من الخضخاض أو الماء قبل انقضاء الوقت، فإن تيقن خروجه منه قبله أخره لآخره، فإن شك صلى إيماء وسط الوقت، وأما خوف تلوث الثياب فقط فلا يبيح الصلاة على الدابة، بل ينزل ويومئ على المشهور. وهو قول مالك. وقيل: يسجد وإن تلطخت ثيابه. وهو قول ابن عبد الحكم. ورواه أشهب. وعلى الأول يكون سجوده أخفض من ركوعه، وإذا امتلأ الجامع يوم الجمعة وكان بإزائه ورحابه خضخاض، فهل يصلي في ذلك من جاء قائما إيماء؟ وهو ما ذكره ابن عمر عن ابن الطلاع. قال: وقيل يذهبون إلى مسجد آخر ويصلون فيه الجمعة بناء على جواز تعددها، أو يصلي فيه ويسجد فيه ويجلس فيه؛ لأن الجمعة فرض ولو خشي الضرر، ولو صلى الظهر فهو في سعة؛ وهو ما ذكره الأقفهسي عن ابن الطلاع. فقد اختلف نقلهما عنه.
أو لمرض يعني أنه تجوز صلاة الراكب أيضا لأجل مرض، وإن كان يطيق النزول معه للأرض كما يفيده تأخيره عن قوله: "لا يطيق النزول به" ويؤديها عليها كالأرض يعني أن المريض إذا صلى راكبا فإنه يؤديها، أي صلاة الفرض عليها؛ أي على الدابة إيماء، ولو مع المقدرة على ركوعه وسجوده عليها، كما يؤديها على الأرض إيماء فقط؛ أي إنما يباح الفرض على الدابة إذا كان يصليه على الأرض إيماء، وحينئذ فيصليه على الدابة إيماء ولو مع المقدرة على ركوعه وسجوده على الدابة. والصور أربع: أحدها يصليها بركوع وسجود عليهما قائما أو جالسا ثانيها يصليها بركوع وسجود على الأرض فقط قائما أو جالسا فينزل للأرض فيهما، ثالثها يقدر على الإيماء فقط عليهما، وهي التي فيها كلام المصنف، فيصلي على الدابة إلى القبلة كما أشار له بقوله: فلها أي فيصلي لجهة القبلة بعد أن توقف له، ولا يصليها عليها سائرة، ويومئ بالسجود للأرض، فإن أومأ إلى كور الراحلة أو إلى جسد الدابة كظهرها أو رقبتها أو جنبها، بطلت، رابع الصور: يقدر على الإيماء بالأرض فقط، وعلى الركوع والسجود على الدابة من قيام أو جلوس فيصلي على الدابة لكن يومئ. ومن لا يطيق النزول يصلي على الدابة من غير اعتبار حالة. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 877
وفيها كراهة الأخير يعني أنه وقع في المدونة أنه تكره صلاة المريض راكبا، وهو المراد بالأخير أي الأخير من الفروع الأربعة، ولو قال: وفيها في الأخير لا يعجبني، وهل على الكراهة؟ وهو المختار، والمقول أو على المنع وهو الأظهر، أو حيث توجهت به لا واقفة؛ وهو الأرجح تأويلات، لطابق ما ذكروه لأنه ليس في المدونة لفظ الكراهة.
ولما أنهى الكلام على شروط الصلاة الخارجة عن ماهيتها، شرع في الكلام على أركانها الداخلة في ماهيتها متبعا ذلك بذكر سننها ومندوباتها وما يتعلق بذلك، فقال:
стр. 878
فصل فرائض الصلاة تكبيرة الإحرام يعني أن فرائض الصلاة، أي ما ذكره منها خمسة عشر على خلاف في بعضها أولها: تكبيرة الإحرام لكل مصل لخبر الترمذي: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١))، وسميت بذلك لأنها يحرم بها على المصلي ما كان مباحا له قبلها من مفسدات الصلاة كالأكل والشرب والكلام، ولا يحملها الإمام كالفاتحة لورود السنة بحملها، فبقي ما عداها على الأصل، والإضافة في قوله: "فرائض الصلاة"، من إضافة البعض للكل؛ لأن الفرائض بعض الصلاة. والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، أي مفروضات الصلاة، وهذا الجمع على غير قياس لكون فعيلة هنا بمعنى: مفعولة، فقول الألفية:
وبفعائل اجمعن فعاله … وشبهه ذا تاء أو مزاله
لا يشمل فعيلة بمعنى مفعولة كما هو مقرر في محله، وقوله: "الصلاة" يشمل الفرائض والنفل لكن يصرف الكلام لما يصلح له؛ لأن القيام للفاتحة ولتكبيرة الإحرام غير فرض في النافلة. والله سبحانه أعلم. والإضافة في قوله: "تكبيرة الإحرام"، من إضافة السبب إلى المسبب، أي التكبيرة التي يتسبب عنها الإحرام، والإحرام عبارة عن الدخول في الحرمات؛ أي ما لا يحل انتهاكه. واعلم أنه يشترط لتكبيرة الإحرام النية، أي نية الصلاة المعينة، والاستقبال. واعلم أن أقوال الصلاة ليست فرضا إلا ثلاثة تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام. وأن أفعالها كلها فروض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وجلوس التشهد، والتيامن بالسلام، وقيام لها هذه هي الفريضة الثانية من فرائض الصلاة؛ يعني أن القيام لتكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة المفروضة لمن هو قادر على القيام، فلا يكبر جالسا ولا منحنيا، فإن فعل لم يجز. إلا لمسبوق يعني أنه لا إشكال في فرضية القيام لتكبيرة الإحرام على الإمام والفذ، والمأموم غير المسبوق، وأما المسبوق ففي وجوب القيام عليه لتكبيرة الإحرام، وعدم وجوبه تأويلان سببهما قول المدونة: قال مالك:
стр. 879
إن كبر المأموم للركوع ونوى به تكبيرة الإحرام، أجزأه، فقال ابن يونس، وعبد الحق، وصاحب المقدمات: إنما يصح هذا إذا كبر للركوع من قيام، وقال الباجي، وابن بشير: يصح إن كبر وهو راكع؛ لأن التكبير للركوع إنما يكون في حال الانحطاط، فعلى التأويل الأول يجب القيام على المسبوق، وعلى الثاني يسقط عنه، ويترتب على الوجوب وعدمه إجزاء تلك الركعة، وعدمه حيث فعل بعض التكبيرة في حال قيامه أتمها في حال الانحطاط أو بعده من غير فصل بين أجزائها وإلا بطلت صلاته كلها فيما يظهر، وهذه ثلاث صور: فإن ابتدأها حال انحطاطه وأتمها فيه: أو بعده من غير فصل بين أجزائها بطلت الركعة اتفاقا في هاتين الصورتين، فإن حصل فصل بين أجزائها فينبغي بطلان الصلاة كلها. وهذد ثلاث أيضا. فالصور ست تبطل الصلاة منها في صورتين، والركعة فقط في صورتين، ويجري التأويلان في الركعة فقط في صورتين، ولعل وجه صحة الصلاة حيث بطلت الركعة اتفاقا، أو على أحد التأويلين أنه لما حصل القيام في الركعة التالية للأولى فكأن الإحرام حصل حال قيامها، فتكون أول صلاته. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا الجواب مأخوذ من كلام المازري، لكن قال المسناوي لا يخفى ما فيه. وقد يقال: إنما حكموا بصحة الصلاة مراعاة لقول من يقول بأن القيام لها غير فرض بالنسبة للمسبوق. والله أعلم. وقال أيضا: وقد يقال إنما جاء عدم الاعتداد بالركعة من وجه آخر: وهو الخلل في ركوعها حيث أدمج الفرض الثاني في الأول قبل أن يفرغ منه لأنه شرع في الثاني قبل تمام التكبير، أو شرع فيه مقارنا للتكبير. وعلى هذا فالقيام للتكبير إنما وجب لأجل أن يصح له الركوع فتدرك الركعة. انتهى. فإن قيل: ما الفرق بين صحة الإحرام منحنيا على القول به: وعدم صحة السلام قائما؟ أجيب بأن الركوع يصدق عليه القيام لصحة وصفه بأنه قائم غير مستقيم، والسلام لا يصدق عليه أنه أوقعه جالسا. قاله غير واحد. وهذا الذي قررت به كلام المصنف هو للأجهوري ومن تبعه. وأما الحطاب فجعل التأويلين في صحة الصلاة وبطلانها وهو الذي يتبادر من المصنف وكثير من الأئمة كأبي الحسن وغيره، لكن ما تقدم عن الأجهوري أقوى مستندا والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. والحاصل أن الأجهوري ومن تبعه جعل التأويلين في الاعتداد بالركعة وعدمه مع الجزم بصحة الصلاة، والحطاب جعلهما في صحة
стр. 880
الصلاة وبطلانها، وأن ما للأجهوري أصح. والله سبحانه أعلم. والتأويلان جاريان فيمن نوى بتكبيره العقد، أو نوى به العقد والركوع، أو لم ينوهما. فإن نوى بالتكبير مجرد الركوع بطلت، وإن تمادى لحق الإمام. قاله الأمير.
ولما كان معنى التكبير التعظيم فيوهم إجزاء كل ما دل على ذلك، بَيَّن انحصار المجزئ في هذه الكلمة الشريفة، فقال: وإنما يجزئ الله أكبر يعني أنه لا يجزئ في الإحرام من الألفاظ الدالة على التعظيم إلا هذا اللفظ، وهو: الله أكبر بعربيَّةٍ لقادر عليها مستقبلا قائما -على ما مر- وبتَقديم الجلالة ومدها مدا طبيعيا، وعدم مد بين الهمزة وبين لام الله لإيهام الاستفهام، وعدم مد باء أكبر وعدم تشديد رائها، وعدم واو قبل الجلالة، وعدم وقفة طويلة بين كلمتيه فلا تضر وقفة يسيرة، وبدُخُولِ وقت فرضا أو نفلا، وبتَأخِيرِهَا عن تكبيرة إمام في حق مأموميه. فهذه اثنا عشر شرطا إن اختل واحد منها لم تنعقد صلاته.
ولا يضر قلب همزة أكبر واوا ولا يضر عدم جزم الراء من أكبر، والظاهر أنه يضر زيادة واو قبل همزة أكبر كما للشافعية، خلافا لما في شرح الشيخ عبد الباقي. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن. فإن أشبع ضمة الهاء فالظاهر أنه لا يضره كما للأجهوري، ولو أشبعها وأتى بواو ثم همزة أكبر قال الشيخ عبد الباقي: الظاهر أنه يضر، وقال ابن المنير: ويحذر أن يشبع ضمة الهاء حتى تتولد الواو، وأن يقف على الراء بالتشديد، هذا كله لحن ويخاف منه بطلان الصلاة، وقوله: "وإنما يجزئ الله أكبر" رد به على أبي حنيفة القائل: يجوز دخولها بنحو الله الأجل والأعظم، وعلى الشافعي: يجوز دخولها بالأكبر فإنه لا يجزئ عندنا، وكذا لا يجزئ زيادة بين الاسمين كالله -الذي لا إله إلا هو الملك القدوس- أكبر، خلافا للشافعية، ولا يشترط أن يسمع نفسه جميع حروفها إذا كان صحيح السمع، ولا مانع من لغط ونحوه خلافا لهم أيضا، ودليل وجوب التكبير خبر: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى
стр. 881
تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١))؛ لأن لفظ التكبير إذا أطلق لا يقع إلا على الله أكبر، وخبر: (صلوا كما رأيتموني أصلي (٢))، ولم يرد أنه دخل الصلاة بغيرها. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره، وقال الشيخ الأمير: وأجزأ إبدال الهمزة واوا كإشباع الباء على الظاهر وتضعيف (رَ). وأما نية أكبار جمع كبر للطبل الكبير فكفر، وأما زيادة واو عطف ففي بناني عدم اغتفارها خلافا لعبد الباقي، وأجزأ وصله بالقراءة كبالنية قبله مع درج الهمزة على الظاهر أيضا. انتهى.
فإن عجز سقط يعني أن المصلي إذا عجز عن النطق بتكبيرة الإحرام جملة لخرس أو عجمة، فإنه يسقط عنه الطلب بالتكبير، ويدخل الصلاة بالنية لا بمرادف التكبير عربية أو من لغته، فإن أتى بمرادفه من لغته بطلت صلاته، ولا يسقط عنه التكبير إن كان لا يقدر على النطق بالراء لعارض؛ لأن ذلك يعد تكبيرا عند العرب ولو كان أقطع اللسان لا ينطق إلا بالباء سقط، وكذا غيرها من الحروف، فإن قدر على النطق بأكثر من حرف لزمه إن عد تكبيرا عند العرب: أو دل على معنى لا يبطل الصلاة كذات الله أو صفته، نحو: بر. لخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٣))، وإن دل على معنى يبطلها لم ينطق به، والظاهر أن اللحن فيه يجري على اللحن في السلام وسيأتي. وكما لا يجزئه التكبير إذا ترك المد الطبيعي لا يكون الذاكر ذاكرا إذا تركه، ولو شك في تكبيرة الإحرام قبل أن يركع كبر بغير سلام واستأنف القراءة، وإن ركع قطع وابتدأ، وإن تذكر بعد شكه أنه أحرم جرى على من شك في صلاته ثم بان الطهر ولو كان إماما، فقال سحنون: يمضي في صلاته فإذا سلم سألهم، فإن قالوا: أحرمت: رجع لقولهم. وإن شكوا أعاد جميعهم. انظر التبصرة. قاله الشيخ إبراهيم.
ونية الصلاة المعينة يعني أن من فرائض الصلاة نية أي قصد الصلاة المعينة بهذا الفعل، أي يجب عليه تعيينها عن غيرها بكونها: ظهرا، أو عصرا، أو مغربا، أو عشاء، أو صبحا، أو فجرا، أو كسوفا، أو خسوفا، أو استسقاء، أو وترا، أو عيدا، وقوله: "ونية الصلاة المعينة"، أي
стр. 882
ولا يضر ذهوله عن كونها فرضا، وقوله: "ونية الصلاة المعينة"؛ تعيينها يتضمن الوجوب والأداء والقربة، فهو يغني عن الثلاثة لكن استحضار الأمور الأربعة هو الأكمل. وقال القرافي: النية التي يتوقف عليها صحة الفعل لا تتضمن الثواب، بل قد يكون الشيء مستجمعا لجميع ما يعتبر في صحته شرعا من نية وغيرها، ولا ثواب فيه. انتهى. ونية الفعل بقصد الامتثال تتضمن الثواب، ولو صلى مكرها، أو اغتسل مكرها، أو توضأ مكرها اجتزئ منه بذلك في ظاهر الحكم، وعمله عند الله مردود عليه. وقال ابن شعبان: لو أكره الجنب على الغسل لم يجزه، وقال ابن أبي زيد في نوادره: ومن قول أصحابنا من توضأ مكرها لم يجزه، وقال ابن التلمساني: من صلى في حال تهديده ينبغي أن يعيد الصلاة التي صلاها مكرها، ويستثنى من قوله: "المعينة"، من ظن الظهر جمعة فنواها فتجزئ عنه على المشهور بخلاف العكس، وفي الحطاب عن سند أن النوافل المقيدة؛ وهي السنن الخمس كالفرائض: لا بد فيها من نية التعيين، والمطلقة وهي ما عداها، تكفي فيها نية الصلاة، والسنن الخمس هي: العيدان، والكسوف، والاستسقاء، والوتر، وركعتا الفجر. قال: فهذه مقيدة إما بأسبابها، وإما بأزمانها. والمطلقة ما عدا هذه، فإن كان في ليل؛ فهو قيام الليل، أو كان منه أول النهار؛ فهو الضحى، أو عند دخول مسجد؛ فهو تحية، وكذلك سائر العبادات من صوم أو حج أو عمرة لا يفتقر إلى التعيين في مطلقة، بل يكفي فيه أصل العبادة. انتهى كلام الحطاب. وفي كتاب الشيخ الأمير: ولا يشترط نية اليوم وما يأتي في الفوائت وإن علمها دون يومها صلاها ناويا له لكون سلطان وقتها خرج فاحتيج في تعيينها لملاحظته، وأما الوقت الحال فلا يقبل الاشتراك فليتأمل. وأجزأت نية الجمعة عن الظهر لا عكسه، ووجهوه بأن شروط الجمعة أكثر من شروط الظهر، ونية الأخص تستلزم نية الأعم ولا يخلو عن تسامح، فإن الجمعة ركعتان والظهر أربع، انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال صاحب المقدمات: النية الكاملة هي المتعلقة بأربعة أشياء: تعيين الصلاة، والتقرب بها، ووجوبها، وأدائها. واستشعار الإيمان يعتبر في ذلك كله فهذه هي النية الكاملة، فإن سها عن الإيمان ووجوب الصلاة أو كونها أداء أو التقرب بها لم تفسد إذا عينها لاشتمال التعيين على ذلك، وقال الشيخ الأمير: ونوى
стр. 883
الصبي عين الصلاة كالظهر، ولا يتعرض لنفل ولا فرض، فإن نوى النفل صحت كالفرض على الظاهر قياسا على من اعتقدها كلها فرائض. وقَوْلُ الباقلاني: يلزم عند الإحرام ذكر حدوث العالم، وأدلة إثبات الأعراض، وامتناع خلو الجواهر عنها، وإبطال حوادث لا أول لها، وأدلة العلم بالصانع، وما يجب له تعالى، وما يستحيل عليه، وما يجوز له، وأدلة المعجزة، وصحة الرسالة هَفْوَةٌ. قاله ابن عرفة عن الطراز. المازري: أردت اتباعه فرأيت في نومي كأني أخوض بحرا من ظلام، فقلت: هذه والله قولة الباقلاني. انتهى. قاله ابن عرفة. أيضا ومن أدرك جلوس الجمعة أتمها ظهرا، كذا في المدونة. ابن رشد: اتفاقا؛ لأنه بنية الظهر يحرم، ولو وجده في تشهد الجمعة، وأحرم بنية الظهر، فذكر الإمام سجدة من الركعة الأولى، فيقوم ليأتي بركعة؟ فقيل: يصليها معه، ويأتي بركعة، وتكون له جمعة تامة، وقيل: يعيدها ظهرا أربعا من أجل أنه أحرم بنية أربع، وحَوَّلها إلى نية الجمعة. وعكسه أن يجد الإمام قد رفع رأسه من ركوع الثانية، فيكبر ويدخل معه وهو يظنه في الركعة الأولى، فقيل: إنه يبني على إحرامه أربعا: وقيل يستأنف الإحرام؛ لأنه أحرم بنية الجمعة؛ وهي ركعتان، قاله الإمام الحطاب.
ولفظه واسع الضمير في لفظه للناوي أو المصلي؛ يعني أن عدم التلفظ بالنية أولى، فإن لفظ بها لم يضره ذلك وهذا في غير الموسوس، وأما هو فيندب له التلفظ ليذهب عنه اللبس. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب: والجهر به بدعة. قاله في الدخل.
فإن تخالقا فالعقد ضمير التثنية عائد على النية واللفظ؛ يعني أنه إذا اختلف النية واللفظ فإن المعتبر في ذلك العقد وهو النية دون اللفظ، كمن نوى الظهر وتلفظ بالمغرب مثلا وهو يصلي الظهر فإن صلاته صحيحة، وهذا إذا كان ساهيا، فإن كان عامدا بطلت صلاته، قاله في الإرشاد؛ أي لتلاعبه. قال الشيخ الأمير: لأنه لما التصق بالصلاة صار كالتلاعب فيها، وإذا قلنا بالصحة فيما إذا اختلفت النية واللفظ؛ أي في حالة السهو، ففي الإرشاد: والأحوط الإعادة؛ أي يعيد الصلاة في الوقت إذا فعل ذلك سهوا تذكر بعد الفراغ أو قبله، ويجب تماديه عليها؛ لأنها صحيحة هذا هو الصواب لا ما للأجهوري ومن تبعه فإنه غير صواب. كما هو ظاهر انظر حاشية الشيخ بناني.
стр. 884
والرفض مبطل يعني أن الرفض للصلاة وهو رفع النية الحاصلة فيها مبطل لها أي للصلاة حيث حصل الرفض في أثنائها على المشهور، وقال الشيخ عبد الباقي: إن الرفض في الأثناء مبطل للصلاة اتفاقا، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن فقال: في الاتفاق نظر، والذي في التوضيح: مبطل على المشهور، وقد مر الكلام على الرفض في باب الوضوء بأتم من هذا، فراجعه إن شئت. وأما الرفض للصلاة بعد فراغه منها ولو بعد مدة، فإنه يبطلها على أحد قولين مرجحين. قال الشيخ عبد الباقي: ومثلها الصوم في القسمين بخلاف الوضوء والحج فلا يبطلان بالرفض مطلقا. انتهى. وقد تقدم ذلك في الوضوء بأتم من هذا فراجعه إن شئت، ثم شبه في البطلان قوله: كسلام يعني أن من ظن إتمام صلاته ولا إتمام في نفس الأمر، فسلم سلاما تيقنه، فشرع أي أحرم في نافلة مثلا؛ إذ مثلها ما لو شرع في فرض -كما قاله غير واحد- فإنه تبطل صلاته التي سلم منها حيث طالت قراءته فيما شرع فيه والطول يحصل بما زاد على الفاتحة، وأما الفاتحة فليست بطول كما يفهم من أبي الحسن، ويدل له قوله: أو ركع فيها بالانحناء، إذ لو كانت طولا لم يكن لقوله: "أو ركع" فائدة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: وقد يركع ولم تطل القراءة كما لو كان عاجزا عنها، ويندب الفصل بين تكبيره وركوعه، وسيأتي ما يفعل بالمذكور فيها.
أو ظنه يعني أن من ظن السلام من صلاته لظنه إتمامها، والحال أنه لا سلام ولا إتمام في نفس الأمر، فأحرم بنافلة أو فرض كما في التي قبلها، تبطل صلاته التي ظن أنه سلم منها حيث طالت قراءته في التي أحرم بها قبل إتمام الأولى. والطول يحصل بما زاد على الفاتحة. وأما الفاتحة فليست بطول كما يفهم من أبي الحسن، ويدل له قوله: "أو ركع بالانحناء"، إذ لو كانت طولا لم يكن لقوله: أو ركع فائدة قاله الشيخ عبد الباقي وقال الشيخ الخرشي: وقد يركع ولم تطل القراءة كما لو كان عاجزا عنها، ويندب الفصل بين تكبيره وركوعه، وسيأتي ما يفعل بالمذكور فيها. وبما قررت علم أن قوله: فأتم بنفل راجع للمسألتين، أي مسألة تيقن السلام، ومسألة ظنه. ومعنى "أتم بنفل": أحرم به كما أشرت إليه في الحل، ولو عبر "بشرع" لكان
стр. 885
أحسن لكنه أطلق على الشروع إتماما لأنه إتمام في الصورتين. قاله الشيخ عبد الباقي. إن طالت القراءة، قيد في البطلان المفهوم من التشبيه؛ أي إنما تبطل صلاته في الصورتين بدخوله في الثانية حيث حصك أحد أمرين، أحدهما: طول القراءةَ وقد مر بيانه، ثانيهما: أشار إليه بقوله: أو ركع وعلم مما قررت أنه إن طالت القراءة بطلت الأولى في المسألتين ركع أم لا، وأنه إن ركع بطلت الأولى في المسألتين أيضا طالت القراءة أم لا. وإلا أي وإن لم يحصل طول ولا ركوع في المسألتين فلا تبطل الأولى فيهما، ولا يعتد بما فعل، بل يرجع للحالة التي فارق الفرض فيها، فيجلس ثم يقوم ويسجد بعد السلام: ثم شبه في النفي وهو عدم البطلان فروعا خمسة، فقال: كإن لم يظنه هذا مفهوم قوله: "أو ظنه"، يعني أنه إذا لم يظن السلام بأن ظن أنه في نافلة فإنه لا تبطل صلاته حيث طالت القراءة والحال أنه معتقد أنه في نافلة: أو ركع بنية النفل؛ لأنه لم يخرج من صلاته لكونه لم يسلم ولم يظن السلام، ويجزئه ما صلى بنية النفل عن فرضه. ومثل ذلك ما لو نوى الظهر ثم نسي وظن أنه في العصر. قال ابن فرحون: وأما العامد فإن قصد بنيته رفض الفريضة بطلت، وإن لم يقصد رفضها لم تكن منافية. قال الشيخ محمد بن الحسن: فصّل في العامد، وهو خلاف ما في المواق عند قوله: "أو رفع نية نهارا"، عن عبد الحق: اختلفت أصحابنا فيمن حالت نيته إلى نافلة سهوا، فأما العابث العامد فلا خلاف أنه أفسد على نفسه، فأطلق في العامد البطلان وهو ظاهر. انتهى. وقوله: كسلام، هو ساه عن عدم إكمال صلاته غير ساه باعتبار نحو صدور السلام منه، وإذا بطل الفرض لطول القراءة أو الركوع أتم النفل -كما يأتي-، وينبغي أن يقيد إتمامه بما إذا كان يُتنفلُ قبل الفريضة التي بطلت، فإن لم يكن يتنفل قبلها كمغرب لم يتمه كما إذا كان يصلي العصر. وحاصل هذا أنه يجب إتمام النفل مطلقا، عقد ركعة أم لا إن اتسع الوقت، وكذا إن ضاق وقت الفرض الذي بطل، وعقد من النفل ركعة لأن النفل لا يقضى، فإن ضاق ولم يعقد ركعة قطع، وقطع الفرض مطلقا إن ضاق الوقت كإن اتسع ولم يعقد ركعة، فإن عقدها أي أتمها بسجدتيها شفع ندبا -كما يأتي إن شاء الله- فندب الإشفاع خاص بالفرض، وأما النفل فيلزم شفعه. وقد علمت أن هذا التفصيل فيما إذا سلم أو ظن السلام. والله سبحانه أعلم. وقوله: "كسلام" هو بحسب ظاهره شامل لما إذا نوى به الخروج من
стр. 886
الصلاة، ولما إذا لم ينو به الخروج من الصلاة سواء بنينا على اشتراط نية الخروج به، أو بنينا على عدم اشتراطه، ولو اقتصر المصنف على "وإلا فلا"، ولم يقل: "كإن لم يظنه" لكفاه، ويكون معنى قوله: "وإلا وإن لم يظنه ولم تطل القراءة. كما نص عليه غير واحد والله سبحانه أعلم.
أو عزبت عطف على قوله: "كإن لم يظنه"؛ يعني أن المصلي لا تبطل صلاته إذا عزبت نيته، أي غابت بعد الإتيان بها في محلها، وإن كان عزوبها لأمر دنيوي تقدم الصلاة، خلافا لابن العربي القائل: تبطل بدنيوي تقدمها، وعزب كنصر وضرب.
أو لم ينو الركعات عطف على لم يظنه كالتي قبلها، يعني أنه لا يلزم المصلي أن يستحضر عدد ركعات الصلاة حال الإحرام؛ لأن كل صلاة تستلزم عدد ركعاتها، فلو لم ينو عدد الركعات صحت صلاته. وفي القلشاني على قول ابن الحاجب: وفي نية عدد الركعات قولان، ظاهره أنه اختلف هل يلزمه أن يتعرض لنية عددها وأن فيه قولين، وظاهر كلام خير واحد أن الخلاف في نية عدد الركعات إنما هو على وجه، وهو أنه إذا نوى عددا فهل يلزمه، ويجب عليه حكم، أو لا يلزمه، وحكم التخيير باق على حقه، وذلك كمسافر ينوي عددا، فهل يلزمه ولا يجوز له الانتقال عنه، أو لا يلزمه ويجوز له إتمامها على غير ما نواه؟ وفي ابن عرفة: وفي لزوم ما نوى من عدد خلاف، وقال القباب: ما رأيت أحدا من العلماء قال بلزوم استحضار عدد الركعات، وإنما الخلاف موجود فيمن دخل بنية صلاة السفر فأراد إتمامها، والعكس هل يلزمه ذلك أم لا؟ قولان، نقله الشيخ محمد بن الحسن، ونقل غيره مما يدل على صحته، ولا ينوي الأيام اتفاقا قاله الإمام الحطاب. وفيه عن الشيخ زروق: المشهور عدم وجوب نية القضاء والأداء، وكذا ذكر اليوم الذي هو فيه. انتهى.
أو الأداء عطف على الركعات؛ يعني أن المصلي إذا أحرم في الصلاة في وقتها ولم ينو الأداء، فإنه تصح صلاته. أو ضده يعني أن من عليه صلاة خرج وقتها، وأراد أن يقضيها لا يلزمه أن ينوي عند الإحرام قضاءها. والأداء فعل الصلاة في الوقت، والقضاء فعل الصلاة بعد أن خرج وقتها. ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن التوضيح في باب الصيام عن سند وابن عطاء الله أنهما قالا: لا
стр. 887
نعرف خلافا في إجزاء نية الأداء عن نية القضاء في الصلاة. ونقل أن الباجي خرج قولا بعدم الإجزاء في مسألة صوم الأسير حيث كان يصوم شعبان عدة أعوام مثلا فلا يجزئ عن رمضان قبله، وفيه بحث؛ لأن رمضان عام لا يكون قضاء عن رمضان قبله. انتهى. واعلم أنه إذا شك في بقاء الوقت لأجل غيم فإنه ينوي الأداء، وفي كتاب الشيخ الأمير: وناب أحدهما أي الأداء والقضاء عن الآخر إن اتحد ولم يتعمد، واحترز بقوله: اتحد، عمن صلى الظهر قبل الزوال أياما، فإنه يعيد الصلاة لجميع الأيام ولا يحتسب بصلاة يوم عن يوم.
ونية اقتداء المأموم يعني أن من فرائض الصلاة أن ينوي المأموم أنه مقتد بإمامه، وسيذكر المصنف أن نية الاقتداء شرط في صحة صلاة المأموم. قال الشيخ محمد بن الحسن: التحرير أن الشرط هو كون نية الاقتداء أوَّلًا لا وجودها؛ لأن فقدها لا يبطل الصلاة، وفي الشبراخيتي: ولا تضر محاذاة شخص آخر في أفعاله من غير أن ينوي الاقتداء به. انتهى.
وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام يعني أن من أراد أن يقتدي بشخص ولم يدر هل هو مقيم، أو مسافر، أو في الجمعة: أو غيرها كظهر الخميس مثلا؛ فإنه يجوز لهذا المقتدي الذي لم يدر حالة إمامه أن يحرم بما أحرم به إمامه قالوا ويجزئ ما صادف من ذلك كمن أعتق رقبة عن واجب عليه لا يدري أهو ظهار، أو قتل. قاله في النوادر عن أشهب وسحنون. زاد ابن يونس عن سحنون: ويجزئ كلا من المسافر والمقيم ما تبين من سفرية وحضرية، وإن خالف حاله حال الإمام، لكن يتم المقيم بعد الإمام المسافر، ويتم المسافر مع الإمام المقيم. انتهى. بخلاف ما لو دخل على أنها أحدهما بعينه. وانظر إذا أدرك مع الإمام ركعة، ولا يدري أهي آخرة الجمعة أو آخرة الظهر؟ وتعذر عليه علم ذلك بإشارة أو بكلام. والظاهر أنه يبني على أنه ظهر احتياطا، ويجزئه ولو تبين خلاف ذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي. عند قوله: "وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام": في جميع الصور أحدها أن يدخل مسافر أو حاضر مع إمام لا يعلمان أهو مسافر أم حاضر؟ فإن تبين أنه مسافر سلم معه المسافر، وقام الحاضر لإتمامها، وإن تبين أنه حاضر تبعه المسافر كالحاضر، الثانية أن يدخل مأموم مع إمام لا يدري أهو في ظهر يوم الخميس أو في الجمعة؟ فيحرم بما أحرم به فيتبعه أيضا، الثالثة أن يشك هل هو في الظهر أو في
стр. 888
العصر فإن تبين أن الذي كان يصليه هو الذي على المأموم من ظهر أو عصر فواضح، وإن تبين مخالفته له فصلاة المأموم نافلة له، إن كان قد صلى الظهر مفردا وفي جماعة حيث كان الإمام في الظهر، ولا يتوهم سقوط العصر عنه، أي لأن العصر لم تكن منوية لواحد منهما. كما قال الشيخ محمد بن الحسن. وما هنا كلام على جواز الإقدام على الدخول، وأما الإجزاء وعدمه فقدر آخر، فإن كان الإمام يصلي العصر والمأموم لم يصل الظهر، فأحرم بما أحرم به الإمام فإذا هو في العصر، فصلاة المأموم صحيحة، ولو تبين له ذلك في أثنائها، ويتمادى عليها ويعيد في الوقت فقط بعد صلاة الظهر التي عليه. كما يؤخذ من كلام الحطاب وتستثنى هذه من كون ترتيب الحاضرتين شرطا. انتهى. المراد من كلام الشيخ عبد الباقي.
وقال الشيخ محمد بن الحسن بناني: يتعين حمل كلام المصنف على مسألة الظهر والجمعة، ومسألة السفر. والإقامة. فقط، إذ هاتان المسألتان هما اللتان يدل عليهما كلام النوادر واللخمي، وابن رشد، وسند. ثم قال بعد كلام: فإذا علمت هذا تبين أن قوله: "ونية الصلاة المعينة" على عمومه لا يستثنى منه شيء. والله أعلم. انتهى. وفي ابن عرفة: ولو نوى منويَّ إمامه جاهلا قصره وإتمامه، أجزأه. ابن رشد: اتفاقا. وفي الحطاب: قال في النوادر: قال سحنون: وإن دخل مسافر أو مقيم مع إمام لا يدري أمقيم هوأم مسافر؟ ونوى صلاته أجزأه ما صلى معه، فإن خالفه، فإن كان الداخل مقيما أتم بعده، وإن كان مسافرا أتم معه ويجزئه. قال أشهب: وكذلك من دخل الجامع والإمام في صلاته لا يدري أهي جمعة أو ظهر يوم الخميس، ونوى صلاة إمامه فهذا يجزئه ما صادف، وإن دخل على أنها إحداهما فصادف الأخرى فلا تجزئه عند أشهب في الوجهين، وتجزئه في الذي نوى صلاة إمامه لأن نيته غير مخالفة له، وقصد ما عليه كمن أعتق نسمة عن واجب عليه لا يدري في ظهار أو قتل نفس أنه يجزئه انتهى وقال ابن الحاجب: وفيمن ظن الظهر جمعة وعكسها مشهورها تجزئ في الأولى. التوضيح: أي وفي المسألتين ثلاثة أقوال، ووجه المشهور أن شروط الجمعة أخص، ونية الأخص تستلزم نية الأعم بخلاف العكس. انتهى. وقوله: "أي وفي المسألتين ثلاثة أقوال"؛ يعني الإجزاء مطلقا، وعدمه مطلقا، والمشهور
стр. 889
كما أفاده بقوله: "مشهورها"؛ أي الأقوال. وقد تقدم عن الشيخ الأمير أن في هذا مسامحة؛ لأن الجمعة ركعتان، والظهر أربع. قال الإمام الحطاب: وحكى في البيان قولا رابعا بعكس المشهور، ثم قال. ولا يمكن أن يحمل المصنف على إطلاقه بحيث أن من لم يدر هل الإمام يصلي في العصر أو في الظهر؟ يحرم بما أحرم به الإمام؛ لأنه لا بد من مساواة فرض الإمام للمأموم. وفي الطراز في شرح قول المدونة: ومن أتى المسجد وقوم في الظهر فظن أنهم في العصر، أن قول أشهب: إذا نوى صلاة إمامه أجزأه ما صادف، فيه نظر لافتقار المكتوبة للتعيين، وإن أخذ ذلك مما جاء عن علي في الحج، فذلك لا حجة فيه، إذ يحتمل أن يكون إحرامه نفلا، وإن كان حجه فرضا فالحج لا يفتقر إلى تعيين النية وتخصيصها، بل إذا أطلق منه الحج انصرف إلى الحجة الفروضة إجماعا، والصلاة إذا أحرم بأنه يصلي لم تجزه عن الفرض إجماعا حتى يعين أي صلاة يصلي. ولما تكلم المصنف في التوضيح على الإحرام بما أحرم به فلان، نقل عن ابن عبد السلام أنه قال غير واحد من الشيوخ: إنه الأمر في الصلاة، فيجوز لمن دخل المسجد والناس في الصلاة، ولا يدري ما هي أن يحرم بما أحرم به الإمام. انتهى.
وقال الشيخ الأمير: فإن شك هل الجماعة سفر أو حضر وهو مسافر، أو هل جمعة أو ظهر؟ دخل على ما أحرم به الإمام وأجزأ ما تبين. انتهى. قوله: "وهو مسافر"، يوافق ما يأتي للشيخ عبد الباقي أنه إذا شك أنهم مقيمون أو مسافرون، فأحرم بما أحرم به الإمام، والداخل الشاك مقيم فتبين أنهم مسافرون، فإنه تبطل صلاته. والله سبحانه أعلم.
وبطلت بسبقها إن كثر يعني أن نية الصلاة المعينة إذا سبقت تكبيرة الإحرام بكثير، فإن الصلاة تبطل بذلك اتفاقا، ومفهوم قوله: بسبقها أن تأخر النية عن تكبيرة الإحرام يبطل مطلقا كثر أو قل: وهو كذلك، وأولى في البطلان لو عدمت النية بالكلية وإلا أي وإن لم يكثر السبق، بل تقدمت له النية بيسير في بطلان صلاته وعدمه خلاف والمقارنة هي محل الصحة والكمال اتفاقا. ومعنى المقارنة أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة للتكبير، فمن يشترط المقارنة عندنا لا يقول بأن محلها بين الهمزة والراء. قاله التتائي. وقال الشيخ ميارة: ومعنى اشتراط المقارنة على القول به أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه
стр. 890
يشترط أن تكون مصاحبة للتكبير. أشار إلى ذلك المازري. انتهى. وفي التوضيح: والذي يظهر لي أن قول المتأخرين تشترط المقارنة، معناه أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة له. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وإلا فخلاف" هو في التشهير، فالبطلان لابن الجلاب وتلميذه عبد الوهاب وابن العربي. قال: قال بعضهم: يجوز تقديم النية على التكبير قياسا على أحد القولين في الوضوء وهذا جهل عظيم، فإن النية في الصلاة متفق عليها أصل، والنية في الوضوء مختلف فيها فرع لها، ومن الجهل حملُ الأصل على الفرع، ولكن القوم يستطيلون على العلوم بغير محصول. انتهى. والإجزاء هو المذهب عند ابن رشد وابن عبد البر وغيرهما. انتهى قاله الشارح. قال صاحب التوضيح: الإجزاء هو الظاهر. وفي كتاب الشيخ الأمير ترجيحه. فإنه قال وسبقها بيسير مغتفر على المختار كمِن بَيْتِه للمسجد في نحو المدينة. وانظر هل ولو غير متوض عند الخروج من بيته وتوضأ بعد كما سبق في الوضوء؟ لأن النية موجودة عند الإحرام حكما، وهو إذ ذاك متوض. انتهى. وفي الشبراخيتي: واليسير أن ينوي ببيته ثم تذهب عنه النية حتى يتلبس بالتكبير لها في المسجد. كما يفيده كلام ابن عبد البر. انتهى. وفيه: وفي عبد الباقي ما نصه: ويعتبر مسجد المدينة المنورة من أبعد دار منها؛ لأن الإمام ﵁ إنما تكلم على بلده. انتهى. وزاد عبد الباقي: والظاهر أن المراد بأبعد دار منها مما هو داخل سورها؛ لأنه الذي كان آخرها زمن الإمام لا الآن؛ لأنه قد خرجت الدور عن سورها كثيرا. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غير صحيح، لقول ابن رشد: ليس عن مالك ولا عن أصحابه المتقدمين نص في ذلك. نقله في التوضيح.
وفاتحة على حذف مضاف، يعني أن من فرائض الصلاة قراءة الفاتحة فيها فرضا أو نفلا بجميع حروفها وحركاتها وشداتها، ويجب على الرجل تفقدها في ولده وعبده وأمته إلا لعجمة تمنع النطق فلا حرج. وقيل: إن المشهور سنيتها فيما عدا الفرائض، وتجب قراءتها على من يلحن فيها على القول بأن اللحن لا يبطل ولا يقرؤها على مقابله، وإن لحن في بعضها وجب قراءة ما لا لحن فيه، وترك ما يلحن فيه إذا كان متواليا وإلا ترك الكل. كذا يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 891
ومعنى كون الفاتحة فرضا في النفل أن صحة العبادة تتوقف عليها. بحركة لسان متعلق بقراءة المقدرة قبل فاتحة؛ يعني أنه لا بد في قراءة الفاتحة من حركة اللسان، بأن ينطق بالحروف بلسانه واحترز بذلك من القراءة بالقلب فإنها، لا تكفي؛ لأنها لا تعد قراءة بدليل جوازها للجنب. وما مر من أن القراءة الملحونة تجب بناء على أن اللحن لا يبطل هو للشيخ عبد الباقي، ونحوه للشيخ إبراهيم، والشيخ الخرشي نقلا عن الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ الأمير شيخنا: وهو استظهار بعيد، إذ القراءة الملحونة لا تجوز، بل لا تعد قراءة فصاحبها ينزل منزلة العاجز. وفي الحطاب: لو قرأ بالزبور والتوراة بطلت؛ وهو كالكلام الأجنبي. قلت: وكذا ما نسخت تلاوته من القرآن فيما يظهر. انتهى كلام الشيخ الأمير. على إمام وفذ يعني أن الفاتحة إنما تجب على الإمام والفذ، وأما المأموم فلا تجب عليه؛ لأن الإمام يحملها عنه وإن لم يقصد الحمل، فلو نوى أنه لا يحملها أو لا يحمل السهو، فلا أثر لنيته كما في الحطاب. والظاهر أن قوله: "على إمام" ظرف مستقر في موضع الصفة أو الحال من فاتحة، أو متعلق بتجب مقدرا دل عليه قوله: "فرائض". والله سبحانه أعلم. وفي الخبر (قراءة الإمام قراءة المأموم (١))، ولا تلزم قراءة الفاتحة المأموم في السرية ولا في الجهرية، خلافا لابن العربي القائل: تلزمه في السرية، وسواء كان إمامه يسكت بين التكبير والقراءة أم لا، خلافا لرواية ابن نافع: يقرؤها إن كان ممن يسكت؛ وسواء في عدم اللزوم سمع قراءة الإمام أم لا.
وإن لم يسم نفسه يعني أن قراءة الفاتحة في الصلاة تكفي إذا نطق بها القارئ بفمه، وإن لم يسمع نفسه، خلافا للشافعية، ولو أسمع أذنيه كان أولى، قاله غير واحد. ولو قطع لسانه، فقال سند: لا يجب عليه أن يقرأ في نفسه خلافا لأشهب، ويختلف في وقوفه بقدر القراءة تخريجا على الأمي. قاله الش. وفاعل يسمع: ضمير يعود على القارئ. والله سبحانه أعلم. وكان ينبغي للمصنف أن يعبر "بلو"، بدل "إن"؛ لأن الخلاف فيها مذهبي قاله الشيخ إبراهيم عن شيخه الأجهوري.
стр. 892
وقيام لها يعني أن من فرائض الصلاة القيام في حال قراءة الفاتحة، وهذا في الفريضة؛ أي يجب عليه أن يقرأها قائما، واللام في قوله: "لها"، للتعليل، والضمير للفاتحة، أي يجب القيام لأجل الفاتحة، وهذا هو المعتمد. قال في التوضيح: واختلف في القيام للفاتحة، هل هو لأجلها أو فرض مستقل؟ وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا عجز عن الفاتحة. وقدر عليه. انتهى. وأيضا فلا يجب القيام على المأموم إلا من جهة مخالفة الإمام عند من يقول إنه واجب لها. قوله: "وقيام لها"، قال غير واحد: في حق الفذ والإمام، وأما المأموم فلمخالفة الإمام لا لها؛ لأنها لم تجب عليه. وقال الشيخ الأمير: لا لمأموم فإن استند حالها لا لو أزيل لسقط صحت. انتهى. وفي شرح الشيخ ميارة: قال أشهب: من قرأ في صلاته بشيء من التوراة والإنجيل والزبور؛ وهو يحسن القراءة أو لا يحسنها فقد أفسد صلاته وهو كالكلام، وكذا لو قرأ شعرا فيه تسبيح وتحميد لم تجزه. انتهى. فبسبب وجوب الفاتحة يجب على الشخص تعلمها فيقرؤها في الصلاة، ومحل وجوب تعلمها على الشخص إن أمكن تعلمه لها، بأن قبل التعليم، واتسع الوقت، ووجد معلما، ويجب عليه فيما يظهر تعليمه لإنقاذه من الجهل قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن. عن كتاب تنبيه الغافل: لا يجب عليه التعليم حتى يطلب، وهو الصحيح عند القاضي أبي بكر وغيره محتجا بحديث: (اركع حتى تطمئن (١))، خلافا للطرطوشي ومن قال بقوله. انتهى. وهو يشير إلى حديث المسيء في صلاته المتقدم عند الزرقاني في قوله: وإنما يجزئ الله أكبر. انتهى. وقوله: فيجب تعلمها إن أمكن، قال الشيخ إبراهيم: ولو بأجرة، وانظر ما قدر الواجب منها، والظاهر أنه إذا لم يكن معه أجرة يجب على الغير تعليمه بلا شيء. انتهى.
وإلا ائتم، يعني أن الأمي إذا لم يمكن تعلمه للفاتحة بأن لم يتسع الوقت أو اتسع ولم يجد من يعلمه، فإنه يجب عليه أن يأتم بمن يحسن الفاتحة إن وجده، وتبطل صلاته إن ترك الائتمام عند محمد وسحنون؛ وهو الأصل في مخالفة الواجب. وفي الطراز: ظاهر المذهب أن صلاته باطلة.
стр. 893
ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: بطلت صلاته عند أصحاب مالك، وقال أشهب: تصح، وقال الأجهوري: تفسير الإمكان بقبول التعليم يقتضي أن العاجز لخرس ونحوه لا يجب عليه أن يأتم؛ وهو كذلك. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإلا ائتم غير الأخرس، وإنما وجب على الأمي الائتمام؛ لأن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، ولا يتوصل للواجب حينئذ إلا به. وما مر من أن من عجز عن التعليم لخرس ونحوه لا يجب عليه أن يأتم، لا ينافي قوله: "وإلا ائتم"؛ لأن القابلية وعدمها إنما يكونان فيمن عنده نطق.
فإن لم يمكنا؛ يعني أن الأمي إذا لم يمكنه التعلم ولا الائتمام، فإنه اختلف فيما يفعل، فقال ابن سحنون: فرضه أن يذكر الله تعالى في صلاته يريد في موضع قراءته، وقيل: يسقط عنه القراءة والقيام لها؛ وهو الذي اختاره اللخمي: وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: فالمختار سقوطهما، أي الفاتحة، والقيام لها. وقال ابن مسلمة: يستحب له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة، وليس هذا بالبين؛ لأن الوقوف إنما هو للقراءة لا لنفسه. قاله الش. على ما اختاره اللخمي؛ وهو للقاضي عبد الوهاب ندب له فصل بوقفة يسيرة بين تكبيره وركوعه. ابن فرحون: ولا خلاف أنه لا يعوض القراءة بمعناها في لغته، ولو طرأ على الأمي قارئ لم يلزمه أن يقطع ليأتم به، ومن افتتح الصلاة كما أمر وهو غير عالم بالقراءة، وطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة؛ فلا يستأنف الصلاة لأنه أدى ما مضى على حسب ما أمر، فلا وجه لإبطاله، ويتم صلاته كعاجز عن القيام قدر عليه أثناءها. قاله في كتاب ابن سحنون. ويتصور ذلك بأن يكون سمعها في الصلاة ممن قرأها، فعلقت بحفظه من مجرد السماع. قاله الإمام الحطاب. وتكفي الأخرس نيته بلا خلاف كما في الحطاب عن ابن ناجي. وقال الشيخ الأمير: فإن حفظ غيرها من القرآن فهو ويذكر بينه أي الركوع وبين التكبير. انتهى. وكلام عبد الوهاب الذى اختاره اللخمي هو قوله: لا يلزمه تسبيح ولا تحميد: ويستحب له أن يقف وقوفا ما يكون فاصلا بين الركعتين، فإن لم يفعل وركع أجزأه. انتهى. وقوله: "تكبيره"؛ أي تكبير الإحرام، والتكبير الذي يقوم به بعده. أشار له الشيخ إبراهيم.
стр. 894
وهل تجب الفاتحة في كل ركعة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في حكم قراءة الفاتحة في الصلاة فمنهم من ذهب إلى أنها تجب في كل ركعة، وهو للإمام مالك ﵁ في المدونة، وشهره ابن شاس، وابن الحاجب، وعبد الوهاب، وابن عبد البر، وهو الراجح من طريق النظر لخبر: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج خداج خداج (١))، أي غير تمام من خدجت الناقة ولدها: إذا ألقته غير تمام بناء على أن المراد بالصلاة كل ركعة، إذ محل القراءة من الصلاة كل قيام. أو الجل، أي ومن الشيوخ من ذهب إلى أن الفاتحة إنما تجب في الجل، وتسن في الأقل سنة مؤكدة، وإليه رجع مالك وشهره في الإرشاد. القرافي: وهو ظاهر المذهب. خلاف؛ أي في ذلك خلاف ويتفرع على الخلاف أنه إن ترك آية منها سجد، أي وعلى كلا القولين اللذين ذكر المصنف إن ترك إمام أو فذ آية منها سهوا ولم يمكنه تلافيها، بأن ركع، فإنه يسجد قبل السلام، وكذا أقل من آية وأكثر سهوا، وقوله: "وإن ترك آية منها سجد"، قال ابن فرحون: وعلى هذا فإن ابتدأ المصلي بالفاتحة قبل أن يعتدل قائما، فينبغي أن يسجد قبل السلام إن كان قرأ في حال قيامه آية ونحوها: وتصح صلاته إن كانت فرضا أو نفلا. وأما على القول بأنه لا سجود عليه، فلا ينبغي أن يسجد في هذه الصورة؛ لأنه أتى بالفاتحة كلها لكن ترك الاعتدال في بعضها. وقد نصوا على أن الجماعة إذا صلوا في سفينة تحت سقفها منحنية رؤوسهم، قال مالك: صلاتهم أفذاذا على ظهرها أحب إلي من صلاتهم جماعة منحنية رؤوسهم؛ لأنهم تركوا تمام الاعتدال؛ وهو سنة. قال الشيخ أبو الحسن الصغير: وكذلك الصلاة في الخباء؛ نحو السفينة. انتهى. فلم يوجب عليهم بترك تمام الاعتدال شيئا. فتأمل ذلك. وعلى كل فحالة النفل أخف من حالة الفريضة؛ فينبغي أن لا سجود عليه، وشاركت في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ أبا عبد الله بن عرفة التونسي، فقال: حال النافلة في ذلك خفيف، فسألته عن الفريضة فلم يجب فيها بشيء، وذلك بالمدينة في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة. انتهى وفيها حج الإمام ابن عرفة وسكن
стр. 895
بالمدينة في منزل الشيخ ابن فرحون. كذا قال في الديباج نقله الإمام الحطاب. وقوله: "وإن ترك آية منها سجد" قال الشيخ عبد الباقي: واعلم أن الصور أربع: ترك بعضها؛ ترك كلها سهوا أو عمدا فالترك سهوا فيه السجود قبل السلام مطلقا، ترك بعضها أو كلها في ركعة أو ركعتين من رباعية كما شهر في التوضيح بناء على وجوبها في ركعة واحدة؛ وهو أظهر من تشهير ابن راشد البطلان، أو في ثلاث منها كما شهر الفاكهاني، وهاتان صورتان. الثالثة: ترك كلها عمدا في ركعة فعلى وجوبها في الجل، فهل تبطل -كما اقتصر عليه بعض شراح الرسالة- أولا؟ وسجد قبل السلام؛ وعليه اللخمي، قولان، وعلى وجوبها بكل ركعة تبطل الصلاة قطعا كما إذا تركها عمدا في ركعة من ثنائية؛ إذ لا جل لها، الرابعة: ترك بعضها عمدا فالقولان على الجل، والبطلان على الكل، انتهى. وقوله: فالترك سهوا فيه السجود قبل السلام مطلقا الخ؛ قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع الأجهوري، وفيه نظر، بل ظاهر المذهب كما في التوضيح أنه إذا ترك الفاتحة سهوا من الأقل كركعة من الرباعية، فإنه يسجد قبل السلام، ثم يعيد، وهو الذي اختاره في الرسالة، ونصها: واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، أي من غير الصبح، فقيل: يجزئ فيها سجود السهو قبل السلام، وقيل: يلغيها ويأتي بركعة، وقيل: يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا؛ وهوأحسن ذلك إن شاء الله تعالى. انتهى. وهذا هو المشهور فيمن تركها من النصف كركعتين من الرباعية. كما نقله في التوضيح عن ابن عطاء الله وهو المشهور أيضا فيمن تركها من الجل. كما ذكره ابن الفاكهاني.
فتحصل أن من ترك الفاتحة سهوا فإما أن يتركها من الأقل، أو من النصف، أو من الجل، وأن المشهور في ذلك كله أنه يتمادى ويسجد قبل السلام، ويعيد. قال الرماصي: والراد بالإعادة الأبدية، ومثله في السنهوري، وإنما أعاد أبدا مراعاة للقول بوجوبها في الكل، وسجد قبل السلام مراعاة لقول الغيرة بوجوبها في ركعة، وفهم التتائي أن الصلاة صحيحة وأن الإعادة وقتية، وكذا فهم الأجهوري، وتبعه الزرقاني. قال الرماصي: وذلك كله فهم غير صحيح. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
стр. 896
وركوع تقرب راحتاه فيه من ركبتيه، يعني أن الركوع الشرعي من فرائض الصلاة. والركوع لغة: انحناء الظهر، قال:
أليس ورائي إن تراخت منيتي … لزوم عصى تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت … أدب كأني كلما قمت راكع
وقيل: الخشوع، وشرعا، وهو المراد هنا أقله أن ينحني، ويضع يديه على فخذيه بحيث تقرب راحتا المصلي في انحنائه من ركبتيه، فلو قصرتا لم يزد على تسوية ظهره، ولو قطعت إحداهما وضع الأخرى على ركبتها. قاله في الطراز. قاله الشبراخيتي. وقال: وقوله: "تقرب راحتاه" الخ، هذا بيان لأقل ما يتحقق به الواجب، فإن لم تقرب راحتاه فيه من ركبتيه لم يكن ركوعا، وإنما هو إيماء، وهذه الكيفية التي ذكرها المصنف خلاف الأولى، وأكمله تمكينهما منهما، وبينهما كيفية فوق الأولى ودون الثانية؛ وهي وضع يديه على ركبتيه، فالكيفيات ثلاث. وكيفية ركوعه ﷺ محمولة عندنا على الكمال، ورفع العجيزة سنة كما في الفيشي والشبراخيتي، وقد ورد في كيفية ركوعه ﷺ أنه: (كان إذا ركع وطأ ظهره حتى لو وضع على ظهره كوز من ماء لم يهرق منه شيء (١))، هذا وقد روى الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود (٢))، وقال: حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم. نقله في الرياض. وروى أبو داوود الطيالسي بسنده عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، فترفع وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، فتُلَف كما يُلَفُّ
стр. 897
الثوب الخلق فيضرب بها وجهه (١)). قاله الثعالبي. وانظر ما يأتي عند قول المصنف: واعتدال، وظاهر المدونة: وجوب وضع اليدين في الركوع، فلو سدلهما من غير وضع بطلت صلاته. كما قاله أبو يوسف الزغبي، وذكر البرزلي وابن ناجي: استحباب وضع اليدين، فلو سدلهما لم يضر. كما قاله ابن فرحون، وأبو الحسن. وكلام المصنف في قوله: "تقرب راحتاه" ظاهر في الأول، ويمكن حمله على الثاني، بأن يراد بقوله: "تقرب"، أن لو وضعتا. انتهى كلام الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه لا يجب أصل وضعهما فلو سدلهما لم تبطل صلاته على المعتمد. كما أفتى به البرزلي، والشبيبي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قال أبو الحسن: إن الوضع من أصله غير واجب، ونقله عن ابن يونس، ولذا قال الزرقاني: إنه المعتمد: وقوله: "راحتاه"؛ الراحة: باطن الكف، والجمع راح بغير تاء.
والحاصل أن الواجب من الركوع إنما هوأن ينحني بحيث تقرب راحتاه من ركبتيه، ويستحب أن ينصب ركبتيه وأن يضع كفيه عليهما، وأن يجافي مرفقيه، ولا ينكس رأسه إلى الأرض: بل يكون ظهره مستويا: وأن كيفية ركوعه ﷺ محمولة عندنا على الكمال. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أن أصل وضع اليدين على أطراف الفخذين، إما واجب، وإما مندوب على الخلاف المتقدم. وقد مر أنه لو قطعت إحدى اليدين: وضع الأخرى على ركبتها، وعن بعض الشافعية أنه يضع الأخرى على ركبتيه جميعا. وندب تمكينهما منهما يعني أنه يندب في الركوع تمكينهما أي الراحتين من الركبتين، وفيها: كره مالك أن يحدد لهما حدا في وضعهما من تفريق الأصابع أو ضمها، وأراه (٢) بدعة؛ وهو المشهور. قاله الشيخ إبراهيم. وانظر هذا مع ما في الشادلي من أنه ﷺ : (كان إذا ركع فرج بين أصابعه وإذا سجد ضمها (٣)). ونصبهما، يعني أنه يندب في الركوع نصب الركبتين بأن يقيمهما معتدلتين فلا يُبْرِزهما، وكره إبرازهما. وقول البساطي: يبرزهما قليلا مستويتين ليمكن وضع كفيه عليهما، قال التتائي: غير
стр. 898
ظاهر، وقال الشبراخيتي: كلام البساطي ضعيف، قال ابن عبد السلام: انظر لو نكس رأسه إلى الأرض، هل يجزئه عند من يوجب الطمأنينة أم لا؟ قال بعضهم: والصواب أنه يجزئه؛ لأن الطمأنينة تحصل بذلك، وانحناؤه لا يضر.
ورفع منه؛ يعني أن من فرائض الصلاة الرفع من الركوع فمن لم يرفع وجبت عليه الإعادة على المشهور، خلافا لما رواه علي بن زياد من عدم البطلان، وعدم الإعادة. وحجة المشهور: (حديث المسئ لصلاته الذي دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا. وافعل ذلك في صلاتك كلها (١))، والرجل المبهم هو خلاد بن رافع، وحجة المقابل: التمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، فلم يذكر رفعا.
وسجود؛ يعني أن من فرائض الصلاة السجود. والسجود لغة: الميل والانخفاض إلى الأرض، سجدت النخلة: مالت، قال الشاعر:
بجمع تظل الأكم ساجدة له … وأعلام سلمى والهضاب النوادر
وقال:
بجيش تضل البلق في حجراته … ترى الأكم فيه سجدا للحوافر
وشرعا؛ وهو المراد هنا، قال ابن عرفة: مس الأرض وما اتصل بها من سطح محل المصلى كالسرير بالجبهة والأنف. انتهى. قاله غير واحد. وزاد من سطح إلى آخره: إشارة إلى أن من بالأرض وسجد على كرسي بين يديه، لا يعد ساجدا، وأورد عليه أنه إذا كان بين يديه حفرة
стр. 899
فيها كرسي مساو للأرض، ووضع وجهه عليه لم يسجد على مقتضى حده، وكان بعضهم يلتزم ذلك ت وأنه لا يجزئه السجود، وفيه بحث. قاله الشيخ عبد الباقي، وضيره. وقال الشيخ إبراهيم: ولو حذف قوله من سطح محل المصلي، كان ظاهرا. وقال الشيخ الأمير: وسجود على الأرض أو ما اتصل بها من ثابت، وإن علا عن سطح ركبتيه كسرير شريط لمريض بجبهته. انتهى. وقال في الشرح بعد قوله من ثابت: لافراش عهن منفوش جدا. وقال في الحاشية بعد قوله وإن علا عن سطح لخ: وإن كان الأكمل خلافه. وهو ما ذكره ابن عرفة في تعريفه. وحد، الشافعية بارتفاع الأسافل وانحدار الأعالى، قالوا: ولابد من التحامل؛ وهوأن يلقي رأسه على ما يسجد عليه حتى لا يعد حاملها، فلا يكفي إحساس مجرد الملاصقة. وليس معنى التحامل شد الجبهة على الأرض حتى يؤثر فيها كما يفعله الجهلة، و ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: الخشوع والخضوع. انتهى. وفي الحطاب: يتنزل منزلة الأرض السرير من الخشب المنسوج من الشريط ونحوه واعلم أن الشيطان لا يوسوس في حال السجود، وإذا وجد فيه وسواس، فمن النفس، ففي الحديث: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويلتاه أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار (١)). انظر ابن زكري. علي جبهته، يعني أن السجود إنما يكون على الجبهة؛ وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية، وأطلق الجبهة، وأراد بعضها لقول عياض: بعضها كاف، لكن المستحب وضع جبهته وأنفه بالأرض على أبلغ ما يمكنه. وأما الواجب فيكفي فيه وضع أيسر ما يمكن من الجبهة.
والحاصل أن السجود الكامل هو السجود على الجبهة والأنف على أبلغ ما يمكنه، إلا أنه لا يشدها بالأرض، قال مالك: والسجود على الجبهة والأنف جميعا. انتهى. فإن سجد على الأنف دون الجبهة أعاد أبدا، وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه. قاله ابن القاسم. عبد الوهاب: ويعيد في الوقت استحبابا، وقيل: بالإجزاء مع الاقتصار على السجود على أحدهما.
стр. 900
حكاه أبو الفرج عن ابن القاسم. وقال: يعيد في الوقت، وقيل: بنفي الإجزاء حتى يسجد عليهما معا، وهو لابن حبيب. قاله الشيخ ميارة وعلم مما قررت أن الجبهة هنا المراد بها غير الجبهة التي مرت في الوضوء، قال الخرشي في الوضوء: والمراد بالجبهة هنا ما ارتفع عن الحاجبين إلى مبدإ الرأس، فيشمل الجبينين. والجبهة الآتية في الصلاة هي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية. انتهى. وقال الدردير: وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية. انتهى. قال الدسوقي: فلو سجد على ما فوق الحاجب لم يكف. انتهى. وكره مالك شدها بالأرض، وأنكره أبو سعيد الخدري على من ظهر أثره في جبهته، ولا يفعله إلا جهلة الرجال وضعفة النساء، وقد كرهه سعد بن أبي وقاص. والمعني بقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: خضوعهم وخشوعهم، وما يعتريهم من الصفرة والنحول. وقد كان الصحابة أشد الناس عبادة ولم يروأن واحدا منهم كان ذلك في جبهته. قاله الشيخ إبراهيم.
وأعاد لترك أنفه بوقت، يعني أن من ترك السجود على الأنف؛ بأن اقتصر على الجبهة، يعيد صلاته بوقت اختياري. وذكر أحمد أن الذي ينبغي أنه الضروري، وما ذكره المصنف من أنه يعيد بالوقت هو المشهور؛ لأن السجود عليه مستحب على المشهور، والإعادة مراعاة للقول بوجوبه، وإلا فالمستحب لا يعاد لتركه، وظاهر المصنف: كان الترك عمدا أو سهوا، وظاهره أيضا: ولو في سجدة من رباعية.
واعلم أن الصلاة على السرير أمر لا خلاف في جوازه؛ لأنه كالصلاة على الغرف، وعلى السطح. ابن فرحون: السجود على الفراش المرتفع عن الأرض لا يجوز وفي مختصر الواضحة: وإذا شق على المريض النزول عن فراشه إلى الأرض للصلاة، وكان ممن لا يقدر على السجود بالأرض لشدة مرضه، صلى على فراشه، فإن كان غير طاهر ألقى عليه ثوبا كثيفا طاهرا، فإن كان ممن يقدر على السجود على الأرض فلينزل إلى الأرض فيصلي ساجدا بالأرض.
تنبيه: لم يتعرض المؤلف هنا لحكم مسح التراب عن جبهة المصلي وكفيه، ولا لمسح موضع سجوده. أمَّا الأول فقد قالوا فيما يتعلق بالجبهة والكفين من التراب في الصلاة أن له أن يزيل
стр. 901
ذلك داخلها وأحرى خارجها، وقيل: إنما يزيل ذلك خارج الصلاة، والأول شهره ابن ناجي وفيها من كثر التراب بجبهته أو كفه فله مسحه. انتهى. فظاهره مطلق. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأمَّا الثاني ففي الموطإ (أن عبد الله بن عمر إذا أهوى ليسجد مسح الحصباء لموضع جبهته مسحا خفيفا (١))، وفيه أيضا: عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغة أن أبا ذر كان يقول: (مسح الحصباء مسحة واحدة وتركها خير من حمر النعم (٢))، وقوله: مسح الحصباء: تسوية الموضع الذي يسجد عليه، وقوله: حمر النعم بسكون الميم لا غير: الحمر من الإبل، وهي أحسن ألوانها؛ أعظم أجرا مما لو كانت له فتصدق بها، أو حمل عليها في سبيل الله قاله سحنون، ومن قبله الأوزاعي. وقيل: معناه أن الثواب الذي يناله بترك الحصباء يجب أن يكون أشد سرورا به منه بحمر النعم لو كانت له ملكا دائما مقتنى، وهذا ورد مرفوعا. أخرج أحمد، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طريق سفيان عن الذهبي، عن أبي الأحوص: عن أبي ذر يرويه عن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصباء (٣)). نقله سيدي محمد الزرقاني. ونقل أيضا عن أبي ذر أنه قال: (سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصباء، قال: واحدة، أودع (٤)) ونقل أيضا عنه ﷺ (أنه قال في مسح الحصباء: واحدة ولأن يمسك عنها خير من مائة ناقة كلها سود الحدق (٥)) وحكى النووي: اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصباء وغيرها في الصلاة، وفيه نظر، لحكاية الخطابي عن مالك أنه لم ير به بأسا، وكان يفعله فكأنه لم يبلغه الخبر. كذا في الفتح. قاله سيدي محمد الزرقاني. والأولى إن صح ذلك عن مالك أنه كان يفعله
стр. 902
مرة واحدة مسحا خفيفا كفعل ابن عمر وترجي أنه لم يبلغه الحديث بعيد جدا أو ممنوع مع ذكره حديث أبي ذر وإن كان موقوفا وقوله في الحديث إذا قام أحدكم إلى الصلاة، المراد به الدخول فيها فلا ينهى عن المسح قبل الدخول في الصلاة، بل الأولى أن يفعل ذلك حتى لا يشتغل باله، وهو في الصلاة. قاله سيدي محمد الزرقاني.
وسن على أطراف قدميه يعني أنه يسن للمصلي أن يكون سجوده على هذه الهيئة؛ بأن يسجد على أطراف القدمين، أي يباشر بأصابعهما الأرض، ويجعل كعبيه أعلى، واحترز بذلك من السجود على ظهورهما. وعلى ركبتيه وقوله: كيديه يعني به أن السجود على اليدين سنة، وتكون اليدان في حالة السجود مبسوطتين، قال في الرسالة باسطا يديك مستويتين إلى القبلة، وفي المدونة: ويتوجه بيديه إلى القبلة ولو خالف، وهو متوجه بكل ذاته لم يضره ذلك. انتهى. وقوله: وسن على أطراف قدميه وركبتيه كيديه، قال الشيخ أحمد: ينبغي أن يكون كل ما ذكر سنة في كل ركعة، وأن يكون من السنن غير الخفيفة، وينبغي في ترك أحد أطراف القدمين أو أحد الركبتين واليدين عدم السجود؛ لأن المتروك بعض سنة. وانظر في ذلك. انتهى.
على الأصح راجع لما بعد الكاف على القاعدة الأكثرية. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن؛ يعني أن السجود على اليدين سنة على القول الأصح، ومقابله الوجوب، قال في التوضيح: يتخرج في وجوب السجود على اليدين قولان من القولين الذين ذكرهما سحنون في بطلان صلاة من لم يرفعهما من الأرض، فعلى البطلان يكون السجود عليهما واجبا، وإلا فلا. وفي الش أن من ترك السجود على الركبتين وأطراف القدمين: تجزئه صلاته على المشهور، وقيل: لا تجزئه وليعد أبدا، ولم أر من صرح بسنية شيء مما ذكر غير ابن القصار، فإنه قال في السجود على الركبتين وأطراف القدمين: الذي يقوى في نفسي أنه سنة في المذهب وهكذا نقل صاحب الجواهر، وعول عليه الشيخ هنا. انتهى. واعترض الشارح قول المصنف على الأصح، فقال في تعيينه الأصح في مسألة اليدين نظر. قال الإمام الحطاب: وقد نقل صاحب تصحيح ابن الحاجب عن الذخيرة أن
стр. 903
سندا قال: الأصح عدم الإعادة. قال: وصحح خليل أن السجود على اليدين سنة، واعترضه شارحه بهرام، وما تقدم يرده. انتهى.
ورفع منه؛ يعني أن الرفع من السجود فرض باتفاق؛ لأنه لو لم يرفع منه فهو سجدة واحدة، إذ السجدة ولو طالت لا تتصور سجدتين، فلا بد من فصل بين السجدتين برفع حتى تكونا اثنتين مع أنه لا يمكن الإتيان بما بعد السجود من الأركان إلا بالرفع منه. وفي إجزاء صلاة من لم يرفع يديه أو إحداهما بين السجدتين مع الرفع الفرض، قولان، المشهور الإجزاء. كما في الحطاب عن الذخيرة؛ لأن الأصل الوجه، وأما اليدان فتبع له، والتابع لا يضر تركه. وفي الحطاب عن الذخيرة أنه على القول بوجوبه يرجع له ما لم يعقد ركعة، وهل يرجع فيضع يديه في الأرض ثم يرفعهما، أو يضعهما على فخذيه فقط؟ يتخرج على الخلاف في الرفع من الركوع إذا ترك، ووجه القول بالبطلان ما جاء أن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، وقوله: "ورفع منه". لا يعارض قول ابن عرفة: الباجي في كون الجلسة بين السجدتين فرضا أو سنة خلاف؛ لأن هذا الخلاف في الاعتدال لا في أصل الفصل بين السجدتين. قاله الشيخ محمد بن الحسن. (وكان ﷺ إذا رفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسا (١)). كما في الصحيحين، خلافا لأبي حنيفة القائل بأنه: يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض كحد السيف، ولعل المصنف إنما ترك ذكر فرضية الجلوس بين السجدتين اعتمادا على الاعتدال؛ لأنه يلزم منه الجلوس بين السجدتين. الشبيبي. الجلوس للفصل بين السجدتين واجب على المشهور، وقيل سنة. وذكر ابن جزي في القوانين أن: الجلوس بين السجدتين واجب إجماعا. نقله الإمام الحطاب. قال: وسمعت أن معتمده في كتابه هذا الاستذكار لابن عبد البر، وقد حذروا من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقيات ابن رشد، ومن خلافيات الباجي، ثم قال: وعلى كل تقدير فقد قوي القول بوجوب الجلوس بين السجدتين. انتهى. واختلف في الحكمة في كون الركوع واحدا والسجود اثنتين، فقيل: إن آدم ﵇ لما سجد تاب الله عليه، فرفع رأسه وسجد ثانيا شكرا لله تعالى، وقيل: (لأن
стр. 904
الملائكة رفعوا رؤوسهم (١) من السجدة ليلة الإسراء، وسلموا على النبي ﷺ ، ثم عادوا إلى السجدة). فلذلك صار السجود في الصلاة اثنتين. وقال المهاجري: (روي أن جبريل ﵇ أم النبي ﷺ فأطال السجود، فظن أن النبي ﷺ رفع رأسه، ولم يكن رفع، فرفع جبريل، فعاد إلى السجود فصيرها الله عبادة يتعبد بها). وقيل: لأن الأولى إشارة إلى خلق الإنسان من التراب، والثانية إشارة إلى أنه يعود إليه. وقيل: إنهم يدعون إلى السجود يوم القيامة حين يكشف عن ساق، فيسجد المؤمنون، ولا يقدر المنافقون والكافرون على السجود، فإذا رأى المؤمنون ذلك سجدوا ثانيا شكرا لله تعالى، فالأولى للدعاء، والثانية للشكر. وقيل: لأن السجود أحب الطاعة إلى الله تعالى فلذلك كرر. قاله الشيخ إبراهيم. وجلوس لسلام يعني أن الجلوس للسلام أي لأجل إيقاع السلام من فرائض الصلاة، فالجزء الأخير من الجلوس الذي يوقع فيه السلام فرض؛ لأنه محل السلام إعطاء للظرف حكم الظروف، فالفرض هو الجلوس بقدر ما يعتدل ويسلم تسليمة التحليل، واعلم أن الصلاة وضعت على أربعة أركان: قيام، وقعود، وركوع، وسجود. كما أن الخلق أربعة أصناف: قائم كالأشجار. وراكع مثل الأنعام، وساجد مثل الهوام، وقاعد كالأحجار. فأراد الله أن توافق الجميع في أحوالهم.
وسلام يعني أن السلام من فرائض الصلاة لقوله ﵊: (الصلاة بين زمانين التكبير والتسليم))، ولقوله ﷺ : (مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٢)) ولا خلاف في وجوبه عندنا ولا يقوم مقامه غيره من تكبير أو مناف. وأما ما روى عن ابن القاسم: من أحدث في آخر صلاته أجزأت، فمردود نقلا ومعنى: أما نقلا، فلأن المنقول عن ابن القاسم إنما هو في جماعة صلوا خلف إمام فأحدث إمامهم فسلموا هم لأنفسهم، فسئل عن ذلك، فقال: تجزئهم صلاتهم؛ أي تجزئ المأمومين فقط، وأما معنى: فلأن الأمة في ذلك على
стр. 905
قولين: منهم من يرى السلام بعينه؛ وهو الإمام مالك، ومنهم من لا يراه، ولكن يشترط بكل مناف أن ينوي الخروج من الصلاة كأبي حنيفة القائل: بأنه يخرج من الصلاة بكل ما ينافيها من القيام، أو الكلام، أو الحدث، أو غير ذلك إذا قصد به الخروج. انظر الشبراخيتي، وحاشية الشيخ بناني.
عرف بأل؛ يعني أنه لا بد في السلام الواجب من أن يكون معرفا. "بأل"، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة كسلامي أو سلام الله عليكم؛ ولا ما نكر كسلام عليكم على المشهور، ولا ما نون معرفا على ما اختاره ابن ناجي، وقيل: يجزئ، وشهر الزناتي الإجزاء، وهو ظاهر إن كان أميا. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "عرفا بأل في لغة حمير وغيرهم؛ لأنهم إنما يبدلونها "بأم" حيث كان اللام مظهرا لا مدغما، كما هنا. انظر حاشية الشيخ بناني. وفي الحطاب: ولو قال: السلام عليكم، فجمع بين التنوين والألف واللام، فقال أبو عمر: إن كنا نحفظ عن الحورائي (١) وأبي محمد صالح أن: صلاته باطلة، حتى جاء السرمساحي فقال: يدخل فيه من الخلاف ما يدخل في صلاة اللحان. ولو قال: السلام. فقط. من غير أن يقول: عليكم، فقيل: تجزئه، وقيل: لا تجزئه. وصفة السلام الفرض أن يقول: السلام عليكم، بتقديم لفظ السلام المعرف "بأل" على لفظ "عليكم"، وقال الأمير: وإنما يجزي السلام عليكم، والأولى الاقتصار عليه، فزيادة: رحمة الله وبركاته، هنا، خلاف الأولى انتهى. وقوله: "وسلام عرف بأل"، سواء في ذلك الإمام والمأموم والفذ، وسواء كان خلف الإمام رجل أو امرأة، أو متعدد منهما، أو من أحدهما. والفرض من السلام تسليمة واحدة لقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه (٢))، وفي الخبر: (كنا نزدَحِمُ على الصلاة عن يمينه ﵊ كي نرى وجهه إذا سلم (٣))، وأحاديث التسليمتين تحمل على المأموم. قاله الشيخ إبراهيم. وقال:
стр. 906
ولا يزيد ورحمة الله وبركاته، وإنما يزاد في التحية بين الناس، فإن زاده لم يضر؛ لأنها زيادة خارجة عن الصلاة. وعلم مما مر أنه لا بد من جمع الضمير جمع تذكير في عليكم، كان المصلي فذا أو إماما أو مأموما، إذ لا يخلو من مصحوب من الملائكة ولو الحفظة. قاله الجزولي. وحكى الزناتي قولا أنه: يختلف بحسب المسلم عليه من: تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع كما تقتضيه اللغة. نقله الشيخ ميارة.
تنبيهات: الأول: لا بد أن يأتي بالسلام بلفظ العربية، فإن عجز سقطت فرضيته، ووجب الخروج بالنية قطعا فيما يظهر، فإن قدر على الإتيان ببعضه عربية أتى به إن كان له معنى ليس بأجنبي عن الصلاة، ولو قدم عليكم، ففي صحة صلاته، ولا يجزئه ما فعل، وبطلانها قولان. قاله الشيخ عبد الباقي.
الثاني: لو أسقط الميم من أحد اللفظين وأولى منهما لبطلت، وقد مر أنه لا بد من ذكر عليكم، والاختلاف فيمن اقتصر على لفظة السلام، وقال الشيخ عبد الباقي: وفي الجزولي أن اللحن في السلام يضر، وفي الشبراخيتي: ويجري اللحن في تكبيرة الإحرام على اللحن في السلام، بل هو فيها أشد؛ إذ قد اتفق عليها بخلاف السلام. ابن العربي: الأصح أن لفظ السلام تعبد، وفي الحطاب أنه: لا بد في السلام من التلفظ، فلو سلم بالنية لم يجزه، وهذا في حق القادر، وأما العاجز بخرس فالظاهر أن النية تكفيه بلا خلاف كما تقدم في التكبير، والعاجز لغير خرس الظاهر أنه كالعاجز لغيره في التكبير، وفي الحطاب: واختلف إذا قال: سلام عليكم منكرا؟ الفتوى بالبطلان، ولابن العربي: ولفظه: السلام عليكم صرفا، فإن نكره، أو قال: عليكم السلام، ففيه قولان، الأصح أن يكون بلفظه؛ لأنه تعبد.
الثالث: اعلم أنه قد أكثر الناس الكلام في مسألة دعاء الإمام إثر الصلاة، وتأمين الحاضرين على دعائه. وحاصل ما انفصل عليه الإمام ابن عرفة والغبريني: أن ذلك إن كان على نية أنه من سنن الصلاة أو فضائلها فهو غير جائز، وإن كان مع السلامة من ذلك فهو باق على أصل حكم الدعاء. والدعاء عبادة شرعية فضلها من الشريعة معلوم عظمه، وكذلك الأذكار بعدها على الهيئة
стр. 907
المعهودة كقراءة الأسماء الحسنى، ثم الصلاة على النبي ﷺ مرارا، ثم الرضى عن الصحابة ﵃ وغير ذلك من الأذكار بلسان واحد. وقد مضى عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بإثر الذكر الوارد بإثر تمام الفريضة. ابن عرفة: وما سمعت من ينكرة إلا جاهل غير مقتدى به. نقله الشيخ ميارة.
وفي اشتراط نية الخروج به خلاف؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في نية الخروج بالسلام من الصلاة، فمنهم من قال: يشترط تجديدها؛ وهو لصاحب الإشراف، ووافقه صاحب الاستلحاق. سند: وهو ظاهر المذهب وعليه لو سلم من غير نية الخروج منها، بطلت صلاته. قاله الشاذلي. ومنهم من قال: لا يشترط تجديدها لانسحاب النية في أول الصلاة عليه كغيره من الأركان، بل يستحب فقط. وفي ابن عرفة ما يفيد اعتماده، وشهر هذا القول ابن الفاكهاني. وقال الشيخ الأمير: والأرجح الندب. وينوي الإمام بالسلام الخروج من الصلاة، والسلام على المأموم، وعلى الملائكة -أيضا- ندبا، ونوى غيره الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة ندبا. أيضا. والفرق بين السلام وتكبيرة الإحرام حيث اتفق على النية فيها، أن الصلاة فيها تكبيرات كثيرة فطلبت النية لتكبيرة الإحرام لتمتاز عن غيرها، وأنه قبل الصلاة غير متلبس بتلك العبادة الخاصة فطلب بالنية. والخروج منها ليس بعبادة خاصة بل من تمام العبادة التي هو متلبس بها. قاله بناني. ولو خرج من الظهر بنية العصر ففي بطلان صلاته قولان، أصحهما البطلان، أي إن كان عامدا، وإن كان ساهيا أتى بغيره، وسجد بعد السلام.
تنبيه: قال في الشفا: واستحب أهل العلم أن ينوي الإنسان حين سلامه كل عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة وبني آدم والجن انتهى. يعني إذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قاله الإمام الحطاب.
ولما كان الأصل تساوي صورة تسليمة التحليل وغيرها، نبه على أن غيرها يجزئ فيه ما لا يجزئ فيها. كما في الشبراخيتي. فقال: وأجزأ في تسليمة الرد سلام عليكم يعني أنه يجزئ في تسليمة الرد على الإمام وعلى من باليسار وأولى التحية، كما للأمير، سلام عليكم مرتبا منكرا، وكذا يجزئ في تسليمة الرد أيضا عليك أو عليكم السلام بالتقديم، والتأخير، والإفراد، والجمع.
стр. 908
والأفضل كونه كالتحليل ويشعر به أجزأ. ومفهوم قوله: "في تسليمة الرد" أن ذلك لا يجزئ في تسليمة التحليل كما مر. وينبغي للإمام تخفيف السلام، وتكبيرة الإحرام، ولا يبالغ في التخفيف حتى يؤدي إلى حذف الألف، فلا يجزئه تسليمه، ولا تكبيره كما قاله الشبراخيتي في السلام، وكما مر في التكبير.
وطمأنينة يعني أن من فرائض الصلاة الطمأنينة في جميع الأركان، وهي استقرار العضو زمنا مّا زيادة على ما يحصل به الواجب من انحناء واعتدال، وتحصل الطمأنينة ولو في حال الدبيب كمن ركع دون الصف حين يخشى فوات ركعة. كما في الشبراخيتي عند قول المصنف: "وركع من خشي فوات ركعة دون الصف إن ظن إدراكه قبل الرفع". الشيخ زروق: من ترك الطمأنينة أعاد في الوقت على المشهور. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقيل: بعدم فرضية الطمأنينة، والقول بوجوبها هو الأصح. كما في الشبراخيتي. لحديث الأعرابي (١).
وترتيب أداء يعني أن ترتيب الأداء من فرائض الصلاة، وترتيب الأداء هو الإتيان بأقوالها وأفعالها في مراتبها أي أماكنها؛ بأن يبدأ بالإحرام، ثم بالقراءة، ثم الركوع، وهكذا إلى آخر الصلاة. والمراد ترتيب أداء الفرائض، فلو قدم السورة على الفاتحة لم تبطل، غايته أنه مكروه، والمشهور إعادة السورة إذا قدمها على الفاتحة. وعليه ففي السجود قولان لابن سحنون وابن حبيب. قاله الشيخ محمد بن الحسن واعتدال يعني أن الاعتدال من فرائض الصلاة، والاعتدال في القيام والجلوس بأن لا يكون منحنيا، بل منتصبا فيهما، والطمأنينة والاعتدال يوجدان معا فيمن نصب قامته في القيام أو الجلوس وبقي حتى استقرت أعضاؤه. ويوجد الاعتدال فقط فيمن نصب قامته فيهما، ولم يبق حتى تستقر أعضاؤه. والطمأنينة فقط فيمن استقرت أعضاؤه في غير القيام والجلوس، وهذا يخالف قول ابن عبد البر: رفع اليدين في الرفع من السجود فرض عند الجميع،
стр. 909
إذ لا يعتدل من لم يرفعهما. والاعتدال في الركوع والسجود والرفع منهما فرض، لأمره ﷺ بذلك وفعله له، وقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي (١))، وقوله ﷺ : (لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده (٢))، ولا خلاف في ذلك. إنما الخلاف في الطمأنينة بعد الاعتدال، ولم نعد قول أبي حنيفة وبعض أصحابنا خلافا لأنهم محجوجون بالآثار وبما عليه الجمهور نقله سيدي محمد بن عبد الباقي. وروى الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود (٣))، وقال حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم. نقله الثعالبي المالكي. وروى أبو داوود الطيالسي بسنده عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة حفظك الله كما حفظتني فترفع، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها قالت الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني فتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه (٤)). نقله الثعالبي -أيضا-. ومر عن الشبراخيتي: وكيفية ركوعه ﷺ محمولة عندنا على الكمال، وقد ورد في كيفية ركوعه ﷺ (أنه كان إذا ركع وطأ ظهره حتى لو وضع على ظهره كوز من ماء لم يهرق منه شيء (٥))، وما ذكره الشبراخيتي مخالف لما نقلته عن هذين الإمامين. والله سبحانه أعلم. وفي نوازل ابن هلال بعد جلب أحاديث: ولهذه الأحاديث الكريمة قال علماؤنا: ابن كنانة، ومطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ رضوان الله عليهم: أن من لا يقيم صلبه في ركوعه ولا في سجوده دون سهو، ولا عذر في فرض أو نفل فشهادته غير جائز، والقادح في الشهادة قادح في الإمامة. انتهى. وقد قدم قبل هذا أنه لا تجوز إمامة من لا يتم الركوع والسجود ولا صلاته فذا، وما ذكره المصنف من وجوب الاعتدال هو الذي في مختصر
стр. 910
ابن الجلاب، وصححه المصنف بقوله: على الأصح وعليه فإن لم يعتدل وجبت الإعادة لخبر المسيء لصلاته حيث قال له النبي ﷺ : (ارجع فصل فإنك لم تصل) الخ، وقال ابن الحاجب: فلو لم يعتدل، فقال ابن القاسم أجزأه ويستغفر. وقال أشهب: لا يجزئه، وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، وإلا فلا، قاله الش وغيره.
والأكثر على نفيه يعني أن الأكثر من العلماء على نفي وجوب الاعتدال إلى سنيته، وعليه فإن سها عنه سجد للسهو، وقوله: "والأكثر على نفيه" ضعيف وبقي على المصنف فرضان القيام للركوع، والجلوس بين السجدتين، ويمكن أن يستغنى عن الأول بقوله: يجب بفرض قيام، وعن الثاني بالاعتدال. وذكر المصنف خمس عشرة فريضة. وقوله: "والأكثر على نفيه"، قال الإمام الحطاب: ما عليه الأكثر هو الظاهر من مذهب المدونة، ومن كلام ابن بشير وغيره. قال فيها: وصلاتهم على ظهرها أفذاذا أحب إلي من صلاتهم محنية (١) رؤوسهم تحت سقفها. انتهى. ابن بشير: وهذا محمول على أن الانحناء كثير، وأما لو كان يسيرا لكان الجمع أولى. وقال الشيخ أبو الحسن: والخباء مثل السفيفة. انتهى. ولم يذكر المصنف الخشوع؛ وهو كما في ابن عرفة عن ابن رشد: الخوف باستشعار الوقوف بين يدي الخالق. ابن رشد: هو فرض لا ركن ولا شرط. انتهى. وانظره مع قول المصنف: وتفكر بدنيوي، فإنه يضاد الخشوع بالمعنى المذكور، فيكون حراما، مع أن المصنف حكم فيه بالكراهة، اللهم إلا أن يقال: المكروه هو ما زاد على ما ينافي استشعار الخشوع، أو يراد به استشعار الوقوف في جزء من الصلاة.
ولما أنهى الكلام على فرائض الصلاة، وكان منها ما يعم الفرض وغيره؛ وما يخصه دون غيره كالقيام -وكانت السنن كذلك- شرع فيها، وبدأ بالسورة لأنها أول السنن في الفعل، فقال: وسنتها سورة؛ يعني أن من سنن الصلاة قراءة سورة، وإنما تحصل بها السنة حيث قرئت بعد الفاتحة، فلو أتى بها قبل الفاتحة لم تحصل السنة، وليعدها بعد قراءة الفاتحة في الأولى
стр. 911
والثانية؛ يعني أن السورة إنما تسن في الركعة الأولى وفي الثانية، وهي سنة في كل ركعة بانفرادها من رباعية أو ثلاثية، أو ثنائية ولذا استحسن لفظه على من قال في الأوليين لعدم شموله الثنائية، فلو نسيها فيهما لم يقرأها في الأخريين خلافا لأبي حنيفة، وتحصل السنة ولو بآية قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ لا بعضها ما لم يكن له بال كآية الكرسي والدين: وترك إكمال السورة مكروه: قال الشيخ عبد الباقي: على المشهور، وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر من أين له هذا التشهير، فقد ذكر في التوضيح قولين لمالك بالكراهة والجواز من غير ترجيح، وليس في الحطاب تشهير وإنما فيه الكراهة، وإكمال السورة مندوب لعدم السجود إن لم يكملها. وقد يقال لا سجود لأنه سنة خفيفة، ويكره عدم إكمال السورة لما روي أنه ﷺ (نهى أن يصلي الرجل مختصرا (١)). قيل: لم يتم السورة. انظر الشادلي. وتكره السورة فيما عدا الأولى والثانية، وليقرأ السورة إذا كرر الفاتحة لعدم حصول السنة بتكريرها، وكونها بعد الفاتحة شرط لها فيعيدها إذا قدمها -كما مر- وفي سجوده قولان، وقيل: كونها بعدها سنة، فلو قدمها أتى بسنة وترك سنة، ويكره قراءة سورتين كما شهره ابن عرفة، وقيل: يجوز، والأفضل قراءة سورة واحدة، وينبغي أن يكون سورة وبعض أخرى مكروها وهذا في حق الفذ والإمام، وأما المأموم فيقرأ مع الإمام فيما يسر فيه إذا فرغ من السورة، وهو أفضل من سكوته، وله أن يدعو كما قاله الإمام الحطاب. وفيه: وإن ركع الإمام وهو في أثناء السورة أو الآية قطعها وركع، وابتدأ في الركعة الثانية بسورة غيرها. قاله في النوادر. ولا يكره تخصيص صلاته بسورة فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. ويحرم تنكيس آي سورة واحدة بركعة واحدة أو زمن واحد ولو بغير صلاة، وأما تنكيس الآي بركعتين فمكروه، وكره تنكيس سورتين أو سور بصلاة أو غيرها إن قصد القرآن، فإن قصد الذكر المجرد كالذي يجمع تهليل القرآن أو تسبيحه فخلاف الأولى فقط، والأولى ترتيبه على ما في القرآن. ومن التنكيس المكروه قراءة النصف الأخير ثم الأول في ركعة أو ركعتين، وتحصل به السنة، وتبطل الصلاة بالتنكيس الحرام؛ لأنه كالكلام الأجنبي. وظاهر المصنف
стр. 912
حصول السنة ولو قرأ في الثانية سورة لا تلي المقروءة في الأولى بل بعدها وهو كذلك. كما قال الشيخ الأمير: وليس ترك ما بعد السورة الأولى هجرا لها. انتهى. ويكره عند الحنفية الفصل بسورة لا بسورتين فأكثر، وظاهره أيضا: ولو قرأ في الثانية سورة قبل السورة الأولى. وقال الباجي: يكره. وسمع ابن القاسم: هو من عمل الناس، وهو والترتيب سواء، ورواية مطرف: والترتيب أفضل. ابن رشد: لعمري إنه أحسن؛ لأنه جل عمل الناس، فعدم الترتيب من عمل الناس والترتيب جل عملهم. عياض: ولا خلاف في جوازه، وإنما يكره في ركعة واحدة، وتحصل السنة ولو كرر سورة الأولى في الثانية. ابن عرفة: مكروه، وذكر غيره أنه خلاف الأولى، وانظر هل يجري مثل ذلك في النفل أم لا؟ ويجوز في النافلة قراءة سورتين في ركعة واحدة من غير كراهة، وكره مالك تكرار ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة ليلا يعتقد أن أجر قارئها ثلاثا كأجر قارئ القرآن لخبر: (إنها تعدل ثلث القرآن (١))، وليس معناه ذلك عند العلماء. ومقتضى كلامه في البيان أن: الكراهة خاصة بحافظ القرآن، وحكى ابن السيد عن الفقهاء والمفسرين أن: قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات ثوابها كثواب ختمة كاملة، ويجري مثله في حديث: (إذا زلزلت تعدل نصف القرآن (٢)). قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ولا يقرأ السورتين إلا مأموم خشي من سكوته تفكرا مكروها، ولا يكره التزام سورة مخصوصة بخلاف دعاء مخصوص. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يكره تخصيص الصلاة بسورة فيما يظهر.
قال جامعه عفا الله عنه: قد مر عن ابن عرفة أن تكرير السورة مكروه، وعن غيره أنه خلاف الأولى. وحينئذ فمعنى ما ذكره هذان الشيخان من عدم كراهة تخصيص الصلاة بسورة حيث لم يكررها، بل التزم سورة في الأولى وسورة أخرى في الثانية. هذا على ما نقل عن ابن عرفة، وأما على ما لغيره فلا إشكال والله سبحانه أعلم. وفي ابن زكري على النصيحة الكافية: ومن آفات الصلاة أن يدخل فيها فيقف متفكرا فيما يقرأ من الآيات المناسبة لقصده، كأن يقرأ بـ ﴿أَلَمْ
стр. 913
نَشْرَحْ﴾ إذا كان مطلبه البسط. وحصول اليسر بعد العسر، وسورة الناس لذهاب الوسواس. ونحو ذلك وكأن يقرأ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لرد الضالة. وهذا مذهب للخشوع مدخل في البدعة لكونه مخالفا للسنة: ومنها أن تكون له سورة معلومة لا يقرأ بغيرها في الصلاة لإخلاله بالسنة من التطويل في موضعه، أو التوسط في موضعه، أو التقصير في موضعه. ومنها التخفيف جدا بحيث يوقع في ترك الطمأنينة الفرض أو الزائد المسنون، لأجل أن الإمام مأمور بالتخفيف، وهذا جهل بالسنة يغلط فيه الناس. ومنها التطويل جدا حتى يذهب بالخشوع، وهو يعم الإمام والفذ أو يؤذي من خلفه، وهو خاص بالإمام وقد رأى بعض العلماء بطلان صلاة السمع والمصلي بتسميعه. انتهى. وقد مر عن الحطاب أنه إذا ركع الإمام والمأموم في أثناء السورة أو الآية، فإنه يقطعها ويركع ويبتدئ في الركعة الثانية بسورة غيرها. واعلم أن من نوى أن يقرأ سورة يستحب له أن لا يركع حتى يقرأ قدرها، [قال ابن القاسم من كتاب الوضوء (١)] فيما إذا وقف القارئ في الصلاة وأعيا: أحب إلي أن يبتدئ سورة أخرى. قال ابن رشد: وجه استحبابه أنه لما افتتح بسورة فقد نوى إتمامها فاستحب له أن لا يركع حتى يقرأ قدر ما كان نوى قراءته. وفي الصحيح (أن رسول الله ﷺ قرأ المؤمنون، فلما أتى على ذكر موسى أو عيسى، أو موسى وهارون أخذته سعلة، فركع (٢))، فدل ذلك على أنه يكتفى في السنة ببعض السورة، ولا تتوقف السنة على كمالها. وقوله: أو موسى وهارون، هو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾. وهذا إما اختلاف في الرواية أو شك فيها. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: وسننها سورة الخ. اعلم أن كل سنة في الفرض سنة في النافلة إلا الأربع الأول في كلامه هنا وهي السورة، والقيام لها، والجهر، والسر بمحلهما؛ فإن هذه الأربع مندوبة في النفل فلا يوجب السهو عنها، ولا عن بعضها سجودا، وسواء في ذلك الوتر وغيره. قال في البيان: ما زاد على الفاتحة في الوتر مستحب، وقوله: وسننها سورة. الخ هذا مع اتساع الوقت، وأما مع ضيقه فلا تقرأ السورة.
стр. 914
واعلم أن السهو في النافلة كالسهو في الفريضة إلا في خمس: السورة، والسر، والجهر بمحلهما -كما مر قريبا-، الرابعة إذا عقد ركعة ثالثة في النفل أتم رابعة بخلاف الفريضة، الخامسة إذا نسي ركعة من النافلة وطال فلا شيء عليه بخلاف الفريضة فإنه يعيدها. وذكر صاحب الألغاز عن ابن قداح: أن من ترك السورة في الوتر لا شيء عليه إن كان عمدا، وإن كان سهوا سجد، وإن ترك الفاتحة سهوا سجد لها ولم يعد.
وقيام لها؛ يعني أن القيام للسورة في الفرض سنة في كل ركعة، فلو استند فيها بحيث لو أزيل العماد سقط صحت صلاته بخلاف ما لو جلس لأنه فعل كثير. وجهر أقله أن يسمع نفسه ومن يليه؛ يعني أن الجهر في صلاة الفرض سنة، وأقل الجهر الذي تحصل به السنة لرجل وحده أن يسمع نفسه ومن يليه إذا أنصت، ولا يستحب للمنفرد الزيادة على ذلك، وأما الإمام فيستحب له أن يرفع صوته ليسمع الجماعة الذين خلفه.
واعلم أن أعلى الجهر لا حد له لكن لا يخرج به عن المعتاد، وقوله: ومن يليه، يعني لو كان معه أحد وأنصت له، وأما إذا لم ينصت له فلا يعتبر إسماعه. كما للشيخ إبراهيم. وأما المرأة فجهرها مرتبة واحدة وهو أن تسمع نفسها فقط، كما أن سرها مرتبة واحدة وهو أن تحرك لسانها فقط، فليس فيهما أعلى وأدنى، فإن اقتصرت في الجهرية على حركة اللسان سجدت قبل السلام. هذا الذي يدل عليه كلام ابن عرفة وغيره، قاله الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي. في قوله: وأما المرأة فجهرها كأعلى سرها. انتهى. ونحو ما لعبد الباقي للشبراخيتي والحطاب. وظاهر كلام المصنف أن: الجهر جميعه في محله سنة واحدة وكذا السر، وعليه حمله المواق ومن وافقه لا أن كل واحد منهما في كل ركعة سنة، لكن يسجد لترك الجهر أو السر في ركعة واحدة؛ لأن البعض الذي له بال كالكل. واحترز بقوله: وحده، عن من معه مصل آخر، فإن حكمه في الجهر كحكم المرأة، ولا يجوز له أن يزيد على ذلك، كما أن المرأة لا تزيد على ذلك؛ لأن رفع صوتها عورة. واعلم أن المسجد وضع للصلاة، والقراءة تبع لها، فلا تجوز قراءة من يخلط على من يصلي. انظر الحطاب. وظاهره: ولو كان القارئ حسن الصوت والمصلي في
стр. 915
نفل، والظاهر نهي المصلي عن الجهر ولو اختلفت صلاتهم بالفرض والنفل. قاله الشيخ عبد الباقي. وسر؛ يعني أن السر في صلاة الفريضة سنة، والضمير في قوله: بمحلهما للسر والجهر، يعني أن السر والجهر إنما يسنان بمحلهما، فالجهر سنة بالمحل الذي شرع فيه من صلاة الفرض؛ وهو الصبح، والجمعة، والركعتان الأوليان من المغرب، والأولى والثانية من العشاء. ومحل السر أخيرة المغرب، وأخيرتا العشاء والظهر والعصر. وفي الشبراخيتي عن الطراز (أنه ﵊: كان يجهر في صلاته بالنهار)، وكان المنافقون يجدون بذلك وسيلة فيصفرون ويكثرون اللغط، فشرع الإسرار حسما لمادتهم. ولا بد من حركة اللسان كما مر، فمن قرأ بقلبه في الصلاة فكالعدم. واعلم أن أعلى السر حركة اللسان، وأقله أن يسمع نفسه.
وكل تكبيرة يعني أن كل تكبيرة سنة بمفردها. البرزلي: وهو المشهور، فلو نسي السجود لثلاث وطال بطلت. وقيل: إن التكبير كله سنة واحدة وهو قوي. وعلى هذا القول المقابل للمشهور لا يعيد من سها عن التكبير كله. كما في الحطاب. إلا الإحرام يعني أن كون كل تكبيرة سنة إنما هو فيما عدا تكبيرة الإحرام، وأما تكبيرة الإحرام فهي ركن لا تصح الصلاة إلا بها.
وسمع الله لمن حمده يعني أن قول سمع الله لمن حمده سنة عند الرفع من الركوع، وهل كل واحدة سنة أو الجميع يجري على الخلاف السابق في التكبير؟ وعلى الأول فهو عطف على تكبيرة، وعلى الثاني فهو عطف على سورة. وهل هو خبر؟ فمعناه استجاب الله دعاء من حمده، أو دعاء ومعناه: اللهم اسمع دعاء من حمدك. وقال بعض الأشياخ: المراد به الحث على الحمد والترغيب فيه، وإليه مال الحذاق. وعلى كل فسمع مجاز، وجعل الحمد دعاء ويستجيبه الله تعالى؛ لأن الحمد على النعمة يستدعي بقاءها وازديادها لنص: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وبذلك وجه: (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله (١))، والأصل فيه أن الصديق ﵁ لم تفته صلاة خلف رسول الله ﷺ ، فجاء يوما يهرول وقت العصر وظن أنها فاتته، فاغتم فوجده ﷺ راكعا، فقال: الحمد لله، وكبر خلف رسول الله صلى