عمدا فثبتت فله القود فيها والأذن كذلك، ولو رد السن في الخطإ فثبتت كان له العقل. وقال البناني: اللخمي: إن رد الأذن أو السن فثبتتا أو نبتت في مكان السن أخرى ففي العمد له القود اتفاقا والخطأ في السن وشبهه مما فيه دية مسماة. قال ابن القاسم في المدونة في السن: له ديتها. محمد: ليس السن عنده كغيرها لأنه يرى فيها ديتها، ويختلف في أشراف الأذن إذا ردهما في قطع الخطإ، فعلى أن فيهما حكومة لا شيء له، وعلى أن فيهما الدية تكون له الدية كالسن. انتهى.
كالجراحات الأربع يعني أن الجراحات الأربع الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة إذا برئت فإنه يأخذ عقلهن إن كان لم يأخذه، وإن كان قد أخذه لم يرده وإن عاد محلها لهيئته، وهذا حجة على أشهب في ثبوت السن لأنه وافق في هذه دون الأول، فالكاف للاستدلال. وكذا لو جرح ثانية فله عقلها، قال المواق: ابن شأس: الموضحة إذا برئت وعادت لهيئتها لم يسترد أرشها وكذلك سائر الجراحات الأربع، وكذا لو جرح ثانية في الموضع نفسه لكان فيه دية أيضا. انتهى. وقال عبد الباقي: كالجراحات الأربع الجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة إذا عادت لهيئتها فلا يرد ما أخذه من ديتها، وكذا الهاشمة والدامغة ولو برئت على غير شين عند ابن القاسم في المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي: كالجراحات الأربع وهي الجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة لتقدير الشرع دياتها بحصول موجبها. انتهى. وقال التتائي: وشبه عدم الرد بالجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة، فقال: كالجراحات الأربع فإنه اتفق على أخذ عقلها وإن عادت لهيئتها، ووجه التشبيه التقدير في كل منهما. انتهى.
ورد في عود البصر يعني أنه إذا جنى عليه جناية فأذهب بصره فأخذ المجني عليه دية بصره ثم عاد إليه بصره، فإن المجني عليه يرد ما أخذه لأجل عود البصر له، ولو كان لم يأخذ لها دية لا دفع إليه شيئا، قال عبد الباقي: ورد العقل للجاني من المجني عليه أخذه بحكم حاكم أم لا في عود البصر للمجني عليه كما كان. انتهى. وقال الشبراخيتي: ورَدَّ المجني عليه دية أخذها لذهاب بصره في عود البصر لهيئته؛ لأن ذلك دليل على عدم ذهابه، وإنما حصل فيه آفة إذ لو ذهب لم يعد، وسواء أخذ ذلك بقضية أو لا، خلافا لابن المواز: لا يرد بعد
стр. 8647
القضاء. انتهى. وقال الرهوني: قول عبد الباقي: أخذه بحكم حاكم أم لا صحيح على قول ابن القاسم في المدونة، خلافا لأشهب. انتهى.
وقوة الجماع يعني أنه إذا فعل به فعلا أذهب به قوة الجماع منه؛ بأن أَبطل إنعاظه فأخذ لذلك ديته ثم إنه عادت له قوة الجماع، فإن المجني عليه يرد ما أخذ للجاني، والفرق بين السن والبصر، أن البصر إذا عاد اعتقد أنه لم يذهب حقيقة وإنما ستره ساتر، وفي البيان: لا خلاف أنه لو عاد البصر أو العقل قبل الحكم لا يقضى له بشيء، وبعد الحكم يرد الدية في البصر عند ابن القاسم لا عند أشهب، ولمحمد ثالث: إن كان بقضاء بعد الإناءة لم ترد وإلا ردت، والسمع في كل ذلك كالبصر. وأما العقل فلا ترد ديته بعد الحكم بعوده عند أشهب، وهل يرد عند ابن القاسم لقوله في البصر أو لا يرد كما لأشهب لأن العقل يذهب حقيقة ثم يعود بخلاف البصر. نقله في التوضيح. قال الشارح: وفيه نظر، فإن العقل لو زال حقيقة لم يعد، ونقل عن مالك أن الكلام إذا عاد لزم رد ما أخذ. قال عبد الباقي: وينبغي أيضا الرد في عود الشم والذوق واللمس، وقال المواق: ابن عرفة: قول ابن شأس: إن رجعت إليه قوة الجماع رد ما أخذ، صواب. انتهى.
ومنفعة اللبن يعني أنه إذا فعل بالمرأة فعلا فأبطل به مجرى اللبن، فأخذت الدِّية لذلك فعاد لها اللبن: فإنها ترد ما أخذت. قال عبد الباقي: ومنفعة اللبن إذا عادت كما كانت قبل قطع الحلَمَتَين ولو من حيوان غير ناطق، وكذا في عود السمع والكلام والعقل كما يفيده الشارح في الأول هنا، وفي الأخيرين عند قوله: "وفي الأذن إن ثبتت تأويلان"، وينبغي أيضا الرد في عود الشم والذوق واللمس، فإن كانت الجناية عمدا واقتص من الجاني ثم عاد للمجنى عليه فَهَدَرٌ لا من خطإ الإمام، فإن عاد ما ذكر للجاني لم يقتص منه ثانيا فيما يظهر. انتهى.
قوله: فإن كانت الجناية عمدا واقتص من الجاني، قال الرهوني: سكت عما إذا عاد ذلك قبل القصاص فلم يصرح بحكمه، ولكن في كلامه إشعار بأنه يسقط القصاص وهو كذلك، قال اللخمي: ولو ضرب رجل الأذن فَصَمَّ أو العين فَعَمِيَ ثم عاد إليه سمعه أو بصره لم يكن له أن يقتص في العمد ولا دية له في الخطإ، وإن كان فيهما دية مسماة بخلاف السن لأنه لم يذهب
стр. 8648
سمعه وبصره في الحقيقة، ولو ذهب ما عاد وإنما يحمل ذلك على أنه عرض للأذن سد أو ما أشبه ذلك، وفي العين ما حال بين نفوذ نور العين، فإذا ذهب العارضُ سَمِعَ هذا وأبصر هذا بما كان خُلِقَ يهِ من أولُ، وكذلك العقل فإذا ذهب ثم عاد لم يكن فيه قصاص في العمد ولا دية في الخطإ، واختلف إذا أخذ عقل العين قبل أن يعود نورها ثم عاد، فقال ابن القاسم في المدونة: يرد ما أخذ. وقال أشهب في كتاب محمد: لا يرد ذلك ولعل ذلك، بقضاء إمام عادل. انتهى.
وقوله: فإن عاد ما ذكر للجاني لم يقتص منه فيما يظهر، انظر قوله: فيما يظهر مع تصريح غير واحد بذلك، ونقله ابن عرفة عن ابن رشد واللخميُّ عن الموازية وقبله، ولم يحك خلافه في السن والأذن، فإنه لما ذكر عن ابن رشد الأقوال الثلاثة في عودها في الخطإ قبل الحكم، قال عنه متصلا به: ولا خلاف بينهم في القود فيهما ولو عادا لهيئتهما، فإن اقتص بعد أن عَادَا لهيئتهما فعادت أذن المقتص منه فذاك، وإن لم تعد فلا شَيْءَ له، وإن عادت سن المستقاد منه ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه غرم العقل. قاله أشهب في الموازية. ثم قال: وذكر -أي اللخمي عن محمد-: إذا عادت سن الجاني وأذنه ولم يعودا من المجني عليه مثل ما ذكر ابن رشد. انتهى. ونص كلام اللخمي، قال محمد: ولو رَدَّ ذلك المستقاد منه في الأذن والسن فثبتت ولم تثبت للأول رأيت لصاحب السن أو الأذن عقلها ولم أر له أن يقتص منه ثانيا؛ لأن حق الأول كان شيئين وجود الألَمَ وذهاب ذلك الشيء، وقد كان وجود الألم مرتين فجعلت له الدية دون معاودة القصاص، والقياس أن يكون له أن يقطعه ثانية لأن وجود الألم تبع والعمدة وجود الشين والمثلة بذهاب ذلك منه كالأول، وإذا كان له منعه وكان متعديا في إعادة ذلك كان له إزالة ما تعدى فيه. انتهى.
وفي الأذن إن ثبتت تأويلان يعني أنه إذا قطع أذنه خطأ فأخذ لذلك عقلها ثم إن الأذن ردت فثبتت، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك، فذهب ابن رشد إلى لزوم العقل وأن المجني عليه لا يرده إن كان قد أخذه، قال في البيان: وهو مذهب المدونة، ورأى عبد الحق مذهب المدونة كرواية يحيى عن ابن القاسم: لا عقل لها فيرد المجني عليه العقل إن كان قد أخذه. قاله التتائي. والفرق بين السن والأذن على القول بالرد في الأذن أن الأذن إذا ثبتت جرى فيها الدم، والسن
стр. 8649
إذا ثبتت أو نبتت لا يجري فيها الدم. واللَّه تعالى أعلم. وقال الرهوني: تأويل رد العقل لعبد الحق في النكت، وتأويل عدم الرد لابن رشد في البيان، وقد نقل أبو الحسن عن ابن يونس ما يفيد أنه حمل المدونة على ما حملها عليه صاحب النكت، وجعل رواية يحيى تفسيرا، وقد جزم ابن ناجي بحمل المدونة على ما في سماع يحيى وعزاه لابن يونس، ونصه: وقوله: ولو رد السن في الخطإ فثبتت كان له العقل المسألة تخصيصه السن يقتضي أنه إذا أزيلت الأذن في الخطإ فردت وعادت لهيئتها فإنه لا دية فيها وهو كذلك. قاله في سماع يحيى حكاه ابن يونس، وأراد بعض الشيوخ أن يخرج فيها خلافا. انتهى. وهذا مع جزم ابن الحاجب به يفيد أن الثاني في كلام المصنف أرجح، ويرجحه أيضا أنه ظاهر المدونة مع تصريح ابن القاسم به في سماع يحيى فلا وجه للعدول عن ظاهرها مع تصريح ابن القاسم في غيرها بما يوافقه، فلو اقتصر عليه المصنف لأجاد. واللَّه أعلم. وفي التوضيح: وقوله -يعني ابن الحاجب- بخلاف الأذن أي فلا عقل لها إن عادت لهئيتها، وهكذا فرق ابن القاسم في سماع يحيى، قال في الرواية المذكورة: وإن كان في ثبوت الأذن ضعف فله بحساب ما نقص من قوتها: وتعددت الدية بتعددها يعني أن الدية تتعدد بتعدد الجناية، فإذا أوضح رجلا فذهب من ذلك سمعه وعقله فعلى عاقلته ديتان تامتان ودية الموضحة، وإذا قطع يديه فزال عقله مثلا فإنه يلزمه ديتان دية لليدين ودية لذهاب العقل، ولو قطع يده فجن فديَتان، وفي الذخيرة: قضى عمر ﵁ فيمن ضرب بحجر في رأسه فذهب سمعه وكلامه وعقله وَإصَابَةُ النِّسَاء بأَرْبَع ديات، وهو كذلك عند مالك لأن الرأس ليس محلا للعقل. قاله غير واحد. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: ابن عرفة: قول ابن شأس: لو ضرب صلبه فبطل قيامه وقوة ذكره حتى ذهب منه أمر النساء لم يندرج، ووجبت ديتان، كقولها: من شج رجلا موضحة خطأ فذهب من ذلك سمعه وعقله فعلى عاقلته ديتان ودية الموضحة. انتهى.
إلا المنفعة بمحلها يعني أن محل تعدد الدية بتعدد الجناية إنما هو إذا لم يذهب المنفعة مع محلها، وأما إن أذهب المنفعة ومحلها فإن في ذلك دية واحدة، كما لو قطع أذنيه فزال سمعه، وكما لو قطع لسانه في فور فأذهب ذوقه وكلامه فإن في ذلك دية واحدة. قال عبد الباقي: إلا
стр. 8650
المنفعة الكائنة بمحلها أي الجناية فلا تتعدد الدية في ذهابها مع محلها، كقطع أذنيه فزاد سمعه فدية واحدة أو قلع عينيه فزال بصره فدية واحدة ولا حكومة في محل كل، فإن تعددت المنفعة في محل كما لو جنى على لسانه فأذهب ذوقه ونطقه، وكذا إن فعل به ما منع واحدًا منهما أو هما مع بقاء اللسان فدية واحدة إن أذهب ذلك كله بضربة أو ضربات في فور، وأما بضربات في غير فور فَتَتَعَدَّدُ. انتهى.
ومراد المصنف "بمحلها" الذي لا توجد إلا به، فإن وجدت بغيره وبه ولو أكثرها، ككسر صلبه فأقعده وذهبت قوة الجماع فعليه دية لمنع قيامه ودية لعدم قوَّةِ الجماع، وإن كان أكثرها في الصلب. قال عبد الباقي: ولا يشمل قوله: "بمحلها" الأذن والأنف وإن اقتضاه الشارح والتتائي كابن الحاجب، بل في قطع الأذن أو الأنف غير المارن حكومة، والدية في السمع والشم لأن السمع ليس محله الأذن إلى آخر كلامه. قوله: كقطع أذنيه فزال سمعه الخ هذا هو الصواب دون قوله بعد: "ولا يشمل قوله بمحلها الأنف والأذن" الخ، فإنه مخالف لنص ابن الحاجب وابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة والمواق وابن غازي والحطاب وغيرهم، ونص ابن الحاجب: وكذلك الشم فيه الدية ويندرج في الأنف كالبصر مع العين والسمع مع الأذن. انتهى. ونص ابن عرفة: قال اللخمي: إن ذهب الأنف والشم معا، فقال ابن القاسم: فيهما معا دية واحدة، وقال ابن الجلاب: القياس ديتان والأول أحسن. انتهى. وكذا ذكر هذا الخلاف أيضا في ذهاب السمع مع الأذن، وأما تعريف السمع الذي ذكره وكذا الشم فإنما هما للفلاسفة، وإلا فأكمل السنة لا يقولون بذلك، ومن عرفه من أهل السنة بذلك فقد قلد الفلاسفة فيه ولو سلم، فالفقه المنصوص للأئمة لا يدفع بمثل هذا، فتأمله. واللَّه أعلم.
تنبيه: قوله: "إلا المنفعة بمحلها"، قال البناني: يحتمل أن تكون الباء بمعنى: مع، والضمير للمنفعة، ويحتمل أن تكون بمعنى: في، والضمير للجناية أي إلا المنفعة الكائنة في محل الجناية والمعنى واحد، ويحتمل أن تكون للسببية. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: أي إلَّا إبْطَال المنفعة بسبب إبطال محلها. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8651
وساوت المرأة الرجل للثلث ديته فترجع لديتها يعني أن المرأة تساوي الرجل من أهل دينها إلى ثلث ديته والغاية خارجة، فإذا بلغت الجناية ثلث ديته رجعت المرأة إلى ديتها، فإذا قطع لها ثلاث أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، فإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرون من الإبل هذا في الأحرار المسلمين وثلاث أصابع للكتابية خمسة عشر من الإبل، فإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرة من الإبل. واللَّه تعالى أعلم. قال الخرشي: يعني أن المرأة تساوي الرجل من أهل دِينِها إلى ثلث ديته، فترجع حينئذ إلى ديتها، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، وإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرون من الإبل لرجوعها إلى ديتها وهي على النصف من دية الرجل من أهل دينها، والمرأة كالرجل في منقلتها وهاشِمَتِهَا وموضحتها، ولا تكون مثله في جائفتها وآمَّتها لأن في كل ثلث الدية، فترجع فيهما لديتها فيكون فيها ثلث ديتها ستة عشر بعيرا وثلثا بعير. انتهى.
وقال عبد الباقي: وساوت المرأة الرجل من أهل دِينِها في قطع أصابعها لثلث أي إلى ثلث ديته بإخراج الغاية، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، فإن قطع لها ثلاثة أصابع وثلث أصبع أو قطع لها أربعة أصابع فترجع لديتها فلها في الأربع عشرون من الإبل لرجوعها لديتها، وهي على النصف من دية الرجل من أهل دينها. انتهى. قوله: في قطع أصابعها الخ تخصيصه ذلك بقطع الأصابع غير صواب، ولو قال: في جراحها أو بعض منفعتها كعشر العقل أو ربع البصر مثلا لكان أولى. انتهى. قاله البناني. وقال الشبراخيتي: وساوت المرأة من أهل كل دين الرجل من أهل دينها في جراحه لثلث ديته، فترجع حينئذ لديتها فتساويه في الموضحة والمنقلة والهاشمة، وترجع لديتها في الجائفة والمأمومة؛ إذ في موضحتها نصف عشر الدية وفي منقلتها وهاشمتها عشر الدية ونصف عشرها، وذلك لا يبلغ ثلث دية الرجل، وأما الجائفة أو المأمومة ففيها ثلث الدية فترجع فيها لديتها، وحينئذ فالمرأة المسلمة مع الرجل المسلم والكتابية مع الكتابي والمجوسية مع المجوسي ترجع لديتها فيهما، وعليه ففي أصبع المرأة عشرة أبعِرَة، وفي أصبعين عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي ثلاثة ونصف أنملة واحد
стр. 8652
وثلاثون وثلثان، فتساويه وتخالفه في ثلاثة وأنملة، فلها في ذلك ستة عشر بعيرًا وثلثان لبلوغها الثلث.
قال ربيعة: قلت لابن المسيب: كم في أصبع من أصابع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: كم في أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: كم في ثلاثة؟ قال: ثلاثون، قلت: كم في أربعة؟ قال: عشرون: قلت: حين عظم جُرْحُهَا واشتدت بليتها نقص عقلها؟ قال: أَعِرَاقِيٌّ أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: هي السنة يا ابن أخي، وبذلك قال جمهور أهل المدينة والليث وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وأحمد، وقال أبو حنيفة: والشافعي: تعاقله للنصف. وقوله: "وساوت" الخ في قوة الاستثناء من قوله: وفي كل أصبع عُشُرٌ لأن المعنى وفي كل أصبع عشر دية صاحبه وهذا يصدق بالمرأة واستثناها منه، وكأنه قال: وفي كل أصبع عشر إلا ما حكم الشرع فيه بالتساوي. انتهى. وقال المواق من المدونة: المرأة تعاقل الرجل في الجراح إلى ثلث ديته لا تستكمله، فإذا بلغت ذلك رجعت إلى عقل نفسها، وتفسير ذلك أن لها في ثلاث أصابع ونصف أنملة إحْدَى وثلاثين بعيرا وثلثي بعير، والرجل في هذا وهي سواء، وإذا أصيب منها ثلاث أصابع وأنملة رجعت إلى عقلها فكان لها في ذلك ستة عشر بعيرا وثلثا بعير، وفي الموطإ عن ربيعة: قلت لابن المسيب: كم في ثلاث من أصابع المرأة إلى آخر ما مر.
ولما نبه على أن المرأة تساوي الرجل فيما دون ثلث ديته، بَيَّنَ ما يضم من الجناية بعضه لبعض وما لا يضم، فقال: وضم متحد الفعل يعني أنه إذا فعل بالمرأة فعلا واحدا فإنه يضم ما نشأ عن ذلك الفعل بعضه إلى بعض، فإذا بلغ ذلك ثلث دية الرجل رجعت هي لديتها وما دون الثلث تساويه فيه، فإذا ضربها ضربة واحدة شجَّها وقطع بها أصابع -مثلا- فإنه تضم الشجة للأصابع، فإن بلغ ثلث دية الرجل رجعت لديتها، فإذا نشأت عن تلك الضربة منقلة وقطع أصبع ففي ذلك خمس وعشرون من الإبل، فإذا أوضحها مع ذلك موضحتين ففي ذلك سبعة عشر ونصف.
أو في حكمه يعني أن ما في حكم الضربة الواحدة كضربات في فور يضم بعضه لبعض، اتحد المحل كأربع أصابع ففيها عشرون، أو لم يتحد كمنقلة وقطع أصبع وقلع سنين ففي ذلك سبعة
стр. 8653
عشر ونصفا. واللَّه تعالى أعلم. أو المحل يعني أن الجناية في المرأة إذا وقعت في محل واحد فإنه يضم بعضها لبعض، اتحد الفعل أو لم يتحد، ولم يكن في حكم المتحد كأصابع يد فقط أو رجل فقط، فإذا قطع لها ثلاث أصابع من اليد اليمنى أخذت لها ثلاثين، فإذا قطع الاثنين الباقيين منها أو واحدا منها أخذت للاثنين عشرًا وللواحدة خمسا، وإذا قطع لها ثلاثا من اليد اليمنى أخذت لها ثلاثين، فإذا قطع لها ثلاثا من اليد اليسرى أخذت لها ثلاثين أيضا، فإذا قطع لها بعد ذلك أصبعا واحدا فأكثر من أي يد فإن لها في كل خمسا من الإبل فيما يستقبل لا في الماضي.
وهذا الضم الكائن في المحل الواحد حيث لم يكن الفعل متحدا ولا في حكم المتحد، إنما هو في الأصابع فقط. هذا هو الذي قاله المصنف. ويأتي ما فيه لا الأسنان يعني أن الأسنان لا يضم بعضها لبعض في الجناية على المرأة متى تراخى الفعل، فتأخذ لكل سن خمسا من الإبل من جناية لم تكن متحدة ولا في حكم المتحدة، والمواضح يعني أن المواضح في الجناية على المرأة كالجناية على أسنانها، فلا يضم بعض المواضح لبعض بل تأخذ لكل موضحة خمسا من الإبل حيث لم يكن ذلك من فعل واحد ولا مما في حُكْمِهِ كضربات بفور.
والمناقل يعني أن المناقل في المرأة لا يضم بعضها لبعض حيث لم تكن من فعل واحد ولا مما في حكمه، فتأخذ لكل منقلة خمسة عشر من الإبل. وقوله: "لا المواضح والمناقل" قال المصنف: قالوا باتفاق. قاله التتائي.
وتحصل مما مر أن هذه المسألة على أربعة أقسام: أحدها أن يتحد الفعل أو يكون في حكم المتحد فيضم بعض الجناية لبعض فيما إذا اتحد المحل، ثانيها كذلك إلا أنه لم يتحد المحل فالضم ثابت أيضا، ثالثها أن لا يكون ذلك من فعل واحد ولا مما في حكمه بل من أفعال متراخ بعضها عن بعض أو من فعلين كذلك، فيضم أيضا حيث اتحد المحل كالأصابع من اليد اليمنى فقط أو من اليد اليسرى فقط أو من الرجل اليمنى أو اليسرى كما في المواق، وهذا خاص بالأصابع لا في غيرها كالمواضح والمناقل والأسنان. رابعها كذلك إلا أنه لم يتحد المحل فلا ضم في الأصابع وأحرف في غيرها. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8654
قال عبد الباقي: وضم متحد الفعل أي ما ينشأ عن اتحاده ولو تعدد المحل، فإذا ضربها ضربة واحدة أو ما في معناها كضربات في فور أو من جماعة، وهذا مراده بقوله: "أو في حكمه" فقطع لها أربعة أصابع من كل يد إصبعان أو من يد ثلاثة ومن الأخرى أصبع فلها في الأربعة عشرون فقط من الإبل.
فقوله: "وضم متحد الفعل" أي في كل شيء في الأسنان والمواضح والمناقل، وهو من إضافة الصفة للموصوف أي الفعل المتحد، وفيه حذف مضاف أي أثر الفعل وهو الجراحات إذ الفعل نفسه لا يضم، وفائدة الضم أن الجناية إذا بلغت ثلث دية الرجل فترجع لديتها كما مثلنا، وعطف على قوله الفعل، فقال: "أو متحد المحل" ولو تعدد الفعل حيث لم يكن فورا في الأصابع، فإذا قطع لها ثلاثا من يد فأخذت ثلاثين من الإبل، ثم قطع لها من اليد الأخرى ثلاثا فأخذت ثلاثين من الإبل أيضا لأن كل يد محل مستقل، فإذا قطع لها بعد ذلك أصبعا واحدة من أي يد فإن لها في كل خمسا من الإبل فيما يستقبل لا بالنسبة للماضي، فلا ترد ما أخذت. ولو ضربها فقطع لها إصبعين من يدها اليمنى فأخذت لهما عشرين من الإبل، ثم بعد مدة ضربها فقطع لها إصبعين من تلك اليد فإنها تأخذ لهما عشرة من الإبل، ولو كان القطع من غير اليد الأولى لم يضم لأن كل واحدة محل مستقل كما مر لا يضم متحد الفعل في الأسنان أي لا يضم بعضها لبعض، بل تأخذ لكل سن خمسا من الإبل إذا كان ذلك في ضربات متفرقة ليست فورا ولا المواضح والمناقل، فلا يضم بعض الأفعال فيها لبعض، كما لو أوضحها موضحتين فأخذت عقلهما ثم أوضحها مواضح متعددة فلها عقلها كالرجل ما لم يبلغ في المرة الواحدة الثلث.
وحاصل ما مر أن الفعل المتحد أو ما في حكمه يضم في الأصابع والأسنان وغيرهما، وأما إذا اتَّحد المحل فيضم في الأصابع لا في غيرها، "فقوله في الأصابع" متعلق بقوله: "أو المحل"، ولو قال: كالمحل لكان أحسن، ليكون قوله: "في الأصابع" وما بعده من النفي قاصرا على ما بعد الكاف كما هو قاعدته الأغلبية. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال البناني: التقييد بالأصبع راجع للمحل فقط، وفهم ابن مرزوق أنه راجع للمسائل فاعترض على المصنف وليس كذلك، على أن مصطفى اعترض على المصنف في
стр. 8655
تخصيصه المحل بالأصابع، بقول اللخمي: ما أصيب في العين والأنف والسمع وشبهه مما فيه دية فإنه يضم إلى الآخر كالأصابع. انتهى. قلت: ومثله قول أبي الحسن: وأما إذا كان ذلك في شيء واحد له دية كالسمع والأنف والبصر فإنه يجمع عليها، فإن قطع لها من أنفها ما يجب فيه سدس الدية فأخذته، ثم قطع لها بعد ذلك ما يجب فيه سدس الدية فإنها ترجع إلى عقلها لأنها بلغت الثلث، وكذلك الحكم في السمع والبصر. انتهى. وهو يوضح ما قاله اللخمي. انتهى. لكن ما ذكره المصنف نحوه في المدونة قاله في الميسر.
الثاني: قال البناني: قال ابن يونس: قال ابن المواز: اختلف قول ابن القاسم في الأسنان، فجعلها مرة كالأصابع تحاسب بما تقدم إلى الثلث، قال أصبغ: وقوله الأول: في كل سن خمس من الإبل ولا تحاسب بما تقدم وإن أتى على جميع الأسنان لم يكن في ضربة واحدة بخلاف الأصابع، وإلى هذا رجع ابن القاسم وهو أحب إلي. قال محمد: الأسنان عندنا كالرأس يصاب بمواضح أو بمناقل فلا يجمع عليها إلا ما كان في ضربة. ابن يونس: وكذلك لو كان في فور واحد. انتهى. نقله العبدوسي. وقال ابن عرفة: في اختصار ما تقدم: محمد: وتضم الأسنان باتحاد الضربة وفي ضمها باتحاد محلها قولا ابن القاسم وأصبغ: عدم الضم أحب إلي، واختاره محمد. الشيخ: لابن القاسم في المجموعة: لا تضم المواضح والمناقل إلا بكونها في فور واحد. انتهى. وبذلك يتبين الرد على التتائي. انتهى.
الثالث: قال التتائي: الأصبع يذكر ويؤنث. ذكره الجوهري. انتهى.
وعمد لخطإ يعني أن جناية العمد على المرأة لا تضم إلى جناية الخطإ عليها، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع عمدا فاقتصت منه أو عفت عنه، ثم قطع لها بعد ذلك ثلاثة أصابع خطأ فلها في كل أصبع عشر من الإبل، فقوله: "وعمد" الخ عطف على الأسنانِ؛ أي ولا يضم عمد لخطإ اتحد محلهما أو تعدد، وكان الفعل في حكم المتحد. قال الشبراخيتي: ولا عمد لخطإ أي لا يضم عمد لخطإ اتحد محلهما أو تعدد وكان الفعل في حكم المتحد، ولا يتصور أن يكون الفعل هنا واحدا، كما لو قطع لها أربع أصابع اثنين عمدا ثم اثنين خطأ فلها في كل أصبع عشر
стр. 8656
فتأخذ أربعين، وهذا إن أخذت دية الأصبعين الأولين المقطوعين عمدا، بل وإن عفت عنه ولم تأخذ شيئا أو أخذت أقل من دية الإصبع.
وفي المواق: قال ابن القاسم: ولو قطع لها ثلاثة أصابع عمدا ثم قطعت لها الأصبعان الباقيان من تلك اليد خطأ لكان لها فيهما عشرون بعيرا، إنما يضاف بعض الأصابع إلى بعض في الخطإ. انتهى. وقوله: "وإن عفت" هذا هو المعروف ولم يختلف فيه قول ابن القاسم وروايته، قال في البيان: وروي عن أشهب أنه يحسب عليها من أصابعها ما أصيب به عمدا، وهو قول سحنون والبرقي. قاله في التوضيح.
ولما ذكر الديات في النفس وأجزائها كالسمع والبصر واليدين، شرع في بيان من يحملها فقال: ونجمت دية الحر يعني أن دية الحر تنجم على الحاملين لها أي تُوَجَّل، قال عبد الباقي: ونجمت وفي بعض النسخ: ونجم وجرده من التاء لأن الفعل إذا أسند إلى ظاهر مجازي التأنيث جاز فيه ذلك. قاله الشارح. والمقصود هنا ذكر حمل العاقلة سواء كانت دية مسلم أو ذمي أو مجوسي أو نساء كل.
وأشار للشرط الأول بقوله: "دية الحر" فلا تحمل قيمة عبد بل هي حالة على قاتله، وللثاني بقوله: في الخطإ فلا تحمل العمد بل هي حالة على الجاني حيث عفا عنه، وفي حكم الخطإ العمد الذي لا قصاص فيه كالمأمومة والجائفة كما يأتي وللثالث بقوله: بلا اعتراف متعلق بمحذوف حال من دية الحر أي كائنة بلا اعتراف؛ يعني أن ما ثبت باعتراف الجاني أي إقراره لا تحمله العاقلة بل هو حال في مال الجاني. قال عبد الباقي: بلا اعتراف من الجاني بل ثابتة ببينة أوْ لَوْثٍ فلا تحمل ما اعترف به من قتل أو جرح خطأ بل حال في ماله كما أصلح سحنونٌ المدونةَ عليه وهو المعتمد كما يذكره علي الأجهوري في القسامة دون كلامها، فإنه غير معتمد وإن اقتصر عليه على الأجهوري هنا، فقال: ويمكن الجمع بأن إقراره إذا كان مأمونا ثقة وليس أَكِيدَ قرابة للمقتول ولا صديقا ملاطفا له، ولم يتهم في إغناء ورثة مقتوله ولا رشوة منهم في إقراره، فإن إقراره لَوْثٌ يحلف بسببه أولياء المقتول خمسين يمينا وتحملها العاقلة، فحملها للقسامة مع اللوث لا لمجرد إقراره. تأمل. ونحوه للطخيخي، وكلام المصنف لا يخالفه
стр. 8657
لأن معنى قوله: "بلا اعتراف" أن العاقلة لا تحمل اعتراف الجاني من حيث اعترافه، وأما إذا وجدت شروط الاعتراف فإنها تحملها من حيث القسامة لا من حيث الاعتراف. انتهى كلام عبد الباقي.
قال البناني: بلا اعتراف فإن ثبت باعترافه ففي المذهب أقوال، قيل: الجناية في مال المقر وحده، وقيل: على عاقلته بقسامة وسواء مات المقتول في الحال أم لا، وقيل: تبطل الدية مطلقا، وقيل: على العاقلة بشرط أن لا يتهم المقر في إغناء ورثة المقتول، وقيل: عليهم بشرط أن يكون عدلا، وقيل: بعض عليه وعليهم فما نابه يلزمه ويسقط ما عليهم وهذه الأقوال كلها تستقرأ من المدونة. قاله الشارح. واقتصر ابن الحاجب على أنها على العاقلة بقسامة بشرط أن لا يتهم المقر في إغناء ورثة المقتول، فانظره مع كلام المصنف. انتهى. قوله: فانظره مع كلام المصنف إشارة إلى أنه كان ينبغي للمصنف أن يعتمد على ما اعتمده ابن الحاجب وهو صواب، إذ حاصل كلام الأئمة أن ما ذهب عليه المصنف هو أحد قولي مالك في كتاب الصلح من المدونة، وما درج عليه ابن الحاجب هو أحد قوليه في كتاب الصلح أيضا، وعليه اقتصر في كتاب الديات من المدونة وهو قول ابن القاسم وأشهب وروايتهما، وعليه حمل الأكثر المدونة وهو نص قول مالك في كتاب محمد والمجموعة، قال ابن مرزوق: وهذا هو الذي كان ينبغي للمصنف أن يفتي به. انتهى.
وقول عبد الباقي: وكلام المصنف لا يخالفه لأن معنى قوله الخ، هذا الجواب يسقط به البحث عن المصنف، وقول البناني: قيل الجناية في مال المقر وحده ظاهره بلا قسامة وهو أحد قولي مالك، وقيل عليه بقسامة وهو لمالك أيضا، وقد أطلق غير واحد الخلاف وقيده ابن رشد بما إذا تأخر موت المقتول، وأما إذا مات من حينه فلا قسامة باتفاقهما. واللَّه أعلم. وقول عبد الباقي: كما أصلح سحنونٌ المدونةَ عليه سكت عنه التاودي والبناني مع أنه غير صحيح سرى له ذلك من فهمه كلام ابن غازي على غير وجهه. انظر ما يأتي عند قوله: "أو إقرار القاتل في الخطإ". قال جميعه الرهوني.
стр. 8658
على العاقلة والجاني متعلقة "بنجمت" يعني أن الدية تجعل على العاقلة والجاني منجمة أي مؤجلة قال عبد الباقي: وتنجم على العاقلة والجاني وهو كواحد منهم ولو صبيا أو مجنونا أو امرأة فيعقلون عن أنفسهم، وما يأتي من قوله: "ولا يعقلون" أتي عن غيرهم. انتهى. قوله: ولو صبيا أو مجنونا أو امرأة لخ، فيه نظر. وسيأتي عن ظاهر كلام الأيمة أن هؤلاء لا يعقلون مطلقا لا جناياتهم ولا جنايات غيرهم. قاله البناني. وقال الحطاب: ما ذكره من دخول الجاني هو المشهور، وقيل لا يدخل. ابن عرفة: وعليه إن لم تكن عاقلة تسقط الجناية، وعلى الأول إن لم يجد من يُعِينُه فيها عادت عليه وقيل على بيت المال، فإن لم يكن أو عَسُرَ تناوله كانت عليه، والقول الثاني من هذين القولين المفرعين على الأول هو الجاري على كلام المؤلف. واللَّه أعلم.
فرع: لا تحمل العاقلة جناية العبد، قال في التوضيح: لأنه إن جنى عمدا اقتص منه وإن جنى خطأ ففي رقبته. انتهى. وكذلك لا تحمل العاقلة من قتل نفسه وكذلك الصلح، قال في التوضيح: لأنه إن كان مما يلزم العاقلة من دية الخطإ فمن حق العاقلة أن [ترده] (١) إن شاءت، وإن كان عن عمد فلا يلزمها الأصل ولا الفرع. انتهى كلام الحطاب.
إن بلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني هذا هو الشرط الرابع؛ يعني أن العاقلة إنما تحمل الدية فتنجم عليهم بشرط أن يبلغ عقل الجناية ثلث دية المجني عليه أو يبلغ ثلث دية الجاني، فإذا قطع للمرأة أصبعين خطأ فإن عاقلة الجاني تحمل العشرين لأنها أكثر من ثلث دية المرأة، سواء كان الجاني رجلا أو امرأة، ولو قطع لرجل إصبعان أو ثلاث خطأ، فإن كان الجاني رجلا فلا تحمل العاقلة ذلك لأن عشرين أو ثلاثين لا تبلغ ثلث دية الرجل المسلم، وإن كان الجاني امرأة نجمت على العاقلة لبلوغ ذلك ثلث دية الجاني. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وأشار إلى الشرط الرابع بقوله: إن بلغ العقل المحمول ثلث دية المجني عليه وإن لم يبلغ ثلث دية الجاني أو الجاني وإن لم يبلغ ثلث دية المجني عليه، فلو جنى مسلم على مجوسية خطأ ما يبلغ ثلث ديتها، أو جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث
стр. 8659
دية الجاني حملته العاقلة، والأصل في هذا الحكم ما رواه ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الموضحة، والمراد بما دون الموضحة ما دون الثلث. انتهى. وقال الشافعي: تحمل القليل. نقله عبد الباقي.
وذكر مفهوم الشرط بقوله: وما لم يبلغ ثلث أحدهما، فحال عليه أي على الجاني، ومثل الدية الحكومة والغرة في التنجيم حيث بلغ كل منهما الثلث أو أقل ووجب مع دية، وكذا موضحة ومنقلة مع دية كما مر. وَمِمَّا ينجم لكن لا على العاقلة دية حر مقتول عبد فداه سيده على المنصوص، وأخذ ابن رشد من المدونة أنها تكون حالة. قاله عبد الباقي. قوله: ومما ينجم أيضا لكن لا على العاقلة دية حر مقتول عبد الخ يؤخذ منها أنه يشترط في التنجيم على العاقلة أن يكون الجاني حرا كما تشترط الحرية في المجني عليه. قاله البناني. وقوله: "وما لم يبلغ فحال عليه" فإن سرى إلى ما تحمله العاقلة نجم الجميع عليها، كما لو وقع معه ما يبلغ الثلث فأكثر كمُوضِحَة مع مأمومة بضربة واحدة، وكذا لو أوضحه فذهب سمعه وعقله. وفي المدونة: وإن شجه ثلاث منقلات في ضربة واحدة حملته العاقلة؛ لأن هذا يبلغ أكثر من الثلث، وإن كان ثلاث في ضربات وكان ضربا متتابعا لم يقلع عنه فهو كضربة واحدة تحمله العاقلة، وإن كان متفرقا في غير فور واحد لم تحمله العاقلة. انتهى.
وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: ولو شجه موضحة خطأ فذهب سمعه وعقله فديتان ونصف عشر على العاقلة. انتهى. قال في التوضيح: واحترز بقوله: خطأ مما لو كانت عمدا فإنه يقتص له من الموضحة، فإن ذهب عقل المقتص منه وسمعه فواضح، وإن لم يذهب ذلك فدية ذلك في مال الجاني. وقوله: "وما لم يبلغ فحال عليه" قال عبد الباقي: صرح بالمفهوم لأنه لو لم يصرح به لم يعلم هل هو حال عليه وعليهم أو ينجم عليه فقط.
وقال الشبراخيتي: ذكره وإن كان مفهوم الشرط ليرتب عليه ما بعده من قوله: كعمد الخ يعني أن دية العمد على نفس أو طَرَفٍ لا تنجم على العاقلة ولا تحملها، بل حي في مال الجاني حالة عليه إذا عفي عنه عليها، وشمل كلامه هنا الجراح التي فيها القصاص وعفي عنه للدية. قال المواق عند قوله: "كعمد" ما نصه: الرسالة لا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به، قال
стр. 8660
مالك: إذا أقر بقتل الخطإ ثم رجع عن إقراره قبل منه، وإذا أقر بقتل العمد ثم رجع لم يقبل منه قال عبد الوهاب في الموضعين: فهو رجوع عن إقرار بقتل. ابن الحاجب: الدية في العمد وفيما لم يبلغ الثلث على الجاني حالة. انتهى. وقال القلشاني: مَن أقر أنه قتل رجلا قتلا مجهزًا لا يقبل رجوعه، ومن أقر أنه جرح فلانا ومات من جرحه ثم رجع عن إقراره قبل رجوعه لأنه يقول كنت ظننت أنه مات من جرحي ثم تحققت أنه لم يمت منه. انتهى. قاله مفرقا بين من أقر أنه قتل رجلا قتلا مجهزا فيقتل من غير قسامة اتفاقا وبين مسألة أخرى.
ودية غلظت من عطف الخاص على العام؛ يعني أن الدية المغلظة على الأب بالتثليث لا تحملها العاقلة فلا تنجم عليها بل هي في مال الأب حالة عليه، قال عبد الباقي: ودية غلظت عطف خاص على عام، إذ المغلظة إنما تكون في العمد وهو شامل لجراح العمد، وقتل عمد لا يقتص منهما لكون الجاني زائد إسلام وأراد غلظت بالتثليث. انتهى. وقال الشبراخيتي: ودية غلظت أي على الأب وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن المراد بالتغليظ التثليث وهو لا يكون إلا في العمد، وإنما أتى به ليلا يتوهم أن القصاص لما كان ساقطا صار كالخطإ، ولو أدخل الكاف عليه ليكون هو وما بعده مثالا للعمد لكان أحسن؛ لأنه من العمد أو أسقطه. انتهى. وقال التتائي: كعمد ودية غلظت على الأب فلا تحملها العاقلة وهي حالة على المشهور فيهما. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: الدية المغلظة على الجاني على المشهور. انتهى. وقيل: تنجم على العاقلة. واللَّه تعالى أعلم. وفي الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: الدية المغلظة تكون في شبه العمد وهو ضرب الزوج والمؤدب والأب في ولده والأم والأجداد وفعل الطبيب والخاتن وهو كل من جاز فعله شرعا، قيل: واللطمة والوكزة والرمية بالحجر والضرب بعَصًا متعمدا فهذا شبه العمد لا يقتص منه وتكون فيه دية مغلظة. انتهى. وقد مر المشهور.
وساقط لعدمه يعني أن العاقلة لا تحمل شيئا مما وجب على الجاني حيث سقط عنه القصاص لعدم العضو المماثل للذي وقعت عليه الجناية، كما إذا فقأ أعور اليمنى عين شخص يمنى عمدا فعليه خمس مائة دينار حالة في ماله وكقطع يمين ولا يمين للقاطع، فإن لم يكن للجاني مال ففي ذمته كما في الشبراخيتي. وفي المواق من المدونة: إذا فقأ أعور اليمنى يمنى رجل صحيح
стр. 8661
عمدا فعليه خمس مائة دينار في ماله، وهو كأقطع اليد اليمنى يقطع يمنى رجل، فدية الرجل في مال الجاني ولا يقتص من اليسرى باليمنى. انتهى. وقال عبد الباقي: وعضو ساقط فيه القصاص لعدمه أي لعدم المماثل له، كما لو فقأ أعور العين عَيْنَ شخص عمدا مماثلة للمعدومة فعليه خمس مائة دينار حالة في ماله، ومثله ما سقط فيه القصاص لعدم المكافأة، كقطع مسلم يد كافر. وأتى المصنف بهذا ليلا يتوهم أن القصاص لما كان ساقطا صار كالخطإ.
إلا ما لا يقتص منه من الجراح لإتلافه فعليها مستثنى من قوله: "كعمد" يعني أن جراح العمد التي لا يقتص منها لأجل إتلافها وهي ما عظم فيه الخطر تحمل العاقلة منها ما بلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني، فَتُنَجَّمُ عليها سواء كان الجاني مكافئًا أو غير مكافئٍ، فإن لم يقتص منها لعدم المساواة أو لعدم المكافأة ففي مال الجاني حالة عليه. قال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "كعمد"، فقال: "إلا ما" سقط منه القصاص مع وجود مثله لكونه لا يقتص منه فمن الجراح كجائفة ومأمومة وكسر فخذ لإتلافه أي لخوفه إن اقتص منه فعليها أي العاقلة إن بلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني، وتحمل كسر الفخذ مع بلوغه الثلث حيث كان فيه حكومة، وأما إذا جنى ولا مماثل له وبفرض وجوده لا يقتص منه لأنه متلف، فيتعارض فيها قوله: "وساقط لعدمه" فإنه يقتضي أن الدية في هذه في مال الجاني. وقوله: "إلا ما لا يقتص منه" الخ فإنه يقتضي أن الدية فيها على العاقلة، والظاهر العمل على الثاني بالأولى مما ذكره المصنف. انتهى.
وقال الشبراخيتي: اعلم أنه حيث كان عدم القصاص من الجرح لكونه متلفا فإنه على العاقلة، سواء كان الجاني مكافئا أو غير مكافئ، كأن يجرح مسلم نصرانيا مثلا جرحا لا يقتص منه للإتلاف فإن ديته على عاقلة المسلم، فإن كان المانع من القصاص عدم المساواة فقط فإنه في مال الجاني. انتهى. وقال المواق من المدونة: عقل المأمومة والجائفة عمدا على العاقلة ولو كان للجاني مال، وعلى هذا ثبت مالك وابن القاسم وبه أقول. انتهى. وقوله: "فعليها" أي على العاقلة كما رجع إليه مالك، وقيل على الجاني، وقيل عليه إلا أن يكون عديما فعليها، والأقوال الثلاثة لمالك. انتهى.
стр. 8662
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: والحاصل أن العمد في النفس في مال الجاني حالا حيث عفي على الدية أو سقط القصاص لزيادة إسلام أو لأبُوَّةٍ، وأما الجناية عمدا في الطرف فإن عفي للدية أو سقط القصاص لكون المجروح كاملا جرحه ناقص، أو لكون الجاني زائد إسلام، أو لعدم المماثلة فكذلك أي في مال الجاني حالة، وأما إن سقط القصاص لإتلاف الجناية فإن العاقلة تحمل ما بلغ الثلث من ذلك، كان الجاني زائد إسلام أو ناقصا جرح كاملا، أو كان الجاني مكافئا أو عدم المماثل. هذا هو تحرير المسألة. واللَّه تعالى أعلم.
ولما جرى ذكر العاقلة بين أنها ثلاثة، العصبة ومن بعدها ويلحق بها أهل الديوان لعلة التَّناصُرِ والولاء وبيت المال لا الموالاة والمحالفة، فقال: وهي العصبة يعني أن العاقلة عدة أمور، منها العصبة وأهل الديوان والموالي الأعلون والأسفلون وبيت المال، ثم إن شرط من يحمل أن يكون موافقا للجاني في الدين. وفي الذخيرة: سميت عاقلة لأنها تعقل لسان الطالب، وقيل: تعقل -بسبب الغرامة- الجناية عن الجُنَاة، وقيل: لأن غالبه وأصله: الإبل؛ وهي يؤتي بها معقولة. انتهى. أي لأنها تدفع العقل. الشبراخيتي: وإنما سميت الدية به لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل. قاله الشبراخيتي. وقوله: وهي العصبة قربوا أو بعدوا وهم الذين ينسبون إلى أب واحد، وفي المواق: الجلاب: العاقلة هم العصبة قربوا أو بعدوا ولا يحمل النساء والصبيان شيئا من العقل، وليس لأحوال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا ولا لما يؤخذ منهم حد، ولا يكلف أغنياؤهم الأداء عن فقرائهم، ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت مال المسلمين والموالي بمنزلة العصبة من القرابة، ويدخل في القرابة الابن والأب. انتهى. وقال عبد الباقي: وهي العصبة وأهل الديوان والموالي الأعلون والأسفلون، ويدل للثاني ذكرهم بعد.
وللأول قوله: وبدئ بالديوان يعني أنه يبدأ بأهل الديوان على عصبة الجاني، فإِذَا كان أهلُ الديوان العددَ المعتبر في حد العاقلة اكتفي بهم عن العصبة وعن غيرهم. قال عبد الباقي: وبدئ بالديوان على عصبة الجاني ولا بد من التقدير الذي ذكرناه بعد الخبر ليعم الأخبار وليصح ارتباط قوله: "وبدئ" الخ به، ويجوز جعل التقدير في المبتدإ أي وبعض العاقلة العصبة، ثم إن
стр. 8663
أهل الديوان عصبة ولو كانوا من قبائل شتى حيث كان الجاني من أهله. انتهى. قوله: ثم إن أهل الديوان عصبة صوابه عاقلة. قاله الرهوني. وقال المواق: ابن شأس: إذا كان القاتل من أهل ديوان مع غير قومه حملوا عنه دون قومه. انتهى. وقوله: "وبدئ بالديوان" هو كما قال ابن عرفة: اسم لرسم جمع اسماء المعدين لقتال العدو بعطاء. انتهى. والرسم الكتاب وأخصر منه رسم فيه أسماء من يجاهد بعطاء. قاله الشيخ إبراهيم. وقال: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح: الدّيوان ودَحية والدّيباج. وقال عبد الباقي: والديوان بكسر الدال على المشهور وفي لغة بفتحها، بخلاف دحية ففتح داله وكسرها لغتان. قاله النووي في تهذيبه. وكذا ديباج كما في دقائق المنهاج، زاد ابن الملقن: وجعل أبو زيد الفتح فيه خطأت وبهذا يرد ما قيل عن شرح الفصيح: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح ديوان وديباج ودحية. انتهى. وقد مر هذا الضبط والتفسير في باب الجهاد، وإنما أعدته هنا لقصد الإيضاح. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الشبراخيتي: وبدئ بالديوان على حذف مضاف أي أهله وإن لم يكونوا عصبة على العصبة، وظاهره ولو كانوا من قبائل شتى وهو كذلك في العتبية، وذكر ابن مرزوق أن ظاهر المدونة أن أهل الديوان لا يحملون الدية إلا إذا كانوا من قبيلة الجاني والمعتمد الأول، والمراد بأهل الديوان أهل ديوان واحد أي ديوان إقليم واحد لا أهل ديوان مملكة واحدة؛ لأن المملكة الواحدة قد يكون لها دواوين متعددة كَمَمْلَكَةِ بني عثمان فأهل مصر كلهم ديوان واحد وهكذا، وسيأتي: "ولا دخول لبدوي مع حضري ولا شامي مع مصري مطلقا". انتهى. وقال البناني: وبدئ بالديوان نحوه لابن الحاجب وابن شأس وهو خلاف ظاهر المدونة من قول مالك: إنما العقل على القبائل، كانوا أهل ديوان أم لا. قاله ابن رشد. وقد نقل في التوضيح كلام ابن رشد، وقال اللخمي: القول بأنها تكون على أهل الديوان ضعيف، وإنما يراعى قبيل القاتل فكان على المؤلف الجريُ على مذهب المدونة، فإن الذي ذكره هو لمالك في الموازية والعتبية. انتهى. ولم يراع مالك في الموطإ الديوان ولا اعتبر به في العاقلة، وقد قال: تعاقل الناس قبل الديوان. انتهى. قال: وإنما كان الديوان في زمان عمر بن الخطاب، فليس لأحد أن يعقل عنه غير قومه ومواليه. انتهى.
стр. 8664
إن أعطوا يعني أن الديوان إنما يعتبر كون أهله عاقلة حيث أعطوا من بيت المال عطاء مستمرا، قال المواق: أشهب: وهذا في ديوان عطاؤه قائم. انتهى. وقال البناني عند قوله: "إن أعطوا" هو شرط في أداء بعضهم عن بعض كما قرره به ابن مرزوق والشارح، وكلام التوضيح صريح فيه. قال الشيخ المسناوي: وهو الظاهر، ونص ابن شأس: فإن لم يكن عطاء فإنما يحمل عنه قومه. انتهى. وقال الشبراخيتي: والظاهر أنه لا يعقل عن كل أحد إلا طائفته لاتحاد العطاء وإلا فالديوان يشمل عدة أعطية مختلفة. انتهى. وقوله: "وبدئ بالديوان" فإن اضطروا إلى معونة أعانهم عصبة الجاني، هذا هو المنقول في المذهب لا كما قال عبد الباقي: فإن لم يكن فيهم من يحمل ضم إليهم عصبتهم أي عصبة أهل الديوان الذين ليسوا معهم في الديوان. انتهى. فإنه غفلة عن المنقول في المذهب وهو الذي في ابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهما. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن لم يكن ديوان أو كان وليس الجاني من أهله أو من أهله ولم يعطوا، بدئ بها أي بالعصبة الأقرب فالأقرب، قال عبد الباقي: على ترتيب النكاح من قوله: "وقدم ابن فابنه" الخ.
مسألة: قال في الموطإ: ليس على ولد المرأة إذا كان من غير قومها من حمل ديتها شيء، ولا على إخوتها من أمها إذا كانوا من غير عصبتها شيء من حمل جنايتها، وعصبتها عليهم عقلها من زمن رسول اللَّه ﷺ ، وموالي المرأة ميراثهم لولد المرأة وإن كانوا من غير قبيلتها وعقل جناية الموالي على قبيلتها. انتهى. وقال البناني: يعني إن لم يكن الجاني من أهل ديوان فعصبته يعقلون عنه، ويبدأ بالفخذ ثم البطن ثم العمارة ثم الفصيلة ثم القبيلة ثم أقرب القبائل. قاله ابن الحاجب. وقيل: إن الفصيلة أقرب من الفخذ، فهي أقرب ما يلي الإنسان، وهو الذي في القاموس. وهذا الذي ذكره ابن الحاجب هو مراد المصنف، فقول الزرقاني: على ترتيب النكاح من قوله: "وقدم ابن فابنه" الخ، فيه نظر. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: يترتب على كلام عبد الباقي أنه إذا كان بنو الجاني سبعمائة لا تحمل الفخذ ولا الفصيلة شيئا، على القول بأن العاقلة سبعمائة، وعلى ما للبناني يحملون. واللَّه أعلم.
стр. 8665
فائدة: قال البناني: أسماء طبقات قبائل العرب ستة: الشعب بالفتح ثم القبيلة ثم العمارة بالفتح وقد تكسر ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة، وزاد بعضهم: العشيرة فخزيمة شعب، كنانة قبيلة، قريش عمارة، قصي بطن، هاشم فخذ، العباس فصيلة، العشيرة الإخوة. ونظم ذلك بعضهم فقال:
قبيلَةٌ قَبْلها شعبٌ وبعدَهُما … عَمَارةٌ ثم بَطْنٌ تِلْوها فَخِذُ
وليس ياوي الفتى إلا فصيلَتُه … ولا سَدَادَ لسهم ما له قُذَذُ
انتهى. وقال الحطاب بعد أن ذكر هذه الطبقات: فالشعب بالفتح مأخوذ من شعب الرأس بالفتح أيضا وهو شأنه الذي يضم قبائله كما قاله في الصحاح والشأن واحد الشؤون وهو تواصل قبائل الرأس وملتقاها ومنها تَجْرِي الدموعُ. قاله في الصحاح: والقبيلة مأخوذة من قبائل الرأس، قال في الصحاح: وهي العظام الشعب بعضها إلى بعض يصل بينها الشوي وبها سميت قبائل العرب والواحدة قبيلة وهم بنو أب واحد، والقبيل الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، مثل الروم والزنج والعرب والجمع قبل. وقوله سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾. قال الأخفش: قبيلا قبيلا، وقال الحسن: عيانا. انتهى. والعمارة بالفتح وقد تكسر مأخوذ من عمارة الإنسان وهي صدره لأنه موضع القلب، وهي عمارة الجسد والبطن لأن بطن الإنسان تحت صدره والفخذ كذلك، والفصيلة قال في الذخيرة: ما تحت الفخذ لأن به يتفصل خَلقه من غيره وينقطع آخره. انتهى. وقال المواق: اللخمي: إن كانت عاقلة قليلة حمل عليهم ما يحملونه وما بقي على بيت المال، وإذا عجز أهل الديوان عن حمله استعانوا بالعصبة. وروى ابن وهب: وإن لم يكن ديوان جعل على فخذ الجاني إن كان فيهم محمل وإلا ضم إليهم الأقرب فالأقرب من قبائلهم إن كانوا أهل بلد واحد. انتهى.
ثم الموالي الأعلون يعني أنه إذا لم يكن للجاني عصبة ولا أهل ديوان فإنه يقدم الموالي الأعلون وهم المعتقون بكسر التاء، وكون الموالي الأعلين يتلون عصبة النسب أمر متفق عليه. ثم
стр. 8666
الأسفلون يعني أنه إن لم يكن ديوان ولا عصبة نسب ولا مولى أعلى فإن المولى الأسفل يحملون دية الجاني. رواه أصبغ عن ابن القاسم وأكثر مسائل المذهب تدل عليه. وقال سحنون: لا يدخلون وهو أقيس لأنه غير عاصب ولا وارث. قاله التتائي.
ثم بيت المال يعني أنه إذا لم يكن للجاني ديوان ولا عصبة ولا موالٍ أعلون ولا موالي أسفلون، فإنه يحمل بيت المال، وهل على الجاني شيء أم لا؟ فانظره. قاله غير واحد. وقال الحطاب: ابن عرفة: وروى أبو محمد: من أسلم ولا قوم له فالمسلمون يعقلون عنه. اللخمي: إن كانت له عاقلة قليلة لم يكن فيها ما يحمل لقلتهم حمل عليهم ما يحملونه والباقي على بيت المال. انتهى. قال الحطاب: عزوه للشيخ ابن أبي زيد يقتضي أنه لم يقف عليه في المدونة، والمسألة في كتاب الولاء والمواريث من المدونة، ففيها: ومن أسلم من الذميين فعقلهم على بيت المال ويرثهم المسلمون إن لم يكن لهم ورثة مسلمون يغرمون، وكذلك من أسلم من الأعاجم والبربر والسودان والقبط ولا موالي لهم فعقلهم على المسلمين وميراثهم لهم. انتهى.
وفيها أيضا: وإذا كان عبد مسلم لقرشي وذمي فأعتقاه معا فولاء حصة الذمي للمسلمين، ولو كان العبد نصرانيا فأعتقاه معا ثم جنى جناية كان نصفها على بيت المال لا على المسلم لأنه لا يرثها ونصفها على أهل خراج الذمي الذين يؤدون معه الجزية، ولو أسلم العبد بعد العتق ثم جنى كانت حصة الذمي من جنايته على المسلمين دونه؛ لأنهم ورثوا حصته والنصف على قَوْمِ القرشي. انتهى.
وقال عبد الباقي: قال في شرح اللُّمَع: فإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يمكن الأخذ منه، ففي ماله.
إن كان الجاني مسلما، قال البناني: الحق أنه شرط في المراتب التي قبله كلها لا في بيت المال فقط كما قاله ابن مرزوق وغيره. انتهى. فإنه -أي ابن مرزوق- قال: وإلا أي وإن كان كافرا والفرض أنه لا عاقلة له ولا موالي عقل عنه أهل دينه الذميون الخ، ويرد على كلام المصنف أن الكافر إذا أعتقه المسلم ولم يكن له ورثة فإن بيت المال يعقل عنه لأنه وارث كما في المدونة، ونقله ابن عرفة معترضا به إطلاق ابن الحاجب وابن عبد السلام كالمصنف. واللَّه تعالى أعلم. انظر
стр. 8667
البناني. ونحو ما لابن مرزوق. قول الشبراخيتي شرط في بيت المال؛ أي أن بيت المال إنما يعقل إذا كان الجاني مسلما لا فيه وفيما قبله من المراتب؛ لأن ما قبله من المراتب يشترك فيه المسلم والذمي كما في التوضيح. انتهى. واعلم أن الصواب ما قرره به البناني من قوله: الحق أنه شرط في المراتب التي قبله كلها لا بيت المال فقط؛ لأن الذي في المدونة وغيرها أن الكافر يعقل عنه أهل دينه، وليس في النص اعتبار عصبته ولا ديوانه. هذا هو الذي قرره به الشيخ أحمد بابا ومصطفى، وهو الذي يفيده كلام المواق وغيره. انظر الرهوني.
وإلا أي وإن لم يكن الجاني مسلما، فالذمي يؤدي عنه ذو يدنه الدين يجتمعون معه في أداء الجزية من غير اعتبار عصبة ولا موالي ولا ديوان، فمعنى كلام المصنف: وهي العصبة وأهل الديوان والموالي حيث كان الجاني مسلما جنى على مسلم أو ذمي، فإن لم يكن الجاني مسلما بل كان ذميا جنى على مسلم أو ذمي فإن عاقلته الذين يؤدون معه أهل دينه من إقليمه الذين يجتمعون معه في أداء الجزية من غير اعتبار عصبة ولا ديوان. هذا هو التحقيق الذي قرر به غير واحد. واللَّه تعالى أعلم. وفي المواق: وروى محمد: عاقلة النصراني واليهودي والمجوسي، أهل إقليمه الذين يجتمعون معه في أداء الجزية، ومن المدونة: إذا كان عبد نصراني بين مسلم ونصراني فأعتقاه ثم جنى جناية فنصفها على بيت المال لا على المسلم لأنه لا يرثها، ونصفها على أهل خراج الذمي الذين يؤدون معه. انتهى. وقال التتائي: وإلا يكن الجاني مسلما فالذمي يعقل عنه ذو دينه، فلا يتعاقل يهودي مع نصراني ولا عكسه. انتهى.
وقال عبد الباقي: وإلا يكن الجاني مسلما بل كافرا كان المجني عليه مُسْلِمًا أو كافرا، فالذمي يؤدي عنه ذو دينه الذين معه، فإن لم يكتف بهم ضم إليهم أقرب القرى إليهم وهكذا حتى يكتفوا، ولكن ذلك في أهل الإقليم الواحد، ولذا قال: وضم ككُوَرِ مصر أي مُدُنِها أي يضم بعض مدن مصر إلى بعض، وكذا البلاد الشامية يضم بعضها إلى بعض، والكور بضم الكاف وفتح الواو جمع كُورة بضم الكاف وسكون الواو: المدينة، ومصر من أسوان إلى إسكندرية. سحنون: يضم عقل إفريقية بعضه إلى بعض من طرابلس إلى طُبْنة، وإذا لزمت اليهود مدينة القيروان وإفريقية دخل فيها من بإفريقية من اليهود الذين يحملون معهم الخراج، فكل من كان يحمل معهم
стр. 8668
الخراج فكان خراجهم واحدا يؤخذون به فهم يعقلون عنه، فإن لم يكن فيمن تحمل معه الخراج قوة على أداء العقل أسلفهم الإمام ولا يفدحون. انتهى.
قال في القاموس: فدحه الدين كمنع: أثقله، ثم قال: واستفدحه وجده فادحا أي مثقلا صعبًا، وذكر مصر لأنه قل أن يوجد بُلْدَانٌ كثيرة تحت حكم مدينة واحدة غيرها. انتهى. وقال أشهب: من وجب عليه دية وهو من أهل الفسطاط لا يدخل في ذلك عمل جميع مصر وذلك على من هو بالفسطاط، فإن لم يكن في قبائل القاتل من يحمل ذلك ضم إليهم أقرب القبائل بالفسطاط خاصة. انتهى. نقله التتائي. وقوله: طبنة بضم طاء مهملة وسكون الباء بعدها نون: مدينة قرب بجاية. وقوله: "وضم ككور مصر" قد علمت أنه في الذمي ويستفاد مثله في عاقلة المسلم من قوله: "ولا دخول لشامي مع مصري"، وقوله: "وضم ككور مصر"، لا يخالف قوله: "ولا دخول لبدوي مع حضري" لأن أهل الكور كلهم أهل حضر وإن سُلِّمَ أن فيهم أهل بدو، فيضم منهم الحضري لِلمصْري لا لغيره. قاله غير واحد. وفي المواق: رواية ابن وهب: إن لم يكن في فخذ الجاني محمل ضم إليهم الأقرب فالأقرب من قبائلهم إن كانوا أهل بلد واحد مثل مصر أو الشام. انتهى. وهذا كالصريح في شمول قوله: "ككور مصر" للمسلم وغيره، خلاف ما قررته به أولا. واللَّه أعلم.
تنبيه: قال عبد الباقي عند قول المصنف: "فالذمي ذُو دِينِهِ" ما نصه: والمراد بذي دينه من يحمل معه الجزية أن لو ضربت عليه وإن لم يكونوا من أقاربه، فشمل المرأة ومن أعتقه مسلم إذا جنيا، فإن لم يكتف بهم ضم إليهم أقرب القرى إليهم وهكذا حتى يكتفوا. انتهى المراد منه.
قوله: فشمل المرأة أي يشمل الجاني المذكور المرأة الكافرة إذا جنت فإنها يعقل عنها أهل دينها الذين يحملون معها الجزية على فرض أن لو ضربت عليها، وإن كانت المرأة لا تؤدي الجزية. وقوله: ومن أعتقه مسلم الخ يعني الكافر الذي أعتقه المسلم إذا جنى يعقل عنه أهل دينه وهذا غير صحيح، بل الذي يعقل عنه هو بيت المال لأنه هو الذي يرثه. وفي المدونة: إذا كان عبد نصراني بين مسلم ونصراني ثم أعتقاه فجنى جناية فنصفها على بيت المال لا على المسلم لأنه لا يرثه، ونصفها على أهل خراج الذمي الذين يؤدون معه. انظر المواق. وبه اعترض ابن عرفة على ابن الحاجب وابن عبد السلام في إطلاقهما كما قدمناه. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8669
والصلحي أهل صلحه لمجني أن الكافر الصلحي يعقل عنه أهل صلحه من أهل دينه ولو اختلفت قبائلهم، وسواء كان من أهل ديوان أم لا، وسواء كانت له عصبة أم لا كما يفيده كلام الشارح والمواق والتتائي.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: كَأَنَّ المصنف أراد بالذمي العنوي، بدليل قوله: "والصلحي أهل صلحه"، وسكت المصنف عن الحربي الذي قدم إلينا بأمان. قال التتائي: أشهب: إن دخل إلينا حربي بأمان فقتل مسلما خطأ حبس وأرسل إلى موضعه وكورتهم فيخبرونهم بما صنع وما يلزمهم في حكمنا، فإن أدَّوا عنه وإلا لم يلزمه إلا ما كان يؤديه معهم. رواه البرقي. وروى عنه سحنون أن الدية في مال الجاني، وليس على أهل بلده منه شيء، وقال ابن القاسم: ديته على أهل دينه الحربيين. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسكت عن الحربي الداخل إلينا بأمان وعاقلته أهل دينه الحربيون. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن قول ابن القاسم موافق لما رواه البرقي عن أشهب. واللَّه تعالى أعلم.
وضرب على كل ما لا يضر يعني أنه يضرب على كل من لزمته الدية ما لا يضربه ومعنى يضرب يجعل، قال الخرشي: وضرب على كل ما لا يضر، هذا راجع للجميع أي وضرب على كل من لزمته الدية من عصبة وأهل ديوان وذمي وصلحى إذا تحاكم كل إلينا ما لا يضر به. انتهى. وقال عبد الباقي: وضرب على كل من عصبة وأهل ديوان وذمي وصلحى تحاكم كل إلينا ما لا يضر بحاله بل على قدر طاقته لأنها مواساة، وطريقها عدم التكليف ليلا يبطل الحمل في الدماء، فهذا راجع لجميع ما تقدم. انتهى. وقال التتائي: وضرب على كل من العاقلة ما لا يضر بحاله، ويختلف الضرب بقدر الغِنَى والفقر، فيؤخذ من الغني بقدره وممن دونه بقدره. انتهى. وقال الشبراخيتي: وضرب على كل من العاقلة ما لا يضر بحاله، ويختلف الضرب بقدر الغنى والفقر، فيؤخذ من الغني بقدره وممن دونه بقدره وهو راجع لجميع من لزمته الدية من عصبة وأهل ديوان وذمي وصلحى إذا تحاكم أهل الذمة أو الصلح إلينا. انتهى. وقال المواق: ومن المدونة: ويحمل الغَنِي بقدره ومن دونه بقدره، وذلك على قدر طاقة الناس في يسرهم، وروى
стр. 8670
أيضا عن مالك: يحمل كل رجل من العاقلة ربع دينار، انظر هذا مع قوله: "وهل حدها سبعمائة". انتهى.
قال الشبراخيتي: ولما كان من شرطه البلوغ والعقل والذكورة والغنى وعدم الدين، قال: وعقل عن صبي يعني أن الصبي وهو من لم يبلغ يُعْقَلُ عنه ولا يعقل؛ أي إذا جنى الصبي عمدا أو خطأ وبلغ ما في جنايته ثلث ديته أو ثلث دية المجني عليه فأكثر، فإن العاقلة تحمل عَنْهُ ولا يعقل هو شيئا من ذلك فلا يعقل عن نفسه ولا عن غيره، ومجنون يعني أن المجنون والصبي سواء فيما ذكر، فَيُعْقَلُ عنه ولا يعقل هو عن نفسه ولا عن غيره، وامرأة يعني أن المرأة كذلك فَيُعْقَلُ عنها ولا تعقل هي عن نفسها ولا عن غيرها، وفقير يعني أن الفقير كذلك فيُعْقَل عنه ولا يعقل هو لا عن نفسه ولا عن غيره والفقير، هو الذي لا يَقْدِرُ على قوته. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وفقير لا شيء في يده.
وغارم يعني أن الغارم كذلك فيعقل عنه ولا يعقل هو لا عن نفسه ولا عن غيره، والغارم المراد به المديان الذي ليس له ما يفي بالدين أو يبقى بيده ما يعد به فقيرا، وأما إذا كان معه ما يفي بالدين ويبقى بيده ما لا يعد به فقيرا فهذا يعقل عن غيره. المتيطى: ويعقل الرجلَ الرجالُ البالغون الأحرار العقلاء والرشداء والسفهاء في ذلك سواء، وخمسة يعقل عنهم ولا يعقلون وهم: الصبيان والمجانين والنساء والفقراء والغارم إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده أو يفضل بعد القضاء ما يكون به من عدد الفقراء وإن كان لا شيء في يده فهو فقير. انتهى منه. وقال في موضع آخر: ولا يكون النساء عواقل، ولا يعقل الصبي حتى يحتلم فإذا بلغ فرض عليه ما يفرض على الكبير. انتهى. نقله البناني. وقوله: "وامرأة" أي حقيقة أو احتمالا، كالخنثى المشكل فهو كالمرأة، قال الشبراخيتي: وبقي من الشروط أن يكون حيا فلا تتعلق الدية بمال ميت، وأما الحرية فتركها لأن جناية العبد تتعلق برقبته، وقول الشارح: والعبد كالفقير سبق قلم. انتهى.
ولا يعقلون يعني أن هؤلاء الخمسة يعني الصبيان والمجانين والنساء والفقراء والغارمين لا يعقلون عن أنفسهم ولا عن غيرهم، وأما قول عبد الباقي: ولا يعقلون أي عن غيرهم، وأما عن أنفسهم فكل كواحد منهم الخ. فقال البناني فيه: هذا تبع فيه أحمد، وقال الأجهوري: إلا الفقير والغارم
стр. 8671
فلا تضرب على واحد منهما وإن كانت الجناية منهما. انتهى. واعترض مصطفى جميع ذلك بأنهما لا مستند لهما فيما قالاه، وظاهر كلام الأئمة أنهم لا يعقلون مطلقا لا عن غيرهم ولا عن أنفسهم، وذكر من كلام الأئمة ما ظاهره يفيد الإطلاق الذي ذكره. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وفي الخرشي ما نصه: وبعبارة: "ولا يعقلون" لا عن أنفسهم ولا عن غيرهم كما قاله السنهوري انتهى، لكن في الميسر ما نصه: وفي الكافي أن من الخطإ فعل المجنون والمعتوه والصبي وما يتولد من فعل النائم، كامرأة انقلبت على ولدها فقتلته، وما كان مثل هذا كله فالدية فيه على عاقلة القاتل وهم [عصبته] (١) وهو واحد منهم. انتهى. فهذا نص في دخول الصبي والمجنون والمرأة فيما جنوه، وقد مر عن الموطإ والمدونة أن من اشترك في قتله صبي وكبير فَعَلَى كل منهما نصف ديته. انتهى كلام صاحب الميسر فتأمله. وقد قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا أنها على أحرار الرجال البالغين لا على النساء ولا على الصبيان ولا على مديان ولا على معدم. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: يشترط في صفة العاقلة التي تضرب عليهم الدية الحرية والتكليف والذكورة والموافقة في الدين واليسار، فلا تضرب على عبد ولا صبي ولا امرأة ولا مخالف في الدين، ولا يضرب على فقير وإن كان يَعْتَمِلُ. ابن حبيب: وهي على السفيه الولى عليه بقدر حاله. انتهى.
تتمة: في المدونة: من حمل صبيا على دابة يمسكها أو يسوقها، فوطئت رجلا فقتلته فالدية على عاقلة الصبي، ولا رجوع لعاقلته على عاقلة الذي حمله بشيء، ومن دفع إلى صبي دابة أو سلاحا يمسكه فعطب بذلك فديته على عاقلته أي الدافع، وكذا دابة يسقيها وعليه عتق رقبة. انظر الطخيخي. قاله عبد الباقي. وقوله: "ولا يعقلون" هو بالنسبة للمرأة مستغنى عنه بقوله: "وهي العصبة" إذ تخرج منه المرأة، والجواب أنه ذكره بالنسبة إلى الموالي إذ هو شامل للإناث. قاله غير واحد. واللَّه تعالى أعلم.
والمعتبر وقت الضرب يعني أن المعتبر في توزيع الدية على العاقلة وقت ضرب الدية عليهم، فالراعى في البلوغ والملاء والعسر والحضور وقت ضرب الدية عليهم، فإذا ضربت عليهم فإنه لا
стр. 8672
يجعل منها شيء على الفقير ولا على الصبي ولا على الغائب ولا على العبد مثلا، فإذا قدم الغائب بعد الضرب فإنه لا يدخل بعد ذلك، ولهذا قال: لا إن قدم غائب أي قدم بعد الضرب فإنه لا يدخل، وكذا لو أسلم الكافر أو تحرر العبد أو بلغ الصبي فالمراد زال مانعه. قال عبد الباقي: والمعتبر في توزيعها على العاقلة وقت الضرب أي الجعل على العاقلة، لا إن بلغ صبي أو استغنى فقيرٌ أوْ تحرر عبد أو عقل مجنون، ولا إن قدم غائب غيبة انقطاع عند وقت ضربها فلا تضرب عليه؛ لأنه بذلك ينسب إلى من انقطع إليهم أو طالت غيبته عندهم فصار كأهل إقليم آخر، وأما غائب لحج أو غزو فتضرب عليه، فإن كان في العاقلة خنثى فإن استمر الإشكال لوقت لضرب لم تضرب عليه وإن اتضح بعده، فإن اتضح قبله ضربت عليه. وقولي: "على العاقلة" لإخراج انتقال الجاني لأنه غير معتبر، فتضرب ولو قصد الفرار أو رفض السكنى أو له عاقلة فيما انتقل إليه، وأولى إن انتقل بعد الضرب فالتفصيل في العاقلة، ونائب فاعل "المعتبر" عائد على أل، "ووَقْت" بالرفع خبر ويقدر مضاف؛ أي والوصف المعتبر وصف أو حال وقت الضرب. انتهى.
قوله: فتضرب ولو قصد الفرار صوابه ولو لم يقصد الفرار. قاله الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: والمعتبر في حال من يضرب عليه من العاقلة من وجوب أو إسقاط وقت الضرب لا يوم القتل ولا يوم الأداء، فلو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو استغنى الفقير بعد الضرب لم يدخل. وقوله: "لا إن قدم غائب" ظاهره ولو كانت غيبته لحج أو غيره ليعود، وهو قول عبد الملك: إنما يجب على من كان من العاقلة يوم يقسم عليهم الدية لا يوم جرح القتيل ولا يوم مات ولا يوم ثبت الدم، وهو خلاف قول اللخمي: لا يدخل مع العاقلة منقطع الغيبة، وأما من خرج لحج أو غيره ليعود فإنه يدخل معهم إذا قدم. انتهى. وقال المواق: ابن حارث: اتفقوا أنه لا ينظر إلى العاقلة يوم الموت بل يوم الفرض، وأنها إن فرضت ثم كبر الصبي وأيسر العديم وأفاق المجنون أنه لا يرجع على أحد من هؤلاء بشيء. عبد الملك: لا يؤتنف فيها حكم بعد قسمها لعدم يحدث بعد ملاء أو يسار بعد عدم أو قدوم غائب أو عتق أو احتلام. وقال اللخمي: من خرج لحجٍ أو غزو دخل إذا قدم. انتهى.
стр. 8673
ولا يسقط بعسره يعني أن المعتبر وقتُ الضرب، فلذا لو جعل على أحد من لعاقلة شيء بقدر يسره ثم أعسر فإنه لا يسقط عنه ما ضرب عليه بذلك العسر الذي حدث له بعد الضرب اتفاقا كما في التوضيح. فقوله: "ولا يسقط" أي الضروب عمن ضربت عليه. أو موته يعني أن المعتبر وقت الضرب، فلذا لو ضرب على أحد بقدر يسره ثم مات فإنه لا يسقط عن تركته ما جعل عليه بموته الحاصل بعد الضرب، خلافا لأصبغ القائل بسُقُوطِهِ وأنه لا يرجع على العاقلة. قال المواق: ابن شأس: من مات ممن جعل عليه بقدره لم يَزُلْ ما جعل عليه، وكذلك لو أعدم ولا يزاد على من أيسر منهم. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يسقط ما ضرب على واحد منهم بقدر حاله بعسره وحبس لثبوته أو موته وحلت به أو بفَلَسِهِ عليه، وكذا لا تسقط بجنونه أو سفره رافضا سكنى بلده أو فَارًّا وكذا قبل الضرب إن قصد الفرار فتضرب عليه لا إن قصد رفض سكناها بغير فرار فلا تضرب عليه. قاله الرجراجي. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يسقط عمن ضربت عليه بعسره بعد الضرب عليه أو موته أو جنونه ويحل عليه بالموت، وإنما لم يستغن عن أحدهما بالآخر؛ لأنه لو اقتصر على العسر لتوهم السقوط بالموت لخراب ذمته، ولو اقتصر على الموت لتوهم أن الميت عن مال تؤخذ منه بخلاف عسره فلذلك جمع بينهما، وكان الأولى أن يقول: فلا يسقط لأنه مفرع على قوله: "والمعتبر وقتُ الضرب"، ثم إنه يحبس لثبوت عسره إن جهل حاله، وإن ظهر ملاؤه أو علم جرى ما سبق. انتهى.
ولا دخول لبدوي مع حضري يعني أنه لا دخول لبدوي من عصبة القاتل مع حضري من عصبته ولا عكسه مطلقا، قربوا منه أو بعدوا لأن العلة التناصُرُ. ولا شامي مع مصري يعني أنه لا دخول لشامي من عصبة القاتل مع مصري من عصبته ولا عكسه مطلقا، قربوا منه أو بعدوا، اتَّحَدَ جنس الدية أو اختلف. وعلم مما قررت أن قوله: مطلقا راجع للمسألتين، قال المواق: قال ابن الحاجب: لا دخول للبدوي مع الحضري وإن كان من قبيلته عند ابن القاسم، كما لا يدخل أهل مصر مع أهل الشام وإن كانوا أقرب. انتهى. ومن المدونة: لا يعقل أهل مصر مع أهل الشام ولا أهل البدو مع أهل الحضر؛ إذ لا يكون في دية واحدة إبل ودنانير. انتهى. نقله المواق. وقال الشبراخيتي: ولا دخول لبدوي من عاقلة القاتل مع حضري منها ولا عكسه في الْغُرْمِ؛ أي إذا
стр. 8674
كانت عاقلة القاتل بعضها حضري وبعضها بدوي وكان ساكنا مع أحدهما فإنه لا يضم بعضها إلى بعض، وتكون الدية على من هو معهم ولا شامي مع مصري، وعكسه إذا كان ساكنا مع أحدهما، ولا دخول لِعَسْكر شامي مع عسكر مصري، ظاهره ولو جمعتهم مملكة كمملكة بني عثمان وهو كذلك مطلقا يحتمل سواء قربوا من الجاني أو بعدوا، وسواء كانوا أقرب من الآخرين أو عكسه، فإذا كان الجاني من أهل الحاضرة فلا يعقل عنه أهل البادية ولو كانوا أقرب من أهل الحاضرة، ويحتمل سواء اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف، وفسر البساطي الإطلاق بما إذا قربوا أو بعدوا سواء اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف.
تنبيه: قد مر أن من لا عاقلة له يعقل عنه المسلمون حيث قال المصنف: "ثم بيت المال". انظره هناك، وهنا قال: إن القاتل لا تعقل عنه عصبته إذا كانوا ليسوا من قطره، فمن يعقل عن الشامي الذي عصبته بمصر؛ يؤخذ من هذا -واللَّه تعالى أعلم- أنه يعقل عنه المسلمون. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. وقوله: "ولا دخول لبدوي مع حضري ولا شامي مع مصري" هو كالتقييد، لقوله: "وبدئ بها الأقرب فالأقرب" أي محل ذلك حيث كانوا مع الجاني في قطر واحد، فأما إن كان كل بقطر كشامي ومصري أو هو حضري وهم بدويون أو بالعكس فإنه لا يدخل الأقرب، بل يعقل من معه من عاقلته. واللَّه تعالى أعلم.
ولما قدم أن الدية تنجم، ذكر مدة التنجيم وصفته فقال: الكاملة في ثلاث سنين يعني أن الدية الكاملة تنجم في ثلاث سنين، سواء كانت في نفس أو طرف، كقطع يدين أو رجلين أو ذهاب عقل أو سمع أو بصر أو نحو ذلك، لكل سنة ثلث من الدية يحل ثلث بآخر السنة الأولى، ثم يحل ثلث بآخر السنة الثانية، ثم يحل الأخير بآخر السنة الثالثة، وإلى هذا أشار بقوله: تحل أي النجوم بأواخرها أي أواخر السنين، فكل نجم يحل بآخر سنة، وكلامه ظاهر في إفادة هذا المعنى لتعبيره بأواخر دون آخر، ويحتمل أن الضمير في تحل يعود على الكاملة أي تحل أجزاؤها. قاله الشبراخيتي.
стр. 8675
وقوله: "تحل بأواخرها" الجملة صفة لثلاث سنين. قاله عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن شأس: أما الأجل فهو في الدية الكاملة ثلاث سنين يؤخذ ثلثها في آخر كل سنة. انتهى. قوله: "في ثلاث سنين" لا خلاف في ذلك. ابن عبد البر: وما قيل في أربع فشذوذ. قاله في التوضيح.
من يوم الحكم يعني أن ابتداء السنين الثلاث من يوم الحكم بالتنجيم أي التأجيل، فيحكم الحاكم بأن الدية يحل ثلثها لحول من يوم حكم، ويحل ثلث لحولين من يوم حكم، ويحل الثلث لثلاثة أحوال من يوم حكم بالتنجيم. وقوله: "من يوم الحكم" أي لا من يوم القتل خلافا للأبهري. قاله التتائي. وما مشى عليه المصنف من ابتداء الثلاث من يوم الحكم هو المشهور، وقوله: "الكاملة" مبتدأ خبره: "في ثلاث" أي كائنة في ثلاث سنين، وفي بعض النسخ بإسقاط "سنين". وقوله: "الكاملة" ليس المراد بالدية الكاملة دية الحر المسلم، بل المراد دِية أَي دِيَةٍ كانت؛ أي سواء كان المقتول مسلما أو كافرا، ذكرا أو أنثى عن نفس أو طرف كقطع اليدين، أو إذهاب عقل أو نحو ذلك. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: إن قوله "الكاملة" نائب فاعل فعل محذوف.
والثلث يعني أنه إن وجب الثلث كالمأمومة أو الجائفة فإنه ينجم بالنسبة للدية الكاملة، فينجم في سنة من يوم الحكم يحل بآخرها، والثلثان يعني أنه إذا وجب الثلثان كمأمومة وجائفة معا فإنهما يؤجلان بالنسبة للدية الكاملة، فيؤجلان سنتين فيحل أحد الثلثين لسنة من يوم الحكم بالتنجيم، ويحل الثاني لسنتين من يوم الحكم.
وعلم مما قررت أن قوله: بالنسبة راجع للمسألتين أي مسألة الثلث ومسألة الثلثين، وما ذكره المصنف في الثلث والثلثين هو المشهور، ومقابل المشهور حلول غير الكاملة والقولان لمالك قاله الشبراخيتي، والتتائي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: قال عبد الوهاب: في أبعاض الدية روايتان عن مالك: الحلول والتأجيل بأن ثلثها في سنة وثلثاها في سنتين. انتهى.
ونجم في النصف يعني أنه ينجم في النصف أي نصف الدية، كقطع يد فقط باعتبار التثليث في الدية الكاملة، فيؤخذ من النصف ثلث ينجم في سنة يحل بآخرها متبدأة من يوم الحكم بالتنجيم، ثم يجعل للزائد وهو سدس سنة يحل بآخرها فللنصف سنتان، وفي الثلاثة الأرباع
стр. 8676
يعني أنه يؤجل في الثلاثة الأرباع باعتبار التثليث في الدية الكاملة فيؤخذ من الأرباع ثلثان ينجمان في سنتين يحل أحدهما بآخر الأولى والآخر بآخر الثانية، ثم يجعل للزائد وهو نصف سدس سنة فللثلاثة الأرباع ثلاث سنين تبتدأ من يوم الحكم بالتنجيم.
وعلم مما قررت أن قوله: بالتثليث راجع للمسألتين، وهما مسألة النصف ومسألة الأرباع الثلاثة، وكذا قوله: ثم يجعل للزائد وهو سدس في الأولى ونصف سدس في الثانية سنة فحكم النصف كالثلثين والثلاثة الأرباع كالكاملة، وما ذكره في هذين الفرعين ضعيف والمعتمد أن النصف ينجم في سنتين لكل سنة ربع، وأن الثلاثة الأرباع في ثلاث سنين لِكُلِّ سنة ربع وهو ظاهر المدونة أن الثلاثة الأرباع في ثلاث سنين. انتهى. إذ المتبادر منها أن كل ربع في سنة. وقال بعض: إن المصنف كالمدونة أي لأن الكاملة لكل ثلث سنة فكذا غيرها. قاله عبد الباقي. قال: وانظر إذا زاد النصف نصف سدس والثلاثة الأرباع ثمنا، هل يكون لذلك الزائد سنة على كلام المدونة أو بالاجتهاد؟ وهو الظاهر. انتهى.
وَحُكْم ما وجب على عواقل بجناية واحدة كحكم الواحدة يعني أن حكم التنجيم على عواقل متعددة مع اتحاد الجناية كحكم التنجيم على العاقلة الواحدة، فلو حمل أربعة رجال مثلا صخرة فسقطت منهم على رجل فقتلته، فإن ربع الدية الواجب على عاقلة كل واحد منهم ينجم عليها في ثلاث سنين كحكم الدية الواحدة، وإن كان ما ينوب كل واحدة دون الثلث، فيحل ثلث الربع آخر السنة الأولى وثلثه الثاني في آخر السنة الثانية، وثلثه الثالث في آخر السنة الثالثة. وقوله: "وحكم ما وجب على عواقل". الخ ظاهره وإن كان ما يؤخذ من كل مخالفا لما يؤخذ من الآخر؛ كأن يكون بعضهم من أهل الذهب وبعضهم من أهل الإبل مثلا، وعلى هذا فهذه تخصص عموم ما ذكره المؤلف أولا من أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، ومن أن الدية الواحدة لا تكون من صنفين. قاله الخرشي. يعني كما مر في قوله: "ولا دخول لبدوي مع حضري". واللَّه تعالى أعلم.
وقال التتائي: وحكم ما وجب على عواقل متعددة، كعشرة رجال من قبائل شتى قتلوا رجلا بجناية واحدة، بأن حملوا صخرة فسقطت منهم عليه خطأ، فتجب الدية على عواقلهم ينجم كل
стр. 8677
عشر في ثلاث سنين حكاه الباجي عن سحنون. قال في الذخيرة: لو جرحه واحد جرحين خطأ وآخر جرحا واحدا خطأ ومات فأقسمت الورثة فالدية على عاقلتهما نصفان لا الثلث والثلثان؛ لأنه لا يدرى من أيهما مات. انتهى. وقال الشبراخيتي: حكم ما وجب على عواقل متعددة بجناية واحدة كحكم الواحدة، وإن كان ما ينوب كل واحدة دون الثلث، كعشرة رجال حملوا صخرة فسقطت منهم على شخص خطأ فمات فتجب الدية على عواقلهم كل عُشُرٍ في ثلاث سنين، وظاهره وإن كانت الدية مختلفة بالنسبة إليهم، كأن يكون بعضهم من أهل الذهب وبعضهم من أهل الورق وبعضهم من أهل الإبل، وهذا يخصص ما ذكروه من أن العاقلة إنما تحمل ما بلغ الثلث. وأن الدية الواحدة لا تكون من صنفين. انتهى.
وقال عبد الباقي: فينجم ما ينوب كل واحدة وإن كان دون الثلث أو اختلفت دياتهم، وهذا كالتخصيص لما مر من أن الدية لا تكون من صنفين كإبل وذهب وورق، وهنا تدفع كل عاقلة القدر الذي لزمها من نوع ما عندها. انتهى. وقال المواق ومن المدونة: إذا قتل عشرة رجال رجلا خطأ وهم من قبائل شتى، فعلى قبيلة كلِّ رجل عُشُرُ الدية في ثلاث سنين. انتهى. وقوله: "وحكم ما وجب على عواقل" سواء كانت جنايتهم تبلغ الدية الكاملة أو ثلثها فأكثر كما فيها، ففيها: ولو جنوا قدر ثلث الدية حملته عواقلهم أيضا في سنة. انتهى.
كتعدد الجناية عليها يعني أن الرجل أو الرجال من قبيلة واحدة إذا قتل أو قتلوا رجالا خطأ فإن الديات تنجم على عاقلة القاتل في ثلاث سنين، وتصير في التنجيم كحكم الجناية الواحدة فهو مشبه بما قبله من أن المتعدد كالمتحد، فالأولى فيها تشبيه العواقل وهي متعددة، بالعاقلة الواحدة والثانية فيها تشبيه الجناية المتعددة بالجناية الواحدة، قال التتائي: كتعدد الجناية عليها أي على العاقلة الواحدة، كأن يقتل رجل رجلين خطأ فالديتان منجمتان على عاقلته في ثلاث سنين وهي مصيبة نزلت بها، ونبه على ذلك ليلا يتوهم أن الدية الثانية إنما تنجم على العاقلة بعد وفاء الأولى. انتهى. ونحوه للشبراخيتي.
وهل حدها سبعمائة؟ يعني أنه اختلف في حد أقل العاقلة الذي لا يضم إليه من بعده سد بلوغه، هل هو سبعمائة من الرجال؟ فإذا بلغت الفصيلة سبعمائة اكتفى بها ولا يدخل الفخذ، فإن لم
стр. 8678
تبلغ الفصيلة سبعمائة ضم إليها الفخذ وهكذا، أو حد أقل العاقلة الزائد على ألف؟ وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك قولان لم يطلع المؤلف فيهما على أرجحية منصوصة. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وهل حدها أي العاقلة على حذف مضاف أي حد أقلها الذي لا يضم إليه من بعده بعد بلوغه سبعمائة من الرجال أو الزائد على ألف، ولا بد أن تكون الزيادة على ألف أربعة أو أكثر، فأَلْ للكمال قولان ذكرهما ابن عات وغيره، ويفهم منه أنهم إذا كانوا دون سبعمائة على الأول ودون الزائد على ألف على الثاني لا تضرب عليهم الدية كاملة، ويضرب عليهم ما لا يضر ويكمل من بيت المال، فإن لم يمكن الأخذ منه ففي مال الجاني، وأما أكثرها فلا حد له، فإذا وجد هذا العدد مثلا من الفصيلة لا يضم إليهم الفخذ مثلا، وإذا كمل هذا من الفصيلة والفخذ فلا يضم إليهما البطن مثلا، فالمراد أنه يضرب على كل وإن قل ما لا يضر به ثم يكمل من غيره، لا أنه لا يضرب على من لم يبلغ العدد المذكور. انتهى.
وقال التتائي: وهل حدها أي العاقلة التي لا يضم إليها أحد من أقرب القبائل سبعمائة ينتمون إلى رجل واحد أو الزائد على ألف هو الحد الذي لا يضم إليه غيره، وأما الألف فيضم إليه غيره قولان لسحنون، حكى الأول عنه ابن كوثر وابن أبي حمراء في وثائقهما، والثاني صاحب البيان في الديات الأول. انتهى. وقال عبد الباقي: وهل حدها -أي حد أقل العاقلة الشاملة للموالي الأعلين والأسفلين يضرب على كل ما لا يضر- سبعمائة فأكثر؟ أو أقل حدها الزائد على ألف أي ألف مع زياد أربع رجال فأكثر كما في علي الأجهوري. وفي المواق: زيادة لها بال، قال: بعض كعشرين ففوق قولان، فإن نقصت عن سبعمائة على الأول وعن ألف وما ألحق به على الثاني حملوا ما نابهم بتقدير كونهم العدد المعتبر والجاني كواحد منهم، وحمل بيت المال ما بقي إن وجد وإلا فعلى الجاني، كما إذا لم يوجد بيت مال ولا عاقلة ولا يلزم من وجد من العاقلة دون العدد المعتبر حمل جميع الدية، ولو قَدَرُوا عليها لِغِنَاهُمْ. انتهى.
وقال البناني: قال مصطفى: سكت المصنف عن القول بأنها لا حد لها، وظاهر كلام ابن عرفة أنه المذهب إذ صدر به ثم حكى قولي سحنون. ابن عرفة: روى الباجي: لا حد لعدد من تقسم عليهم الدية من العاقلة وإنما ذلك بالاجتهاد، وقال سحنون: أقلها سبعمائة رجل. ابن عات:
стр. 8679
المشهور عن سحنون إن كانت العاقلة ألفا فهم قليل، فليضم إليهم أقرب القبائل إليهم. انتهى. المراد منه.
ثم تكلم على كفارة القتل خطأ وأنها واجبة ومرتبة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. الآية. فقال: وعلى القاتل وجوبا الحر لا العبد؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والعبد لا يصح منه ذلك لأن من لوازم العتق الولاء ولا ولاء للرقيق، فلذا لم يصح عتقه المسلم لا الكافر؛ إذ ليس فيه أهلية التقرب؛ لأن الإيمان شرط في جميع الأعمال، فلذا لم يصح منه التقرب، وعلى القاتل المذكور ما يذكر حيث كان عاقلا بالغا، بل وإن كان صبيا أو مجنونا؛ لأن الكفارة من خطاب الوضع لما كانت عوضا عن النفس فأشبهت عوض المتلف فهي عليهما في مالهما، أو شريكا أي وإن كان القاتل شريكا لصبي أو مجنون أو غيرهما فعلى كل كفارة كاملة لأنها لا تتبعض، وكذا لو قتل صبيان أو مجنونان ولو تعدد القاتل والمقتول لوجب على كل واحد من القاتلين كفارة في كل واحد من المقتولين، وإن لم يجب على كل من البالغين من الدية إلا جزء يسير؛ لأن ما هنا عبادة برقبة كاملة كما هو ظاهر الآية فلا تتبعض. قاله عبد الباقي.
وإنما تجب الكفارة على القاتل الحر المسلم إذا قتل مثل أي قتل حرا مسلما، فلا تجب في قتل عبد، خلافا لظاهر قول أشهب لأنه مؤمن، ولا في قتل كافر معصوما صفة لقوله "مثله"، أو حال، وخرج به الزاني المحصن. وأما المرتد فخرج بقوله: "مثله". خطأ فيه دية مفعول مطلق: والناصب له قتل فلا تجب على القاتل عمدا عتق رقبة مبتدأ وخبره على القاتل: ومن الخطإ الذي فيه دية: عمد الصبي، ونوم امرأة على ولدها فقتلته، وامتناعها من إرضاعه لا لقصد قتله حتى مات، وسقوط شيء من يدها أو يد أبيه عليه خطأ فقتله لا خطأ ليس فيه دية، كسقوط وَلَدٍ من أحد أبويه، أو سقيه دواء فمات فهدر فلا كفارة فيه. انظر الحطاب. قاله عبد الباقي. وعلم منه أن قوله: "خطأ" أي خطأ فيه الدية: ولذا قال: ومن الخطإ الذي فيه دية الخ: ومفهومه أنه لو كان هَدَرًا لم تكن فيه كفارة كما صرح به. واللَّه تعالى أعلم. ويأتي هذا.
стр. 8680
ولعجزها أي وإن لم يقدر على عتق رقبة، فإنه يلزمه شهران أي صومهما حال كون الرقبة، والشهرين كالظهار في اشتراط إسلامها وسلامتها من العيوب وخلوها من شوائب الحرية وتتابع الصوم وغيره مما يصححة ويبطله، كما أشار له هناك بقوله: "سليمة من قطع أصبع وعمى وبكم وجنون وإن قل ومرض مشرف" الخ، ثم قال: صوم شهرين بالهلال منويي التتابع والكفارة، وتمم الأول إن انكسر من الثالث، ويؤخر صيام العاجز لطاقته والصبي لبلوغه والمجنون لإفاقته. وقوله: "ولعجزها شهران" مبتدأ وخبر. وقوله: "ولعجزها" أصله وللعجز عنها فحذف الجار ووصل الضمير بالمصدر. قوله: "وعلى القاتل الحر المسلم" الخ، قال البناني عنده: ما تقدم من دية أو قصاص هو حق الآدمي وما هنا حق اللَّه في ذلك، وإنما وجبت الكفارة في الخطإ دون العمد مع أن مقتضى الظاهر العكس لخطر الدماء، ولأن مع المخطئ تفريطا؛ إذ لو تحرز واحتاط لترك الفعل الذي تسبب عنه القتل من أصله، ولأنهم رأوا أن العامد لا تكفيه الكفارة لجنايته؛ لأنها أعظم من أن تكفر كما قالوا في اليمين الغموس، وأيضا فقد أوجبوا عليه ضرب مائة وحبس سنة. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: العلتان الأوليان راجعتان لوجوب الكفارة في الخطإ، وقوله: ولأنهم رأوا أن العامد لا تكفيه الخ، راجع لقوله: دون العمد، فهو لف ونشر مرتب؛ أي لزم في الخطإ لما ذكر، ولم تلزم في العمد لما ذكر. واللَّه تعالى أعلم. وقد مر أن محترز قول المصنف: "الحر"، العبدُ وعلل بأن العبد لا يصح عتقه إذلا ولاء له.
قال البناني: نحوه في التوضيح، واعْتُرِضَ بأن هذه العلة قاصرة لا تفيد إسقاط الصيام عنه، وقد اعترضه ابن مرزوق بأمور منها هذا، ومنها أن الآية عامة في الرقيق وغيره، ومنها أنهم قالوا بالصيام في نظيره وهو الظهار. انتهى. وبحث معه في هذا الثالث بأن الظهار معصية ولا مندوحة عن كفارتها ونحوه. قال الشيخ المسناوي: ونصه: لا يخْفَى اتجاه كلام ابن مرزوق، غير أنه قد يقال إن طلب الكفارة في الظهار ليس كطلبها في قتل الخطإ؛ إذ لا يخرج من الظهار بدونها مع كون الظهار معصية فمرتكبه آثم فتأكد أمرها فيه حتى في العبد، فأمر بما يمكنه منها وهو الصوم، بخلاف القتل فإنها فيه تابعة للدية مع كون المخطئ غير آثم، فسقطت عن العبد لتعذر أحد
стр. 8681
جزءيها منه وإن تأخر الآخر. انتهى. على أن مقتضى كلام ابن عبد السلام أنه لا نزاع في أنها واجبة على العبد، فإنه قال: الأصل في وجوب الكفارة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية، فتجب على الحر المسلم كما ذكر المؤلف يعني ابن الحاجب، ثم قال: فإن قُلْتَ: فأما المسلم فقد يظهر لأن الكافر غير مخاطب بالفروع أو مخاطب، ولكن شرط التقرب لم يحصل، وأما الحرية فلا معنى لاشتراطها إذ الآية تتناول الأرقاء، وهب أَنَّ الإعتاق متعذر من العبد فالصوم غير متعذر منه إذا أذن له سيده؟ قُلْتُ: إنما اشترط المؤلف الحرية في كفارة مقيدة هي الإعتاق أولا في حق القادر عليه ثم الصيام إن عجز عن الإعتاق، فهذه الكفارة لا بد فيها من اشتراط الحرية. انتهى.
تنبيهات: الأول: رد المصنف بالمبالغة في قوله: "وإن صبيا أو مجنونا" قول ابن عبد السلام: جعلوها من خطاب الوضع لما كانت عوضا عن النفس فأشبهت أعواض التلفات، فإن كان هناك دليل شرعي من إجماع أو غيره يجب التسليم لَهُ فحسن، وإلا فمقتضى النظر سقوطها عنهما وردها إلى خطاب التكليف، ولما لم يجد ابن عرفة سبيلا للرد على ما ذكره، قال: قول ابن شأس تجب في مال الصبي والمجنون واضح كالزكاة، ولم أره لغيره من أهل المذهب نصا بل في وجيز الغزالي. نقله غير واحد.
الثاني: قال الحطاب: لو سقت ولدها دواء فشرق فمات فلا شيء عليها، ولو انقلبت على ولدها وهي نائمة فعليها الكفارة والدية. وقال المشذالي: وإذا وجد قتيل في محلة قوم أو دراهم ولا يدرى من قتله لم يؤخذ به أحد ويبطل دمه ولا يكون في بيت مال ولا غيره. وسئل ابن عبد السلام عمن نام مع زوجته في فراش واحد فأصبح الولد ميتا بينهما لا يدرى أيهما رقد عليه؟ فقال: لم أر فيها نصا، وعندي أنه هدر. قال المشدالي: قلت لشيخنا: فما رأيكم فيها؟ قال كرأي ابن عبد السلام، ويؤخذ من قولها هنا. انتهى.
الثالث: قال المواق: الجلاب: من لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع انتظر القدرة على الصيام أو وجود الرقبة، ولا يجزئه إلا طعام. انتهى.
стр. 8682
الرابع: قد مر قول عبد الباقي: خطأ فيه دية الخ، قال البناني: نحوه قول ابن رشد: كلما لزمت الدية على العاقلة أو في ماله لزمت الكفارة، وحيث لا تلزم لم تلزم إلا استحسانا، كسماع ابن القاسم في الأم تسقي ابنها الدواء فيشرق فيموت، ونقله ابن عرفة. انتهى.
لا صائلا عطف على قوله: "معصوما" لا إن قتل مثله صائلا؛ يعني أن من قتل صائلا عليه لا تجب عليه الكفارة. قال الشبراخيتي: هو بالنصب عطف على "معصوما" كذا في بعض النسخ، وفي بعضها بالجر، وعليها فالمعطوف مقدر أي لا على قاتل صائل، وإنما تعرض لهذا مع أنه يخرج بقوله: "خطأ"، ليلا يتوهم أنه لما لم يكن فيه قتل يكون كالخطإ. انتهى. وقال عبد الباقي: وعطف على "معصوما" قوله: "لا صائلا" أي لا كفارة على من قتل صائلا عليه أي قاصد الوثوب عليه: وهو محترز قوله: "معصوما".
وقاتل نفسه يعني أن من قتل نفسه خطأ وأولى عمدا لا تجب الكفارة في ماله لسقوط الخطاب بها لموته بسبب فعل نفسه، كديته يعني أن دية كل من الصائل وقاتل نفسه هدر. قال أحمد: قوله "كديته" أي كما أن ديته إذا قتل نفسه خطأ لا تجب على العاقلة لوارثه لأنه لا يعقل، فكذا غيره، وهذا الحل هو المتوهم بخلاف العمد إذ لا دية فيه. قاله عبد الباقي. قوله: لأنه لا يعقل فكذا غيره؛ يعني أن قاتل نفسه لا يعقل عن نفسه فكذا غيره لا يعقل عنه، فلذا لم تكن فيه دية. قاله البناني. وقال المواق: لا صائل وقاتل نفسه. ابن شأس: لا تجب الكفارة في قتل الصائل ولا قتل نفسه. ابن عرفة: هذا مقتضى المذهب ولم أجده نصا، وقال الشبراخيتي: "كديته" فلا تجب عليه، ولذا لا تنتقل على العاقلة. انتهى.
وندبت في جنين يعني أن قتل الجنين تندب فيه الكفارة، قال الشبراخيتي: وندبت في جنين كما في المدونة، وقال التتائي: وندبت كفارة القتل في جنين، قال في المدونة: استحسنها مالك في الجنين. أبو الحسن: معناه استحبها ولم يرد الاستحسان الذي هو أحد الأدلة. انتهى. وقال عبد الباقي: وندبت الكفارة لحر مسلم في قتل جنين. انتهى. وقال المواق من المدونة: من ضرب امرأة خطأ فألقت جنينا ميتا استحب له مالك الكفارة، وقال مالك في امرأة نامت على ولدها فقتلته: إن ديته على عاقلتها وتعتق رقبة. انتهى. وقيل: لا تندب الكفارة في قتل الجنين، قال ابن
стр. 8683
الحاجب: وفي استحبابها في الجنين روايتان، قال في التوضيح: وعدم استحبابها والروايتان معا في الموازية.
ورقيق يعني أنه يندب في حق الحر المسلم إذا قتل رقيقا له أو لغيره الكفارة المذكورة مع غرم قيمته إذا كان لغيره، وعمد يعني أن قتل العمد تندب فيه الكفارة المذكورة، قال المواق في الرسالة: كفارة القتل في الخطإ واجبة، ثم قال: ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد وهو خير له. انتهى. وقال التتائي: وفي قتل عمد عفي عنه فيه. ابن عبد السلام: استحسان مالك الكفارة في العمد مشعر بأن القاتل عنده في المشيئة، وإن كان له خلاف ما يدل على ذلك وهو أنه لا يصلى خلفه وإن تاب، وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في قبول توبته وعدمها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي قتل عمد لم يقتل به إما لكونه عفي عنه وإما لعدم التكافؤ، وأما إن قتل به فلا كفارة. انتهى. ونحوه لعبد الباقي والخرشي. واللَّه تعالى أعلم. وعبد يعني أن العبد إذا قتل أحدا فإنه تندب له الكفارة، والفرق بين هذا وقوله: "ورقيق" أنه في الأولى مقتول وفي هذه قاتل، وفي بعض النسخ: وذمي بدل وعبد. ابن غازي: وهو الصواب أي تندب الكفارة في قتل الذمي عمدا أو خطأ.
وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة يعني أن القاتل عمدا حيث لم يقتل للعفو عنه أو لزيادة حرية أو إسلام، يجب أن يجلد مائة جلدة ثم يحبس بعد ذلك سنة، ومعنى قوله: "مطلقا" رجلا كان القاتل أو امرأة، مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا. والضمير في "عليه" يرجع على القاتل عمدا البالغ. هذا هو المشهور. ومقابله لأصبغ: لا يحبس العبد ولا المرأة ولكن يجلدان، ومنشأ هذا الخلاف هل هو جار مجرى الحدود أو لا؟ وَينبني على هذا الإجراء لو أقر القاتل بالقتل عمدا فعفي عنه وأراد القاضي ضربه وسجنه فرجع عن إقراره، فإنه يسقط عنه الضرب والسجن كالحد. ابن عرفة: وبهذا وقع الحكم بتونس بأواخر القرن السابع على ما أخبرنا به شيوخنا. انتهى. قاله التتائي.
فائدة: قال ابن عبد السلام: من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولي القتل ليقتله على
стр. 8684
الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرا لافتياته على الإمام، ويلقى اللَّه تعالى فاسقا بالجريمة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة، فإن جعلنا توبته مسقطة لقتله فقد لقى اللَّه فاسقا بقتله نفسه لأنه قتل نفسا معصومة، وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقي اللَّه تعالى عاصيا لافتياته على الإمام، ولا يأثم بذلك إثم من يرتكب الكبائر لأنه فوَّتَ روحا يستحق اللَّه تفويتها وأزهق نفسا يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصْلُ يقتضي أن يجوز للآحاد القيام بحق اللَّه تعالى في ذلك، لكن الشرع فوضه إلى الأئمة كي لا يُوقِعَ الاستبدادُ به في الفتن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة" هو الجاري على قول ابن القاسم الذي جرى عليه غير واحد، وقال أشهب: يخير في ذلك أي في تقديم الضرب على الحبس وتقديم الحبس على الضرب، قال ابن عرفة: وفي تقديم الضرب على السجن والتخيير في ذلك قولان لسماع عيسى بن القاسم، ونقل الباجي عن أشهب، ولم يحك ابن رشد غير ما في السماع. نقله الحطاب. وفي بعض النسخ: "وعليه مطلقا جلد مائة وحبس سنة"، قال الرهوني: والذي في المواق وابن مرزوق والأجهوري: جلد مائة ثم حبس سنة وهي الصواب، ليكون المصنف ذاهبا على قول ابن القاسم الذي اقتصر عليه غير واحد.
وقد ذكر الباجي القولين وعزا القول بالتخيير لأشهب في الموازية، ثم قال الرهوني: وعلى قول ابن القاسم اقتصر الشيخ أبو محمد في نوادره على ما نقله عنه ابن مرزوق، وعليه اقتصر أبو الحسن في شرح المدونة، ولا تحسب في السنة المدة التي حبس فيها لاختبار أمره حتى على قول أشهب، ففي المنتقى: قال عبد الملك: يقيد ما دام اللطخ الذي سجن فيه، فإذا لزمه جلد مائة وتوجه عليه الحكم أزيل عنه الحديد وسجن سنة، فاقتضى ذلك أن السنة إنما تكون بعد تحقيق الحكم عليه، فأما السجن الذي كان قبل ذلك لاستبراء أمره والنظر فيه فليس من هذا الحبس في شيء، بل حكمه مخالف لحكمه لما يختص به من التقييد. انتهى منه بلفظه. انتهى منه بلفظه.
قال الرهوني: قلت ما ذكره من أنه لا يجعل في الحديد في السنة ظاهره أنه متفق عليه، ولكن جزم في المقصد المحمود بخلافه، ونصه: ولا يقسم الأولياء إلا على واحد وإن وقعت التدمية على
стр. 8685
جماعة، ولهم أن يختاروا ما شاءوا منهم، فإن فعلوا قتلوه وضرب السلطان الآخرين مائة مائة وسجنهم بالحديد سنة. انتهى منه بلفظه. ونحوه للمتيطي، ففي اختصار ابن هارون ما نصه: ولو دمى رجل بجراحه عمدا على جماعة لم يكن للأولياء إن مات أن يقسموا إلا على واحد، ويستقيدوا منه ويضرب الآخرون مائة مائة، ويسجنون عاما مكبلين. هذا هو المشهور من المذهب. وبه العمل، وقال المغيرة في المجموعة: يقتلون كلهم في العمد إذا أقسم الأولياء عليهم، وقال أشهب: يقسمون عليهم أو على بعضهم ثم يختارون من أحبوا قتله. انتهى منه بلفظه.
وأصله في الوثائق المجموعة ولكن تعقبه أبو الوليد بن رشد حسبما نقله ابن عات في طرره وسلمه، بل نقل عن الاستغناء ما يشهد له ونصها: ويسجنون عاما إذا مات المقتول مطلقين من غير حديد، ثم قال: فإن كان جريحا أو مريضا سجنوا محددين في الحديد وهي رواية أبي زيد عن ابن الماجشون، قال: لا بد للمسجون في الدم من الحديد حتى يرى ما كان من أمره، فإن سقط عنه الدم بعفو أو قسامة على غيره أطلقه الإمام من الحديد وضربه مائة وسجنه عاما مستقبلا من غير حديد. من الاستغناء. وعند قوله: محددين أي مكبلين طرةٌ: هذا خطأ لا يكبل بالحديد إلا من اتهم بدم وينتظر به القتل، وأما هؤلاء فإن الدم قد ارتفع عنهم فلا ينبغي أن يحبسوا في الحديد. انتهى. وهذا التعقب وارد على من تبعه كالمتيطي وصاحب المقصد المحمود، وما قدمته عن الباجي شاهد بهذا التعقب أيضا. واللَّه أعلم. انتهى. وفي المنتقى: والعبد إذا قتل حرا أو حرة فلم يقتل فليجلد ويسجن. قاله أشهب في العتبية والموازية. وقال أصبغ في الموازية: ليس على عبد ولا على أمة حبس سنة وعليهما جلد مائة، سواء أسلموا أو فُدُوا.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: قول الرهوني: محددين أي مكبلين الخ تأمله فإنه غير ظاهر.
فائدة أخرى: قال ابن عرفة: روى الدارقطني عن عمر (١) بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده مُتَعَمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم [يعذبه] (٢)، وأمره أن يعتق رقبة. عبد الحق في إسناده: إسماعيل بن عياش: وهو