأدب، قال ابن الهندي: وقول من قال: إن له أن يوكل قبل أن يجعيب أصح لأنه قد أجيز للحاضر أن يوكل. قال ابن سهل: والصحيح عندي أنه لا يمكن من ذلك لأن اللدد فيه ظاهر.
مسألة: إذا مات الموكل لم يكن للوكيل أن يخاصم إلا أن يشرف على تمام الخصومة فله أن يتمها، وليس للورثة حينئذ عزله عنها.
مسألة: إذا قام رجل على رجل في مهر امرأته أو دين رجل وادعى وكالة صاحب ذلك، فأقر المطلوب بالدين أو المهر واعترف بصحة الوكالة، فإنه يلزمه دفع ذلك إليه، فإن قام صاحب الحق على المطلوب يطلبه بذلك قضي له به لأنه إنما يقضى عليه أولا لإقراره والمصيبة منه قاله في التبصرة.
مسألة: قال في التبصرة: وإذا أدخل القاضي أحد الخصمين تحت أجل أو أدخلهما معا على ما تقدم بيانه، ثم عزل أو مات قبل انصرام الأجل لم يستأنف الذي ولي بعده ضربَ أجل آخر، فلينفذ الحكم من اليوم الذي انتهى إليه العزل أو الموت، وكذا في الخصمين إذا مات أحدهما قبل انقضاء الأجل الذي ضرب له فإنه يكمل في حق الآخر أو حق ورثته، ولا يعد اليوم الذي يكتب فيه الأجل ولا يحتسب به، كما لا يحتسب باليوم الذي يكتب فيه العهدة، وقد يصدق القاضي في جميع وجوه التعجيل ولا يحتاج أن يشهد عليه شهود، وإذا أجاب القائم بعد انصرام الأجل بأن له بينة يرتجيها نظر، فإن كانت قريبة أجله بعد ذلك، وإن كانت بعيدة وتبين لدده قضي عليه وأرجئ للحجة له، وله القيام متى جاءت عند هذا القاضي أو عند غيره، ولمن ولي بعده نقض ذلك الحكم بسبب ذلك إذا أتى بما ينفعه.
مسألة: إذا قام أحد الشركاء يخاصم في شيء فقضي عليه، ثم قام أحد شركائه يريد المخاصمة فيه أيضا، فإن قام بما قام به المقضي عليه حكم عليه وألحقه به ولم تسمع حجته ولا بينته، وإن جاء بغير ذلك نظر له فيه ولم يعجزه وكذا من يدعي حقا للعامة.
стр. 8442
مسألة: قال أصبغ: إذا وجد في ديوان القاضي بعد موته أو عزله أن عند فلان ابن فلان من الأموال التي عندنا، أو قال من مال فلان اليتيم كذا وكذا دينارا وأنكر الأمين، فإنه يحلف ويبرأ ويضمن القاضي ذلك المال حيا كان أو ميتا؛ لأنه فرط حين لم يشهد عليه. قاله في التبصرة.
مسألة: من باع ثوبا فرد عليه بعيب فادعى البائع أنه بينه للمبتاع، فأنكر المبتاع وأراد يمين البائع عند المنبر، فإن كان نقصان العيب أكثر من ربع دينار لم يحلف إلا في الجامع. قاله في التبصرة. قوله: وأراد يمين البائع يعني نكل المبتاع عن اليمين ورد اليمين على البائع. قاله مقيده عفا الله عنه. والله تعالى أعلم.
مسألة في المتيطية: إذا طلق زوجته بشىِء من الكنايات المقتضية للبتات وذلك قبل البناء بها، ونوى واحدة وشهدت البينة بلفظه وبادعائه النية فيه وأراد مراجعتها فلا بد من يمينه عند مراجعتها على ما نواه، ويحلف في المسجد الجامع بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد بقوله لزوجه: فلانة حبلك على غاربك، إلا طلقة واحدة.
مسألة: وإذا رد المبتاع الأمة بعيب، فقال له البائع: احلف أنك ما وطئتها، ففي المسألة خلاف، قيل: لا يحلف، وقيل: يحلف، وقيل: لا يحلف إلا أن يكون متهما، ومن قال بالتحليف فيحلفه في مقطع الحق على ذلك، ومن ذلك أيمان اللعان وأيمان القسامة لا تكون إلا في المسجد. مسألة: لو ادعى المطلوب قضاء الدين فأنكر الطالب وتوجهت اليمين على رب الدين، فنكل عنها وقلبها على المطلوب فنكل عنها أيضا، فإن المطلوب يلزمه غرم الدين، واليمين تجب على الورثة ويتقاضاها أحدهم، فيمينه تجري على الجميع إذا كانت بأمر الحاكم وذلك حكم ماض، وإن كانت بغير أمر الحاكم فكل من قام عليه منهم يحلفه. قاله غير واحد من الموثقين. وبه الحكم. ولأبي محمد بن أبي زيد خلافه، وأن لمن غاب منهم أن يحلفه وإن كانت اليمين بأمر الحاكم، وإذا حلف الخصم دون حضور خصمه لم تجزه اليمين، وكذلك إذا حلف بحضور خصمه قبل أن يسألة ذلك، فإن لم يرض بها لم تجزه.
стр. 8443
مسألة: إذا وجبت يمين على رجل، فأراد الطالب تأخيرها وأراد المطلوب تعجيلها أو بالعكس، فتعجيلها واجب لمن طلبه منهما ولا تؤخر. نقله ابن عبد السلام. قاله في التبصرة.
مسألة: في المدونة عن ابن القاسم: إذا ادعى رجل على رجل بحمالة، فقال ابن القاسم لا بد من الخلطة. اهـ. يعني في توجه اليمين، قال ابن راشد: يريد خلطة صحبة ومؤاخاة لا خلطة مبايعة، قال ابن محرز ظاهر المدونة أن الخلطة تعتبر بصحبة مدعي الدين والمدعى عليه، والصواب عندي يراعى ذلك من الغريم والمدعى عليه الحمالة. اهـ.
مسألة: من كانت عنده شهادة ودعي إلى أدائها لزمه أداؤها، ولا يحل له أن يكتمها، قال تعلى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، وحكم الإشهاد في البيع وما يجري مجراه هو قوله تعلى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، واختلف في هذا الأمر، قال بعض العلماء: هو على الوجوب، وقال مالك: هو على الندب، وإنما قال مالك ذلك - وإن كان مذهبه أن الأمر إذا تعرى من القرائن محمول على الوجوب - لأدلة قامت على ذلك منها قوله تعلى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فلما جاز أن يترك الرهن هو بدل الشهادة جاز ترك الشهادة، ولا يفرق الخالف بين ترك الإشهاد والرهن الذي هو بدله بل يقول بوجوب كل واحد منهما. انظر باقي الأدلة في المقدمات. وحكم الدين حكم البيع من أنه مندوب إلى الإشهاد فيه، فإذا قلنا إنه غير واجب فيهما فإنه حق لكل من دعا إليه من المتبايعين على صاحبه يقضى له به عليه إن أباه؛ لأن من حقه أن لا يأتمنه، ولذلك وجب على من باع سلعة لغيره الإشهاد على البيع، فإن لم يفعل ضمن لأن رب السلعة لم يرض بائتمانه، وكذا كل ما فيه حق لغائب الإشهاد فيه واجب.
مسألة: تجوز شهادة الرجل لابن أخيه ولعمه ولابن عمه بالمال، ولم يجزها ابن كنانة إلا في اليسير، ولا تجوز شهادة الأخ لأخيه إذا كان في عياله، واختلف في المذهب في شهادة الرجل لابن امرأته ولأبيها ولامرأة أبيه والمرأة لابن زوجها، وفي شهادة الرجل لزوج ابنته فلم يجز ذلك ابن القاسم وأجازه سحنون.
стр. 8444
مسألة: قول المص في المسائل التي يعتبر فيها التبريز: "بخلاف المبرز إن برز" لخ، يضاف إلى ذلك شهادة الصناع لمن يكثر استعمالهم للتهمة في جر أعمالهم، ويضاف له أيضا الشهادة للصناع إذا كان مثله يرغب في عمله ولا عوض منه، فلا بد من التبريز في المسألتين. قاله في التبصرة.
مسألة: قال ابن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول: من كتب على رجل كتابا بحق له، وأشهد عليه شهودا ثم ادعى أن كتاب الحق قد ضاع، وسأل الشهود أن يشهدوا له بما حفظوا من ذلك فلا يشهدوا على حرف منه، وإن كانوا لجميع ما فيه حافظين لأنه يخاف أن يكون اقتضى حقه ودفعه للمديان فمحاه، فإن جهلوا وقاموا بشهادتهم لم يسع الحاكم إلا قبولها، ويقال للمشهود عليه: أقم بينة ببراءتك أو بما تدفع به الشهادة. وقال مطرف: لهم أن يشهدوا وإنما الكتاب تذكرة، وقاله مالك وأصبغ، وقال ابن حبيب: وهذا أحب إلي إن كان المدعي مأمونا، وإن كان غير مأمون فقول ابن الماجشون أحب إلي. قاله في التبصرة.
مسألة: قال في التبصرة: تجنب الشهادة على شهادة من لم تصح عدالته، فربما جعلت شهادتك على شهادتة تعديلا منك له، وإذا حضر الموثق رجل وامرأة وادعيا أنهما زوجان بعقد صحيح، وأن المكتوب الذي بينهما عُدِمَ ويقصدان تجديد كتاب الصداق، فإن كانا غريبين طارئين فالقول قولهما، وإن رآى ريبة تركهما، وإن كان قدومهما مع رفقة يعلمون أنهما زوجان فليكشف أمرهما من الرفقة، وينبغي أن يسأل كل واحد من الزوجين بانفراده ويمتحنهما في المسألة بما يزيل الريبة، فإن زالت الريبة وإلا دفعهما عنه، وإن كانا بلديين فلا يكتب لهما حتى يصح عنده أنهما زوجان. اهـ.
مسألة: قال محمد بن عبد الحكم: إذا شهد شاهدان [أن (١)] لفلان على فلان مائة دينار ولم [يقولان (٢)] أقر بذلك عندنا ولا نحو ذلك، وإنما أطلقا الشهادة هكذا لم أر شهادتهما تحق؛ [لأنهما (٣) كأنهما جاءا حاكيان] حتى يقولا أسلفه أو أقر عندنا بذلك أو ما يبينان به ما شهدا فيه، وقد
стр. 8445
نجد من الناس من يحلل بيع النبيذ السكر ويوجب له ثمنا وغير ذلك. قاله في التبصرة عن أحكام ابن سهل. وفي معين الحكام: قال محمد بن الحارث: إذا لم يبين الشهود وجه الحق الذي شهدوا فيه ولا فسروه فليس ذلك بشيء حتى يبينوا أصل الشهادة وكيف كانت، فيقولون أسلفه بمحضرنا أو أقر عندنا المطلوب أنه أسلفه، وإن كان الدين من بيع فسروا ذلك. قال بعض المتأخرين: ظاهر هذا - يعني كلام ابن سهل - أنه إذا أقر عندهما بالدين مجملا ولم يذكر وجهه وشهدا به يؤخذ به، وظاهر ما قاله ابن حارث في هذه المسألة خلاف هذا حتى [يشهدوا] (١)، بإقرار بالسلف أو المعاملة. اهـ. ولو شهدا أنه خاط لفلان ثوبا بدرهم لم يجب للخياط شيء حتى يقولا إنه رد الثوب مخيطا وجميع الصناع بهذه المنزلة، وإذا شهد [الشاهدان] (٢)، أن هذا العبد مأذون له في التجارة لم تتم الشهادة حتى يبينوا أن سيده أذن له في ذلك، أو يبينوا أنهم حضروا التجارة في موضع كذا بمحضر مالكه وعلمه ولم ينكر، وإذا أثبت الذي له الدين أن المدعى عليه ملي ولم يُعَيِّن ماله، فقال بعضهم: الشهادة عاملة ويسجن حتى يؤدي، وقاله ابن زرب. قال بعض الموثقين: وبه القضاء وقال بعضهم هذه الشهادة ليست بشيء.
مسألة إذا شهد شاهدان أن زيدا باع رجلا سلعة بمائة دينار لم يقض عليه بذلك؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه قبض السلعة.
مسألة: من أقام بينة في عبد قد مات في يد رجل أنه عبده، فليس له على الذي مات في يديه ضمان حتى تقول البينة إنه غصبه، وفي المدونة: ومن أقام شاهدا واحدا أن هذا الرجل عبده حلف مع شاهده وكان بذلك عبده. قاله في الشهادات. وفي منتخب الأحكام لابن أبي زمنين: قال سحنون: إن كان معروفا بالحرية لم يجز ذلك فيه، ولا تجوز شهادة الشهود في الملك الذي توفي عند مالكه حتى يقولوا إنهم لا يعلمون الشهود له به فوت شيئا منه، وإن لم يقولوا هذا لم يتم انتقال الملك للورثة ولا تصح الشهادة لهم بوراثة الملك إلا بذلك، وإذا مات من ورثة الميت
стр. 8446
الأول واحد ولم يقل الشهود إنه لم يفوت ما نقلته الوراثة إليه من ذلك في علم الشهود إلى أن توفي لم تعمل الشهادة لورثة البيت الثاني شيئا على ما تقدم من القول في الورثة الأولين.
مسألة: في الطرر لابن عات لو شهد الشهود بالجرحة على العلم لم تجز الشهادة ولو توجب حكما، ولا تكون الشهادة في ذلك إلا على البت، وإذا شهدت البينة أن فلانا افترى على فلان أو شتمه أو آذاه أو سفهه فلا يجوز ذلك حتى يكشف عن حقيقة ذلك؛ إذ قد يظنون صحة ما قالوه وهو على خلاف ما ظنوا، وقاله أصبغ. قال أصبغ: إلا أن تفوت البينة ولا يقدر على إعادتهم فليعاقب الشهود عليه على أخف ما يلزم في ذلك.
مسألة: قال ابن عتاب: الذي أحاط به العلم وجرى به الحكم في التجريح بالعداوة أنها تكون بشهادة من يُزكَّى من الشهود، ولا يشترط في ذلك أهل التبريز في العدالة وإنما يطلب التبريز في غير العداوة من وجوه التجريح، ولا أعلم في هذا خلافا من أحكام ابن سهل قاله في التبصرة. وفي الوثائق المجموعة: ولا ينبغي لأحد أن يجرح شاهدا يعلم أنه شاهد بالحق.
مسألة: فإن حلف المدعي حين نكل المدعى عليه وأخذ ما ادعاه، ثم إن المدعى عليه وجد بينة ببراءتة من ذلك نفعه ذلك واستعاد ما أخذه منه المدعي من مختصر الواضحة. قاله في التبصرة. واعلم أن محل لزوم يمين القضاء في غير ما استحق من يد غاصب، وأما ما استحق من يد غاصب فلا يمين على مستحقه إذا ثبت ملكه له.
مسألة في يمين القضاء: قال ابن سهل: وإذا شهد لرجل شاهدان على دين لأبيه حلف أنه ما يعلم أن أباه باع ولا وهب ولا خرج من يده بوجه من وجوه زوال الملك، واليمين في ذلك على من يظن أنه علم ذلك، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير، ومن نكل ممن تلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط، قال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق: ومن أقام بينة على حاضر بدين فلا يحلف مع بينته على إثبات الحق، ولا على أنه ما قبضه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه أو دفعه عنه دافع من وكيل أو غيره، فحينئذ يحلف. قاله في المدونة. وقد تكرر يمين القضاء في بعض الصور، وذلك إذا تأخر القضاء بعد إقامة البينة ويمين
стр. 8447
القضاء إلى أن قدم الغائب المديان وأقام مدة ثم مات، فإنه يجب أن لا يقضى للطالب حقه حتى يحلف ثانية.
مسألة: قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الرجل يوكل الوكيل على دفع دين عنه إلى رجل، أو كان وكيلا مفوضا إليه فدفعه بشاهد واحد وجحد المقتضي فأبى الوكيل أن يحلف مع الشاهد، وأراد الموكل أن يحلف مع الشاهد: لم يكن للموكل ذلك ما كان الوكيل مليا لأنه ضامن للموكل إذ لم يشهد، وصار نكول الوكيل كإقراره أنه لم يدفع ذلك إليه، وإذا كان الوكيل مفلسا فعند ذلك يجوز للذي وكله أن يحلف مع الشاهد ويبرأ لأنه صار كغريم الغريم. قاله في التبصرة.
مسألة في المقنع لابن بطال: قال ابن كنانة: من أمر رجلا أن يشتري له جارية أو سلعة ففعل، وقام له بذلك شاهد والبائع منكر، فإنه إن قامت للآمر بينه على أنه أمره أن يشتري له جارية حلف مع شاهد وكيله، وإن لم تقم له بينة فاليمين على الوكيل. والله أعلم. قاله في التبصرة.
مسألة: إذا أوصى للمساكين أو للسبيل أو لبني تميم أو لقريش أو للأنصار، فلا خلاف أنه لا يمين في تلك مع الشاهد، وإنما الخلاف إذا أوصى لن يحصرهم العدد كآل فلان أو مساكين آل فلان فهي المسألة التي اختلف فيها، هل يحلف الجل أو يُكتفَى فيها بواحد؟ وفي معين الحكام: وقيل لا يمين في ذلك مع الشاهد.
مسألة: ولو نكل المدعي عن اليمين بعد أن رَجَعَها عليه المدعى عليه فلم يعطى المدعي شيئًا لنكوله: ثم وجد البينة على أن دعواه حق فإنه يأخذ ببينته ولا يمنعه من ذلك نكوله عن اليمين حين ردت إليه.
مسألة: في التهذيب فيمن أودعته وديعة فاستهلكها ابنه الصغير فذلك في مال الابن ويصدق الأب في ذلك، وليس هذا إقرارا إنما يكون الإقرار فيما ولي من المعاملات عليه أو الوصي. قاله في التبصرة في الباب الرابع عشر في القضاء، يقول رجل بانفراده.
مسألة: وفي الوثائق المجموعة: وروي في الرجل يشهد لابنه بحق فيدفع الشهود عليه المال للابن بشهادة الأب بغير حكم من السلطان، وفي الرجل يقوم له شاهد واحد على حقه فيدفع المشهود
стр. 8448
عليه الحق إلى المشهود له، وفي الرجل يطلق امرأته فتدعي حملا وهو غير ظاهر فينفق عليها ثم ينفش الحمل أن ذلك كله أصل واحد لا رجوع لواحد منهم في شيء مما دفعوه، وليس ينفعهم قولهم: ظننا أن ذلك يلزمنا؛ إذ لو شاءوا تثبتوا قبل الدفع، وهذه الشهادة وإن لم تكن إلى الحاكم ابتداء فإنه يمضي ما ترتب عليها إذا وقع التحاكم عنده.
مسألة: ومن ذلك شهادة الطبيب في الجراح إذا كان الحاكم يأمره أن ينظر في الشجات أو الجراح ما هي وما غورها وما اسمها وقياسها؟ [فالذي] (١) ذكرناه من أمر الطبيب وما أشبهه فيقبل في ذلك واحد، وأحب إليَّ أن ينصب لمثل هذا من أمور الناس عدلا وإن لم ينصب لذلك أحدا بعينه اكتفي بأن يرسل المجروح إلى من ارتضاه وإن لم يكن السلطان أمر بقياسه، وإنما جاء هذا يطلب عقل ما قد مضى وبرئ لم يكن بد من أن يدعوه بشاهدين عدلين. اهـ. ومما يكتفى فيه بالواحد إذا قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، قال أبو الوليد الباجي: عندي أنه يجزيء في قبول ذلك الشاهد الواحد؛ لأن النبي ﷺ دفع السلب إلى أبي قتادة بشهادة رجل واحد ولم يحلفه، وحمله بعضهم على أنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، ويقبل قول الراوي فيما يرويه، ويقبل عند مالك قول الطبيب فيما يدعيه، ويقبل قول الملاح في القبلة إذا جهلت أدلتها وكان عدلا ورئيسا في السير في البحر، وكذلك كل من كانت صناعته في الصحراء وهو عدل، وكذلك يجوز عند مالك تقليد الصبي والأنثى والكافر والعبد والواحد في الاستيذان، وكذلك يقلد في النصاب في الزكاة ذكرا كان أو أنثى، مسلما أو كتابيا ومن مثله يذبح ويقبل قوله إنه ذكى، وليس هذا من باب الشهادة ولا الرواية، بل من باب القاعدة الشرعية أن كل أحد مؤتمن على ما يدعيه أنه ملكه أو مباح له، فيقبل قوله وإن كان أفسق الناس، وإذا وجب على أهل القافلة طلب الماء فأرسلوا واحدا منهم فرجع، وقال: لم أجد شيئا قبل خبره، وجاز لهم التيمم.
стр. 8449
مسألة: قال في التبصرة: قال أصحابنا: يجوز تقليد المفتي الواحد إذا كان عدلا بالغا سواء كان حرا أو عبدا أو امرأة، ويجوز تقليد رسولك إليه إذا كان ثقة، وكذا إذا كتب المفتي خطه في رقعة للمستفتي جاز العمل بالخط إذا كان الرسول ثقة.
مسألة: إذا تنازع رجلان في شيء كل واحد يظنه لنفسه من غير يقين، كالشيء يكون من قبل الأب أو الجد فيسألان الرجل يفزعان إليه في علمه فيشهد أنه لأحدهما فذلك جائز، ويلزمهما ولا تشبه هذه مسألة الرجلين يتداعيان الشيء، فيقول أحدهما: قد رضيت بشهاة فلان بيني وبينك فيشهد الرجل على أحدهما، فيقول الشهود عليه: ظننت أنك تقول الحق الذي تعلم أنه الحق، فأما إذ شهدت علي بغير الحق فلا أرضى بذلك فذلك له، والشهادة غير جائزة عليه لأن المسألة الأولى ليس مع أحدهما يقين في دعوى الملك وقد رضيا بعلم الرجل وشهادته، وفي هذه المسألة المشهود عليه يدعي تحقيق ملكه للشيء المشهود عليه فيه فافترقا.
مسألة: إذا أخبره عدل أنه صلى فهل يكتفى به أو لا بد من اثنين؟ خلاف، والمؤذن يكفي إخباره بدخول الوقت إذا كان بالغا، عاقلا، عالما بالأوقات، مسلما، ذكرا ويعتمد على قوله.
مسألة: لو وضعت الأمة على يد رجل، فلما أخبر بخروجها من الاستبراء قيل له بم عرفت أنها حاضت؟ فيقول: أخبرتني خادمي أو زوجتي بذلك فذلك جائز. قاله فضل بن مسلمة وغيره.
مسألة: إذا كانت للناس حقوق على من حبسه السلطان، فإن الحاكم يأمره أن يوكل من يخاصم عنه ويسمع الدعوى ويعذر إليه، فإن امتنع من التوكيل حكم عليه بعد أن يعذر إليه. قاله ابن فرحون.
مسألة: إذا دعاد خصمه وعلم أن الحاكم يحكم عليه، بجور لم تجب الإجابة، وتحرم الإجابة إذا كان الحكم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية. قاله في التبصرة.
مسألة: لو ادعى البائع أنه باع بالدراهم، وقال المشتري: بل بسلعة، فالقول قول البائع لقوة قرينة صدقه؛ لأن الدراهم هي الأثمان وبها يقع البيع.
مسألة: إذا ادعت المرأة الغريبة الطارئة من بلد بعيد أنه لا زوج لها فالقول قولها، ويزوجها الحاكم إذا لم يطمع بالوقوف على حقيقة دعواها.
стр. 8450
مسألة: لو قال من بيده الدار: أعرتني هذه الدار، وقال ربها: بعتها، فالقول قول مدعي العارية في الدار مع يمينه، وفي المتيطية: سئل مالك عن من رد جارية بعيب على بائعها منه، فأراد البائع أن يستحلفه أنه ما وطئها وقد رآى العيب بها، فقال: لا يمين عليه، قال سحنون: جيدة، وقال ابن القاسم في سماع عيسى: إن كان متهما حلف وإلا فلا.
مسألة: إذا اشترط الزوج لزوجته أنها مصدقة في دعوى إضراره بها دون يمين تلزمها فذلك لها، فإذا شكت إضراره بها وثبت الشرط طلقت نفسها دون يمين. وقال ابن القاسم: الجزيري في وثائقه: إن طاع بتصديقها في الضرر لزمه ويكره عقده، فإن قيده بيمينها فيه حلفت حيث يجب إلا أن يقول فيه دون يمين: ما لم تمكنه من نفسها، فإن تلذذ بشيء منها سقط شرطها، وإن ادعى التلذذ وأنكرت حلفت ولها رد اليمين. انتهى. قاله في التبصرة. والله سبحانه أعلم. وفي المجموعة عن المغيرة فيمن افترى على جماعة، قال: إن قالته جماعة عظيمة مثل أهل مصر أو الشام أو مكة جازت شهادة من شهد منهم لبعد الحمية والتعصب من هذا وإن حصل الظن، وإن قاله لفخذ كزهرة ومخزوم أو جيرانه وجيرانه غير كثير فلا تصح الشهادة لبعضهم ممن عُنِي بالقول للتهمة، وأجاز سحنون شهادة من شهد على رجل أنه قطع من حراث الفلاحة، وإن كان هو طريقه الذي يمر فيه إذا لم يل هو الخصومة بنفسه.
مسألة: وفي المستخرجة عن أصبغ فيمن ترثه ابنته وأخواه فتركا ميراثهما منه قبل موته، فلما مات وجدت الابنة ذكرا حق له بشهادتهما، قال: هي جائزة إذ لا يجران إلى أنفسهما شيئا. قاله في التبصرة: وقال فيها عن عيسى في المستخرجة فيمن حضر ورثته أخويه وابنته وأخواه شاهدان في حق له، فقال لهما: اتركا منه إرثكما أو يتركه أحدكما، فتجوز شهادتكما فيه ففعلا أو فعل، قال: لا تجوز شهادتهما. انتهى.
مسألة: وفي المعيار: وسئل ابن أبي زيد عمن تلفت له دابة فوجدها بيد رجل زعم أنه اشتراها من متغلب من رجال السلطان، فذهب ليقيم البينة عليها فردها من وجدت بيده إلى المتغلب وأخذ ثمنها منه، ثم جاء الطالب فلم يجدها بيده هل يتوجه له الطلب على الذي كانت بيده أو على
стр. 8451
الذي صارت إليها؟ فأجاب: إن قدر القائم على إقامة البينة عند الحاكم على عين الدابة، أو قالت البينة هي التي كانت بيد فلان وأنه ما باع إلى آخر الشهادة، وقدر الحاكم على الحكم على الذي هي بيده فعله وأخذ الطالب دابته، وإن لم يوجد البينة على هذا الوجه ولم يمكنه فله اليمين على من كانت بيده الدابة أن فلانا أقاله فيها ورد عليه الثمن، ثم يطلبها إن أمكنه ذلك. انتهى.
وسئل أبو عبد الله العبدوسي عن رجل اعترف دابة بيد رجل فبعد أيام طلبه في إحضارها ليثبتها: فقال: إني بعتها، فهل يصدق أم لا؟ ويلزم بإحضارهات وكيف إن ادعى بيعها من رجل غائب، فأجاب: إن زعم أنه باعها من رجل حاضر فإنه يطلب بتعيينه، فإن عينه طولب بإحضارها أعني مشتريها لتشهد البينة على عينها، وإن زعم أنه باعها من غائب بعيد الغيبة أو من رجل لا يعرفه حلف على ذلك وصدق. انتهى. نقل هاتين المسألتين الشيخ ميارة في شرح لامية الزقاق. وهما من واد واحد. والله تعالى أعلم.
وسئل ابن الحاج عمن اعترف دابة وأقام بها ما يوجب له الذهاب بها ووضع القيمة ففعل ذلك وزاد على الأجل الذي ضرب له، فأراد صاحب الدابة أخذ القيمة فأعطاها القاضي إياه، ثم قدم بالدابة ولم يثبتها، فأجاب بأن: القيمة تكون للمستحق منه وتكون الدابة للذاهب الذي كان اعترفها: فإن أتى بالدابة وقد أثبتها فتكون له الدابة ويأخذ القيمة ويرجع المستحق من يده على من باع منه إن أحب، إلا أن يعطيه القاضي القيمة في الوجه الأول على إن جاء الذاهب بالدابة بها رد عليه القيمة وأخذ دابته، فيأخذ الدابة ويرد القيمة، وأما إن أتى وقد أثبت الدابة فيأخذ الدابة القيمة على كل حال مع الدابة. نقله الشيخ ميارة.
مسألة: وإذا أستحقت الجارية بحرية لم يلزمها الذهاب مع المشتري إلى موضع بائعها ليسترجع ثمنها، وإنما يكتب له القاضي بصفتها. ذكر ذلك ابن عبدوس عن ابن القاسم. وذكر ابن حبيب في وثائقه أن من حق المشتري الذي استحقت من يده أن ترجع معه ليأخذ رأس ماله من البائع مثل ما لو استحق برق. وقال ابن كنانة: ترجع معه إن كانت غرته ولا ترجع معه إن لم تغره وهو جيد، ينبغي أن يحمل قوله على التفسير لقول ابن القاسم ويقول ابن حبيب. قاله صاحب
стр. 8452
البيان. نقله الشيخ ميارة. قوله: غرته أي أقرت له بالرق، وعلى المذاهب بمن استحق بملك أو حرية نفقتهم وكسوتهم وركوبهم ذاهبين وراجعين في التأجيل الضروب لطالب الذهاب بهم. قاله الشيخ أبو إبراهيم. وقال: من استحق بحرية يلزمه الذهاب في الوضع القريب دون البعيد، ومن مات من العبيد المستحقين بعد إمضاء الحكم فمصيبته ممن حكم له به، ويجب للذي استحق من يده الرجوع على بائعه منه بثمنه. وقال أصبغ في الجارية الرائعة لا تخرج مع من استحقت من يده بل يكتب صفتها، والصواب أنها كسلعة من السلع إلا أن يكون السفر بعيدا كالشهر ونحوه فالصفة فيه تجزئ، أو يكون المستحق حرا فتجزئ صفته. نقله الشيخ ميارة.
مسألة: وإذا تم الاستحقاق يقال للمحكوم عليه: أنت مخير بين أن تسلم للمستحق شيئه وتتبع البانع منك أو تجرح البينة، ثم لا يقضى منك باتباع البائع إذا غلبْتَ. واعلم أن في هذه المسألة قولين، قيل: لا يتبع البائع إذا عجز عن الدفع: وقيل يتبعه ابن العطار وبالرجوع القضاء. المتيطي: الرجوع هو اختيار الشيوخ بالأندلس وهو دليل المدونة في مسألة ميمون به. عبد السلام، والأصح عدم الرجوع. نقله الشيخ ميارة. وقال عن إبراهيم فيمن استحق بحرية إن الحكم بثبوت الصفات والنعوت كثبوت ذلك بإحضارهم بأعيانهم، ولكن إن طلب المستحق منه الذهاب بأعيانهم مكن منه؛ لأن إحضار العين أوضح وأبين. انتهى.
وفي الشرح المذكور ما نصه: وإنما مكن المستحق منه بالذهاب بالعبد أو الدابة، وإن كان الحكم بالصفة عند ابن القاسم جائزا لأن قاضي بلد البائع قد يكون ممن لا يرى الحكم بالصفة، ولا يحلف المستحق يمين القضاء حتى يعذر للمحكوم عليه في البينة، لأنه إذا حلف قبل الإعذار فقد يجرحهم فتذهب يمينه بلا فائدة. انتهى.
مسألة: وأما القضاة والأجناد والحكام وحملة العلم فلهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم، والحاصل أن من له حق في بيت المال أخذه أو ما تيسر منه على يد من كان، وقد نص أيمتنا رضي الله تعالى عنهم على أنه إن لم يكن بيت مال ويعنون والله أعلم، أو كان ولم يتوصل إليه فإنه يجب على الناس أن يجمعوا مالا ليرتبوا منه للجند وحملة العلم يعنون على فرض
стр. 8453
الكفاية، وإذا كان ذلك واجبا على الناس والفرض أنهم لا يفعلونه اختيارا قطعا وبركن يخص حملة العلم فمن للمسلمين به انتفاع أن يتوصل لبعض ذلك على وجه لا بأس به، كأن يأخذ في أجرة شهادة من أهل الثروة والمال ومن استخلص بعض ما يجب عليهم من إعانة كذلك جماعته. والله أعلم. فإن كان يعطى من الأجرة المذكورة مستغرق الذمة لبيت المال فالجواز في حقه أظهر بالنسبة لحملة العلم. والله أعلم. نقله الشيخ ميارة في الشرح المذكور.
مسألة: قال الرعيني: قال محمد: وإن قال رجل لرجل: كان لك عندي ألف دينار وديعة وقد ضاعت مني، وقال ربها: بل كانت عليك سلفا، فالقول قول مدعي السلف، وإن قال: ما أودعتك ذلك ولكنك غصبتني ذلك أو سرقته مني، فلا قول له والقول قول مدعي الوديعة.
انتهى الجزء السادس من لوامع الدرر في هتك أستار المختصر، للعبد الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه: محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي:
الله عَظمَ قدر جاه محمد … وأناله فضلا عليه عظيما
في محكم التنزيل قال لخلقه: … (صلوا عليه وسلموا تسليما)
اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك وأضعاف أضعاف ذلك عدد ذلك. وسلم تسليما كذلك.
стр. 8454
ولما أنهى الكلام على القضاء والشهادات أتبعه بالكلام على الدماء فقال:
باب: ذكر فيه أحكام الدماء وما يتعلق بها
وإنما أتى به المؤلف إثر الأقضية والشهادات إشارة إلى أنه ينبغي للقاضي أن ينظر فيه أولا لأنه آكد الضروريات التي تجب مراعاتها في جميع الملل بعد حفظ الدين وهو حفظ النفوس، ففي الصحيح: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) (١)، ولهذا ينبغي الاهتمام بشأنها وكذا في الدنيا، وهذا الحديث لا يعارضه حديث: (أول ما ينظر فيه من أعمال العباد الصلاة) (٢)؛ لأن هذا في خاصة أعمال العبد بنفسه يعني فيما بينه وبين الله وذلك فيما بينه وبين المخلوق، لكن انظر أيهما يقدم والظاهر أنه القضاء في الدماء؟ قاله الخرشي. وقال البناني: ابن حجر: أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر: (زوال الدنيا كلها أهون عند الله من قتل رجل مسلم) (٣)، وقال: حديث حسن وأخرجه النسائي بلفظ: (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) (٤). انتهى.
وفي المواق أن رسول الله ﷺ قال: (من شارك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله) (٥). انتهى. قلت: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة بلفظ: (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله). قال المناوي: هذا كناية عن كونه كافرا إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وقيل بعمومه وأن المراد يستمر على هذا الحال حتى يطهر من ذنبه بنار الجحيم، فإذا طهر بها زال يأسه (٦)، وهذا الحديث قال ابن حجر والمناوي: ضعيف جدا، وبالغ ابن الجوزي فحكم بوضعه، وتبع فيه أبا حاتم لأنه قال في العلل: باطل موضوع، وقال الذهبي في الميزان: قال الإمام أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح. انتهى.
стр. 8455
وخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يقضى) الخ، قال ابن رشد: واختلف السلف ومن بعدهم من الخلف في قبول توبة القاتل وإنفاذ الوعيد فيه على قولين، فمنهم من ذهب إلى أنه لا توبة له وأن الوعيد لاحق به، ومنهم من ذهب إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته مقبولة، وأما من قال: إن القاتل مخلد في النار أبدا فقد أخطأ وخالف السنة؛ لأن القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من صالح أعماله؛ لأن السيئات لا تبطل الحسنات، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص من القاتل هل يكفر عنه إثم القتل أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أنه يكفره عنه، بدليل قوله ﵊: (الحدود كفارة لأهلها) (١) فعمم ولم يخص قتلا من غيره، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يكفره عنه لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هو منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ويخص الحديث على هذا بما هو حق دليلا يتعلق به حق لمخلوق. انتهى.
وقول الخرشي: أكد الضروريات نحوه في ابن مرزوق والضروريات التي أشار إليها هي المصرح بها في التوضيح، فإنه قال: وحفظ النفوس من الخمس المجمع عليها في كل ملة، وهي: النفوس والأديان والعقول والأعراض والأموال ومنهم من يذكر الأنساب عوض الأموال. انتهى. وقول البناني: وخرج مسلم الخ هو في البخاري أيضا، كما قال البناني عن ابن رشد: واختلف السلف ومن بعدهم الخ، سوى بين القولين. ونحوه في ابن عرفة عن ابن رشد وسلموه، مع أن القول بقبول توبته هو الراجح وعزاه ابن عطية وغيره للجمهور، وقوله: عن ابن رشد أيضا، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص الخ نحوه لن قدمنا ذكرهم عن ابن رشد، وسلموا كلهم تسوية القولين وليس ذلك بمسلم، قال ابن جزي: حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا؟ والصحيح أنه يسقط عنه لقول رسول الله ﷺ : (من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة) (٢)، وبذلك قال جمهور العلماء، وحكى ابن عطية
стр. 8456
الإجماع على ذلك من أهل السنة والمعتزلة الخ. قاله الرهوني. وقال: وبذلك كله تعلم ما في اقتصار ابن خرفة والحطاب والتاودي والبناني على كلام ابن رشد.
تنبيه: من توبته عرض نفسه على ولي المقتول قودا أو دية، قاله ابن رشد وسلمه ابن عرفة والحطاب والتاودي، وفي شرح الرسالة للقلشاني: وإن كانت نفسا وجب عليه تسليم نفسه للأولياء إن أمكنه ذلك، فإن لم يفعل مع الإمكان فهل توبته صحيحة أم لا؟ صححها الإمام، وقال: هذه معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها وهو مذهب الجمهور، وقال الغير: لا تصح وهو مرجوح. انتهى. وقال الشيخ زروق عند قول الرسالة: ومن التوبة رد المظالم الخ ما نصه: فأما رد المظالم ففرض ليس بشرط. انتهى. فلم يحك فيه خلافا. والله أعلم. انتهى. قاله الرهوني. وقال المواق: قال ابن شأس: الدماء خطيرة القدر في الدين، والقتل كبيرة فاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة، ومُوجَباته في الدنيا خمسة: القصاص والدية والكفارة والتعزير والقيمة. قال بعض الشيوخ: من قال إن القاتل يخلد في النار على التأبيد فقد أخطأ، وخالف أهل السنة لأن الذنب لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من عمل صالح، ولا بد أن يجازي الله سبحانه كل مؤمن على إيمانه، قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لكن من تمام توبة القاتل عرض نفسه على أولياء القتول ويصوم أو يعتق ويلازم الجهاد. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الرهوني عند قول الصنف: "باب": هذا شروع من الصنف ﵀ في الكلام على الجنايات، وبدأ منها بالدماء لأنها أعظمها غير الردة والعياذ بالله، قال أبو الحسن: عياض: أصل اشتقاق الجناية من اجتناء الثمر باليد فاستعمل في كل ما يكتسب ثم قصر عرفا على كل ما يكتسب من حدث في مال غيره أو ماله أو نفسه مما يسوء أو يضر كان بيد أو غيرها، كما أن الجريرة أصلها ما يجره الإنسان من منفعة لنفسه من مال أو غيره، ثم استعمل في كل ما يحدثه على غيره عموما مما يوافقه أو يضره في نفسه أو ماله، ونحوه في المواق عن التنبيهات، وفي الحطاب: قال البساطي: وهو باب متسع متروك ينبغي الالتفات إليه.
стр. 8457
الثاني: قال المبرد: دم أصله فعل بالتحريك والذاهب منه الياء، والدليل على ذلك قولهم في التثنية: دميان، ألا ترى أن الشاعر وهو الحصين بن الحمام المري لا اضطر أخرجه إلى أصله، فقال:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدما
قاله التتائي. وقيل: أصله دمو بالتحريك، وبعض العرب يقول في تثنيته: دموان. ابن عرفة: نقل الأصوليون إجماع الملل على حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال، وذكر بعضهم الأنساب عوض الأموال. انتهى. وعده الأعراض هو أحد قولين، وقيل ليس مما التفت الشرع إليه في كل شريعة وإن كانت حرمته معلومة من الشريعة المحمدية، وأول الست: حفظ الأديان وهو أعلاها وغيره وسيلة إليه ولحفظه شرع الجهاد وقتل المرتد والزنديق، وثانيها: حفظ النفس وله شرع القصاص، وثالثها: حفظ العقل ولأجله شرع حد الخمر، ورابعها: حفظ الأنساب ولأجله شرع الحد في الزنى واللعان، وخامسها: حفظ المال ولأجله شرع القطع في السرقة وضمان المتلفات، وسادسها: حفظ الأعراض ولأجله شرع حد القذف واللعان إن رمى بالزنى ولم ينف الولد فإن نفاه كان من قسم ما شرع لحفظ النسب. قاله التتائي.
الثالث: قال الشبراخيتي: قال ابن مرزوق: وأما حقيقة الجناية اصطلاحا فهي: إتلاف مكلف غير حربي نفس إنسان معصوم أو عضوه أو اتصالا بجسمه أو معنى قائما به أو جنينه عمدا أو خطأ بتحقيق أو تهمة. انتهى. فإتلاف مكلف جنس وغير حربي يخرج الحربي إذ لا يؤاخذ بما اكتسبه مما ذكر هنا، ونفس إنسان وما بعده يخرج إتلاف المال والجناية على العرض فليسا من هذا الباب، وإضافة نفس للإنسان يخرج إتلاف نفس غيره ويدخل نفس العبد، والذمي ومعصوم يخرج الحربي ومن وجب قتله لموجب لا يجوز العفو عنه وإتلاف اتصال الجسم كناية عن الجرح، والمعنى القائم بالجسم كالعقل والسمع وغيرهما، وضمير جنينه يعود على الإنسان، وعمدًا أو خطأ منصوبان بإتلاف وبتحقيق متعلق به، وذُكِرَ توطئة لعَطْف أو تهمة عليه، والمراد بها اللوث الموجب لثبوت الدم مع القسامة. انتهى.
стр. 8458
واعلم أن القتل هو أعظم الذنوب بعد الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، الخ، وقال رسول الله ﷺ : (أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة) (١)، وقال ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (٢)، وقال ﷺ : (ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها) (٣)، (وذلك أنه أول من سن القتل) (٤)، فالقتل ذنب عظيم ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه، وأركان القصاص ثلاثة: الجاني والمجني عليه والجناية، ولكل منها شروط ذكر جميعها.
وبدأ بالركن الأول مع شروطه فقال: إن أتلف أي جنى عمدا، مكلف على نفس ولو سكران طافحا، وإن رق فيقتل العبد بالحر غير حربي يعني أنه لا يقتل حربي قصاصا قتل غيره، ولا زائد حرية على المقتول؛ فلا يقتل الحر بالعبد، أو إسلام أي ولا زائد إسلام فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا، حين القتل هذا الظرف خاص بقوله: "غير حربي ولا زائد حرية أو إسلام" ولا يرجع "لمكلف"، وقوله: "حين القتل" أي إن لم يتأخر عن سببه، وإلا اعتبر السبب أيضا أي شرط القتل أن لا يكون القاتل حربيا ولا زائد حرية أو إسلام حين السبب أي الرمي والسبب أي التلف، وبينهما إلا لغيلة مستثنى من قوله: "ولا زائد حرية أو إسلام" أي أن قتل الغيلة لا تشترط فيه المكافأة، فيقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، وقتل الغيلة هو القتل خفية لأخذ المال، والظاهر أن اللام في "لغيلة" بمعنى: في. والله تعالى أعلم.
стр. 8459
وأشار للركن الثاني مع شروطه بقوله: معصوما معمول "أتلف"، واحترز به من المرتد فلا قصاص على قاتله للتلف أي يشترط في المجني عليه أن يكون معصوما من حين جرح إلى حين تلف، فلو جرح مرتدا ثم رجع للإسلام قبل الموت أو جرح مسلما ثم ارتد قبل الموت ثم مات فلا قصاص، والإصابة يعني أنه يشترط في المجني عليه أن يكون معصوما من حين الرمي إلى حين أصيب إصابة الموت، فلو رماه وهو مرتد أو رماه وهو مسلم ثم ارتد قبل أن يصاب فلا قصاص على الرامي. وعلم مما قررت أن المسألتين أي قوله: "للتلف"، وقوله: "والإصابة" في الموت.
ثم بين ما تكون به العصمة فقال: بإيمان بالله ورسوله، لخبر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله أي ومحمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (١). أو أمان يعني أن العصمة إنما تكون بإيمان أي تصديق بالله وبرسوله أو أمان أي تأمين من السلطان أو غيره لحربي أو تأمين بالتزام الجزية، كالقاتل من غير المستحق مثال للمعصوم، مثل بالأضعف تنبيها على الأقوي يعني أن القاتل معصوم من غير المستحق، وأدب يعني أن المستحق للقصاص إذا قتل القاتل من غير إذن الإمام فإنه يؤدب لافتياته على الإمام، كمرتد يعني أن القاتل للمرتد بغير إذن الإمام يؤدب لافتياته على الإمام: وزان أحصن يعني أن قاتل الزاني المحصن من غير إذن الإمام يؤدب، ويد سارق يعني أن من قطع يد سارق بغير إذن الإمام يؤدب لافتياتهم على الإمام بقتل المرتد والزاني المحصن وقطع يد السارق من دون إذنه.
فالقود جواب الشرط أعني قوله: "إن أتلف" أي القود أي القصاص ثابت لولي المقتول على القاتل عينا أي يتعين لولي المقتول القصاص، فليس له أن يلزم القاتل الدية إلا برضاه، خلافا لأشهب القائل: الولي بالخيار بين أن يقتل القاتل أو يأخذ الدية، ومعنى كلام المصنف أن جناية المكلف حرا أو رقيقا أي قتله لمعصوم بإيمان أو أمان توجب القود، أي تثبت لولي المقتول القصاص من ذلك المكلف القاتل، بشرط أن يكون ذلك المكلف القاتل غير حربي، وأن يكون غير زائد على المقتول بالحرية، وأن يكون غير زائد عليه بالإسلام، فَاحترز بالقيد الأول من الحربي
стр. 8460
فلا قصاص على الحربي إذا قتل، فإذا قتل الحربي مسلما أو ذميا ثم أسلم فإنه لا قصاص عليه، واحترز بالقيد الثاني من الحر إذا قتل عبدا فإنه لا يقتل الحر بالعبد، واحترز بالقيد الثالث من المسلم إذا قتل كافرا فإنه لا قصاص عليه، سواء كان المسلم القاتل حرا أو عبدا، وسواء كان الكافر المقتول حرا أو عبدا، وهذه الغيرية في المسائل الثلاث أي كون الجاني غير حربي وغير زائد حرية وغير زائد إسلام معتبرة من حين سبب القتل إلى حين القتل؛ أي تعتبر حين السبب وحين القتل وبينهما، فلو حذف المصنف قوله: "حين القتل"، أو قال: إلى حين القتل لكان أولى، واشتراط عدم زيادة الحرية والإسلام إنما هو في غير قتل الغيلة، وأما قتل الغيلة فيقتل فيه الحر بالعبد والمسلم بالكافر.
واللام في قوله: "للتلف" لام الغاية أي إذا جرح المكلف غير الحربي مكافئا له من معصوم، فإنه يشترط أن تدوم تلك العصمة من حين الجرح إلى تلف المجني عليه أي موته، وإذا رماه فأصابه فمات فلا بد أن يكون ذلك المجني عليه معصوما من حين الرمي إلى حين أصيب، فالحاصل أنه تشترط في المقتول العصمة من حين الرمي إلى حين الإصابة التي مات منها، ومن حين جرح إلى حين مات ومن العصوم القاتل بالنسبة لغير مستحق دمه، وأما مستحق دمه فليس بمعصوم بالنسبة له لكنه لا يقتله من دون إذن الإمام، فإن قتله من دون إذنه أدب لافتياته على الإمام، كما يؤدب من قتل مرتدا من دون الإمام أو زانيا محصنا من دون الإمام لافتياته عليه، فاحترز المصنف بالمعصوم كان الرتد والزاني المحصن والقاتل بالنسبة للمستحق، ويؤدب أيضا من قطع يد السارق من دون إذن الإمام لافتياته عليه.
وقوله: "للتلف والإصابة" قال البناني: قال المصطفى: كأنه يحوم على قول الجواهر: فصل في تغيير الحال بين الرمي والجرح وبين الجرح والموت، وقول ابن الحاجب: فلو زال أي التكافؤ بين حصول الموجب ووصول الأثر، كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي وقبل الإصابة أو بعد الجرح وقبل الموت، فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة وحال الموت، وقال أشهب وسحنون: حال الرمي ورجع سحنون، فأما القصاص فبالحالين معا. انتهى. فقوله: "للتلف" أي لا حين الجرح فقط، وقوله: "الإصابة" أي لا حين الرمي والكلام كله في النفس، وسيأتي الكلام
стр. 8461
على الجرح فسقط قول من قال: للتلف في النفس والإصابة في الجرح، وقال: لو أسقط قوله: " والإصابة" لمسلم من التكرار مع قوله: "والجرح كالنفس" الخ. وسرى له ذلك من عدم معرفة مطارح كلام الأئمة. انتهى. ونحوه نقل بعض الشيوخ من تقرير المسناوي معترضا به ما قرره به الزرقاني تبعا لابن غازي. انتهى.
وقوله: "مكلف" احترز به من الصبي والمجنون فلا يقتص منهما لأن عمدهما وخطأهما سواء وهذا في مجنون مطبق أو يفيق أحيانا وقتل حال جنونه. قال عبد الباقي: فإن شكت البينة يعني في كونه قتل في حال إفاقته أو في حال جنونه أو سكر بحلال فلا يقتل والدية على عاقلته، فإن قتل حين إفاقته فجن أخر قتله لإفاقته إن رجيت وإلا فالدية في ماله فلا يقتل وهو مجنون كمرتد جن فلا يقتل حينئذ، وللمغيرة: يسلم المجنون القاتل حين إفاقته لأولياء المقتول فيخيرون في قتله وأخذ الدية من ماله إن وجد وإلا اتبعوه بها. انتهى. قال البناني: هذا التخيير الذي ذكره بين القتل والدية إنما هو للخمي لا للمغيرة، وإنما قال الغيرة: يسلم إلى أولياء المقتول يقتلونه وإن شَاءوا عفوا أي وليس لهم أن يلزموه الدية. هكذا في ابن عرفة والتوضيح والحطاب وغيرهم. وقوله: "غير حربي" فلا يقتل الحربي قصاصا إذا قتل غيره، أي فلا يقتل الحربي إن أسلم أو عصم بأمان أو بالتزام الجزية، فإن لم يعصم بإيمان ولا أمان فإنه يقتل لا قصاصًا بل لكونه غير معصوم. وقوله: "ولا زائد حرية أو إسلام" قال عبد الباقي: بالجر عطف على المضاف إليه ولا مؤكدة وبالرفع بعطف لا على "غير" لأن "لا" اسم بمعنى "غير" ظهر إعرابه فيما بعدها. انتهى. قال البناني: هذا إنما هو معروف عند النحاة في إلا بمعنى غير وفي أل الموصولة، وليس معروفا في لا، ولما نقل صاحب التصريح في باب لا النافية للجنس أن مذهب البصريين في نحو جئت بلا زاد أن "لا" حرف والاسم بعدها مخفوض بالجار، وأن مذهب الكوفيين أن "لا" اسم بمعنى غير، وأن الاسم بعدها مخفوض بالإضافة كتب عليه الشيح يس ما نصه: انظر هذا قيل إن إعرابها ظهر فيما بعدها لكونها صورة الحرف؟ انتهى. وقوله: "ولا زائد حرية أو إسلام" الإضافة لفظية، وقد حكى صاحب التصريح وغيره الخلاف في الإضافة اللفظية هل هي على معنى حرف أولا؟ والظاهر من جهة المعنى هو الثاني. قاله الرهوني. وقوله: "ولا زائد حرية" أي على المقتول، فلا
стр. 8462
يقتل الحر بالعبد إلا أن يكون المقتول زائد إسلام لما يأتي من قتل الحر الكتابي بالعبد المسلم، وقوله: "أو إسلام" فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكتابي ولو حرا، وقوله: "حين القتل" قال عبد الباقي: إن لم يتأخر عن سببه وإلا اعتبر السبب أيضا، قال البناني: أفاد به أن الشروط المذكورة معتبرة في وقت السبب وفي وقت السبب معا لا حين القتل فقط كما هو ظاهر المصنف، ولهذا قال مصطفى: الصواب إسقاط قوله:. "حين القتل" كما فعل ابن الحاجب لاقتضائه أنه لا تشترط المساواة إلا حين القتل وليس كذلك، بل من حين الرمي إلى حصول القتل إذ المعتبر في القصاص الحالان معا.
وفي التوضيح عند قول ابن الحاجب: فأما القصاص فبالحالين معا: أي فيشترط دوام التكافؤ من حصول السبب إلى حصول السبب اتفاقا. انتهى. وقال ابن مرزوق: وحاصل كلامه - يعني المصنف - أن من شرط القود من الجاني المكلف أن يكون المجني عليه معصوم النفس بإيمان أو أمان وتدوم له تلك العصمة إلى أن يصاب بالضرب الذي مات منه وإلى أن يموت. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "حين القتل": فلو رمى حربي غيره ثم صار الرامي من أهل الذمة ثم مات المرمي لم يقتص له منه لأنه حربي حين السبب، ولو رمى عبد عبدا مثله رقا ودينا ثم عتق الرامي قبل موت المرمي لم يقتل به لزيادة الرامي بالحرية حين السبب أي القتل، ولو رمى نصراني حر عبدا نصرانيا ثم حارب الرامي وأخذ واسترق ثم مات المرمي لم يقتل به لزيادة الرامي حين السبب عليه الحرية، ولو رمى مسلم كافرا أو مرتدا فأسلم قبل وصول الرمية ثم وصلته فمات لم يقتل لزيادة الرامي عليه بالإسلام حين السبب وإن ساواه حين القتل، وعليه دية مسلم عند ابن القاسم، كَمَنْ رَمَى صيدا وهو حلال فلم تصل الرمية إليه حتى أحرم فعليه جزاؤه. وقولي: ولا يرجع لمكلف ظاهر؛ لأنه لو رجع إليه لاقتضى أن من حصل منه سبب القتل وهو غير مكلف ثم حصل القتل وهو مكلف أنه يقتل مع أنه لا يقتل. انتهى. قوله: وأن من حصل الخ، قال البناني: هذا إنما يرد على ظاهر المصنف، أما إن اعتبر القيد الذي ذكره في قول المصنف: "حين القتل " - أعني قوله: "إن لم يتأخر عن سببه " - فلا يرد. انتهى. وقوله: "إلا لغيلة" بغين معجمة مكسورة فمثناة تحتية وهي القتل خفية لأخذ المال، قال عبد الباقي وغيره:
стр. 8463
والاستثناء منقطع لأنه في الحقيقة لم يقتل به قصاصا بل للفساد، ولذا قال مالك: ولا عفو فيه وصلح الولي فيه على الدية مردود والحكم فيه للإمام، ولا يقبل فيها إلا شاهدان لا شاهد يقسم معه الأولياء: خلافا ليحيى بن سعيد. قاله في التوضيح. انتهى.
وقد مر أن قتل الغيلة هو القتل خفية لأخذ المال، فإن قتله ظاهر الحرابة إن كان على وجه يتعذر معه الغوث ولا عفو فيه أيضا وإلا جاز فيه العفو كالعداوة. انتهى.
قوله: وإلا أي وإن كان قتله ظاهرا على وجه لا يتعذر معه الغوث، وقوله: "معصوما للتلف والإصابة" في العمد الذي فيه القصاص كما عرفت واقتصر فيه على الغاية، ويعلم منه أيضا العصمة في المبدإ، وأما العمد الذي لا قود فيه والخطأ فسيتعرض (١) لهما بقوله: "وضمن وقت الإصابة والموت" [ولو رمى] (٢) كتابي مرتدا وقبل وصول الرمية إليه أسلم اعتبر حال الرمي فلا يقتل به إن مات، وكذا لو جرحه ثم أسلم فنزي فمات فإنه لا يقتل به لمراعاة حال الجرح، ولو رمي حر مسلم مثله فارتد المرمى قبل وصول السهم إليه ثم مات فلا قصاص لأنه لم تستمر العصمة للموت، ولو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم نزي فمات فلا قود لأنه صار إلى ما أحل دمه، ولو قطع مسلم يد مسلم ثم ارتد المقطوع فمات مرتدا أو قتل ثبت القصاص في قطع اليد فقط لا النفس؛ لأن الموت كان وهو مرتد، وقوله: "للتلف" متعلق "بععصوما"، واللام بمعنى: إلى للانتها، كما مر، لا بمعنى: عند لأنه لا يعلم منه حينئذ اشتراط العصمة في المبدإ أي السبب. وقوله: "وأدب" راجع لمفهوم خير المستحق وهو المستحق، فنائب الفاعل ضمير يعود على المستحق.
وعلم من تعليل الأدب بالافتيات على الإمام أنه إذا قتله الولي بإذن الإمام فلا أدب عليه، كما أنه لا أدب على الولي إذا علم أن الإمام لا يقتله ولو قتله الولي غيلة، لكن يراعى فيه أمنه فتنة ورذيلة، ولا يسقط الأدب بكون الإمام غير عدل. وقوله: لمرتد فيؤدب قاتله ولا يقتل به سواء قتله زمن الاستتابة أو بعدها، وإنما عليه ثلث خمس دية السلم كدية المجوسي. قال البناني: اختلف
стр. 8464
في المرتد هل فيه دية؟ ذهب ابن القاسم إلى أن فيه دية المجوسي ثلث خمس دية الحر المسلم، وعلى هذا اقتصر المصنف في الديات، وقيل لا شيء على قاتله إلا الأدب وعليه اقتصر ابن رشد وتبعه ابن الحاجب، وعلى الأول يحمل كلام المصنف هنا بدليل ما يأتي له في الديات. انتهى. وفي كلام البناني هنا على المصنف دليل على أنه يجمع له الأدب مع غرم الدية، وقاله غيره أيضا: وقوله: "وزان أحصن" أي قتله بغير إذن الإمام فيؤدب، وأما غير المحصن فيقتل به إلا أن يقول: وجدته مع زوجتي وثبت ذلك بأربعة يرونه كالمرود في المكحلة فلا يقتل به، وقوله "وزان أحصن" أي ثبت زناه ببينة عادلة، فإن لم يكن على ذلك إلا قولُ الزوج اقتص منه، كان الزاني بكرا أو ثيبا إلا أن يأتي بلطخ ولا يقتل كما في شرح عبد الباقي.
وقال الرهوني: وفي المنتقى: فإن قلنا إنه لا يقتل به وإن كان بكرا، فقد قال ابن القاسم في المدونة: عليه الدية في البكر. وقاله ابن كنانة. وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه وإن كان بكرا إذا كان قد أكثر التشكي منه، قال ابن مزين: وقال غير ابن القاسم: دمه هدر في البكر والثيب، وقد أهدر عمر رضي الله تعالى عنه غير دم في شبه هذا من التعدي، وقال ابن القاسم: وذلك عندي سواء في البكر والثيب؛ لأنه إذا أقام أربعة شهداء يشهدون أنهم رأوه معها يطؤها لم يقتص لواحد منهما ويترك، ولكن إذا كان بكرا فدية الخطإ على عاقلته، وإن لم يأت بأربعة شهداء قتل القاتل بكرا كان المقتول أو ثيبا، وإلى هذا رجع ابن كنانة في البكر دية الخطإ، وثبت المخزومي وقال: لا شيء على القاتل إذا أتى بأربعة شهداء وكان المقتول بكرا أو ثيبا. وقاله محمد بن عبد الحكم إذا كان قد أكثر به الشكية قبل ذلك. انتهى.
وقال اللخمي: وإن شهد أربعة له بما قال وأنهم رأوا الفرج في الفرج لم يقتل به ثيبا كان المقتول أو بكرا، واختلف في الدية إذا كان بكرا، فقال ابن القاسم: على عاقلته، وقال الغيرة: لا شيء عليه إذا جاء بأربعة شهداء وإن لم تشهد بينة وأتى في ذلك بلطخ لم يقتل به، قال محمد: إن
стр. 8465
ظهر عذره مثل أن يري ينقب البيت فتسور (١) عليه فيقتله، فقال: وجدته مع امرأتي فلا قود عليه. انتهى المراد منه.
وقال سحنون. إذا نادى به وأشهد عليه بامرأته أو جاريته ثم قتله بعد ذلك لم يكن عليه شيء، وكذا لو أشهد عليه وهو غائب وعلم أن المشهود عليه علم بذلك ثم وجد مقتولا في بيته، وعن ابن القاسم: مثله إذا قتله وقتل امرأة نفسه، وذكر مثل ذلك عن ابن المسيب وربيعة، قال الشيخ ﵀: وإذا صح أن يسقط القود بالشكية وإن كان بكرا أو برؤيته يتسور الدار والإشهاد عليه لأجل الغيرة صح أن يسقط القود إذا شهد عدلان أنه وجده معها في لحاف وإن لم يعاينا الفرج. في الفرج.
واعلم أن تسوية سحنون بين الزوجة والأمة وتسليم اللخمي له ذلك يفيد تسوية البنت والأخت بها من باب أحرى، بل قد يقال إن البنت والأخت أحرى من الزوجة وهذا هو الشاهد في هذه الأزمنة؛ إذ يزول عنه العار عادة بطلاق الزوجة ولا يمكنه ذلك في البنت والأخت، فتوقف الزرقاني تبعا للأجهوري في ذلك لا وجه له. والله أعلم. قاله الرهوني.
وقال ابن حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقول: وسئل عن رجل وجد رجلا عند امرأته فقاتله فكسر رجله أو جرحه، هل عليه قصاص؟ فقال: لا، وهو جُبار لا شيء عليه فيما دون النفس. انتهى من التبصرة في الفصل السابع من القسم الثالث.
تنبيهات: الأول: قول المصنف: "وإن رق" قال الشبراخيتي: إنما نص عليه ليلا يتوهم أنه لا يقتل بالحر لشرف الحر، أو لأنه ربما يتوهم أنه كالبهيمة وفعل العجماء جبار أي هدر. انتهى. وهو يفيد أن له أن يدفع الإيهام لا لدفع قول. والله تعالى أعلم.
الثاني: قول المصنف: "ويد سارق" لو قال المصنف: وعضو سارق لكان أشمل، وقد مر أن المجنون لا يقتص منه إن قتل في حال جنونه، بخلاف ما إذا قتل في حال إفاقته، فلو أشكل
стр. 8466
على البينة هل قتل حال عقله أو حال جنونه؟ فقال ابن ناجي: لا يلزمه شيء وهو صواب، فقوله: لا يلزمه شيء أي قصاص وأما الدية فهي لازمة.
الثالث: فالقود عينا أي أو العفو مجانا، وليس له أن يلزم الجاني الدية إذا لم يرض بها فالولي مخير بين القتل والعفو مجانا، خلافا لأشهب القائل: إن للولي أن يلزم القاتل الدية بغير رضاه، فعلى ما الأشهب الولي مخير بين أن يلزم القاتل القصاص ويأخذ منه الدية.
الرابع: علم مما مر أن للمجني عليه أربعة أحوال، أحدها أن يكون معصوما حين السبب والسبب وبينهما فالقصاص بشرط أن يكون الجاني غير حربي الخ، الثاني أن لا يكون معصوما حين السبب والسبب، الثالث أن لا يكون معصوما حين السبب فقط، الرابع أن لا يكون معصوما حين المسبب فقط والحكم في هذه الثلاث عدم القصاص. والله تعالى أعلم.
الخامس: مثل الزاني المحصن المحارب فلا قصاص على من قتله. ابن عرفة: عمد قتل المسلم عدوانا يوجب ملك القود منه لمكافئه، أو راجح عليه إن كان بالغا عاقلا. فيها: إن قامت بينة على محارب فقتله رجل قبل أن تزكى البينة، فإن زُكِّيَتْ أدّبَه الإمام، وإن لم تزك قتل به. نقله المواق.
السادس: قال الإمام الحطاب، قال القرافي: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فيه سؤال وهو: ما وجه تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا وإحيائها بإحياء جميع الناس؟ قال القرافي الجواب: قال بعض العلماء: إن المراد بالنفس إمام مقسط أو حاكم عدل أو ولي ترجِّي بركته العامة، فلعموم مفسدته كأنه قتل من كان ينتفع به وهم المراد بالناس وإلا فالتشبيه مشكل. وقال مجاهد: لا كان قتل جميع الناس لا يزيد في العقوبة على قتل النفس الواحدة شبه به، قال: وهو مشكل لأن قاعدة الشرع تفاوت العقوبات بتفاوت الجنايات، وإذا توعد الله قاتل النفس الواحدة بعذاب عظيم اعتقدنا مضاعفته في حق الاثنين، فكيف بجميع الناس؟.
стр. 8467
السابع: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، قيل: الخطاب للورثة لأنهم إذا اقتصوا فقد سلموا وحيوا بدفع شر هذا القاتل عنهم الذي صار عدوا، وقال بعضهم: الخطاب للقاتلين لأنه إذا اقتص منه فقد محى إثمه ليحيى حياة معنوية، وعلى القولين فلا إضمار. وقيل: الخطاب للناس والتقدير: ولكم في مشروعية القصاص حياة، لأن الشخص إذا علم أنه يقتص منه انكفَّ عن القتل، ويحتمل أن لا يكون في الآية تقدير أيضا، ويكون القصاص نفسه فيه الحياة أما لغير الجاني فلانكفافه وأما للجاني فلسلامته من الإثم. قاله التوضيح، وابن عبد السلام. انتهى.
السابع (١): إنما قال المصنف: "إن أتلف " ولم يقل قتل؛ لأن الإتلاف يشمل المباشرة والتسبب، والقتل إنما يتبادر للمباشرة. قاله الحطاب. وقوله: "مكلف" أخرج به الصبي والمجنون كما مر فعمدهما كخطئهما، لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الغارم حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق) (٢). رواه أبو داوود وغيره بروايات متعددة. وقال ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: قال أهل اللغة: قتل الغيلة هو أن يخدعه فيذهب إلى موضع خفية، فإذا صار فيه قتله فهذا يقتل به ولا عفو فيه، ونقل عن بعض أصحابنا أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال، وأما النائرة بينهما فيجوز العفو عنه، والنائرة: العداوة.
الثامن: قال الإمام الحطاب: والغيلة في الأطراف كالغيلة في النفس، قال في المدونة: ومن قطع يد رجل أو فقأ عينه على وجه الغيلة فلا قصاص له، والحكم للإمام إلا أن يتوب قبل أن يقدر عليه فيكون فيه القصاص. انتهى. قول الباجي: ومن أصحابنا من يقول قتل الغيلة هو القتل على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ وقبله ابن زرقون. انتهى. عياض: يعني اغتاله لأخذ ماله ولو كان لنائرة ففيه القصاص والعفو فيه جائز. انتهى. وهو صحيح على الأصول لأن هذا غير محارب، وإنما يكون له حكم المحارب إذا أخذ المال أو فعل ذلك لأجل المال. انتهى.
التاسع: قال الحطاب: والمرأة كالرجل في الغيلة. قاله أبو الحسن. واختلف إذا قام بقتل الغيلة شاهد، هل فيه القسامة أم لا؟ وفي المدونة: ومن قتل وليه غيلة فصالح فيه على الدية فذلك
стр. 8468
مردود والحكم فيه إلى الإمام، وقوله: "وأدب كمرتد وزان أحصن". قال الحطاب: وكذلك المحارب والزنديق، قال ابن عرفة: قال محمد: لا شيء على من قتل زنديقا. اللخمي: وكذا الزاني المحصن والمحارب ولا دية لهم إن قتلوا خطأ، وفي الوازية: من قطع يد سارق خطأ فلا دية له، وقال في موضع آخر: له ديتها، فعليه تجب الدية في هذين إن قتلا خطأ، وإن قطع لهما عضو فلهما القصاص في العمد والدية في الخطإ؛ لأن الحد إنما وجب في النفس لا في العضو، ولا قصاص على قاتل المرتد ولو كان القاتل نصرانيا. أبو عمران: الذي يقتل وليه رجل فلا يمكن من أخذه عند السلطان فيقتل الولي قاتل وليه غيلة أو باحتيال لا أدب عليه ولا شيء؛ لأنه إذا لم يكن السلطان ينصفه فهو يأخذ حقه لنفسه. انتهى. قوله: "فالقود" إما فاعل أي فيجب القود، وإما مبتدأ حذف خبره: فالقود واجب، وقوله: "عينا" تمييز محول عن الفاعل أي: فيجب عين القود، أو محول عن المبتدإ أي: فعين القود واجبة، والمراد بالعين: الذات. انتهى. العاشر: قد مر أن قوله: "فالقود عينا" هو قول ابن القاسم وهو المشهور، خلافا لأشهب فإنه قال: الواجب التخيير بين القصاص والدية وهو اختيار جماعة من المتأخرين، لا في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يؤدي وإما أن يقاد) (١)، ومعنى الحديث على ما للمشهور، إما أن يؤدي إن بذلت له الدية وطاع بها القاتل. قاله ابن مرزوق. وعلى قول أشهب بتخيير الأولياء إن طلب أنَّه الأولياء الدية فإنه يجبر على ذلك إن كان مليا، ويأتي عند قول المصنف: "فلوليه النظر في القتل" الخ أن للولي أن يجبر الجاني على أخذ الدية منه عند ابن القاسم، وأنه خالف أصله. قاله الشبراخيتي.
ولو قال إن قتلتني أبرأتك مبالغة في القود يعني أن القود أي القصاص ثابت لولي المقتول على القاتل، ولو كان المقتول قد قال للقاتل إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله فإنه يثبت القصاص لولي المقتول كما رأيت، وهو قول ابن القاسم وسحنون، ورد بلو القول بأنه لا قصاص عليه. قال ابن الحاجب: ولو قال للقاتل إن قتلتني فقد وهبت لك دمي فقولان، قال ابن القاسم: وأحسنهما أن
стр. 8469
يقتل، وفي المسألة قول ثالث أنه لا قصاص لشبهة عفو القتيل وتكون الدية عليه في ماله. قال ابن رشد: وهو أظهر الأقوال. انظر الحطاب.
وقال الخرشي عند قوله: "ولو قال إن قتلتني أبرأتك" ما نصه: وكلام المؤلف ظاهر فيما إذا وقع الإبراء قبل إنفاذ القاتل، وأما إذا قال بعد إنفاذ مقاتله: أبرأتك من دمي أو إن مت فقد أبرأتك من دمي فإنه يبرأ منه. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالغ على تعيين القود بقوله: ولو قال قبل إنفاذ القاتل إن قتلتني أبرأتك وقتله فيقتل به، لأنه قبل القتل لم يترتب له حق حتى يسقطه، وبعده صار الحق لوليه فله القتل، فإن قاله بعد إنفاذ مقاتله بالغا أو غيره فينفذ ولا يقتل، وحكى عليه القرافي الإجماع كما في التزامات الحطاب لأنه أسقط شيئا بعد وجوبه، وإذا قال له اقطع يدي ولا شيء عليك ففعل فليس عليه إلا الأدب إن استمر على البراءة، فإن رجع فينبغي قبوله (١) فيقطع القاطع، وإلا أن يترامى به القطع حتى مات منه فلوليه القسامة والقتل. انتهى.
وقوله: إن استمر على البراءة فإن رجع الخ، قال البناني: فيه نظر والذي يفيده كلام التوضيح وابن عرفة وغيرهما أنه ليس عليه إلا الأدب من غير تفصيل. انتهى. قال عبد الباقي: ولو قال إن قتلت من في ولايتي أبرأتك فقتله قتل به، وفرق بينه وبين اقطع يدي؛ بأن ولاية الإذن فيه مستمرة، وولايته على محجوره تزول بمجرد قتله وصار الحق لعاصبه، ولو قال له: اقتل عبدي ولا شيء عليك أو ولك كذا فقتله، ضرب كل منهما مائة وحبس عاما، وهل للسيد قيمته أم لا؟ قولان لأشهب وابن أبي زيد، وصوب كقوله: أحرق ثوبي أو ألقه في النار أو البحر فلا قيمة عليه إن لم يكن المأذون مودعا - بالفتح - للأمر وإلا ضمن لكونه في أمانته. انتهى.
قوله: ولو قال إن قتلت من في ولايتي أبرأتك الخ، ظاهره ولو كان هذا البرئ هو ولي دم المقتول، وفي مسائل الدماء والحدود من الدر النثير: وسئل ﵁ أي أبو الحسن - عمن عفا عمن يقتل موروثه فقتل هل يحرم بذلك الميراث كالمباشر وهل يسقط قيامه بالدم بذلك أم لا؟ ويتنقل الحق إلى غيره بطلب الدم فكتب بخط يده أن العافي عمن يقتل في الستقبل موروثه إن لم يكن منه
стр. 8470
إلا العفو فلا يحرم به الميراث، وإن وقع منه الأمر وكان المأمور لا يستطيع مخالفته يقاد من الآمر، فهاهنا هنا يحرم الميراث، وإن كان الواقع منه العفو فقام يطلب الدم فقولان: لزوم العفو، والثاني لا؛ لإسقاطه حقا لم يجب. انتهى. وتعليله يدل على أن الثاني أرجح فيشهد لظاهر كلام الزرقاني. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: ولو قال المقتول لشخص إن قتلتني أبرأتك كان دمي وكذلك اقتلني من غير فرق على المذهب؛ لأنه قبل القتل لم يترتب له حق حتى يسقطه، وبعد الموت صار الحق للولي فله أن يقتل أو يعفو. انتهى. وقال الحطاب: وروى ابن عبدوس: كان قال لرجل اقطع يدي أو يد عبدي عوقب الأمور ولا غرم في الحر والعبد. واعلم أن إسقاط الحق قبل وجوبه أصل مختلف فيه.
تنبيه: قال التتائي: قال في الذخيرة: إنما سمي القصاص قودا لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل في رقبته فتسلمه، فسمي القصاص قودا لأنه كان يلازمه. ابن عبد السلام: قال غير واحد: إن هذا الخلاف - يعني الخلاف المذكور بين ابن القاسم وأشهب - مقصور على النفس، وأما الجراح فيرجع أشهب إلى ابن القاسم فيها ولا خلاف فيها، لكن ابن عبد الحكم فيها مثل قول أشهب في النفس. قاله ابن مرزوق.
ولا دية لعاف مطلق يعني أن ولي الدم إذا عفا عن قاتل وليه، فإما أن يصرح بأنه عفا عنه على أن يأخذ الدية، فهذا إن امتنع القاتل منها على مذهب ابن القاسم فللولي الرجوع إلى القصاص، وإما أن يصرح بأنه عفا عنه على غير شيء فهذا يلزمه العفو ولا رجوع له عنه، وأما أن يعفو ويطلق من غير تصريح بدية ولا غيرها فهذا أيضا يلزمه العفو ولا دية له، فمعنى مطلق بكسر اللام لم يقيد بأنه عفا لأجل الدية أو عفا على غير شيء، وفي بعض النسخ: مطلقا بالنصب صفة لمصدر محذوف أي عفوا مطلقا: فإن ادعى العافي المطلق أنه إنما عفا على أن يأخذ الدية لم يصدق في ذلك أي سقط القصاص ولا شيء له، هذا إذا لم يظهر من قرينة حاله أنه أراد الدية، فإن ظهر من حاله إرادة الدية فإنه يحلف أنه إنما عفا لأجل الدية، ويبقى على حقه في القود إن امتنع القاتل من إعطاء الدية.
стр. 8471
وإلى ذلك أشار بقوله: إلا أن يظهر من أمره إرادتها أي إرادة الدية، كقوله: لولا فقري ما عفوت عنك ونحو ذلك، فيحلف الولي بالله الذي لا إله إلا هو ما عفا على ترك الدية، وإنما عفا لأخذها، وإذا حلف الولي فإنه يبقى على حقه في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية، وإذا أطلق أو وقع العفو مقيدا بها، ففي الشبراخيتي ما يفيد أنه يحمل على دية عمد، وقوله: "إلا أن يظهر إرادتها فيحلف" الخ ظاهره قام بالقرب أو بالبعد، فإنه يحلف ويبقى على حقه حيث امتنع القاتل من إعطاء الدية. وقال مالك وابن الاجشون وأصبغ: لا يقبل إلا إن قام بالحضرة، قال البناني: وظاهر كلام الباجي أنه خلاف المشهور لا تقييد له. انظر مصطفى. وناقش الرهوني مصطفى ومن تبعه بأن كلام الباجي في المنتقى شاهد لا قال ابن عبد السلام والمصنف: يعني في التوضيح من تقييد ذلك بالحضرة. والله تعالى أعلم.
كعفوه عن العبد يعني أن العبد إذا قتل حرا أو عبدا فعفا ولي الدم عن القاتل، وقال إنما عفوت لأخذ العبد أو لأخذ قيمته أو لأخذ قيمة العبد المقتول أو لأخذ دية الحر حيث كان المقتول حرا، فإنه لا شيء له إلا أن يتبين أنه أراد ذلك، فحينئذ يحلف ولي الدم ويخير سيد العبد الجاني بين دفعه ودفع قيمة المقتول إن كان عبدا، ودفع ديته إن كان المقتول حرا، وتكون حالة كما في المدونة. وما في العتبية والوازية من أنها منجمة فيه نظرت لأن الكلام في العمد والعمد لا تنجيم فيه. قاله الشبراخيتي. وعلى هذا فالتشبيه فيما عدا قوله: "ويبقى على حقه إن امتنع". قاله الشبراخيتي. أيضا وقال البناني: جعل ابن مرزوق التشبيه تاما وصرح بأن السيد له الامتناع، والظاهر ما عند الزرقاني من أنه ليس له الامتناع بدليل قوله: "وإن قتل عبد حرا" الخ. انتهى.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وغيره: ويخير سيد العبد الجاني بين دفعه أو دفع قيمته أو دفع قيمة المقتول. انتهى. وفيه نظرت والصواب بين دفعه أو دفع قيمة المقتول. والله أعلم.
تنبيه آخر: مال العبد الجاني لسيده إن فداه أو قتل، وإن أسلمه فهل يتبعه؟ قولان، ومذهبها أنه يتبعه، وأما إن جرح فأرش جرحه يتبعه وجناية العبد على سيده لغو، فإن جنى عليه وعلى غيره خير في فدائه بجناية غيره وإسلامه له كله، وقال أصبغ في عبد ضرب بطن سيدته فأسقطت أنها: تخير في دفع نصيب الأب من دية الجنين ودفع العبد كله له؛ أي للأب. وفي
стр. 8472
شرح ابن مرزوق عند قول المصنف: "ويبقى على حقه" ما نصه: في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية وهذا الحكم في جميع الأقسام، كما لو كان القاتل عبدا قتل حرا فعفا ولي الدم، وإن أطلق وادعى أنه عفا ليأخذ العبد لم يصدق إلا أن يظهر أنه أراد ذلك فيحلف ويبقى على حقه، وكذا لو عفا سيد العبد المقتول عن عبد هو قاتل عبده المذكور، فإنه إن صرح في عفوه حمل على بها صرح به، وإن أطلق وادعى أنه إنما عفا عن العبد القاتل ليأخذه من عبده أو يفديه سيده بقيمة المقتول لم يصدق سيد المقتول، إلا أن يظهر من حاله أنه أراد ذلك حين عفا فإنه يصدق بعد يمينه ويبقى على حقه في القتل. انتهى.
واستحق وليُّ دم من قتل القاتل يعني أن المكلف إذا قتل معصوما عمدا عدوانا، فتعدى عليه مكلف آخر فقتله عمدا عدوانا، فإن القاتل للقاتل يستحق دمه ولي المقتول الأول، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه. قال عبد الباقي: ومن قتل شخصا عمدا ثم قتل شخص أو أكثر القاتل عمدا استحق ولي - أي عاصب - المقتول الأول عمدا عدوانا دم من قتل القاتل الأول عمدا عدوانا، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه.
أو قطع يد القاطع يعني أنه إذا قطع شخص يد شخص عمدا، فتعدى على القاطع شخص فقطع يده، فإن المقطوع يده أولا يستحق قطع يد القاطع الثاني، إن شاء قطع وإن شاء عفا. وقوله: "أو قطع" - أي أو عضو من قطع - "يد القاطع"؛ أي واستحق ولي دم من قتل القاتل واستحق ولي عضو من قطع يد القاطع، فعضو المحذوف معطوف على دم مضاف إلى من موصولة بقطع. والله تعالى أعلم. وقوله: "ولي" هو في مسألة القتل أجنبي وفي مسألة القطع المجني عليه، قال الشبراخيتي: والمراد بالولي من له الاستيفاء وهو العاصب في القتل، وأما في الجرح فهو المجني عليه. وظاهر المصنف سواء قطعها من موضع قطع الأول أم لا. انتهى. وفي الشامل: ولو قطع الأول من المنكب والثاني من الكوع، فللمقطوع من المنكب قطع الأول أي قطع ما بقي من يد الأول أو قطع الثاني من الكوع ولا شيء له غير ذلك فيهما، وقال محمد: له قطع الثاني من الكوع مع قطع ما بقي من يد الأول إلى المنكب، واستحسنه اللخمي واستبعده غيره، فإن قتل شخص القاطع عمدا وصالح أولياؤه قاتله على مال أو خطأ ووجبت فيه الدية، فقيل لا شيء
стр. 8473
للمقطوع في العمد وقيل له، وأما الخطأ فله يعني من الدية. قاله عبد الباقي. وما ذكره المصنف في المسألتين هو المشهور وهو في المدونة، ومقابل المشهور مروي عن ابن عبد الحكم وهو أنه لا شيء في ذلك؛ لأن الجناية لم تتعلق بذمة الجاني وإنما تعلقت بنفسه أو عضوه وقد ذهب. قاله ابن مرزوق. والله تعالى أعلم.
كدية خطإ يعني أن من استحق دم شخص لكونه قتل أخاه - مثلا - عمدا، ثم قتل شخص الشخص المذكور خطأ، فإن لمستحق دمه أخذ الدية وليس لأوليائه مقال معه في أنه إنما له قصاص لا مال؛ لأنه لا استحق دمه صار وليه، ويجري مثل ذلك في غير النفس، كقطع شخص يد شخص اليمنى عمدا وقطع آخر يد القاطع اليمنى خطأ، فشمل كلامه هذين. قاله عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: كدية خطإ في نفس أو طرف، ومثل الدية القيمة إذا كان الجاني عبدا وهو تشبيه في الاستحقاق إلى آخر كلامه.
فإن أرضاه ولي الثاني فله هذا مفرع على قوله: "هو استحق ولي دم" الخ، وعلى قوله: "كدية خطإ"، ومعنى كلامه أنه إذا أرضى ولي المقتول الثاني ولي المقتول الأول، فإن أمر القاتل الثاني ينتقل له أي لولي المقتول الثاني، يعني في المسألتين أي في قتل الثاني خطأ أو عمدا بعد أن قتل عمدا، فهو راجع لما قبل الكاف وما بعدها. قاله غير واحد. والله تعالى أعلم.
وإن فقئت عين القاتل أو قطعت يده ولو من الولي بعد أن أسلم له فله القود يعني أن القاتل إذا تعدى عليه شخص أجنبي أو ولي الدم، ففقأ عينه عمدا وقطع يده مثلا عمدا فله القصاص على من فعل ذلك عمدا، سواء كان الفاعل أجنبيا أو ولي الدم، وسواء فعل ذلك ولي المقتول بالقاتل بعد أن أسلم إليه ليقتله أو فعله قبل أن يسلم إليه؛ لأن أطراف القاتل معصومة بالنسبة إلى مستحق الدم وإلى غيره، وفي قطع يده خطأ الدية وكذا لو فقئت عينه خطأ ففي ذلك الدية، فالحاصل أن أطراف القاتل عمدا إذا جنى عليها خطأ ففيها الدية، كان الجاني عليها المستحق أو غيره، فقول المصنف: "بعد أن أسلم له"، فقبل أن يسلم إليه أحرى، وحاصل ما للمصنف أن القاتل معصوم من غير المستحق دمه، وأما أطرافه فمعصومة من المستحق وغيره، وقوله: "ولو من الولي"، قال ابن مرزوق: هذا القول الذي أشار إليه المصنف بلو قول ابن شأس، وروى أصبغ في
стр. 8474
الواضحة عن ابن القاسم: لا يقاد من أولياء الدم لأن النفس كانت لهم وليعاقبهم الإمام. وفي النوادر: ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: وإذا حكم الإمام بقتل القاتل فضربه المحكوم له ضربتين قطع بالأولى يده وقتله بالثانية، فإن لم يتعمد ذلك فلا شيء عليه من أدب ولا غيره، وإن تعمد ذلك فالأدب فقط. وقال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم في القاتل عمدا يدفع إلى أولياء المقتول ليقتلوه فقطع واحد يده وآخر رجله ثم قتلوه، قال: لا يقاد منهم لأن النفس كانت لهم وليعاقبهم الإمام على ذلك. انتهى. وفي الشامل: ولو غاب أي الولي عليه فوجد مقطوع اليدين والرجلين، فقال: أردت قتله فاضطرب فحصل ذلك فإنه يصدق. انتهى. وظاهره بغير يمين، ولا شيء عليه لأنه ادعى أن ذلك جاء من سببه، وأما إن جنى عليه خطأ ولم يدع أنه كان سببه؛ كأن يقر أنه فقأ عينه خطأ فإنه يغرم له هو وعاقلته [ديتها] (١) وهو جلي. انتهى.
ولما قدم أن شرط القصاص أن لا يزيد القاتل على المقتول بالحرية أو الإسلام، أفاد أن العكس لا يمنع من ذلك وأن الأدنى يقتل بالأعلى، فقال: وقتل الأدنى بالأعلى يعني أن الأدنى إذا قتل من هو أعلى منه فإنه - أي الأدنى - يقتل بسبب قتله للأعلى، ومثل للأدنى وللأعلى بقوله كحر كتابي مثال للأدنى، بعبد مسلم يعني أن الحر الكتابي إذا قتل عبدا مسلما، فإنه يقتص من الحر الكتابي فيقتل به لأن الإسلام هو الذي يعلو ولا يعلى عليه، ومن المعلوم أنه لا يتوازى حرية الكافر وإسلام العبد فالإسلام صاحبه هو الأعلى والكفر صاحبه هو الأدنى، قال الشبراخيتي: وقتل الأدنى بالأعلى منه كحر كتابي يقتل بعبد مسلم لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، بخلاف العكس فلا يقتل رقيق مسلم بحر كافر، وإنما قال: قتل ولم يقل اقتص لأنه لا يقتص كان الأدنى للأعلى في الأطراف كما يأتي. انتهى.
وقال عبد الباقي: كحر كتابي يقتل بعبد مسلم لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، إذ حرية الإسلام لا توازيها حرية الكافر، بخلاف العكس فلا يقتل عبد مسلم بحر كتابي، كما مر في قوله: "ولا زائد حرية أو إسلام" ولا يرد على المصنف ما يأتي من أن المرتد إذا جنى على عبد
стр. 8475
مسلم فإنه تؤخذ منه قيمته مع أن المرتد أدنى منه؛ لأنه إن قتل زمن الاستتابة فيحتمل أن يعود للإسلام، وإن قتل بعدها فإن استمر على ردته قتل لردته وإن أسلم فيقدر أنه جنى وهو حر مسلم على عبد مسلم، لما يأتي من قوله: "وقدر كالمسلم فيهما"، وقوله: "كحر كتابي بعبد مسلم" هو المشهور، ومنهم من لاحظ الحرية فقال: لا يقتل الحر الذمي بالعبد المسلم ويضمن قيمته لأنه كسلعة، قال ابن مرزوق: وهذا ضعيف لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وعلى المشهور أن الحر الذمي يقتل بالعبد المسلم، فاختلف هل للسيد الخيار أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا خيار له وليس له أن يعفو للدية وهو بمنزلة من يقتل الحر فليس له إلا القتل أو العفو على غير شيء، وقال أصبغ ومحمد: له أن يأخذ الدية لأنه مال أتلفه.
الحطاب: وفهم من كلام المؤلف حيث جعل الحر الكتابي أدنى من العبد المسلم أن العبد المسلم لا يقتل إذا قتل الحر الكتابي وهو كذلك، قال في التوضيح: وحكى صاحب البيان الاتفاق على ذلك، قال ابن الحاجب: وسيد العبد مخير في فكاكه بالدية وإسلامه فيباع لأوليائه، قال في التوضيح: يعني بدية الحر الذمي ويباع لأولياء الذمي لعدم جواز ملك الكافر للمسلم، وظاهر كالأمه أنه إذا بيع يدفع جميع الثمن لأولياء الذمي، وإن كان أكثر من ديته وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقاله مالك، وقال مطرف وابن الماجشون: إن فضل فضل فلسيده. أصبغ: والأول أصوب. انتهى من التوضيح. اهـ.
والكفار بعضهم ببعض يعني أن الكفار يقتص لبعضهم من بعض، فالمجوسي واليهودي والنصراني كلهم يقاد لبعضهم من بعض، ولهذا قال: كتابي ومجوسي ومُؤَمَّنٍ فالكتابي يقتل بالكتابي وبالمجوسي، والمجوسي يقتل بالكتابي والمجوسي، وسواء ذكرانهم وإناثهم، فتقتل الأنثى بالأنثى وبالذكر، كما يقتل الذكر بالذكر والأنثى، ويقتل المؤمَّن بالمؤمَّن أي الكافر الذي دخل بلد الإسلام بأمان، كما يقتل بالذمي من مجوسي وكتابي، ويقتل الذمي مجوسيا أو كتابيا بالمؤمَّن. قال عبد الباقي: ويقتل الكفار بعضهم ببعض لأن الكفر كله ملة واحدة، ويقيد كلام المصنف بتكافؤ الحرية والرقية، فلا يقتل حر كافر بعبد كافر، لقوله: "ولا زائد حرية". انتهى. وقال الشبراخيتي: وقتل الكفار غير الحربيين لأنهم ذكروا أنه لا يقتص من الحربيين، وظاهره لمسلم