← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

بانفرادهن هل تكون لوثا؟ فقال مرة: لسن بلوث، وقال مرة: يقسم على امرأتين، ثم قال: وأرى أن يقسم مع شهادة امرأتين عدلتين لأنهما توجبان من اللطخ ما يوجبه الشاهد العدل. وفي ابن يونس: وأجاز في كتاب محمد شهادة امرأتين في قتل العمد ولم يُجز ذلك في المدونة، وقال في ترجمة القسامة من كتاب الديات: واختلف قوله في اللوث، فقال في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حاضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان، قال: وإنما يقسم مع الشاهد العدل وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، ثم قال: قال ابن عبد الحكم: ولا شهادة للنساء في قتل العمد ولا يَكُنَّ لطخا. محمد: يريد في امرأة واحدة، وأما امرأتان فيقسم مع شهادتهما إن كانتا عدلتين ويقتل بذلك. قاله ابن القاسم. انتهى. وقال ابن فرحون: واختلف العلماء في تعيين ما يقبل من ذلك، فعن مالك ﵀ أن اللوث هو الشاهد العدل على معاينة القتل، وأخذ ابن القاسم بما قاله مالك، ووافقه ابن وهب وابن عبد الحكم، وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث يوجب القسامة ولا يوجب ذلك شهادة امرأة واحدة. وفي المعين: اختلف في اللوث في قتل العمد، فقال مالك في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان، وبهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. قال ابن حبيب: وروى ابن وهب عن مالك أن شهادة النساء لوث. انتهى واللَّه تعالى أعلم. ومفهوم قوله: "في معاينة القتل" أن شهادته على إقرار المقتول أن فلانا قتله قد مر الكلام عليها، وأن المعتمد أنها لا تكون لوثا في العمد ولا في الخطإ، ومفهوم قوله: "العدل" أن غير العدل لا يكون لوثا في معاينة القتل، ولهذا قال: "فقط" ورد به على القول بأن غير العدل يقسم معه وهو في كتاب محمد، ومفهوم العدل فقط أنه لو شهد عدلان بمعاينة القتل لم يحتج للقسامة، بل يجب أي يثبت القود أو الدية بلا قسامة. واللَّه تعالى أعلم. وأشار إلى المثال الخامس من أمثلة اللوث بقوله: أو رآه يتشحط في دمه والتهم قربه وعليه آثاره فاعل "رآى" ضمير يعود على "العدل"؛ يعني أن العدل إذا رآى المقتول يتشحط في دمه أي يضطرب فيه والشخص المتهم بالقتل قريب من مكان المقتول وعلى المتهم آثار القتل؛ بأن كانت

стр. 8717

الآلة بيده وهي ملطخة بالدم أو خارجا من مكان المقتول ولا أحد فيه غيره، وشهد العدل بذلك فإن ذلك يكون لوثا يحلف الولاة معه خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، فقوله: "قربه" منصوب على الظرفية، وقوله: "أو رآه" عطف على "معاينةٍ" بتقدير المصدرية؛ أي وكالعدل على معاينة القتل، وعلى رؤيته له يتشحط في دمه، قال الخرشي: عطف على "معاينة القتل"، ويقدر أن في المعطوف من عطف مصدر مأول على مصدر صريح. انتهى. ورآى بصرية، وجملة "يتشحط" حال من الضمير البارز. انظر الخرشي. وقال عبد الباقي: أو رآه أي رآى العدل ببصره المقتول يتشحط أي يضطرب ويتحرك في دمه والشخص المتهم بالقتل قربه وعليه آثاره، أو خارجا من مكان المقتول ولم يوجد فيه غيره وشهد العدل بذلك فلوث، والظاهر أنه لا مفهوم لقوله: "يتشحط" ولا للجمع في آثاره، وربما يفيد ذلك قول ابن الحاجب: إن وجد قتيل وبقربه رجل معه سيف أو عليه شيء من دم المقتول أو عليه آثار القتل فلوث يوجب القسامة، "وفي دمه" بمعنى على ويصح بقاؤها على معنى الظرفية، وفي بعض النسخ يراه مضارعا منصوبا عطفا على معاينة الخ. وقال الشبراخيتي: المراد بالمتهم من يتهمه أولياء المقتول بأن يقولوا: هذا قتله، وليس المراد أن يكون ممن يتهم بالقتل أي يشار إليه به، والواو واو الحال. انتهى. وقال البناني: وقول المصنف: "ورآه" الفاعل برَأَى هو "العدل"، ولا خصوصية له بذلك بل كذلك عدلان أو أكثر، وليس الموجب للقسامة انفراد العدل كما توهم عبارته، بل قوة التهمة وعدم التحقيق كما يفيده ابن عرفة. انتهى. ووجبت وإن تعدد اللوث يعني أنه لا بد من القسامة وإن تعدد اللوث، كما لو شهد العدل بمعاينة القتل، وقال المقتول: قتلني فلان وشهد على إقراره بذلك عدلان، والمراد بالوجوب إذا أراد الأولياء القصاص أو الدية فلا يمكنون من ذلك إلا بالأيمان، وأما إن أرادوا الترك فلا يكلفون بالأيمان. قاله الخرشي. والمبالغة في قوله: "وإن تعدد اللوث" لدفع توهم أنه إذا تعدد اللوث يثبت القتل بغير قسامة. قاله غير واحد. قال عبد الباقي: لا لرد قول إذ وجوبها مع تعدده متفق عليه كما في الشارح. انتهى.

стр. 8718

وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم يعني أن وجود المقتول في دار قوم أو في أرضهم لا يكون لوثا يوجب القسامة لأولياء المقتول، وعلله في المجموعة بأنه لو أخذ بذلك لم يشأ رجل أن يلطخ قوما بذلك إلا فعل، قال الخرشي: ومحل كلام المؤلف حيث كان يخالطهم في القرية غيرهم فلا يرد عليه قضية عبد اللَّه بن سهل، حيث جعل النبي ﷺ فيه القسامة لابني عمه؛ لأن خيبر ما كان يخالط اليهود فيها غيرهم. انتهى. وقال عبد الباقي: وليس منه -أي من اللوث- وجوده بقرية قوم ولو مسلما بقرية كفر على الأصح. قاله في الشامل. إلا لعداوة دنيوية، ولم يخالطهم غيرهم كما في واقعة خبير التي في الموطإ من سبب القسامة، أو يقال محل كلامه حيث كان يخالطهم في القرية غيرهم، فلا يرد عليه قضية عبد اللَّه بن سهل حيث قتل بخيبر، وجعل النبي ﷺ القسامة فيه لابني عمه، حويصة ومحيصة لأن خيبر ما كان يخالط اليهودَ فيها أحدٌ. انتهى. وقال البناني: وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم، وليس منه أيضا موته بالزحام بل هو هدر، وعند الشافعي: لوث يوجب القسامة والدية على جميع الناس بذلك الموضع. انظر التوضيح. وقول الزرقاني: وجعل النبي ﷺ فيه القسامة الخ، لكن لم يحلفوا، ووداه النبي ﷺ من عنده. انتهى. وقال الرهوني: قول الزرقاني: فلا يرد قضية عبد اللَّه بن سهل، قال في التوضيح: واختار بعض شيوخنا أن يكون لوثا في مثل قصة حويصة ومحيصة، وهو وجود مسلم ببلد الكفر وأنه لا ينبغي أن يختلف في ذلك. انتهى منه بلفظه. وقال الأبي في شرح مسلم: ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زمننا لموجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره. قُلْتُ: وكان شيخنا أبو عبد اللَّه يحكي أنه اتفق في داره أن جاءت طفلتان تسرقان القمح، فزلق بهما القرمود فسقطتا فماتتا، قال: وكنت غائبا بالموضع المسمى بالجزيرة، واشتهر الخبر فرفع الأمر إلى القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع، فأمر بإخراجهما وأهدر دمهما. انتهى. قلت: في الإقناع: والأمة مجمعون على أن لا فرق بين اليهود وسائر المشركين يعتزلون فيوجد مسلم مقتول بين ظهرانيهم في أن القسامة واجبة. انتهى.

стр. 8719

وقال عبد الباقي: "وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم" ما نصه: لأنه لو أخذ بذلك لم يشأ أحد أن يلطخ قوما بذلك إلا فعل، ولأن الغالب أن من قتله لا يدعه في مكان يتهم هو به، وليس الموت في الزحمة لوثا يوجب قسامة بل هو هدر، وعند الشافعي: تجب فيه القسامة والدية على جميع الناس بذلك الموضع. انظر الشارح. انتهى. وقال التتائي: وليس منه أي اللوث عند مالك وجماعة من أهل الحجاز وجوده أي المقتول مطرحا بقرية قوم أو دارهم؛ لأن الغالب أن من قتله لا يتركه بموضع يتهم هو به، وذهب جماعة من أهل العراق إلى أنه لوث. ابن رشد: إلا في مثل قضية عبد اللَّه بن سهل فلا ينبغي أن يختلف فيها. انتهى. ولو شُهِدَ أنه قتل ودخل في جماعة استحلف كل خمسين يعني أنه لو شهد عدلان على شخص أنه قتل آخر ودخل القاتل في جماعة ولم يعرف من جملتهم، فإنه يلزم كل واحد منهم أن يحلف خمسين يمينا؛ لأن يمين الدم لا تكون إلا خمسين يمينا، ولأن التهمة تتناول كل شخص بانفراده إذ القاتل واحد، فيحتمل كل أنه هو، وإذا حلفوا كلهم فالدية عليهم أي على الجماعة الذين دخل فيهم في أموالهم، بلا قسامة على أولياء المقتول، فكان الغرم على جميعهم للقطع بكذب أحدهم وهو غير معين، وكذا الحكم لو نكلوا كلهم فالدية عليهم بلا قسامة على أولياء المقتول: أو حلف بعض ونكل بعض فالدية كاملة على من نكل بلا قسامة على أولياء المقتول. قال عبد الباقي: وفهم من قوله: "والدية عليهم" أن القتل عمدا، فإن كان خطأ فالدية على عواقلهم إن حلفوا أو نكلوا، فإن حلف بعض فالدية على عاقلة من نكل. هذا هو الظاهر؛ وفي أحمد: وينبغي أن تكون الدية على عاقلة الجميع من غير يمين. انتهى. قوله: هذا هو الظاهر وفي أحمد: وينبغي الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: فيه نظر، والذي يظهر أن الجميع مطالب باليمين المدعى عليهم بالقتل خطأ وعواقلهم لا المدعى عليهم فقط. انتهى. وما قاله ظاهر إن كان المدعى عليهم أغنياء بحيث يلزمهم العقل وإلا فالمطالب باليمين العواقل فقط، ولا خفاء أن المدعى عليهم يحلفون على البت، وأما العواقل إذا قلنا تجب عليهم اليمين فإنما يحلفون على نفي العلم. واللَّه أعلم. انتهى كلام الرهوني. وقال الشبراخيتي: ولو شهد على شخص أنه قتل ودخل في جماعة محصورين، وإلا فهدر لاحتمال أن يكون القاتل فيمن هرب. انتهى.

стр. 8720

وقال عبد الباقي: ولو شهد اثنان على شخص أنه قتل، ثم قال: ومفهوم اثنين أنه إن شهد واحد على آخر أنه قتل عمدا أو خطأ ودخل في جماعة حلف أولياؤه خمسين يمينا أن واحدا من هؤلاء الجماعة قتله، ويستحقون الدية على الجميع، ولا ينافي أنه إنما يقسم على واحد تَعَيَّنَ لها كما يأتي؛ لأن ذلك بالنسبة للقتل وهذا بالنسبة لأخذ الدية. انتهى. قوله: فإن شهد واحد حلف الأولياء خمسين يمينا أن واحدا من هذه الجماعة قتل وأخذ الدية من الجميع؛ يعني بعد حلفهم أو نكولهم وإلا فعلى الناكل كما سبق في الشاهدين. واللَّه أعلم. قاله البناني. وإن انفصلت بغاة عن قتلى ولم يعلم القاتل المراد بالبغاة هنا قتال المسلمين بعضهم لبعض لأجل عداوة أو عادة ولو كان تحت طاعة إمام، وقول التتائي: خرجوا عن طاعة الإمام ليس بلازم؛ يعني أنه إذا انفصل بغاة أي انصرفوا وتكشفوا عن قتلى ولم يعلم القاتل لهم أي لم يدر من هو، فإنَّ الشيوخ اختلفوا في فهم المدونة هل لا قسامة في تلك القتلى ولا قود؟ أي لا قصاص، وأصل هذا لمالك، وأبقاه بعضهم على ظاهره، وإبقاؤه على ظاهره تأويل وإبقاؤه على ظاهره هو معنى قول المصنف: مطلقا سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أم لا، قام له شاهد من غير البغاة أم لا، وإذا قلنا بأنه لا قسامة ولا قود، قال عبد الباقي والخرشي: يكون هدرا، قال البناني: ونقله بعضهم عن أبي الحسن في شرح الرسالة، ونقله مصطفى عن الفاكهاني، واعترضه مصطفى قائلا: لم أقف على من صرح به من أهل المذهب ممن يعتمد عليه، والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة: لا قسامة في قتيل الصفين أن فيه الدية على الفئة التي نازعته وإن كان من غير الفئتين فديته عليهما، فقول المصنف: "لا قسامة ولا قود" يعني وتكون الدية على الفئة التي نازعته، كما حملت المدونة على ذلك لا أنه هدر. انتهى قول البناني عن مصطفى. والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة الخ، قال الرهوني: هذا هو الذي يجب التعويل عليه لأنه المصرح به في الموطإ وسلمه الباجيُّ ولم يحك فيه خلافا، وهو الذي نقله ابن يونس نصا ولم يحك خلافه، ونص الموطإ قال مالك في جماعة من الناس اقتتلوا وانكشفوا وبينهم قتيل أو جريح لا يدرى من فعل ذلك به: إن أحسن ما سَمِع في ذلك أن فيه العقل، وأن عقله على القوم الذين نازعوه، وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين فعقله على الفريقين جميعا. قال في المنتقى:

стр. 8721

وهذا كما قال أن من قتل بين الجيش في النائرة تكون بينهم، فإن كل فرقة تضمن ما أصيب من الأخرى، وذلك إذا لم يعلم من قتله. ووجه ذلك أن الظاهر أن قتيل كل فرقة إنما قتلته الفئة الأخرى ولا قصاص فيه لتعذر معرفة قاتله وعدم اتفاق الطائفة الأخرى على قتله فلم يبق إلا الدية، ولم يحتج في ذلك إلى قسامة لأن القاتل لا يتعين. انتهى. أو لا قسامة ولا قود إن تجرد القتل عن تدمية وعن شاهد أي انتفيا جميعا، وأما إن دَمَّى فالقسامة والقود ثابتان وكذا لو قام شاهد بالقتل فالقسامة والقود ثابتان، وهذا تأويل الأكثر وهو قول الأخوين وأصبغ وأشهب، ورجع إليه ابن القاسم فكان ينبغي للمؤلف الاقتصار عليه. قاله مصطفى. قاله البناني. وقال الرهوني: صرح الرجراجي بأنه المشهور، وبه أفتى العلامة الأبي حين سأله الخليفة أبو فارس عبد العزيز بن الخليفة أبي العباس الحفصي حسبما في إكمال الإكمال، وقد نقل كلامه في الدر النثير فانظره إن شئت. انتهى. وقال التتائي: وأما إن دمى أو قام له شاهد فالقسامة، وبه فسر ابن القاسم قول مالك في العتبية والمجموعة، وهو قول أشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، وأطلق المصنف في الشاهد وقيده في البيان بأن يكون من غير الطائفتين. انتهى. وقال عبد الباقي: وأما إن قال دمي عند فلان أو شهد بالقتل شاهد فالقسامة والقود ثابتان، وقيد في البيان الشاهد بكونه من غير الطائفتين لا من إحداهما، ولو من طائفة المدعى عليهم بالقتل لعدم عدالته بحصول البغي. انتهى. وقال البناني: وإن تجرد عن تدمية وشاهد أي سواء شهد الشاهد على رجل بعينه أو على صف أنه قتله. صرح به عياض في التنبيهات. وقول الزرقاني: وقيد في البيان الشاهد بكونه من غير الطائفتين لا من إحداهما فيه نظر، بل غير صحيح؛ إذ الذي في البيان ولم يجزم به تقييد الخلاف بكون الشاهد من طائفة المدمى أو من إحدى الطائفتين، وأما إن كان أجنبيا منهما فلوث من غير كلام. هكذا في التوضيح وابن عرفة عنه. انتهى المراد من كلام البناني. قوله: فيه نظر بل غير صحيح إذ الذي في البيان ولم يجزم به الخ، فيه نظر ظاهر بل ما قاله الزرقاني هو الصحيح؛ لأن كلام ابن رشد صريح في أن الشاهد إن كان من طائفة المقتول فلا

стр. 8722

قسامة معه قطعا، وإن كان من طائفة القاتل فلا قسامة معه إلا على القول بالقسامة مع الشاهد الواحد الذي ليس بعدل، وهذا عين ما نسب له الزرقاني في المعنى، وكيف يعقل ما قاله البناني من أن الشاهد إن كان من طائفة القتيل أو طائفة القاتل فهو محل الخلاف، وإن كان من غيرهما فلوث من غير كلام. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهذا ظاهر؛ إذ كيف تصح شهادة العدو على عدوه. واللَّه تعالى أعلم. ثم قال البناني: ويقيد محل الخلاف بالشاهد الواحد كما يدل عليه كلام المصنف وأما لو شهد عدلان فالقود بلا خلاف، وبه تعلم أن ما وقع في المواق عن ابن رشد أنه لا يعمل بالشاهدين سبق قلم؛ إذ كل من نقله عن ابن رشد كابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة وغيرهم إنما نقله بالإفراد وهو المتعين. انظر مصطفى. انتهى. قوله: ويقيد محل الخلاف بالشاهد الواحد كما يدل عليه كلام المصنف، وأما لو شهد عدلان فالقود بلا خلاف، وقال قبلُ: إن تأويل الأكثر أنه لوث، وقال بعد عند قوله: "تأويلات": إنه المذهب، فما هذا إلا وهم منه ﵀؛ إذ كيف يعقل أن يقال إن المذهب أن شهادة الشاهد من طائفة المقتول لوث يوجب القسامة والقود بعدها وشهادة الشاهدين منها توجب القود بلا خلاف، ومن المعلوم ضرورة أن العداوة بأضعف من هذه بمراتب مانعة من صحة الشهادة وقبولها، فكيف بهذه؟ وليس في التوضيح ولا في ابن عرفة ما عزاه لهما. انتهى. تنبيه: قول ابن رشد: وإن كان من طائفة القاتل فلا قسامة معه إلا على القول بالقسامة مع الشاهد الواحد الذي ليس بعدل، قال فيه الرهوني: نقل ابن مرزوق كلام ابن رشد، وقال بعده: وهو كلام حسن على عادته ﵀ في الإتيان بمحاسن التحريرات، وكلامه هذا كله ملخص مما جلب الشيخ في النوادر من الروايات، إلا أن في تخريجه القسامة مع شاهد من طائفة القاتل على القسامة مع الشاهد غير العدل نظرا، فإن في غير العدل المقيس عليه مانعا وهو الفسق، وفي الفرع المقيس ذلك وزيادة الدفع عن نفسه لا سيما على أن ديته على الفئة التي نازعته، وفيه شيء آخر وهو أن التخريج إنما يكون مع اتحاد القائل في الفرعين، وابن القاسم لا يقول بالقسامة مع غير العدل. انتهى. وهو كلام حسن. وعلم منه أنه فهم كلام ابن رشد أنه لا خلاف في الغاء

стр. 8723

شهادة الشاهد من طائفة المقتول وكذا من طائفة القاتل، إلا تخريجا على قول شاذ مع كون القياس غير مسلم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. أو لا قسامة ولا قود إن تجرد عن الشاهد فقط دون التدمية، فلو لم يشهد شاهد بالقتل وقال دمي عند فلان وأحرى لو لم يدم فلا قسامة ولا قود؛ لأنه لما قدم لقتله لا يستنكر كذبه عليه وكذا لو لم يكن هناك إلا قول الأولياء، وأما إن شهد شاهد بمعاينة القتل فلوث يوجب القسامة والقود، وهذا تأويل بعض الأشياخ للمدونة. وقوله: تأويلات مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلات ثلاث، أحدها: لا قسامة ولا قود مطلقا تجرد عن تدمية أم لا، قام بالقتل شاهد أم لا وعلى هذا فالدية على الفئة التي نازعته، وإن كان القتيل من غير الفئتين فالدية عليهما معا. ثانيهما: إن قام شاهد بالقتل فالقسامة والقود ثابتان، وكذا لو دمى لا إن تجرد القتل عنهما بأن انتفيا بالكلية، وهذا التأويل هو المشهور. ثالثها: إن تجرد عن الشاهد فلا قسامة ولا قود كان هناك تدمية أم لا، وإن لم يتجرد عن الشاهد فالقسامة والقود ثابتان. واللَّه تعالى أعلم. وفهم من قوله: ولم يعلم القاتل أنه لو علم ببينة لاقتص منه وهو كذلك. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وعلم مما مر أن النفي إنما هو القود لا الدية. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: وإن انفصلت بغاة عن قتلى الخ محله حيث لم يتأولوا. وأما إن تأولوا أي اعتقد كل طائفة أنها على الحق باجتهادها وحينئذ فالمراد بالتأويل الشبهة؛ أي يكون لكل منهما شبهة يعذر بها؛ أي وإن قامت لكل شبهة بأن ظنت كل طائفة أنه يجوز لها قتال الأخرى لكونها أخذت مالها أو أولادها أو هتكت حرمتها، فدم المقتول أو المجروح هدر أي لا قود فيه ولا دية وفهم منه أنه لو كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة لكان دم الباغية هدرا ودم المتأولة غير هدر، ففيه القود أو الدية. كزاحفة على دافعة يعني أن الفئة الزاحفة أي الصائلة على الفئة الدافعة دمها أي الزاحفة هدر، بخلاف الدافعة ففي دمها القصاص. وفي المواق عن عياض: فلو كان أحدهم باغيا والآخر مظلوم أو متأول طلب الباغون الذين ليس القتيل منهم بعقله، ولو كان من صف الباغين كان هدرا ولو

стр. 8724

تعين قاتله، وكذلك لو كان كلا الصفين متأولا فمن قتله منهم الآخر هدر. وفي سماع عيسى: إن كان القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا قوما يقاتلون على تأويل، قال: فليس على الذين قتلوه قتل وإن عرفوا ولا دية، وليس أهل التأويل كغيرهم. ابن رشد: مثله في أثر المدونة من قول ابن شهاب، ومثله روى أشهب: الباجي: لو مشت إحدى الطائفتين إلى الأخرى بالسلاح إلى منازلهم فقاتلوهم ضمنت كل فرقة ما أصابت من الأخرى. رواه محمد وابن عبدوس. قال: ولا يبطل دم الزاحفة لأن المزحوف إليهم لو شاءوا لم يقتلوهم واستردوا إلى السلطان، قال غيره: هذا إن أمكن السلطان أن يحجز بينهم، فإن عاجلوهم ناشدوهم اللَّه فإن أبوا فالسيف ونحوه في المدونة، ومعنى ذلك أنه لا دية عليهم، هذا كله إن كان حربهم لنائرة وتعصب، فإن كان لتأويل، فقد قال ابن حبيب: ليس بين أهل الفتن قود فيما نال بعضهم من بعض على التأويل، ولا تباعة في مال إلا فيما كان قائما بعينه لم يفت، قال ابن القاسم: وليس على القاتل قتل ولا دية وإن عرف، بخلاف غيرهم. انتهى. تنبيه: قد مر تفسير التأويل عند قوله: "وإن تأولوا" وهو للشبراخيتي ونحوه للخرشي، وقال البناني عند قوله "كزاحفة على دافعة": هذا تشبيه لأن ظاهر قوله تأولوا أن التأويل من الفريقين، ويحتمل أنها للتمثيل إذا كان قوله: "تأولوا" شاملا للتأويل من أحد الفريقين، وتقدير كلامه كإهدار دماء طائفة أو جماعة زاحفة باغية على دافعة، فقوله: "على دافعة" متعلق بمحذوف، وانظر إذا قتل واحد من الجماعة الدافعة هل يقتل به جميع الجماعة الباغية لأنهم أي الدافعة متأولون وهو الظاهر أم لا؟ انتهى. قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: وانظر إذا قتل واحد من الجماعة الدافعة الخ سكت عما إذا قتل واحد مثلا من إحدى الطائفتين الباغيتين، فظاهره أنه لا يقتل فيه أحد من الطائفة المنازعة لطائفته؛ لأن توقفه واستظهاره فيما إذا كان المقتول من الطائفة الدافعة، فإن كان هذا مراده فصحيح ما أفاده كلامه، لكن يرد عليه أنه لا فرق بين الصورتين، فما استظهره مخالف للنصوص الصريحة، كنص الباجي وابن يونس السابقين وغيرهما، وقد حكى الرجراجي الاتفاق على نفي القصاص وعبارته تشمل الصورتين، وإن كان موضوع كلامه أولا في الفرقتين الباغيتين

стр. 8725

معا، فإنه قال: فإن كان الصنفان من أهل العصبة فافترقا عن قتيل أو جريح، فإن كان من غير الصنفين كالحاجز بينهما، فإن علم قاتله أو جارحه ببينة أو بقوله: دمي عند فلان اقتص منه في القتل يعني في البينة بلا قسامة والثاني بقسامة، ويثبت الجرح بشاهد ويمين، وإن لم يعلم القاتل والجارح فديته على الفريقين، وكذا إن لم يعلم من أي الفريقين هو، وإن كان من أحد الفريقين فإن علم قاتله أو جارحه بشاهدين فالقود قولا واحدا، فإن علم بشاهد أو قول القتيل: دمي عند فلان فالمذهب على قولين، أحدهما أنه يقسم مع ذلك وهو مشهور المذهب وهو قول مالك وأصحابه وهو أحد قولي ابن القاسم، الثاني أنه لا يقسم مع ما ذكر، وعلل عدم قبول قوله دمي عند فلان بالعداوة، وليس بشيء لأنه يَكُرُّ على قاعدة القسامة بالبطلان لوجود ذلك في كل من قال دمي عند فلان. وذكر ابن وهب عن مالك أن النائرة دليل يحلف معه المجروح ويقتص إذا ثبتت ببينة، قال أصبغ: ونزلت فحكم فيها ابن القاسم بهذا، فإن ثبتت النائرة بشاهد فلا يحلف مع الشاهد على القتل ويحلف المدعى عليه ويبرأ، وإن لم يعلم قاتله فديته على الطائفة المنازعة لطائفته في أموالهم، واختلف في ذلك هل بقسامة أم لاد؟ مشهور المذهب: بلا قسامة وهو قوله في المدونة، والثاني بقسامة، واتفقوا على أنه لا يقتل جميع الطائفة المنازعة لأنهم لم يتفقوا على قتله وإنما تقتل الجماعة بالتمالؤ على القتل، وأما من قتل في الصف فإنما يقتل به المباشر، وربما يكون فيهم من لا يريد قتل ذلك الرجل إما لدناءته وإما لمودة بينه وبينه، ووجه القول بانتفاء القسامة أن القتيل ربما قتلته طائفة وإن من غير قصد، فإن أقر أحد بقتل رجل من غير طائفته فالأولياء مخيرون في قتله بإقراره أو أخذ ديته من طائفة المقر، وإن زحفت طائفة لأخرى، فإن قدرت المطلوبة على الانتصار بالسلطان ولم يفعلوا فهم كالزاحفة وإن لم يقدروا، كما إذا عاجلوهم فليناشدوهم فإن أبوا فالسيف، ومعنى ذلك لا دية عليهم، وأما إذا تأولت الطائفتان فلا قود ولا دية ولا قسامة، والأنفس والأموال هدر إلا إذا بقي المال بأيديهم فيرد إلى ربه. انتهى. وقال التتائي: كزاحفة على دافعة فدم الزاحفة هدر ودم الدافعة قصاص، وإن كان القاتل والمقتول معا من طائفة واحدة غلطا فالدية عليها لأنه خطأ. قاله اللخمي. انتهى.

стр. 8726

وهي خمسون يمينا لما ذكر سبب القسامة ذكر تعريفها بقوله:. "وهي" أي القسامة أي عدتها خمسون يمينا لا يزاد عليها، ولو كان الأولياء أكثر من خمسين فيحلف منهم خمسون بالقرعة، وإنما يحلفها البالغ العاقل، وأما الصبي فينتظر بلوغه، وهل يطلب من العاقلة حينئذ الحلف لاحتمال نكولها فتغرم وهو الظاهر أم لا؟ قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ولما قدم سبب القسامة ذكر تفسيرها بقوله: وهي من بالغ عاقل خمسون يمينا والتحديدُ بالخمسين تعبدٌ، وأشار بما ذكر إلى أن القسامة نفس الأيمان لا الحلف ولا القوم الحالفون وانتظر بلوغ الصبي، ويطلب من العاقلة الحلف حالا لاحتمال نكولها. انتهى. وقال التتائي: قال مالك: باللَّه الذي لا إله إلا هو، ولا يزاد: الرحمن الرحيم، والتحديد تعبد ولا يزار على الخمسين ولو كان الأولياء أكثر من ذلك، وقيل: يحلف جميعهم لتعلق الحق بهم حكاه ابن رشد عن ابن الماجشون، إلا أنه قال: رأيته في كتاب مجهول. انتهى. وقال البناني: قال ابن رشد في نوازله في كيفية قسامة قام بها أبو المقتول وأخوه: يقول الأب في يمينه بمقطع الحق قائما مستقبل القبلة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة على ما مضى عليه عمل القضاة: باللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الخ، وكذا يقسم الأخ. انظر الحطاب. وقال الحطاب: قال البرزلي: وسئل أصبغ بن محمد هل يزيد ولي الدم في يمينه أن ما شهد به المشهور من قول المدمي حق أم لا؟ فأجاب: لا يلزم ولي الدم أن يزيد في يمينه إحقاق ما شهد به الشهود من قول المدمي، ولا علمت أحدا من أهل العلم قاله. انتهى. وقال المواق قال ابن عرفة القسامةُ حلف خمسين يمينا أو جزئها على إثبات الدم. انتهى. والمؤلف رجح القول بأنها نفس الأيمان لا الحلف. متوالية يعني أن هذه الخمسين يمينا تكون متوالية أي توالي أيمان كل واحد من الحالفين في نفسها في الخطإ، وفي العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا حتى تتم أيمانها، ولا يحلف واحد جميع حظه قبل حظ أصحابه، فالحاصل أنه في الخطإ يحلف جميع حظه، ثم يحلف غيره جميع حظه وفي العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا. قال عبد الباقي عند قوله: "متوالية" ما نصه: في نفسها لأنها أرْهَبُ وأوقع حينئذ في النفس، ولكن في العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا

стр. 8727

حتى تتم أيمانها، ولا يحلف واحد جميع حظه قبل حظ أصحابه؛ لأن العمد إذا نكل واحد بطل الدم فشدد فيه لصون الدماء ما أمكن، وأما الخطأ فيحلف كل واحد جميع ما ينوبه قبل حلف أصحابه؛ لأن من نكل لا يبطل على أصحابه والمال أسهل من القصاص، لكن إن وقع في العمد وحلف كل ما ينوبه قبل أصحابه صح. انتهى. قوله: لأن العمد إذا نكل واحد بطل الدم فشدد فيه لصون الخ، قال البناني: فيه نظر، والظاهر ما قاله غيره من أنه لو كلف أن يحلف جميع حظه من الأيمان دفعة لربما نكل الآخر عن الأيمان: فتذهب أيمان من حلف باطلا، وهذا التوجيه يقتضي أن الحق للولي في ذلك، فلو شاء أن يحلف الجميع دفعة لكان له ذلك. انتهى المراد منه. بتا يعني أن الحلف في القسامة يكون بتا أي يحلفون على القطع لا على نفي العلم؛ أي لا يقول الحالف في القسامة: لا أعلم أن أحدا غير هذا قتله واعتمد البات على ظن قوي. وقوله: "بتا" قال الشبراخيتي: وهو مصدر نوعي أي حلف بتا لا على العلم، واستدل للبت بقول الأنصار للنبي ﷺ : كيف نحلف ولم نحضر؟ إذ لو كانت على العلم لم تكن غيبتهم مانعة منها. انتهى. ونحوه للتتائي وللحطاب ولغير واحد، وقال المواق: ابن الحاجب: يحلف الوارثون المكلفون، كان الوارث واحدا أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى، خمسين يمينا متوالية بتا. انتهى. وإن أعمى أو غائبا يعني أن العمى والغيبة والصغر لا تمنع من الحلف على البت، فلذا يحلف أيمان القسامة على البت، وإن كان الحالف أعمى أو كان غائبا حين القتل أو كان صغيرا وتؤخر أيمانه لبلوغه، قال الحطاب: وإن أعمى أو غائبا يريد أو صغيرا ويحلف إذا بلغ ويأخذ حصته كما ذكره ابن عرفة عن الموازية. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أعمى أو غائبا حين القتل. ابن عبد السلام: العمى والغيبة إنما يمنعان من سهولة حصول أسباب التحقيق والبت لا من البت والتحقيق: فإن قال الأعمى أو الغائب: قد تحققت ما أدعيه دين ومكن من الحلف. انتهى. وقال المواق من المدونة: يمين القسامة على البت، وإن كان أحدهم أعمى أو غائبا حين القتل. سحنون: لأن العلم يحصل بالخبر والسماع كما يحصل بالمعاينة. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن

стр. 8728

أعمى أو غائبا حين القتل؛ لأن العمى والغيبة لا يمنعان تحصيل أسباب العلم لأنه يحصل بالسماع والخبر كما يحصل بالمعاينة، وفي الرسالة: ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة؛ أي ولو بعدت كعشرة أميال، ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة أي كالثلاثة وما قاربها. انتهى. قوله: ولو بَعُد كعشرة أميال تبع فيه الأجهوري، فإنه قال عقب نقله كلام الرسالة: قوله أعمالها أي ولو عشرة أميال. وقول أبي الحسن في شرحها: ولو عشرة أيام خلاف النقول، وقوله: ولا يجلب لغيرها إلا من الأميال اليسيرة كالثلاثة وما قاربها. انتهى. قال الرهوني: ولا أدري ما هذه النقول التي زعم أنها خلاف ما قاله أبو الحسن، بل النقول شاهدة لأبي الحسن. قال ابن يونس في ترجمة جامع الدعوى والأيمان من كتاب الشهادة الثاني: فأما القسامة فإنه يحلف فيها أهل مكة في مسجدها، وأهل عمل المدينة وبيت المقدس يجلبون إلى مسجدهما، قيل: فلو كانوا عشرة أيام قال لم أوقف مالكا عليه، ولا شك أن عمل أهل مكة يجلبون إلى مسجدها حيث كانوا وكذلك المدينة وبيت المقدس، ولا يجلبون إلى سائر البلاد إلا مثل عشرة أميال ونحوها. انتهى. وقال في ترجمة أيمان القسامة من كتاب الديات ما نصه: قال مالك: يجلب من بأعراض مكة والمدينة وبيت المقدس إليها، وإن كانوا على عشرة أيام، ولا يجلب إلى غيرها من البلدان إلا من مثل عشرة أميال. انتهى. ونقله أيضا ابن مرزوق، وقال اللخمي: قال مالك: يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس، وأما غيرها فيستحلفون في مواضعهم إلا أن يكونوا قريبا من المصر العشرة أميال ونحوها، وفي آخر نوازل المعيار عن مختصر الواضحة: ولا يجلب الحالف في الأيمان إلى غير موضعه إلا في القسامة: فإن مالكا قال: ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس من كان من أعمالها، وأما أهل الآفاق فيستحلفون في مواضعهم إلا أن يكونوا قريبا من المصر نحو العشرة أميال ونحو ذلك، قال مالك: فأرى أن يجلبوا إلى المصر فيحلفون في المسجد. انتهى. وفي تبصرة ابن فرحون: ويؤتى إلى المساجد الثلاثة من عشرة أيام وإلى سائر الأمصار من عشرة أميال. انتهى. وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: قوله: ولا يجلب لغيرها إلا من الأميال اليسيرة، قال التادلي: اختلف في الأميال اليسيرة، فقيل ثلاثة أميال وقيل بريد وقيل عشرة أميال. انتهى.

стр. 8729

وبه تعلم ما في كلام الأجهوري ومن تبعه، وفي سكوت التاودي والبناني عن ذلك ما لا يخفى. واللَّه الموفق. انتهى كلام الرهوني. يحلفها في الخطإ من يرث يعني أن أيمان القسامة في قتل الخطإ يحلفها الورثة، ولا فرق في ذلك بين عصبة المقتول وغيرهم، ولا فرق أيضا بين الوارث الواحد والمتعدد، ولهذا قال: وإن واحدا أي وإن كان الوارث واحدا فإنه يحلفها كلها ويأخذ إرثه، سواء كان يَحُوزُ المال كابن وأخ، أو لا كأخ لأم فيأخذ إرثه ويسقط ما بقي، قال الشبراخيتي: وفهم من قوله: "من يرث" أنها توزع على قدر إرث كل واحد وهو كذلك إن وجد متعدد، وكذا إن انفرد واستوعب كابن وأخ شقيق أو لأب أو عم، وكذا يحلفها من انفرد ولم يستوعب كبنت وأخت وزوج وزوجة، ولذا قال: "وإن واحدا". أو امرأة ويسقط الباقي من الدية إن لم يكن مع المرأة وارث إلا بيت المال كما ذكره أبو الحسن، وسيأتي أن العمد لا يحلف فيه أقل من رجلين عصبة، قال الشارح: وبدأ بالقسامة في الخطإ لرجحانها على العمد لموافقتها الأصول؛ لأن الأيمان فيها مقصورة على الورثة فلا يحلفها غيرهم ويحلفها كل وارث ممن حضر ولو كان أقلهم نصيبا من الميراث، وقسامة العمد بخلاف الأصول في هذه الوجوه أو أكثرها غير أنها أصل لقسامة الخطأ. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال الحطاب: أو امرأة كما لو لم يخلف إلا بنتا واحدة، قال في المدونة: فإن لم يدع إلا بنتا بغير عصبة حلفت البنت خمسين يمينا وأخذت نصف الدية ويسقط الباقي، وقال ابن رشد: وإذا قال دمي عند فلان وله وارث معلوم مع جماعة المسلمين مثل الزوجة أو الزوج حلف الوارث المعلوم خمسين يمينا، واستحق حقه من الدية وبطل الباقي. وفي الذخيرة: المقسم في الخطإ جميع المكلفين من الورثة رجالا ونساء يحلفون بقدر ميراثهم، ومن لا وارث له فلا قسامة له لتعذر قَسَمِ بيت المال. انتهى. ولا يقسم في العمد إلا ولي ذو نسب أو ولاء، ولا يقسم من القبيلة إلا من التقى معه إلى نسب ثابت، ولا يقسم المولى الأسفل بل ترد الأيمان على المدعى عليهم. انتهى. وقال عبد الباقي: يحلفها في الخطإ من يرث وإن واحدا ولو أخا لأم أو امرأة، ويسقط باقي الدية إذا لم يكن مع المرأة وارث إلا بيت المال، فإنه لا يطلب بحلف ولا حق له في باقي الأيمان. ذكره

стр. 8730

أبو الحسن على المدونة. وفي قوله: "من يرث" إشعار بحلفه على قدر إرثه حيث كان معه من يستوفي الإرث، وإلا حلف جميع أيمانها وأخذ قدر إرثه وسقط الباقي. انتهى. وقال الخرشي: اعلم أن القسامة في قتل الخطإ مَقِيسَة على القسامة في قتل العمد الذي ورد النص، فيه فيحلف في الخطإ من يرث المقتول من المكلفين وتوزع هذه الأيمان على قدر الميراث لأنها سبب في حصوله، وإن لم يوجد في الخطإ إلا امرأة واحدة فإنها تحلف الأيمان كلها وتأخذ حظها من الدية، فكذلك لو لم يوجد من يحلف إلا واحد من الإخوة للأم فإنه يحلف خمسين يمينا ويأخذ حظه من الدية ويسقط الباقي عن الجاني من الدية لتعذر الحلف من بيت المال. انتهى. وجبرت اليمين على أكثر كسوها يعني أنه إذا انكسرت اليمين بأن ناب أحد الحالفين جزء منها وناب غيره ذلك فإن اليمين تجبر أي تكمل على من نابه من الأجزاء أكثر مما ناب غيره، ولو كان صاحب الجزء الكثير أقل نصيبا من غيره، قال التتائي: ولا تقدم أن اليمين في الخطإ على قدر الميراث ويلزم منه انكسار بعضها على بعض الأنصباء والانكسار قد يكون بأجزاء مختلفة أو متساوية، بَيَّنَ حكم كل بقوله: "وجبرت اليمين" إن حصل فيها كسر على أكثر كسرها، ولو كان صاحب الكسر الكثير أقل نصيبا من غيره وهو مذهب المدونة، كابن وبنت على الابن ثلاثون يمينا وثلاث وثلث، وعلى البنت ستة عشر وثلثان فيجبر كسر البنت لأنه أكثر، فتحلف سبعة عشر يمينا، خلافا لقول صاحب المقدمات: تجبر على أكثرهم نصيبا وهو الابن في الفرض المذكور. انتهى. وقال عبد الباقي: وجبرت اليمين إن حصل فيها كسران أو كسور على أكثر كسرها ولو كان صاحبه أقل نصيبا، كابن وبنت على الابن ثلاثة وثلاثون وثلث وعلى البنت ستة عشر يمينا وثلثان، فتحلف سبعة عشر يمينا والابن ثلاثة وثلاثين، ومثال الكسور أن يكون للمقتول زوجة وأم وأخ لأم، فللزوجة الربع اثنا عشر يمينا ونصف وللأم ثلثها ستة عشر يمينا وثلثان، وللأخ للأم سدسها ثمانية وثلث، فتحلف الأم سبعة عشر يمينا لأن كسرها أكثر فشمل المصنف ذلك، ويسقط الكسران وما بقي من أيمان القسامة يحلفها العاصب إن كان، وإلا ردت على المذكورات ويجري فيهن تنظير التتائي الآتي قريبا. انتهى. قوله: ويسقط الكسران الخ غير صحيح، بل إنما

стр. 8731

يسقط ثلث اليمين عن الأخ، وأما النصف فيكمل على الزوجة ويكمل على العاصب أيضا لأنهما كسران متساويان، والظاهر أن هذا حيث كان المنكسر يمينين كما في المثال، أما إذا وقع الانكسار في يمين واحدة فإنه يكمل الأكثر ويسقط ما عداه ولو تعدد، كمثال المدونة ففيها: إن لزم واحدا نصف اليمين وآخر ثلثها وآخر سدسها حلفها صاحب النصف، فصورت ببنت وأم وزوج وعاصب. انتهى من المواق: وبيانه أن على الأم سدس الأيمان وهو ثمانية وثلث، وعلى الزوج الربع وهو اثنا عشر ونصف: وعلى العاصب نصف السدس أربعة أيمان وسدس، فيكمل النصف على الزوج ويسقط الكسران وهما الثلث والسدس على الأم والعاصب؛ لأن الانكسار إنما وقع في يمين واحدة. فتأمله. انتهى. وإلا يكن الكسر أكثر بل مساويا، كثلاثة بنين على كل ستة عشر وثلثان فإنها تكمل على الجميع، فيحلف كل واحد سبع عشرة يمينا، ولو كانوا ثلاثين حلف كل يمينين، فقوله: "وجبرت" إلى قوله: "الجميع"، كالتخصيص لقوله: وهي خمسون يمينا أي معناه ما لم يكن كسر، وإلا فتزيد على الخمسين في بعض الصور أي حيث تساوت الكسور. واللَّه تعالى أعلم. تنبيه: قال الرهوني: ظاهر كلام المصنف والزرقاني والأجهوري والخرشي أن حلف الجميع متحتم، فلو طاع أحدهم بحلفها لم يكف، وكلام ابن يونس صريح في أن محل ذلك إذا لم يتطوع أحدهم بحلفها، وإلا لم يكمل على غيره. انتهى. وجلب من النقل ما حاصله أنه إن تطوع أحدهم بحلفها اكتفي بذلك، وإن لم يتطوع جبرت على الجميع. وقال ابن أبي زمنين: يقترعون، فمن وقعت عليه القرعة جبرت عليه اليمين. واللَّه تعالى أعلم. ابن رشد: إن كان الورثة ثلاثة إخوة جُبرَ على كل واحد منهم الكسر الذي يصير في حظه، فيحلف كل منهم سبعة عشر يمينا. انتهى. ولا يأخذ أحد إلا بعدها يعني أنه لا يأخذ أحد من الورثة شيئا من الدية إلا بعد أيمان القسامة؛ لأنه لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميعها. وقوله: "إلا بعدها" أي ولو كان إحدى جدتين لها نصف سدس لوجود جدة أخرى تشاركها وأبت من الحلف، قال عبد الباقي: ولا يأخذ أحد شيئا من الدية وإن غاب غيره إلا بعدها أي

стр. 8732

بعد حلف جميعها؛ إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميعها، ولو إحدى جدتين لها نصف سدس. قال التتائي: وانظر لو حضر صاحب ثلث وسدس وضاب صاحب نصف هل يحلف كل من الحاضرين من حصة الغائب بقدر نصيبه أو على التساوي؟ انتهى. ثم بعد حلف جميع أيمان القسامة إذا قدم أحد من الورثة كان غائبا حين الحلف المذكور حلف من حضر من غيبته حصته أي ما ينوبه من أيمان القسامة فقط، وأخذ بعد حلفه نصيبه من الدية، وكذا الصبي إذا بلغ بعد حلف غيره جميعها فإنه يحلف ما ينوبه من أيمان القسامة، ويأخذ نصيبه من الدية، فإن مات الغائب قبل قدومه أو الصبي قبل بلوغه وكان الحالف وارثه وحلف جميع أيمانها قبل ذلك، فهل لا بد من حلفه ما كان يحلف موروثه أو يكتفي بأيمان القسامة؟ قولان. وينبغي أن يكون الراجح الأول قياسا على ما مر في قوله: "كوارثه قبله"، وينبغي أيضا أن يجري هنا التأويلان السابقان فيما إذا نكل أولا، وظاهر قوله: ثم حلف من حضر حصته، ولو رجع الأول عن دعوى الدم وهو كذلك؛ لأن يمينه قبل ذلك حكم مضى كما في نقل ابن عرفة عن سماع عيسى، وظاهره أنه ينزع منه ما رجع عنه. انتهى. وقال التتائي: ابن عرفة: سمع عيسى: من أقسمت خمسين يمينا وأخذت حظها من دية الخطإ ثم نزعت وردت ما أخذت ثم أتت أخت لها، فإنها تحلف بقدر حظها لأن يمين الأولى حكم مضى. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن مات الغائب أو الصبي وكان الحالف وارثه فلا بد من حلفه ما كان يحلف موروثه. انتهى. فاقتصر عليه كأنه المذهب، وقد مر ترجيح عبد الباقي له. وإن نكلوا أو بعض حلفت العاقلة يعني أنه إذا نكل ورثة المقتول خطأ كلهم الخ عن أيمان القسامة، أو نكل البعض دون البعض فإن الأيمان ترد على عاقلة الجاني والجاني كواحد منهم. قاله التتائي والواق. فيحلف كل واحد منهم يمينا واحدة، ولو كانوا عشرة آلاف رجل فمن حلف منهم برئ ولا يلزمه، غرم ومن نكل منهم أي من العاقلة فإنه يغرم حصته أي ما ينوبه من الدية. قال عبد الباقي: وإن نكلوا أي جميع ورثة المقتول خطأ أو نكل بعض منهم وحلف بعض منهم جميع الأيمان وأخذ حصتة فقط، ولا دين على المقتول ولا وصية له حلفت العاقلة أي عاقلة القاتل؛ أي حلف كل واحد منهم يمينا واحدة ولو كانوا عشرة آلاف رجل.

стр. 8733

وقوله: "العاقلة" فإن لم تكن حلف الجاني خمسين وبرئ، فإن نكل غرم حصته وتكون للناكلين من عاقلة المقتول، وقولي: ولا دين على المقتول ولا وصية له احتراز عما إذا كان عليه دين أو وصية، فلرب الدين والموصى له عند نكول الأولياء حلف أيمان القسامة كلها وأخذ ديته والوصية كما في التبصرة في الدين، والوصية مثله فيما يظهر فمن حلف من عاقلة القاتل برئ فلا غرم عليه، ومن نكل منهم فحصته فقط لازم غرمها لأولياء الدم الناكلين كلهم أو الناكل بعضهم، والحالف بعضهم بعض أيمانها لسقوط حقه لنكول غيره وعدم حلفه جميعها، وأما من حلف جميعها وأخذ حصته فلا يدخل ثانيا فيما رد على الناكلين. انتهى. قوله: فإن لم تكن أي العاقلة حلف الجاني خمسين يمينا وبرئ، فإن نكل غرم حصته يعني إذا وجد بيت المال الذي يغرم معه وإلا غرم الدية كلها، وقوله: وتكون للناكلين من عاقلة المقتول صوابه من ورثة المقتول لا من عاقلة المقتول. قاله البناني. وقوله: على ألأظهر راجع لقوله: "حلفت العاقلة" لأنه محل الخلاف والاستظهار لا لقوله فمن نكل فحصته، وعبارة ابن رشد: فإن نكل الأولياء أو نكل واحد منهم ففي ذلك خمسة أقوال في المذهب، أَحَدُهُا: أنها ترد الأيمان على العاقلة فيحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف والقاتل كرجل منهم، فمن حلف لم يلزمه شيء ومن نكل لزمه ما يجب عليه وهو أحد قولي ابن القاسم، وهذا القول أبين الأقاويل وأصحها في النظر. الثاني: يَحْلف من العاقلة خمسون رجلا يمينا يمينا، فإن حلفوا برئت العاقلة من الدية كلها، وإن حلف بعضهم برئ ولزم بقية العاقلة الدية كلها حتى يتموا خمسين يمينا وهو قول ابن القاسم الثاني. الثالث: أنهم إن نكلوا فلا حق لهم أو نكل بعضهم فلا حق لمن نكل ولا يمين على العاقلة؛ لأن الدية لم تجب لهم بعد. قاله ابن الماجشون. والرابع: أن اليمين ترجع على المدعى عليه وحده، إن حلف برئ وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء؛ لأن العاقلة لا تحمل الإقرار والنكول كالإقرار، وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة. رواه ابن وهب.

стр. 8734

والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة إن حلفت برئت وإن نكلت غرمت نصف الدية. قاله ربيعة على ما روى عن عمر في قضائه على السعدين. انتهى. بنقل ابن عرفة. قاله البناني. تنبيه: قد مر عند قوله: "حلفت العاقلة": كل واحد منهم يحلف يمينا واحدة ولو كانوا عشرة آلاف. قال مقيده عفا اللَّه عنه: ولا شك أن هذا حيث كانت العاقلة ألفا أو سبعمائة أو وجد منها خمسون فأكثر، فإن لم يكن إلا أقل من خمسين فلا بد من الحلف أكثر من يمين واحدة، وقد نص غير واحد على ما يفيد ذلك، وهو أنه إن لم تكن للجاني عاقلة فإنه يحلف خمسين يمينا وهذا واضح. واللَّه تعالى أعلم. ولا يحلف في العمد أقل من رجلين يعني أنه لا يحلف أيمان القسامة في قتل العمد إلا الرجال، ولا يحلف في ذلك أقل من رجلين، فلا يحلف النساء وإن انفردن ولا يحلف رجل واحد. عصبة يعني أنه لا بد في هذين الرجلين الذين يحلفان القسامة أن يكونا من عصبة المقتول من جهة النسب، سواء ورثوا أم لا، ويأتي: "وللولي الاستعانة بعاصبه" وإن لم يكن من عصبة المقتول. قال عبد الباقي: ولا يحلف الخمسين يمينا في العمد أقل من رجلين عصبة في النسب للمقتول، سواء ورثوا أم لا أو لعاصبه بدليل وللولي الاستعانة بعاصبه: وأما النساء فلا يحلفن في العمد فإن انفردن صار المقتول بمثابة من لا وارث له، فترد الأيمان على المدعى عليه. انتهى. تنبيه: قال عبد الباقي: وسكت عن أكثر من يحلف من عصبة المقتول في العمد لعدم حده وذكر أقله لأنه محدود. انتهى. قوله: وسكت عن أكثر من يحلف من عصبة المقتول في العمد لعدم حده الخ مثله في الخرشي، وفيه نظر إذ أكثره خمسون رجلا كما يدل عليه قول المصنف: "وَوُزِّعَت" الخ. قاله البناني. قال الرهوني: قوله: فيه نظر الخ موافق في المعنى لقول الزرقاني فيما يأتي، فإن زادوا على خمسين فلا يزاد عليها الخ، ولكن الظاهر أنه لا ينبني على المشهور الذي درج عليه المصنف. بقوله: واجتزئ باثنين طاعا من أكثر وإنما ينبني على مقابله وهو قول أشهب وعبد الملك، ففي ابن يونس بعد أن ذكر هذا الخلاف عن ابن المواز ما نصه: وهذا أي قول ابن القاسم أحسن من قول أشهب، وكما يحلف الخمسون عمن بقي والكبير عن الصغير كذلك يحلف

стр. 8735

اثنان عن بقيتهم. انتهى. فهو يفيد أنَّ حلف الخمسين عمن بقي كحلف الاثنين عن الباقي. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن ادعى العمد لم يقتل المدعى عليه إلا بقسامة رجلين فصاعدا. ابن شأس: ويحلف العصبة ولا يدخل النساء في العمد بوجه. انتهى. وقال التتائي: ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة. مالك: هو الأمر المجتمع عليه عندنا. ابن القاسم: أراه أخذه من ناحية الشهادة إذ لا يقتل أحد إلا بشاهدين، ومثله لأشهب وعبد الملك، ألا ترى أن النساء لا يحلفن في العمد وإن ورثن إذ لا تجوز شهادتهن فيه؟ ولا بد من كونهما أي الرجلين عصبة للمقتول من النسب سواء ورثوا أم لا أو ورث أحدهم دون البقية. انتهى. وإلا تكن للمقتول عصبة نسب فالحالفون لأيمان القسامة موال أعلون، قال عبد الباقي: وإلا يكن له عصبة نسب فموال أعلون ذكور وبنوهم، والمراد بالجمع اثنان أي يحلف الاثنان خمسين يمينا لا الأسفلون؛ إذ ليسوا عصبة ولا الأنثى ولو مولاة النعمة؛ إذ لا دخول لها هنا في العمد، وبما قررت من أن معنى لم يكن له عصبة نسب، سقط الاعتراض بأن قوله: "وإلا فموالي" يفيد أنهم ليسوا عصبة مع أنهم عصبة، فالنفي راجع للمقيد مع قيده وهو عصبة نسب، وقرْنُه الموالي بالعصبة يدل على أن المراد بالموالي الأعلون، واعترض المواق ترتيب المصنف، فقال: قوله: "وإلا فموالي" الذي في الموطإ، قال مالك في الرجل يقتل عمدا: إذا قام عصبة المقتول أو مواليه فقالوا نحلف ونستحق دم صاحبنا فذلك لهم. انتهى. ولا يكفي في الجواب أنه تبع ابن شأس لأنه يعترض عليه بمثل ذلك، ولكن يجاب عن المصنف بأنَّ كون الموالي لهم التكلم لا ينافي تأخيرهم عن عصبة النسب. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإلا يكن عصبة من النسب فموالي، راجع لما قدرناه من النسب وإلا لم يصح قوله: "فموالي" لأن الموالي عصبة، وقرن الموالي بالعصبة يرشح أن المراد بهم الأعلون، وأما الأسفلون فلا ولاية لهم اتفاقا. انتهى. وقال التتائي: وإلا فموالي أعلون إذ عصوبتهم أبعد من عصوبة النسب، فلا يقسم الموالي الأسفلون. ابن رشد: لا أحفظ فيه اختلافا. انتهى. وقال الحطاب: لا يحلف النساء، وحكى ابن الفاكهاني قولا بأن النساء يحلفن، قال القلشاني: ولم

стр. 8736

أقف عليه، وأصل المذهب أنه لا مدخل للنساء في القسامة في العمد، ويحلف الموالي الأعلون لأنهم عصبة، ولا يحلف الموالي الأسفلون. نقله ابن عرفة عن سماع يحيى. وللولي الاستعانة بعاصبه يعني أن لولي المقتول واحدا كان الولي أو متعددا أن يستعين بعاصب يلقاه في أب معروف يوازيه ولو كان دونه في الرتبة، فقوله: "بعاصبه" أي عاصب نفسه ولو كان أجنبيا من المقتول، كما إذا قتلت أمه فاستعان بعمه مثلا وأضاف العاصب للضمير للإشارة إلى أنه لا بد أن يكون عاصبا للولي، وكلام المؤلف في العمد، وأما في الخطإ فيحلفها من يرث عاصبا أو غيره كما مر. وقوله: "بعاصبه" المراد بالعاصب الجنس واحدا أو أكثر. قاله الخرشي. وقال: وقوله: "وللولي" وجوبا إن كان واحدا وجوازا إن كان أكثر. انتهى. يعني بقوله: وجوبا أنه لا تصح له القسامة إلا بالاستعانة بعاصبه، فلا ينافي أن يترك القسامة من أصلها. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: "وللولي الاستعانة بعاصبه" أي وللولي إذا كان واحدا أن يستعين بعاصبه، وكذا لو تعدد الولي كما ذكره في التوضيح عن ابن رشد، لكن كلام المصنف إنما هو في الواحد بدليل قوله: "إن لم يزد على نصفها". فتأمله. والمراد عاصبه الذي يجتمع معه في أب معروف، ولا يكتفى في ذلك بأن يكون معروفا أنه من القبيلة الفلانية كما نقله ابن عرفة عن سماع يحيى. انتهى. وقال الشبراخيتي: وللولي واحدا أو أكثر الاستعانة على الحلف بعاصبه أي عاصب نفسه ولو كان أجنبيا من المقتول. انتهى المراد منه. وقد مر عن الحطاب والخرشي ومثله لغيرهما أنه لا بد أن يجتمع معه في أب معروف. قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهو صريح في أن الاستعانة إنما تكون بعاصب النسب لا بالمولى الأعلى الذي ليس من عصبة المقتول. واللَّه تعالى أعلم. تنبيه: وقع في عبد الباقي ما نصه: فقوله: "بعاصبه" أي جنس عاصبه واحدا أو متعددا وأولى بمشاركه في السهم ونحوه في الخرشي، قال البناني: غير صحيح إذ العاصب ليس ذا سهم حتى يشاركه غيره فيه، وأيضا مشاركه في التعصيب مساو له، فكيف يقال: إنه يستعين به؟ انتهى. وقال التتائي: وللولي الواحد فأكثر الاستعانة على الحلف بعاصبه الذي يلتقي معه في أب معروف يوارثه به، قال في توضيحه عن المقدمات: إن وجد رجلا واحدا حلف كل منهما خمسا

стр. 8737

وعشرين يمينا، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت بينهم الأيمان على عددهم، فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما [يجب عليهم] (١) لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه جاز ما لم يزد على خمس وعشرين، وإن كان للقتيل وليان فأرادا أن يستعينا في القسامة بغيرهما من الأولياء الذين دونهم في الرتبة فذلك جائز، ويقسم الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضي المستعان بهم أن يحلف كل واحد منهم أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ولا يجوز لأحدهما أن يحلف أكثر من خمس وعشرين يمينا، وإذا حلف كل واحد من الوليين ما يجب عليه من الأيمان فلا بأس أن يحلف بعض المستعان بهم أكثر من بعض. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: إن كان الولي واحدا استعان ببعض عصبته وَيَجْتَزِي في المعينين بالواحد وللولي فقط حلف الأكثر، ولا يزيد على نصفها. ابن رشد: إن كان ولي الدم الذي له العفو رجلا واحدا فلا يستحقه بقسامة إلا أن يجد من العصبة أو العشيرة من يقسم معه ممن يلقاه إلى أب معروف، فإن وجد رجلا حلف كل واحد خمسا وعشرين يمينا، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليهم لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ما بينه وبين خمس وعشرين يمينا، فإنه لا يجوز له أن يحلف أكثر من ذلك. وقوله: "وللولي الاشعانة بعاصبه" قال عبد الباقي: واللام في "للولي" بمعنى "على" إن كان واحدا وللتخيير إن تعدد، وكلامه في العمد، وأما في الخطإ فيحلفها وإن كان واحدا كما مر. انتهى. وللولي فقط حلف الأكثر يعني أن الولي إذا استعان بعاصب فأكثر فإنه يجوز له أن يحلف من أيمان القسامة أكثر من غيره، إن لم يزد الأكثر على ما أي لم يزد الأكثر على خمس وعشرين، بأن كان خمسا وعشرين فأقل، فإذا وجد الولي عاصبا فقط حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا، فإن أراد أحدهم أن يحلف أكثر من نصيبه لم يكن له ذلك، وإن وجد

стр. 8738

رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليه لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك له ما بينه وبين خمس وعشرين" ولا يجوز له أن يحلف أكثر من خمس وعشرين، واحترز بقوله: "فقط" من المستعان به فليس له أن يحلف أكثر مما يخصه يريد من نصيب الولي، وأما من نصيب المستعان به الآخر فله ذلك. قاله غير واحد. قال مقيده عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكرته هنا كله في المستعان به، سواء كان من عصبة الولي فقط أو من عصبته وهي عصبة المقتول كما هو صريح غير واحد أو كصريحه. واللَّه تعالى أعلم. ووزعت يعني أن أيمان القسامة توزع على عدد المستحقين للدية إن كانوا خمسين فأقل، فإن زادوا على خمسين اجتزئ منهم بخمسين؛ لأن الزيادة على ذلك خارجة عن سنة القسامة. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ووزعت أيمان القسامة على قدر الميراث في الخطإ وعلى عدد الرؤوس في العمد وإن زادوا على الخمسين حلف منهم خمسون بالقرعة، ولا يزاد على الخمسين لأنه خلاف السنة. انتهى. قوله: على قدر الميراث في الخطإ حسن، ولكن الكلام الآن في العمد، وقد مر الكلام على الخطإ. وقوله: "حلف" منهم خمسون بالقرعة نحوه لعبد الباقي، حيث قال: وتدخل القرعة عند المشاحة من يحلفها منهم. انتهى. قال الرهوني: أصله للأجهوري، وانظر من قاله، وعبارة الأئمة تفيد أن حلف الجميع هو الأصل كما تقدم في نقل ابن يونس عن ابن المواز، ونَقْلُ النوادر أقوى في الدلالة على ذلك، ونصها: ومن كتاب ابن المواز: إن كان الأولياء في العمد سواء في القعدد كالإخوة أو الأولاد أكثر من خمسين أو أقل، فمذهب ابن القاسم أن يمين رجلين منهم خمسين يمينا بينهما سواء يجوز وينوب عمن بقي، ولا يحلف أقل من رجلين ثم القتل إلى جميعهم والعفو (١) من حلف ومن لم يحلف. انتهى محل الحاجة منه على نقل ابن مرزوق. ويدل على ذلك أيضا أن ابن رشد حكى في المقدمات الخلاف في الاجتزاء بالخمسين من أكثر. نقله ابن عرفة وابن مرزوق وسلماه. وبه يعلم أن قول

стр. 8739

الزرقاني: ولا يزاد عليها، فيه نظر. انتهى. وما نقم عليه مثله في الخرشي والشبراخيتي كما رأيت، ومثل مالهم للتتائي فإنه قال: وَوُزّعت أيمان القسامة على مستحقي الدم، وتقدم أنهم إذا زادوا على الخمسين لا يزاد عليها لأنه خلاف سنة القسامة. انتهى. واجتزئ باثنين طاعا من أكثر يعني أن القسامة توزع على عدد الأولياء كما عرفت، فإذا كانوا أكثر من اثنين فإنه يجترأ بهما، والمعنى أن جميعهم متطوعون بالحلف منقادون له من غير امتناع منه، أو لم يعلم ما عند غير الاثنين الذين طاعا بحلف جميع الأيمان حملا لها عن بقية الأولياء، فذلك هو الذي يجتزئ به. قال عبد الباقي: واجتزئ في حلف جميعها باثنين طاعا من أكثر من غير نكولهم كما يفيده، قوله: "طاعا من أكثر" إذ المتبادر منه أن معناه من طوع أكثر، ويفيده أيضا قوله الآتي: "بخلاف غيره". انتهى. وقال الشبراخيتي: واجتزئ باثنين من ولاة الدم إن كان الولاة أكثر طاعا من أكثر، ظاهره سواء كان عددهم خمسين أو أقل أو أكثر، وربما يستروح أن البقية ليسوا ناكلين، وإلا لقال: واجتزى باثنين إن أبى الأكثر. انتهى. وقال التتائي: واجتزى في حلف جميعها باثنين طاعا من أكثر من غير علم ما عند غيرهما عند ابن القاسم، ولا يعد من لم يحلف ناكلا إلا أن يصرح به، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون: لابد من حلف الجميع ولا يجزئ أن يحلف بعضهم، وفهم مما قررنا أنه لو نكل غيرهما لم يجتز بحلفهما وهو كذلك، وبه يندفع قول الشارح: أخل بالقيد الثاني من كلام أبي محمد المذكور في توضيحه، حيث قال: فإن تطوعا بذلك ولم يكن ذلك ممن لم يحلف نكولا فتأمله. انتهى. ويكفي في الجواب عن المصنف قوله الآتي: "بخلاف غيره". واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن مرزوق: وظاهر كلام المصنف أنه يجتزأ باثنين من أكثر منهما، سواء كان عدد الأولياء خمسين أو أكثر أو أقل، ومثله نقل ابن شأس وهو ظاهر ما نقل في النوادر من قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وحكى فيه خلافا وظاهر ما نقل في المقدمات أن الاجتزاء باثنين من أكثر منهما على خلاف فيه إنما هو إذا لم يكونوا أكثر من خمسين، وأما إن كانوا أكثر من خمسين فلا بد

стр. 8740

من حلف خمسين يمينا يمينا، وهل يجتزأ بالخمسين من أكثر منهم قولان، وهو أيضا ظاهر ما نقل في النوادر من قول غير ابن القاسم في المجموعة وكتاب ابن المواز. انتهى. ثم نقل ما أشار إليه من كلام النوادر والمقدمات، وقال في آخر ما نقله عن المقدمات ما نصه: ورأيت لابن القاسم في كتاب مجهول أنه لا بد أن يحلف جميعهم وإن زادوا على الخمسين، وإلا لم يستحقوا الدم. انتهى. وقول ابن مرزوق عن ابن رشد: ورأيت لابن القاسم في كتاب مجهول الخ، كذا وجدته فيه وهو خلاف ما في ابن عرفة، فإنه قال: فإن طاع اثنان بحمل الخمسين جاز عند ابن القاسم، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون: إنه لا بد أن يحلفوا كلهم ومن لم يحلف منهم فهو كنكوله وإن زاد عددهم على خمسين، فاتفقوا أنه إن حلف منهم خمسون أجزأهم، ورأيت لابن الماجشون في كتاب مجهول أنه لابد أن يحلف كل واحد منهم يمينا وإلا لم يستحقوا الدم. انتهى. فنسب ذلك لابن الماجشون لا لابن القاسم، ولابن الماجشون عزاه في التبصرة ونصها: ولو كان عددهم أكثر من خمسين اجتزئ منهم بخمسين على مذهب ابن القاسم وأشهب، وعن ابن الماجشون أنهم يحلفون كلهم يمينا يمينا. انتهى منها بلفظها. واللَّه أعلم. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: إن كانوا أقل من خمسين وزعت وإن كانوا أكثر من خمسين اجتزئ بالخمسين على الأصح، وفي الاجتزاء باثنين من أكثر منهما قولان لابن القاسم وأشهب. ابن رشد: وإن كان ولاة الدم أكثر من اثنين وطاع اثنان منهم بحمل الخمسين يمينا جاز ذلك عند ابن القاسم، ولم يعد من لم يحلف من بقية الأولياء ناكلا لأن الدم قد قيم به. انتهى. ونكول المعين غير معتبر يعني أن الولي إذا استعان بعاصبه فنكل المعين عن اليمين فإن نكوله غير معتبر؛ أي لا يضر في ثبوت الدم، فإن وجد الولي من يحلف معه من عصبته ثبت الدم وإلا بطل؛ لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين، والمراد بالعين من ليس له كلام في العفو وعدمه، كان من عصبة الولي فقط دون المقتول، أو كان من عصبتهما. واللَّه تعالى أعلم. قال الخرشي: يعني أن ولي الدم إذا كان واحدا واستعان بعاصبه ليحلف معه فنكل المعين عن الحلف فإن نكوله غير معتبر لاتهامه على الرشوة؛ لأنه لا حق له في الدم، فإن وجد الولي غيره من العصبة

стр. 8741

يحلف معه فلا كلام، وإلا بطل الدم لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة، ومثل النكول التكذيب. انتهى. وقال عبد الباقي: ونكول المعين عن الحلف غير معتبر وكذا تكذيبه لأنه لا حق له في الدم؛ لأنه قد يكون إنما نكل لأنه رشى ثم إن وجد غيره يستعان به وإلا سقط الدم حيث كان الولي واحدا، لقوله: "ولا يحلف في العمد" الخ، فإن رجع المعين بعد نكوله ليحلف برضى الولي فالظاهر عدم تمكينه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ونكول المعين وكذا تكذيبه غير معتبر لأنه لا حق له في الدم، ولأنه يتهم أن يرشى وللولي أن ينظر معينا غيره وإلا بطل الدم، وإذا رجع الأول لا يستعان به لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: قول ابن شأس: نكول المعين لغو واضح لعدم استحقاقه ما يحلف عليه. انتهى. بخلاف غيره يعني أن نكول غير المعين -وغير المعين هو: الذي له الكلام في العفو وعدمه- معتبر فيبطل الدم بنكوله، قال المواق: ومن ابن يونس، قال ابن القاسم: إن كثر أولياء الدم أجزأ أن يحلف اثنان إذا تطوعا ولم يترك باقيهم اليمين نكولا، قال في المدونة: فإن نكل واحد من ولاة الدم الذين يجوز عفوهم إن عفوا فلا سبيل إلى القتل، كانوا اثنين أو أكثر، قال محمد: فرق مالك بين نكول أحد الأولياء عن القسامة قبل القسامة وبعد أن حلف جماعتهم، فقال: إن نكل منهم من له العفو قبل القسامة فلا قسامة لبقيتهم ولا دية ولا دم، ويحلف المدعى عليه خمسين يمينا إن لم يجد من عصبته من يحلف معه، وإن نكل بعد يمين جماعتهم لم يسقط حظ من بقي من الدية ونكول هذا كعفوه. انتهى. وقال الخرشي: بخلاف نكول غير المعين وهو أحد الأولياء الذين في درجة واحدة، كالإخوة والبنين مثلا فإنه معتبر ويسقط القود بذلك كما مر في قوله: "وسقط إن عفا رجل كالباقي"، ولا فرق بين العفو والنكول. انتهى. وقال الشبراخيتي: بخلاف نكول غيره، ممن له استحقاق الدم إن كان قريب القرابة كالأولاد والإخوة، بل ولو بعدوا في الدرجة مع استوائهم فيها كالعم مع بقية الأعمام، وليس المراد بعدوا في الدرجة مع كون غيرهم أقرب منهم كأبناء الأعمام معهم فلا

стр. 8742

كلام لهم ولا يعتبر نكولهم، وقول الشارح: كالأعمام وبنيهم يمكن أن تكون الواو بمعنى أو، وكلام التتائي فاسد وجمع الضمير في قوله: "بعُدُوا"؛ لأن غير متعدد في المعنى. انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف نكول غيره أي غير المعين من أولياء الدم الذين في درجة واحدة، كبنين أو إخوة فيعتبر ولو بعدوا عن المقتول في الدرجة مع اشوائهم مع غيرهم كأولاد عم ونكل بعضهم، وليس المراد بعدوا في الدرجة مع كون غيرهم أقرب منهم، كابني عم مع عم فإنه لا كلام لهم معه فلا يعتبر نكولهم، وأفرد الضمير في غيره وجمعه في بعدوا تفننا؛ ولأنه قد يكون الناكل واحدا وقد يكون متعددا، وأتى بقوله: "بخلاف غيره" مع استفادته من قوله: "وسقط إن عفا رجل كالباقي" لأجل المبالغة هنا. انتهى. قوله: وأفرد الضمير في غيره الخ، الضمير في غيره عائد على المعين وفي "بعدوا" للغير، ففي قوله: تفننا ما فيه. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. وقوله: مع استوائهم مع غيرهم الخ هذا هو الصواب؛ إذ هكذا المسألة مفروضة في كلام الأئمة كاللخمي وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد، خلافا للشارح. وتبعه التتائي في جعله الخلاف المشار إليه بلو إذا بعدوا مع الاختلاف في القعدد، وما قبل لو إذا استووا وَهُوَ وَهَمٌ منه، بل المسألة كلها مفروضة فيما إذا استووا في القعدد، وما قبل المبالغة إذا قربوا كبنين فقط أو إخوة فقط، وما بعدها إذا بعدوا كأعمام فقط. قاله مصطفى. ونص اللخمي: واختلف عن مالك إن كان الأولياء أعماما أو بني أعمام أو أبعد منهم من العصبة، فنكل بعضهم فجعل فيهم الجواب مرة كالبنين، وقال أيضا: لمن لم ينكل إذا كانوا اثنين فصاعدا أن يحلفوا ويقتلوا لأنهم عنده لا عفو إلا باجتماعهم، بخلاف البنين والأول أبين. انتهى. وقال الحطاب: بخلاف غيره ولو بعدوا أي بخلاف نكول غير المعين فإن نكوله معتبر والمعنى أنه إذا كان ولاة الدم في القعدد سواء كالأولاد أو الإخوة فباتفاق، واختلف في غيرهم كالأعمام وبنيهم ومن هو أبعد فالمشهور سقوط القود أيضا، والشاذ أنه لا يسقط إلا باجتماعهم. كذا قرر المسألة في التوضيح. انتهى. فترد على المدعى عليهم سني أنه إذا نكل بعض الأولياء المتساوين في الدرجة أو عفلا فإن الدم يسقط وترد أيمان القسامة على الذين ادعى عليهم القتل، فيحلف كل واحد منهم خمسين يمينا

стр. 8743

إن تعددوا، وإن كان المدعى عليه القتل واحدا حلفها كلها، وإنما حلفوا كلهم حيث تعددوا لأن كل واحد منهم على البدل مُتَّهَمٌ بالقتل، ولا يضر كونه لا يقتل بالقسامة إلا واحد لأن كل واحد منهم غريم، فمن حلف برئ من القتل لكنه يضرب مائة ثم يحبس سنة كما مر، ومن نكل منهم حبس حتى يحلف خمسين يمينا أي يسجن أبدا حتى يحلف، فإن لم يحلف خلد في السجن ما دام ممتنعا من الحلف، ففي المدونة قال مالك: والتهم بالدم إذا رُدَّتْ عليه اليمين لا يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا ويحبس حتى يحلفها. انتهى منها بلفظها. قال أبو الحسن: وظاهر قوله: "حبس حتى يحلف" أنه يحبس أبدا، وقيل بنفس النكول يلزمه العقل، وقيل إذا طال سجنه أطلق، وعلى ما في المدونة اقتصر ابن يونس، وقال: إنه قول مالك وأصحابه. تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي هنا ما نصه: ومن نكل من المدعى عليهم القتل حبس حتى يحلف، فإن طال أزيد من سنة ضرب مائة، وأطلق كما في الجلاب إلا أن يكون متمردا فيخلد في السجن. انتهى. قال الرهوني: قول الزرقاني: فإن طال أزيد من سنة ضرب مائة وأطلق كما في الجلاب فيه نظر من وجود: أحَدُهَا أن الجلاب لم يحد الطول بما عزاه له، ثَانِيهَا أن الجلاب لم يقتصر على ضرب مائة بل زاد مع ذلك حبس سنة، ونص الجلاب: فإن نكل المدعون الدم عن القسامة ورُدَّت الأيمان على المدعى عليهم، فإن نكلوا حبسوا حتى يحلفوا فإن طال حبسهم تركوا، وعلى كل واحد جلد مائة وحبس سنة. انتهى منه بلفظه. ثَالِثُهَا أن حَمْلَ المصنف على ما للجلاب خلافُ ظاهره وخلاف مقتضى مختاره في التوضيح، وقد نبه على هذا التاودي والبناني، قال الأول: فالأولى حمل كلامه عليه. انتهى. وقال الثاني: وعليه ينبغي أن يحمل كلامه هنا. انتهى. ومختاره الذي أشار إليه في التوضيح، قال البناني: الذي استظهره في التوضيح هو الحبس حتى يحلف وإن طال، قال: لأن من طلب منه أمر يسجن بسببه فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب. انتهى. وعليه ينبغي أن يحمل كلامه هنا. انتهى كلام البناني. قال الرهوني: قلت: بل يجب حمل كلامه على ذلك الراجح كما دلت عليه المنقول، قال في المدونة: فإذا حلف خمسين يمينا برئ وإن نكل حبس حتى يحلف، ثم قالت: قال مالك:

стр. 8744

والمتهم بالدم إذا ردت عليه اليمين لا يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا ويحبس حتى يحلفها. انتهى. قال أبو الحسن: وظاهر قوله: "حبس حتى يحلف" أنه يحبس أبدًا، وقيل بنفدى النكول يلزمه العقل، وقيل إذا طال سجنه أطلق. انتهى. وعلى ما في المدونة اقتصر ابن يونس وزاد أنه قول مالك وأصحابه، ففيه أنه إذا وجبت القسامة بقول الميت أو بشاهد على القتل فردت الأيمان على المدعى عليه، فإنه يحلف هو وولاته أنه ما قتله، فإن نكل ها هنا حبس حتى يحلف أَوْ يُقِرَّ، فإن أقر قتل وهذا قول مالك وأصحابه. انتهى. وفي المنتقى: فإذا قلنا يحبس إلى أن يحلف، فإن حبس وطال حبسه فقد روى القاضي أبو محمد: يخلى سبيله، وفي العتبية والموازية: يحبس حتى يحلف، وقال اللخمي: واختلف إذا نكل، فقال مالك وابن القاسم: يحبس حتى يحلف، وقال أشهب: إذا نكل كان عليه دية المقتول، وأرى أن يكون الأولياء بالخيار، فإن أحبوا حبس أبدا حتى يحلف أو يؤاخذوه بالدية ويضرب مائة ويحبس عاما. انتهى. ونقله ابن عرفة مختصرا بعد نقله كلام المدونة ولم يزد على ذلك، فهؤلاء جماعة لم يذكروا ما حمل عليه الزرقاني كلام المصنف، ولم يذكره أيضا المتيطي ولا صاحب المعين، ونص المتيطي: واختلف إذا نكل عن اليمين، فقال ابن القاسم: يسجن أبدا حتى يحلف، وقال أشهب: إن طال سجنه وأيس أن يقر أو يحلف كانت عليه الدية في ماله. انتهى. وفي التوضيح ما يفيد أن ما ذكره عبد الباقي أحد أقوال ثلاثة: الحبس حتى يحلف خمسين يمينا وله أن يستعين، والدية والحبس حتى يحلف أو يطول، والقول الثالث جار على مسائل الطلاق والعتق، وقول التوضيح: لأن من طلب منه أمر يسجن بسببه فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب، فيه نظر؛ لأنه يوهم أن هذا مطرد مسلم في كل مسألة وليس كذلك، فإن مسألة الطلاق التي أشار إليها الخلاف فيها شهير، وقد ذهب هو نفسه فيها على خلاف هذا؛ إذ قال في الشهادات: فإن نكل حبس وإن طال دين. الرهوني: ظاهر كلام اللخمي وغير واحد أنه على قول أشهب بلزوم الدية له في ماله تلزمه عاجلا بلا سجن، وقد مر التصريح بلزوم العقل له عاجلا في كلام أبي الحسن، وهو خلاف ما مر عن المتيطي من أنه إن طال سجنه وأيس منه أن يقر أو يحلف تكون الدية في ماله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8745

ولا استعانة يعني أن المدعى عليهم بالقتل إذا ردت عليهم الأيمان ليس لهم الاستعانة، فلو كان المدعى عليه واحدا لَحَلَف الأيمان كلها ولا تصح له الاستعانة، قال الشبراخيتي: ولا استعانة لمن ردت عليه اليمين بغيره، ومقتضى قول ابن مرزوق أن الراجح القول بأن للمدعى عليه الاستعانة، وذكر في نقله ما يفيده. انتهى. ويأتي قريبا الجواب عن المصنف. والفرق بين أولياء الدم وبين المدعى عليهم أن أيمان أولياء الدم موجبة، وقد يحلف من يوجب لغيره بيمينه حقا، كولي المحجور في بعض الصور وأيمان المدعى عليهم دافعة، وليس لأحد أن يدفع بيمينه ما تعلق بغيره. قاله غير واحد. وقال البناني: هذا الفرق غير ظاهر، بل الظاهر أنه مصادرة، وقال أيضا: عدم الاستعانة هو قول مطرف، واستظهره ابن رشد في أول رسم من سماع عيسى، وعزاه لظاهر ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك. نقله الحطاب. وبه يسقط اعتراض المواق وابن مرزوق على المصنف. انتهى. قوله: هو قول مطرف، قال الرهوني: لما نقله ابن عرفة عن ابن رشد، قال عقبه: قلت: ذكره ابن حارثٍ رواية له والشيخ قولا له ورواية. انتهى. تنبيه: قال عبد الباقي: وأشعر قوله: "فترد" الخ بأن الناكل من المدعين لو أراد أن يعود إلى اليمين ليس له ذلك وهو كذلك، ويدل له ما تقدم في الشهادات من قوله: "ولا يمكن منها إن نكل" وتفريع قوله: "فترد" على النكول ربما يدل على أنه لو كان ولي الدم رجلا واحدا ولم يجد من يُعينه أي أو نَكَلَ المعين أنها لا ترد على المدعى عليه، مع أنها ترد. انتهى. كلام عبد الباقي. وإن أكذب بعض نفسه بطل يعني أن بعض الأولياء إذا أكذب نفسه، بأن قال: كذبت فيما ادعيت من القتل قبل القسامة أو بعدها، فإن الدم يبطل فلا قود ولا دية للمكذب نفسه ولا لغيره. قال عبد الباقي: وإن أكذب بعض من حالفي أولياء الدم نفسه بعد القسامة أو قبلها بطل الدم، فلا قود ولا دية لواحد منهم، وترد إن أخذت. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أكذب بعض من العصبة الحالفين نفسه قبل القسامة أو بعدها بطل القود والدية لأنه كالشاهد بالظلم على غيره، وإن كانوا قبضوا الدية ردوها. انتهى. قوله: "وإن أكذب بعض نفسه" أي ممن له الاستيفاء. قاله الخرشي، وقال التتائي: وإن أكذب بعض من العصبة الحالفين نفسه بعد حلفه، بأن قال إنه

стр. 8746

كاذب فيما ادعاه بطل القود والدية؛ لأنه كالشاهد بالظلم على غيره، وإن كانوا قبضوا الدية ردوها. انتهى. وقال البناني: قال مصطفى: حكم التكذيب في القسامة حكم النكول، ولو جمعه المؤلف معه، فقال: بخلاف غيره أو تكذيبه نفسه، ليرتب عليهما قوله: "ولو بعدوا" وقوله: "فترد على المدعى عليهم"، أو يشبه به فيقول "كتكذيبه"، وعبارته لا يعلم منها إلا إبطال الدم، ولا يعلم حكم الرد والكلام كله في العمد. انتهى. والعفو قبل القسامة مثل النكول والتكذيب في ذلك. انتهى. بخلاف عفوه فللباقي نصيبه من الدية يعني أن بعض الأولياء إذا عفا قبل القسامة، فإن حكم ذلك كحكم التكذيب، بخلاف ما لو عفا عن القود بعد القسامة فللباقي نصيبه من دية عمد، والمراد بالباقي الولي الذي لم يعف. قال الشبراخيتي: فللباقي نصيبه من الدية ويسقط نصيب العافي، وقال عبد الباقي: بخلاف عفوه أي البعض بعد القسامة أو البينة فللباقي نصيبه من الدية، وأما قبل القسامة فكالتكذيب فلا شيء لغير العافي، وانظر إذا أكذب بعض نفسه يعد القسامة والاستيفاء معا، فهل يقتص من المكذب؟ أو حكمه حكم من رجع عن شهادته فيغرم الدية ولو متعمدا؟ وهو المستفاد من كلام بعضهم وإذا كانت القسامة في الخطإ وأكذب بعض نفسه فيستحق غيره نصيبه من الدية بحلفه مقدار ما ينوبه من الأيمان فقط، كما اقتصر عليه ابن عرفة، بناء على عدم إلغاء الأيمان الصادرة من المكذب نفسه وهو الظاهر. انتهى المراد منه. وقال المواق: ابن رشد: إن عفا أحد الأولياء عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة، أو أكذب نفسه بعد القسامة، فثالث الأقوال أنه إن عفا كان لمن بقي حظوظهم من الدية، وإن أكذب نفسه لم يكن لمن بقي شيء من الدية، وإن كانوا قد قبضوها ردوها هذا ورهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، وساوى ابن القاسم بين العفو قبل القسامة والنكول، وفرق بعد القسامة بين أن يعفو أحد الأولياء أو يكذب نفسه فجعل تكذيب نفسه، بعد القسامة كعفوه عن الدم قبل القسامة لا شيء لمن بقي من الدية على ما ذكرناه. انتهى. ولا ينتظر صغير قال الخرشي: يعني أن الأولياء إذا كانوا في درجة واحدة وفيهم صغير مستغنى عنه ولو بالاستعانة بأحد العصبة، فإن الصغير لا ينتظر وللكبار أن يقسموا ويقتلوا. انتهى. وقال

стр. 8747

عبد الباقي: ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير مساو لدرجة كبير، ولكن لا يتوقف الثبوت عليه بدليل الاستثناء، فيقسم الكبير ويستعين بعاصبه ويقتل المدعى عليه بعد القسامة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير لا يتوقف الثبوت عليه، فيحلف الكبار جميع الأيمان ويقتلون. انتهى. وقال التتائي: ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير إذا كان هناك كبار، بل يحلف الكبار جميع الأيمان ويقتلون. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن كان أولاد المقتول صغارا وكبارا، فإن كان الكبار اثنين فلهم أن يقسموا ويقتلوا، ولا ينتظر بلوغ الصغير. انتهى. بخلاف المغمى يعني أن المغمى عليه ينتظر بالقتل لقرب إفاقته، والمبرسم يعني أن المبرسم ينتظر بالقتل لقرب زوال البرسام، وقررته بهذا وإن كان خلاف ظاهره لما يأتي قريبا، وقال عبد الباقي: "بخلاف المغمى والمبرسم" فينتظران لقرب إفاقتهما، وقال الشبراخيتي: بخلاف المغمى عليه والبرسم فإن كلا منهما ينتظر لقرب زوال زمن مرضه، وهذا تكرار مع ما تقدم من قوله: "وانتظر غائب لم تبعد غيبته ومغمى ومبرسم". انتهى. وقال البناني: ظاهر المصنف أنهما ينتظران ببعض الأيمان، ولو وجد من يحلف غيرهما وهو غير صحيح ولم يقل به أحد، وحمله المواق والأجهوري على الانتظار للقتل إذا أراده غيرهما وهو صواب، إلا أنه تكرار مع قوله سابقا: "وانتظر غائب لم تبعد غيبته ومغمى ومبرسم" وبعيد من فرضه هنا. انتهى. إلا أن لا يوجد غيره أي غير الصغير؛ يعني أنه إذا لم يكن مع الكبير إلا صغير، فإنه ينتظر الصغير ببعض أيمان القسامة لبلوغه، فإذا لم يكن مع الكبير ولي ولا معين فإن الصغير ينتظر ببعض أيمان القسامة لبلوغه، فيحبس القاتل، قال في كتاب محمد: ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير فيحلف كما في الطخيخي، ويجري مثل هذا في المجنون المُطْبَقِ. قاله الشبراخيتي. وإذا لم يوجد غير الصغير، وقلنا إنه ينتظر ببعض أيمان القسامة لبلوغه، فإنه يحلف الكبير من أيمان القسامة حصته خمسا وعشرين يمينا الآن، والصغير حاضر معه لأنه أرهب للنفس. قال عبد الباقي: وحضوره مع الكبير ينبغي أن يكون على سبيل الندب لا الوجوب؛ لأن هذا منكر من أصله في المذهب، فليس حضوره شرطا في اعتبار أيمان الكبير، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير

стр. 8748

فيحلف خمسا وعشرين يمينا ثم يستحق الدم، ولا يؤخر حلف الكبير لبلوغ الصغير، فيحلف هو وأخوه لاحتمال موت الكبير أو غيبته قبل بلوغ الصغير، فيبطل الدم. وقوله: "فيحلف الكبير" فإن عفا اعتبر عفوه وللصغير نصيبه من دية عمد، فإن مات الصغير قبل بلوغه ولم يجد الكبير من يحلف معه بطل الدم. انتهى. الشبراخيتي: وقوله: "فيحلف الكبير" الخ جواب شرط مُقَدَّرٍ؛ أي وإذا انتظر الصغير فيحلف الكبير حصته من الآن والصغير معه. انتهى المراد منه. وقال التتائي: فيحلف الكبير حصته والصغير معه حال حلفه، مثله لابن الحاجب وأقره ابن عبد السلام، وعلله المؤلف بأنه أرهب ولا يؤخر الكبير لاحتمال موته أو غييته قبل بلوغ الصغير، فيبطل الدم، وإذا حلف الكبير انتظر بلوغ الصغير فيحلف حصته، وإن عفا الكبير اعتبر عفوه وللصغير نصيبه من دية عمد، وسكت عن حكم الغائب. وفي توضيحه عن ابن رشد: ظاهر المدونة انتظاره. انتهى. ووجب بها الدية في الخطإ يعني أنه يجب بالقسامة في محلها الدية في الخطإ، فيقسم ولاة الدم على جميع المتهمين، قال عبد الباقي: ثم ذكر حكم ما يترتب على القسامة، فقال: "ووجب" بها أي بالقسامة على جميع المتهمين الدية في الخطإ. انتهى. وقال الشبراخيتي: ووجبت بها الدية في الخطإ، وسواء كان الضارب واحدا أو متعددا فلا يقسم إلا على جميعهم. انتهى. والقود في العمد من واحد يعين لها يعني أن العمد ليس كالخطإ، فإذا كان المتهم بالقتل عمدا متعددا فإن ولاة الدم لا يقسمون إلا على واحد يعينونه للقسامة، قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: والظاهر أن اللام في قوله: "لها" للتعليل أي يعين لأجل الحلف على عينه. واللَّه تعالى أعلم. وفي بعض النسخ: تعين لها، وقوله: "من واحد" متعلق بالقود، قال عبد الباقي: ووجب بالقسامة على واحد من المتهمين القود في العمد من واحد يعين لها بتعيينهم من جماعة مستوين في العمد مع وجود اللوث يقولون: لمن ضربه مات، ولا يقولون: لمن ضربهم مات وكذا إن حملوا صخرة عظيمة وألقوها جميعا عليه عمدا كما في الشارح عن النص، وتعيينه حينئذ ترجيح بلا مرجح. انظر الأجهوري. انتهى.

стр. 8749

قال الرهوني: ما عزاه للشارح من النص مثله لابن عرفة، فإنه قال عن ابن حارث: اختلفوا في ثلاثة حملوا صخرة رموها على رجل فقتلوه بها وقام بذلك شاهد واحد، فقال ابن القاسم: لا يقسم إلا على رجل واحد، وقال سحنون: يقسم على جميعهم. انتهى. ثم قال: وعلى الأول يقسمون لمن ضربه لا من ضربهم. قاله محمد وابن عبدوس وابن حبيب عن ابن القاسم. انتهى. وقال الرهوني أيضا: ظاهر كلام الزرقاني أن الحكم ما ذكره، ولو كانوا لا يقدرون على حملها إلا باجتماعهم وهو ظاهر ما تقدم عن ابن عرفة، وظاهر ما نقله ابن عرفة عن الشيخ أبي محمد عن ابن القاسم وأشهب في الموازية والمجموعة من قوله ليس لأوليائه أن يقسموا أو يقتلوا إلا على واحد. انتهى. ولم يقيده ابن عرفة بشيء وهو أيضا ظاهر المدونة، ولم يقيده ابن يونس بشيء، ولكن في التوضيح: وقيد ابن رشد هذا الخلاف بأن يحتمل موته أن يكون عن أحدهم وإن لم يحتمل ذلك، كما لو رموا عليه صخرة لا يقدر بعضهم على رفعها فلا خلاف أنهم يقسمون عليهم كلهم ثم يقتلون من شاءوا منهم. انتهى. ونقله جسوس. وقال اللخمي: قال ابن القاسم في ثلاثة نفر حملوا صخرة فضربوا بها رأس رجل ضربة واحدة فعاش بعد ذلك أياما أكل وشرب وتكلم ثم مات: أنهم لا يقسمون إلا على واحد، ثم قال: وأنكر ذلك سحنون ورأى أنه إذا كان الضرب واحدا كالذين حملوا صخرة فالقسامة على جميعهم، والعمد والخطأ في ذلك سواء، ثم قال: قال الشيخ ﵀: أما إذا كان الضرب واحدا حملوا صخرة متعمدوه بها أو سقطت من أيديهم فكان خطأ ومات، فإنهم لا يقسمون إلا لمات من تلك الضربة ويقتص في العمد من جميعهم والدية في الخطإ على عواقلهم كلهم. انتهى. وقال ابن عرفة: ولابن عبدوس أن المغيرة يقول: تقتل الجماعة بالقسامة وكذلك كان في الزمن الأول حتى كانت أيام معاوية وعلي، وفي الموطإ ما يرد ذلك وهو قول مالك، ولم تعلم قسامة كانت قبل إلا على رجل واحد. انتهى. ومثل ما في الموطإ نقله ابن يونس وسلمه، ونصه: قال في المجموعة: ولم يعلم قط قسامة إلا على واحد. انتهى. واعلم أن المشهور هو ما ذكره المصنف من قوله: "في العمد من واحد يعين لها"، وغمز الرهوني في تقييد ابن رشد، ثم قال: وإذا فرعنا على المشهور فلم يحضر ممن قام عليهم اللوث إلا واحد،

стр. 8750

ففي ابن عرفة: الشيخ: لابن حبيب عن أصبغ: من رمى بدمه نفرا فأُخِذَ أحدهم فسجن وتغيب الباقون وطلب الأولياء إبقاءه حتى يجدوا من غاب فيختاروا من يقسموا عليه، وقال المسجون إما أقسمتم علي وإلا أطلقتموني فذلك له، ويستأنى به قدر ما يطلبون ويرجى الظفر بهم ويتلوم لهم في ذلك، فإن تم التلوم ولم يجدوا قيل للولاة أقسموا على هذا واقتلوه، ثم ليس لكم على من وجدتم من الباقين إلا ضرب مائة وسجن سنة وأن يحلف خمسين يمينا، فإن نكل سجن حتى يحلف، قال: ولهم صلح المسجون على مال ثم لهم القسامة على من شاءوا من الباقين، ويسجن المصالح سنة بعد ضربه مائة. انتهى. ومثله في التوضيح عن أصبغ. انتهى. تنبيه: قال عبد الباقي عند قول المصنف: "من واحد يعين لها" ما نصه: ثم إن محل كونها يعني القسامة على واحد فقط حيث اتحد نوع الفعل، فإن تعدد أو اختلف قتل بها أكثر من واحد، كما أفتى به ابن رشد في ممسك رجل لآخر، ويقول له: اضرب اقتل فيضرب الآخر حتى يموت، أن أولياءه يقسمون عليهما ويقتلونهما. انتهى. ومعلوم أن القسامة بلوث كقوله قبل موته: قتلني فلان وفلان، أما مع ثبوت ما ذكر ببينة فيقتلان بغير قسامة، كما قدمه المصنف بقوله: "وكالإمساك للقتل". انتهى. قال البناني: قول الزرقاني: حيث اتحد نوع الفعل الخ ما نقله عن ابن رشد في مختلف النوع ظاهر المواق أنه خلاف المشهور، قال: وانظر ما لابن رشد في نوازله أنه قد يقتل بالقسامة اثنان. انتهى. قال الرهوني: قول البناني: ظاهر المواق أنه خلاف المشهور الخ قد يقال إن ظاهر المواق أنه تقييد، ولكن الظاهر أنه خلاف المشهور، وليس الممسك مع القاتل بأعظم جُرما من الثلاثة حملوا صخرة وطرحوها على شخص، ولا سيما إن كانوا لا يقدرون إلا باجتماعهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقوله: "من واحد يعين لها" يجب تقييده بما إذا احتمل موته من فعل أحدهم، وأما إن لم يحتمل كرمي جماعة صخرة لا يقدر بعضهم على رفعها فإن القسامة تقع على جميعهم ويقتلون أي واحد شاءوا منهم، كما نقله الشارح عن ابن رشد. وإذا قُتِلَ واحد من الذين رموا الصخرة فعلى كل واحد ممن بقي جلد مائة وحبس سنة كما يفيده ما ذكره التتائي عن أصبغ،

стр. 8751

وإذا وقعت القسامة على واحد بعينه ثم اعترف آخر بالقتل فإن ولي المقتول مُخير في قتل واحد منهما فقط، وإذا قتل أحدهما حبس الثاني عاما وجلد مائة. انتهى. وقال التتائي: من واحد يعين لها المقسم عليه الذي يريدون قتله إن كانت التدمية على جماعة ابن القاسم عن مالك: ويقولون لمن ضربه مات ولا يقولون لمن ضربهم، وأصل القسامة على واحد حديث مسلم: (يقسم خمسون منكم على رجل منهم) (١)، وفي الموطإ: لم يعلم قط قسامة إلا على رجل واحد، وفهم من تعيين المقسم عليه في العمد أن القسامة في الخطإ على جميعهم وهو كذلك، وتوزع الدية على عواقلهم في ثلاث سنين كما في المدونة، ولو قدم القسم عليه للقتل فقال غيره أنا قتلته، فقال ابن القاسم: إن شاءوا قتلوا المقر أوْ الأول، وليس لهم إلا قتل واحد، وإن قال: ضربني فلان وفلان وفلان، منهم أنفذ مقاتلي لم يقسموا إلا عليه. قال في الموازية: وليس على الباقين ضرب ولا سجن. قاله مالك وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ. ابن القاسم: إن قال لهم: أقسموا على فلان فليس لهم أن يقسموا على غيره. لعلمه بأشد ذلك عليه. ابن القاسم: إن أقسموا على واحد من الجماعة ثم أرادُوا تَرْكه وأن يقسموا على غيره منهم، وزعموا أن جرحه كان على وليهم أشد وأنه شُبِّهَ لهم أوَّلًا فليس لهم ذلك في الباقي، والأول إن تركوه على أن الآخر صاحبهم وأبرءوا الأول فليس لهم قتل الأول، وإن انتقلوا للثاني غضبا عليه وندما في تركهم له ولم يتركوا الأول فلهم قتل الأول بقسامة، وفرق ابن القاسم بين العمد لا يقسم الأولياء إلا على واحد والخطأ يقسمون على جميعهم، قال: لأنهم في العمد لو أقسموا على جميعهم لم يجب الدم على جميعهم، فهذا الذي قصدوه بالقسم لا حجة له أن يقول لا تقسموا علي دون أصحابي؛ لأنه يقال له لا منفعة لك هنا، هُم إن أقسموا على جماعتكم وجب لهم دمك، وفي الخطإ إن قُصِدَ واحِد بالقسم عليه كانت له الحجة أن يمنعهم؛ لأنه يقول: الضرب منا جميعا والدية على قبائلنا.

стр. 8752

ولما قدَّمَ أن القسامة مسببة عن قتل الحر المسلم وهو مقتض لعدمها في الجرح والعبد والجنين والكافر، قال: ومن أقام شاهدا على جرح يعني أن من أقام شاهدا واحدا على جرح عمدا أو خطأ، فإنه يحلف مع شاهده ويستحق الدية في الخطإ، والقصاص في العمد. أو قتل كافر يعني أنه إذا قام على قتل الكافر غير الحربي شاهد واحد فإن مقيمه يحلف ويستحق الدية، كان القتل عمدا أو خطأ ولو من مكافئ له؛ لأنه لا يقتص بشاهد ويمين، أو عبد يعني أنه إذا قام على قتل العبد شاهد واحد عمدا أو خطأ فإن سيده يحلف مع الشاهد ويستحق قيمة عبده، ولو كان القاتل مكافئا له لأنه لا يقتص بشاهد ويمين، أو جنين يعني أنه إذا قام على قتل الجنين شاهد واحد فإن مقيمه يحلف مع الشاهد ويستحق دية الجنين. وعلم مما قررت أن قوله: حلف أي مع الشاهد يمينا واحدة جار في المسائل الأربع، فهو جواب الشرط على أن "من" شرطية، وخبر "من" على أنها موصولة، وكذا قوله: وأخذ الدية جار في المسائل الأربع أيضا أي أخذ الدية بعد أن يحلف يمينا واحدة، قال عبد الباقي: ومن أقام شاهدا واحدا على جرح خطأ بدليل قوله: "وأخذ الدية" إذ جرح العمد يقتص فيه بشاهد ويمين أو قتل كافر أو عبد عمدا أو خطأ، ولو لم يزد القاتل حرية أو إسلاما لأنه لا يقتل بشاهد ويمين أو جنين حلف مع الشاهد يمينا واحدة إن اتحد، فإن تعدد ولي الكافر أو الجنين حلف كل واحد يمينا. قاله ابن عرفة. والظاهر أن سَيِّدَ العبد كذلك وأخذ الدية للكافر وقيمة العبد وما يجب في الجنين من دية بقسامة إن نزل حيا في خطإ أو من غرة إن نزل ميتا مع حياة أمه، فإن نزل حيا مع ضرب عمد قتل به بقسامة، وفي إطلاق الدية على جميع ما ذكر تجوز فأراد بالدية اللغوية وهي المال المؤدى فشمل الدية في الجرح والقيمة في الرقيق والغرة إن نزل ميتا والدية إن استهل. انتهى. بتغيير قليل جدا. وقال المواق: أما مسألة قيام شاهد على جرح، فقال في المدونة: لا قسامة في الجراح، ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح عمدا أو خطأ فليحلف معه يمينا واحدة ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جرح العمد وليس بمال؟ قال: كلمت مالكا في ذلك. وقال: إنه لَشَيءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وما سمعت فيه شَيْئًا، وأما مسألة الكافر ففي المدونة، قال

стр. 8753

مالك في نصراني قام على قتله شاهد واحد عدل مسلم: يحلف وُلَاته يمينا واحدة ويستحقون الدية على قاتله مسلما كان أو نصرانيا، وأما مسألة العبد ففي الموطإ، قال مالك: الأمر عندنا في العبيد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة، ثم كان له قيمة عبده، وليس في العبد قسامة في عمد ولا خطإ، فإن قتل العبد عمدا أو خطأ لم يكن على سيد العبد المقتول قسامة ولا يمين، ولا يستحق سيد العبد ذلك إلا ببينة عادلة أو بشاهد ويحلف مع شاهده، وأما مسألة الجنين، ففي المدونة: إن ضربت امرأة فألقت جنينا ميتا، وقالت: دمي عند فلان ففي المرأة القسامة أي ولا شيء في الجنين إلا ببينة؛ لأنه كجرح من جراحها ولا قسامة في الجراح ولا يثبت إلا ببينة أو شاهد عدل، فيحلف يمينا واحدة ويستحق ديته. ابن يونس: يريد يحلف كل واحد ممن يرث الغرة يمينا أنه قتله. انتهى. وقال الحطاب: أما مسألة الجرح، فقال في المدونة: لا قسامة في الجرح ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح عمدا أو خطأ فليحلف معه يمينا واحدة ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكا في ذلك، فقال: إنه لشيء استحسناه وما سمعت فيه شيئا هذا لفظها على اختصار ابن عرفة ونحوه لابن الحاجب، ثم قال: فإن نكل [من قام] (١) بالشاهد حلف الجارح، فإن نكل قال ابن القاسم: حبس حتى يحلف. انتهى. ثم قال الحطاب: فإن أقام شاهدا أن عبد فلان قتل عبده حلف معه، وخير سيد القاتل بين أن يغرم قيمة المقتول وأن يسلم عبده: فإن أسلمه لم يقتل إذ لا يقتل بشاهد واحد. قاله في المدونة. ونقله ابن عرفة. وانظر هل يضرب القاتل مائة ويحبس عاما؟ وفيها: إن قالت دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات، ففي الأم القسامة ولا قسامة في الولد؛ لأنها لو قالت قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى. بخلاف ما إذا ثبت موتها وخروج

стр. 8754

الولد بشاهد واحد، فإن ورثته يحلفون معه يمينا ويستحقون الغرة، وإن استهل صارخا ففيه القسامة لأن الشاهد لوث، وقول المرأة ليس لوثا في حق ولدها. واللَّه أعلم. انتهى. وإن نكل برئ الجارح إن حلف يعني أنه إذا لم يحلف مقيم الشاهد في المسائل الأربع فإنه يحلف الجارح ومن معه وهو المدعى عليه بقتل الكافر أو العبد أو الجنين ويبرء، فالضمير المستتر في "نكل" للمقيم الشاهد، والضمير في حلف يعود على الجارح، وقد علمت أن مثل الجارح غيره ممن ذكر معه، وإنما خص المصنف الجارح مع أن المدعى عليه بقتل الكافر أو العبد أو الجنين كذلك لأجل قوله: وإلا يحلف الجارح حبس حتى يحلف، وقيل إن طال حبسة عوقب وأطلق إلا أن يكون متمردا فيخلد في الحبس، وأما غير الجارح فيغرم إن لم يحلف ولا يحبس. قال عبد الباقي: وإن نكل عن اليمين مع إقامة الشاهد برئ الجارح وغيره ممن ذكر معه، إن حلف وإلا يحلف غرم في الصور كلها من غير حبس سنة ولا ضرب مائة كما هو مقتضى كلامهم، ما عدا جرح العمد فإنه يحبس فيه، كما قال: "حبس" حتى يحلف أو يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. إلا أن يكون متمردا فيخلد في السجن. انتهى. وقال المواق من المدونة: من أقام شاهدا على جرح عمدا فليحلف ويقتص، فإن نكل الجارح أحلف وبرئ: فإن نكل حبس حتى يحلف. الجلاب: وإن طال الحبس أطلق. انتهى. وقال التتائي: وإن نكل وردت اليمين الواحدة على المدعى عليه برئ الجارح ومن معه إن حلف. انتهى المراد منه. والحاصل أن مقيم الشاهد إن حلف استحق ما ادعاه في الجميع، وإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ في الجميع، فإن نكل غرم في الجميع، إلا في جرح العمد فإنه يحبس حتى يحلف أو يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. قاله الشبراخيتي والخرشي. وهو صريح في أن الجارح إن نكل ونكل المدعى عليه لا غرم عليه، وإنما عليه الحبس، وقد مر عن الحطاب أنه يحبس حتى يحلف، وقال عبد الباقي والشبراخيتي: يحبس حتى يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. قال عبد الباقي والخرشي: إلا أن يكون متمردا عن الأحكام فيخلد في السجن. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8755

فلو قالت دمي وجنيني عند فلان ففيها القسامة يعني أن الجنين لا قسامة فيه كما مر، فلذلك لو قالت امرأة دمي وجنيني عند فلان فماتت المرأة ففي المرأة القسامة؛ لأن قولها لوث يقسم معه الأولياء، ولا شيء في الجنين لأنه بمنزلة الجرح حيث لم يستهل والجرح لا قسامة فيه، وإن استهل أي لا شيء في الجنين استهل أم لا، لما علمت أنه إن لم يستهل فهو كالجرح، وأما إن استهل فهو بمنزلة قولها: قتلني وقتل فلانا معي، وقولها: وقتل فلانا معي، ملغى، قال المواق من المدونة: إن قالت: دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات ففي الأم القسامة، ولا قسامة في الولد لأنها لو قالت: قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولذلك لو ألقت جنينا ميتا وقالت دمي وجنيني عند فلان وماتت، كانت القسامة في الأم ولا شيء في الجنين، ولو ثبت الأمران بعدل واحد فالقسامة في الأم ويمين واحدة في الجنين. انتهى. وقد بان من هذا أن القسامة في الأم تثبت بقولها وبالشهادة، وأما في الجنين فلا تثبت القسامة إلا بالشهادة، ومحلها حيث نزل حيا. واللَّه تعالى أعلم. ولما فرغ ﵀ من الكلام على القتل والجرح الذين يكون عنهما إذهاب النفس الذي هو من أعظم الذنوب في حق الآدميين، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب سفك الدماء وما دونه من العقوبات، والجناية هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره مما يضر حالا أو مآلا، والجنايات الموجبة للعقوبة سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه إذهاب الأنفس والأموال غالبا، فقال:
следующие страницы →