جزءيها منه وإن تأخر الآخر. انتهى. على أن مقتضى كلام ابن عبد السلام أنه لا نزاع في أنها واجبة على العبد، فإنه قال: الأصل في وجوب الكفارة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية، فتجب على الحر المسلم كما ذكر المؤلف يعني ابن الحاجب، ثم قال: فإن قُلْتَ: فأما المسلم فقد يظهر لأن الكافر غير مخاطب بالفروع أو مخاطب، ولكن شرط التقرب لم يحصل، وأما الحرية فلا معنى لاشتراطها إذ الآية تتناول الأرقاء، وهب أَنَّ الإعتاق متعذر من العبد فالصوم غير متعذر منه إذا أذن له سيده؟ قُلْتُ: إنما اشترط المؤلف الحرية في كفارة مقيدة هي الإعتاق أولا في حق القادر عليه ثم الصيام إن عجز عن الإعتاق، فهذه الكفارة لا بد فيها من اشتراط الحرية. انتهى.
تنبيهات: الأول: رد المصنف بالمبالغة في قوله: "وإن صبيا أو مجنونا" قول ابن عبد السلام: جعلوها من خطاب الوضع لما كانت عوضا عن النفس فأشبهت أعواض التلفات، فإن كان هناك دليل شرعي من إجماع أو غيره يجب التسليم لَهُ فحسن، وإلا فمقتضى النظر سقوطها عنهما وردها إلى خطاب التكليف، ولما لم يجد ابن عرفة سبيلا للرد على ما ذكره، قال: قول ابن شأس تجب في مال الصبي والمجنون واضح كالزكاة، ولم أره لغيره من أهل المذهب نصا بل في وجيز الغزالي. نقله غير واحد.
الثاني: قال الحطاب: لو سقت ولدها دواء فشرق فمات فلا شيء عليها، ولو انقلبت على ولدها وهي نائمة فعليها الكفارة والدية. وقال المشذالي: وإذا وجد قتيل في محلة قوم أو دراهم ولا يدرى من قتله لم يؤخذ به أحد ويبطل دمه ولا يكون في بيت مال ولا غيره. وسئل ابن عبد السلام عمن نام مع زوجته في فراش واحد فأصبح الولد ميتا بينهما لا يدرى أيهما رقد عليه؟ فقال: لم أر فيها نصا، وعندي أنه هدر. قال المشدالي: قلت لشيخنا: فما رأيكم فيها؟ قال كرأي ابن عبد السلام، ويؤخذ من قولها هنا. انتهى.
الثالث: قال المواق: الجلاب: من لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع انتظر القدرة على الصيام أو وجود الرقبة، ولا يجزئه إلا طعام. انتهى.
стр. 8682
الرابع: قد مر قول عبد الباقي: خطأ فيه دية الخ، قال البناني: نحوه قول ابن رشد: كلما لزمت الدية على العاقلة أو في ماله لزمت الكفارة، وحيث لا تلزم لم تلزم إلا استحسانا، كسماع ابن القاسم في الأم تسقي ابنها الدواء فيشرق فيموت، ونقله ابن عرفة. انتهى.
لا صائلا عطف على قوله: "معصوما" لا إن قتل مثله صائلا؛ يعني أن من قتل صائلا عليه لا تجب عليه الكفارة. قال الشبراخيتي: هو بالنصب عطف على "معصوما" كذا في بعض النسخ، وفي بعضها بالجر، وعليها فالمعطوف مقدر أي لا على قاتل صائل، وإنما تعرض لهذا مع أنه يخرج بقوله: "خطأ"، ليلا يتوهم أنه لما لم يكن فيه قتل يكون كالخطإ. انتهى. وقال عبد الباقي: وعطف على "معصوما" قوله: "لا صائلا" أي لا كفارة على من قتل صائلا عليه أي قاصد الوثوب عليه: وهو محترز قوله: "معصوما".
وقاتل نفسه يعني أن من قتل نفسه خطأ وأولى عمدا لا تجب الكفارة في ماله لسقوط الخطاب بها لموته بسبب فعل نفسه، كديته يعني أن دية كل من الصائل وقاتل نفسه هدر. قال أحمد: قوله "كديته" أي كما أن ديته إذا قتل نفسه خطأ لا تجب على العاقلة لوارثه لأنه لا يعقل، فكذا غيره، وهذا الحل هو المتوهم بخلاف العمد إذ لا دية فيه. قاله عبد الباقي. قوله: لأنه لا يعقل فكذا غيره؛ يعني أن قاتل نفسه لا يعقل عن نفسه فكذا غيره لا يعقل عنه، فلذا لم تكن فيه دية. قاله البناني. وقال المواق: لا صائل وقاتل نفسه. ابن شأس: لا تجب الكفارة في قتل الصائل ولا قتل نفسه. ابن عرفة: هذا مقتضى المذهب ولم أجده نصا، وقال الشبراخيتي: "كديته" فلا تجب عليه، ولذا لا تنتقل على العاقلة. انتهى.
وندبت في جنين يعني أن قتل الجنين تندب فيه الكفارة، قال الشبراخيتي: وندبت في جنين كما في المدونة، وقال التتائي: وندبت كفارة القتل في جنين، قال في المدونة: استحسنها مالك في الجنين. أبو الحسن: معناه استحبها ولم يرد الاستحسان الذي هو أحد الأدلة. انتهى. وقال عبد الباقي: وندبت الكفارة لحر مسلم في قتل جنين. انتهى. وقال المواق من المدونة: من ضرب امرأة خطأ فألقت جنينا ميتا استحب له مالك الكفارة، وقال مالك في امرأة نامت على ولدها فقتلته: إن ديته على عاقلتها وتعتق رقبة. انتهى. وقيل: لا تندب الكفارة في قتل الجنين، قال ابن
стр. 8683
الحاجب: وفي استحبابها في الجنين روايتان، قال في التوضيح: وعدم استحبابها والروايتان معا في الموازية.
ورقيق يعني أنه يندب في حق الحر المسلم إذا قتل رقيقا له أو لغيره الكفارة المذكورة مع غرم قيمته إذا كان لغيره، وعمد يعني أن قتل العمد تندب فيه الكفارة المذكورة، قال المواق في الرسالة: كفارة القتل في الخطإ واجبة، ثم قال: ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد وهو خير له. انتهى. وقال التتائي: وفي قتل عمد عفي عنه فيه. ابن عبد السلام: استحسان مالك الكفارة في العمد مشعر بأن القاتل عنده في المشيئة، وإن كان له خلاف ما يدل على ذلك وهو أنه لا يصلى خلفه وإن تاب، وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في قبول توبته وعدمها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي قتل عمد لم يقتل به إما لكونه عفي عنه وإما لعدم التكافؤ، وأما إن قتل به فلا كفارة. انتهى. ونحوه لعبد الباقي والخرشي. واللَّه تعالى أعلم. وعبد يعني أن العبد إذا قتل أحدا فإنه تندب له الكفارة، والفرق بين هذا وقوله: "ورقيق" أنه في الأولى مقتول وفي هذه قاتل، وفي بعض النسخ: وذمي بدل وعبد. ابن غازي: وهو الصواب أي تندب الكفارة في قتل الذمي عمدا أو خطأ.
وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة يعني أن القاتل عمدا حيث لم يقتل للعفو عنه أو لزيادة حرية أو إسلام، يجب أن يجلد مائة جلدة ثم يحبس بعد ذلك سنة، ومعنى قوله: "مطلقا" رجلا كان القاتل أو امرأة، مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا. والضمير في "عليه" يرجع على القاتل عمدا البالغ. هذا هو المشهور. ومقابله لأصبغ: لا يحبس العبد ولا المرأة ولكن يجلدان، ومنشأ هذا الخلاف هل هو جار مجرى الحدود أو لا؟ وَينبني على هذا الإجراء لو أقر القاتل بالقتل عمدا فعفي عنه وأراد القاضي ضربه وسجنه فرجع عن إقراره، فإنه يسقط عنه الضرب والسجن كالحد. ابن عرفة: وبهذا وقع الحكم بتونس بأواخر القرن السابع على ما أخبرنا به شيوخنا. انتهى. قاله التتائي.
فائدة: قال ابن عبد السلام: من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولي القتل ليقتله على
стр. 8684
الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرا لافتياته على الإمام، ويلقى اللَّه تعالى فاسقا بالجريمة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة، فإن جعلنا توبته مسقطة لقتله فقد لقى اللَّه فاسقا بقتله نفسه لأنه قتل نفسا معصومة، وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقي اللَّه تعالى عاصيا لافتياته على الإمام، ولا يأثم بذلك إثم من يرتكب الكبائر لأنه فوَّتَ روحا يستحق اللَّه تفويتها وأزهق نفسا يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصْلُ يقتضي أن يجوز للآحاد القيام بحق اللَّه تعالى في ذلك، لكن الشرع فوضه إلى الأئمة كي لا يُوقِعَ الاستبدادُ به في الفتن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة" هو الجاري على قول ابن القاسم الذي جرى عليه غير واحد، وقال أشهب: يخير في ذلك أي في تقديم الضرب على الحبس وتقديم الحبس على الضرب، قال ابن عرفة: وفي تقديم الضرب على السجن والتخيير في ذلك قولان لسماع عيسى بن القاسم، ونقل الباجي عن أشهب، ولم يحك ابن رشد غير ما في السماع. نقله الحطاب. وفي بعض النسخ: "وعليه مطلقا جلد مائة وحبس سنة"، قال الرهوني: والذي في المواق وابن مرزوق والأجهوري: جلد مائة ثم حبس سنة وهي الصواب، ليكون المصنف ذاهبا على قول ابن القاسم الذي اقتصر عليه غير واحد.
وقد ذكر الباجي القولين وعزا القول بالتخيير لأشهب في الموازية، ثم قال الرهوني: وعلى قول ابن القاسم اقتصر الشيخ أبو محمد في نوادره على ما نقله عنه ابن مرزوق، وعليه اقتصر أبو الحسن في شرح المدونة، ولا تحسب في السنة المدة التي حبس فيها لاختبار أمره حتى على قول أشهب، ففي المنتقى: قال عبد الملك: يقيد ما دام اللطخ الذي سجن فيه، فإذا لزمه جلد مائة وتوجه عليه الحكم أزيل عنه الحديد وسجن سنة، فاقتضى ذلك أن السنة إنما تكون بعد تحقيق الحكم عليه، فأما السجن الذي كان قبل ذلك لاستبراء أمره والنظر فيه فليس من هذا الحبس في شيء، بل حكمه مخالف لحكمه لما يختص به من التقييد. انتهى منه بلفظه. انتهى منه بلفظه.
قال الرهوني: قلت ما ذكره من أنه لا يجعل في الحديد في السنة ظاهره أنه متفق عليه، ولكن جزم في المقصد المحمود بخلافه، ونصه: ولا يقسم الأولياء إلا على واحد وإن وقعت التدمية على
стр. 8685
جماعة، ولهم أن يختاروا ما شاءوا منهم، فإن فعلوا قتلوه وضرب السلطان الآخرين مائة مائة وسجنهم بالحديد سنة. انتهى منه بلفظه. ونحوه للمتيطي، ففي اختصار ابن هارون ما نصه: ولو دمى رجل بجراحه عمدا على جماعة لم يكن للأولياء إن مات أن يقسموا إلا على واحد، ويستقيدوا منه ويضرب الآخرون مائة مائة، ويسجنون عاما مكبلين. هذا هو المشهور من المذهب. وبه العمل، وقال المغيرة في المجموعة: يقتلون كلهم في العمد إذا أقسم الأولياء عليهم، وقال أشهب: يقسمون عليهم أو على بعضهم ثم يختارون من أحبوا قتله. انتهى منه بلفظه.
وأصله في الوثائق المجموعة ولكن تعقبه أبو الوليد بن رشد حسبما نقله ابن عات في طرره وسلمه، بل نقل عن الاستغناء ما يشهد له ونصها: ويسجنون عاما إذا مات المقتول مطلقين من غير حديد، ثم قال: فإن كان جريحا أو مريضا سجنوا محددين في الحديد وهي رواية أبي زيد عن ابن الماجشون، قال: لا بد للمسجون في الدم من الحديد حتى يرى ما كان من أمره، فإن سقط عنه الدم بعفو أو قسامة على غيره أطلقه الإمام من الحديد وضربه مائة وسجنه عاما مستقبلا من غير حديد. من الاستغناء. وعند قوله: محددين أي مكبلين طرةٌ: هذا خطأ لا يكبل بالحديد إلا من اتهم بدم وينتظر به القتل، وأما هؤلاء فإن الدم قد ارتفع عنهم فلا ينبغي أن يحبسوا في الحديد. انتهى. وهذا التعقب وارد على من تبعه كالمتيطي وصاحب المقصد المحمود، وما قدمته عن الباجي شاهد بهذا التعقب أيضا. واللَّه أعلم. انتهى. وفي المنتقى: والعبد إذا قتل حرا أو حرة فلم يقتل فليجلد ويسجن. قاله أشهب في العتبية والموازية. وقال أصبغ في الموازية: ليس على عبد ولا على أمة حبس سنة وعليهما جلد مائة، سواء أسلموا أو فُدُوا.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: قول الرهوني: محددين أي مكبلين الخ تأمله فإنه غير ظاهر.
فائدة أخرى: قال ابن عرفة: روى الدارقطني عن عمر (١) بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده مُتَعَمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم [يعذبه] (٢)، وأمره أن يعتق رقبة. عبد الحق في إسناده: إسماعيل بن عياش: وهو
стр. 8686
ضعيف في غير الشاميين وهذا الإسناد حجازي، ورواه إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي قرة عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين عن أبيه عن علي عن النبي ﷺ ولم يذكر الرقبة، وإسحاق بن أبي قرة متروك ذكر حديثه الدارقطني فلا يصح في هذا شيء، وتعقب ابن القطان قوله، وهذا الاسناد حجازي بأنه شامي لأنه في إسناد الدارقطني: حدثنا إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرر بن شعيب عن أبيه عن جده. الحديث. قال بعض الشيوخ المتأخرين: على المالكي حفظُ هذا الحديث بتصحيح ابن القطان إياه فإنه حجة للمذهب. قاله الرهوني.
وقال البناني عند قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة": الأصل في هذا ما أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة، فتكلم عبد الحق الإشبيلي في إسناده وتعقبه ابن القطان، قال ابن عرفة: قال بعض الشيوخ المتأخرين: على المالكي حفظُ هذا الحديث لتصحيح ابن القطان له فإنه حجة للمذهب. انتهى. وقول الزرقاني: حرا أو عبدا يعني قوله ذلك في تفسير قول المصنف مطلقا كذا في المدونة وغيرها، قال الوانوغي: سوى في المائة بين الحر والعبد ولم يشطرها للعبد لأنها عقوبة وهما في العقوبة سواء. انتهى كلام البناني.
فرع: قال أبو عمران: سألت أبا محمد عمن أقر بقتل عمد فعفي عنه ثم رجع عن إقراره، فهل يسقط الضرب والحبس عنه؟ وكيف بهذا في المقر بالزنى لو رجع بعد تمام الضرب هل يسقط عنه التغريب؟ فترجح فيها ونحا إلى سقوطه لأنه حق للَّه تعالى. نقله الوانوغي. وذكر في تكميل التقييد عن أبي مهدي بن علال أن أحد بني مرين أقر بالقتل في أيام السلطان أبي عنان المرسي، فصالح السلطان الأولياء عنه، فقال القاضي: بقي له أن تضربه مائة وتسجنه عاما، فقيل للمقر: أنكر، فأنكر فتركه القاضي. قال: وكان الشيخ القوري معنيا بذكر نازلة أبي عنان هذه. انتهى. نقله البناني.
ولما كان قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة" لا يختص بقتل الحر المسلم بالغ فقال: وإن بقتل مجوسي الباء بمعنى في؛ يعني أنه يجب أن يجلد القاتل عمدا مائة جلدة ثم يحبس سنة وإن
стр. 8687
كان المقتول مجوسيا، قال المواق من المدونة: من ثبت عليه أنه قتل رجلا عمدا ببنية أو إقرار أو بقسامة فعفي عنه، أو سقط قتله لأن الدم لا يتكافأ -يعني بأن زاد القاتل حرية أو إسلاما- فإنه يضرب مائة ويحبس عاما، كان القاتل رجلا أو امرأة، مسلما أو ذميا، حرا أو عبدا لمسلم أو ذمي والمقتول مسلم أو ذمي. مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: وسواء كان أيضا مجوسيا. ابن القاسم: أو مجوسية.
أو عبده عطف على "مجوسي" يعني أنه يجب أن يجلد مائة جلدة ثم يسجن سنة، ولو كان المقتول عبدا للقاتل، قال المواق عند قوله: "أو عبده": مالك: وسواء أيضا كان المقتول عبدا للقاتل أو لغيره لمسلم أو ذمي، فإنه يجلد ويسجن. الباجيُّ: وَجْهُ هذا كله أنه سَفْكُ دم محرم فوجب له الجلد والسجن. انتهى. وتقدم أن الجارح عمدا يؤدب ولو اقتص منه. وعُلِمَ مما مر أن محل قوله: "وعليه مطلقا" فيمن قتل عمدا ولم يقتل للعفو عنه أو لعدم التكافؤ، أو جماعة قتل أحدهم فإن باقيهم يجلد ويحبس.
أو نكول المدعي على ذي اللوث وحلفه عطف على "قتل"، والواو في قوله: "وحلفه" بمعنى "مع" وهو إما مجرور معطوف على "نكول"، وإما منصوب على أنه مفعول معه؛ يعني أنه يلزم المدعى عليه المقام عليه لوث بالقتل جلد مائة وحبس سنة إذا حلف خمسين يمينا بعد نكول المدعي رَعْيًا للوث، فقوله: "على ذي اللوث" أي على من قامَ عليه اللوث، وقوله: "وحلفه" وأولى لو نكل، وإيضاح كلام المصنف أن تقول: إذا نكل من قام له لوث من وُلَاةِ الدم عن القسامة فردت على المدعى عليه، فحلف خمسين يمينا لردها كما توجهت كما يأتي، فعليه جلد مائة وحبس سنة لثبوت ذلك بما أوجب القسامة.
وقوله: "وإن بقتل مجوسي" الخ رد بالمبالغة قول ابن عبد الحكم في المسألة الأخيرة ورواية ابن حبيب في قتل المجوسي، قال في التوضيح: ولو كان العفو قبل القسامة وقبل أن يحقق المولي الدم كشف الحاكم عن ذلك، فما كان يحق فيه الدم بالقسامة أو البينة جلد مائة وسجن عاما، وما لا يوجب ذلك لا يكون فيه ضرب ولا سجن لأنه حق للَّه تعالى، فلا يسقطه الأولياء، ولو وجبت للأولياء القسامة فنكلوا عنها وحلف المدعي عليهم وبرئوا، قال محمد: على المدعى عليه الجلد
стр. 8688
والسجن ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم، فإنه قال: إذا نكلوا فلا جلد ولا سجن وجمهورهم على تعميم هذا الحكم في كل مقتول ولو كان مجوسيا. وروى ابن حبيب عن مالك -واختاره-: إنما ذلك في المسلم عبدا كان أو حرا، وأما غير المسلم فإنه يجب به الأدب المؤلم. انتهى.
وفهم من المصنف أنه لو حصل لطخ لا يوجب القسامة أنه لا يجري فيه هذا الحكم، أعني قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة" وهو كذلك خلافا لأشهب، قال في التوضيح: واختلف في اللطخ فأوجب فيه أشهب ضرب مائة وسجن سنة. وفي الواضحة عن مالك: إذا وقعت التهمة على أحد ولم يتحقق ما تجب به القسامة ولا قتلٌ، فإن ذلك لا يجب به جلد ولا سجن سنة. انتهى. وفي التتائي: لا يجب هذا الحكم في حقه ويطال سجنه السنين عند مالك، وقال أشهب: يجلد مائة ويحبس سنة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: في الدر النثير: وسئل ﵀ عن رجل دمي على رجل ومات فترك أخا وأختا فعفوا وتأخر الضرب والحبس، فإن بعض الطلبة قال: لا يضرب لأن الدم لم يثبت بَعْدُ، وَرَأيت أبا الوليد حكى الاتفاق فيما إذا وجب اللوث بعدل وعفا الأولياء قبل القسامة أن يضرب مائة ويحبس عاماة الجواب: حكم دم العمد يبطل بعفو ولاته أو بعضهم قبل القسامة، وقد وجبت بلوث أن على المدعى عليه القتلُ ضربَ مائة وسجن عام. قاله غير واحد. وحكى عليه ابن رشد الاتفاق كما ذكرتم. انتهى. وأفتى ابن الحاج بسقوط الجلد والسجن في هذه، ووافقه البرزلي تبعا لابن عرفة وابن هلال: قال الرهوني: ما قاله ابن رشد منصوص للمتقدمين والمتأخرين مصرح به في غير ما كتاب، وجلب على ذلك من النقول مالا مزيد عليه، ثم قال بعد جلب كثير من النقول ما نصه: وإنما أطلت بجلب هذه المنصوص كلها لانتصار البرزلي وابن هلال لابن الحاج مع غفلتهما عنها، فيتأكد أن ينشد هنا البيت الشهير:
إذا قالت حذام فصدقوها … فإن القول ما قالت حذام
والعلم كله للَّه العلي الكبير. الرهوني: ومسألة المصنف هذه صريحة فيما قاله ابن رشد إذ لم يثبت فيها القتل، وإنما ثبت فيها اللوث مع ضعفه بنكول الأولياء وحلف المدعى عليه خمسين
стр. 8689
يمينا، فكيف مع قيام اللوث من غير معارض يضعفه؟ ومسألة المصنف هذه مسلمة حتى عند ابن عرفة والبرزلي وابن هلال، ونقل الشيخ أبو محمد في نوادره عن ابن حبيب عن أصبغ وساقه فقها مسلما كأنه المذهب، إذا (١) ادعى على نفر فأخذ أحدهم فسجن وتغيب الباقون فاصطلح الأولياء مع المسجون ولم يقسموا أنه يضرب مائة ويسجن سنة، فهذا نص صريح في أن الموجب للضرب والسجن هو اللوث لا ثبوت القتل، وقد نقله المصنف في التوضيح وابن عرفة فقها مسلما، ويأتي لفظ ابن عرفة عند قوله: "من واحد يعين لها" وهو نص صريح أيضا في خصوص مسألة الصلح التي أفتى فيها ابن عرفة بسقوطهما، وسلم له ذلك البرزلي وابن هلال. والكمال للَّه تعالى.
ونقل ابن يونس عن كتاب ابن حبيب عن أصبغ وساقه فقها مسلما ولم يحك فيه خلافا، قال أصبغ فيمن قَرَّبَت إليه امرأته طعاما فأكله فتقيَّأ أمعاءه مكانه، فلما أيقن بالموت من ساعته أشهد أن به امرأته وخالتها فلانة، ثم مات فأقرت امرأته أن ذلك الطعام إنما أتتها به خالتها هذه: ففي ذلك القسامة. وقوله: امرأته وخالتها يكفي، وإن لم يقل منه أموت كما يكتفى بذلك في الجرح وضربة السيف والعصا، وإن لم يقل منهما أموت، فإذا ثبت قول الذي تقيأ أمعاءه بشاهدين فليقسم ولاته على إحدى المرأتين وتقتل، ولا ينفع المرأة قولها: خالتي أتتني به، وتضرب الأخرى مائة وتحبس عاما. انتهى. انتهى.
ثم قال الرهوني: ومنها -يعني من المسائل التي تدل على أن الموجب للضرب والحبس ثُبوت اللوث لا ثبوت القتل- مسألةُ من دمى على شخص ثم على آخر ولم يكن أبرأ غير الأول على أحد قولي أصبغ أن للأولياء أن يقسموا على أحدهما فيقتل ويضرب الآخر مائة ويسجن سنة، ودلالة هذه على ما قلناه أحروية؛ لأن اللوث الذي أوجب فيها ما ذكر ضعيف لبطلانه عند ابن القاسم وأشهب وأصبغ في قوله الآخرِ، وهو مختار ابن حبيب كما ستراه عند قوله الآتي قريبا: "أو مَسْخُوطا على ورع". انتهى ما نقله الرهوني.
стр. 8690
ولما كانت القسامة يثبت بها القتل الموجب للقصاص أو الدية، قال: والقسامة سببها قتل الحر المسلم يعني أن القسامة مما يجب به القود أو الدية، والسبب الموجب لها إنما هو قتل الحر المسلم. قال عبد الباقي: والقسامة أحد ما يجب به القتل أو الدية، سببها: قتل أي إهلاك الحر المسلم وإن غير بالغ، بجرح أو ضرب أو سم ونحوها لا خصوص جَزّ الرقبة. وقال الشبراخيتي: والقسامة اسم مصدر لأقْسَمَ لا مصدر له لأن مصدره الأقسام، وهي كما قال ابن عرفة: حلف خمسين يمينا أو جزئها على إثبات الدم، وسيأتي بيانها في قول المصنف وهي خمسون يمينا الخ، وكانت في الجاهلية فأقرت في الإسلام، وأصلها قصة حويصة ومحيصة بتشديد الياء، فَعَن سهل بن [أبي] (١) حثمة، قال: انطلق عبد اللَّه بن سهل ومحيصة بن مسعود ابن زيد إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد اللَّه بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيّصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كَبّر كَبّرْ وهو أحدث القوم فسكت، فتكلما أي تكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول اللَّه ﷺ : (أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا منهم، قالوا: كيف تأخذ بأيمان قوم كفار؟ فوداه النبي ﷺ من عنده بمائة من إبل الصدقة) (٢).
في محل اللوث يعني أن القسامة إنما تكون في محل اللوث، واللوث أصله التلطخ والمراد به هنا ما يوجب التهمة، قال مالك: اللوث هو الأمر الذي ليس بالقوي، وقوله: "سببها" جعل السبب مركبا من أربعة أجزاء، فاحترز بالقتل من الجراح وبالحر من العبد وبالمسلم من الكافر، وبمحل
стр. 8691
اللوث من قتل ليس في محل اللوث، واشترط هذه الأجزاء لأن الحديث إنما ورد فيها. قاله في التوضيح.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: لا بد من توضيح معنى كلام المصنف فأقول، ومن اللَّه تعالى أستمد في حصول المأمول، قوله: "والقسامة" مبتدأ وقوله: "سببها" مبتدأ ثان، وقوله: "قتل" خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر عن المبتدأ الأول، وقوله: "في محل اللوث" متعلق "بقتل" أو حال منه، "وقتل" على حذف مضاف أي دعوى قتل "ومحلٌ" إما بمعنى موضع وإما بمعنى الحال؛ يعني أن السبب الذي يوجب القسامة هو أن يدعي ولي الدم أن هذا القتيل الحر المسلم قتله فلان، وهذه الدعوى لا تتم بسببيتها إلا بمصاحبة قرينة تُعَضدُها، فيتكمل السبب بالدعوى أو بالقرينة المعضدة لها وتلك القرينة هي اللوث. واللَّه تعالى أعلم.
ابن الحاجب: اللوث ما يدل على قتل القاتل بأمر بين ما لم يكن الإقرار أو كمال البينة فيه أو في نفيه. انتهى. ولما كان الإقرار وقيام البينة من الأمر البين وكل منهما مستقل في ثبوت الحكم بدون قسامة أخرجهما، وقوله: كمال البينة أي في العدد والعدالة، وقوله: أو في نفيه يعني أن تقوم البينة بنفي ما دل عليه اللوث، كما لو شهد شاهدان بأن زيدا قتل عمرًا، وقال عمرو عند موته: قتلني بكر.
ومثل لِلَّوث بخمسة أمثلة، فقال: كأن يقول بالغ حر مسلم: قتلني من يعني أن من الأمور التي توجب القسامة أي تُثْبتُهَا، أن يقول بالغ حر مسلم به أثر جرح أو ضرب: قتلني فلان أي زيد مثلا، قال عبد الباقي: وذكر لِلَّوث الذي تتسبب عنه القسامة خمسة أمثلة، أولها قوله: "كأن يقول" شخص "بالغ" -ذكر أو أنثى لا صبي ولو مراهقا على المعتمد وإن وجبت فيه القسامة بغير قوله كما مر، وشرط البالغ العقل كما يشعر به، يقول: إذ المجنون لا يتأتى منه قول معتبر شرعا- حر مسلم: قتلني فلان عمدا، بل ولو قال: قتلني خط ولا فرق بين أن يكون القاتل حرا أو عبدا مسلما أو كافرا، ذكرا أو أنثى.
قوله: "حر مسلم" قال البناني: أما العبد فلا يقبل قوله لأنه مدع لغيره كذا ذكره الخرشي، ويرد عليه إقرار الحر بالخطإ، والصواب أنه ليس من أهل الشهادة كالصبي والكافر، وأما السخوط
стр. 8692
والمرأة فَهُمَا من أهلها في الجملة. انتهى. وقوله: "ولو خطأ" أشار بلو إلى الخلاف المذكور في المقدمات: قال في المقدمات: إن قال: قتلني خطأ ففي ذلك عن مالك روايتان: إحداهما أن قوله يقبل وتكون معه القسامة ولا يتهم، والثانية أنه لا يقبل قوله ويتهم أن يكون أراد إغناء ولده وهو قول ابن حازم، ووجه الرواية الأولى أنه استحقاق دم فوجب أن يستحق بما يستحق به دم العمد، ووجه الرواية الثانية أن الواجب في دم الخطإ مال على العاقلة، فأشبه قولَهُ عند الموت: لي عند فلان كذا وكذا وهذا أظهر في القياس، والرواية الأولى أشهر. انتهى.
وقال البناني عند قولَه: "كأن يقول بالغ": هذه هي التدمية، قال في التوضيح: لم يوافق المالكية في أصل التدمية إلا الليث، ورأى الجمهور أن قبولها يشتمل على قبول قول المدعي بلا بينة، وقد علم أن الدماء أعظم من الأموال، وهو لو قال عند موته لي عند فلان كذا لم يقبل، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عنه ﵊: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى الناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه) (١)، ورأى علماؤنا أن هذه الدعوى لا تشابه دعوى المال ولا غيره؛ لأن هذا أصل قائم بنفسه ومن تحقق مصيره إلى الآخرة وأشرف على الموت، فلا يتهم في إراقة دم امرئ مسلم ظلما، وغلبة الظن في هذا تتنزل منزلة غلبة الظن في الشاهد، وكيف لا والغالب من أحوال الناس عند الموت التوبة والاستغفار والنَّدَمُ على التفريط ورد المظالم؟ فكيف يَتَزودُ من دنياه قتل النفس؟ هذا خلاف الظاهر وغير المعتاد. انتهى.
وقال في الميسر: قيل إن القسامة وتبدئة المدعين بها خلاف الأصول، ورد بأنهم لم يبدأ بمجرد دعواهم: وإنما يحكم بها لهم لدليل يغلب على الظن به صدقهم، والأصل في الدعاوى أن يبدأ باليمين من يغلب على الظن صدقه كان مدعيا أو مدعى عليه. قاله في المقدمات. انتهى.
стр. 8693
وقوله: "كأن يقول بالغ حر"، قال الرهوني: قال اللخمي: فإن كان العبد هو المقتول وقال قتلني فلان لم يكن لسيده أن يحلف مع قوله، ويستحق قيمته إن كان المدعى عليه حرا ولا القصاص إن كان المدعى عليه عبدا، ولكن ترد اليمين على المدعى عليه إن كان حرا، واختلف كم يحلف وفي ضربه وسجنه، فقال ابن القاسم: يحلف المدعي عليه يمينا واحدة ولا قيمة عليه ولا ضرب ولا سجن، فإن نكل غرم قيمته وضرب مائة وسجن عاما. وقال أشهب: يحلف الحر خمسين يمينا ويبرأ، فإن نكل حلف سيده واستحق قيمته ويضرب المدعى عليه مائة ويسجن عاما، وسواء حلف أو نكل. وقال عبد الملك: يحلف الحر يمينا واحدة إن كان يعرف بينهما عداوة بعد أن يسجن ويكشف عن أمره، فإن نكل ضرب أدبا وكذلك العبد، وليس يضرب مائة ويسجن سنة إلا من ملك قتله فعفى عنه، أو ملكت عليه القسامة فردت عليه اليمين. انتهى المراد منه.
وقوله: "كأن يقول بالغ حر مسلم" قال الرهوني: هذا ظاهر إن كان فلان الُمَدمَّى عليه معروفا عند الشاهدين، وإن لم يكن معروفا عندهما ووصفه المدمِّى وصفا كاشفا فلا عبرة بالتدمية، وإن تعلق ولاته بشخص وعينوه فإن حلاه ووصفه، فجزم شيخنا بأنه لا عمل على ذلك وكتب على هذا المحل: وسئل بعض القرويين عمن قال: دمي عند فلان ووصفه وحلاه فتوجد تلك الصفة في البلد، هل يقسم عليه كما في الحقوق أم تبطل الدماء لعظمها وللاختلاف في إعمال التدمية من أصلها؟ فأجاب بأنه لا يقبل قوله ولم يعلم الأصحاب فيه قولا. انتهى من خطه طيب اللَّه ثراه.
قلت: في نوازل ابن رشد: وكتب إليه قاضي كورة حرسها اللَّه تعالى في رجل جُرح جرحا مات منه، فَدَمَّى على رجل وقال في تدميته عليه: إنه أصابه بالجرح الذي فيه على سبيل العمد الذي فيه القصاص عبد الرحمن المعروف بابن عدي من ساكني قرية انيش السفلى من قرى جيان، وثبتت التدمية على نصها عند موت الدمى من جرحه المذكور وَوِراثته، وأن أحق الناس بالقيام بدمه أخوه شقيقه وأبوه، وأقر المدمى عليه أنه عبد الرحمن بن عدي، وأنكر القتل، وقال القاضي: إنه أعذر إليه في جميع ما ثبت فعجز عن المدفع في شيء منه، وأنه وَجَّهَ من وثق به إلى القرية المذكورة ليبحث ويكشف هل بها من يسمى باسمه وينسب بنسبه فما وُجِد أحدٌ غيره؟
стр. 8694
فأجاب أدام اللَّه توفيقه على ذلك: تصفحت يا سيدي -أعزك اللَّه بطاعته وأمَدَّكَ بتوفيقه ومعونته- سؤالك هذا ونسخ العقود فوقه الثابتة أصولها عندك على ما ذكرته ووقفت على ذلك كله، وإذا لم يكن إشهاد المدعي بالتدمية على عين المدعى عليه، وإنما قال الشُّهُود الذين أشهدهم بذلك إن مصيبه بمصابه والمأخوذ بدمه عبد الرحمن المعروف بابن عدي ليس من ساكني القرية المذكورة من يسمى بعبد الرحمن بن عدي سواه، وقد تضمن العقد المنتسخ إقرارة على نفسه بأنه عبد الرحمن بن عدي وليس فيه من إقرارة تصريح بأنه من سكان القرية، فإذا كان ثبت عندك أنه من سكانها أو أنه أقر بذلك على نفسه إقرارا صريحا، وقال الذي وجهته للبحث عن ذلك: إنه لم يجد من سكان القرية من يسمى ذلك الاسم وينسب إلى ذلك النسب سواه، وجب لأبي المقتول وأخيه أن يسْتَقِيدَا منه؛ إذ قد أعذر إليه في جميع ما ثبت عليه فعجز عن المدفع في شيء منه بعد القسامة عليه بأن يقسما خمسين يمينا، تردد عليهما يَمِينًا يَمِينًا أنه الذي قتله، يقول الأب في يمينه بمقطع الحق قائما مستقبل القبلة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة على ما مضى عليه عمل القضاة: باللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لقد جرح هذا ويشير إليه ابني فُلَانًا الجرح الذي أصابَهُ بهِ ومات منه على سبيل العمد بغير حق، وكذلك يقسم الأخ إلا أنه يقول لقد قتل أخي فلانا، فإذا استكملا خمسين يمينا على هذة الصفة أسلم إلَيْهِمَا فاسْتَقَادَا منه بالسيف قتلا مجهزا، فهذا على ما أحْكَمَهُ الشرع من القتل، واللَّه أسأله التوفيق لنا ولك والسبيل إلى ما فيه الخلاص برحمته. انتهى. انتهى.
فرع: قال الرهوني: كتب شيخنا: وسُئِلَ بعض القرويين عمن قال: دمي عند فلان، فبادر بعض الأولياء فقتله قبل القسامة، هل يقتل أو يكون لمن بقي أن يقسموا ليسقط القود؟ فأجاب بأن قال: نعم، يقتل به لأن القسامة إنما تكون ليستحق الدم. انتهى من المعيار. قلت: انظره مع ما في نوازل ابن رشد جَوَابَك رضي اللَّه عنك في رجل قتل بين أربعة نفر ولا يدرى من قتله منهم ولم يحضر قتله حاشى امرأة واحدة، فبُرِّئَ اثنان من الأربعة وتنازع اثنان في قاتله وكل منهما يقول لصاحبه أنت قتلته، فأخذهما الوالي فسجنهما بنظره وسَرَّحَ الباقين، ثم إن أخا المقتول رصد أحد اللذين برأهما أصحابهما فقتله ودمى عليه وثبتت التدمية بشاهدين عدلين عند القاضي، فقام
стр. 8695
والده يطلب دمه على قاتله، وقام والد المقتول الأول وزعم أن دم ولده المقتول أولا عند هذا المقتول آخرا، وأتى بشهادة المرأة على موته بين الأربعة نفر المذكورين، فحلفه القاضي خمسين يمينا كما يجب، فهل ترى ذلك جائزا أم لا؟ بَيّنْ لنا ذلك موفقا معانا إن شاء اللَّه.
فأجاب أيده اللَّه: تصفحت السؤال ووقفت عليه وما حكم به القاضي من تحليف والد المقتول الأول خمسين يمينا مع شهادة المرأة خطأ من الحكم، وإنما وجه الحكم في ذلك -على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في أن اللوث لا يكون إلا بالشاهد العدل- أن يقسم أولياء المقتول الثاني لما ثبت من تدميته على قاتله ويقتلونه، وأما على مذهب من يرى أن شهادة المرأة الواحدة لَوْثٌ (١) فيقسم والد المقتول الأول مع آخر من وُلَاته خمسين يمينا لهو قتل وليهما، فيستحقون بذلك دمه ويبطل قيام من قام من ولاته طالبا له بالتدمية. وباللَّه التوفيق. انتهى. وقد علمت أنه لا تثبت القسامة بقول الصبي ولو مراهقا أو المجنون وإن وجبت فِيهِمَا القسامة بغير قولهما، وقوله: "كأن يقول بالغ حر مسلم" أتى به بعد قوله: "سببها قتل الحر المسلم" لأنه لا يلزم من كون المقتول حرا مسلما حين القتل أن يكون حرا مسلما حين القول مع أنه لا بد منه. قاله الشبراخيتي وغيره. وقوله: "ولو خطأ" هو المشهور. قاله التتائي. وقد مر عن ابن رشد.
أو مسخوطا على ورع عطف على المبالغة ففيه خلاف أيضا؛ يعني أنه تثبت القسامة لأولياء المقتول، بقول المقتول: قتلني فلان، ولو كان القائل لذلك القول مسخوطا أي غير مرضي الحال -قاله الشبراخيتي- وقال ذلك لصالح ورع، بل ولو قاله لأوْرع أهلِ زمانه فلِوُلَاتِه أن يقسموا ولو كانوا مسخوطين أيضا، ولا بد من أن يشهد على قول البالغ المذكور عدلان فأكثر. وقوله: "على ورع" هذا هو المشهور، خلافا لابن عبد الحكم في قوله: لا يقبل المسخوط على العدل، وصوبه اللخمي. قاله التتائي. وقال: وفي الذخيرة خولفت قاعدة الدعاوي في قبول قول المدعي في خمس مسائل: الأمناء واللعان والقسامة والغصب والحاكم في التعديل والتجريح وغيرهما. انتهى. قوله:
стр. 8696
وفي غيرهما أي فيما يشتهر عنده من عدالة الشاهد وجرحته، فيعتمد على علمه بذلك، وكذا على إقرار الخصم بعدالة من شهد عليه، ونظمت ذلك فقلت:
أمين لعان والقسامة غاصب … كذا حاكم في العدل والجرح يقبل
كغيرهما في الكل يقبل مدع … بلا شاهد والنظم للحفظ يسهل
انتهى. وقال عبد الباقي: أو كان المقتول مسخوطا أي فاسقا على ورع بكسر الراء؛ أي ادعى ولو على أورع أهل زمانه أنه قتله، ولا بد من ثبوت قوله المذكور بعدلين ومن تماديه على إقراره، فإن قال: قتلني فلان ثم قال بل فلان، بطل الدم. انتهى. قوله: فإن قال قتلني فلان ثم قال بل فلان بطل الدم، قال الرهوني: هذا هو الراجح والمعمول به، ففي المفيد: ومن أحكام ابن مغيث: وإذا اضطرب قول الجريح فرمى رجلا ثم رمى آخر، فعند ابن القاسم وأشهب وأصبغ: لا يقبل منه في الأول ولا في الأخير، وبهذا جرى الحكم عند الشيوخ. وقال ابن الماجشون: يؤخذ بآخر قوله وإن رجع إلى طلب الأول وقوله مقبول. انتهى منه بلفظه. ونحوه للمتيطي وصاحب المعين وزادا. واللفظ للمتيطي على اختصار ابن هارون. قال أصبغ: فإن قال: بي فلان ليس بي غَيْرُه فلا سبيل إلى من رمى بعده، فإن لم يقل ليس بي غيره فالأول والأخير سواء يقسم الولاة على أحدهما إن شاءوا فيقتل ويجلد الآخر مائة ويحبس سنة، واختار ابن حبيب الأول. انتهى.
أو ولدا على والده أنه ذبحه عطف على ما في حيز المبالغة ففيه خلاف أيضا؛ يعني أن الولد إذا ادعى على والده أنه ذبحه أو شق بطنه أو نحو ذلك مما يدل على أنه قصد إزهاق روحه، فإنه يقسم الأولياء ويقتل الوالد، وأحرى إن ادعى أنه رماه بحديدة ونحو ذلك مما فيه دية مغلظة، ولذا قال ابن غازي: إنه قصد الوجه المشكل لأنه إذا قبلت القسامة الوجبة للقود من الأب فأحرى غيرها من موجب الدية. قال التتائي: أو ادعى ولدٌ على والده أنه أضجعه وذبحه أو بقر بطنه ونحو ذلك، فقال ابن القاسم: يُقْسِمُ أولياؤُه ويقتلون الأب، وأما على قول أشهب أن الأب لا يقتل بابنه فلا قسامة، وأما لو قال: رماني بحديدة ونحوها مما لا يقتل الأب به، أو قال:
стр. 8697
قتلني ولم يزد أو قتلني عمدا أو خطأ فالقسامة ودية الخطإ في الخطإ والمغلظة في رعوى العمد. قاله ابن القاسم. وإنما اقتصر على ما يقتل فيه الأب؛ لأنه إذا قبلت القسامة الموجبة للقود من الأب الخ. وقال المواق من المدونة: قول الميت بالغا عاقا، حرا مسلما ولو كان مسخوطا أو امرأة: قتلني فلان ولو كان فلان هذا صبيا أو عبدا أو ذميا أو امرأة عمدا لوث. انتهى.
ومن المدونة: إن قال دمي عند فلان خطأ فلأوليائه أن يقسموا ويَأخذُوا الدية، وليس لهم أن يقسموا على خلاف ما قال. قاله المواق. ومن المدونة: إذا قال المقتول دمي عند فلان وهو مسخوط أو غير مسخوط فلا يتهم وليقسم ولاته على قوله، وإن كانوا مسخوطين أيضا فذلك لهم في العمد والخطإ، ويقسم مع قول المرأة وهي غير تامة الشهادة، وإذا قال المقتول: دمي عند فلان فذكر رجلا أورع أهل البلد أقْسِمَ على قوله وإن رمى به صبيا أقْسِمَ على قوله وكانت الدية على عاقلة الصبي. وسمع عيسى ابن القاسم: من قال دمي عند أبي أقسم على قوله ولم يقد منه، وغلظت الدية في مال الأب. ولو قال: أضجعني أبي فذبحني أو بقر بَطني أقسم بقوله، وقتل الأب إن شاء الأولياء، خلافا لأشهب.
أو زوجة على زوجها عطف على المبالغ عليه أيضا ففيه خلاف؛ يعني أن الزوجة إذا ادعت على زوجها أنه قتلها، بأن قالت: دمي عند فلان زوجي فإن أولياء الدم يقسمون على ذلك ويقتلونه. قال المواق: قال ابن عرفة: ظاهر المذهب أن الزوجة تدميتها على زوجها كالأجنبية خلافا لابن مزين، وانظر في نوازل البرزلي: ليس كل زوج يؤدب والتدمية عليه وعلى المؤدب والمعلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ادعت زوجة على زوجها فالقسامة وهو داخل في حيز المبالغة، ومقابله قول ابن مزين: لا يقبل قولها. عليه لأنه مؤدب. انتهى. ونحوه لغير واحد.
فرع: وسئل ابن رشد في نوازله عن رجل دمى على رجل بجرح ودمى أخو المدمى عليه على المدمى الأول وقريب له بأن القريب أمسكه وصار يقول للآخر اضرب اقتل فمات المدمى الثاني، فأراد أخوه المدمى عليه أولا أن يقوم بدم أخيه، فهل يقتل المدمى عليه مع قريبه بالقسامة قبل أن تبرأ جراحه التي دمى بها؟ أو يؤخر ويسجن؟ فأجاب: لا يقتل المدمى عليه حتى تبرأ جراحه التي دمي بها؛ لأن في قتله إبطال ما وجب لأوليائه من القسامة على قاتله، والواجب في
стр. 8698
ذلك أن يسجن الثلاثة المدمى عليهم، فإن صح المدمى الأول من جراحه أقسم أخو الميت الأول مع أحد من بني عمه على قريب المدمي الأول وقتلوه، ثم يقسم أولياء المدمى الأول على أخي الميت الأول وقتلوه بقسامتهم. انتهى. وما ذكره من قتل اثنين بالقسامة غريب ونقله عنه البرزلي، ونقل عن ابن الحاج في ذلك ثلاثة أقوال. انتهى. نقله الحطاب. وقد مر أنهم يقسمون على واحد يعينونه ويقتلونه، وأنه المشهور، وقيل: يحلفون عليهم ويقتلونهم وهو للمغيرة، وقيل: يحلفون عليهم أو على بعضهم ثم يختارون من أحبوا قتله وهو لأشهب. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: فلان، قال عبد الباقي: أطلق في قوله فلان ليشمل الحر والعبد البالغ وغيره، الذكر والأنثى والعدل والمسخوط والمسلم والكافر.
إن كان جرح يعني أنه إنما يقبل قول البالغ الحر المسلم قتلني فلان إن كان في المدمي جرح أو أثر ضرب، أو سم لتنزل ذلك منزلة الجرح وتسمى التدمية الحمراء، وأما التدمية البيضاء وهي أن يقول البالغ الحر المسلم: قتلني فلان وليس به ما ذكر فإنه لا يقبل قوله. هذا هو الذي مر عليه المصنف. قال الخرشي: المشهور أن قول المقتول قتلني فلان لا يقبل إلا إذا كان فيه جرح وأثر الضرب، ونحوه منزل منزلة الجرح وهذه هي التدمية الحمراء، وهذا قول ابن القاسم وبه العمل والحكم. قاله المتيطى. وأما التدمية البيضاء فالمشهور عدم قبولها. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "إن كان جرح": شرط فيما قبل المبالغة، فحقه أن يقدم عليها فيكون الشرط بلصْق مَشْروطه، ومثل الجرح أثر الضرب أو السم. انتهى.
وقال عبد الباقي: وإنما يقبل قول البالغ المذكور إن كان جرح وتسمى التدمية الحمراء أو أثر ضرب أو سم لتنزل ذلك منزلة الجرح لا التدمية البيضاء. انتهى. قوله: سم عطف على ضرب أي أثر سم. قاله الرهوني. وقوله: لا التدمية البيضاء، قال البناني: يعني أن التدمية البيضاء لا عبرة بها وهي التي ليس معها جرح ولا ضرب. ابن عرفة: في هذه المسألة اضطراب. وقال المتيطى: الذي عليه العمل وبه الحكم قول ابن القاسم إنه إذا لم يكن بالمُدمى أثر جرح أو ضرب لا يقبل قوله على فلان إلا بالبينة على ذلك. انتهى. انتهى.
стр. 8699
وقال المواق: اللخمي: اختلف إن قال قتلني عمدا ولا جرح به وأبين ذلك أن لا يقسم مع قوله إلا أن يعلم أنه كان بينهما قتال. ابن عرفة: في هذه المسألة اضطراب، وقال المتيطى: الذي عليه العمل وبه الحكم قول ابن القاسم: إنه إذا لم يكن بالمدمي أثر جرح أو ضرب أنه لا يقبل قوله على فلان إلا بالبينة على ذلك. انتهى.
وقال التتائي: وروى ابن وهب عن مالك قبولها وإن لم يكن جرح وقاله أصبغ. انتهى.
وقال الرهوني: عَوَّلَ المصنف في هذا على كلام المتيطى لأنه عزاه للعتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم، وعزا مقابله لأصبغ، ثم قال: وبما تقدم من قول ابن القاسم العمل وبه الحكم. كذا نقله عنه المواق. وزاد في اختصار المتيطية بعد ذكره قول أصبغ، قال بعض الشيوخ: وهو قول مالك، واحتج بقول مالك في الموطإ إن القسامة تجب بوجهين، بقول القتيل دمي عند فلان، قال: فقد جعلها تجب بقول الميت دمي عند فلان ولم يذكر جُرْحًا ولا أثر ضرب. انتهى منه بلفظه. وانضم إلى هذا [أنما قال] (١) إنه قول ابن القاسم هو اختيار المحققين، كابن رشد واللخمي وعبد الحميد الصائغ، حتى حلف بالمشي إلى مكة لا يفتي بقول مالك، وقد تعقب ابن مرزوق عزو المتيطى ذلك لابن القاسم، فقال عقب نقله كلامه: قلت: ما ذكر من أنها رواية عن ابن القاسم لم أقف عليه في العتبية وإنما هو في العتبية، من قول ابن كنانة، والذي فيها عن ابن القاسم من رواية أبي زيد خلاف هذا وأنه يقبل، ثم قال في آخر كلامه ما نصه: فقد ظهر لك من الأنقال أن القائل إنه لا يقسم مع قول الميت إلا إن كان جرح أو أثر ضرب هو ابن كنانة، وأن مالكا وابن القاسم وأصبغ قالوا بالقسامة مع عدم الأثر كما يقسم مع الشاهد، فكلام المصنف ومن وافقه من الموثقين إنما هو فتوى بمذهب ابن كنانة واختيار اللخمي وابن رشد، والراجح من النقل كما رأيت ومن المنظر بعد تسليم [أصل] (٢) القسامة مع قول الميت القسامة بإعمال هذه التدمية. واللَّه أعلم. انتهى.
قال الرهوني: قلت: أغفل ابن مرزوق كلام الباجي مع أنه أقوى في الدلالة لما قاله من جميع الأنقال التي ذكرها، ونصه: ويكتفي بقوله فلان قتلني وإن لم يكن أثر جرح ولا ضرب ولا غيره،
стр. 8700
ويجب بذلك القسامة. رواه ابن حبيب عن مالك. وجميع أصحابه في العمد والخطإ، وكذلك لو قال: سقاني سما فيكون فيه القسامة ولا يبالي تَقَيأ منه أو لم يتقيأ. انتهى محل الحاجة منه بلفظه. ونحوه لابن يونس، لكن قد رأيت قول المتيطي أن ما اعتمده المصنف به القضاء والحكم وسلمه له غير واحد، بل كلام أبي الحسن يفيد أنه لم ينفرد بذلك المتيطي، فإنه قال عند قول المدونة في كتاب الديات: "وإذا قال المقتول دمي عند فلان" الخ: ظاهره كان به جرح أم لا، وقيل لا يقبل إلا أن يكون أثر جرح، قالوا: وعليه العمل. انتهى منه بلفظه. انتهى.
وفي أحكام ابن سهل أن اللؤلؤي شيخ القاضي أبي بكر بن زرب وشيخ الفقيه ابن عبد اللَّه بن أبي زمنين وغيرهما كان له حقل ولجاره حقل، وكان حريصا أن يضيف حقل جاره إلى حقله، فاحتال في ذلك بكل حيلة فلم يجبه إلى ذلك جاره إلى أن اعتل الجار ومرض، فجاءه اللؤلؤى زائرًا فأظهر له الرجل السرور بعيادته، فطمع اللؤلؤى في قضاء حاجته في ذلك الحقل فرغب إليه في تصييره إليه فأظهر له الإسعاف، فقال له: أشهد علي بذلك من شئت فجاء بعدة من الفقهاء أصحابه فأظهر انهدام القوة وضعف النطق، فقال له: اللؤلؤى أشهد الفقهاء على بيعك مني الحقل، فقال: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤى هذا قاتلي عمدا وأنه المأخوذ بدمي، فإن مت اسْتُقِيدَ لي منه فدهش الفقيه ومن معه وأقبل على الرجل يخوفه اللَّه تعالى ويعظه وسلك أصحابه سبيله فلم يرجع عن ذلك، فخرجوا عنه وسألهم اللؤلؤي أن يقفوا بالباب ليخلو به، ففعلوا وتفرد به وبمعزله، وقال له. تعصي اللَّه في أمري؟ فقال له: هل أردت إلا قتلي إذ طلبت أخذ كريمة مالي؟ فقال: أنا تائب فاتق اللَّه، فأجابه إلى ذلك، وقال: احلف لي بالأيمان اللازمة أنك لا تلتمس هذا الحقل في حياتي ولا بعد مماتي، وأن تحرمه على نفسك ولو صار إليك بالميراث ولا تهم مع ذلك بإساءتي ولا تحقد بذلك على ذريتي، فحلف له بذلك كله وتوثق منه، وعند ذلك أذن له بإدخال الشهود فلما دخلوا عليه أشهدهم أنه قد عفا عنه للَّه تعالى، فقال له اللؤلؤى: أريد أن تكذب نفسك وتعود إلى الحق، فقال له: هذا هو الحق فرضي منه اللؤلؤى بذلك واتخذ حديثه غبطة، وقال: إنه لا يفتي بتدمية بعد ذلك، وقد كان يحيى بن يحيى يرى السجن على من دمى عليه حتى نزل به ذلك، فرجع عن فتواه بذلك. انتهى باختصار عن التبصرة.
стр. 8701
تنبيهات: الأول: القول بإعمال التدمية البيضاء، قال ابن رشد في سماع عيسى من كتاب الديات: إنما تعمل بعد موت المدمي في إيجاب قتل المدمى عليه بالقسامة، وأما في حياته فلا يسجن المدمى عليه لأنه يتهم أنه أراد سجنه بدعواه. انتهى. نقله ابن عرفة. واللفظ له وأبو الحسن والمصنف في التوضيح وابن مرزوق وقبلوه. وفي نهاية المتيطي قال غير واحد من الموثقين: ولا يجب على المدمى عليه بهذه التدمية سجن ولا شيء إذا لم يكن بالمدمي أثر جرح، ولا ضرب إلا أن يموت المدمي قبل أن يظهر برؤه فليسجن المدمى عليه حينئذ، قال ابن عبد البر في تاريخه: وقد كان يحيى بن يحيى يرى السجن على من دمي عليه ويفتي به حتى نزل ذلك به فرجع عن فتواه. انتهى منها بلفظها. قاله الرهوني.
الثاني: قال أبو الحسن: لو كان المدمى عليه مع شهود ببلد ناء في اليوم الذي قتل فيه الْمُدَمِّي، لا يرى أن يبلغ المتهم من ذلك الموضع إلى الموضع الذي قتل فيه الْمُدمّى من ليلته ويرجع، قال ابن رشد: لا اختلاف في سقوطها بالشهادة للمدمى عليه بأنه كان ذلك اليوم في غير ذلك البلد، ثم قال: وأما الذي تقوم عليه البينة أو معاينة الضرب فالمشهور من المذهب أن ذلك أعمل من شهادة من شهد له أنه كان في ذلك اليوم في غير ذلك البلد، وهو قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ: وذهب القاضي إسماعيل إلى أن الشهادة تبطل بذلك وهو قول ابن عبد الحكم، يريد واللَّه أعلم إذا كانت مثلها في العدالة أو أعدل منها. نقله الرهوني.
وقال: سلم أبو الحسن قوله لا اختلاف في سقوطها، وأغفل ما للمتيطي في نهايته، ففيها: وإذا شهدت البينة أن المدمى عليه كان ذلك اليوم ببلد بعيد لا يصل منه في تلك المدة إلى موضع المدمي سقطت التدمية وتبين كذب المدمي، وكانت الشهادة أعمل. قاله ابن القاسم وعبد الملك. ونحوه لابن نافع وأصبغ في شرح ابن مزين، وفيه لأصبغ: إذا ثبتت التدمية بالبينة وتكافأتا أن بينة التدمية أولى إلا أن يكون المشهود عليه علما لا يخفى مكانه. قال عيسى: وإذا سقطت التدمية كان عليه أن يفدي نفسه بخمسين يمينا، وروى سحنون عن ابن القاسم فيمن شهد عليه بدم وأنه قتل فلانا بموضع كذا في يوم كذا وأقام المشهود عليه بينة أن المدعى عليه كان معهم يوم قتل القتيل ببلدة نائية عن الموضع الذي قتل فيه، فقال: إذا حق الحق لأهله فلا يخرج من شهادة
стр. 8702
الشهود إلا بجرحه، والشاهد العدل لا يجرح بأن الذي شهد به لم يكن، ولا يجرح إلا بما يكون به غير عدل من الفسوق والإسفاه: وقاله عبد الملك وأصبغ وابن المواز ونحوه لسحنون في المنتخبة، قال سحنون: إلا أن يشهد مثل أهل الموسم وجماعتهم أنه أقام لهم الحج في ذلك اليوم، أو أهل مصر أنه صلى بهم العيد في ذلك اليوم فيبطل القتل؛ لأن أهل الموسم لا يجتمعون على الغلط ولا يشبه عليهم، وقد يشبه على الشاهدين فأكثر من ذلك، وقال إسماعيل القاضي: تبطل الشهادة بالقتل وهو مذهب محمد بن عبد الحكم. انتهى.
الثالث: قال الرهوني: يقتل من قَدَّم لآخر سمًّا فمات منه، ولو كان الميت هو الذي قدمه للآخر أوَّلًا، ففي نوازل الدماء من المعيار ما نصه: وسُئِلَ ابن عرفة عمن قدم لرجل طعاما وجعل السُّم فيما يلي الرجل، وقد علم الرجل بذلك فاستغفل صاحب الطعام وأدار موضعه لما بين يديه، فأكل فمات؟ فأجاب بأنه يقتل به. انتهى منه بلفظه. انتهى.
أو أطلق وبينوا عطف على ما في حيز المبالغة ففيه خلاف أيضا؛ يعني أن الشخص إذا قال: قتلني فلان وأطلق في كلامه ولم يبين هل قتله عمدا أو خطأ، فإن الأولياء إن بينوا كونه عمدا أو خطأ يقسمون ويستحقون الدية في الخطإ والقود في العمد، فقوله: وبينوا الواو للحال أي إذا أطْلَقَ المقتول في قوله قتلني فُلَانٌ ولم يقل عمدا ولا خطأ، والحال أن أولياءه بينوا بأن قالوا قتله عمدا أقسموا واستحقوا القود، أو قالوا قتله خطأ أقسموا واستحقوا الدية. هذا هو المشهور وهو ورهب المدونة. وأشار بلَوْ المقدرة هنا إلى ما في الموازية عن ابن القاسم، قال ابن الحاجب: فلو قال قتلني ولم يبين فللأولياء تبيينه. انتهى.
قال في التوضيح: أيْ مِنْ عمدٍ أو خطأ ويقسمون (١) عليه، فإن أقسموا على العمد قتلوا وإن أقسموا على الخطإ أخذوا الدية. وهذا مذهب المدونة. وفي نقله أنه المشهور ووقف ابن القاسم في الموازية، وقال: أحب إلي أن لا يقسموا إلا على الخطإ، وقال في موضع آخر: يكشف عن حاله وعن جراحه وعن موضعها وعن حال القاتل وعن الحال التي كانت بينهما من العداوة وغيرها،
стр. 8703
فيستدل بذلك حتى يظهر سبب يقسمون عليه حينئذ ويقتلون، فإن لم يظهر من ذلك عمد ولا خطأ لم يقبل قول الأولياء لا في عَمْدٍ ولا في خطإ؛ لأن السنة إنما جاءت في قول المقتول، واستحسنه اللخمي. انتهى المراد منه.
وقال المواق من المدونة: إذا قال قتلني ولم يقل عمدا ولا خطأ فما ادعاه وُلَاة الدم من عمد أو خطإ أقسموا عليه واستحقوه، وقال عبد الباقي: ويجوز في "بينوا" كونه حالا منتظرة مع اختلاف فاعلها مع فاعل صاحبها وهو أطلق كما ارتضاه الدماميني -ردا على- المغني وإن منعه الشمني. انتهى. قوله: صاحبها يعني عاملها كما فسره هو بذلك في قوله وهو أطلق. واللَّه تعالى أعلم.
لا خالفوا يعني أنه إذا بين المقتولُ بأن قال قتلني فلان عمدا وخالف الأولياء في ذلك وقالوا: بل قتله خطأ فإن الدم يبطل فلا قود ولا دية ولا قسامة، وكذا لو قال المقتول قتلني خطأ، وقال الأولياء قتله عمدا فإنه يبطل الدم ولا قسامة ولا قود ولا دية، وقوله: "لا خالفوا" كلا أو بعضا، قال الخرشي: يعني أن أولياء المقتول إذا خالفوا قوله بأن قال قتلني عمدا فقالوا بل قتله خطأ أو بالعكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا إن خالفوا قول المدمى بأن قال خطأ وقال الأولياء عمدا أو عكسه فلا قسامة؛ لأنه في الأول أبرأ القاتل وهم أبرأوا العاقلة، وفي الثاني عكسه لأنه تكذيب لقول المدمي. والمعتبر في التدمية قوله: دونهم وهو معطوف على أطلق؛ أي ولا إن خالفوا، وليس معطوفا على بينوا لأنه يصير التقدير حينئذ، لا إن أطلق وخالفوا مع أنه لا مخالفة مع الإطلاق. انتهى.
وقال التتائي: لا إن خالفوا قول المدمي، بأن قال خطأ وقال الأولياء عمدا، وعكسه فلا قسامة لأنه في الأول أبرأ القاتل وهم أبرءوا العاقلة، وفي الثاني أبرأ هو العاقلة وهم أبرأوا القاتل. انتهى. وقال عبد الباقي: لا إن قيد وخالفوا كلهم أو بعضهم، كأن يقول قتلني عمدا والأولياء خطأ أو عكسه فيبطل الدم؛ لأنه في الصورة الأولى أبرأ العاقلة وهم أبرأوا القاتل، وفي الصورة الثانية عكسه. ومما يهدر الدم فيه أيضا إذا قال قتلني فلان، ثم قال بل فلان كما مر، أو قيل له من جرحك؟ فقال: لا أعرفه، ثم قال فلان، وكذا دمي عند فلان أو فلان على وجه الشك فتدميته ساقطة اتفاقا كما في التتائي آخر الباب.
стр. 8704
وبما قررنا علم أن المعطوف بلا محذوف عطف على "أطلق"، ولا يصح عطفه على "بينوا"؛ لأنه يصير التقدير: لا إن أطلق وخالفوا، مع أنه لا مخالفة مع الإطلاق. انتهى. قوله: فقال لا أعرفه، ثم قال فلان، أو قال فلان أو فلان على وجه الشك، ظاهره أن ما حكاه عن التتائي من الاتفاق راجع للمسألتين معا، ولم أره إلا في الثانية منهما، وأما الأولى فجزم فيها غير واحد بالبطلان كما قال، لكنهم لم يصرحوا فيها بالاتفاق. انتهى المراد منه.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: لم يتضح لي وجه النقد على عبد الباقي، فإن المتبادر منه أن الاتفاق راجع للثانية. واللَّه تعالى أعلم. وقول عبد الباقي: وبما قررنا علم أن المعطوف بلا محذوف الخ، قال الرهوني: انظر كيف يصح ما قاله مع شرطهم أن يكون المعطوف بلا مفردا؟ انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
ولا يقبل رجوعهم يعني أن أولياء المقتول إذا خالفوا قوله: بأن قال قتلني فلان عمدا فقالوا بل قتله خطأ أو بالعكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم كما علمت، وليس لهم بعد ذلك أن يرجعوا عن مخالفته إلى موافقته، فلا يجابوا إلى ذلك لأنهم أكذبوا أنفسهم، وما ذكره المصنف من قوله: "لا خالفوا ولا يقبل رجوعهم" هو الصحيح، وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا خالفوا فلا يقسموا إلا على قوله. وقال المواق من المدونة: إذا ادعى الورثة خلاف قول الميت فلا قسامة لهم ولا دية ولا دم، ولا لهم أن يرجعوا إلى قول الميت. انتهى.
ولا إن قاد بعض عمدا وبعض لا نعلم عطف على مدخول لا؛ يعني أن المقتول إذا أطلق في قوله، فقال بعض الأولياء: قتله عمدا، وقال بعضهم: لا نعلم هل قتله عمدا أو خطأ، فإنه لا قسامة ولا دم ولا دية، وصريح المصنف بطلان الدم وأنهم لا يمكنون من القسامة. وفي المواق من المدونة: إن قال بعضهم: عمدا، وقال بعضهم: لا علم لنا بمن قتله ولا نحلف، فإن دمه يبطل. انتهى. قال البناني: قال مصطفى: الظاهر أن قولها: ولا نحلف، لم يذكر فيها على سبيل التقييد خلافا لا اقتضاه كلام التتائي من توقف البطلان في هذه على النكول، ولذا لم يذكره ابن الحاجب وابن شأس مع ذكرهما لمسألة المدونة. انتهى. ونص ابن الحاجب: فلو قال بعضهم عمدا والباقون لا نعلم أو نكلوا فلا قسامة. انتهى.
стр. 8705
أو نكلوا يعني أن المقتول إذا أطلق في قوله: بأن قال: قتلني فلان ولم يبين هل قتله عمدا أو خطأ وبين الورثة، بأن قالوا: قتله عمدا ونكلوا كلهم عن القسامة فإن الدم يبطل بمجرد نكولهم، وكذا لو قالوا: قتله خطأ ونكلوا كلهم فلا دية حيث حلفت العاقلة كما يأتي. وقال الشبراخيتي: قال في الحاشية: أو نكلوا أي وقالوا كلهم عمدا أو كلهم خطأ ونكلوا، وفرض الشارح والتتائي والزرقاني في العمد فرض مسألة. انتهى.
بخلاف ذي الخطإ يعني أنه إذا قال بعض خطأً وبعض لا نعلم، أو قالوا كلهم خطأ ونكل بعضهم فإنه يكون له أي لمدعي الخطإ أي للبعض الذين ادعوا الخطأ في الأولى وللبعض الذين لم ينكلوا في المسألة الثانية الحلف لجميع أيمان القسامة وإذا حلفها فله أخذ نصيبه من الديه، ولا شيء للآخرين أي الذين قالوا: لا نعلم هل قتله عمدا أو خطأ في الأولى والناكلين في المسألة الثانية حيث حلفت العاقلة، وإلا أخذوا نصيبهم أيضا. قال البناني تحت قوله: "بخلاف ذي الخطإ": صورتان، ما إذا قال بعض خطأ وبعض لا نعلم، وما إذا قال كلهم خطأ ونكل البعض عن اليمين، ونص المدونة: ولو قال بعضهم قتله خطأ وقال الباقون لا علم لنا، أو نكلوا عن اليمين حلف مدعو الخطإ وأخذوا حظهم من الدية، ولا شيء للآخرين. انتهى. ونحوه لابن شأس.
قال أبو الحسن: قولها: لا علم لنا، يحتمل لا علم لنا بعين قاتله أو بصفة قتله من عمد أو خطإ، وقوله: "أو نكلوا" يحتمل معناه ادعى جميعهم الخطأ، ويحتمل أن يعود إلى الصورة السابقة وهي إذا قال بعضهم عمدا وبعضهم خطأ والحكم سواء. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: حاصل هذه المسألة أن تقول: إذا قيد الميت ووافقوا كلهم أو خالفوا كلا أو بعضا فالأمر ظاهر، فإن أطلق وبَيَّنوا بلا اختلاف فالأمر ظاهر؛ أي فإن أقسموا كلهم ثبت ما أقسموا عليه من عمد وخطإ، فإن أطلق ولم يبينوا فلا اختلاف فالأمر ظاهر أيضا، فإن أطلق وقال بعض: عمدا وبعض لا نعلم بطل الدم، فإن قالوا كلهم: عمدا ونكلوا كلهم عن أيمان القسامة بطل الدم أيضا، فإن نكل بعضهم أوْ عَفَا عن الدم قَبْلَ القسامة ففي سقوط الدم والدية أو الدم ويحلف من بقي لأخذ حقه، ثالثها هذا إن نكل على وجه العفو عن حقه وإن نكل
стр. 8706
تحرجا وتورعا حلف من بقي، الأول لابن القاسم مع ابن الماجشون، والثاني لأشهب، والثالث لابن نافع. انتهى نقله البناني.
وقوله: وإن نكل تحرجا وتورعا الخ؛ يعني -واللَّه تعالى أعلم- أنه إن نكل تحرجا وتورعا حلف من بقي ويكون لهم القود، بخلاف ما إذا نكل البعض على وجه العفو عن حقه فلا يكون لمن بقي إلا أخذ نصيبه من الدية إن حلف، وأما إن قالوا كلهم خطأ أو قال بعضهم خطأ وبعضهم لا نعلم، فإن نكلوا كلهم في الأولى فلا شيء لهم حيث حلفت العاقلة، وإن نكل بعضهم حلف الآخرون وأخذوا نصيبهم، وفي الثانية يحلف الباقون وأخذوا نصيبهم ولا شيء للآخرين حيث حلفت العاقلة. قال عبد الباقي: فإن نكل ذوو الخطإ كلهم أو بعضهم عن جميع الأيمان ردت على عاقلة القاتل، فإن حلفوها كلهم سقطت الدية، وإن نكل بعضهم دفعت حصته للناكل من أولياء المقتول أو لحالف بعضها ولم يكملها.
وأما إذا قال بعض عمدا وبعض خطأ فهو قوله وإن اختلفا فيهما واستووا حلف كل وللجميع دية الخطإ يعني أن المقتول إذا أطلق في قوله بأن قال: قتلني فلان، فقال بعض الأولياء: قتله خطأ، وقال بعضهم: بل قتله عمدا والحال أنهم كلهم في درجة واحدة، بأن كانوا بنين أو إخوة أو نحو ذلك فإنهم كلهم -أي من ادعى العمد ومن ادعى الخطأ- يحلفون أيمان القسامة ويقضى للجميع بدية الخطإ، فإن اختلفوا كبنت وعصبة، فإن ادعت العصبة العمد والبنت الخطأ فهو هدر ولا قسامة ولا قود ولا دية؛ لأنه إن كان عمدا فذلك للعصبة ولم تثبت البنت لهم ذلك، ولو كان خطأ فالدية ولم يثبت أنه خطأ، ويحلف المدعى عليه خمسين يمينا ما قتله عمدا ويحرز دمه كما في الموازية، وإن ادعى العصبة الخطأ والبنت العمد حلف العصبة وأخذوا نصيبهم من الدية، ولا عبرة بقول البنت لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة، وتثنية المؤلف الضمير أولا وجمعه ثانيا للتفنن؛ أي وإن اختلفا أي الصنفان واستووا أي المختلفون في درجة القرابة. انظر الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن اطلق المقتول في قوله بأن قال قتلني فلان واختلفا أي فريقا ورثته فيهما أي في العمد والخطإ؛ أي قال فريق قتله عمدا وآخر خطأ واستووا في درجة القرابة، كأولاد
стр. 8707
أو إخوة أو أعمام وإن لم يستو عددهم، حلف كل من مدعي العمد والخطإ أيمان القسامة على قدر إرثه فقط، وللجميع دية الخطإ على عاقلة الجاني ويسقط القتل.
وإذا نكل مدعو الخطإ كلهم بطل حق ذوي العمد بسبب نكول غيرهم أي غير ذوي العمد والغير هم مدعو الخطإ، فلا قسامة لذي العمد ولا دية لأنه لِدَعْوَاهُ الدَم إنما يحلف تبعا لذي الخطإ ويصيرون حينئذ بمنزلة ما لو ادعى جميعهم الخطأ ونكلوا فتحلف عاقلة القاتل وإلا غرم الناكل، سواء كان جميعهم أو بعضهم. انتهى. وإن نكل بعض مدعي الخطإ عن الحلف فلمدعي العمد أن يدخل في حصة من حلف ويبطل حقهم في حصة من نكل.
وحاصل هذا الحاصل أنه إذا أطلق الميت فالصور ثلاث عشرة؛ لأن الأولياء إما أن يدعوا العمد كلهم ويحلفون على ذلك فلهم القود، أو ينكلون كلهم فيبطل الدم وإن نكل بعضهم وحلف بعضهم فقيل يسقط الدم والدية وهو لابن القاسم وابن الماجشون، وقيل يسقط الدم ويحلف من بقي لأخذ حقه وهو لأشهب، وقيل إن نكل على وجه العفو عن حقه حلف من بقي لأخذ حقه ويسقط، وإن نكل تحرجا وتورعا حلف من بقي ولم يسقط الدم وهو لابن نافع فهذه ثلاث صور، وإما أن يقول بعض عمدا وبعض لا نعلم وهذه صورة يبطل الدم فيها، وإما أن يقولوا كلهم خطأ ويحلفون كلهم فلهم الدية وإن نكلوا حلفت العاقلة وبطل الدم، وإن حلف بعض الأولياء ونكل بعض فللحالف أخذ نصيبه ويسقط حق الناكل بعد حلف العاقلة، فإن نكلوا غرموا وإن نكل بعضهم غرم حصته فهذه ثلاث صور، وإما أن يقول بعض خطأ وبعض لا نعلم، فمن حلف من مدعي الخطإ يأخذ نصيبه وتسقط حصة الناكل عن العاقلة حيث حلفت العاقلة، فإن نكل بعض العاقلة دفعت حصته للناكل من أولياء المقتول، ولا شيء لمن قال لا نعلم. وهنا ثلاث أيضا. لأنهم إما أن يحلفوا كلهم أو بعضهم أو ينكلوا كلهم، وإما أن يقول بعض عمدا وبعض خطأ فهي قوله: "وإن اختلفا فيهما" الخ، وفيها ثلاث أيضا: حلفوا كلهم نكل بعض مدعي الخطإ، نكل مدعو الخطإ للجميع دية خطإ في الأولى وفي الثانية للحالف نصيبه وفي الثالثة يهدر الدم. فهذه ثلاث عشرة واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8708
تنبيه: قوله: "وللجميع دية الخطإ" أي على العاقلة تقسم بينهم، وقال أشهب: إن حلف جميعهم فلمن أقسم على الخطإ حظه على العاقلة، ولمن أقسم على العمد حظه من مال الجاني. وأشار للمثال الثاني من أمثلة اللوث بقوله: وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقا يعني أنه إذا شهد شاهدان على معاينة الجرح أو الضرب خطأ أو عمدا، -وهو معنى قوله: "مطلقا"- فإن ذلك يكون لوثا يقسم معه أولياء المقتول، ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، فقوله: "وكشاهدين" معطوف على "كأن يقول بالغ"، وقوله: "بجرح أو ضرب" أي بجرح أو ضرب حر مسلم. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وكشاهدين بجرح أو ضرب أي شهدا بمعاينة ذلك من شخص لآخر أي بضرب أو جرح حر مسلم مطلقا، سواء شهدا أنه جرحه أو ضربه عمدا أو خطأ. انتهى. وقال عبد الباقي: وكشاهدين بجرح أو ضرب لحر مسلم أي على معاينة ذلك، وإن لم يكن أثر مطلقا أي عمدا أو خطأ. انتهى. وقال التتائي: وكشاهدين شهدا بجرح أو ضرب عيانا من شخص لآخر مطلقا، سواء شهدا أنه جرحه أو ضربه عمدا أو خطأ. انتهى.
أو بإقرار المقتول يعني أن الشاهدين إذا شهدا بأن المقتول أقر بأنه جرحه أو ضربه فلان، فإن ذلك يكون لوثا مطلقا أي عمدا أو خطأ، قال الخرشي: يعني وكذلك إذا شهد شاهدان على إقرار المقتول أن فلانا ضربه أو جرحه عمدا أو خطأ، يَكُونُ لوثا يُقسم أولياؤه مع ذلك ويستحقون الدية في الخطإ والقود في العمد، فقوله: "وكشاهدين بجرح أو ضرب" أي بمعاينة جرح أو ضرب، وقوله: "أو بإقرار" عطف على "بجرح"، باعتبار المضاف المحذوف وهو "بمعاينة"، ومتعلق بإقرار محذوف أي بإقرار المقتول بذلك أي بالجرح أو الضرب، فهو غير مكرر مع قوله: "كأن يقول بالغ" الخ؛ لأن ذلك أقر بالقتل وهنا أقر بالجرح أو الضرب، والفرق بينهما يظهر في اليمين، فإنه في الأول يحلف: لقد قتله، وفي الثاني يحلف: لقد جرحه ولقد مات من جرحه.
ثم يتأخر الموت راجع لقوله: "وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقا" وهو مشتمل على أربع صور؛ يعني أنهما إذا شهدا بمعاينة الجرح عمدا أو خطأ فإنما تكون القسامة حيث تأخر الموت، وأما لو مات مَكَانَهُ فإنه يثبت القود في العمد بلا قسامة والدية في الخطإ بلا قسامة، وهاتان صورتان. وكذا لو شهدا بمعاينة الضرب عمدا أو خطأ فإنما تكون القسامة حيث تأخر الموت، وأما لو مات
стр. 8709
قَعْصًا بفتح القاف وسكون العين المهملة بعدها صاد مهملة أي مات مكانه، فإنه يثبت القود في العمد بلا قسامة والدية في الخطإ بلا قسامة، فلو قدم قوله: "ثم يتأخر الموت" على قوله: "أو بإقرار المقتول عمدا أو خطأ" لكان أولى، وأما رجوعه لقوله: "أو بإقرار المقتول" الخ فلا يصح؛ لأنه لابد فيه من القسامة تأخر الموت أم لا. واللَّه تعالى أعلم.
يُقْسِمُ لمنْ ضَرْبهِ مَاتَ يعني أنه في مسألة الشاهدين بمعاينة الجرح أو الضرب يقسم أولياء الميت: لمنْ ضرب فلان مات؛ أي كيفية القسامة في ذلك أن يقول المولي: باللَّه الذي لا إله إلا هو لمن ضربه مات في مسألة الضرب، وفي مسألة الجرح: لمن جرحه مات ونحو هذه الصيغة مما يفيد الحصر، فهي نحو: إنما مات من ضربه أو جرحه. قال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله: "يقسم لمنْ ضربه مات" ما نصه: هذا خاص بالشاهدين بجرح أو ضرب، وأما في إقرار المقتول فيقولون: لقد جرحه، ولمن جرحه مات. انتهى.
وأشار للمثال الثالث من أمثلة اللوث وهو مشتمل على صور بقوله: أو شاهد بذلك مطلقا يعني أنه إذا شهد شاهد بمعاينة الجرح أو الضرب مطلقا عمدا أو خطأ، تأخر الموت أم لا، وحلف الأولياء يمينا واحدة: لقد ضربه، فإن ذلك يكون لوثا يحلف الأولياء خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، قال الخرشي: والمعنى أن العدل الواحد إذا شهد على معاينة الجرح أو الضرب عمدا أو خطأ وهو مراده بالإطلاق، وحلف الولاة مع الشاهد المذكور يمينا واحدة لقد ضربه وهذه اليمين مكملة للنصاب، فإن ذلك يكون لوثا تحلف الولاة معه خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ. انتهى. وقال عبد الباقي: أو شاهد بذلك أي بمعاينة الجرح أو الضرب مطلقا أي عمدا أو خطأ، تأخر الموت أم لا، بلغ المضروب أو المجروح أم لا، فيحلف الأولياء يمينا واحدة تكملة للوث ثم خمسين للقسامة، وصفة الواحدة المكملة كأيمانها. قال ابن عرفة: ظاهر كلام ابن رشد أو نصه أنهم يحلفون على الجرح والموت في كل يمين من الخمسين أي لقد جرحه أو ضربه ولقد مات من جرحه أو ضربه. انتهى.
قال البناني: أما يمين التكملة فيقولون فيها: باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد ضربه، ثم خمسين للقسامة يقولون: لمن ضربه مات، وهذا أحد شقي التردد في كلام ابن عبد السلام، والآخر هو ما
стр. 8710
نقله ابن عرفة عن ابن رشد لا يفردونها، وأنهم يحلفون خمسين لقد ضربه ومن ضربه مات. انظر ابن غازي. وتأمل ما معنى قول الزرقاني: وصفة الواحدة المكملة كأيمانها؟ الخ مع هذا. واللَّه أعلم. انتهى.
وقال الشبراخيتي: أو شاهد بذلك أي بمعاينة الجرح أو الضرب مطلقا أي عمدا أو خطأ، تأخر الموت أم لا، ولا بد من حلف الأولياء يمينا واحدة لتكملة اللوث، ثم يحلفون أيمان القسامة كما قال الشارح والتوضيح، وقال ابن رشد: على ما ذكر ابن عرفة أنهم يحلفون على الجرح والموت منه في كل يمين من الخمسين؛ أي فيجمعون في كل يمين بين ما يحلف عليه لتكملة اللوث وما يحلف عليه في القسامة، وتقدم أن هذا هو المذهب. انتهى. وقال التتائي: كشاهد يشهد بذلك أي بالجرح أو الضرب مطلقا أي عمدا أو خطأ، ولو أكل أو شرب أو تكلم وهو مذهب المدونة. انتهى. إن ثبت الموت يعني أن القسامة إنما تكون إن ثبت الموت لا قبل ثبوت الموت، قال عبد الباقي: وإنما تكون إن ثبت الموت في جميع صور اللوث لا قبله لاحتمال حياته، وترك الكاف في هذا الثالث ليلا يتوهم رجوع الشرط هنا لما بعدها. انتهى المراد منه. أو بإقرار المقتول عمدا قال الخرشي: أي وكذلك تكون شهادة العدل الواحد على إقرار المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه عمدا لوثا بعد حلف الولاة يمينا واحدة مكملة للنصاب كما مر، ثم تحلف الولاة خمسين يمينا ويستحقون القود ويفترق هذا المثال من الذي قبله بأنه لا يكتفى في هذا بشاهد واحد على إقرار المقتول بجرحني فلان خطأ ولا بد من شاهدين في الخطإ، وأما الشهادة على قوله: قتلني فلان فنص الرواية فيها أنه لا بد من شاهدين كما في التوضيح وابن عرفة، والفرق أن قوله في الخطإ جار مجرى الشهادة لأنه شاهد على العاقلة والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان، بخلاف العمد فإن المنقول عنه إنما يطلب ثبوت الحكم لنفسه وهو القصاص. انتهى كلام الخرشي. وهو تقرير للمصنف على مقتضاه وترى الآن ما في كلام المصنف.
قال الشيخ محمد بن الحسن البناني: اعْلَم أن أنواع اللوث كما ذكره المصنف خمسة: أحدها: إقرار المقتول أن فلانا قتله، واختلف هل لا بد في ثبوته من الشاهدين مطلقا أي في العمد والخطإ، أو يكفي الشاهد الواحد مطلقا؟ قولان أكثر الأنقال على الأول كما عند ابن مرزوق. الثاني: إقرار
стр. 8711
المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه، وذكر المصنف أنه إن ثبت بالشاهدين فهو لوث مطلقا، وإن ثبت بشاهد واحد فهو لوث في العمد لا في الخطإ، واعْتُرِضَ بأن هذه التفرقة لم يقل بها أحد، وإنما في المسألة قولان التوقف على شاهدين مطلقا والاكتفاء بالشاهد الواحد مطلقا كما في الأول، وبهذا يندفع ما يقال ما الفرق بين الإقرار بأن فلانا قتله حيث قالوا لا يكفي فيه إلا الشاهدان، وبين الإقرار بأن فلانا جرحه فيكفي فيه الشاهد الواحد في العمد؟ كما قال المصنف: وحاصل الجواب أن من قال في الإقرار بالجرح يكفي الشاهد الواحد قال بذلك أيضا في الإقرار بالقتل، ومن قال لا يكفي في الثاني إلا الشاهدان قال بذلك في الأول، فلا محل لطلب الفرق. ذكره الشيخ المسناوي ﵀. النوع الثالث: ثبوت الجرح بالشاهدين أو بالشاهد، وأشار إليه بقوله: "وكشاهدين بجرح أو ضرب" مع قوله: "أو شاهد بذلك". الرابع: ثبوت إقرار القاتل في العمد بشاهد، وأشار إليه بقوله: "أو إقرار القاتل في العمد بشاهد". الخامس: ثبوت القتل بشاهد واحد، وإليه أشار بقوله: "وكالعدل" الخ. انتهى كلام البنائي.
قال الرهوني: الصواب ما نقله البناني عن المسناوي من أنه لا فرق بينهما وأن في كل منهما قولين، وأن الراجح منهما أنه لا بد من اثنين وأن التفرقة لم يقل بها أحد، وما نسبه البناني لابن مرزوق صحيح، فإنه قال بعد أنقال ما نصه: فظهر من هذه الأنقال أن قول الأكثر لا يقسم على قول الميت إلا بشاهدين، فكان حق المصنف أن يفتي به. انتهى. وقد صرح أبو علي بأن ما اعتمده المصنف خلاف المذهب، والفرق الذي مر ذكره في تفسير المصنف على مقتضاه أصله لابن عبد السلام: وبحث فيه ابن مرزوق بقوله: هذا الفرق الذي ذكره ابن عبد السلام إنما ذكره عياض وعبد الحق في إقرار القاتل، وفيه يظهر ذلك لا في إقرار المقتول وبحثه ظاهر. واللَّه أعلم. انتهى.
وقال المواق: قال الباجي: إذا مات، وقد قال: فلان جرحني أو ضربني ولم يثبت هذا من قول الميت إلا بشاهد واحد، فاختلف فيه قول مالك، ونقل ابن يونس عن عبد الملك أنه يقسم مع شهادته، قال: وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجوز على قول المقتول إلا شاهدان. وقاله ابن القاسم في العتبية. قال: لأن الميت كشاهد فلا يثبت قوله إلا بشاهدين، وبه قال ابن المواز،
стр. 8712
وقال: إنما تكون القسامة حيث تكون اليمين مع الشاهد. انتهى. ولم يفرق بين عمد وخطإ، بل مقتضى كلام الباجي أنه لا فرق بين العمد والخطإ. ابن حارث: اتفقوا على أنه إن شهد عدلان أن فلانا جرح فلانا أو ضربه فعاش المجروح أو المضروب فأكل وشرب ثم مات أن لورثته أن يقسموا ويستحقوا الدم، فإن شهد بذلك شاهد واحد فقط، ففي المدونة: لورثته القسامة خلاف ماله في العتبية. ابن رشد: على القول بالقسامة يحلفون لقد جرحه ولقد مات من جرحه ولا يحلفون مع الشاهدين على الجرح إلا لقد مات من ذلك الجرح، ومع الشاهد على القتل فيحلفون لقد قتله فتفترق الأوجه الثلاثة في صفة الأيمان. انتهى.
كإقراره مع شاهد مطلقا قال الخرشي: موضوع هذا الفرع أن المقتول قال قتلني فلان عمدا أو خطأ وشهد على إقراره عدلان، وشهد مع هذا الإقرار شاهد على معاينة القتل، فإن ذلك لوث يحلف الولاة خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، وما قررنا به هو المتعين، ولا يتكرر مع قوله: "ووجبت وإن تعدد اللوث" لأن المقصود هنا إثبات أنه لوث، وفيما سيأتي المقصود أن تعدد اللوث لا يُغني عن وجوب القسامة. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يستغن عن هذه بقوله كأن يقول بالغ الخ؛ لأنه يتوهم في هذد ثبوت الدية أو القتل بدون قسامة، إشارة إلى أنها تجب مع تعدد اللوث كما يأتي، ولم يستغن به عن هذه لأن القصد هنا إثبات أنه لوث، وفيما يأتي المقصود صراحة أنَّ تعدد اللوث لا يغني عن وجوب القسامة. انتهى.
أو إقرار القاتل في الخطإ فقط بشاهد يعني أن القاتل إذا أقر أنه قتل خطأ وشهد شاهد على معاينة القتل خطأ، فإن ذلك لوث يوجب القسامة، فيحلف الولاة خمسين يمينا ويستحقون الدية، فالباء في بشاهد بمعنى مع، وأما إن لم يحصل غير إقرار القاتل فقط فليس بلوث مطلقا، بل فيه تفصيل وهو أنه تارة تبطل وتارة يكون لوثا كما مر عن الشيخ شرف المدين، وهذا التفصيل في مفهوم قوله: "بشاهد" على ما حملناه عليه، ونحوه للشيخ عبد الرحمن، ولا يحتاج لِتصويب ابن غازي. انتهى. قاله الخرشي.
وقوله: كما مر عن الشيخ شرف الدين يعني حيث كان المقر بالخطإ لا يتهم في قبول الرشوة. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: أو إقرار القاتل في الخطإ فقط أي أقر أنه قتل خطأ بشاهد أي مع
стр. 8713
معاينة شاهد للقتل خطأ فلوث، فإن أقر بالخطإ من غير معاينة شاهد فغير لوث، بل يؤخذ بإقراره فتكون في ماله على المعتمد كما أصلح سحنون المدونة عليه، لا على عاقلته إن كان ثقة مأمونا لا يتهم في إغناء ورثة المقتول أو أخذ رشوة منهم على إقراره كما في ديات المدونة، فإنه غير معول عليه كما في ابن غازي، وعلى الأول اقتصر المصنف في قوله: بل اعتراف، فإن أقر بالقتل عمدا واشمر على إقراره أو شهد به عليه عدلان قتل، فإن أنكر وشهد به عليه واحد فلوث كما في ابن غازي. انتهى كلام عبد الباقي.
وقال البناني: ما شرحه به الزرقاني من كون الباء بمعنى مع صواب، قال ابن الحاجب: ولو شهد مع إقراره شاهد واحد فالقسامة أيضا من غير تفصيل كالمقتول. انتهى. التوضيح: يعني ولو شهد واحد بالقتل وأقر القاتل بالقتل فلا بد من القسامة، ومراده إذا أقر القاتل بالقتل خطأ، وأما في العمد فإنه يقتل بإقراره، وقوله: من غير تفصيل أي بين أن يكون قريبا أو بعيدا، وقوله: كالمقتول أي كما إذا تعدد اللوث مع قول المقتول. انتهى. وعليه -يعني على ما شرح به عبد الباقي- حمله أحمد وجد علي الأجهوري وغيرهما، ونسخة ابن غازي في العمد، فقال: هكذا في بعض النسخ وهو الصواب، وأما النسخ التي فيها الخطأ فخطأ صُرَاحٌ، وهذا على أن الباء في "بشاهد" للتعدية أي ثبت إقراره بالقتل عمدا بشاهد وهو مُنكِرٌ، وإنما كانت نسخة الخطإ خطأ على هذا الحمل؛ لأن ابن رشد حصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها إيجاب القسامة مطلقا، والثاني نفيها مطلقا، والثالث إيجابها في العمد دون الخطإ. قال: وإلى هذا ذهب سحنون وعليه أصلح ما في المدونة وهو الأظهر، إذ قيل: إن إقرار القاتل بالقتل خطأ ليس بلوث يوجب القسامة، فكيف إذا لم يثبت قوله: "وإنما شهد به شاهد واحد"؟ انتهى.
وقول عبد الباقي: كما أصلح سحنون المدونة عليه الخ، قال الرهوني: هذا تخليط لا شك فيه، وليس في ابن غازي ما عزاه له. واعْلَم أن لنا مسألتين: إحداهما ثبوت إقرار القاتل في الخطإ بشاهدين عدلين، والثانية ثبوته بشاهد واحد؛ والثانية هي محل إصلاح سحنون وعليها تكلم ابن غازي، وأما الأولى فلا إصلاح فيها أصلا، ولم يقل ابن غازي فيها إن ما في الديات غير معول عليه، ونص ابن غازي: قوله أو إقرار القاتل في العمد فقط بشاهد كذا في بعض النسخ في العمد
стр. 8714
وهي الصواب، وأما النسخة التي فيها الخطأ فخطأ صراح، وهذا التفصيل الذي اقتصر عليه هنا هو الأظهر عند ابن رشد، فقد بين المسألة في رسم المكاتب من سماع يحيى، ثم حَصَّلَ فيها ثلاثة أقوال: أحدها إيجاب القسامة الخ ما مر، وما في ديات المدونة ومن أقر بقتل خطإ فإن اتُّهم أنه أراد إغناء ولد المقتول كالأخ والصديق لم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأمونا، ولم يُخَفْ أن يرشى على ذلك ثم تكون الدية على عاقلته بقسامة ولا تجب عليه بإقراره. انتهى. وهذا الذي في الديات فيما إذا ثبت إقرار القاتل بشاهدين، ولم يقل ابن غازي إنه غير معول عليه.
وقال الرهوني بعد جلب نقول كثيرة: وحاصل ما تقدم أن الإقرار بالقتل خطأ، إن كان بشاهد واحد فقط فهو محل إصلاح سحنون، وإن كان بشاهدين فليس من محله وفيه ستة أقوال، وأن رواية ابن القاسم وأشهب. وقولهما: ومذهب المدونة في كتاب الديات أنها على العاقلة، بقسامة. وَتَأَوَّلَ الأكثر ذلك على أن المقر كواحد منهم، وتقدم عند قوله: بلا اعتراف عن ابن مرزوق أن ما في كتاب الديات هو الذي كان ينبغي للمصنف أن يفتي به فراجعه، ولم يقل ابن غازي إنه ضعيف كما عزاه له الزرقاني، بل نقله عن الذخيرة ثم أيده بما في كتاب الديات من المدونة، فَشُدَّ يَدَك على هذا التحصيل والتحرير، والعلم كله للَّه العلي الكبير. انتهى.
وإن اختلف شاهداه بطل يعني أنه إذا شهد شاهدان بأن زيدا قتل عمرا مثلا، ولكن اختلفا في صفته بأن قال أحدهما: قتله عمدا، والآخر خطأ، أو اتفقا على العمد أو الخطإ، لكن قال أحدهما: بسيف، وقال الآخر: بحجر، أو قال أحدهما: إنه ذبحه، وقال الآخر: بل بقر بطنه، فإنه يبطل الدم فلا قسامة ولا دية، تأخر الموت أم لا، والمتوهم فيه القسامة تأخر موته، والضمير في قوله: "شاهداه" للقتل. واعلم أنه لا يلزم المشهود أن يبينوا صفة، لكن لو بينوها واختلفوا فيها بطلت. قاله غير واحد. ومن المدونة: إن شهد رجل أن فلانا قتل فلانا بالسيف وشهد آخر أنه قتله بحجر، فقولهما باطل ولا يقسم بذلك. سحنون: هذا إن ادعى الولي شهادتهما معا، وإن ادعى شهادة أحدهما ففيه القسامة مع ذلك الشاهد. نقله المواق. وقال التتائي عند قوله: "وإن اختلف شاهداه بطل" ما نصه: وظاهره سواء ادَّعوا شهادتهما معا أو شهادة أحدهما، وقال ابن
стр. 8715
يونس عن سحنون: هذا إن ادعى الأولياء شهادتهما معا، وإن ادعوا شهادة أحدهما فالقسامة فيه. انتهى.
وكالعدل فقط في معاينة القتل هذا هو المثال الرابع من أمثلة اللوث؛ يعني أنه إذا شهد عدل على معاينة القتل من غير إقرار المقتول فإنه يكون لوثا، فيقسم الأولياء معه ويستحقون الدم أيْ القود في العمد والدية في الخطإ، قال عبد الباقي: وأشار لمثال رابع بقوله: وكالعدل الواحد فقط يشهد في أي على معاينة القتل ظاهره عمدا أو خطأ من غير إقرار المقتول، فيقسم الأولياء معه ويستحقون الدم إلا أن يقول قتله غيلة فلا يقسمون معه لأنها لا يقبل فيها إلا عدلان على المعتمد، خلافا لقول يحيى بن عمر: يقسمون معه وإنما قلنا من غير لخ ليلا يتكرر مع قوله: "كإقراره مع شاهد مطلقا"؛ لأن موضوعه أنه قال: قتلني فلان، بخلاف ما هنا ثم المرأتان العدلتان كالعدل في هذا، وفي سائر ما قيل فيه شهادة الشاهد لوث، ولم يستغن المصنف عن هذا بقوله: "أو شاهد بذلك مطلقا" لأنه ربما يتوهم أن شهادته بمعاينة القتل ليست لوثا، بخلاف شهادته بجرح أو ضرب، والأحسن والأخصر لو ذكر هذد عقب تلك فكان يقولُ: أو بشاهد بذلك مطلقا أو بالقتل. انتهى.
وقال البناني عند قوله: "وكالعدل فقط في معاينة القتل" ما نصه: أي عمدا أو خطأ، فيحلف الأولياء في العمد مع شاهدهم خمسين يمينا، ويستحقون القصاص ويقسمون أيضا في الخطإ ويستحقون الدية، هذا مقتضى نقل المواق. ولكنهم مثلوا فيما يثبت بالشاهد واليمين فيما تقدم بأمثلة منها: قتل الخطإ فيقتضي الاكتفاء بيمين واحدة وليس كذلك، وإن كان مرادهم ما يشمل القسامة فالعمد كذلك، فَلِمَ اقتصرُوا على الخطإ؟ فتأمله. انتهى. وهو بحث حسن. واللَّه أعلم.
وقول عبد الباقي: ثم المرأتان العدلتان كالعدل الخ صحيح على ما في نوازل ابن الحاج، ونصه: ولا اختلاف أن المرأتين العدلتين يقسم معهما. انتهى. من عدة نسخ، ولكن فيه نظر فإن الخلاف في ذلك شهير، ففي تبصرة اللخمي ما نصه: ويستحق بشاهد والقسامة إذا كان عدلا فالشاهد ها هنا لوث، واختلف عن مالك إن لم يكن عدلا، فقال في المدونة: لا يقسم معه، وقال في كتاب محمد: يقسم معه والأول أحسن، ولا يراق دم مسلم بغير عدل واختلف في شهادة النساء
стр. 8716
بانفرادهن هل تكون لوثا؟ فقال مرة: لسن بلوث، وقال مرة: يقسم على امرأتين، ثم قال: وأرى أن يقسم مع شهادة امرأتين عدلتين لأنهما توجبان من اللطخ ما يوجبه الشاهد العدل. وفي ابن يونس: وأجاز في كتاب محمد شهادة امرأتين في قتل العمد ولم يُجز ذلك في المدونة، وقال في ترجمة القسامة من كتاب الديات: واختلف قوله في اللوث، فقال في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حاضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان، قال: وإنما يقسم مع الشاهد العدل وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، ثم قال: قال ابن عبد الحكم: ولا شهادة للنساء في قتل العمد ولا يَكُنَّ لطخا. محمد: يريد في امرأة واحدة، وأما امرأتان فيقسم مع شهادتهما إن كانتا عدلتين ويقتل بذلك. قاله ابن القاسم. انتهى.
وقال ابن فرحون: واختلف العلماء في تعيين ما يقبل من ذلك، فعن مالك ﵀ أن اللوث هو الشاهد العدل على معاينة القتل، وأخذ ابن القاسم بما قاله مالك، ووافقه ابن وهب وابن عبد الحكم، وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث يوجب القسامة ولا يوجب ذلك شهادة امرأة واحدة. وفي المعين: اختلف في اللوث في قتل العمد، فقال مالك في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان، وبهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. قال ابن حبيب: وروى ابن وهب عن مالك أن شهادة النساء لوث. انتهى واللَّه تعالى أعلم.
ومفهوم قوله: "في معاينة القتل" أن شهادته على إقرار المقتول أن فلانا قتله قد مر الكلام عليها، وأن المعتمد أنها لا تكون لوثا في العمد ولا في الخطإ، ومفهوم قوله: "العدل" أن غير العدل لا يكون لوثا في معاينة القتل، ولهذا قال: "فقط" ورد به على القول بأن غير العدل يقسم معه وهو في كتاب محمد، ومفهوم العدل فقط أنه لو شهد عدلان بمعاينة القتل لم يحتج للقسامة، بل يجب أي يثبت القود أو الدية بلا قسامة. واللَّه تعالى أعلم. وأشار إلى المثال الخامس من أمثلة اللوث بقوله: أو رآه يتشحط في دمه والتهم قربه وعليه آثاره فاعل "رآى" ضمير يعود على "العدل"؛ يعني أن العدل إذا رآى المقتول يتشحط في دمه أي يضطرب فيه والشخص المتهم بالقتل قريب من مكان المقتول وعلى المتهم آثار القتل؛ بأن كانت
стр. 8717
الآلة بيده وهي ملطخة بالدم أو خارجا من مكان المقتول ولا أحد فيه غيره، وشهد العدل بذلك فإن ذلك يكون لوثا يحلف الولاة معه خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، فقوله: "قربه" منصوب على الظرفية، وقوله: "أو رآه" عطف على "معاينةٍ" بتقدير المصدرية؛ أي وكالعدل على معاينة القتل، وعلى رؤيته له يتشحط في دمه، قال الخرشي: عطف على "معاينة القتل"، ويقدر أن في المعطوف من عطف مصدر مأول على مصدر صريح. انتهى. ورآى بصرية، وجملة "يتشحط" حال من الضمير البارز. انظر الخرشي.
وقال عبد الباقي: أو رآه أي رآى العدل ببصره المقتول يتشحط أي يضطرب ويتحرك في دمه والشخص المتهم بالقتل قربه وعليه آثاره، أو خارجا من مكان المقتول ولم يوجد فيه غيره وشهد العدل بذلك فلوث، والظاهر أنه لا مفهوم لقوله: "يتشحط" ولا للجمع في آثاره، وربما يفيد ذلك قول ابن الحاجب: إن وجد قتيل وبقربه رجل معه سيف أو عليه شيء من دم المقتول أو عليه آثار القتل فلوث يوجب القسامة، "وفي دمه" بمعنى على ويصح بقاؤها على معنى الظرفية، وفي بعض النسخ يراه مضارعا منصوبا عطفا على معاينة الخ. وقال الشبراخيتي: المراد بالمتهم من يتهمه أولياء المقتول بأن يقولوا: هذا قتله، وليس المراد أن يكون ممن يتهم بالقتل أي يشار إليه به، والواو واو الحال. انتهى. وقال البناني: وقول المصنف: "ورآه" الفاعل برَأَى هو "العدل"، ولا خصوصية له بذلك بل كذلك عدلان أو أكثر، وليس الموجب للقسامة انفراد العدل كما توهم عبارته، بل قوة التهمة وعدم التحقيق كما يفيده ابن عرفة. انتهى.
ووجبت وإن تعدد اللوث يعني أنه لا بد من القسامة وإن تعدد اللوث، كما لو شهد العدل بمعاينة القتل، وقال المقتول: قتلني فلان وشهد على إقراره بذلك عدلان، والمراد بالوجوب إذا أراد الأولياء القصاص أو الدية فلا يمكنون من ذلك إلا بالأيمان، وأما إن أرادوا الترك فلا يكلفون بالأيمان. قاله الخرشي. والمبالغة في قوله: "وإن تعدد اللوث" لدفع توهم أنه إذا تعدد اللوث يثبت القتل بغير قسامة. قاله غير واحد. قال عبد الباقي: لا لرد قول إذ وجوبها مع تعدده متفق عليه كما في الشارح. انتهى.
стр. 8718
وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم يعني أن وجود المقتول في دار قوم أو في أرضهم لا يكون لوثا يوجب القسامة لأولياء المقتول، وعلله في المجموعة بأنه لو أخذ بذلك لم يشأ رجل أن يلطخ قوما بذلك إلا فعل، قال الخرشي: ومحل كلام المؤلف حيث كان يخالطهم في القرية غيرهم فلا يرد عليه قضية عبد اللَّه بن سهل، حيث جعل النبي ﷺ فيه القسامة لابني عمه؛ لأن خيبر ما كان يخالط اليهود فيها غيرهم. انتهى. وقال عبد الباقي: وليس منه -أي من اللوث- وجوده بقرية قوم ولو مسلما بقرية كفر على الأصح. قاله في الشامل. إلا لعداوة دنيوية، ولم يخالطهم غيرهم كما في واقعة خبير التي في الموطإ من سبب القسامة، أو يقال محل كلامه حيث كان يخالطهم في القرية غيرهم، فلا يرد عليه قضية عبد اللَّه بن سهل حيث قتل بخيبر، وجعل النبي ﷺ القسامة فيه لابني عمه، حويصة ومحيصة لأن خيبر ما كان يخالط اليهودَ فيها أحدٌ. انتهى.
وقال البناني: وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم، وليس منه أيضا موته بالزحام بل هو هدر، وعند الشافعي: لوث يوجب القسامة والدية على جميع الناس بذلك الموضع. انظر التوضيح. وقول الزرقاني: وجعل النبي ﷺ فيه القسامة الخ، لكن لم يحلفوا، ووداه النبي ﷺ من عنده. انتهى. وقال الرهوني: قول الزرقاني: فلا يرد قضية عبد اللَّه بن سهل، قال في التوضيح: واختار بعض شيوخنا أن يكون لوثا في مثل قصة حويصة ومحيصة، وهو وجود مسلم ببلد الكفر وأنه لا ينبغي أن يختلف في ذلك. انتهى منه بلفظه. وقال الأبي في شرح مسلم: ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زمننا لموجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره.
قُلْتُ: وكان شيخنا أبو عبد اللَّه يحكي أنه اتفق في داره أن جاءت طفلتان تسرقان القمح، فزلق بهما القرمود فسقطتا فماتتا، قال: وكنت غائبا بالموضع المسمى بالجزيرة، واشتهر الخبر فرفع الأمر إلى القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع، فأمر بإخراجهما وأهدر دمهما. انتهى. قلت: في الإقناع: والأمة مجمعون على أن لا فرق بين اليهود وسائر المشركين يعتزلون فيوجد مسلم مقتول بين ظهرانيهم في أن القسامة واجبة. انتهى.
стр. 8719
وقال عبد الباقي: "وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم" ما نصه: لأنه لو أخذ بذلك لم يشأ أحد أن يلطخ قوما بذلك إلا فعل، ولأن الغالب أن من قتله لا يدعه في مكان يتهم هو به، وليس الموت في الزحمة لوثا يوجب قسامة بل هو هدر، وعند الشافعي: تجب فيه القسامة والدية على جميع الناس بذلك الموضع. انظر الشارح. انتهى. وقال التتائي: وليس منه أي اللوث عند مالك وجماعة من أهل الحجاز وجوده أي المقتول مطرحا بقرية قوم أو دارهم؛ لأن الغالب أن من قتله لا يتركه بموضع يتهم هو به، وذهب جماعة من أهل العراق إلى أنه لوث. ابن رشد: إلا في مثل قضية عبد اللَّه بن سهل فلا ينبغي أن يختلف فيها. انتهى.
ولو شُهِدَ أنه قتل ودخل في جماعة استحلف كل خمسين يعني أنه لو شهد عدلان على شخص أنه قتل آخر ودخل القاتل في جماعة ولم يعرف من جملتهم، فإنه يلزم كل واحد منهم أن يحلف خمسين يمينا؛ لأن يمين الدم لا تكون إلا خمسين يمينا، ولأن التهمة تتناول كل شخص بانفراده إذ القاتل واحد، فيحتمل كل أنه هو، وإذا حلفوا كلهم فالدية عليهم أي على الجماعة الذين دخل فيهم في أموالهم، بلا قسامة على أولياء المقتول، فكان الغرم على جميعهم للقطع بكذب أحدهم وهو غير معين، وكذا الحكم لو نكلوا كلهم فالدية عليهم بلا قسامة على أولياء المقتول: أو حلف بعض ونكل بعض فالدية كاملة على من نكل بلا قسامة على أولياء المقتول.
قال عبد الباقي: وفهم من قوله: "والدية عليهم" أن القتل عمدا، فإن كان خطأ فالدية على عواقلهم إن حلفوا أو نكلوا، فإن حلف بعض فالدية على عاقلة من نكل. هذا هو الظاهر؛ وفي أحمد: وينبغي أن تكون الدية على عاقلة الجميع من غير يمين. انتهى. قوله: هذا هو الظاهر وفي أحمد: وينبغي الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: فيه نظر، والذي يظهر أن الجميع مطالب باليمين المدعى عليهم بالقتل خطأ وعواقلهم لا المدعى عليهم فقط. انتهى. وما قاله ظاهر إن كان المدعى عليهم أغنياء بحيث يلزمهم العقل وإلا فالمطالب باليمين العواقل فقط، ولا خفاء أن المدعى عليهم يحلفون على البت، وأما العواقل إذا قلنا تجب عليهم اليمين فإنما يحلفون على نفي العلم. واللَّه أعلم. انتهى كلام الرهوني. وقال الشبراخيتي: ولو شهد على شخص أنه قتل ودخل في جماعة محصورين، وإلا فهدر لاحتمال أن يكون القاتل فيمن هرب. انتهى.
стр. 8720
وقال عبد الباقي: ولو شهد اثنان على شخص أنه قتل، ثم قال: ومفهوم اثنين أنه إن شهد واحد على آخر أنه قتل عمدا أو خطأ ودخل في جماعة حلف أولياؤه خمسين يمينا أن واحدا من هؤلاء الجماعة قتله، ويستحقون الدية على الجميع، ولا ينافي أنه إنما يقسم على واحد تَعَيَّنَ لها كما يأتي؛ لأن ذلك بالنسبة للقتل وهذا بالنسبة لأخذ الدية. انتهى. قوله: فإن شهد واحد حلف الأولياء خمسين يمينا أن واحدا من هذه الجماعة قتل وأخذ الدية من الجميع؛ يعني بعد حلفهم أو نكولهم وإلا فعلى الناكل كما سبق في الشاهدين. واللَّه أعلم. قاله البناني.
وإن انفصلت بغاة عن قتلى ولم يعلم القاتل المراد بالبغاة هنا قتال المسلمين بعضهم لبعض لأجل عداوة أو عادة ولو كان تحت طاعة إمام، وقول التتائي: خرجوا عن طاعة الإمام ليس بلازم؛ يعني أنه إذا انفصل بغاة أي انصرفوا وتكشفوا عن قتلى ولم يعلم القاتل لهم أي لم يدر من هو، فإنَّ الشيوخ اختلفوا في فهم المدونة هل لا قسامة في تلك القتلى ولا قود؟ أي لا قصاص، وأصل هذا لمالك، وأبقاه بعضهم على ظاهره، وإبقاؤه على ظاهره تأويل وإبقاؤه على ظاهره هو معنى قول المصنف: مطلقا سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أم لا، قام له شاهد من غير البغاة أم لا، وإذا قلنا بأنه لا قسامة ولا قود، قال عبد الباقي والخرشي: يكون هدرا، قال البناني: ونقله بعضهم عن أبي الحسن في شرح الرسالة، ونقله مصطفى عن الفاكهاني، واعترضه مصطفى قائلا: لم أقف على من صرح به من أهل المذهب ممن يعتمد عليه، والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة: لا قسامة في قتيل الصفين أن فيه الدية على الفئة التي نازعته وإن كان من غير الفئتين فديته عليهما، فقول المصنف: "لا قسامة ولا قود" يعني وتكون الدية على الفئة التي نازعته، كما حملت المدونة على ذلك لا أنه هدر. انتهى قول البناني عن مصطفى.
والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة الخ، قال الرهوني: هذا هو الذي يجب التعويل عليه لأنه المصرح به في الموطإ وسلمه الباجيُّ ولم يحك فيه خلافا، وهو الذي نقله ابن يونس نصا ولم يحك خلافه، ونص الموطإ قال مالك في جماعة من الناس اقتتلوا وانكشفوا وبينهم قتيل أو جريح لا يدرى من فعل ذلك به: إن أحسن ما سَمِع في ذلك أن فيه العقل، وأن عقله على القوم الذين نازعوه، وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين فعقله على الفريقين جميعا. قال في المنتقى: